* قرار المجمع الفقهي الإسلامي بشأن موضوع إسقاط الجنين المشوَّه خلقيًّا:
الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، سيدنا ونبينا محمَّد ﷺ ، وعلى آله وصحبه.
أما بعد:
فإنَّ مجلس المجمع الفقهي الإسلامي لرابطة العالم الإسلامي في دورته الثانية عشرة المنعقدة بمكة المكرمة في الفترة من يوم السبت: ١٥ رجب ١٤١٠ هـ، الموافق ١٠ فبراير ١٩٩٠م، إلى يوم السبت ٢٢ رجب ١٤١٠ هـ، الموافق ١٧ فبراير ١٩٩٠ م -قد نظر في هذا الموضوع، وبعد مناقشته من قِبل هيئة المجلس الموقرة، ومن قِبل أصحاب السعادة الأطباء المختصين، الذين حضروا لهذا الغرض- قرر بالأكثرية ما يلي:
- إذا كان الحمل قد بلغ مائة وعشرين يومًا، فإنه لا يجوز إسقاطه، ولو كان التشخيص الطبي يفيد أنَّه مشوَّه الخِلقة، إلاَّ إذا ثبت بتقرير لجنة طبية من الأطباء الثقات المختصين أنَّ بقاء الحمل فيه خطر على حياة الأم، فعنذئذٍ يجوز إسقاطه؛ سواء أكان مشوهًا أم لا؛ دفعًا لأعظم الضررين.
- قبل مرور مائة وعشرين يومًا على الحمل، إذا ثبت وتأكد بتقرير لجنة طبية من الأطباء المختصين الثقات، وبناء على الفحوص الفنية بالأجهزة والوسائل الممكنة-: أنَّ الجنين مشوه تشويهًا خطيرًا غير قابل للعلاج، وأنَّه إذا بقي وولد في موعده ستكون حياته سيئة وآلامًا عليه وعلى أهله- فعندئذٍ يجوز إسقاطه؛ بناء على طلب الوالدين، والمجلس إذ يقرر ذلك يوصي الأطباء والوالدين بتقوى الله، والتثبت في هذا الأمر.
والله ولي التوفيق، وصلى الله على سيدنا محمَّد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا، والحمد لله رب العالمين.
***
стр. 3082
١٠١٧ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّ الرُّبيَعَ بِنْتَ النَّضْرِ -عَمَّتَهُ- كسَرَتْ ثَنِيّهَّ جَارِيَةٍ، فَطَلَبُوا إِلَيْهَا العَفْوَ، فَأَبَوْا، فَعَرَضُوا الأَرْشَ، فَأَبَوْا، فَأَتوْا رَسُولَ اللهِ ﷺ فَأَبَوْا إِلاَّ القِصَاصَ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بالقِصَاصِ، فَقَالَ أَنَسُ بْنُ النَّضْرِ: يَا رَسُولَ اللهِ، أتُكْسَرُ ثَنيَّةُ الرُّبَيِّعِ؟! لاَ، وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ، لاَ تُكْسَرُ ثَنِيَّتُهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : يَا أَنَسُ، كتَابُ اللهِ القِصَاصُ"، فَرَضِيَ القَوْمُ، فَعَفَوْا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِنَّ مِنْ عِبادِ اللهِ مَنْ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللهِ لأَبَرَّهُ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ (١).
ــ
* مفردات الحديث:
- الرُّبيَع: تصغير ربيع، وهو بضم الراء، وفتح الباء الموحدة، وتشديد الياء، آخره عين مهملة-: بنت النضر الأنصارية الخزرجية، أخت أنس بن النضر، وعمة أنس بن مالك خادم النبي ﷺ .
- ثَنيَّة: واحدة الثنايا، وهنَّ أربع أسنان في مقدم الفم: اثنتان من أعلى، واثنتان من أسفل.
- جَارية: شابة من بنات الأنصار، وليس المراد بها الأمة؛ لعدم القصاص بينهما.
- الأَرْش: بفتح الهمزة، وسكون الراء، آخره شين معجمة-: هو قدر ما بين قيمة المجني عليه صحيحًا، وبين قيمته وفيه الجناية، فيقوَّم كأنه عبد سليم،
стр. 3083
ثم يقوَّم مرَّة أخرى وفيه الجرح، فما بين القيمتين ينسب إلى دية الحر؛ فيكون أرش الجناية.
- أتُكسر: الهمزة للاستفهام الإنكاري، ولم يقصد الإنكار، ولكن أخذه الغضب والحمية، أو أنَّه يجهل الحكم الشرعي.
- كتاب الله القصاص: مبتدأ وخبر؛ أي أنَّ كتاب الله يَحْكُم بالقصاص.
- لأبره: اللام للتأكيد في جواب القسم؛ أي: لا يحنثه، بل يبر قسمه، ويجيبه إلى ما أقسم عليه، ويعطيه مطلوبه لكرامته عليه، وعلمه أنَّه من جملة عباد الله الصالحين.
* ما يؤخذ من الحديث:
قال الله تعالى: ﴿وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ﴾ [المائدة: ٤٥]، والرُّبيع بنت النضر أخت أنس بن النضر أحد شهداء أحد، وهي عمة أنس بن مالك، خادم النبي ﷺ ، كسَرت ثنية إحدى بنات الأنصار عمدًا، فطلب أنس بن النضر من أولياء المجني عليها العفو عن أخته، فأبوا، فعرضوا عليهم الدية، فأبوا، ورفعوا أمرهم إلى النبي ﷺ مطالبين بالقصاص، وأصرُّوا على طلبهم، فأمر النبي ﷺ بالقصاص، فقال أنس بن النضر: يا رسول الله، أتكسر ثنية الربيع؟! لا، والذي بعثك بالحق، لا تُكسر ثنيتها، فقال النبي ﷺ : "يا أنس، كتاب الله"، فرضي القوم، وعفوا، فقال رسول الله: "إنَّ من عباد الله من لو أقسم على الله لأبرَّه".
هذا الحديث فيه جملة معان وأحكام منها:
١ - ثبوت القصاص في السن؛ كما قال تعالى: ﴿وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ﴾ [المائدة: ٤٥]، ولا يكون القصاص إلاَّ في العمد، أما الخطأ وشبه العمد فليس فيهما إلاَّ الدية.
٢ - يكون القصاص بالسن المماثلة للسن المجني عليها.
стр. 3084
٣ - أنَّ القصاص هو حكم الله تعالى، يجب القيام به، ما لم يَعْفُ صاحب الحقِّ؛ قال تعالى: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾ [البقرة: ١٧٨].
٤ - أنَّ المؤمن إذا لجَّ به الغضب والحمية، فصدر منه ما ظاهره الاعتراض على أمر الله وحكمه، وهو لم يرد به الإنكار والمعارضة، وإنما قصد به طلب الشفاعة -فلا يؤخذ بنالك؛ فإنَّما الأعمال بالنيات.
ويحتمل: أنَّ أنس بن النضر إنما قال ذلك توقعًا من الله تعالى، ورجاءً من فضله أن يرضي الله عنه خصم أخته، ويلقي في قلبه العفو، ولذا قال ﷺ : "إنَّ من عباد الله من لو أقسم على الله لأبرَّه".
٥ - أنَّ القصاص من حق المجني عليه، فإذا عفا عنه سقط، ولا يعتبر هذا تعطيلاً لحدود الله؛ لأئَه محض حق آدمي.
٦ - أنَّ الله تعالى بكرمه وعدله يعرف لذوي السابقة بطاعته سباقتهم، فإذا وقعوا في معضلة سهَّلها لهم؛ كما في قوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (١٤٣) لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (١٤٤)﴾ [الصافات] وكما جاء في الحديث: "تعرَّف إلى الله في الرخاء، يعرفك في الشدَّة" [رَواه أحمد وأبو القاسم في "أماليه"، وحسَّنه السيوطي في "الجامع الصغير"، وكذلك المناوي].
٧ - أنَّ القلوب بين يدي الله تعالى، فالمجني عليهم كانوا ممتنعين من العفو، ومن الدية، وطبيعة الحال أنَّ تشدد أنس بن النضر في عدم تنفيذ القصاص، في أخته مما يزيدهم شدة في طلب القصاص، وإلحاحًا فيه، إلاَّ أنَّهم عفوا، وهذا من الأدلة أنَّ المتصرِّف في القلوب هو الله وحده.
٨ - في الحديث منقبة عظيمة لأنس بن النضر ﵁ وهي أنَّه من جملة عباد الله تعالى، الذين يعطيهم الله مطلوبهم، ويسمع نداءهم، ويجيب دعاءهم، وقصة استشهاده يوم أحد مشهورة.
стр. 3085
* فائدة:
قال ابن القيم: أتباع الأئمة الأربعة لا قصاص عندهم في اللطمة والضربة، وحكى بعضهم الإجماع.
