← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13604

توضيح الأحكام من بلوغ المرام

عبد الله البسام

Полный текст (4 050 стр.). Показаны 3291–3330 · переход к 3296.

стр. 3291

١٠٨٩ - عَنْ أَبِي بُرْدَةَ الأنْصَارِيِّ ﵁ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ الله ﷺ يقُولُ: "لاَ يُجْلَدُ فَوْقَ عَشَرَةِ أَسْوَاطٍ، إِلاَّ فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللهِ تَعَالَى". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). ــ * مفردات الحديث: - لا يُجلد: جلده: أصاب جلده، والجِلْد: غشاء الجسم، يقال: جلده بالسَّوط، أو السيف، أو نحوهما؛ أي: ضربه. - أسواط: جمع "سوط"؛ وهو ما يضرب به من جلد؛ سواء كان مضفورًا، أو لم يكن. - إلاَّ في حد: الحد لغة: المنع، وجمعه: "حدود"، ويراد بحدود الله محارمه، كما يسمى بها ما حده، وقدَّره من الأحكام، كما يراد بها أيضًا: العقوبات المقدرات، وهنا يجوز أن يراد بها: محارم الله؛ لكونها زواجر من الله تعالى ونواهٍ منه تعالى، ويجوز أن يراد بها: ما حده وقدره؛ لأنَّ الحدود مقدرة محددة، بلا زيادة فيها، ولا نقصان منها، ويجوز أن يراد بها العقوبات المقدرة من أجل تقديرها، من أجل أنَّها تمنع من الوقوع في مثل ذلك الذنب. * ما يؤخذ من هذا الحديث: ١ - النساء، والصبيان، والخدم، ونحوهم، يجب على القائم على شؤونهم تهذيبهم، وتقويم أخلاقهم، ويكون بالتوجيه، والتعليم، والإرشاد، والقدوة الحسنة من راعيهم، فكلكم راع، وكلكم مسؤول عن رعيته. ٢ - إذا لم يفد التوجيه والتعليم، ثم التهديد والتخويف -فلا بأس من ضربهم،

стр. 3292

ضربًا غير مبرح، ولا مؤلم، تتقى فيه المواطن الحسَّاسة، والأعضاء الشريفة، كالوجه، ولا يزاد عن عشرة أسواط؛ فإنَّهم هم المقصودون بهذا الحديث، في أصح أقوال العلماء في معنى هذا الحديث. ٣ - ظاهر الحديث تحريم الزيادة على عشرة أسواط؛ لأنَّ الحديث جاء بصيغة النَّهي، والأصل فيه التحريم. ٤ - حدود الله تعالى تطلق ويراد بها: كالعقوبات المقدرة، كالزنا والقذف، ويراد بها عقوبات غير مقدرة، كالعقوبة على الإفطار في نهار رمضان، ومنع الزكاة، وغير ذلك من فعل المحرَّمات، أو ترك الواجبات. ٥ - والمراد بقوله ﷺ : "لا يجلد أحد فوق عشر جلدات، إلاَّ في حد من حدود الله" المراد به: المعصية، وأنَّ الذي لا يزاد على ذلك تأديب الصغير، والزوجة، والخادم، ونحوهم في غير معصية. * خلاف العلماء: اختلف العلماء في المراد من معنى قوله: "إلاَّ في حد من حدود الله"-: فبعضهم ذهب إلا أنَّ المراد "بالحدود" هي التي قدرت عقوبتها شرعًا، كحد الزنا، والقذف، والسرقة، والقصاص في النفس، وما دونها من الأطراف، والجروح. فعلى هذا يكون ما عداها من المعاصي، هو الذي عقوبةُ مرتكبه التعزير، وهو من عشرة أسواط، فما دون، وهذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد، على أنَّ الأصحاب يريدون بالتعزير المقدر لمن كان قد فعل المعصية. أما المقيم عليها، فيعزر حتى يقلع عنها، ولذا قال شيخ الإسلام: "والذين قدروا التعزير من أصحابنا، إنَّما هو فيما إذا كان تعزيرًا على ما مضىى من فعل، أو ترك. فإن كان تعزيرًا لأجل ما هو فاعل له، فهو بمنزلة قتل المرتد، والحربي،

стр. 3293

وقتال الباغي، وهذا تعزير لا يقدر، بل ينتهي إلى القتل، كما في الصائل لأخذ المال، يجوز أن يمنع ولو بالقتل وله بقية. وعنه: أنَّ كل معصية لها مثل المقدر، لا يبلغ بها حد المقدر، كأن يزني بجارية له فيها شرك، فيجلد مائة سوط، إلاَّ واحدًا. ومذهب أبي حنيفة، والشافعي: أنه لا يبلغ بالتعزير الحدود المقدرة. وذهب بعض العلماء إلى: أنَّ معنى قوله: "إلاَّ في حد من حدود الله": أنَّ المراد بحدود الله: أوامره ونواهيه، وأنَّه ما دام التعزير لأجل ارتكاب معصية: بترك واجبٍ، أو فعل محرَّم، فيبلغ به الحدّ الذي يراه الإمام رادعًا، وزاجرًا من ارتكابه، والعودة إليه. وذلك يختلف باختلاف المكان والزمان، وباختلاف الأشخاص، وباختلاف المعصية، فبالأزمنة والأمكنة، حكم بالتخفيف، أو التشديد في عقوبة العصاة، وكنالك الأشخاص، لكل منهم أدبه اللائق، والكافي لردعه، فبعضهم يكفيه التوبيخ، وبعضهم الضرب والجلد، وبعضهم الحبس، وبعضهم أخذ المال. والذين يندر أن تقع منهم المعاصي، وهم ذوو الهيئات، فينبغي التجاوز عنهم، وبعضهم مجاهرون معاندون، فينبغي النكاية بهم. والمعاصي تختلف في عظمها وخفتها، فينبغي للحاكم ملاحظة الأحوال والظروف، والملابسات، ليكون على بصيرة من أمره، ولتكون تعزيراته وتأديباته واقعة موقعها، وافية بمقصودها، وهو راجع إلى رأي الحاكم، فقد يكون بأخذ المال، وقد يكون بالقتل. وكل هذه العقوبات، لها أصل في الشرع، وإليك كلام العلماء في هذا الباب: قال الإمام أحمد -رحمه الله تعالى- فيمن شرب خمرًا في نهار رمضان، أو أتى شيئًا نحو هذا: "أقيم عليه الحد، وأغلظ عليه، مثل الذي يقتل في

стр. 3294

الحرم دية، وثلث دية". وقال أيضًا: "إذا أتت المرأة المرأة، تعاقبان وتؤدبان". وقال أيضًا فيمن طعن على الصحابة: "إنَّه قد وجب على السلطان عقوبته، فإن تاب، وإلاَّ أعاد العقوبة". وقد أطال الناقل عن شيخ الإسلام في "الاختيارات" في هذا الباب فنجتزىء من ذلك بفقرات، تبين رأيه، وتنير الطريق في هذه المسألة. قال ﵀: "وقد يكون التعزير في النيل من عِرضه، مثل أن يقال: يا ظالم، يا معتدي، وبإقامته من المجلس". وقال: "والتعزير بالمال سائغ، إتلافًا وأخذًا، وهو جارٍ على أصل أحمد، لأنَّه لم يختلف أصحابه أنَّ العقوبات في الأموال غير منسوخة كلها". وقول الشيخ أبي محمَّد المقدسي: "ابن قدامة": ولا يجوز أخذ مال المعزر إشارة منه إلى ما يفعله الولاة الظلمة. وقال: "ويملك السلطان تعزير من ثبت عنده أنَّه كتم الخبر الواجب، كما يملك تعزير المقر إقرارًا مجهولاً حتى يفسره، أو من كتم الإقرار". وقد يكون التعزير بتركه المستحب، كما يعزر العاطس الذي لم يحمد الله، بترك تشميته". وقال: "وأفتيت أميرًا مقدمًا على عسكر كبير في الحربية، لمن نهبوا أموال المسلمين، ولم ينزجروا إلاَّ بالقتل، أن يقتل من يكفون بقتله، ولو أنَّهم عشرة؛ إذ هو من باب دفع الصائل". وقال ابن القيم: "والصواب أنَّ المراد بالحدود هنا: الحقوق التي هي أوامر الله ونواهيه". وهي المرادة بقوله تعالى: ﴿يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٢٢٩)﴾ [البقرة]

