عكاظ، ومجنة، وذو المجاز أسواقًا في الجاهلية، فتأثموا أن يتَّجروا في المواسم، فنزلت: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٨] في مواسم الحج.
والقصد أنَّه إذا كان المقصد هو الجهاد، وإعلاء كلمة الله تعالى، فلا يضره فى دخول غيره ضمنًا.
٥ - أنَّ من الجهاد في سبيل الله دفع الكفار عن بلدان المسلمين، وأراضيهم، لاسيَّما الأمكنة المقدسة؛ كالقدس، والمسجد الأقصى، ودفع الحكومات الشيوعية عن بلدان المسلمين، كما كان في أفغانستان، وغيرها من بلدان
المسلمين، التي هي تحت سيطرة أعدائهم، فقد جاء في أبي داود، والترمذي في "جامعه" من حديث سعيد بن زيد، أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "مَن قُتل دون دينه فهو شهيد، ومن قتل دون أهله فهو شهيد، ومن قتل دون دمه فهو شهيد، ومن قتل دون ماله فهو شهيد".
ووجه الدلالة: أنَّه لما جعله شهيدًا، دلَّ على أنَّ له القتل والقتال، فصار القتال مشروعًا، والله أعلم.
٦ - جاء في "سنن أبي داود": "أنَّ عبد الله بن عمرو بن العاص، قال: يا رسول الله أخبرني عن الجهاد؟ فقال: يا عبد الله، إن قاتلت صابرًا محتسباً، بعثك الله صابرًا محتسباً، وإن قاتلت مرائيًا مكاثرًا، بعثك الله مرائيًا مكاثرًا، ويا عبد الله، على أي حال قاتلت أو قُتلت، بعثك الله على تلك الحال".
قلتُ: إنَّ اختلاف النية والقصد مؤثر في كل الأعمال لحديث: "إنَّما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرىء ما نوى".
٧ - وبهذا الحديث وأمثاله، عُلِم مبدأ سامٍ، وهو إعلاء كلمة الله تعالى، ومن أحق بإعلاء كلمته غير الله جلَّ وعلا.
وبهذا، فالإسلام لا يبيح القتال لغايات عدوانية، أو مقاصد مادية،
стр. 3327
بسيادة عنصر على عنصر، أو شعب على شعب، أو طبقة على طبقة أخرى، أو توسيع رقعة مملكة، أو أغراض حربية، أو مكاسب اقتصادية، أو أسواق تجارية، أو غير ذلك مما تتَّخذه الدول وسيلة لإشعال الحروب، وهدم السلم الدائم، فليس ذلك كله في شيء مما أباح الإسلام القتال لأجله؛ ذلك لأن غاية الإسلام مبادىء كريمة يعمّ نفعها الناس جميعًا.
***
стр. 3328
١١٠٢ - وَعَنْ نَافِعٍ قَالَ: "أَغَارَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى بَنِي المُصْطَلِقِ، وَهُمْ غَارُّونَ، فَقَتَلَ مُقَاتِلَتَهُمْ، وَسَبَى ذَرَارِيَهُمْ" حَدَّثَنِي بِذلِكَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَر. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَفِيهِ: "وَأَصَابَ يَوْمَئِذٍ جُويْرِيَّةَ" (١).
ــ
* مفردات الحديث:
- أغار: بالغين المعجمة، مصدره: الإغارة، والغارة اسم مصدر، ومعناه: هجم على غرة وبغتة.
- المُصْطَلق: -بضم الميم، وسكون الصاد المهملة، وفتح الطاء، وكسر اللام، آخرها قاف-: بطن من خزاعة، وخزاعة قبيلة قحطانية أزدية.
- غارون: -بالغين المعجمة، وتشديد الراء-، جمع غار؛ أي: غافلون، فأخذوهم على غرَّة وبغتة، وهي جملة اسمية حالية.
- سبى: سبى عدوه سبيًا وسباء: استولى عليهم.
- ذراريهم: بتشديد الياء، وتخفيفها، جمع: "ذرية"، هم نسل الإنسان، وعقبه.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - هذا الحديث محمول على أنَّ النبيَّ ﷺ بلَّغ بني المصطلق دعوة التوحيد، ودعاهم إلى الإسلام، فلما لم يستجيبوا، اغتنم فرصة غفلتهم، فأخذهم وهم غافلون، قبل أن يعلموا بقربه منهم.