وخرجوا عن محض القياس، وموجب النصوص، وإجماع الصحابة، قال تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ [النحل: ١٢٦]
فالواجب للمظلوم أن يفعل بالجاني عليه كما فعل به، فلطمةٌ بلطمةٍ، وضربةٌ بضربة في محلها، بالآلة التي لطم بها، أو مثلها، أقرب إلى المماثلة المأمور بها شرعًا من تعزيره بغير جنس اعتدائه، وصفته.
وهذا هدي الرسول ﷺ وخلفائه، ومحض القياس، ونصوص أحمد.
***
стр. 3086
١٠١٨ - وَعَنِ ابْن عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ قُتِلَ عِمِّيًّا اوْ رِمِّيًّا، بِحَجَرٍ اوْ سَوْطٍ اوْ عَصًا -فَعَقْلُهُ عَقْلُ الخَطَإِ، وَمَنْ قُتِلَ عَمْدًا فَهُوَ قَوَدٌ، وَمَنْ حَالَ دُونَهُ فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِ". أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، بِإِسْنَادٍ قَوِيٍّ (١).
ــ
* درجة الحديث:
إسناده قوي، كما قال المؤلف.
وقال ابن عبد الهادي: "إسناده جيِّد".
* مفردات الحديث:
عِمِّيًّا: بكسر العين المهملة، وتشديد الميم، والياء المثناة من تحت، بالقصر، على وزن فِعِّيلى، من: العَمَاء.
- رِمِّيًّا: بكسر الراء، وتشديد الميم، ثم ياء مثناة تحتية، بالقصر، على وزن فعيلى، من الرمي، وكل من عِمِّيا ورِمِّيًّا مصدر يراد به المبالغة، والمعنى: أنه إذا وجد جماعة من الناس في اقتتال، ثم وجد قتيل يُعمى أمره، ولم يتبيَّن قاتله -فحكمه حكم الخطأ تجب فيه الدية.
- سَوْط: بفتح السين، وسكون الواو، ما يُضرب به من جلد؛ سواء كان مضفورًا، أو لا.
- عَصا: ما يتخذ من خشب وغيره للتوكؤ، أو الضرب، جمعه: عِصِىّ.
- فعقْله عقل الخطإ: العقل: الدية، ومعناه: فديته قدر ديَة قتل الخطأ.
- قوَد: بفتح القاف، والواو، آخره دال مهملة، القود: القصاص؛ سمي قودًا؛
стр. 3087
لأنَّه يقاد عند تنفيذ القصاص فيه.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - قتيل العمياء؛ وهو الذي يُقْتل في زحام، فيُجهل قاتله؛ كزحام الطواف، والسَّعي، ورمي الجمار، فهذا ديته من بيت مال المسلمين.
قال الشيخ صالح الحصين المستشار في وزارة المالية: "القاعدة أنَّ دم المعصوم لا يضيع هدرًا، فالدية تجب على بيت المال في مثل حالة، لا يبقى فيها سبيلٌ للثبوت على غير بيت المال، ولا يوجد ما يسقط العقل عنه".
٢ - أما القتل برمي حجر، أو سوط، أو عصًا مما لا يقتل غالبًا، فهلذا شبيه بالخطأ من حيث عدم وجوب القصاص، وشبيه بالعمد من حيث تغليظ الدية؛ فدية شبه العمد كدية العمد قدرًا.
٣ - أما قتل العمد العدوان فإنَّ فيه القود، وهو القصاص، وقد أشار إليه ﷺ بقوله: "ومن قتل عمدًا فهو قَود".
وعرَّف الفقهاء قتل العمد: بأن يقصد آدميًّا معصومًا، فيقتله بما يغلب على الظن موته به، فلا قصاص بما لا يقتل غالبًا، وكذا لاقصاص إن لم يقصد القتل، أو قصد غير معصوم.
٤ - وهناك تسع صور لقتل العمد العدوان:
١ - الضرب بمُثَقَّل.
٢ - الضرب بما له نفوذ في البدن.
٣ - إلقاؤه في زُبْيَةِ سبُع مفترس.
٤ - إلقاؤه في ماءٍ يغرقه، أو نار تحرقه.
٥ - أن يخنقه.
٦ - أن يحبسه عن الطعام والشراب، فيموت جوعًا، أو عطشًا في مدة يموت فيها غالبًا.
стр. 3088
٧ - أن يسقيه السم.
٨ - أن يقتله بسحر.
٩ - أن يشهد عليه رجلان بما يوجب قتله.
والضابط لهذا كله تعريفه بأنه: "القتل بما يغلب عليه الظن موته به"؛ فهذا تعريف مطرد على عمومه، فلا يدخل فيه ما لو غرزه بإبرة، أو شوكة في غير مقتل، وخرج منه دم، فمات منه؛ فإنَّ هذا من شبه العمد؛ لأنَّ هذا لا يقتل غالبًا، فهو من صور شبه العمد، كما نبَّه على لك شيخنا عبد الرحمن السعدي ﵀.
٥ - أنَّ القصاص أو الدية إذا وجب، فحالت يد ظالمة عن تنفيذه، فعلى تلك اليد الحائلة بين الدية أو القود، وبين أولياء القتيل -لعنة الله؛ لأنَّها منعت أصحاب الحق من حقهم وقد قال تعالى: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا (٣٣)﴾ [الإسراء].
٦ - قوله: "عمدًا" فيه دليل على أنَّه لابد في القود من تحقيق قتل العمد.
قال الشيخ ناصر بن حمد بن معمر ما خلاصته:
"إذا ادَّعى القاتل أنَّ قتله للقتيل كان خطأً، لا عمدًا، وفسَّره بذلك، والقتل لم يثبت إلاَّ باعترافه -فإنَّه يقبل قوله في دعوى الخطأ، ولا قصاص عليه؛ لأنَّ من شرط القصاص أن يكون عمدًا محضًا".
***
стр. 3089
١٠١٩ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إِذَا أَمْسَكَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ، وَقَتَلَهُ الآخَرُ، يُقْتَلُ الَّذِي قَتَلَ، وَيُحْبَسُ الَّذِي أَمْسَكَ". رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ مَوْصُولاً، وَمُرْسَلاً، وصَحَّحَهُ ابْنُ القَطَّانِ، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ، إِلاَّ أَنَّ البَيْهقِيَّ رَجَّحَ المُرْسَلَ (١).
ــ
* درجة الحديث:
الحديث مرسل.
قال المصنف: "رواه الدارقطني موصولاً ومرسلاً، وصحَّحه ابن القطان، ورجاله ثقات، إلاَّ أنَّ البيهقي رجح المرسل".
قال الحافظ ابن كثير في "الإرشاد": "وإسناده على شرط مسلم".
قال الشوكاني: "قال الدارقطني: الإرسال أكثر، وقال البيهقي: المرسل أصح، فالوصل غير محفوظ".
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - قال فقهاؤنا الحنابلة: إذا أمسك إنسان آخر؛ ليقتله ثالث، فقتله -قُتِل القاتل بلا خلاف بين العلماء؛ لأنَّه قتل من يكافئه عمدًا بغير حق، أما الممسك فيحبس حتى يموت، ولا قود عليه، ولا دية.
٢ - هذا إذا كان الممسك يعلم أنَّ القاتل سيقتله، أما إذا كان لا يعلم ذلك، كان يكون في مزاحٍ أو لعب، فليس على الممسك شيء؛ لأنَّ موته ليس بفعله، وحينئذٍ فلا يعتبر فيه قصد القتل.
هذا هو المشهور من مذهب أحمد، وهو من مفردات مذهبه.
стр. 3090
ودليله: حديث الباب.
٣ - ذهب الإمام مالك ﵀ إلى: أنَّه إذا كان الممسك يرى أنَّ الجاني سيقتل المجني عليه -قُتِلا جميعًا، كان أمسكه وهو يرى أنه يريد الضرب فقط، فإنه يقتل القاتل، ويعاقب الممسك عقوبة شديدة، ويسجن.
قال الشوكاني: "الحق العمل بمقتضى الحديث المذكور؛ لأنَّ إعلاله بالإرسال غير قادح على ما ذهب إليه أئمة الأصول".
٤ - أما مذهب أبي حنيفة والشافعي فيريان: تعزير الممسك إذا أمسك بقصد، القتل، وهو عالم بأنه سيقتل؛ لأنَّ فعل الطالب مباشرة، وفعل الممسك تسبب، وقد تغلبت المباشرة على السبب.
ومن التعزير الحبس، ولكنهم لا يرونه مؤبدًا، كما يراه الحنابلة، وإنما يرون أنَّ الحبس موكول إلى اجتهاد الإمام في طول المدة وقصرها؛ لأنَّ الغرض تأديبه، وليس استمراره إلى الموت بمقصود.
٥ - وذهب الإمام مالك إلى: أنَّ الممسك يقتل قصاصًا إذا أمسك القتيل لأجل القتل، فقتله الطالب، وهو يعلم أن الطالب سيقتله؛ لأنَّه بإمساكه تسبب في قتله، فإن لم يعلم أنَّه يقصد قتله، فعقاب الممسك التعزير، وليس القصاص، والله أعلم.
٦ - حبس الممسك حتى الموت مناسب لتسببه بإمساك القتيل حتى قتل.