стр. 3295

وفي أخرى: وقال: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا﴾ [البقرة: ١٨٧]. وقال: أما الذي لا يزاد على الجلدات العشر، فهي التأديبات التي لا تتعلَّق بمعصية، كتأديب الأب ولده الصغير. وقال أبو يوسف: "التعزير على قدر عظم الذنب وصغره، وعلى قدر ما يرى الحاكم من احتمال المضروب، فيما بينه وبين أقل من ثمانين". وقال الإمام مالك -رحمه الله تعالى-: "التعزير على قدر الجرم، فإن كان جرمه أعظم من القذف، ضرب مائة أو أكثر". وقال أبو ثور: التعزير على قدر الجناية، وتسرع الفاعل في الشر، وعلى قدر ما يكون أنكى، وأبلغ في الأدب، كان جاوز التعزير الحد، إذا كان الجرم عظيمًا، مثل أن يقتل الرجل عبده، أو يقطع منه شيئًا، أو يعاقبه عقوبة يسرف فيها، فتكون العقوبة فيه على قدر ذلك، وما يراه الإمام إذا كان عدلاً مأمونًا. وقال شيخنا عبد الرحمن بن سعدي -رحمه الله تعالى وجميع هؤلاء الأئمة-: "والصحيح جواز الزيادة في التعزير على عشر جلدات، بحسب المصلحة والزجر". فهذا أقوال الأئمة، وآراؤهم في التعزير، رحمهم الله تعالى. فائدتان عن شيخ الإسلام: الأولى: كان عمر بن الخطاب يكرر التعزير، ويفرقه في الفعل، إذا اشتمل على أنواع من المحرَّمات، فكان يعزر في اليوم الأول مائة، وفي اليوم الثاني مائة، وفي اليوم الثالث مائة، يفرق التعزير؛ لئلا يفضي إلى فساد بعض الأعضاء. الثانية: الذي عنده مماليك وغلمان يجب عليه أن يأمرهم بالمعروف، وينهاهم عن المنكر، وإذا كان قادرًا على عقوبتهم، فينبغى له أن يعزرهم على ذلك، إذا لم يؤدوا الواجبات، ويتركوا المحرَّمات.

стр. 3296

١٠٩٠ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَن النَّبِيَّ ﷺ قال: "أَقِيلُوا ذَوِي الهَيْئَاتِ عَثَرَاتِهِمْ، إِلاَّ الحُدُودَ". رَوَاه أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَالبَيْهَقِيُّ. (١) ــ * درجة الحديث: الحديث ضعيف. الحديث له طرق كثيرة، ولكنها لا تخلو من مقال. قال في "التلخيص": رواه أحمد وأبو داود والنسائي والعقيلي من حديث عائشة. قال العقيلي: له طرق، وليس منها شيء يثبت، وذكره ابن طاهر بسنده إلى أنس، وقال: وهو بهذا الإسناد باطل، ورواه الشافعي، وابن حبان. قال الشافعي: سمعتُ من أهل العلم من يعرف هذا الحديث، ويقول. "يتجافى للرجل ذي الهيئة عن عثرته، ما لم يكن حدًّا". وقال عبد الحق: ذكره ابن عدي في باب واصل الرقاشي، ولم يذكر له علة. قُلتُ: واصل ضعيف. * مفردات الحديث: - أقيلوا: يقال: أقاله عثرته: صفح عنه وتجاوز، والمراد بالإقالة هنا: التجاوز، وعدم المؤاخذة. - ذَوِي الهيئات: جمع "هيئة"، والهيئة: صورة الشيء، وشكله، وحالته،

стр. 3297

والمراد: ذوو الهيئات الحسنة ممن ليسوا من أهل الشر، وإنما هي زلة، وقعت منهم. - عثَراتِهم: جمع: "عشرة"، والمراد بها: الزلة، كما وقع في بعض الروايات. قال الإمام الشافعي: ذوو الهيئات الذين تقال عثراتهم: هم الذين لا يُعرفون بالشر، فيزل أحدهم الزلة، قال الماوردي: العثرة: هي أول معصية زلَّ فيها. * ما يؤخد من الحديث: ١ - الخطاب موجَّه إلى الأئمة، وولاة أمور المسلمين، الذي يتولون أمور الرعية، ويقيمون فيهم الحدود، ويؤدبونهم على تصرفاتهم المنحرفة. ٢ - فالشارع الحكيم يأمرهم بأن يتسامحوا، ولا يؤاخذوا ذوي الهيئات الكريمة، والنفوس الطيبة، والسلوك الحسن، الذي يندر أن يقع منهم الشر، ويقل فيهم الإساءة، يوصيهم بأنَّ مثل هؤلاء إذا زلوا مرَّة، أو عثروا أن يعفوا عنهم، ويعرفوا لهم سابقتهم، وحسن سيرتهم. ٣ - ولكن هذه الإقالة، والمسامحة إنما هي في التعزيرات، التي مرجعها إلى اجتهاد الحاكم الشرعي، وليس ذلك في حدود الله تعالى؛ فإنَّ حدود الله تعالى لا تعطل، وتقام على كل أحد، مهما كانت حاله ومنزلته. ***

стр. 3298

١٠٩١ - وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: "مَا كنْتُ لأُقِيمَ عَلَى أَحَدٍ حَدًّا، فَيَمُوتَ فَأَجِدَ فِي نَفْسِي، إِلاَّ شَارِبَ الخَمْرِ، فَإِنَّهُ لَوْ مَاتَ وَدَيْتُهُ". أَخْرَجَهُ البُخَارِيُّ (١). ــ * مفردات الحديث: - لأُقيم: بنصب المضارع على تقدير "أن" الناصبة بعد اللام المكسورة، وهذه اللام تسمى لام الجحود. - فيموت: لأجل إقامة الحد والمضارع منصوب؛ لكونه جوابًا للمضارع المنصوب. - فأجد: منصوب في جواب النفي؛ أي: فأنا آسف وأحزن. - ودَيْته: أي دفعت ديته لورثته. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - الحدود المقدرة، كالزنا والقذف قدرها الشارع الحكيم، وحدَّها، فلا يزاد عليها، ولا ينقص منها، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ (١٤)﴾ [النساء]. وقال ﷺ : "إنَّ الله حدَّ حدودًا؛ فلا تعتدوها". فالحدود مقدرة من لدن حكيم خبير، فهي بقدر طاقة الصحيح من بني آدم، وأما ضعيف البدن: فقد أوصى ﷺ أن يقام عليه الحد، وقال: "خُذُوا عِثْكَالاً فيه مائة شِمراخ، ثم اضربوه واحدة، ففعلوا". ٢ - فمن مات من الحد المقدر من الله تعالى بلا زيادة، فإنَّها سراية من عمل

стр. 3299

مشروع مأذون فيه، فلا قصاص، ولا دية، ولا كفارة؛ لأنَّ الحق قتله. قال في "الروض المربع وحاشيته": ومن مات في الحد، فالحقُّ قتله، ولا شيء على من حده؛ لأنَّه أتى به على الوجه المشروع بأمر من الله تعالى، وأمر رسول الله ﷺ . قال الموفق: لا نعلم بين أهل العلم خلافًا في سائر الحدود، إذا أُتِي بها على الوجه المشروع من غير زيادة، لا يضمن من مات بها. ٣ - أما من مات من سراية التعزير، فإنَّ باب التعزير باب واسع أمام اجتهاد الحاكم الشرعي، وقد يراعى الكمّ، أو الكيف، فيحصل التلف، فيكون من خطأ الإمام الذي يضمنه بيت المال. ٤ - حديث الباب يمكن تأويله على أحد أمرين: أحدهما: أنَّ عقوبة السكر هي عقوبة تعزيرية، لا حد لها، فيكون مرجع تأديبه إلى اجتهاد الحاكم، فإذا أخطأ وَدَاه. الثاني: أنَّ حد الخمر هو أخف الحدود كمًّا وكيفًا؛ ولذا جاء في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة قال: "أُتِي النبي ﷺ برجل قد شرب، فقال: اضربوه، قال أبو هريرة: فمنا الضارب بيده، والضارب بنعله، والضارب بثوبه". قال في "حاشية الروض المربع": "ما خفَّ في عدده، كان أخف في صفته"، فيكون معنى الحديث: أنَّ أخف الحدود كمًّا وكيفًا هو حد الشارب الخمر، فلو مات سلمت ديته لأهله؛ لأنَّ عقوبته زادت على ما يجب عليه من حدود الله، والله أعلم. ***

стр. 3300

باب حكم الصائل مقدمة يقال: صال عليه صولاً: سطا عليه؛ ليقهره، ويغلبه على أمره، والصيالة تكون على: النفس، والعِرض، والأهل، والمال. فمن صال عليه آدمي، أو بهيمة، أو على نسائه، أو ولده، أو ماله -دفعه بأسهل ما يغلب على ظنه دفعه به، فإن لم يندفع إلاَّ بالقتل، أو خاف إن لم يبدأه عاجله الصائل بالقتل- فله ضربه بما يقتله، أو يقطع طرفه، ويكون ذلك هدرًا؛ لأنَّه أتلفه لدفع شره؛ كالباغي، وإن قُتل المصول عليه، فهو شهيد مضمون. ***