قال ابن المنذر: وهو قول أكثر أهل العلم، وعلى معناه تظاهرت الأحاديث الصحيحة.
стр. 3329
إذا غار المغير على غفلة العدو، فهذا مبدأ صحيح، كحال النبي ﷺ فالغارة على غفلة أصلح للطرفين في حقيقة الأمر؛ لأنَّ المغير سيحكم عليهم في حربهم، وسلمهم أحكامًا عادلة، لا جور فيها عليهم.
والمغار عليهم مع العدل بهم، سيسلمون من خسارة الأنفس، التي تذهب أثناء المعركة، وسيجدون عند من يستولون عليهم الرحمة والعدل، وقد كان في هذه القضية ذاتها.
فبنو المصطلق قبيلة من الأزد، لما استولى عليهم النبي ﷺ تزوَّج جُوَيْرِيَّة بنت زعيمهم الحارث بن أبي ضرار المصطلقي الخزاعي، كعادته ﷺ في إكرام ذوات العفاف، ورفع شأن الشريفات الأسيرات، فلما علم الصحابة، ﵃ بذلك قالوا: أصهار رسول الله ﷺ فأرسلوا كل من في أيديهم من سبي بني المصطلق.
لذا قالت عائشة: ما أعلم امرأة أعظم بركة على قومها من جويرية.
٢ - أما إذا كانوا غير مدعوين، ولا معذر إليهم، ولا منذَرين، فنصوص الشرع تمنع من مباغتهم، ولذا كانت من وصايا النبي ﷺ لأمراء السرايا قوله: "لا تغدِروا، فإذا لقيت عدوك، فادعهم إلى الإسلام، فإن أجابوك فأقبل منهم، فإن أبوا فاسألهم الجزية، فإن هم أجابوك فأقبل منهم، فإن هم أبوا فاستعن عليهم بالله تعالى، وقاتلهم" هذه سنة الإسلام في الذين لم تبلغهم الدعوة.
٣ - يدل الحديث على جواز استرقاق العرب كغيرهم، وهو مذهب جمهور العلماء، ومنهم الأئمة الثلاثة: أبو حنيفة، ومالك، وأحمد، وهو معروف من كتب السيرة، والمغازي.
وذهب بعضهم إلى: عدم استرقاقهم، والأدلة خلاف قولهم.
***
- بمن معه: كأنه قال: أوصاه بتقوى الله في خاصته، وأوصاه بمن معه من المسلمين خيرًا.
- خيرًا: منصوب على نزع الخافض.
- على اسم الله -في سبيل الله: متعلق بـ"اغزوا"، ويجوز أن يكون الثاني ظرفًا له، ويكون الأول حالاً.
- قاتلوا: جملة معترضة موضحة لـ"اغزوا"، فأعاد "اغزوا"؛ لتعقبه بالمذكورات بعده.
- ولا تغُلُّوا: غل -من باب نصر- غلولاً، فهو غالٌّ، والغلول: الخيانة من المغنم، وكل من خان خفية، فقد غلَّ.
- لا تَغْدِروا: بكسر الدال، فهو من باب ضرب، والغدر: ترك الوفاء بالعهد.
- إذا لقيت: هذا من باب تلوين الخطاب، فبعد أن خاطب الجيش عامة، خصَّ الأمير وحده بالخطاب، فدخلوا بالتبعية.
- فادعهم إلى ثلاث خِصال: يعني: إلى إحدى الثلاث، وهي: الإسلام، أو عطاء الجزية، أو المقاتلة.
- التحول من دارهم: المراد بالتحول: الانتقال، والهجرة من بلاد الكفار إلى بلاد المسلمين.
- ثم ادعهم: كرر لمزيد التأكيد.
- أعراب المسلمين: واحده "أعرابي"، لا واحد له من لفظه؛ لأنَّ البقاء بالبادية سبب لعدم معرفة الشريعة؛ لقلَّة من فيها من أهل العلم.