٧ - في الحديث دليل على القاعدة المشهورة: إذا اجتمع المباشر والمتسبب كان الضمان على المباشر، وهنا لقي كل منهما جزاءه المناسب لجنايته، والله حكيم عليم.
***
стр. 3091
١٠٢٠ - وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ البَيْلَمَانِيِّ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قتَلَ مُسْلِمًا بِمُعَاهَدٍ، وَقَالَ: "أنَا أَوْلَى مَنْ وَفَّى بذمَّتِه". أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقٍ هَكَذَا مُرْسَلاً، (١) وَوَصَلَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ بِذِكْرِ ابْنِ عُمَرَ فِيهِ، وَإِسْنَادُ المَوْصُولِ وَاهٍ (٢).
ــ
* درجة الحديث:
الحديث ضعيف.
هذا الحديث مرسل من حديث عبد الرحمن بن البيلماني، وقد روي مرفوعًا، لكن قال البيهقي: "هو خطأ"، وقال الدارقطني: "ابن البيلماني ضعيف، لا تقوم به حجة إذا وصل الحديث، فكيف بما أرسله؟! ".
وقد ضعفه كل من الشافعي، والدارقطني، والبيهقي، وقد وثَّقه بعضهم، والمضعفون له أكثر.
* مفرادات الحديث:
- بمعاهد: المعاهَد هو: الكافر الذي أُعطي العهد والأمان، فحرم به قتله وأسره ورقُّه.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - يدل الحديث على جواز قتل المسلم بالكافر المعاهَد، وأنَّ المعاهَد في ذمة إمام المسلمين، وفي ذمة المسلمين جميعًا، ولذا قال ﷺ : "أنا أولى مَن وفَّى بذمته".
стр. 3092
٢ - والحديث يحتمل ثلاثة أوجه:
أحدها: جواز قتل المسلم بالكافر، كما هو مذهب الإمام أبي حنيفة، لعموم النصوص التي جاءت في القصاص، وتحقيق الأمن والاستقرار؛ فإن قتل المسلم بالذمي أبلغ منه في قتل المسلم؛ لأنَّ العداوة الدينية تحمله على القتل، خصوصًا عند الغضب، فكانت الحاجة داعية إلى الزجر، وكان فرض القصاص أبلغ في تحقيق الحياة الآمنة، كما قال تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ [البقرة: ١٧٩] وقد أخذت محاكم مصر بهذا القول، فهي لا تفرق في العقوبة؛ لاختلاف الدين.
أما مذهب جمهور العلماء، ومنهم الأئمة الثلاثة-: فلا يرون قتل المسلم بالكافر مطلقًا؛ لأنَّ الكافر لا يكافيء المسلم، ولكن الكافر يقتل إذا قتله؛ لأنَّه قَتْلُ الأدنى بالأعلى، ويطبق هذا على الذميين.
الوجه الثاني: أنَّ المراد بالقتل لأجل التعزير، وليس القصاص، ولهذا جعل اختياره لنفسه ﷺ ، ولم يَكِلْهُ إلى أولياء الدم.
الوجه الثالث: أن يكون القتل هنا قتل غيلة، وقتل الغيلة عند القائلين به لا يرون شروط القصاص من المكافأة وغيرها، والله أعلم.
قال في "الاختيارات": لا يقتل مسلم بذمي، إلاَّ أن يكون غيلة".
وقال في موضع آخر: "إنَّ العفو لا يصح في قتل الغيلة، لتعذر الاحتراز منه؛ كالقتل مكابرة".
وذكر ابن القيم أنَّ قتل الغيلة يوجب قتل القاتل حدًّا، ولا يسقطه العفو، ولا تعتبر فيه المكافأة، وهو مذهب أهل المدينة، وأحد الوجهين في مذهب أحمد، واختيار الشيخ تقي الدين.
٣ - فيه تعظيم قتل المعاهد؛ فقد روى البخاري من حديث ابن عمر؛ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قَال: "مَن قتل معاهدًا، لم يُرَح رائحة الجنة".
стр. 3093
١٠٢١ - وعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: "قُتِل غُلَامٌ غِيْلَةً، فَقَالَ عُمَرُ: لَوِ اشْتَرَكَ فِيهِ أَهْلُ صَنْعَاءَ، لَقَتَلْتُهُمْ بِهِ". أَخْرَجَهُ البُخَارِيُّ (١).
ــ
* مفردات الحديث:
- غِيلَة: بكسر الغين المعجمة، وسكون المثناة التحتية، يقال: قتله غيلة؛ أي: قتله على غفلة من المقتول، وغِرَّة.
- صَنْعَاء: بفتح الصاد، وسكون النون، ممدود: هي عاصمة بلاد اليمن، وتقع في الجهة الجنوبية من الجزيرة العربية، وهي مدينة قديمة أثرية.
وتخصيص صنعاء بالذكر في هذا الأثر؛ لأنَّ هؤلاء الرجال القتلة كانوا منها، أو أنَّه مثل عند العرب يضرب لكثرة السكَّان.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - قوله: "لو اشترك فيه أهل صنعاء، لقتلتُهم به" فيه قتل الجماعة بالواحد، وهو مذهب جماهير العلماء.
قال ابن القيم: "اتَّفق الصحابة، وعامة الفقهاء على قتل الجميع بالواحد، وان كان أصل القصاص يمنع ذلك؛ لئلا يكون عدم القصاص ذريعة إلى التعاون على سفك الدماء".
وممن ذهب إلى ذلك الإمام أحمد وأتباعه.
قال في "كشاف القناع": ويقتل الجماعة بالواحد، إذا كان فعل كل واحد منهم صالحًا للقتل به لو انفرد، وإن لم يصلح فعل كل واحد من الجماعة
стр. 3094
للقتل؛ كما لو ضربه كل واحد بحجر صغير، فمات -فلا قصاص عليهم، ما لم يتواطؤوا على ذلك الفعل، ليقتلوه به؛ فعليهم القصاص؛ لئلا يتخذ ذريعة إلى درء القصاص".
قال الشيخ عبد الله أبابطين: "معنى قوله: أن يكون فعل كل واحد منهم صالحًا للقتل به، أي: يكون فعل كل واحد صالحًا أن يكون سببًا لموت المجني عليه، لا أنَّه يغلب حصول الموت من تلك الجناية؛ لأنَّ الفقهاء مثَّلوا بالمُوضحة، مع أنَّ حصول الموت بها نادر".
كما استدلَّ بهذا الأثر التصحيح عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، ﵁.
* خلاف العلماء:
اختلف العلماء في قتل الغيلة:
فقال الحنفية، والشافعية، والحنابلة، والظاهرية: إنه يوجب القتل قصاصًا؛ كسائر أنواع القتل عمدًا، وعدوانًا، وعليه يكون الحق في قتل الجاني لأولياء الدم، من ورثة القتيل، أو عصبته، فيجب تنفيذه إن اتَّفقوا على ذلك، ويسقط بعفوهم، أو عفو بعضهم.
وقال أبو الزناد، ومالك، وابن تيمية، وابن القيم، وغيرهم: إنَّه يوجب قتل الجاني حدًا، لا قودًا، فيتولى تنفيذه السلطان، أو نائبه، ولا يسقط بعفو أحد، لا السلطان، ولا غيره.
استدلَّ: من قال: إنه يقتل قصاصًا؛ بالكتاب، والسنة، والقياس.
أما الكتاب: فعموم قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا (٣٣)﴾ [الإسراء].
قالوا: جعل الله سبحانه الحق في الدم لأولياء القتيل، من ورثة، أو عصبة، دون غيرهم، وعمم في ذلك، فلم يخص قتلًا دون قتل، والأصل بقاء
стр. 3095
النص على عمومه، حتى يرد ما يصلح لتخصيصه.
وأيضًا: عموم قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ١٧٨]، فحكم الله تعالى في عموم القتلى بوجوب القصاص، إلاَّ ما خصَّه الدليل، كما عمَّم تعالى في العفو بقوله: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ١٧٨]؛ فلم يخص به قتلًا دون قتل، فوجب تعميمه في كل قتل عمد عدوان، غيلةً كان، أم غير غيلة.
وأما من السنة:
فعموم قوله ﷺ : "منَ قُتل له قتيل، فأهله بين خيرتين: إما أن يأخذوا العقل، أو أن يقتلوا"؛ فجعل ﵊ الخيرة لأهل القتيل بين العقل والقصاص في كل قتل، غيلةً كان، أو غير غيلة.
وأيضًا: ما روى عبد الرزاق عن سِماك بن الفضل: "أنَّ عروة كتب إلى عمر بن عبد العزيز في رجل خَنَق صبيًّا على أوضاح له حتى قتله، فوجدوه والحبل في يده، فاعترف بنالك، فكتَب: أن ادفعوه لأولياء الصبي، فإن شاءوا قتلوا" ولم يسأل عمر عن صفة القتل، أهو غيلة، أم لا؟ ولم ينكر عليه أحد.
أما القياس:
فقالوا: فيه: إنَّه قتل في غير حرابة؛ فكان كسائر أنواع القتل في إيجاب القصاص، وقبول العفو؛ لعدم الفارق.