стр. 3301

١٠٩٢ - وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ، فَهُوَ شَهِيدٌ". رَوَاهُ الأَرْبَعَةُ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ (١). ــ * درجة الحديث: الحديث صحيح. رواه أصحاب السنن الأربعة، وصححه الترمذي، فقال: هذا حديث حسن صحيح. قال في "التلخيص": حديث: "من قتل دون ماله، فهو شهيد" من حديث عمرو بن العاص رواه البخاري، وفي الباب عن سعيد بن زيد في "السنن"، وابن حبان، والحاكم. قال السيوطي: إنَّه حديث حسن، وقال: إنَّه من الأحاديث المتواترة ووافقه الكتاني، وغيره. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - الحديث يدل على مشروعية الدفاع عن المال؛ لأنَّ المقتول دفاعًا عن ماله لم ينل مرتبة الشهادة، إلاَّ لأنَّ قتاله دون ماله قتال مشروع. ٢ - أما الشهادة التي نالها فهي مرتبة الشهداء، الذين قتلوا ظلمًا دون حقوقهم، وهي من جنس الشهادة التي قتل صاحبها وهو يقاتل؛ لتكون كلمة الله هي العليا. ٣ - العلماء لم يعطوا هذه الشهادة، وأمثالها الأحكام الظاهرة التي لشهيد المعركة؛ من حيث عدم تغسيله، وتكفينه، والصلاة عليه، ودفنه؛ حيث

стр. 3302

صرع بدمائه وثيابه، وإنما هذا الشهيد، وأمثاله يُعْمل بهم مثل ما يعمل في غيرهم من موتى المسلمين. ٤ - وإذا كان الدفاع عن المال مشروعًا، وإذا قتل المدافع فهو شهيد، فإنَّ الدفاع عن النفس، وذوات المحارم، والوطن أولى؛ لأنَّها أهم من المال. ٥ - قال في "الروض المربع وحاشيته": ومن صال على نفسٍ، أو حرمته، كأمه, وبنته، وأخته، وزوجته، أو ماله، فللمصول عليه الدفاع عن ذلك بأسهل ما يغلب على ظنه دفعه به، فإذا اندفع بالأسهل، حرم الأصعب؛ إذ المقصود دفعه، فإذا اندفع بالقليل، فلا حاجة إلى أكثر منه، إلاَّ أن يخاف أن يبتدره، فله الدفع بالأصعب، وصوَّبه في "الإنصاف". ***

стр. 3303

١٠٩٣ - وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ خَبَّابٍ ﵁ قَالَ: "سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: تَكُونُ فِتَنٌ، فَكُنْ فِيهَا عَبْدَ اللهِ المَقْتُول، وَلاَ تَكُنِ القَاتِلَ". أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي خَيْثَمَةَ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ، (١) وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ نَحْوَهُ عَنْ خَالِدِ بْنِ عُرْفُطَةَ (٢). ــ * درجة الحديث: الحديث حسن. وقد روي عن عدة من الصحابة، أخرجه: ١ - أحمد (٢١٩٩٣) والطبراني (٤/ ١٨٩)، من حديث خالد بن عرفطة، إلاَّ أنَّ فيه علي بن زيد بن جدعان، وفيه مقال. ٢ - أحمد (١٦١٢)، والترمذي (٢١٩٤)، من حديث سعد بن أبي وقاص. ٣ - أحمد (٥٧٢٠) من حديث ابن عمر. ٤ - أحمد (١٩٢٣١) وأبو داود (٤٢٥٩)، وابن حبان (١٣/ ٢٩٧) من حديث أبي موسى، وصحَّحه القشيري على شرط الشيخين. فالحديث بممجموع هذه الطرق قوي في بابه. * مفردات الحديث: - عبد الله بن خبَّاب: -بفتح الخاء، ثم باء مشددة، ثم ألف، ثم آخره باء-: ابن الأرَت بن جندل، ينتهي نسبه إلى زيد مناة بن تميم، وخبَّاب حليف بني زهرة، من السابقين الأوَّلين إلى الإسلام، وممن عُذِّب في الله تعالى، ومن المهاجرين الأوَّلين، شهد بدرًا، والمشاهد كلها مع رسول الله ﷺ ، ولعبد الله

стр. 3304

صحبة، فهو ثاني مولود ولد في الإسلام، بعد عبد الله بن الزبير. - فِتَن: جمع: "فتنة"، وهي تطلق على أشياء كثيرة: من فتنة الإعجاب، والاستهواء، وفتنة المال، وفتنة الشيطان، والابتلاء، والعذاب، وفتنة الحروب، والقتال، ولعلَّها المراد هنا. * ما يؤخذ من الحديث: هذا الحديث يتعلَّق به مسائل نجملها فيما يأتي: ١ - أن تكون كلمة المسلمين مجتمعة على إمام واحد؛ سواء كان عدلاً أو جائرًا، ثم إن خرج عليه خارجة لهم منعة، يريدون شق عصا الطاعة، والخروج على الوالي -فهؤلاء يجب على ولي الأمر أن يراسلهم، فإذا راسلهم، وامتنعوا عن الطاعة، وأخافوا المسلمين، فيجب عليه قتالهم؛ ليكف شرهم، ويجب على الرعية القيام معه، وقتال هؤلاء الخارجين حتى يفيئوا ويعودوا إلى أمر الله، والطاعة. فقد روى مسلم أيضًا (١٨٥٢) عن عرفجة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من أتاكم وأمركم جميع على رجل واحد، يريد أن يشق عصاكم، أو يفرق جماعتكم -فاقتلوه". وروى مسلم (١٨٤٤) عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "ومن بايع إمامًا، فأعطاه صفقة يده، وثمرة قلبه، فليطعه إن استطاع، فإن جاء آخر ينازعه، فاضربوا عنق الآخر". هذا هو واجب الرعية مع الإمام القائم، حينما ينازعه الأمر منازع، يريد أن ينقض بيعته، أو يشاقه. ٢ - أما واجب ولاة المسلمين فهو العدل، والاستقامة، والنصح للرعية، وغير ذلك مما هو من أعمال الولاية العامة، فقد جاء في البخاري (٢٤٠٩)، مسلم (١٨٢٩)، من حديث ابن عمر؛ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "كُلُّكم راعٍ،

стр. 3305

وكلكم مسؤول، فالإمام الذي على الناس راعٍ، وهو مسؤول عن رعيته". وجاء في مسلم (١٤٢) من حديث معقل بن يسار قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "ما من عبد يسترعيه الله رعية، فلم يُحِطها بنصحه، إلاَّ لم يجد رائحة الجنة"؛ فمسؤولية ولاة الأمر كبيرة جدًّا، وأمرهم خطير. ٣ - إلاَّ أنَّ ظلم الولاة، وعدم إنصافهم، ووجود التقصير منهم، والأثرة على الرعية، لا يسوغ الخروج عليهم، ولا شقَّ عصا طاعتهم، ولا يبرز معاداتهم ومشاقتهم، فقد جاء في صحيح البخاري من حديث أنس أنَّ رسول الله ﷺ قال: "اسمعوا وأطيعوا، وإن اسْتُعْمِل عليكم عبد حبشي، كأنَّ رأسه زبيبة". وجاء في الصحيحين من حديث عبادة بن الصامت قال: بايعنا رسول الله ﷺ على السمع والطاعة في العسر واليسر، والمنشط والمكره، وعلى أثرةٍ علينا، وعلى ألا ننازع الأمر أهله". وجاء في الصحيحين من حديث ابن مسعود قال: قال لنا رسول الله ﷺ : "إنَّكم سترون بعدي أثرة، وأمورًا تنكرونها، قالوا: فما تأمرنا يا رسول الله؟ قال: أدوا إليهم حقهم، وسلوا الله حقكم". فهذا هو موقف الرعية من الوالي، السمع والطاعة؛ لأنَّ الخروج على الولاة -ولو كانوا ظالمين- يحصل به من الشر، والفتن ما هو أعظم منه. ٤ - ألا يكون للأمة إمام يقودها، وإنما أمرها منفلت، وكلمتها مفرقة، أو يكون في كل قطر والٍ، فتحدث بينهم فتن، وتقوم بينهم حروب، فهذه هي الفتنة التي أشار إليها حديث الباب، والتي يجب الكف عنها، والقعود عنها، وعدم الدخول فيها، فقد روى مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "من قُتل تحت راية عِمِّيَّة، يدعو لعصبيةٍ، أو ينصر لعصبية -فقِتلة جاهلية". والعميَّة: فعيلة من: "العماء"، وهو الضلالة، نسأل الله العافية. انتهى كتاب الحدود

стр. 3306

كتاب الجهاد مقدمة الجهاد: بكسر الجيم، أصله لغة: المشقة، يقال: جاهدت جهادًا؛ أي: بلغت المشقة، فهو مصدر: جاهدت العدو، إذا قابلته في تحمّل الجهاد، إذا بذل كل منهما جهده، وطاقته في دفع صاحبه، ثم غلب في الإسلام على قتال الكفار. وشرعًا: بذل الجهد في قتال الكفَّار، والبغاة، وقطَّاع الطرق. ومشروعيته: بالكتاب، والسنة، والإجماع. وقد تكاثرت النصوص في الأمر به، والحث عليه، والترغيب فيه، وسيأتي شيء منها إن شاء الله تعالى. وهو فرض كفاية، إذا قام به من يكفي، سقط عن الباقين، وإلاَّ أثموا جميعًا، مع العلم والقدرة، إلاَّ في ثلاثة مواضع: فيكون فرض عين: الأول: إذا تقابل الفريقان، تعيَّن وحرم الانصراف؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاَّ مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾ [الأنفال: ١٦]. الثاني: إذا نزل العدو بالبلد وحاصرها، تعيَّنت مقاومته. الثالث: إذا استنفر الإمام الناس استنفارًا عامًّا، أو خصَّ واحدًا بعينه؛ لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ﴾ [التوبة: ٣٨]. ولقوله ﷺ : "وإذا استنفرتم، فانفروا".