- الغنيمة: جمعها غنائم: يقال غنم فلان غنيمة، فاشتقاقها من "الغُنم" وأصلها: الربح والفضل، وهي ما أخذ من مال حربي قهرًا بقتال.
- الفيء: أصله "الرجوع"، يقال: فاء الظل: إذا رجع نحو المشرق، وسمي المال الحاصل من المشركين: فيئًا؛ لأنَّه رجع من المشركين إلى المسلمين.
стр. 3332
وهو اصطلاحًا: ما أُخِذ من مال كافر بحق الكفر بلا قتال.
- الجزية: مأخوذة من: الجزاء، وهي ما يؤخذ من أهل الذمة على وجه الصَّغار كل عام، بدلاً من قتلهم، وإقامتهم بدارنا.
- حِصن: حصن المكان حصانة، فهو حصين، والحِصن: الموضع المنيع، جمعه: حصون، والحصين: المحكَم المنيع.
- ذِمة اللهِ وذمة نبيه: الذمة هنا معناها: عقد الصلح والمهادنة، وإنما نهى عن ذلك؛ لئلا ينقض الذمة من لايعرف حقها، وينتهك حرمتها من لا تمييز له من الجيش.
- تُخْفِرُوا: بضم التاء، وسكون الخاء، ثم فاء مكسورة، وراء، يقال: أخفرت الرجل: إذا نقضت عهده، وخَفَرته: بمعنى أمنته وحميته.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - هذا الحديث الشريف الصحيح يصف أحسن وصف للجهاد في سبيل الله، من مصدره الأصلي المشرع صلوات الله وسلامه عليه، وما تتصف به تلك الحروب الإسلامية من العدل والإنصاف، وما تتحلى به من الرحمة، وما تهدف إليه من البر، والإحسان، وما تتمسك به من العهود والمواثيق، وأنَّها بخلاف ما يصفها به أعداء الإسلام، من القسوة، والعنف، وغير ذلك من الأوصاف التي يلحقونها بها، إما جهلاً، وتقليدًا، وإما عداوة وحقدًا.
٢ - أنَّه ﷺ لا يبعث أميرًا على سرية إلاَّ أوصاه، وأوصى سريته بما يجب عليهم، أو ينبغى لهم أتباعه في غزوتهم من الأحكام، والآداب، والفضائل.
٣ - الصحابة ﵃ لثقتهم الكبيرة بنبيِّهم ﷺ ، وإيمانهم العميق بحسن وصاياه، وكبير فائدتها -فإنَّهم ينفذونها وفق ما رسمها لهم، بغبطة وفرحة، متمثلين قوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧]، وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ
стр. 3333
يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣)﴾ [النور].
٤ - كان أول زاد من وصاياه الحكيمة الرشيدة هي الوصية "بتقوى الله"، وتقوى الله كلمة صغيرة تجمع كل خير، وتبعد كل شر، فهي امتثال أوامر الله، واجتناب نواهيه، وإذا حلت التقوط قلب العبد، صارت هي الرقيب الذي لا يغيب، ولا يغفل عن تصرفاته، فإنَّها تراقبه وتصرِّفه؛ لتكون دائمًا المهيمن عليه، فتقيه شر نفسه، وشر غيره، من شياطين الإنس والجن.
٥ - أوصاه بأن يتَّقي الله تعالى بمن معه من المسلمين خيرًا، فلا يستغل سلطته، وإمارته عليهم، ويغتنم فرصة اتباعهم أمره، وتنفيذهم رغبته بمصالحه الخاصة، وطلباته المحدودة، وإنما يكون أمره عليهم، ونهيه فيهم، وفق المصلحة العامة لهم، وللمسلمين عامة.
٦ - تصحيح النية، وسلامة الطوية؛ وذلك بأن تكون غزوتهم مقصودًا بها وجه الله تعالى، والدار الآخرة، بإرادة نصرة الإسلام، ونشر دعوة التوحيد، "فإنَّما الأعمال بالنيات" فلا يكون القصد من الغزو الغنيمة، أو مجرَّد الاستيلاء على الأعداء، أو إرادة الشجاعة والظهور، فكل هذا ليس على اسم الله تعالى، وإنما الذي على اسمه: من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا.