واستدل: من قال: إنَّ قتل الغيلة يقتل فيه الجاني حدًّا، لا قودًا، فلا يسقط بالعفو من السلطان، أو غيره -: بالكتاب، والسنة، والقياس.
أما الكتاب: فإنَّ قتل الغيلة نوع من الحرابة؛ فوجب به القتل حدًا، لا قودًا؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا ...﴾ الآية [المائدة: ٣٣].
стр. 3096
أما من السنة:
(أ) فاستدلوا بما ثبت من أنَّ جارية وُجدت قد رُضَّ رأسها بين حجرين، فسألوها من صنع هذا بك؟ فلان؟ فلان؟ حتى ذكروا يهوديًّا، فأومأت برأسها، فأخذ اليهودي، فأقرَّ، فأمر به النبي ﷺ أن يرضوا رأسه بالحجارة.
قالوا: قد أمر النبي ﷺ بقتل اليهودي، ولم يجعل ذلك إِلى أولياء الجارية، ولو كان القتل قصاصًا، لكان الحق لأوليائها؛ فدَلَّ ذلك على أنَّه قتله حدًّا، لا قودًا.
(ب) واستدلوا بأنَّ النَّبيَّ ﷺ قتل العرنيين الذين قتلوا الرعاة قتل حرابة وغيلة، ولم ينقل أنه جعل لأولياء الرعاة الخيار، ولو كان قتله إيَّاهم قصاصًا لشاورهم، وطلب رأيهم، فدلَّ على أنَّه قتلهم حدًّا، لا قودًا.
وبذلك تبَيَّن أنَّ قتل الغيلة له حكم خاص يختلف عن حكم سائر القتل العمد العدوان.
وأما الآثار: فمنها:
ما ثبت أنَّ عمر ﵁ أمر بقتل جماعة اشتركوا في قتل غلام بصنعاء.
وفي رواية: "لو تمالأ عليه أهل الصنعاء، لقتلتهم جميعًا".
فهذا حكم الخليفة الراشد في قتل الغيلة، ولم ينقل أنَّه استشار أحدًا من أولياء الدم، ولو كان لهم حق العفو، لرد الأمر إليهم، وطلب رأيهم، ولم يُنقل أنَّ أحدًا من الصحابة أنكر عليه.
وأما القياس:
فإنَّ القتل غيلة لمَّا كان في الغالب عن ختل وخداع، وأَخْذٍ على غرة -تعذَّر التحفظ منه؛ فكان كالقتل حرابة، ومكابرة؛ حيث إِنَّ عقوبة كل منهما من
стр. 3097
الحدود، لا القود والقصاص، وأيضًا في ذلك سد لذريعة الفساد والفوضى في الدماء، والقضاء على الاحتيال والخديعة، وسائر طرق الاغتيال، وبذلك يخصص عموم النص في وجوب القتل قصاصًا، فيحمل على ما عدا قتل الغيلة.
* قرار هيئة كبار العلماء بشأن قتله الغيلة: رقم (٣٨) بتاريخ ١١/ ٨/ ١٣٩٥ هـ:
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد:
فبناء على ما تقرر في الدورة السادسة لهيئة كبار العلماء؛ بأن تعد اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بحثًا في الغيلة، وقد أعدت، وأُدرج في جدول أعمال الهيئة في الدورة السابعة المنعقدة في الطائف: من ٢/ ٨/ ١٣٩٥ هـ، إلى ٨/ ١١/ ١٣٩٥ هـ، وعرض البحث على الهيئة، وبعد قراءته في المجلس، ومناقشة المجلس كلام أهل العلم في تعريف الغيلة في اللغة، وعند الفقهاء، وما ذكر في عقوبة القاتل قتل غيلة؛ هل هو القصاص، أم الحد؟ وتداول الرأي.
وحيث أنَّ أهل العلم ذكروا أنَّ قتل الغيلة ما كان عمدًا وعدوانًا على وجه الحيلة والخداع، أو على وجه يأمن معه المقتول من غائلة القاتل؛ سواء أكان على مال، أم انتهاك عرض، أم خوف فضيحة، وإفشاء سر، أم نحو ذلك.
وكأن يخدع شخصًا حتى يأمنه، ويأخذه إِلى مكان لا يراه فيه أحد، ثم يقتله، وكأن يأخذ مال رجل بالقهر، ثم يقتله خوفًا من أن يطلبه بما أخذ، وكأن يقتله لأخذ زوجته، أو ابنته، وكأن تقتل الزوجة زوجها في مخدعه، مثلًا للتخلُّص منه، أو العكس، ونحو ذلك.
لذا قرَّر المجلس بالإجماع ما عدا الشيخ صالح بن غصون أنَّ القاتل قَتْلَ غيلة يقتل حدًّا، لا قصاصًا، ولا يصح فيه العفو من أحد، والأصل في ذلك: الكتاب، والسنة، والأثر، والمعنى.
стр. 3098
أما الكتاب:
فقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا ...﴾ الآية [المائدة: ٣٣].
وقتل الغيلة نوع من الحرابة؛ فوجب قتله حدًّا، لا قودًا.
أما من السنة:
فما ثبت في الصحيحين عن النبي ﷺ : "أَنَّ يهوديًّا رضَّ رأس جارية بين حجرين على أوضاح لها، أو حلي، فأخذ، واعترف، فأمر رسول الله ﷺ أن يُرض رأسه بين حجرين" فَأَمْرُ ﷺ بقتل اليهودي، ولم يرد الأمر إِلى أولياء الجارية، ولو كان القتل قصاصًا لرد الأمر إليهم؛ لأنَّهم أهل الحق -يدُلُّ على أنَّ قتله كان حدًّا لا قودًا.
وأما الأثر: فما ثبت عن عمر بن الخطاب ﵁: "أنَّه قتل نفرًا -خمسة، أو سبعة- برجل واحد، قتلوه غيلة، وقال: لو تمالأ عليه أهل صنعاء لقتلتهم جميعًا".
فهذا حكم الخليفة الراشد في قتل الغيلة، ولا نعلم نقلاً يدلُّ على أنَّه رد الأمر إِلى الأولياء، ولو كان الحق لهم لرد الأمر إليهم؛ فدل على أنَّه يقتل حدًّا، لا قودًا.
وأما المعنى: فإن قتل الغيلة حق لله، وكل حق يتعلَّق به حق الله تعالى، فلا عفو فيه لأحد، كالزكاة وغيرها، ولأنه يتعذر الاحتراز منه؛ كالقتل مكابرة، وبالله التوفيق.
وصلى الله على نبيِّنا محمَّد وآله وصحبه وسلم.
هيئة كبار العلماء
***
стр. 3099
١٠٢٢ - وَعَنْ أَبِي شُرَيْحٍ الخُزَاعِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "فَمَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ بَعْدَ مَقَالَتِي هَذِهِ فَأَهْلُهُ بَيْنَ خِيَرَتَيْنِ: إِمَّا أَنْ يَأْخُذُوا العَقْلَ، أَوْ يَقْتُلُوا" أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ والنَّسَائِيُّ (١).
وَأَصْلُهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ بِمَعْنَاهُ (٢).
ــ
* درجة الحديث:
الحديث صحيح.
أخرجه أحمد، والترمذي، والدارقطني، من طريق يحيى بن سعيد، حدَّثنا ابن أبي ذئب، حدَّثني سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبي شريح.
قال الترمذي: "حديث حسن صحيح، وهو على شرط الشيخين، وقد أخرجاه من طريق الليث بن سعد، عن سعيد بن أبي سعيد به".
قال في "البلوغ": وأصله في الصحيحين عن أبي هريرة، وصححه الترمذي، والسهيلي في "الروض الأنف"، وابن حزم في "المحلى".
* مفردات الحديث:
- بين خيرتين: بكسر الخاء، وفتح التاء؛ أي: له الخيار بين أخذ الدية، والقصاص.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - الواجب بقتل العمد عند الإمام أحمد أحد شيئين: القَوَدَ، أو الدية، فيخير ولي الدم بينهما، فإن شاء اقتص، وإن شاء أخذ الدية، ولو لم يرض الجاني.
стр. 3100
وبه قال جماعة من السلف؛ منهم سعيد بن المسيب، وابن سيرين، وعطاء ومجاهد، وإسحاق، وأبو ثور، وابن المنذر.
٢ - ويرى الأئمة الثلاثة: أنَّ الواجب القود، والدية بدل عنه؛ لقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ﴾ [البقرة: ١٧٨]؛ والمكتوب لا تخيير فيه؛ ولقوله ﵊: "من قتَل عمدًا، فهو قَود" [رواه النسائي] من حديث ابن عباس.
٣ - أما دليل القول الأول: فقوله تعالى: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ١٧٨] وحديث الباب صريح في هذا الحكم.
٤ - ثمرة الخلاف بين القولين أنَّ صاحب القول الأول له العدول إلى الدية، ولو لم يرض الجاني، وأما القول الثاني، فإنَّه ليس له إلاَّ القصاص، أما الديَة فلا يستحقها إلاَّ بصلح بينه وبين الجاني.