стр. 3307

* شبهة وردها: ذهب بعض الغربيين المنصرين إلى أنَّ الإسلام قام على العنف والعسف، وانتشر بالسيف، واعتمد على القسر والإكراه في الدخول فيه. والجواب أن نقول: هذا زعم خاطىء، وهو ناشىء إما عن جهل بالدين الإسلامي، وفتوحاته، وغزواته، ونصوصه. وإما ناشىء عن عصبية، وعداء الدين. والحق أنَّ الدين الإسلامي قام على الدعوة بالحكمة، والموعظة الحسنة، ونادى بالسلام، ودعا إليه، فإنَّ الإسلام مشتق من السلام. ومن تتبع نصوص القرآن الكريم، والسنة المطهرة، التي منها وصايا النبي ﷺ لأمراء جيوشه، ومنها سيرته ﷺ في الغزوات، علِم أنَّ الإسلام جاء بالحكمة، والرحمة، والسلام، والوئام، وأنَّه جاء بالإصلاح، لا بالفساد. اقرأ قوله تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ [البقرة: ٢٥٦]. واقرأ قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٩٩)﴾ [يونس]. واقرأ قوله تعالى: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٨)﴾ [الممتحنة] , وقوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا﴾ [البقرة: ١٩٠] , والآيات الدالة على هذا المعنى كثيرة. وأما السنة: فكل أعمال النبي ﷺ فى الحروب ووصاياه لقواده ناطقةٌ بذلك. روى مسلم في صحيحه من حديث بريدة ﵁: "أنَّ النَّبيَّ ﷺ كان إذا أمَّر أميرًا على سرية، أو جيش، أوصاه في خاصة نفسه بتقوى الله، ومن معه من المسلمين خيرًا، ثم قال: اغزوا باسم الله في سبيل الله، قاتلوا من كفر

стр. 3308

بالله، ولا تغلوا، ولا تغدروا، ولا تمثِّلوا، ولا تقتلوا وليدًا". "ونهى ﷺ عن قتل النساء والصبيان" [متَّفق عليه]. وقال ﷺ : "اخرجوا باسم الله، تقاتلون في سبيل الله من كفر بالله، ولا تغدروا، ولا تغلوا، ولا تمثِّلوا، ولا تقتلوا الولدان، ولا أصحاب الصوامع". وقال: "ولا تقتلوا شيخًا فانيًا". وأوصى أبو بكر الصديق يزيد بن أبي سفيان، حين بعثه أميرًا على ربع من أرباع الشام، بقوله: "إني موصيك بعشر خلال: ١ - لا تقتل المرأة. ٢ - ولا صبيًّا. ٣ - ولا كبيرًا هَرِمًا. ٤ - ولا تقطع شجرًا مثمرًا. ٥ - ولا تخرب عامرًا. ٦ - ولا تعقرن شاة. ٧ - ولا بعيرًا إلاَّ لمأكلة. ٨ - ولا تقطعن نحْلاً، ولا تحرقه. ٩ - ولا تغلل. ١٠ - ولا تجبن"، رواه مالك في "الموطأ". وقال الأنباري عند قوله تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ [البقرة: ٢٥٦]: معنى الآية: ليس الدين ما يدين به من الظاهر على جهة الإكراه عليه، ولم يشهد به القلب، فتنطوي عليه الضمائر، إنَّما الدين هو المعتقد في القلب. ومن تأمَّل سيرة النبي ﷺ : تبيَّن له أنَّه لم يُكرِه على دينه قط، أو أنَّه إنما قاتل من قاتله، وأما من هادنه فلم يقاتله ما دام مقيمًا على هدنته، لم ينقض عهده. بل أمره الله تعالى أن يفى لهم بِعهدهم ما استقاموا له؛ كما قال تعالى: ﴿فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ﴾ [التوبة: ٧] ولما قدم المدينة، صالح اليهود، وأقرَّهم على دينهم. فلما حاربوه، ونقضوا عهده، غزاهم في ديارهم، وكان كفَّار قريش هم الذين يغزونه، كما قصدوه يوم أُحد، ويوم الخندق، ويوم بدر أيضًا هم جاؤوا لقتاله، ولو انصرفوا عنه، لم يقاتلهم.

стр. 3309

والمقصود أنَّه ﷺ لم يُكره أحدًا على الدخول في دينه ألبتة، وإنما دخل الناس في دينه اختيارًا، وطوعًا. فأكثر أهل الأرض دخلوا في دعوته، لما تبيَّن لهم الهدى، وأنَّه رسول الله ﷺ حقًا. وقال ابن كثير عند قوله تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ [البقرة: ٢٥٦]: أي: لا تُكْرهُوا أحدًا على الدخول في دين الإسلام، فإنَّه بيِّن واضح، جلية دلائله وبراهينه، لا يحتاج إلى أن يُكره أحد على الدخول فيه. بل من هداه الله للإسلام، وشرح صدره، ونور بصيرته، دخل فيه على بيِّنة، ومن أعمى الله قلبه، وختم على سمعه وبصره، فإنَّه لا يفيده الدخول في الدين مكرَهًا مقسورًا. وكلام العلماء المحققين في هذا الباب كثير، وهو الذي يفهم من روح الإسلام، ومبادئه، ومقاصده. ولكن أعداء الإسلام يأبون إلاَّ أن يصفوه بما يشوِّهه، ويشينه؛ للتضليل والتنفير. وغزواته ﷺ التي فتحت القلوب والعقول، ومعاملاته، ومعاهداته، ودعوته بالحكمة، والموعظة الحسنة، والمجادلة بالتي هي أحسن -تدحض تلك المزاعم، فإنَّ ربَّك أعلم بمن ضلَّ عن سبيله، وهو أعلم بالمهتدين. وقد بيَّن ذلك ابن القيم في كتابه "زاد المعاد"؛ حيث قال: فصل في ترتيب سياق هدْيه مع الكفار والمنافقين من حين بُعِث إلى حين لقي ربه أول ما أوحى إليه ربه ﵎ أن يقرأ باسم ربه الذي خلق، وذلك

стр. 3310

أول نبوته، فأمره أن يقرأ في نفسه، ولم يأمره إذ ذاك بالتبليغ. ثم نزل عليه: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ (٢)﴾ [المدثر]، فنبأه بقوله: ﴿اقْرَأْ﴾، وأرسله بـ ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١)﴾، ثم أمره أن ينذر عشيرته الأقربين، ثم أنذر قومه، ثم أنذر من حوله من العرب، ثم أنذر العرب قاطبة، ثم أنذر العالمين، فأقام بضع عشرة سنة بعد نبوته ينذر بالدعوة بغير قتال، ويُؤمر بالكفِّ، والصبر، والصفح. ثم أذن له في الهجرة، وأُذن له أن يقاتل من قاتله، ويكف عمن اعتزله، ولم يقاتله، ثم أمره بقتال المشركين حتى يكون الدين كله لله. اهـ. قلتُ: ويعلم من المرحلة الأخيرة في القتال وجوب قتال الكفار، ومهاجمتهم بعد دعوتهم، والإعذار إليهم، حتى تكون كلمة الله هي العليا، وأنَّ قتال الكفار في الإسلام ليس مدافعة فقط، بل هو حركة جهادية حتى يكون الدين كله لله، نسأل الله أن ينصر دينه، وأن يعلي كلمته، إنه قوي عزيز. قال العلماء: ويطلق الجهاد على: مجاهدة النفس، والشيطان، والفُسَّاق. فأما مجاهدة النفس: فتكون على تعلم أمور الدين، ثم العمل بها، ثم تعليمها. وأما مجاهدة الشيطان: فعلى دفع ما يأتي به من الشبهات، ومما يزينه من الشَّهوات. وأما مجاهدة الفسَّاق: فباليد، واللسان، ثم بالقلب. أما فضل الجهاد: فيكفي أنَّ رسول الله ﷺ جعله ذروة سنام الدين، وذروة السنام هي أشرف، وأعلى شيء في الموصوف. ومن تدبَّر آيات القرآن الكريم في الجهاد علِم مقامه، وفضله، وعلو رتبته في العبادات. وكذلك طفحت السنة النبوية الشريفة بمثل ذلك، ولم يُصب المسلمون ما أصابهم من الذل، والمهانة، والضعف، وتسلط الأعداء، إلاَّ بتركهم الجهاد، وإخلادهم إلى الراحة والدَّعة، والله المستعان.

