← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13604

توضيح الأحكام من بلوغ المرام

عبد الله البسام

Полный текст (4 050 стр.). Показаны 3046–3085 · переход к 3051.

стр. 3046

١٠٠٦ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "عُذِّبَتِ امْرَأةٌ فِي هرَّةٍ، سَجَنَتْهَا حَتَّى مَاتَتْ، فَدَخَلَتِ النَّارَ فِيهَا، لاَ هِيَ أَطْعَمَتْهَا وَسَقَتْهَا، إِذْ هِيَ حَبَسَتْهَا، وَلاَ هِيَ تَرَكَتْهَا تَأُكُلُ مِنْ خَشَاشِ الأَرْضِ" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). ــ * مفردات الحديث: - في هرَّة: "في" للسببيَّة؛ أي: لأجل هرَّة. - هرَّة: هي الأنثى من القطط، والذكر: هر، جمعه: هرر. - سَجَنتَهَا: حبستها، وربطتها. - خشَاش: بفتح الخاء المعجمة ويجوز ضمها وكسرها -ثم شينين معجمتين، بينهما ألف، واحدها: خَشَاشة؛ وهي حشرات الأرض، وهوامها. * ما يؤخذ من الحديثين: ١ - من هدي الإسلام المساواة بين الغني والفقير، والقوي والضعيف، والخامل والشريف؛ فلا طبقية ولا عنصرية، وإنما المؤمنون إخوة. ٢ - لذا فإنَّ الإسلام يحث على الصفات والأعمال، التي تدعم هذه المعاني السامية؛ ليصبح المجتمع الإسلامي أمة واحدة، أما الأعمال والمواهب فكل ميسَّر لما خُلقَ له، وصاحب العمل البسيط إذا أداه، فهو كصاحب العمل الكبير، فكل منهما يكمل الآخر. ٣ - الأفضل لصاحب البيت أن يؤاكل خدمه، ومماليكه، وضيوفه الصغار، ولا يترفَّع، ولا يتكبَّر عن مؤاكلتهم ومؤانستهم، وأن يكون ذلك باحتشام.

стр. 3047

٤ - يدل الحديث على جواز اقتناء الحيوان الأليف؛ كالقط؛ لأكل حشرات الأرض، وخشاشها واقتناصها. ٥ - ومثله اقتناء الطيور كالببغاء والنغري في الأقفاص، إذا أطعمت وسقيت، ولم ينلها أذًى؛ فإنَّ اقتناءها جائز. ٦ - فيه الإثم العظيم على مقتني الحيوان، وحابسه بلا طعام، ولا شراب؛ حتى يموت، أو يتعذَّب عنده من الجوع والعطش، وأنَّه سببب دخول النار، فهو من كبائر الذنوب. ٧ - وفيه جواز اقتناء الهر ونحوه؛ لأكل خشاش البيت من الصراصير، والفئران، والهوام؛ ونحو ذلك. ٨ - وإذا كان هذا الوعيد في البهائم، فكيف يكون الإثم بالإنسان المعصوم؛ ممن ولاَّهم الله إيَّاهم: من زوجةٍ، وولدٍ، وخادمٍ، وغيرهم؟! ٩ - قال في "الروض": ويجب على صاحب البهائم علفها وسقيها وما يصلحها، وألاَّ يحملها ما تعجز عنه، فإن عجز عن نفقتها، أجبر على بيعها، أو إجارتها، أو ذبحها إن أكلت؛ لأنَّ بقاءها في يده مع ترك الإنفاق عليها ظلم لها". وقال الشيخ محمد بن إبراهيم: "صرَّح العلماء بأنَّ صاحب البهيمة يلزمه إطعامها، ولو عطبت، فإن عجز ألزم بيعها، أو إجارتها، أو ذبحها، إن كانت مما يؤكل لحمه، ولا يجوز قتلها؛ لإراحتها من مرض ونحوه". ***

стр. 3048

كِتَابُ الجِنَايَاتِ مقدِّمة الجنايات: واحدها: جناية، وهي مصدر: جنى يجني جِنَاية، وهي في الأصل من: جنى الثمرة من شجرتها، فهو عام، إلاَّ أنَّه خصَّ بما يحرم من فعل، ومنه: جنى الذَّنْبَ يجنيه جناية: إذا فعل مكروهًا. وهو لغة: التَّعدي على بدنٍ، أو مالٍ، أو عرض. واصطلاحًا: التعدي على البدن بما يوجب قصاصًا، أو مالاً. وتحريم الجنايات ثابت: بالكتاب، والسنة، والإجماع، والقياس. فأما الكتاب: فقال تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الأنعام: ١٥١]، وقال: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا (٩٣)﴾ [النساء: ٩٣]. وأما السنة: فمثل قوله ﷺ : "لايحل دم امرىء مسلم ... " الحديث. وأما الإجماع: فقد حكاه غير واحد من العلماء، وهو مما عُلم من الدين بالضرورة، ويقتضيه القياس، ولولا حكم القصاص، ولولا عقوبة الجناة المفسدين، لأهلك الناسُ بعضهم بعضًا، ولفسد نظام العالم؛ إذ لابد من عقاب يردعهم، ويجعل الجاني نكالاً وعِظة لمن يريد أن يفعل مثل فعله.

стр. 3049

قال الأستاذ عفيف طبارة: "تعتبر جريمة القتل العمد من أخطر الجرائم، وأشدها إخلالاً بالأمن، ولذا كانت عقوبتها في كل القوانين والشرائع من أقسى العقوبات، فجاء الإسلام بشريعة العدل في عقوبة القتل؛ بقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ ...﴾ [البقرة: ١٧٨]. فحكمة القصاص متجلية في قوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ [البقرة: ١٧٩]. قال الشوكاني: "لكم في هذا الحكم الذي شرعه الله لكم -حياة". ولذا نجد كثرة الجرائم، والقتل عند الأمم التي عدلت عن منهج الله تعالى، وحكمت بالقوانين الوضعية، فلم تجازِ الجاني بما يستحق، بل حكمت عليه بمجرد السجن، تمدُّنًا ورحمةً بِهِ، ولم ترحم المقتول الذي فقد حياته، ولم ترحم أهله وأولاده الذين فقدوا عمدتهم، ولم ترحم الإنسانية التي أصبحت خائفة غير آمنة على دمائها من هؤلاء الفتاكين المجرمين؛ لم يفكِّروا في هذه العواقب والمصائب التي حلَّت بهم؛ لأنَّهم ليسوا من أولي الألباب. ***

стр. 3050

١٠٠٧ - عَنِ ابنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لاَ يَحِلُّ دَمُ امْرِيءٍ مُسلِمٍ يَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إلاَّ اللهُ، وأَنِّي رَسُولُ اللهِ إِلاَّ بِإِحْدى ثَلاثٍ: الثَّيِّبِ الزَّانِي، والنَّفْسِ بِالنَّفْسِ، وَالتَّارِكِ لِدِينِهِ المُفَارِقِ لِلْجَمَاعَةِ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). ــ * مفردات الحديث: - مُسلم: صفة مقيِّدةٌ لـ"امريءٍ". - يشهد: مع ما هو متعلق به صفة ثانية، لـ"امرىءٍ"، جاءت للتوضيح والبيان؛ ليعلم أنَّ المراد بالمسلم هو الآتي بالشهادتين، وأنَّ الإتيان بهما كان للعصمة. - بإحدى ثلاث: أي: إحدى خصال ثلاث. - الثيِّب: قال في "النهاية": الثيب من ليس ببكر، ويقع على الذكر والأنثى؛ يقال: رجل ثيب، وامرأة ثيب، وأصل الكلمة الواو؛ لأنَّه من: ثاب يثوب". - النفس بالنفس: أي: تقتل النفس بالنفس، التي قتلت عمدًا بغير حق، بمقابلة النفس المقتولة. - التارك لدينه: هو المرتد عن الإسلام. ...

стр. 3051

١٠٠٨ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ عَنِ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ: "لاَ يَحِلُّ قَتْلُ مُسْلِمٍ إِلاَّ في إحْدَى ثَلاَثِ خِصَالٍ: زَانٍ مُحْصَنٍ فَيُرْجَمُ، وَرَجُلٍ يَقْتُلُ مُسْلِمًا مُتَعَمِّدًا، فَيُقْتَلُ، وَرَجُلٍ يَخْرُجُ مِنَ الإِسْلاَمِ، فَيُحَارِبُ اللهَ وَرَسُولَهُ، فَيُقْتَلُ، أَوْ يُصْلَبُ، أَوْ يُنْفَى مِنَ الأَرْضِ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَصَحَّحَهُ الحَاكِمُ (١). ــ * درجة الحديث: الحديث صحيح. هذا الحديث له ثلاث طرق عن عائشة ﵂: الأولى: أخرجها أحمد، ومسلم، والدارقطني. الثانية: أخرجها أحمد، والنسائي، وابن أبي شيبة، والطيالسي، ورجال سندها ثقات. الثالثة: أخرجها أبو داود، والنسائي، والدارقطني، وإسناده صحيح على شرط الشيخين، ووافقه الذَّهبي، كما صحَّحه الحافظ ابن حجر في "الدراية". * مفردات الحديث: - خصال: الخَصلة هي: الخُلق في الإنسان، قد تكون خَصْلَةَ فضيلةٍ، وقد تكون رذيلة. - مُحْصَن: إما بكسر الصاد: اسم فاعل، وإما بفتح الصاد: اسم مفعول. والمحصن: هو من وطيء امرأته المسلمة، أو الذمية في نكاح صحيح،