والنتيجة الثانية: أنَّه لو فات محل القصاص بوفاةٍ، أو آفة لعضو، ونحو ذلك -فعند القائلين بوجوب أحد الشيئين، يعدل إلى الدية، أما عند الذين لا يوجبون إلاَّ القصاص عينًا، فلا يجب للمجني عليه شيء.
٥ - قال في "شرح الإقناع": أجمعوا على جواز العفو عن القصاص، وأنَّه أفضل؛ لقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ﴾ [البقرة: ١٧٨] وقال تعالى: ﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [البقرة: ٢٣٧].
وقد جاء في سنن أبي داود، عن أنس قال: "ما رأيتُ رسول الله ﷺ رُفِعَ إليه شيء فيه قصاص، إلاَّ أمر بالعفو"؛ والنصوص في هذا كثيرة.
٦ - قال الشيخ تقي الدين: "استيفاء الإنسان حقه من الدم عدل، والعفو عنه إحسان، والإحسان هنا أفضل، لكن هذا الإحسان لا يكون إحسانًا إلاَّ بعد العدل، وهو ألا يحصل بالعفو ضرر، وإلاَّ كان ظلمًا: إما لنفسه، وإما لغيره، قال في الإنصاف: وهذا عين الصواب".
٧ - قال الوزير: اتَّفقوا على أنَّه إذا عفا أحد الأولياء من الرجال، سقط القود،
стр. 3101
والمشهور عند مالك: أنَّه للعصبات خاصة، قلتُ: وهو رواية عن أحمد، واختاره الشيخ تقي الدين".
وإليك الخلاف بأوسع من هذا.
* خلاف العلماء:
ذهب الأئمة الثلاثة، وجمهور العلماء إِلى: أنَّ القصاص حق لجميع الورثة، من ذوي الأنساب والأسباب، والرجال، والنساء، والصغار، والكبار، فمن عفا منهم صحَّ عفوه، وسقط القصاص، ولم يكن لأحد على الجاني سبيل؛ لعموم قوله ﷺ : "فأهله بين خِيرَتَين"؛ وهذا عام في جميع أهله، والمرأة من أهله؛ بدليل قوله ﷺ : "مَن يعذرني من رجل، بلغني أذاه في أهلي، وما علمت على أهلى إلاَّ خيرًا".
وذهب الإمام مالك إلى: أنَّ القصاص والعفو عنه موروث، ولكنه منوط بالعصبات من الرجال خاصة؛ لأنَّه ثبت؛ لدفع العار، فاختصَّ به العصبات؛ كولاية النكاح.
وهذا القول رواية عن الإمام أحمد، وهو وجه لأصحاب الشافعي، واختاره الشيخ تقي الدين.
قال الشيخ محمَّد بن إبراهيم آل الشيخ: "العفو حق لجميع الورثة من الرجال، والنساء، لكن إذا كثر التحيل لإسقاط القصاص، وخيف اختلال الأمن بكثرة العفو -جاز العمل ضرورة بالقول الآخر، الذي اختاره الشيخ تقي الدِّين، وهو المشهور من مذهب مالك؛ وهو أنَّ النساء ليس لهن العفو عن القصاص، وأنَّه مختص بالعصبة، والشيخ بناها على قاعدة ذكرها في بعض كتبه، وهي: أنَّه إذا ثبتت الضرورة جاز العمل بالقول المرجوح؛ نظرًا للمصلحة.
ولا يُتَّخذ هذا عامًّا في كل قضية، بل الضرورة تقدر بقدرها، والحكم يدور مع علَّته.
стр. 3102
بَابُ الدِّيَاتِ
مقدمة
أصلها: من الفعل: وَدَى يَدِي، فأبدلت الواو بالهاء، فهي كالعِدَةِ مِن الوَعْدِ، والدية في الأصل مصدر، ولكن سمي به المال المؤدى؛ بسبب الجِناية.
والديات: جمع دِيَة، مخففة الياء.
وشرعًا: هي المال المؤدَّى إلى المجني عليه، أو وليه بسبب جِناية. والدية ثابتة بالكتاب.
قال تعالى: ﴿فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ [النساء: ٩٢].
وبالسنة:
جاء في الصحيحين: "أنَّ النَّبيَّ ﷺ : "قضى بدِيَةِ المرأة على عاقلتها".
وبالإجماع: قال في "شرح الإقناع" وغيره: "وهي ثابتة بالإجماع". قال في "الإقناع وشرحه": "كل من أتلف إنسانًا مسلمًا، أو ذميًّا مستأمَنًا، أو مهادنًا، بمباشرة لإتلافه، أو بسبب كشهادة عليه؛ سواء كان عمدًا، أو خطأ، أو شبه عمد- لزمته ديته: إما في ماله، أو على عاقلته".
فإن كان عمدًا محضًا، فالدية في مال الجاني، وإن كانت شبه عمدٍ، أو خطَأً فعلى عاقلته.
والدية عقوبة مالية تحل محل القصاص إذا سقط، أو امتنع؛ لسبب من أسباب السقوط، أو الامتناع، هذا إذا كانت الجِناية عمدًا.
وتكون الدية عقوبة أصلية، إذا كانت الجناية شبه عمدٍ، أو خطأً؛ سواء
стр. 3103
أكانت على النفس، أم فيما دون النفس.
والدية إذا أطلقت يراد بها الدية الكاملة.
وقد اختلف العلماء في أصلها: فالمشهور من مذهب أحمد: أنَّ أصول الدية خمسة أصول: مائة من الإبل، أو مائتا بقرة، أو ألفا شاة، أو ألف مثقال ذهب، أو اثنا عشر ألف درهم فضة، فهذه الخمس أصول الدية إذا أحضر من عليه الدية شيئًا منها لزم المجني عليه، أو ولي دمه قبولُه؛ فالخيرة لمن وجبت عليه.
وهذا القول من مفردات مذهب الإمام أحمد.
وذهب جمهور العلماء إلى أنَّ: الأصل في الدية هي الإبل، والأجناس الأربعة أبدال عنها، قال ابن منجا: هذه الرواية هي الصحيحة من حيث الدّليل، وقال الزركشي: هي "أظهر" دليلًا؛ لقوله ﷺ : "ألا إنَّ في قتيل السَّوط والعصا مائة من الإبل".
***
هذا الحديث، ولا يصح، والذي في إسناده سليمان بن داود وهم، إنَّما هو سليمان بن أرقم"، وهكذا قال أبو زرعة الدمشقي، أنَّه الصواب، وتبعه صالح جزرة، وأبو الحسن الهروي.
وقال النسائي: "وهذا أشبه بالصواب؛ يعني: عن سليمان بن أرقم".
وقال ابن حزم: "صحيفة عمرو بن حزم منقطعة، لا تقوم بها حجة، وسليمان بن داود متَّفق على تركه".
قال ابن حبان: "سليمان بن داود اليمامي ضعيف، وسليمان بن داود الخولاني ثقة، وكلاهما يروي عن الزهري، والذي روى حديث الصدقات هو الخولاني، فمن ضعَّفه، فإنَّما ظن أنَّ الراوي له هو اليمامي".
قال ابن حجر: "ولولا ما تقدّم من أنَّ الحكم بن موسى وهِم في قوله: سليمان بن داود، وإنما هو سليمان بن أرقم -لكان لكلام ابن حبان وجه، وصححه الحاكم، وابن حبان، والبيهقي، ونقل عن أحمد أنَّه قال: أرجو أن يكون صحيحًا".
وقد صحح الحديث بالكتاب المذكور جماعة من الأئمة، لا من حيث الإسناد، بل من حيث الشهرة:
فقال الشافعي: "لم يقبلوا هذا الحديث؛ حتى ثبت عندهم أنَّه كتاب رسول الله ﷺ ".
وقال ابن عبد البر: "هذا كتاب مشهور عند أهل السير، معروف ما فيه عند أهل العلم، معرفةً يستغني بشهرتها عن الإسناد؛ لأنَّه أشبه التواتر في مجيئه؛ لتلقي الناس له بالصواب والمعرفة".
وقال العقيلي: "هذا حديث ثابت محفوظ، إِلَّا أنا نرى أنَّه كتاب غير مسموع عمن فوق الزهري".
وقال يعقوب بن سفيان: "لا أعلم في جميع الكتب المنقولة كتابًا أصح
стр. 3106
من كتاب عمرو بن حزم هذا؛ فإنَّ أصحاب رسول الله ﷺ والتابعين يرجعون إليه، ويدعون رأيهم".
وقال الحاكم: "قد شهد عمر بن عبد العزيز، وإمام عصره الزهري لهذا الكتاب بالصحة".
مفردات الحديث:
- اعتَبَط: بالعين المهملة، بعدها: مثناة فوقية، ثم موحدة، آخره طاء مهملة؛ يقال: اعتبطه يعتبطه اعتباطًا؛ قتله بلا جنايةٍ، ولا جريرةٍ، توجب قتله، يقاد قاتله به، ويقتل، وكل من مات بغير علة فقد اعتبط.