стр. 3311

١٠٩٤ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَغْزُ، وَلَمْ يُحَدِّثْ نَفْسَهُ بِهِ، مَاتَ عَلَى شُعْبَةٍ مِنْ نِفَاقٍ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١). ١٠٩٥ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: "جَاهِدُوا المُشْرِكِينَ بِأَمْوَالِكُمْ، وَأَنْفُسِكُمْ، وَأَلْسِنَتِكُمْ". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ، وَصَحَّحَهُ الحَاكِمُ (٢). ــ * درجة الحديث (١٠٩٥): إسناده صحيح. قال ابن عبد الهادي في "المحرر": رواه أحمد، والدارمي، وأبو داود، والنسائي، وإسناده على رسم مسلم. اهـ. وصححه الحاكم، وأقرَّه الذَّهبي، وقال النووي في "الرياض": إسناده صحيح. * مفردات الحديث (١٠٩٤): - شُعْبَة: بضم الشين المعجمة، قال في "المصباح": الشعبة من الشيء: القطعة منه، فيكون معناه: مات على طائفة، وجزء من النفاق. - نِفَاق: بكسر النون، وأصل النفاق مأخوذ من إحدى أجحار اليربوع، التي يكتمها، ويظهر غيرها، فهو أصل تسمية النفاق، فالمنافق: هو من يخفي الكفر، ويظهر الإيمان، فهو يُظهر خلاف ما يبطن.

стр. 3312

١٠٩٦ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: "قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، عَلَى النِّسَاءِ جِهَادٌ؟ قَالَ: نَعَمْ، جِهَادٌ لاَ قِتَالَ فِيهِ: الحَجُّ وَالعُمْرَةُ". رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَأَصْلُهُ فِي البُخَارِيِّ (١). ــ * درجة الحديث: الحديث صحيح. فهو من رواية محمَّد بن فضيل عن حبيب بن أبي عمرة عن عائشة بنت طلحة عن عائشة أم المؤمنين، وأصله في البخاري، كما ذكر المؤلف. * ما يؤخذ من الأحاديث: ١ - الحديث رقم (١٠٩٤): يدل على وجوب الجهاد في سبيل الله إذ إنَّه يجب الابتعاد عن صفات المنافقين، فهي أقبح الصفات. ٢ - وجوب العزم على الجهاد عند عدم التمكن منه، وفعله عند إمكان ذلك، فالواجبات المطلقة يجب العزم على فعلها، عند إمكانها. والواجبات المؤقتة يجب العزم على فعلها، عند دخول وقتها. ٣ - ويدل على أنَّ من مات، وهو لم يغز، ولم يحدث نفسه بالغزو -مات على خصلة من خصال النفاق؛ ذلك أنَّه أشبه المنافقين المتخلفين عن الجهاد في هذا الوصف، فإنَّ ترك الجهاد شعبة من شعب النفاق. ٤ - أما الحديث رقم (١٠٩٥): فيدل على وجوب جهاد الكفار بالمال، والنفس، واللسان. فأما المال: فبإنفاقه على شراء السلاح، وتجهيز الغزاة، ونحو ذلك.

стр. 3313

وأما النفس: فبمباشرة القتال للقادر عليه، والمؤهل له. وأما اللسان: فبالدعوة إلى دين الله تعالى ونشره، والذود عن الإسلام، ومجادلة الملاحدة، والرد عليهم، وبث الدَّعوة بكل وسيلة من وسائل الإعلام، لإقامة الحجة على المعاندين. ٥ - بناءً على أنَّ الجهاد يكون باللسان، فإعطاء الزكاة في الدَّعوة إلى الله تعالى من مصرف "في سبيل الله". ٦ - كما يدل الحديث رقم (١٠٩٥) على وجوب الجهاد، والجهاد من فروض الكفايات إذا قام به من يكفى، سقط عن الباقين؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ (١٢٢)﴾ [التوبة]. ٧ - إنما يكون فرض عين في ثلاثة مواضع: (أ) إذا حضر صف القتال، وقابل المسلمون عدوّهم، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ (١٥) وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاَّ مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٦)﴾ [الأنفال]. (ب) إذا استنفره الإمام؛ حيث لا عذر له، قال تعالى: ﴿مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ﴾ [التوبة: ٣٨]. (ج) إذا حضر بلده عدو احتيج إليه؛ لأنَّ دفع العدو من التعاون على البر والتقوى، قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٢]. ٨ - ويدل حديث رقم (١٠٩٦) على أنَّ مباشرة الجهاد، وقتال الأعداء ليست مشروعة في حق النساء؛ لما هنَّ عليه غالبًا من ضعف البدن، ورِقة القلب، وعدم تحمل الأخطار، ولا يمنع ذلك قيامهن بعلاج الجرحى، وسقي العطشى، ونحو ذلك من الأعمال.

стр. 3314

فقد جاء في الصحيح من حديث أم عطية قالت: غزوت مع رسول ﷺ سبع غزوات، أخلفهم في رحالهم، فأصنع لهم الطعام، وأُداوي الجرحى، وأقوم على المرضى. ٩ - الجهاد واجب: فهو إما فرض كفاية، أو فرض عين في حق الرجال. ١٠ - تشبيه الحج والعمرة بالجهاد بجامع الأسفار، والبعد عن الأوطان، ومفارقة الأهل، وخطر الأسفار، وتعب البدن، وبذل الأموال. ١١ - وجوب الجهاد على القادر عليه؛ حيث شبِّه بالحج والعمرة، الواجبين على المسلم القادر. ١٢ - الأحاديث الثلاثة اشتركت في بيان فضل الجهاد في سبيل الله تعالى، وقد جاءت النصوص الكثيرة، في فضله وعِظم ثوابه. قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ١١١]. وقال تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً﴾ [النساء: ٩٥]. وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (١٠) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١١)﴾ [الصف] الآية. والأيات في هذا الباب كثيرة. وأما الأحاديث، فمنها: ما رواه الشيخان عن أبي ذر قال: قلتُ: يَا رسول الله، أي العمل أفضل؟ قال: "الإيمان بالله، والجهاد في سبيله". وجاء في الصحيحين أيضًا من حديث أنس؛ أنَّ رسول الله ﷺ قَالَ: "لغَدْوَة في سبيل الله، أو رَوْحَة خير من الدنيا، وما فيها". والأحاديث في هذا كثيرة جدًّا.

стр. 3315

* قرار المجمع الفقهي الإسلامي بشأن إخراج الزكاة للجهاد في سبيل الله: أصدر المجمع الفقهي الإسلامي برابطة العالم قرارًا بتاريخ ٧/ ٢/ ١٤٠٥ هـ وجاء فيه ما نصه: نظرًا إلى أنَّ القصد من الجهاد بالسلاح هو إعلاء كلمة الله تعالى، ونشر دينه بإعداد الدعاة ودعمهم ومساعدتهم على أداء مهمتهم، فيكون كِلا الأمرين جهادًا. ونظرًا إلى أنَّ الإسلام محارَب بالغزو الفكري والتصدي من الملاحدة واليهود والنصارى وسائر أعداء الدين، وأنَّ لهؤلاء من يدعمهم الدعم المادي والمعنوي، فإنَّه يتعيَّن على المسلمين أن يقاتلوهم بمثل السلاح الذي يغزون به الإسلام. ونظرًا إلى أنَّ الحروب في البلاد الإسلامية أصبح لها وزارات خاصة بها، ولها بنود مالية في ميزانية كل دولة، بخلاف الجهاد بالدَّعوة، فإنَّه لا يوجد له في ميزانيات غالب الدول مساعدة ولا دعوة. لذلك كله، فإنَّ المجلس قرَّر بالأكثرية دخول الدعوة إلى الله، وما يعين عليها: وبدعم أعمالها في معنى في سبيل الله في الآية الكريمة. هذا وصلى الله وسلم على نبينا محمَّد وآله وصحبه أجمعين. * فائدة: نلخصها من رسالة للشيخ عبد الرحمن حَبنَّكة في "الجهاد": قال حفظه الله: "اتَّخذ أعداء الإسلام محاولات ذكية ماكرة لإلغاء الجهاد في سبيل الله من واقع المسلمين، عن طريق تحريف مفاهيم الإسلام، ونزع سند قوته، فوجهوا جهودهم لإزالة قوة الإيمان بالله من نفوس المسلمين، فوضعوا مكان ذلك قوى صورية مدوية، فكان بدل الاعتماد على الله الغرور بالنفس، والاعتماد على إمدادات الدول الطامعة، ذات المصالح الشخصية، وأحلوا محل ذكر الله تعالى عبارات الإلحاد والعنصرية والطبقية، وفرَّقوا صفوف المسلمين، وأفسدوا بين قادتهم، ففقدت الجيوش المسلمة بذلك عناصر قوتها