стр. 3052

وهما بالغان عاقلان حران. - فيُرجم: الرجم: هو الرمي بالحجارة حتى الموت. - يُصْلب: الصلب هو أن يمد المعاقَب، ويُربط على خشبة، ويرفع عليها. - يُنفى من الأرض: بأن يشرد، فلا يُترك يأوي إلى بلد؛ حتى تظهر توبته. * ما يؤخذ من الحديثين: ١ - حرص الشارع الحكيم الرحيم على بقاء النفوس وأمنها، فجعل لها من شرعه حماية وصيانةً، فجعل أعظم الذنوب بعد الشرك قتل النفس التي حرَّم الله قتلها. وبهذا حَفِظَهَا من الاعتداء عليها. ٢ - لم يبح المشرِّع قتل النفس المسلمة إلاَّ لأحد ثلاث: الثيب الزاني، والقاتل عمدًا عدوانًا، والمرتد عن الإسلام، فيجوز قتل هؤلاء الثلاثة؛ لأنَّ في قتلهم سلامة الأديان، والأبدان، والأعراض. ٣ - أنَّ من أتى بالشهادتين، وابتعد عمَّا يناقضهما -فهو مسلم، محرَّم الدم، والمال، والعرض، له ما للمسلمين وعليه ما عليهم. ٤ - تحريم فعل هذه الخصال الثلاثة أو بعضها، وأنَّ من فعل واحدة منها، استحق عقوبة القتل: إما كفرًا وهو المرتد عن الإسلام، وإما حدًّا وهما: الزاني، والقاتل عمدًا. ٥ - الثيب هو المحصن الذي جامع، وهو حرٌّ مكلَّف في نكاح صحيح؛ سواء كان رجلاً أو امرأةً، فإذا زنا فعقوبته الرجم بالحجارة حتى يموت. ٦ - أنَّ مَن قتل نفسًا معصومةً عمدًا عدوانًا، فهو مستحق للقصاص بشروطه. ٧ - أنَّ المرتد عن الإسلام يُقتل؛ لأنَّ رِدَّته دليل على خبث طويته، وفساد نيته، وأنَّ قلبه خالٍ من الخير، وغير مستعد لقبوله، فإنَّ كفره أعظم من الكفر الأصلي. ٨ - توبة القاتل عمدًا مقبولة عند جمهور العلماء؛ لعموم الأدلة، لكن لا يسقط

стр. 3053

حق المقتول بمجرد التوبة؛ كسائر حقوق الآدميين، وكذا القصاص، أو العفو لا يكفر ذنب القاتل بالكلية، وإن كفَّر ما بينه وبين الله، بل يبقى حق المقتول. قال ابن القيم: "التحقيق أنَّ القتل يتعلَّق به ثلاثة حقوق: الأول: حق الله، ويسقط حقه بالتوبة النصوح. الثاني: حق ولي الدم، ويسقط بالاستيفاء، أو الصلح، أو العفو. الثالث: حق المقتول يعوضه الله عن حقه الثابت، ويصلح بينه وبين قاتله، إن تاب القاتل". ٩ - استدلَّ كثير من العلماء بهذا الحديث على أنَّ تارك الصلاة لا يقتل بتركها، لكونه ليس من هؤلاء الثلاثة، أما ابن القيم فقال: "إنَّ هذا الحديث حجة في قتل تارك الصلاة، فإنَّه تارك لدينه". ١٠ - قوله: "يشهد أن لا إله إلاَّ الله، وأني رسول الله" -دليل على أنَّه لابد في صحة إسلام المرء من النطق بالشهادتين، أو بما يدل عليهما من لفظ، وأنَّه لا يكتفى بالإقرار بهما من قادر على النطق بهما، فإن قال: أنا مسلم، ولم ينطق بالشهادتين، لم يحكم بإسلامه. قال في "الروض" وغيره: وتوبة كل كافر إسلامه بأن يشهد أن لا إله إلاَّ الله، وأنَّ محمَّدا رَسُولُ الله". ١١ - وفيه دليل على أنَّه بعد النطق بالشهادتين، لا يُكشف عن صحة ما شهد به عليه، ويخلى سبيله. قال ابن القيم: "لا يكلف بأن يقول: أشهد، بل لو قال: لا إله إلاَّ الله، محمَّد رسول الله، كان مسلمًا بالاتفاق، وحصلت له العصمة". ١٢ - أما من كان كفره بجحد فرض من الفروض؛ كالصلوات الخمس، أو الزكاة، أو بتحليل ما حرَّم الله، كالزنا، والخمر، أو بتحريم ما أُجْمَعَ على

стр. 3054

حلِّه، أو جحد نبيًّا من أنبياء الله، أو كتابًا من كتبه، أو ملكًا من ملائكته، الذين ثبت أنَّهم ملائكة الله، أو رسالة محمَّد إلى غير العرب -فتوبة هؤلاء مع الشهادتين إقرارهم بما جحدوا به من ذلك، أو قوله: أنا بريء من كل دين يخالف الإسلام ونحوه. ١٣ - لو قال الكافر: أسلمت، أو أنا مسلم، ونحو ذلك -صار مسلمًا، وإن لم يتلفظ بالشهادتين؛ لِما روى مسلم من حديث المقدام بن الأسود؛ أنَّه قال لرسول الله ﷺ : أرأيت لو لقيت رجلاً من الكفار يقاتلني، فضرب إحدى يدي بالسيف، فقطعها، ثم لاذَ مِنِّي بشجرة، فقال: أسلمت، أفأقتله بعد أن قالها؟ قال: "لا تقتله". ١٤ - قال شيخ الإسلام: "إذا أسلم المرتد عصم دمه، وماله، وإن لم يحكم بصحة إسلامه حاكم، باتفاق الأئمة". ١٥ - قوله: "الثيب الزاني" مفهومه: أنَّ البكر ليس حده الرجم، فقد جاء أن حده الجلد، كما في الآية الكريمة. قال الوزير: "اتَّفقوا على أنَّ البكرين الحرين إذا زنيا أنَّهما يجلدان، كل واحد منهما مائة جلدة، وحكى ابن رشد فيه إجماع المسلمين". ١٦ - قوله: "النفس بالنفس" عمومه يفيد أنَّ كل نفس تقاد بالنفس الأخرى، ولكن إطلاقه مقيَّد، ومجمله مبيَّن، وعمومه مخصَّص بنصوص أخرى، وحديث عائشة فيه بعض البيان، وسيأتي بيان ذلك مستوفى إن شاء الله. ١٧ - قوله: "التارك لدينه، المفارق للجماعة" دليل على أنَّ الجامعة الحقَّة، والصلة الصحيحة، والرابطة القوية هي الإسلام، وأنَّ الوطنية، أو القومية، أو الجنسية، كلها شعارات زائفة، ومبادىء باطلة، أدخلها علينا أعداء الإسلام؛ ليفرقوا شمل المسلمين، ويَحُلوا رابطتهم، ويقللوا سوادهم.

стр. 3055

١٨ - ورد في آخر حديث عائشة حد الحرابة، وسيأتي مستوفى في موضعه، إن شاء الله. والمشهور من مذهب الإمامين: أحمد، ومالك: أنَّ من تكررت ردته، والزنديق -وهو المنافق- ومَن سب الله، أو رسوله، وأمثالهم- أنَّه لا تقبل توبتهم في الدنيا، بل يقتلون بكل حال. ومذهب الشافعي قبول توبتهم، والرواية الأخرى عن أحمد، اختارها أبو بكر الخلال. والخلاف في أحكام الدنيا، مِن ترك القتل وغيره، أما في الآخرة؛ فإن صدقت توبته، قبلت بلا خلاف. ***

стр. 3056

١٠٠٩ - وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَوَّلُ مَا يُقْضَى بَيْنَ النَّاسِ يَوْمَ القِيَامَةِ فِي الدِّمَاءِ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). ــ * مفردات الحديث: - أول: مبتدأ، وخبره "في الدماء"، ولا يعارضه حديث: "أولُ ما يحاسب به العبد صلاته" فالصلاة في حق الله، والدماء في حق العباد. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - في الحديث عظم شأن دم الإنسان؛ فإنَّه لم يُبدأ به يوم القيامة، إلاَّ لكونه أهم وأعظم من غيره من أنواع مظالم العباد. قال ابن دقيق العيد: "فيه تعظيم أمر الدماء؛ فإنَّ البداءة تكون بالأهم، وهي حقيقة بذلك؛ فإنَّ الذنوب تعظُم بحسب عِظم المفسدة الواقعة بها، أو بحسب فوات المصالح المتعلقة بعدمها، وهدم البنية الإنسانية من أهم المفاسد، ولا ينبغي أن يكون بعد الكفر بالله تعالى أعظم منه". ٢ - إثبات يوم القيامة والحساب والقضاء والجزاء فيه. ٣ - هذا الحديث لا ينافي ما أخرجه أصحاب السنن، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ : "أول ما يحاسب به العبد صلاته"؛ لأنَّ حديث الباب فيما بين العبد وبين غيره من الخلق، وحديث الصلاة فيما يتعلَّق بحقوق الخالق. ولا شكَّ أنَّ أعظم حقوق الناس هي الدماء، وأنَّ أعظم حقوق الله على المسلم الصلاة.