٧ - "قاتِلوا من كفر بالله" هذا هو الهدف من الجهاد، وهو قتال الكفار؛ ليدخلوا في دين الإسلام، فإذا دخلوا في الإسلام، ودخل الإيمان قلوبهم، عرفوا أنَّ قتالكم لهم ما هو إلاَّ علاج لأنفسهم، ودواء لقلوبهم المريضة بالكفر، والشرك بالله تعالى، "وإن ربك ليعجب من رجال يقادون إلى الجنة بالسلاسل"، فلولا قاعدة الجهاد في سبيل الله، لفسدت الأرض ببقاء الكفر، والضلال، وامتداد الجهل، والظلام، قال تعالى: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة: ٢٥١].
стр. 3334
٨ - "لا تغلوا" الغلول: الخيانة في الغنيمة، وإذا وجدت الخيانة في الغنائم، فسدت نية الجهاد في سبيل الله، وصار الغرض هو الطمع، وأنتم لم تغزوا، ولن يتوقع النصر إلاَّ بحسن نيتكم وقصدكم، فإذا فسدت النية، يُدَال عليكم، وينتصر عدوكم، قال تعالى: ﴿مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٢].
٩ - "لا تغدروا" الغدر: نقض العهد، فهو ضد الوفاء، بل أتموا لهم ما عاهدتموهم عليه.
١٠ - "ولا تمثلوا" بأن تقطعوا أطراف القتيل؛ كيديه، ورجليه، وأذنيه، وأن يبقر بطنه، ونحو ذلك من تشويهه، فإنَّ هذا قتال من يريد الانتقام، لا قتال من يريد الإحسان.
١١ - "ولا تقتلوا وليدًا" النَّهي عن قتل الصبيان، الذين هم دون البلوغ.
١٢ - وجوب دعوة العدو، والمشرك إلى إحدى ثلاث خصال، فإن هم أجابوك إلى واحدة منها، فأقبل منهم، هي: الإسلام، أو الجزية، أو القتال.
وإذا أجابوا إلى الإسلام، فلابد أن يتحوَّلوا من دار الكفر إلى دار الإسلام؛ ليتمكنوا من إظهار دينهم، وليكثروا سوادهم، وليكون لهم ما للمسلمين، وعليهم ما عليهم.
١٣ - قائد الجيش إذا عقد عهدًا مع المشركين، فلا يجعل بينه وبينهم عهد الله تعالى وعهد رسوله، وإنما يجعل لهم عهده الخاص؛ لئلا ينقض العهد ويغدر، وعهد الله وعهد الرسول منزهان عن الغدر، ولكن إذا جعل لهم عهده، فنقض، كان أَهْوَنَ إثمًا.
١٤ - إذا أراد قائد الجيش، أو السرية إنزال عدوه من المشركين على حكم، فليكن على حكمه هو، واجتهاده، لا على حكم الله تعالى، فإنَّ المجتهد لا يدري أيصيب حكم الله، أم يخطئه؟ فإذا أخطأه فهو أهون عليه من أن
стр. 3335
يكون على حكم الله تعالى.
١٥ - هذه هي آداب الحروب الإسلامية، والجهاد في سبيل الله: التقوى، والاعتماد على الله تعالى، والدعوة إلى الخير، والدخول في دين الله تعالى، فإذا دخل الإنسان في الإسلام، فليس هو مستعمرًا، ولا مسترقًّا، ولا مضطهدًا، وإنما هو مسلمٌ له ما للمسلمين، وعليه ما عليهم.
فإن لم يجيبوا إلى الإسلام، فلهم الحرية في البقاء على دينهم، على أن يؤدوا جزيةً، هي لحقن دمائهم، والحفاظ عليهم من عدوهم، ورعاية مصالحهم.
فإن أبوا عن هذا، وأصروا على الوقوف في وجه الدعوة، فلم يدعوها تبلغ المستعدين لقبولها، فالمسلمون مضطرون لقتالهم؛ لتصل دعوة الله، ودينه حيث أراد الله تعالى، فإذا قام قتال المسلمين مع عدوهم، فإنَّه قتال رحمة، فكل من لا علاقة له بالقتال لا يقتل، فلا يقتل شيخ كبير، ولا راهب في معبده، ولا صبي، ولا امرأة، وإنما يوجه القتال إلى المقاتلين المعاندين، الصادين دين الله تعالى، ثم إنَّ هذا القتال ليس قتال ثأر وانتقام، يحصل به تمثيل، وتشويه للقتلى، فلا تمثِّلوا.