стр. 3316

الحقيقية، فكيف يتم لها النصر على أعدائها؟!. وأشاعوا أنَّ الإسلام لم ينتشر بالدعوة، وإنما انتشر بالقتال، وإكراه الناس عليه، فاضطر الغيورون من المسلمين إلى أن يعلنوا أنَّ الحروب في الإسلام لم تكن إلاَّ حروبًا دفاعية فقط، وأنَّه "لا إكراه في الدين"، وبهذا صار الفهم المبتدَع لحروب الإسلام، التي ترمي إلى نشر الدين، وإبلاغه للعالمين، وكسر الأسوار التي تحجب الحق عن أن يصل إلى أسماع الغافلين، المتعطشين إلى معرفة الحق من الشعوب المغلوبة على أمرها. إنَّ الضرورة في المجتمع البشري قد تدعو إلى القتال؛ انتصارًا لحق المظلومين، ورفع حيف الطغاة عنهم؛ ليروا الحق والهداية، فيدينوا بالدين الذي يرتاحون إليه، وتؤمن به قلوبهم. بعد هذا البيان لا يجد العقلاء المنصفون حاجة للاعتذار عن ركن الجهاد في سبيل الله بقتال الطغاة البغاة، الظلمة المستبدين، الذين يكرهون الناس على ما يريدون. إنَّ قضية الجهاد في سبيل الله بالقتال لتأمين رسالة الدعوة، وحمايتها، وإقامة العدل -قضية حق رباني، وإنَّ غايته من أشرف الغايات، وأنبلها. ومن عجيب المفارقات: أنَّ كثيرًا من الذين يشنعون على الإسلام في شأن هذا الواجب العظيم، يمارسون أقبح صور الإكراه في الدين، وأقبح صور التعصب ضد المسلمين، أو يستخدمون ضدهم كل وسائل العنف؛ لإلزامهم بأن يتركوا دينهم، وعقائدهم، ومفاهيمهم، ويوجهون ضدهم حروب إبادة جماعية، ما وجدوا إلى ذلك سبيلاً. وللإسلام أعداء كثيرون، وأشد أعدائه المثلَّث، التي تلتقي أضلاعه بالشيوعية، والصهيونية، الممثلة بالمأسونية، والمنصِّرين، أبطل الله كيدهم، وأعلى كلمته، آمين" اهـ.

стр. 3317

١٠٩٧ - وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: "جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ يسْتَأْذِنُ فِي الجِهَادِ، فَقَال: أَحَيٌّ وَالِدَكَ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَفِيهِمَا فَجَاهِدْ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). وَلأحمَدَ، وَأَبي دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ نَحْوُهُ، وَزَادَ: "ارْجِعْ فَاسْتَأْذِنْهُمَا، فَإِنْ أَذِنَا لَكَ، وَإِلاَّ فَبِرَّهُمَا" (٢). ــ * مفردات الحديث: - ففيهما فجاهد: "فيهما" متعلق بالأمر، وقد يكون للاختصاص، "والفاء" الأولى جزاء شرط محذوف، و"الثانية" جزائية؛ لتضمن الكلام معنى الشرط، والمعنى: إذا كان الأمر كما قلتَ، فاختص المجاهدة في خدمة الوالدين، نحو قوله تعالى: ﴿فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ (٥٦)﴾ [العنكبوت]. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - بر الوالدين من فروض الأعيان، لاسيَّما في حالة كبرهما، وحاجاتهما إلى ولدهما، قال تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الإسراء: ٢٣]، وقال تعالى: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ﴾ [لقمان: ١٤]، وقال تعالى: ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ [لقمان: ١٥]. وجاء في الصحيحين من حديث ابن مسعود قال: "سألت رسول الله ﷺ أي العمل أحب إلى الله تعالى؟ قال: الصلاة على وقتها، قلتُ: ثم أي؟ قال: بر الوالدين، قلتُ: ثم أي؟ قال؛ الجهاد في سبيل الله".

стр. 3318

وجاء في الصحيح من حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ قَال: "رغم أنف من أدرك والديه عند الكبر، أحدهما أو كلاهما، فلم يدخل الجنة". ٢ - أما الجهاد: فهو فضيلة كبيرة جدًّا، ولكنه أقل فضلاً من بر الوالدين؛ كما أنَّ الجهاد فرض كفاية إلاَّ في حالات تقدم بيانها. أما بر الوالدين: ففرض عين في كل حال؛ لذا فإنَّ النبي ﷺ قال للرجل المستأذِن في الجهاد: "فيهما فجاهد" فيكون برهما مقدمًا على الجهاد في سبيل الله تعالى. ٣ - سمي إتعاب النفس في القيام بمصالح الأبوين، وإزعاجهما الولد في طلب ما يحتاجانه، وبذل المال في قضاء حوائجهما: جهادًا، من باب المشاكلة؛ مثل قوله تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠] سميت الثانية: سيئة؛ لمشابهتها للأولى في الصورة. ٤ - سواء كان الجهاد فرض عين، أو فرض كفاية، وسواء عذَره الأبوان بخروجه، أو لا -فإنَّ برهما مقدم؛ لما روى أحمد، والنسائي، أنَّ جاهمة السلمي جاء إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله،! أريد الغزو، وجئتك لأستشيرك، فقال: هل لك من أم؟ قال: نعم. قال: "الزمها فإنَّ الجنة تحت رجليها". ٥ - ذهب جمهور العلماء إلى أنَّه يحرم الجهاد على الولد إذا منعه الأبوان، أو أحدهما، بشرط أن يكونا مسلمين؛ لأنَّ برهما فرض عين، والجهاد فرض كفاية، فإذا تعيَّن الجهاد، فيقدم على برهما؛ لأنَّ الجهاد مصلحة عامة، إذ هو لحفظ الدين، والدفاع عن المسلمين. ٦ - يدل الحديث على وجوب النصيحة لمن استشارك في أمر من الأمور. ٧ - الحديث يدل على عظم بر الوالدين، وتقدم بعض النصوص في ذلك. ٨ - ويدل الحديث على أنَّ المفتي إذا سُئِل عن مسألة يتعيَّن عليه أن يستوضح من

стр. 3319

السائل عن الأمور التي تعد من مجرى الجواب. ٩ - وفي الحديث بيان حرص الصحابة ﵃ على أن يأتوا بالعبادات على الوجه الصحيح، فإنَّهم لا يُقدمون عليها إذا كانوا يجهلونها أو يجهلون بعض أحكامها، حتى يسألوا عن ذلك؛ لتقع موقعها الشرعي، وهذا واجب المسلمين. ***

стр. 3320

١٠٩٨ - وَعَنْ جَرِيرٍ البَجَلِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَنَا بَرِيءٌ مِنْ كُلِّ مُسْلِمٍ يُقِيمُ بيْنَ المُشْرِكِينَ". رَواهُ الثَّلاَثَةُ، وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ، وَرَجَّحَ البُخَارِيُّ إِرْسَالَهُ (١). ١٠٩٩ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لاَ هِجْرَةَ بَعْدَ الفَتْحِ، وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٢). ــ * درجة الحديث (١٠٩٨): الحديث صحيح. قال الحافظ: إسناده صحيح، وقال المباركفوري: رجال إسناده ثقات، مع أنَّ كثيرًا من الأئمة قالوا: إنه مرسل، ورجح البخاري، وأبو حاتم، وأبو داود، والترمذي، والدارقطني إرساله إلى قيس بن أبي حازم، ورواه الطبراني موصولاً. * مفردات الحديثين: - بريء: يقال: برىء فلان من كذا، يبرأ براءً وبراءةً: فارقه، وسلم منه، وتخلص، واسم الفاعل بريء، والجمع: برآء. - لا هجرة بعد الفتح: بكسر الهاء، اسم من: هاجر يهاجر مهاجرة، وهي مفارقة الأهل، والعشيرة، والوطن فرارًا بالدين. والفتح: هو فتح مكة، سنة ثمان من الهجرة.