стр. 3057

٤ - في الحديث وجوب الحذر من حقوق العباد؛ لئلا تلحق المسلم عاقبتها في ذلك الموقف العظيم، وأعظم الحقوق الدماء. ٥ - أنَّه على القضاة والمحاكم العناية بأمر قضايا القتل، وجعل الأهمية لها، والأولوية على غيرها من القضايا. وهكذا محاكم المملكة العربية السعودية، أيَّدها الله تعالى؛ فإنَّ قضايا القتل، والرجم، والقطع، لا تنفذ حتى تمر على ثلاث هيئات قضائية: الهيئة الأولى تتكوَّن من ثلاثة قضاة، ينظرون في هذه الدعاوى، ويحكمون فيها، فإذا حكموا نظرها خمسة قضاة من محكمة التمييز، فإذا وافقوا نُظِرَتْ من الهيئة القضائية العليا، وكل هذا عنايةً بهذه القضايا، واهتمامًا بشأنها. ***

стр. 3058

١٠١٠ - وَعَنْ سَمُرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ قَتَلَ عَبْدَهُ قَتَلْنَاهُ، وَمَنْ جَدَعَ عبْدَهُ جَدَعْنَاهُ". رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالأَرْبَعَةُ، وَحسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَهُوَ مِنْ رِوَايَةِ الحَسَنِ البَصْرِيِّ عَنْ سَمُرَةَ، وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي سَمَاعِهِ مِنْهُ. وَفِي رِوَايَةٍ لأبِي دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيِّ بزِيَادَةِ: "وَمَنْ خَصَى عَبْدَهُ خَصَيْنَاهُ". وَصَحَّحَ الحَاكِمُ هَذِهِ الزِّيَادَةَ (١). ــ * درجة الحديث: الحديث ضعيف. قال المؤلف: رواه الإمام أحمد، والأربعة، وحسَّنه الترمذي، وهو من رواية الحسن البصري، عن سمرة بن جندب، وقد اختلف في سماعه منه على ثلاثة أقوال: قال ابن معين: لم يسمع الحسن منه شيئًا، وقيل: سمع منه حديث العقيقة فقط، وأثبت ابن المديني سماع الحسن من سمرة، وعلى الرأي الأخير، فالحديث صحيح، وعلى الرأيين: الأول والثاني، فهو منقطع، لكن جاء في رواية أحمد عن قتادة عن الحسن عن سمرة قال: ولم يسمع منه، فهو منقطع، وفي الباب أحاديث أخر، لا تقوم بها حجة. أما زيادة أبي داود، والنسائي، فقد صحَّحها الحاكم، ووافقه الذَّهبي. * مفردات الحديث: - جدَعَ: الجَدْعُ: هو قَطْعُ الأنف، أو الأُذُنِ، أو الشَّفَةِ، وهو بالأنف أخص،

стр. 3059

فإن أُطْلِقَ فعليه. - مَنْ خَصَى: الخِصْية هي: البيضة من أعضاء التناسل، وهما خِصْيتان، وَخَصَاه: سلَّ خِصْيتيه، ونزعهما من الصنفتين، أو جَبَّهما. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - الحديث فيه إثبات القصاص في الجنايات، وأنَّ من قَتَلَ عمدًا، أو من أتلف طرفًا، أو عضوًا من إنسان؛ كأنفه، أو خصيته عمدًا -اقتُصَّ منه بمثل ذلك الطرف، وهذا من القصاص الذي جاء مُصَرَّحًا به في قوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ [البقرة: ١٧٩]. ٢ - الحديث دلَّ على ثبوت القصاص بين السيد وعبده؛ وهي مسألة اختلف العلماء فيها: فذهب أبو حنيفة إلى: أنَّ الحر يقتص بالعبد؛ سواء كان نفسًا، أو طرفًا، إذا أمن الحيف؛ لعموم آية القصاص، إلاَّ أنَّه إذا كان سيده، فلا يقاد به. قال الصنعاني: "وفي الباب أحاديث لا تقوم بها حجة". وذهب الأئمة الثلاثة إلى: أنَّه لا يقاد حر بعبد مطلقًا؛ مستدلين بقوله تعالى: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ﴾ [البقرة: ١٧٨]؛ فإنَّ تعريف المبتدأ يفيد الحصر، وأنَّه لايقتل الحر بغير الحر، أما آية المائدة: ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: ٤٥] فإنَّها مطلقة، وآية البقرة مقيِّدة لها ومبيِّنة، وآية المائدة سيقت لبيان شريعة أهل الكتاب، التي جاءت هذه الشريعة بعدها بالتخفيف، والرحمة عنها. ٣ - فيه ثبوت القصاص في الأطراف، قال شيخ الإسلام: "القصاص في الجراح ثابت: بالكتاب، والسنة، والإجماع، والعلماء قيَّدوا جواز القصاص بما دون النفس بثلاثة شروط: الأول: الأمن من الحيف؛ وذلك بأن يكون القطع من مفصل، أو له حد ينتهي إليه.

стр. 3060

الثاني: تماثل العضوين في الاسم والموضع. الثالث: استواؤهما في الصحة والكمال". ٤ - الحديث من رواية الحسن البصري، عن سمرة بن جندب، وهو مختلف في سماعه منه، وعلى هذا فالحديث منقطع، وعلى فرض صحته يمكن حمله على قتل السيد الطاغي المستبد؛ تعزيرًا من ولي الأمر، ولذا قال: "قتلناه ... " إلخ. ***

стр. 3061

١٠١١ - وَعَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "لاَ يُقَادُ الْوَالِد بِالْوَلَدِ" رَوَاهُ أَحمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ الجَارُودِ، وَالبيْهَقِيُّ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: "إِنَّهُ مُضْطَرِبٌ (١) ". ــ * درجة الحديث: الحديث صحيح بطرقه المتعددة المتصلة، عن ابن عباس، وسراقة. وحديث عمر الذي معنا في إسناده: الحجاج بن أرطأة، وهو مدلس، وله طرق أخر عند أحمد، وطرق أخر عند الدارقطني والبيهقي أصح منها، وصحح البيهقي سنده؛ لأنَّ رواته ثقات، ورواه الترمذي من حديث سراقة، وإسناده ضعيف، وفيه اضطراب واختلاف على عمرو بن شعيب، وفيه ابن لهيعة، وهو سيء الحفظ، ورواه الترمذي من حديث ابن عباس، وفي إسناده: إسماعيل بن مسلم، وهو ضعيف. قال عبد الحق: "هذه الأحاديث كلها معلولة، ولا يصح منها شيء. وقال البيهقي: "طرق هذا الحديث منقطعة". وقال الألباني: "وطرق الحديث تدل بمجموعها على أنَّ الحديث صحيح ثابت". * مفردات الحديث: - لا يُقاد: يقال: قاد الأمير القاتل بالمقتول: قتله به قَودًا، والقود لغة: القصاصُ، وقَتْلُ القاتل بدل القتيل، وسُمِّي قودَا؛ لأنَّه يُقاد عند تنفيذ

стр. 3062

القصاص فيه. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - يدل الحديث على أنَّ الوالد لا يقاد بولده؛ ذلك أنَّ الولد جزء من والده، وولد ولده وإن نزلوا من أولاد البنين والبنات، والأم والأب في هذا سواء، وكذا الأجداد وإن علوا، والجدات وإن علون من الأب، والأم في قول أكثر مسقطي القصاص عن الأب. ٢ - هذا مذهب الأئمة الثلاثة: أبي حنيفة، والشافعي، وأحمد، وقال به عمر ابن الخطاب، وربيعة الرأي، والثوري، والأوزاعي، وإسحاق. ٣ - أما الإمام مالك فيقول: إنْ أضجعه، وذبحه أقيد به، وإلاَّ لم يقد به. ٤ - دليل الجمهور: هذا الحديث؛ قال ابن عبد البر: "هو حديث مشهور عند أهل العلم بالحجاز والعراق، مستفيض عندهم، يُسْتَغْنى بشهرته، وقبوله، والعمل به، عن الإسناد فيه، حتى يكون الإسناد فيه مع شهرته تكلفًا". ٥ - أما الولد فيقتص منه لوالده؛ سواء أكان أبًا أم أمًّا، إذا قتله طبقًا للنصوص؛ لأنَّ النص الخاص لم يخرج من حكم النصوص، إلاَّ الوالد فقط. ٦ - يعلل العلماء هذه التفرقة في الحكم بين الوالد والولد-: بأنَّ الحاجة إلى الزجر والردع في جانب الولد أشهر منها في جانب الوالد؛ لأنَّ الوالد يحب ولده لنفسه، دون أن ينتظر نفعًا منه، وإنَّما ليحمى ذكره، وهذا يقتضي والحرصَ على حياته، أما الولد فيحب والده لما يصل إليه من منفعة عن طريقه، وهذا لا يقتضي الحرص على حياة والده. ٧ - إفراد عدم القصاص من الوالد بالولد -دليل على بقاء حكم القصاص فيما عداهما من الأقارب؛ وهذا مذهب جماهير العلماء. ***