قتلًا: أي: قتلًا بلا جناية، ولا جريرة توجب قتله، وهو مفعول مطلق؛ لأنَّه نوع منه.
- فإنَّه: جواب الشرط.
- بيِّنة: البينة: هي الحجة الواضحة، وكل ما أبان الحق، وأظهره فهو بيِّنة.
- أُوعِبَ: بضم الهمزة، وسكون الواو، وكسر العين المهملة، فموحدة: أوعبه إيعابًا: أخذه أجمع، ولم يدع منه شيئًا، والمراد هنا: قطع جميع أنفه.
- الشَّفتَيْنِ: شفة الشيء: حرفه، وشفة الإنسان هو: الجزء اللحمي الظاهر، الذي يستر الأسنان، وهما شفتان.
- قوَد: بفتحتين: القصاص؛ يقال: قاد الأمير القاتل بالقتيل: قتله به قودًا، وأصله: الانقياد، سمِّي به القصاص؛ لِما فيه من انقياد الجاني له بما جناه.
- البَيْضَتَينِ: هم الخصيتان، مفردها: خصية؛ وهي البيضة من أعضاء التناسل.
- الصُّلب: بضم الصاد المهملة، وسكون اللام؛ هو العمود الفقري.
- المأمومة: هي التي تخرق الجلد، حتى تصل إلى أم الدماغ، وأم الدماغ هي: المنطقة التي فيها الدماغ في الرأس.
- الجائفة: هو: الجرح الذي يصل إِلى باطن الجوف؛ سواء أكان من بطن، أم
стр. 3107
صدر، أم ظهر، أم نحر، أم غير ذلك.
- المُنَقِّلَة: هي الشجة التي توضح عظم الرأس، وتهشمه، وتنقل عظامه بتكسيره.
- المُوضِحَة: هي الشجة التي توضح عظم الرأس، وتبدي بياضه، ولا تكسره، فهي خاصة بالرأس والوجه.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - ثبوت القصاص، إذا قَتَل المسلم المعصوم عمدًا وعدوانًا.
٢ - ثبُوت الديَة في قتل العمد العدوان، إذا رضي بها أولياء المقتول، أو امتنع القصاص لسبب من أسباب الامتناع، أو سقط لسبب من أسباب السقوط.
٣ - أنَّ الدية الكاملة في النفس هي مائة من الإبل، والمذهب أنَّ الخمسة الأجناس كلها أصول.
ولكن القول الراجح أنَّ الأصل هي الإبل، والأجناس الباقية أبدال عنها.
٤ - مما يدل على أنَّ الأصل الإبل، والباقيات أبدال ما يأتي:
- التغليظ والتخفيف خاص في الإبل دون غيرها.
- كل الديات في غير النفس تقدر بالإبل.
وهذا القول رواية قوية في المذهب، رجَّحها بعض أئمة المذهب.
٥ - الأعضاء في بدن الإنسان: إما أن تكون عضوًا واحدًا فقط؛ كالأنف، واللسان، والذكر، وإما أن تكون عضوين؛ كالعينين، والأذنين، والخِصيتين، وإما أن تكون أربعة؛ كالأجفان الأربعة.
فما فيه عضو واحد -كالأنف- ففيه دية كاملة، وإن كان مما فيه عضوان، ففيهما دية كاملة، وفي الواحد نصف الدية، وإن كان فيه أربعة، ففيها كلها دية كاملة، وفي كل واحد منها ربع الدية.
٦ - أما المأمومة وهي: التي تصل إلى أم الدماغ -وأم الدماغ هي جلدة رقيقة
стр. 3108
فيها الدماغ- ففيها ثلث الدية.
٧ - وأما الجائفة وهي: الطعنة التي تصل إِلى باطن الجوف؛ سواء أكان من بطنٍ، أم ظهرٍ، أم صدرٍ، أم نحرٍ، أم دماغٍ -ففيها أيضًا ثلث الدية.
٨ - وأما المُنَقِّلَة -وهي: الَّتي توضح العظم، وتهشمه، وتنقل عظامه بتكسيرها- ففيها. خمس عشرة من الإبل؛ بإجماع العلماء.
٩ - وأما أصابع اليد، أو الرجل: ففي كل أصبع عُشر الدية، وهو عَشْر من الإبل؛ لأنَّ أصابع اليدين فيها الدية كاملة؛ وفي أصابع الرجلين الدية كاملة، فيكون في كل أصبع عُشرها.
وفي أنملة إبهام يد، أو رجل نصف العُشر، وهو خمس من الإبل؛ لأنَّ فيه أنملتين، أما الأنملة من غير الإبهام ففيها ثلث عُشر عُشرها؛ لأنَّ في كل أصبع ثلاث أنامل.
١٠ - أما السن: ففيه خمس من الأبل، سواء أكان سنًّا، أم ضرسًا، أو نابًا، وهي نصف عشر الدية.
ومجموع الأسنان: اثنان وثلاثون، أربع ثنايا، وأربع رباعيات، وأربعة أنياب، وعشرون ضرسًا، في كل جانب عشرة: خمسة من أعلى، وخمسة تحتها، فتكون ديتها كلها مائة وستين بعيرًا.
١١ - إذا قتل الرجل المرأة عمدًا وعدوانًا، قُتِل قِصَاصًا بها، ولا يضر نقص ديتها عنه، فهي مكافئة له من حيث حرمة الدم.
١٢ - أما قدر الدية بالذَّهب: فألف دينار، ويكون قدره بالغرام أربعة آلاف ومئتين وخمسين غرامًا.
***
стр. 3109
١٠٢٤ - وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "دِيَةُ الخَطَأِ أَخْمَاسًا: عِشْرُونَ حِقَّةً، وَعِشْرُونَ جَذَعَةً، وَعِشْرُونَ بَنَاتِ مَخَاضٍ، وَعِشْرُونَ بَنَاتِ لَبُونٍ. وَعِشْرُونَ بَنِي لَبُونٍ". أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ.
وأَخْرَجَهُ الأرْبَعَةُ بِلَفْظِ: "وَعِشْرُونَ بنَي مَخَاضٍ"، بدل: "بنَي لَبُونٍ".
وَإِسْنَادُ الأوَّل أَقْوَى، وَأَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ مَوْقُوفًا، وَهُوَ أَصَحُّ مِن المَرْفُوعِ (١).
وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَن أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ رَفَعَهُ: "الدِّيَةُ ثَلَاثُونَ حِقَّةً، وَثَلَاثُونَ جَذَعَةً، وَأَرْبَعُونَ خَلِفَةً فِي بُطُونِهَا أَوْلَادُهَا" (٢).
ــ
* درجة الحديثين:
هذان حديثان: أحدهما: حديث ابن مسعود والثاني حديث عمرو بن شعيب.
أما حديث ابن مسعود: فقال المصنف عنه ما يلي:
стр. 3110
أخرجه الدارقطني، وسكت عنه.
وأما رواية الأربعة فهي بلفظ: "وعشرون بني مخاض"، بدل: "بني لبون"، ولكن إسناد الأول أقوى من إسناد رواية الأربعة، فإنَّ في رواية الأربعة خشف بن مالك الطائي، قال الدارقطني: إنَّه رجل مجهول، وفيه أيضًا الحجاج بن أرطأة. اهـ.
قال في "التلخيص" عن هذا الحديث: "حديث ابن مسعود": رواه أحمد وأصحاب السنن والدارقطني والبيهقي مرفوعًا.
ورواه الدارقطني موقوفًا من طريق أبي عبيدة عن أبيه، وقال: هذا إسناد حسن، وضعَّف الأول من وجوه عديدة، وقوى رواية أبي عبيدة.
أما حديث عمرو بن شعيب: فرواه الخمسة إِلاَّ الترمذي، وسكت عنه أبو داود، لكن قال المنذري: في إسناده عمرو بن شعيب، أما من دون عمرو ابن شعيب فهم ثقات، إِلاَّ محمَّد بن راشد المكحولي، وقد وثقه أحمد، وابن معين، والنسائي، وضعَّفه ابن حبان، وأبو زرعة، قال الدارقطني: حديث ضعيف، غير ثابت عن أهل المعرفة بالحديث، وقد ضعَّفه البيهقي، والمنذري.
قال الخطابي: لا أعرف أحدًا قال به من الفقهاء.
* مفردات الحديث:
- الخَطَأ: يقال: خطىء الرجل يخطأ خطأً: ضد أصاب، والخطأ ضد الصواب، والمراد هنا: أن يفعل المكلف ما له فعله، فيصيب آدميًّا معصومًا، لم يقصده بالفعل، فيقتله، وكذا عمد الصبي، والمجنون يعد خطأ.
- حقَّة:-بكسر الحاء وتشديد القاف، ثم تاء التأنيث-: هي من الإبل ما دخلت في السنة الرابعة، سمِّيت بذلك؛ لأنَّها استحقت الركوب؛ والحمل.
- جذعة: -بفتحات-: هي ما دخلت في السنة الخامسة، سميت بذلك؛ لأنَّها أسقطت مقدم أسنانها.