وإذا أُبرم عهد مع العدو، فليحافظ على الوفاء به، والتزام شروطه وبنوده، وليُعقد على ذمة القائد، ولاَ يُعقد على ذمة الله تعالى وذمة رسوله؛ خشية أن يحصل غدر، فتنسب الخيانة، والغدر إلى عهد الله جلَّ وعلا، وإلى رسوله، وهما مبرآن من ذلك.
وكذلك إذا أريد نزول العدو على الحكم، فلا ينزلون إلاَّ على حكم منسوب إلى اجتهاد القائد، لا إلى حكم الله تعالى؛ لئلا تخطئوا في الحكم، فيكون الخطأ منسوبًا إلى أحكام الله، فإنَّ القائد باجتهاده لا يدري هل يقع على الحق نفس الأمر، وهو حكم الله ومراده، أم لا؟.
стр. 3336
١٦ - قال الأستاذ سيد قطب: إنَّ الإسلام يستبعد الحروب التي تثيرها المطامع والمنافع، وحروب الاستعمار والاستغلال، والبحث عن الأسواق والخامات، واسترقاق المرافق والرجال، كما يستبعد أيضًا الحروب التي تثيرها حب الأمجاد الزائفة، والمغانم الشخصية، فلا مكان لهذه الحروب، وهو يأمر بالتعاون على البر والتقوى، لا على الإثم والعدوان.
***
стр. 3337
١١٠٤ - وَعَنْ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ ﵁: "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا ارَادَ غَزْوَةٍ، وَرَّى بِغَيْرِهَا". مُتَّفَقٌ علَيْهِ (١).
ــ
* مفردات الحديث:
- وَرَّى بغيرها: -بفتح الواو، وتشديد الراء، آخره ألف مقصورة أي: أخفاها، وسترها، وكنَّى عنها، وأظهر غيرها، ويفسره معنى الزيادة التي وردت في أبي داود "ويقول: الحرب خدعة".
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - هذا الحديث الشريف يبين جانبًا من جوانب قيادة النبي ﷺ العسكرية، وتدابيره الحربية.
٢ - فهو إذا أراد غزو بلدة، أو قبيلة في الشمال، أظهر أنَّه يريد وجهة الجنوب مثلاً، فصار يسأل جهرة عن تلك الطريق، ومواردها، وطرقها، والقبائل التي في طريقه إليها؛ ليوهم أنَّه يقصد تلك الطريق.
٣ - الغرض من هذا: أن يفاجأ عدوه على غرة وغفلة، قبل أن يُنذَر، ويعلم عن قصده إليه فيستعد، وإنما يريد أن يصل إليه، بدون استعداد منه.
٤ - ففي هذه المفاجأة فائدتان:
الأولى: أنَّ خسائر الأرواح تقل بين الطرفين في هذه المفاجأة، فإنَّه إذا لم يحصل صدام بين جيشين متكافئين، خفَّت الخسارة، وحربه ﷺ حرب رحمة وإحسان، فإنَّه يكفيه من عدوه الإذعان والاستسلام؛ لتحل الرحمة محل القسوة، ويكون الإحسان إلى الأسرى مكان الانتقام.
стр. 3338
الثانية: أنَّ في هذا توفيرًا لطاقة جيش المسلمين من رجال وعتاد، وهذا التوفير سيكون ذخيرة لمعركة لا تجدي فيها الخدعة، والمسير أمام الجيش المسلم طويل.
٥ - ففي الحديث دليل على جواز مثل هذا، وقد قال ﷺ : "الحرب خدعة"، ولكنه خداع ليس معه غدر، ونقض عهود.
٦ - تقدم أنَّه ﷺ لم يهجم على عدوه، إلاَّ بعد دعوته إلى الإسلام، والإعذار إليه.