стр. 3063

١٠١٢ - وَعَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ ﵁ قَالَ: "قُلْتُ لِعَلِيٍّ: هَلْ عِنْدَكُمْ شَيءٌ مِنَ الوَحْيِ غَيْرُ القُرآن؟ قَالَ: لاَ، وَالَّذِي فَلَقَ الحَبَّةَ، وَبَرَأَ النَّسَمَةَ، إِلاَّ فَهْمٌ يُعْطِيهِ اللهُ رَجُلاً فِي القُرآنِ، وَمَا فِي هَذِهِ الصَّحِيفَةِ، قُلْتُ: وَمَا فِي هَذهِ الصَّحِيفَةِ؟ قَالَ: العَقْلُ، وَفِكَاكُ الأَسِيرِ، وَلاَ يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ". رَوَاهُ البُخَارِيُّ (١). وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، مِنْ وَجْهٍ آخَرَ، عَنْ عَلِيٍّ، وَقَالَ فِيهِ: "المُؤْمِنُونَ تَتَكَافأُ دِمَاؤُهُمْ، وَيَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ، وَهُمْ يَدٌ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ، وَلاَ يُقْتَلُ مُؤْمِنٌ بِكَافِرٍ، وَلاَ ذُو عَهْدٍ فِي عَهْدِه". وَصَحَّحَهُ الحَاكِمُ (٢). ــ * درجة الحديث: الحديث صحيح. صدر الحديث في البخاري، فلا بحث فيه، بل آخره فيه البحث، وله عدَّة طرق، وأخرجه أحمد، وأبو داود، والنسائي، من طريق قتادة عن الحسن عنه، ورجاله ثقات، فهم رجال الصحيحين. وقد صحَّحه الحاكم، وقال: "إنَّه على شرط الشيخين"، ووافقه ابن عبد الهادي في "المحرر"، فقال: "رجاله رجال الصحيحين"، وحسَّنه المصنف في الفتح.

стр. 3064

* مفردات الحديث: - فَلق الحبة: الفلْق هو الشق، والحب ما يكون في السنبل. - برَأ النَّسَمَة: بفتح الباء والراء أي: خلق، والنسمة الخلْق وهي كل كائن حي فيه روح. - فَهْمٌ: قال الجوهري: "فهمت الشيء فهمًا علمته، وفلان فهيم، وتفهم الكلام إذا فهمه شيئًا بعد شيء، والفهم: جَوْدة استعداد الذِّهن للاستنباط، وحسن تصور المعنى، جمعه: أفهام وفهوم". - الصحيفة: بوزن فضيلة، هي ما يكتب فيه من ورق ونحوه، والمراد هنا: الورقة المكتوبة. - العقل: بفتح العين، وسكون القاف، هي الدية، والمراد هنا تفصيل أحكامها، وسميت الدية: عقلاً؛ لأنَّ أولياء القاتل كانوا يعطون أولياء المقتول الدية من الإبل، ويربطونها بفناء دار المقتول بالعقال، وهو الحبل. - فِكَاك الأسير: بكسر الفاء وفتحها: إطلاق أسره، وتخليصه من يد العدو. - الأسير: بوزن فعيل بمعنى مأسور؛ من أَسَره: إذا شدَّه بالإسَار، ويسمى كل أخيذ أسيرًا، وإن لم يُشَدَّ ويربط. - تتكافأ دماؤهم: الكُفء: النظير والمساوي، والمراد هنا: تساوي دمائهم، وأنَّه لا فرق بين شريف ووضيع في الدم؛ بخلاف ما كان عليه الجاهلية من المفاضلة، وعدم التساوي. - أدناهم: يعني: أقلهم قيمة في مجتمعهم، من: فقير، وضعيف، وامرأة، ونحوها؛ فإنه يسعى بذمتهم. - وهُم يدٌ على مَنْ سِوَاهُمْ: أي: هُم مجتمعون على أعدائهم، لا يسعهم التخاذل، بل يُعِين بعضهم بعضًا.

стр. 3065

* ما يؤخذ من الحديث: ١ - أنَّه لا يقتل مسلم بكافر؛ فإنَّ الكافر غير مكافىء للمسلم؛ وهذا مذهب الأئمة الثلاثة: مالك، والشافعي، وأحمد. أما أبو حنيفة: فيرى قتل المسلم بالذمي؛ لأنَّ النصوص جاءت بعقوبة القصاص عامة: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ [البقرة: ١٧٨]، ويقول تعالى: ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: ٤٥] ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾ [الإسراء: ٣٣]؛ فهذه النصوص عامة، لم تفصِّل بين قتيل وقتيل، ونفس ونفس، ومظلوم ومظلوم، فمن ادَّعى التخصيص والتقييد، فهو يدعيه بلا دليل. واستدل الجمهور: بحديث الباب، وبحديث: "المؤمنون تتكافأ دماؤهم". وعن علي ﵁: "من السنة ألا يقتل مؤمن مسلم بكافر" [رواه أحمد] فهذه النصوص تخصص العمومات التي احتجَّ بها الحنفية. ولِفَقد الكفاءة بين المسلم والكافر؛ فإنَّها شرط في وجوب القصاص، فالكفر نقصان، فإذا وُجد امتنعت المساواة، فامتنع وجوب القصاص، والأصل في الكفر أنَّه مبيح للدم، ولكن عقد الذمة منع الإباحة. ٢ - أما الكافر فيقتل بالمسلم بإجماع العلماء؛ لما في الصحيح: "أنَّ النَّبيَّ ﷺ قتَل يهوديًّا رَضَح رأس جارية من الأنصار"، ولأنَّ المسلم أعلى رتبة بإسلامه من الكافر. ٣ - ويدل الحديث على تحريم قتل المُعَاهَدِ، ما دام متمسِّكًا بعهده مع المسلمين؛ فقد جاء في صحيح البخاري من حديث ابن عمر؛ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "من قَتَل معاهدًا، لم يُرَحْ رائحة الجنة". وعند أبي حنيفة: يقاد المسلم بالمعاهد؛ خلافًا للأئمة الثلاثة.

стр. 3066

والمعاهد: هو الكافر يعقد أمانًا يدخل به بلاد المسلمين، فهو في أمان المسلمين، حتى يعود إلى بلاده. أما فِكاك الأسير: فهو تخليص الأسير المسلم من يد العدو، وهو من أفضل القُرَب، ويجوز فكاكه، ولو من الزكاة، قال تعالى: ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾ [البقرة: ١٧٧]. ٤ - أما قوله: "المؤمنون تتكافأ دماؤهم" فمعناه: أنَّ دماء المؤمنين والمسلمين تتساوى في الدية والقصاص، فليس أحد أفضل من أحد، لا في الأنساب، ولا في الأعراق، ولا في المذاهب، فهم أمام هذا الحق والواجب سواء. ٥ - أما قوله: "ويسعى بذمتهم أدناهم" فيعني: أنَّ المسلم الواحد إذا أمَّن كافرًا، صار أمانه ساريًا على عموم المسلمين، فيجب احترام أمانه، ولا يحل هتك عهده وعقده، لقوله ﷺ : "قد أمَّنا من أَمَّنت يا أم هانىء". ٦ - أما قوله: "وهم يد على من سواهم" فيعني أنَّ كلمة المسلمين واحدة، وأمرهم ضد أعدائهم واحد، فلا يتفرقون ولا يتخاذلون، وإنما هم عصبة واحدة، وأمرهم واحد على الأعداء؛ قال تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: ١٠٣]، وقال تعالى: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ [الأنفال: ٤٦]. فهذه الأحكام الظاهرة الواضحة التي عليها عموم أهل السنة -هي في الصحيفة التي يحملها علي بن أبي طالب، ﵁. أما أكاذيب الرافضة، ومزاعمهم الباطلة التي لا يرضاها علي بن أبي طالب ﵁ من أنَّ النَّبيَّ ﷺ أعطى عليًّا صحيفة، طولها سبعون ذراعًا بذراع الرسول، وأملاه من فلق فيه، وخط على يمينه، فيها ألف باب، يفتح في كل باب ألف باب، فيها كل حلال وحرام. وكذلك ما زعموه من إعطاء علي الجَفْرَ، ومعارف آدم، وعلم البيتين،

стр. 3067

والوصيين، وعلم الأولين والآخرين. وعندهم من ميراث النبوة مصحف فاطمة، فيه قدر المصحف الذي عند المسلمين ثلاث مرات، إلى غير ذلك فهي من السخافات، والخرافات، والأباطيل، التي بَنَتِ الرافضة عليها عقائدهم الفاسدة. فعلي ﵁ وعن أهل بيته الطيبين الأطهار، أشرف وأجلُّ من أن ينسبوا لأنفسهم هلذه الأكاذيب على الله وعلى رسوله، وأن يزعموا التحدث عن الغيب، وإخفاء شيء من القرآن، وغير ذلك من عقائد الرافضة، التي شطُّوا في نسبتها، فشوَّهوا بها الإسلام؛ لأنَّهم زعموا أمام الأجانب عن الإسلام أنَّهم هم المسلمون، وأنَّ الإسلام ما افتروه، فشعائر الإسلام هي عباداتهم المحرفة، وأعماله هي صراخهم ولطمهم، وفواحشهم هي أحكامه، وأكاذيبهم هي حقائقه، فما أبعدهم عن الإسلام! ٧ - النَّبي ﷺ بُعث إلى الناس، وأُمر بتبليغهم شرع الله وأحكامه، ولم تَخُصَّ رسالته أحدًا دون أحد، وحاشاه أن يبلِّغ أحدًا دون أحد، أو أن يكتم شيئًا مما أرسله الله به؛ فقد قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ [المائدة: ٦٧]. ويقول ﷺ : "إنَّما أنا قاسم، والله هو المعطي"؛ ومن الإعطاء أن يرزق الله بعض عباده فَهْمًا وإدراكًا في معاني كتابه، ومعاني سنة رسول الله ﷺ ، فيفتح الله له بابًا من أبواب العلم، كما قال ذلك الإمام علي ﵁. ***