стр. 3111
- مخاض: هي التي أتى عليها الحول من الإبل، ودخلت في السنة الثانية، فأمها غالبًا ماخض: أي حامل.
- لبون: ما أتى عليه سنتان، ودخل في الثالثة، فصارت أمه غالبًا، ذات لبن؛ لأنَّها حملت، ووضعت بعده.
- خَلِفة: -بفتح الخاء المعجمة، وكسر اللام، بعدها فاء-: وهي الحامل، ولذا جاء في رواية ابن ماجه: "في بطونها أولادها"، وتُجمع الخَلِفة على: خَلِفَات.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - تقدم أنَّ التصحيح هو أنَّ الأصل في الدية هي الإبل، وأنَّ الأجناس الباقية هي أبدال؛ ذلك أنَّ الإبل هي التي يدخلها التغليظ، والتخفيف.
٢ - هذا الحديث أفاد أنَّ دية قتل الخطأ دية مخففة، فهي تقسم أخماسًا: عشرون حِقة، وعشرون جذعة، وعشرون بنات مَخاض، وعشرون بنات لبون، وعشرون بني لبون، وهذا التحديد هو مذهب الأئمة الأربعة، وجمهور السلف، إِلاَّ أنَّهم اختلفوا في الخامس: فقال أبو حنيفة: "إنَّه بنو مخاض"، وقال الآخرون: "هو بنو لبون"، وإسناد الدارقطني أقوى، وفيه "بنو لبون" فهو أرجح.
قال ابن حجر: وإسناد هذا الحديث أقوى من الروايات الأخر، فهو أصل في تعبين أسنان إبل الدية.
٣ - أما رواية أبي داود والنسائي عن عمرو بن شعيب: "الدية ثلاثون حِقة، وثلاثون جذعة، وأربعون خَلِفَة، في بطونها أولادها".
فقد أخذ بعها جماعة من السلف، منهم: عطاء، ومحمَّد بن الحسن، وروي عن عمر، وزيد بن ثابت، وأبي موسى، والمغيرة، وهي رواية عن الإمام أحمد، اختارها أبو الخطاب، والموفق في العمدة، والزركشي.
٤ - هذا التحديد في دية الخطأ، أما دية العمد وشبه العمد، فسيأتي الحديث
стр. 3112
رقم (١٠٢٦) في بيأنها إن شاء الله تعالى.
وعن الإمام رواية ثالثة: أنَّ دية الخطأ تقسم أرباعًا:
خمسًا وعشرين جذعة، وخمسًا وعشرين حقَّة، وخمسًا وعشرين بنت لبون، وخمسًا وعشرين بنت مخاض، رواها عن الإمام أحمد الجماعة، واختارها الخرقي؛ لما روى الزهري عن السائب بن يزيد قال: "كانت الدية على عهد رسول الله ﷺ أرباعًا: خمسًا وعشرين جذعة، وخمسًا وعشرين حقة، وخمسًا وعشرين بنت لبون، وخمسًا وعشرين بنت مخاض".
وهو قول عبد الله بن مسعود ﵁.
* قرار هيئة كبار العلماء بشأن تحديد الديات: قرار رقم (٥٠) وتاريخ ٣٠/ ٨/ ١٣٩٦ هـ:
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده:
أما بعد:
ففي الدورة التاسعة لمجلس هيئة كبار العلماء، المنعقدة بمدينة الطائف، في شهر شعبان ١٣٩٦ هـ؛ جرى الاطلاع على خطاب المقام السامي الوارد من سمو نائب رئيس مجلس الوزراء رقم (٣٣٨٦٧) في ٢/ ١٢/ ١٣٩٥ هـ، المتضمن الموافقة على ما اقترح من إعادة النظر في تقويم دية النفس، على ضوء تغير أقيام الإبل، التي هي الأصل في الدية، بما يكون محققًا للعدل والإنصاف.
فقد قامت الهيئة ببحث المسألة على ضوء النصوص الواردة في أصول الدية، وحيث إنَّه لا يعلم خلاف بين العلماء في أنَّ الإبل أصل في الدية، وإنَّ ديَّة الحر المسلم مائة من الإبل، وبما أنَّ الراجح من أقوال أهل العلم أنَّ الأصل في الدية هو الإبل، وما سواها من الأنواع فهو من باب القيمة، كما هو إحدى الروايتين عن الإمام أحمد ﵀ واختيار الخرقي، والموفق، وغيرهما
стр. 3113
من علماء الحنابلة، وهو الراجح عند أئمة الدعوة ﵏ للأحاديث الواردة في ذلك منها: حديث عبد الله بن عمرو أنَّ رسول الله ﷺ قال: "ألا إنَّ دية الخطأ شبه العمد ما كان بالسوط والعصا: مائة من الإبل، منها أربعون في بطونها أولادها"، وحديث عمرو بن حزم ﵁ عن النبي ﷺ أنَّه قال: "وفي النفس مائة من الإبل"، وحديث عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "دية الخطأ عشرون حقة، وعشرون جذعة، وعشرون بنات مخاض، وعشرون بني مخاض، وعشرون بنات لبون".
وروى أبو داود بإسناد جيد عن عبد الله بن مسعود ﵁ أنَّه قال: "في شبه العمد خمس وعشرون حقة، وخمس وعشرون جذعة، وخمس وعشرون بنات لبون، وخمس وعشرون بنات مخاض"، وهذه الأحاديث تدل على أنَّ الأصل في الديات هو الإبل، ولأنَّه ﷺ فرَّق بين دية العمد وشبهه، وبين دية الخطأ، فغلظ في الأول، وخفف في الثاني، ولا يتحقق التفريق المشار إليه في غير الإبل، ومن ذلك يتَّضح رجحان القول بأنَّ الأصل في الدية هو الإبل خاصة وما عداها قيم، ويؤيده أنَّ دية ما دون النفس من الأعضاء، والأسنان، والكسور، إنما وردت في الأحاديث مقدرة بالإبل، وبناءً على هذا القول المختار، وهو أنَّ الأصل في الدية الإبل، وعلى أنَّه يجوز تقويمها؛ لما ثبت عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ أنَّه قام خطيبًا فقال: "إنَّ الإبل قد غلت، قال: فقوم على أهل الذهب ألف دينار، وعلى أهل الورق اثني عشر ألفًا، وعلى أهل البقر مئتي بقرة، وعلى أهل الشاء ألفي شاة، وعلى أهل الحلل مئتي حلة".
وهذا يدل على أنَّ إيجاب عمر ﵁ لِما سوى الإبل كان على سبيل التقويم؛ من أجل غلاء الإبل، ولو كانت الأنواع الأخرى أصولًا بنفسها، لم يكن إيجابها تقويمًا للإبل، ولا كان لغلاء الإبل أثر في ذلك، ولا
стр. 3114
كان لذكره معنى، وهذا التقويم يكون في كل زمان بحسبه، وحيث إنَّ تقدير الدية في عام (١٣٩٠ هـ) بأربعة وعشرين ألف ريال عربي سعودي، بالنسبة للخطأ، وسبعة وعشرين ألف ريال للعمد وشبهه، ومن قبل مجلس القضاء، بموجب قراره رقم (١٥٥) وتاريخ: ٦/ ١١/ ١٣٩٥ هـ، كان حسبما توصل إليه المجلس آنذاك من معرفة قيمة الوسط من أقيام الإبل التي هي الأصل في الدية، كما تقدّم، ونظرًا لارتفاع أقيام الإبل ارتفاعًا شديدًا، بعد التاريخ المشار إليه، وحيث إنَّ سماحة الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد، قد كتب إِلى عدة محاكم في مناطق مختلفة من المملكة، يطلب تكليف اثنين أو ثلاثة من أهل الخبرة والأمانة، بالتعرف على القيمة المتوسطة للأنواع الواجبة في الدية من الإبل، ووردت إجابات هذه المحاكم بمضمون ما قرَّره أهل الخبرة في كل بلد عن متوسط القيمة، ونظرًا إِلى اختلاف التقديرات الواردة من المحاكم، فقد قرر المجلس بأغلبية الحاضرين من أعضائه -الأخذ بأقلها تقديرًا لأنَّه الأحوط، ولأنَّ الأصل براءة الذمة مما زاد على ذلك، ولأنَّ القاتل إذا أحضر مائة من الإبل من الأنواع المنصوص عليها، السالمة من العيوب، وجب على أولياء القتيل قبولها: "في أي مكان كانوا، ولو كانت قيمتها في ذلك المكان أقل منها في مكان آخر".
وبحسب هذا التقدير المشار إليه، تكون دية العمد وشبهه "خمسة وأربعين ألف ريال"، ودية الخطأ "أربعين ألف ريال"، ويستمر العمل بموجب هذا التقدير ما لم تتغيَّر قيمة الإبل بزيادة كثيرة، أو نقص كبير يوجب إعادة النظر.
والله ولي التوفيق، وصلى الله على نبينا محمَّد، وعى آله وصحبه وسلم.