стр. 3321

١١٠٠ - وَعَنْ عَبْدِ الله بْنِ السَّعْدِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لاَ تَنْقَطعُ الهِجْرَةُ مَا قُوتِلَ العَدُوُّ". رَوَاهُ النَّسَائيُّ، وَصَحَّحَهُ ابْنِ حِبَّانَ (١). ــ * درجة الحديث: الحديث صحيح. قال في "التلخيص": رواه النسائي، وابن حبان، ولأبي داود عن معاوية مرفوعًا: "لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة، ولا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها". قال الهيثمي: رجال أحمد رجال ثقات. قال الألباني: أخرجه أبو داود، والدارمي، والنسائي في "الكبرى"، والبيهقي، وأحمد، ومن طرقه المجتمعة حكم بصحته. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - الحديث الأول يدل على وجوب الهجرة من ديار المشركين إلى ديار المسلمين، وهو مذهب جمهور العلماء؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (٩٧)﴾ [النساء]. قال الشيخ عبد الرحمن السعدي: وفي الآية دليل على أنَّ الهجرة من أكبر الواجبات، وأنَّ تركها من المحرَّمات، بل من أكبر الكبائر. ٢ - قال في "شرح الإقناع": وتجب الهجرة على كل من يعجز عن إظهار دينه

стр. 3322

بدار حرب، وهي ما يغلب فيها حكم الكفر؛ لأنَّ القيام بأمر الدين واجب، والهجرة من ضرورة الواجب، وما لا يتم الواجب إلاَّ به فهو واجب. قال في "المنتهى": أو بلد بغاة، أو بِدع مضلة، كرفض واعتزال، فيخرج منها إلى دار أهل السنة وجوبًا، إن عجز عن إظهار مذهب أهل السنة فيها، إن قدر على الهجرة من أرض الكفر، وما ألحق بها؛ لقوله تعالى: ﴿إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا (٩٨)﴾ [النساء]. قال الشيخ عبد الرحمن السعدي: ثم استثنى المستضعفين الذين لا قدرة لهم على الهجرة بوجه من الوجوه: ﴿فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ﴾ [النساء: ٩٩]. و"عسى" واجب وقوعها من الله تعالى، بمقتضى كرمه وإحسانه. قال السيد رشيد رضا: ولا معنى عندي للخلاف في وجوب الهجرة من الأرض التي يمنع فيها المؤمن من العمل بدينه، أو يؤذى إيذاء لا يقدر على احتماله. أما المقيم في دار الكافرين، ولكنه لا يمنع، ولا يؤذى إذا هو عمل بدينه، بل يمكنه أن يقيم جميع أحكامه، بلا نكير، فلا يجب عليه أن يهاجر. ٣ - قال شيخ الإسلام: الإقامة في كل موضع تكون الأسباب فيه أطوع لله تعالى ورسوله، وأفعل للحسنات والخير؛ بحيث يكون المسلم أعلم بذلك، وأقدر عليه، وأنشط له، أفضل من الإقامة في وضع حاله فيه دون ذلك، فالحكم على الإقامة أمر نسبي يتعلَّق بالشخص، ومن هنا كانت المرابطة في الثغور أفضل من المجاورة بالمساجد الثلاثة، قال تعالى: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَوُونَ

стр. 3323

عِنْدَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ١٩]. ٤ - الشخص مسموع الكلمة، الذي يستطيع أن يؤدي رسالة الله تعالى على وجه حسن، لا شكَّ أنَّ إقامته حيث يقوى على الدعوة خير له من الحياة في الوسط الطيب الصالح، أما الشخص العادي: فهذا يجب عليه أن يختار البيئة الصالحة الفاضلة، ويقيم فيها. ٥ - قوله: "لكن" يقتضي أنَّ ما بعدها ليس كما قبلها، والمعنى: أنَّ مفارقة الأوطان لله ورسوله ﷺ ، التي هي الهجرة المعتبرة الفاضلة قد انقطعت، لكن مفارقة الأوطان بسبب نية خالصة لله تعالى، كطلب العلم، والفرار بدينه من دار الكفر، أو للجهاد في سبيل الله، فهي باقية مدى الدهر. ٦ - أما الحديث رقم (١٠٩٩): فيدل على أنَّ الهجرة من مكة المكرمة انقطعت بعد فتحها؛ لكونها أصبحت بلاد مسلمين. وبهذا فإنَّ فضل الهجرة فات على الذين لم يسلموا إلاَّ بعد الفتح، فقد غنمها السابقون الأولون إلى الإسلام من المهاجرين، قال تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ [الحديد: ١٠]. ٧ - وعلى الذين فاتتهم الهجرة أن يتداركوا فضل الجهاد في سبيل الله، والنية الصالحة بحسن الإسلام، والنصح لله، ورسوله، ودينه. ولقد كان هذا من كثيرٍ من مسلمة الفتح، أمثال سهيل بن عمرو، والحارث بن هشام، وعكرمة بن أبي جهل، وأبي سفيان بن الحارث، وغيرهم، فإنَّهم ﵃ أظهروا من حسن إسلامهم، والنصح له أمورًا كبيرة، وصار لديهم رغبة شديدة فيما عند الله تعالى، وأقبلوا على الجهاد في سبيل الله، فأبلوا البلاء الحسن حتى استشهدوا، ﵃. ٨ - أما الحديث رقم (١١٠٠): فيدل على أنَّ الهجرة من بلاد الكفر إلى بلاد

стр. 3324

الإسلام لم تنقطع، وإنما حكمها باقٍ. قال في "شرح الإقناع": وحكم الهجرة باق لا ينقطع إلى يوم القيامة؛ لما روى أبو داود عن معاوية؛ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة، ولا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها". فتجب على من يعجز عن إظهار دينه؛ بدار حرب، وتسن لقادر على إظهار دينه ليتخلص من تكثير الكفار، ومخالطتهم، ورؤية المنكر بينهم. ٩ - الهجرة قسمان: أحدهما: الهجرة من مكة إلى المدينة، وهي التي فاز بها أهلها من الصحابة من دون سائر الناس، فهذه انقطعت بفتح مكة شرَّفها الله. الثاني: الهجرة من دار الكفر إلى دار الإسلام، أو من دار البدعة إلى دار السنة، فإنَّ المسلم السني يؤمر بالهجرة إلى حيث يظهر شعائر دينه؛ لئلا يفتن عنه، ويؤذى. ***

стр. 3325

١١٠١ - وَعَنْ أَبِي مُوسَى الأَشعريِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كلِمَةُ اللهِ هِي العُلْيَا، فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللهِ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). ــ * ما يؤخذ من الحديث: ١ - تمام الحديث: أنَّ أعرابيًّا سأل النبي ﷺ ، فقال: يا رسول الله الرجل يقاتل للمَغْنم، والرجل يقاتل للذكر، والرجل يقاتل ليُرى مكانه، فمن في سبيل الله؟ فقال الرسول ﷺ : "من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا: فهو في سبيل الله" فهذا منطوق الحديث. ٢ - معنى: يقاتل للذكر: أي: ليذكر بين الناس، ويوصف بالشجاعة، فالذكر: الشرف والفخر. وقوله: يقاتل ليُرى مكانه: "يُرى" مبني للمجهول، و"مكانه": منزلته من الشجاعة، فالفرق بين هذا، والذي قبله: أنَّ الأوَّل يقاتل للسمعة، والثاني للرياء. ٣ - أما مفهوم الشرط في الحديث: أنَّ من قاتل لغير هذه الغاية، فليس في سبيل الله، وإنما قتاله في سبيل الغاية التي قصدها. ٤ - أما إذا انضمَّ إلى غاية الجهاد في سبيل الله مقصد آخر، فقال الطبري: إذا كان المقصد إعلاء كلمة الله، لم يضر ما حصل من غيره ضمنًا، وبهذا قال جمهور العلماء. ويتأيد هذا: بما جاء في صحيح البخاري عن ابن عباس قال: كانت

стр. 3326

عكاظ، ومجنة، وذو المجاز أسواقًا في الجاهلية، فتأثموا أن يتَّجروا في المواسم، فنزلت: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٨] في مواسم الحج. والقصد أنَّه إذا كان المقصد هو الجهاد، وإعلاء كلمة الله تعالى، فلا يضره فى دخول غيره ضمنًا. ٥ - أنَّ من الجهاد في سبيل الله دفع الكفار عن بلدان المسلمين، وأراضيهم، لاسيَّما الأمكنة المقدسة؛ كالقدس، والمسجد الأقصى، ودفع الحكومات الشيوعية عن بلدان المسلمين، كما كان في أفغانستان، وغيرها من بلدان المسلمين، التي هي تحت سيطرة أعدائهم، فقد جاء في أبي داود، والترمذي في "جامعه" من حديث سعيد بن زيد، أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "مَن قُتل دون دينه فهو شهيد، ومن قتل دون أهله فهو شهيد، ومن قتل دون دمه فهو شهيد، ومن قتل دون ماله فهو شهيد". ووجه الدلالة: أنَّه لما جعله شهيدًا، دلَّ على أنَّ له القتل والقتال، فصار القتال مشروعًا، والله أعلم. ٦ - جاء في "سنن أبي داود": "أنَّ عبد الله بن عمرو بن العاص، قال: يا رسول الله أخبرني عن الجهاد؟ فقال: يا عبد الله، إن قاتلت صابرًا محتسباً، بعثك الله صابرًا محتسباً، وإن قاتلت مرائيًا مكاثرًا، بعثك الله مرائيًا مكاثرًا، ويا عبد الله، على أي حال قاتلت أو قُتلت، بعثك الله على تلك الحال". قلتُ: إنَّ اختلاف النية والقصد مؤثر في كل الأعمال لحديث: "إنَّما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرىء ما نوى". ٧ - وبهذا الحديث وأمثاله، عُلِم مبدأ سامٍ، وهو إعلاء كلمة الله تعالى، ومن أحق بإعلاء كلمته غير الله جلَّ وعلا. وبهذا، فالإسلام لا يبيح القتال لغايات عدوانية، أو مقاصد مادية،