стр. 3068

١٠١٣ - وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ "أَنَّ جَارِيَةً وُجِدَ رَأْسُهَا قَدْ رُضَّ بيْنَ حَجَرَيْنِ، فَسَأَلُوهَا: مَنْ صَنَعَ بِكِ هَذَا؟ فُلاَنٌ؟ فُلاَنٌ؟ حَتَّى ذَكَرُوا يَهُودِيًّا، فأَوْمَأَتْ بِرَأسِهَا، فَأُخِذَ اليَهُودِيُّ، فَأَقَرَّ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أنْ يُرَضَّ رَأسُهُ بيْنَ حَجَرَيْنِ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ (١). ــ * مفردات الحديث: - جارية: الجارية الأمة؛ سواء كانت شابة أو عجوزًا، وهذه فتاة من الأنصار؛ كما صرِّح به في رواية أبي داود. - رُضَّ رَأسها: بضم الراء، وتشديد الضاد المعجمة، يقال: رضضت الشيء رضًّا، فهو رضيض ومرضوض، قال ابن الأثير؛ "الرضّ، الدق؛ أي؛ دق رأسها بين حجرين". - فُلان؟ فلان؟: بحذف همزة الاستفهام، التي يقصد بها الاستخبار، وفلان وفلانة بغير ألف ولام، كناية عن الأناسي، وأما إذا كان بألف ولام، فكناية عن البهائم، تقول: ركبتُ الفلان، وحلبتُ الفلانة. - أومأت برأسها: أشارت برأسها عند ذكر اسم قاتِلها؛ لأنَّها لا تقدر علىا الكلام. - فأومأت: يقال: أومأت إليه، ولا يقال: أوميت، وهو معتل الفاء، مهموز اللام.

стр. 3069

* ما يؤخذ من الحديث: ١ - يدل الحديث على أصل حكم القصاص بالنفس في قتل العمد العدوان. ٢ - ويدل على أنَّ الرجل يقاد بالمرأة، وبالعكس من باب أولى. ٣ - ويدل على طمع اليهود وجشعهم؛ فإنَّ القاتل إنما قتل من أجل "أَوْضَاحٍ لها"؛ كما في إحدى روايات الحديث. ٤ - ويدل على قسوتهم وخبثهم وخيانتهم؛ فإنَّ هذا المعاهَد يستطيع استلاب الأوضاح بلا هذه القتلة الشنيعة، للكن لؤمه وضغينته على المسلمين حَمَله على هذا المنكر. ٥ - استدل بالحديث على حكم قتل الغيلة؛ فإنَّ النَّبيَّ ﷺ قتل اليهودي بلا طلب من أولياء الجارية، ويأتي إن شاء الله. ٦ - ويدل على أنَّ القاتل يقتل بمثل ما قتل به؛ مُثَقَّلاً كان، أو محدَّدًا، وقد اختلف العلماء في ذلك: فذهب الجمهور، ومنهم الأئمة الثلاثة، واختاره شيخ الإسلام إلى: أنَّ الجاني يقتل بمثل ما قتل به، إن كان مثقلاً، فيقتل بمثقل، وإن كان محددًا فبمثله. واستدلوا: بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ [النحل: ١٢٦]، وعملاً بهذا الحديث الصريح الصحيح، وهو رواية في مذهب أحمد. وذهب الإمام أحمد في المشهور من مذهبه إلى: أنَّه لا يجوز أن يستوفى قصاص إلاَّ بآلة ماضية، كسيف وسكين؛ لما جاء في صحيح مسلم (١٩٥٥): "إِذا قتلتم فأحسِنُوا القِتلة، وليُحدَّ أحدُكم شفرته". ***

стр. 3070

١٠١٤ - وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ﵁ "أَنَّ غُلاَمًا لأُنَاسٍ فُقَرَاءَ، قَطَعَ أُذُنَ غُلامٍ لأُنَاسٍ أَغْنِيَاءَ، فَأَتَوا النَّبِيَّ ﷺ ، فَلَمْ يَجْعَلْ لَهُمْ شَيْئًا". رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالثَّلاَثَةُ، بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ (١). ــ * درجة الحديث: الحديث صحيح. قال المصنف: رواه أحمد، والثلاثة، بإسنادٍ صحيح. وقال ابن عبد الهادي في "المحرر": "رجاله ثقات، فهم رجال الصحيحين، وحسَّنه الحافظ في الفتح، وسكت عنه المنذري". * ما يؤخذ من الحديث: ١ - أحسن ما يحمل عليه هذا الحديث: أنَّ الغلام الجاني صغير دون البلوغ. ٢ - الغلام لغة: الابن دون البلوغ، ولفظ الشارع: "يا غلام سمِّ الله"، وهو في هذه الجناية دون البلوغ، فلا يجب عليه قصاص؛ لأنَّ عمد الصبي حكمه حكم الخَطأ، بإجماع العلماء. ٣ - ولم يجب على عاقلته دية؛ لأنَّهم فقراء، والدية لا تجب على العاقلة، إلاَّ إذا كانوا أغنياء، وهذا أحسن محامل هذا الحديث، وهو موافق لألفاظه، ولعلَّ النبي ﷺ ودَاهُ من بيت المال. ٤ - قال شيخ الإسلام: "لا قصاص بين الصبيان والمجانين، وكل من زال عقله بسبب يعذر فيه، وليس في ذلك إلزام الدية". وقال الموفق: "لا خلاف بين أهل العلم في أنَّه لا قصاص على صبي،

стр. 3071

ولا مجنون، وكذالك كل من زال عقله بسبب يُعذر فيه؛ كالنائم، والمغمى عليه، ونحوهما". ٥ - قال الشيخ محمَّد بن إبراهيم آل الشيخ: "الواجب في بيت مال المسلمين: أولاً: إذا مات مسلم وعليه دين، فعلى ولي الأمر قضاؤه. الثانية: إذا جنى إنسان على آخر فقتله، وكانت الجناية خطأ، أو شبه عمد، ولم يكن قاتله موسرًا -فديته في بيت المال. الثالثة: إذا حكم القاضي بالقسامة في قضية، فَنَكل الورثة عن الأيمان، ولم يرضوا بيمين المدَّعى عليه. الرابعة: إذا وُجِدَ مقتول مجهولٌ قاتله؛ كمن قُتِلَ في زحمة طواف ونحوه". * قرار هيئة كبار العماء بشأن استعمال المخدر فى القصاص: قرار رقم (١٩١) بتاريخ ٢٧/ ١٠/ ١٤١٩ هـ: الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، ومن اهتدى بهداه، وبعد: فإنَّ مجلس هيئة كبار العلماء في دورته الخمسين، المنعقدة في مدينة الرياض، ابتداءً من تاريخ ٢٠/ ١٠ /١٤١٩هـ، اطَّلع على كتاب صاحب السمو الملكي نائب رئيس مجلس الوزراء رقم (٤/ ٣٥ م) بتاريخ ٢٨/ ٢/ ١٤١٩ هـ، حول حكم استعمال البنج في تنفيذ القصاص فيما دون النفس لضمان عدم التجاوز، وقد جاء فيه ما نصه: "نبعث لسماحتكم نسخة من برقية سمو وزير الداخلية رقم (١٦/ ٥٩٨٦١) بتاريخ ٢٧/ ٨/ ١٤١٨ هـ، ومشفوعاتها، بشأن مسألة تنفيذ القصاص فيما دون النفس، التي صدر فيها قرار الهيئة القضائية العليا رقم (٨٢) في ١٤/ ٣/ ١٣٩٣ هـ، المتضمن أنَّ الهيئة القضائية لا ترى أن يتم القصاص تحت تأثير مخدر "البنج"، ولو كان موضعيًّا؛ لأنَّه لا يحصل باستيفاء القصاص مع المخدِّر (البنج) التشفِّي للمجني عليه من الجاني، فتفوت حكمة القصاص؛