هيئة كبار العلماء
***
стр. 3115
١٠٢٥ - وَعَنِ ابْنِ عَمْرو ﵄ عَنِ النَّبيِّ ﷺ قَالَ: "إِنَّ أَعْتَى النَّاسِ علَى اللهِ ثَلَاثَة: مَنْ قَتَلَ فِي حَرَمِ اللهِ، أَوْ قَتَلَ غَيْرَ قَاتِلِهِ، أَوْ قَتَلَ لِذُحْلِ الجَاهِلِيَّةِ". أَخْرَجَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي حَدِيثٍ صَحَّحَهُ (١)، وَأَصْلُهُ فِي البُخَارِي مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَاسِ (٢).
ــ
* درجة الحديث:
الحديث صحيح.
قال في "التلخيص": رواه أحمد، وابن حبان، من حديث عبد الله بن عمرو.
ورواه الدارقطني، والطبراني، والحاكم، من حديث أبي شريح.
ورواه الحاكم، والبيهقي من حديث عائشة.
ورواه البخاري في صحيحه عن ابن عباس مرفوعًا: "أبغضُ النَّاس إلى الله ثلاثة: ملحد في الحرم، ومبتغٍ في الإسلام سنة الجاهلية، ومطلب دم امرىء بغير حق ليهرق دمه".
* مفردات الحديث:
- أَعْتَى: اسم تفضيل من: العُتُو، وهو التجبّر؛ أي: أطغاهم، وأشدهم تمردًا.
- لذُحل: -بضم الذال، وسكون الحاء المهملة-: لعداوة الجاهلية وثأرها، جمعه: أذحال وذحول.
- الجاهلية: يقال: جهل يجهل جهلًا وجهالة: ضد علم، والجاهلية: حالة الجهل، كما تطلق على ما قبل الإسلام.
стр. 3116
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - شدة تحريم هذه الجرائم الثلاث، ووصف صاحبها بأنَّه أشد الناس تجبرًا وعتوًا، وهذه الثلاث هي:
الأولى: مَنْ قتل نفسًا محرَّمة في حرَم الله الآمن؛ لأنَّ قتل النفس التي حرَّم الله أعظم الذنوب بعد الشرك، وهي في حرم الله أشد حرمة، وأعظم إثمًا؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (٢٥)﴾ [الحج].
قال ابن مسعود: "ما من رجل يهم بسيئة فتكتب عليه، إِلَّا أن يكون رجلًا بالبيت الحرام، لأذاقه الله تعالى من عذاب أليم".
وقد صحَّ عنه ﷺ قوله: "إنَّ دماءكم، وأعراضكم، وأموالكم عليكم حرام، كحرمة شهركم هذا، في بلدكم هذا" [رواه مسلم (١٢١٨)].
الثانية: من المحرَّمات الثلاث: منْ قتل غير قاتله، قال تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤].
وقال تعالى: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ﴾ [الإسراء: ٣٣].
وذلك بأن يقتل غير قاتله، أو يقتل معه غيره، أو يمثِّل بقاتله.
وكان الإسراف في القتل بهذه الأمور الثلاثة عادة جاهلية نهى الله تعالى عنها.
الثالثة: القتل من أجل عداوات الجاهلية وثآراتها التي قضا عليها الإسلام وأبطلها، فقال ﷺ في حجة الوداع: "ودماء الجاهلية موضوعة، وإنَّ أوَّل دم أضع من دمائنا دم ابن ربيعة، وكان مسترضعًا في بني سعد، فقتله هذيل".
٢ - ذهب جمهور العلماء إلى تغليظ الدية في الجملة، ولكنهم اختلفوا في تفصيلها.
فذهب الإمام مالك إلى: أنَّ الدية تغلظ في قتل الخطأ والعمد، فيما إذا
стр. 3117
قتل الأب، أو الأم، وإن علوا من الأجداد والجدات، إذا قتل واحدٌ منهم ابنه، أو حفيده، أو سبطه، فتغلظ عليه الدية بالتثليث؛ لامتناع القصاص في العمد منه للأبوة.
وذهب الإمام الشافعي إِلى: تغليظ دية الخطأ فقط؛ إذا أوقع القتل في البلد الحرام، أو في الشهر الحرام، أو النسب المحرَّم.
وذهب الإمام أحمد إلى: تغليظ الدية في البلد الحرام، وفي الشهر الحرم، وفي حالة الإحرام، وهذا القول هو المشهور من المذهب عند المتأخرين، ومشى عليه في "الإقناع" و"المنتهى"، وهي بهذه الصفة من المفردات، وصفة التغليظ أن يزاد لكل حال ثلث الدية.
والرواية الأُخرى عن أحمد: أنه لا تغليظ مطلقًا، واختارها الخرقي، وابن قدامة في "المغني"، وصاحب "الشرح الكبير"؛ لظاهر الآية: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ [النِّساء: ٩٢].
وهذا يقتضي أن تكون الدية واحدة في كل مكان وعلى أي حال، وهو ظاهر الأخبار، وعلى هذه الرواية العمل في المحاكم الشرعية في المملكة العربية السعودية.
* تنبيه: التغليظ هو عند الجمهور بقتل الخطأ فقط، دون العمد.
***
стр. 3118
١٠٢٦ - وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بنِ العَاصِ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "أَلَا إِنَّ دِيَةَ الخَطَإِ شِبْهَ العَمْدِ: مَا كَانَ بالسَّوْطِ وَالَعَصَا، مِائَةٌ مِنَ الإِبلِ، مِنْهَا أَرْبَعُونَ فِي بُطُونِهَا أَوْلَادُهَا". أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ (١).
ــ
* درجة الحديث:
الحديث صحيح.
صحَّحه ابن حبان وابن القطان.
قال في "التلخيص": رواه أبو داود، والنسائي، وابن ماجه من حديث عبد الله بن عمرو، وصححه ابن حبان، وقال ابن القطان: هو صحيح، ولا يضره الاختلاف.
وللحديث طرق متعددة، قوَّى بعضها بعضًا.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - "شبه العمد"، أو "خطأ العمد" عرَّفه الفقهاء: بأن يقصد الجاني جِناية لا تَقتل غالبًا، مثل: أن يضرب شخصًا بسَوط، أو عصا، أو حجر صغير في غير مَقْتل.
٢ - و"قتل شبه العمد": أخذ صورة العمد من حيث قصد الاعتداء، وأخذ صورة الخطأ من حيث عدم إرادة القتل، وعدم الآلة القاتلة.
٣ - دية شبه العمد كَدِية العمد في تغليظها، فحديث الباب: "مائة من الإبل، منها أربعون في بطونها أولادها".
стр. 3119
٤ - أما تقدير تغليظها عند الأئمة الثلاثة: أبي حنيفة، ومالك، وأحمد، وجماعة من السلف-: فهو ما روي عن ابن مسعود من أنَّها تقسم أرباعًا: "خمس وعشرون بنت مخاض، وخمس وعشرون بنت لبون، وخمس وعشرون حِقَّة، وخمس وعشرون جذعة".
وجاء هذا الأثر عن السائب بن يزيد، ﵄ مرفوعًا.
٥ - ودية شبه العمد كَدِية الخطأ في وجوبها على عاقلة الجاني؛ لِما في الصحيحين من حديث أبي هريرة قال: "اقتتلت امرأتان من هذيل، فرمت إحداهما الأخرى، بحجر فقتلها، وما في بطنها، فقضى النبي ﷺ أنَّ دية جنينها عبدٌ أو أمة، وقضى بدية المرأة على عاقلتها".
***
стр. 3120
١٠٢٧ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "هذِهِ وَهَذِه سَوَاءٌ" يَعْنِي الخِنْصَرَ، وَالإِبْهَامَ. رَواهُ البُخَارِيُّ.
وَلأَبي دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيِّ: "دِيَةُ الأَصَابعِ سَوَاءٌ، وَالأَسْنَانُ سَوَاءٌ، الثَّنِيَّةُ وَالضِّرْسُ سَوَاءٌ".
وَلابْنِ حِبَّانَ: "دِيَةُ أَصَابعِ اليَدَيْنِ، وَالرِّجْلَيْنِ سَوَاءٌ، عَشْرَةٌ مِنَ الإِبِلِ لِكُلِّ إِصْبعٍ" (١).
ــ
* درجة الحديث:
الحديث صحيح.
رواية أبي داود، والترمذي صححهما الترمذي، وابن حبان، وابن عبد الهادي، وقال ابن القطان: رجاله كلهم ثقات.
وأما رواية ابن حبان: فصححها ابن حبان، وقال الشوكاني: رجال إسناده رجال التصحيح.
* مفردات الحديث:
- الأصابع: جمع "أصبع"؛ وهو أحد اليد أو القدم.
- الأسنان: جمع "سِن"؛ وهو قطعة من العظم، مؤنثة، تنبت في الفك.
- الثَّنِيَّة: إحدى الأسنان الأربع، التي في مقدم الفم، ثنتان من فوق، وثنتان من تحت.
- الضرْس: السن الطاحنة، يذكر ويؤنث، جمع: " أضراس وضروس".