стр. 3327

بسيادة عنصر على عنصر، أو شعب على شعب، أو طبقة على طبقة أخرى، أو توسيع رقعة مملكة، أو أغراض حربية، أو مكاسب اقتصادية، أو أسواق تجارية، أو غير ذلك مما تتَّخذه الدول وسيلة لإشعال الحروب، وهدم السلم الدائم، فليس ذلك كله في شيء مما أباح الإسلام القتال لأجله؛ ذلك لأن غاية الإسلام مبادىء كريمة يعمّ نفعها الناس جميعًا. ***

стр. 3328

١١٠٢ - وَعَنْ نَافِعٍ قَالَ: "أَغَارَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى بَنِي المُصْطَلِقِ، وَهُمْ غَارُّونَ، فَقَتَلَ مُقَاتِلَتَهُمْ، وَسَبَى ذَرَارِيَهُمْ" حَدَّثَنِي بِذلِكَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَر. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَفِيهِ: "وَأَصَابَ يَوْمَئِذٍ جُويْرِيَّةَ" (١). ــ * مفردات الحديث: - أغار: بالغين المعجمة، مصدره: الإغارة، والغارة اسم مصدر، ومعناه: هجم على غرة وبغتة. - المُصْطَلق: -بضم الميم، وسكون الصاد المهملة، وفتح الطاء، وكسر اللام، آخرها قاف-: بطن من خزاعة، وخزاعة قبيلة قحطانية أزدية. - غارون: -بالغين المعجمة، وتشديد الراء-، جمع غار؛ أي: غافلون، فأخذوهم على غرَّة وبغتة، وهي جملة اسمية حالية. - سبى: سبى عدوه سبيًا وسباء: استولى عليهم. - ذراريهم: بتشديد الياء، وتخفيفها، جمع: "ذرية"، هم نسل الإنسان، وعقبه. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - هذا الحديث محمول على أنَّ النبيَّ ﷺ بلَّغ بني المصطلق دعوة التوحيد، ودعاهم إلى الإسلام، فلما لم يستجيبوا، اغتنم فرصة غفلتهم، فأخذهم وهم غافلون، قبل أن يعلموا بقربه منهم. قال ابن المنذر: وهو قول أكثر أهل العلم، وعلى معناه تظاهرت الأحاديث الصحيحة.

стр. 3329

إذا غار المغير على غفلة العدو، فهذا مبدأ صحيح، كحال النبي ﷺ فالغارة على غفلة أصلح للطرفين في حقيقة الأمر؛ لأنَّ المغير سيحكم عليهم في حربهم، وسلمهم أحكامًا عادلة، لا جور فيها عليهم. والمغار عليهم مع العدل بهم، سيسلمون من خسارة الأنفس، التي تذهب أثناء المعركة، وسيجدون عند من يستولون عليهم الرحمة والعدل، وقد كان في هذه القضية ذاتها. فبنو المصطلق قبيلة من الأزد، لما استولى عليهم النبي ﷺ تزوَّج جُوَيْرِيَّة بنت زعيمهم الحارث بن أبي ضرار المصطلقي الخزاعي، كعادته ﷺ في إكرام ذوات العفاف، ورفع شأن الشريفات الأسيرات، فلما علم الصحابة، ﵃ بذلك قالوا: أصهار رسول الله ﷺ فأرسلوا كل من في أيديهم من سبي بني المصطلق. لذا قالت عائشة: ما أعلم امرأة أعظم بركة على قومها من جويرية. ٢ - أما إذا كانوا غير مدعوين، ولا معذر إليهم، ولا منذَرين، فنصوص الشرع تمنع من مباغتهم، ولذا كانت من وصايا النبي ﷺ لأمراء السرايا قوله: "لا تغدِروا، فإذا لقيت عدوك، فادعهم إلى الإسلام، فإن أجابوك فأقبل منهم، فإن أبوا فاسألهم الجزية، فإن هم أجابوك فأقبل منهم، فإن هم أبوا فاستعن عليهم بالله تعالى، وقاتلهم" هذه سنة الإسلام في الذين لم تبلغهم الدعوة. ٣ - يدل الحديث على جواز استرقاق العرب كغيرهم، وهو مذهب جمهور العلماء، ومنهم الأئمة الثلاثة: أبو حنيفة، ومالك، وأحمد، وهو معروف من كتب السيرة، والمغازي. وذهب بعضهم إلى: عدم استرقاقهم، والأدلة خلاف قولهم. ***

стр. 3330

١١٠٣ - وَعَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ ﵄ قَال: "كانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا أَمَّرَ أَمِيرًا عَلَى جَيْشٍ، أَوْ سَرِيَّةٍ، أَوْصَاهُ فِي خَاصَّتِهِ بتَقْوَى اللهِ، وَبِمَنْ مَعَهُ مِنَ المُسْلِمِينَ خَيْرًا، ثُمَّ قَالَ: اغْزُوا، عَلَى اسْمِ اللهِ، فِي سَبِيلِ اللهِ، قَاتِلُوا مَنْ كفَرَ بِاللهِ، اغْزُوا وَلاَ تَغُلُّوا، وَلاَ تَغْدِرُوا، وَلاَ تُمَثِّلُوا، وَلاَ تَقْتُلُوا وَلِيدًا، وَإِذَا لَقِيتَ عَدُوَّكَ مِنَ المُشْرِكِينَ، فَادْعُهُمْ إِلَى ثَلاَثِ خِصَالٍ، فَأَيَّتُهُنَّ أَجَابُوكَ إِلَيْهَا، فَاقْبلْ مِنْهُمْ، وَكُفَّ عَنْهُم: ادْعُهُمْ إِلَى الإِسْلاَمِ، فَإِنْ أَجَابُوكَ فَاقْبلْ مِنْهُم، ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى التَّحَوُّلِ مِنْ دَارِهِمْ إِلَى دَارِ المُهَاجِرِينَ، فَإِنْ أَبَوْا، فَأَخْبِرْهُمْ بِأَنَّهُمْ يَكُونُونَ كأَعْرَابِ المُسْلِمِينَ، وَلاَ يَكُونُ لَهُمْ فِي الغَنِيمَةِ وَالفَيْءِ شَيْءٌ، إِلاَّ أَنْ يُجَاهِدُوا مَعَ المُسْلِمِينَ، فَإِنْ هُمْ أَبَوْا فَاسْأَلْهُمُ الجِزْيَةَ، فَإِنْ أَجَابُوكَ فَاقْبلْ مِنْهُمْ، فَإِنْ هُمْ أَبَوْا فَاسْتَعِنْ عَلَيْهِمْ بِاللهِ تَعَالَى، وَقَاتِلْهُمْ، وَإِذَا حَاصَرْتَ أَهْلَ حِصْنٍ فَأَرَادُوكَ أَنْ تَجْعَلَ لَهُمْ ذِمَّةَ اللهِ، وَذِمَّةَ نَبِيِّهِ، فَلاَ تفْعَلْ، وَلكِنْ اجْعَلْ لَهُمْ ذِمَّتَكَ؛ فَإِنَكُمْ إِنْ تُخْفِرُوا ذِمَمَكُمْ، أَهْوَنُ مِنْ أَنْ تُخْفِرُوا ذِمَّةَ اللهِ، وَإِذَا أَرَادُوكَ أَنْ تُنْزِلَهمْ عَلَى حُكْمِ اللهِ فَلاَ تَفْعَلْ، بلْ عَلَى حُكْمِكَ؛ فَإِنَّكَ لاَ تَدْرِي أَتُصِيبُ فِيِهمْ حُكْمَ اللهِ تَعَالَى، أَمْ لاَ؟ " أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ (١). ــ * مفردات الحديث: - في خاصَّته: متعلق بـ"تقوى الله"، وخاصته: ما يخص نفسه من شؤونه.
следующие страницы →