стр. 3072

لفوات إحساس الجاني المقتص منه بالآلام، التي أحسَّ بها المجني عليه عند وقوع الجناية، كما صدر الأمر رقم (١٦٤٨٥) في ١/ ١١/ ١٤١٥ هـ، المبني على قرار مجلس القضاء الأعلى بهيئته الدائمة رقم (٤٥٥/ ٣) في ١٢/ ١٠/ ١٤١٥ هـ؛ بأنَّه ينبغي انفاذ القصاص بواسطة مختص، يؤمن من جانبه الحيف من أهل الطب، أما إنفاذ الحدود كقطع اليد والرِّجل، فقاء سبق أن صدر قرار مجلس القضاء الأعلى بهيئته الدائمة رقم: (١٤٥/ ٥/ ٢٠) في ٧/ ٦/ ١٤٠٦هـ المتضمن أنَّه لم يظهر للمجلس ما يمنع من استعمال البنج عند قطع اليد والرجل في الحدود، وهذا ما يخص القطع بالحدود (الحق العام)، وأنَّ سمو أمير منطقة الرياض أشار إلى أنَّ الوضع يتطلب استصدار فتوى بإجازة استعمال البنج بالقطع بالقصاص، أسوةً بالحدود، لضمان عدم التجاوز، وإنفاذًا الأمر رقم (١٦٤٨٥) في ١/ ١١/ ١٤١٥هـ المشار إليه من إجراء القطع من قبل أهل الطب، وهم لا ينفذون العمليات، إلاَّ تحت تأثير البنج، ويرى سمو وزير الداخلية تأييدًا لما رآه سمو أمير منطقة الرياض، إحالة الأمر لمجلس هيئة كبار العلماء لإصدار فتوى بذلك، ونرغب إليكم أن يدرس مجلس هيئة كبار العلماء الموضوع، ويصدر فتوى بشأنه، فأكملوا ما يلزم بموجبه" اهـ. وقد اطَّلع المجلس على البحث المعد في ذلك، وبعد الدراسة والمناقشة، وتداول الرأي، قرَّر المجلس بالأكثرية: جواز استعمال المخدر "البنج" عند القصاص فيما دون النفس، إذا وافق صاحب الحق، وهو "المجني عليه"، وبالله التوفيق. وصلى الله وسلم على نبينا محمَّد وآله وصحبه. هيئة كبار العلماء ***

стр. 3073

١٠١٥ - وَعنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَن أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ ﵃ أَنَّ رَجُلاً طَعَنَ رَجُلاً بِقَرْنٍ فِي رُكبتَهِ، فَجَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ: أَقِدْنِي، فَقَالَ: "حَتَّى تَبْرَأَ"، ثُمَّ جَاءَ إِلَيْهِ، فَقَالَ: أَقِدْنِي، فَأَقَادَهُ، ثُمَّ جَاءَ الَيْهِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، عَرجْتُ، فَقَالَ: "قَدْ نَهَيْتُكَ، فَعَصَيْتَنِي، فَأَبْعَدَكَ اللهُ، وَبَطَلَ عَرَجُكَ"، ثُمَّ نَهَى رَسُولُ اللهُ ﷺ أَنْ يُقْتَصَّ مِنْ جُرْحِ حَتَّى يَبْرأَ صَاحِبُهُ. رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ، وَأُعِلَّ بِالإرْسَالِ (١). ــ * درجة الحديث: الحديث صحيح. أخرجه أحمد عن ابن إسحاق، والدارقطني عن ابن جريج، كلاهما عن عمرو بن شعيب به، ورجاله ثقات، غير أنَّ ابن إسحاق وابن جريج مدلسان، ولم يصرحا بالتحديث، لكن للحديث شواهد يتقوى بها. قال ابن التركماني: هذا أمر قد روي من عدَّة طرق، يشد بعضها بعضًا، قلتُ: فهو صحيح لغيره. * مفردات الحديث: - قَرْن: بفتح القاف، وسكون الراء، آخره نون: مادة صُلبة ناتئة بجوار الأذن، تكون في رؤوس البقر والغنم ونحوها، وفي كل رأس قرنان غالبًا. - رُكْبته: بضم الراء، وسكون الكاف: موصل أسفل الفخذ بأعلى الساق،

стр. 3074

جمعه: رُكب. - أَقِدني: بفتح الهمزة، وكسر القاف، ثم دال مهملة، ثم نون الوقاية، وياء المتكلم، من القود، يريد: الاقتصاص من الذي جنى عليه. - عَرجْت: عرج مبني للفاعل، أي: غمز في رجله، لعلة طارئة، فهو أعرج، وهي عرجاء، جمعه: عُرج. - بَطل عرَجُك: بطل فعل ماض، وعرجك فاعل مرفوع؛ أي: بطل ما كان له من دية جرحك بتعجلك بالقصاص. - أن يُقتص: مبني للمجهول، من القِصاص -بكسر القاف- من: اقتصاص الأثر، وهو تتبعه؛ لأنَّ الذي يطلب القصاص يتتبع جناية الجاني ليأخذ مثلها، فهو مقاصة ولي القتيل القاتل، والمجروح الجارح. - جُرح: بضم الجيم المهملة، شق في بدنه، فهو جريح، جمعه: جرحى. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - يحرم أن يقتص من عضو قبل برئه. وهذا مذهب جمهور العلماء، ومنهم الأئمة الثلاثة: أبو حنيفة، ومالك، وأحمد، كما لا تطلب له دية قبل برئه؛ وذلك لاحتمال السراية. ٢ - فإن حتم المجني عليه على طلب المبادرة بالقود -كما في هذا الحديث- فسرايتها بعد القصاص، أو أخذ الدية هدر، والدليل على تحريم القصاص المعجل، أو الدية، ثم هدَر السراية -هذا الحديث. ٣ - الحكمة في هذا: أنَّ الجرح ما دام طريًّا لم يبرأ؛ فإنَّ فيه احتمالاً أن تكون له سراية ومضاعفات، فالواجب الصبر حتى يتم شفاؤه، ثم يقتص له، أو تؤخذ له الدية. ٤ - ذهب الإمام الشافعي إلى: أنَّه لا يحرم طلب القصاص، أو الدية قبل البرء، وهو رواية لأحمد، خرَّجها في "المغني" و"الشرح الكبير"، واستدلوا بهذا

стр. 3075

الحديث الذي فيه أنَّ النَّبيَّ ﷺ مكَّنه من طلب القصاص فيه. وذهب الإمام أحمد في المشهور عنه، إلى: أنَّه يحرم أن يقتص من الطرف قبل برئه، وهو قول أكثر أهل العلم، ومنهم الأئمة: أبو حنيفة، ومالك، والثوري، وإسحاق. قال ابن المنذر: "هو قول كل من نحفظ عنه من أهل العلم". ٥ - أما إذا انتظر المجني عليه حتى يبرأ جرحه، ثم سرت الجناية، فإذا كانت الجناية مما لا يقتص فيها، ولا في سرايتها، ففيها الدية، أو الأرش، باتفاق العلماء، وإن كانت الجناية مما يقتص فيها، فيرى الإمام مالك والشافعي: أنَّ القصاص في الجناية فقط، لا فيما سرت إليه. وذهب الإمام أحمد إلى: أنَّ القصاص في الجناية، وسرايتها. قال في "نيل المآرب": "وسراية الجناية مضمونة في النفس وما دونها، لو قطع إصبعًا، فتآكلت أخرى، أو تآكلت اليد، وسقطت من مفصل، أو مات، ضمن الجاني ذلك بقود، أو دية". ٦ - وفيه: دليل على أنَّ الحكم الذي لا يعود ضرره إلاَّ على صاحبه، وأصرَّ على الحكم، فإنَّه يجاب إلى ذلك، بعد أن يبيِّن له عاقبة أمره، وضرره الذي سينجم عنه. ٧ - وفيه: أنَّ اتباع الشرع هو الخير والبركة في الحال والمآل، وأنَّ مخالفته شرٌّ حاضرًا، ومستقبلاً. ٨ - وفيه: أنَّ تبيين غلط المستعجل في الأمور لا يعد شماتة فيه، إذا قيل له ذلك للاعتبار، والاتعاظ في المستقبل له، ولغيره. ***

стр. 3076

١٠١٦ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: "اقْتَتَلَتِ امْرَاتَانِ مِنْ هُذَيْلٍ، فَرَمَتْ إِحْدَاهُمَا الأُخْرى بِحَجَرٍ، فَقَتَلَتْهَا، وَمَا فِي بَطْنِهَا، فَاخْتَصَمُوا إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَقَضَى رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنَّ دِيَةَ جَنِينِهَا غُرَّةٌ: عَبْدٌ اوْ وَلِيدةٌ، وَقَضى بِدِيَةِ المَرْأةِ عَلَى عَاقِلَتِهَا، وَوَرَّثَهَا وَلَدَهَا، وَمَنْ مَعَهُم. فَقَالَ حَمَلُ بْنُ النَّابِغَةِ الهُذَلِيُّ: يَا رَسُولَ اللهِ، كيْفَ يُغْرَمُ مَنْ لاَ شرِبَ وَلاَ أَكلَ، وَلاَ نَطَقَ وَلاَ اسْتَهَلَّ، فَمِثْلُ ذلِكَ يُطَلُّ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : إِنَّمَا هَذا مِنْ إِخْوَانِ الكُهَّانِ، مِنْ أَجْلِ سَجْعِهِ الَّذِي سَجَعَ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). وَأَخْرَجَهُ أَبُو داوُدَ، وَالنَّسَائيُّ، مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ: "أنَّ عُمَرَ ﵁ سَأَلَ مَنْ شَهِدَ قَضَاءَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي الجَنِينِ؟ قَالَ: فَقَامَ حَمَلُ بْنُ النَّابِغَةِ، فَقَالَ: كنْتُ بَيْنَ امْرَأتَيْنِ، فَضَرَبَتْ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى ... " فَذَكَرَهُ مُخْتَصَرًا، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَالحَاكِمُ (٢). ــ * درجة الحديث: الحديث صحيح. ذلك أنَّه جاء من طريقٍ إسنادها صحيح، وقد صحَّحه كل من: الحاكم، وابن حبان، وابن حزم، وقال ابن حزم في "المحلى": إسناده في غاية الصحة.

стр. 3077

وجاء في رواية البخاري من حديث أبي هريرة؛ أنَّ رسول الله ﷺ قضى فِي جنين امرأة من بني لحيان بغرة: عبدٍ أو أمةٍ، ثم إنَّ المرأة القاتلة توفيت، فقضى رسول الله ﷺ أنَّ ميراثها لبنيها وزوجها، وأنَّ العقل على عصبتها. * مفردات الحديث: - هُذيل: هذيل بن مدركة وهي قبيلة من القبائل العدنانية، لا تزال تقيم في ضواحي مكة الشرقية والجنوبية، وسكان وادي نعمان، وما حوله كلهم من هذيل، ومن هذيل قبيلة لحيان الذين يقيمون الآن في ضواحي مكة الشمالية. - جَنينها: ما في بطن الحامل وهو من: الاجتنان، وهو الاختفاء، فإنَّ مادة جنَّ كلها تدور على الاختفاء والاستتار. - غرَّة: بضم الغين، وتشديد الراء، آخره تاء التأنيث، أصل الغرة البياض في وجه الفرس، وهي عندهم أنفس شيء، والمراد به هنا: العبد نفسه؛ لأنَّ الله خلق الإنسان في أحسن تقويم. - وليدة: الشابة الأنثى من العبيد، جمعها: ولائد. - عاقلتها: العاقلة صفة موصوف محذوف؛ أي: الجماعة العاقلة، يقال: عقل القتيل إذا غرم ديته، مأخوذ من: العقل، وهو المنع؛ لأنَّ العاقلة تمنع عن القاتل، ويتحملون العقل عنه، والعقل هو الدية. أما تعريف العاقلة شرعًا: فهم من غرم ثلث الدية فأكثر من ذكور العصبة، بسبب جناية الخطأ، أو شبه العمد. - حَمَل: حَمل بن النابغة الهذلي، من هذيل بن مدركة بن إلياس بن مضر، وهو زوج المرأتين المذكورتين، صحابي، نزل البصرة. - يُغْرَم: مبني للمجهول، غرم يغرم غرامة، والغارم: هُو من لزمه مال يجب عليه أداؤه، وغرم الدية: أداها عن غيره. - استهلَّ: استهل الصبي: رفع صوته بالبكاء، وصاح عند الولادة.

стр. 3078

- يُطل: بضم التحتية، وفتح الطاء، وتشديد اللام؛ أي: يبطل ويهدر دم القتيل، فلا يثأر له، ولا تؤخذ ديته. - الكُهَّان: بضم الكاف، ثم هاء مشددة، جمع: كاهن، والكاهن: اسم لكل من يدَّعي علم الغيب، أو يدَّعي الكشف عن المغيبات، من: عرَّافٍ، ومنجمٍ، ورمَّالٍ، وغيرهم. - سَجعه: السجع: نوع من أنواع المحسنات البديعية، وتعريفه عند علماء البلاغة: أنَّه اتِّفاق الفواصل في الكلام المنثور في الحرف، أو في الوزن معًا، والكهان يجيدون هذا السجع، ويكثرون منه في كلامهم لخداع الناس. - على عاقلتها: الضمير فيها يعود إلى الجانية. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - اختصمت امرأتان ضرَّتان من قبيلة هذيل، فرَمَت إحداهما الأخرى بحجر صغير، لا يقتل غالبًا، ولكنه قتلها، وقتل جنينها الذي في بطنها، فقضى النبي ﷺ أنَّ ديَة الجنين غرَّة؛ وهي: -عبد أو أمة- على الجاني، وقضىى للمرأة المقتولة بالدية؛ لكون قتلها "شبه عمد"، وتكون على عاقلتها؛ لأنَّ مبنى العاقلة على التناصر والتعاون، ولكون القتل غير عمد. ٢ - هذا الحديث أصل في النوع الثاني من القتل، وهو "شبه العمد"؛ وهو أن يقصد الجاني الجِناية بما لا يقتل غالبًا؛ كالقتل بالحجر الصغير، أو العصا الصغيرة، فحكم هذا النوع من القتل هو تغليظ الدية على القاتل، ولا يقاد. ٣ - أنَّ ديَة "شبه العمد"، ومثله "الخطأ" -تكون على عاقلة القاتل، وهم: الذكور من عصبته القريبون والبعيدون، ولو لم يكونوا وارثين؛ لأنَّ مبنى العصوبة التناصر والتآزر، وهذه الجائحة وقعت منه بلا قصد، فناسب مساعدتهم له، ولو كان غنيًّا، وللكن تخفف عنهم بتوزيعها عليهم حسب قربهم، وتؤجل عليهم مقسَّطة إلى ثلاث سنوات.

стр. 3079

٤ - أنَّ ديَة الجنين الذي سقط ميتًا بسبب الجناية -"غرة": عبد أو أمة. وقدَّر الفقهاء قيمة هذه الغرة بخمس من الإبل، تورث عنه، كأنَّه سقط حيًّا. ودية الجنين على القاتل لا على العاقلة؛ لأنَّها أقل من ثلث الدية، وما كان أقل من ثلث الدية، فإنَّ العاقلة لا تتحمله. ٥ - أنَّ الدية تكون ميراثًا بعد المقتول؛ لأنَّها بدل نفسه، وليس للعاقلة فيها شيء. ٦ - قال العلماء: إنَّما كره النبي ﷺ سجع حَمَل بن النابغة لأمرين: الأمر الأول: أنه عارض به حكم الله تعالى وشرعه، ورام إبطاله. الأمر الثاني: أنَّه تكلَّف هذه السجعات بخطابه؛ لنصر الباطل، كما كان الكهَّان يروِّجون أقاويلهم الباطلة بأسجاع تروق السامعين، فيستميلون بها القلوب والأسماع. فأما إذا وقع السجع بغير هذا التكلف، ولم يقصد به نُصْرة الباطل -فهو غير مذموم. وقد جاء في كلام النبي ﷺ فقد خاطب الأنصار بقوله: "أما إنكم لَتقِلُّون عند الطمع، وتكثرون عند الفزع". وفي دعائه ﷺ : "اللَّهمَّ! إني أعوذ بك من علم لا يَنْفَع، وقول لاَ يُسمع، وقلب لاَ يخشع، ونفسٍ لاَ تشبع، أعوذ بك من هؤلاء الأربع". [رواه مسلم "٢٧٢٢"]. * قرار هيئة كبار العلماء فى إسقاط الجنين: قرار رقم (١٤٠) وتاريخ ٢٠/ ٦/ ١٤٠٧ هـ: الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، محمَّد، وعلى آله وصحبه، وبعد: فإنَّ مجلس هيئة كبار العلماء في دورته التاسعة والعشرين، المنعقدة في مدينة الرياض، ابتداء من يوم ٩/ ٦/ ١٤٠٧ هـ، حتى نهاية ٢٠/ ٦/ ١٤٠٧ هـ قد

стр. 3080

اطَّلع على الأورِاق المتعلِّقة بالإجهاض الواردة من المستشفى العسكري بالرياض، كما اطَّلع على كلام أهل العلم في ذلك، وبعد التأمل والمناقشة والتصور لما قد يحدث للحامل من أعراض وأخطار في مختلف مراحل الحمل، ولاختلاف الأطباء في بعض ما يقرِّرونه، واحتياطًا للحوامل من الإقدام على إسقاط حملهن لأدنى سبب، وأخذًا بدرء المفاسد، وجلب المصالح، ولأنَّ من الناس من قد يتساهل بأمر الحمل رغم أنَّه محرم شرعًا -لذا فإنَّ مجلس هيئة كبار العلماء يقرر ما يلي: ١ - لا يجوز إسقاط الحمل في مختلف مراحله، إلاَّ لمبرر شرعي، وفي حدود ضيقة جدًّا. ٢ - إذا كان الحمل في الطور الأول، وهي مدة الأربعين، وكان في إسقاطه مصلحة شرعية، أو دفع ضرر متوقع جاز إسقاطه، أما إسقاطه في هذه المدة، خشية المشقة في تربية الأولاد، أو خوفًا من العجز عن تكاليف معيشتهم وتعليمهم، أو من أجل مستقبلهم، أو اكتفاءً بما لدى الزوجين من الأولاد -فغير جائز. ٣ - لا يجوز إسقاط الحمل إذا كان علقة أو مضغة، حتى تقرر لجنة طبية موثوقة؛ أنَّ استمراره خطر على سلامة أمه، بأن يُخشى عليها الهلاك من استمراره، فيجوز إسقاطه بعد استنفاد كافة الوسائل لتلافي تلك الأخطار. ٤ - بعد الطور الثالث، وبعد إكمال أربعة أشهر للحمل لا يحل إسقاطه، حتى يقرر جمع من الأطباء المختصين الموثوقين؛ أنَّ بقاء الجنين في بطن أمه يسبب موتها، وذلك بعد استنفاد كافة الوسائل لإنقاذ حياته، وإنما رخِّص الإقدام على إسقاطه بهذه الشروط، دفعًا لأعظم الضررين، وجلبًا لعظمى المصلحتين. والمجلس إذ يقرر ما سبق يوصي بتقوى الله، والتثبت في هذا الأمر، والله الموفق، وصلى الله على نبينا محمَّد وآله وصحبه وسلم.

стр. 3081

* قرار المجمع الفقهي الإسلامي بشأن موضوع إسقاط الجنين المشوَّه خلقيًّا: الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، سيدنا ونبينا محمَّد ﷺ ، وعلى آله وصحبه. أما بعد: فإنَّ مجلس المجمع الفقهي الإسلامي لرابطة العالم الإسلامي في دورته الثانية عشرة المنعقدة بمكة المكرمة في الفترة من يوم السبت: ١٥ رجب ١٤١٠ هـ، الموافق ١٠ فبراير ١٩٩٠م، إلى يوم السبت ٢٢ رجب ١٤١٠ هـ، الموافق ١٧ فبراير ١٩٩٠ م -قد نظر في هذا الموضوع، وبعد مناقشته من قِبل هيئة المجلس الموقرة، ومن قِبل أصحاب السعادة الأطباء المختصين، الذين حضروا لهذا الغرض- قرر بالأكثرية ما يلي: - إذا كان الحمل قد بلغ مائة وعشرين يومًا، فإنه لا يجوز إسقاطه، ولو كان التشخيص الطبي يفيد أنَّه مشوَّه الخِلقة، إلاَّ إذا ثبت بتقرير لجنة طبية من الأطباء الثقات المختصين أنَّ بقاء الحمل فيه خطر على حياة الأم، فعنذئذٍ يجوز إسقاطه؛ سواء أكان مشوهًا أم لا؛ دفعًا لأعظم الضررين. - قبل مرور مائة وعشرين يومًا على الحمل، إذا ثبت وتأكد بتقرير لجنة طبية من الأطباء المختصين الثقات، وبناء على الفحوص الفنية بالأجهزة والوسائل الممكنة-: أنَّ الجنين مشوه تشويهًا خطيرًا غير قابل للعلاج، وأنَّه إذا بقي وولد في موعده ستكون حياته سيئة وآلامًا عليه وعلى أهله- فعندئذٍ يجوز إسقاطه؛ بناء على طلب الوالدين، والمجلس إذ يقرر ذلك يوصي الأطباء والوالدين بتقوى الله، والتثبت في هذا الأمر. والله ولي التوفيق، وصلى الله على سيدنا محمَّد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا، والحمد لله رب العالمين. ***

стр. 3082

١٠١٧ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّ الرُّبيَعَ بِنْتَ النَّضْرِ -عَمَّتَهُ- كسَرَتْ ثَنِيّهَّ جَارِيَةٍ، فَطَلَبُوا إِلَيْهَا العَفْوَ، فَأَبَوْا، فَعَرَضُوا الأَرْشَ، فَأَبَوْا، فَأَتوْا رَسُولَ اللهِ ﷺ فَأَبَوْا إِلاَّ القِصَاصَ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بالقِصَاصِ، فَقَالَ أَنَسُ بْنُ النَّضْرِ: يَا رَسُولَ اللهِ، أتُكْسَرُ ثَنيَّةُ الرُّبَيِّعِ؟! لاَ، وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ، لاَ تُكْسَرُ ثَنِيَّتُهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : يَا أَنَسُ، كتَابُ اللهِ القِصَاصُ"، فَرَضِيَ القَوْمُ، فَعَفَوْا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِنَّ مِنْ عِبادِ اللهِ مَنْ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللهِ لأَبَرَّهُ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ (١). ــ * مفردات الحديث: - الرُّبيَع: تصغير ربيع، وهو بضم الراء، وفتح الباء الموحدة، وتشديد الياء، آخره عين مهملة-: بنت النضر الأنصارية الخزرجية، أخت أنس بن النضر، وعمة أنس بن مالك خادم النبي ﷺ . - ثَنيَّة: واحدة الثنايا، وهنَّ أربع أسنان في مقدم الفم: اثنتان من أعلى، واثنتان من أسفل. - جَارية: شابة من بنات الأنصار، وليس المراد بها الأمة؛ لعدم القصاص بينهما. - الأَرْش: بفتح الهمزة، وسكون الراء، آخره شين معجمة-: هو قدر ما بين قيمة المجني عليه صحيحًا، وبين قيمته وفيه الجناية، فيقوَّم كأنه عبد سليم،

стр. 3083

ثم يقوَّم مرَّة أخرى وفيه الجرح، فما بين القيمتين ينسب إلى دية الحر؛ فيكون أرش الجناية. - أتُكسر: الهمزة للاستفهام الإنكاري، ولم يقصد الإنكار، ولكن أخذه الغضب والحمية، أو أنَّه يجهل الحكم الشرعي. - كتاب الله القصاص: مبتدأ وخبر؛ أي أنَّ كتاب الله يَحْكُم بالقصاص. - لأبره: اللام للتأكيد في جواب القسم؛ أي: لا يحنثه، بل يبر قسمه، ويجيبه إلى ما أقسم عليه، ويعطيه مطلوبه لكرامته عليه، وعلمه أنَّه من جملة عباد الله الصالحين. * ما يؤخذ من الحديث: قال الله تعالى: ﴿وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ﴾ [المائدة: ٤٥]، والرُّبيع بنت النضر أخت أنس بن النضر أحد شهداء أحد، وهي عمة أنس بن مالك، خادم النبي ﷺ ، كسَرت ثنية إحدى بنات الأنصار عمدًا، فطلب أنس بن النضر من أولياء المجني عليها العفو عن أخته، فأبوا، فعرضوا عليهم الدية، فأبوا، ورفعوا أمرهم إلى النبي ﷺ مطالبين بالقصاص، وأصرُّوا على طلبهم، فأمر النبي ﷺ بالقصاص، فقال أنس بن النضر: يا رسول الله، أتكسر ثنية الربيع؟! لا، والذي بعثك بالحق، لا تُكسر ثنيتها، فقال النبي ﷺ : "يا أنس، كتاب الله"، فرضي القوم، وعفوا، فقال رسول الله: "إنَّ من عباد الله من لو أقسم على الله لأبرَّه". هذا الحديث فيه جملة معان وأحكام منها: ١ - ثبوت القصاص في السن؛ كما قال تعالى: ﴿وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ﴾ [المائدة: ٤٥]، ولا يكون القصاص إلاَّ في العمد، أما الخطأ وشبه العمد فليس فيهما إلاَّ الدية. ٢ - يكون القصاص بالسن المماثلة للسن المجني عليها.

стр. 3084

٣ - أنَّ القصاص هو حكم الله تعالى، يجب القيام به، ما لم يَعْفُ صاحب الحقِّ؛ قال تعالى: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾ [البقرة: ١٧٨]. ٤ - أنَّ المؤمن إذا لجَّ به الغضب والحمية، فصدر منه ما ظاهره الاعتراض على أمر الله وحكمه، وهو لم يرد به الإنكار والمعارضة، وإنما قصد به طلب الشفاعة -فلا يؤخذ بنالك؛ فإنَّما الأعمال بالنيات. ويحتمل: أنَّ أنس بن النضر إنما قال ذلك توقعًا من الله تعالى، ورجاءً من فضله أن يرضي الله عنه خصم أخته، ويلقي في قلبه العفو، ولذا قال ﷺ : "إنَّ من عباد الله من لو أقسم على الله لأبرَّه". ٥ - أنَّ القصاص من حق المجني عليه، فإذا عفا عنه سقط، ولا يعتبر هذا تعطيلاً لحدود الله؛ لأئَه محض حق آدمي. ٦ - أنَّ الله تعالى بكرمه وعدله يعرف لذوي السابقة بطاعته سباقتهم، فإذا وقعوا في معضلة سهَّلها لهم؛ كما في قوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (١٤٣) لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (١٤٤)﴾ [الصافات] وكما جاء في الحديث: "تعرَّف إلى الله في الرخاء، يعرفك في الشدَّة" [رَواه أحمد وأبو القاسم في "أماليه"، وحسَّنه السيوطي في "الجامع الصغير"، وكذلك المناوي]. ٧ - أنَّ القلوب بين يدي الله تعالى، فالمجني عليهم كانوا ممتنعين من العفو، ومن الدية، وطبيعة الحال أنَّ تشدد أنس بن النضر في عدم تنفيذ القصاص، في أخته مما يزيدهم شدة في طلب القصاص، وإلحاحًا فيه، إلاَّ أنَّهم عفوا، وهذا من الأدلة أنَّ المتصرِّف في القلوب هو الله وحده. ٨ - في الحديث منقبة عظيمة لأنس بن النضر ﵁ وهي أنَّه من جملة عباد الله تعالى، الذين يعطيهم الله مطلوبهم، ويسمع نداءهم، ويجيب دعاءهم، وقصة استشهاده يوم أحد مشهورة.

стр. 3085

* فائدة: قال ابن القيم: أتباع الأئمة الأربعة لا قصاص عندهم في اللطمة والضربة، وحكى بعضهم الإجماع. وخرجوا عن محض القياس، وموجب النصوص، وإجماع الصحابة، قال تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ [النحل: ١٢٦] فالواجب للمظلوم أن يفعل بالجاني عليه كما فعل به، فلطمةٌ بلطمةٍ، وضربةٌ بضربة في محلها، بالآلة التي لطم بها، أو مثلها، أقرب إلى المماثلة المأمور بها شرعًا من تعزيره بغير جنس اعتدائه، وصفته. وهذا هدي الرسول ﷺ وخلفائه، ومحض القياس، ونصوص أحمد. ***
следующие страницы →