***
стр. 3339
١١٠٥ - وَعَنْ مَعْقِلٍ؛ أَنَّ النُّعْمَانَ بْنَ مُقَرِّنٍ ﵁ قَالَ: "شَهِدْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ إِذَا لَمْ يُقَاتِلْ أَوَّلَ النَّهَارِ، أَخَّرَ القِتَالَ حَتَى تَزُولَ الشَّمْسُ، وَتَهُبَّ الرِّيَاحُ، وَيَنْزِلَ النَّصْرُ". رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالثَّلاَثَةُ، وَصَحَّحَهُ الحَاكِمُ، وَأَصْلُهُ فِي البُخَارِيِّ (١).
ــ
* درجة الحديث:
الحديث حسن. فقد صحَّحه الترمذي، والحاكم، وقال: إنَّه على شرطهما، وأصله في البخاري.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - معقل بن يسار المزني: ألحقناه تصحيحًا من "الأطراف" للمزي، وإلاَّ فقد اختلفت نسخ "بلوغ المرام" في هذا، فقد جعل بعضهم "ابن" مكان "أنَّ"، فقال: وعن معقل بن النعمان، ولكن ما أثبتناه هو الصحيح إن شاء الله تعالى.
٢ - النعمان بن مقرن المزني من القواد الكبار، ومن الشجعان المشاهير، له مواقف عظيمة في حروب الإسلام ضد الفرس، وقد استشهد عند فتح مدينة "نهاوند"، بعد أن قرَّ الله عينه بفتحها.
٣ - كان ﵁ يقتدي بالنبي ﷺ في جهاده وغزواته، فكان قتاله أوَّل النَّهار، حينما تكون الأنفس، والأبدان نشيطة بعد راحة الليل، وحينما يكون الوقت باردًا، وحينما تكون البركة التي قال عنها المصطفى ﷺ : "بورك
стр. 3340
لأمتي في بكورها".
٤ - إذا فات وقت الصباح، ولم يحصل إنشاب القتال فيه، فإنَّه لا يقاتل في وسط النهار حين خمود الأذهان، وخمول الأبدان، وارتفاع الشمس، وإنما يؤخره حتى تزول الشمس، ويبرد الجو، وتهب الرياح التي يرسلها الله تعالى عادة بنصر عباده المؤمنين، كما قال تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا﴾ [الأحزاب: ٩].
وكما قال ﷺ : "نُصِرتُ بِالصبا، وأُهلِكت عاد بالدبور".
فكان يتوخى هذا الوقت حين برودة الجو، وهبوب الرياح المسائية.
٥ - وكل هذا ما لم يباغتهم العدو، أو يفاجئهم بغارة غير منتظرة، فحينئذٍ يجب ردها، وصدُّها، ولا يؤخذ ذلك لأي وقت من الأوقات.
٦ - وهذه خطة حميدة جيدة من خطط القتال، وحكمة رشيدة في استغلال الأوقات الصالحة، والحالات المناسبة التي تزيد الجيش المحارِب قوَّة مادية، ومعنوية في وجه عدوه.
٧ - فيه حسن قيادة النبي ﷺ وحكمته في تدبير أمر القتال، فهؤلاء كبار القواد يجعلونه أسوة لهم في خططه الحربية، وتصرفاته القيادية، فصلوات الله وسلامه عليه.
٨ - في الحديث اتخاذ الأسباب النافعة، والتدابير المفيدة، مع الاستعانة بالله تعالى، والاتكال عليه، ورجاء نصره وعونه؛ لتجتمع القوَّة المادية والمعنوية.
***
стр. 3341
١١٠٦ - وَعَنِ الصَّعْبِ بْنِ جَثَّامَةَ ﵁ قَالَ: "سُئِلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عنْ أَهْلِ الدَّارِ مِنَ المُشْرِكينَ يُبيَتُّونَ، فَيُصِيبُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ وَذَرَارِيهِمْ، فَقَالَ: هُمْ مِنْهُمْ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١).
ــ
* مفردات الحديث:
- الصَّعب: بفتح الصاد المهملة، وسكون العين المهملة.
- جَثَّامَة: بفتح الجيم، والميم، وتشديد الثاء المثلثة، يقال: رجل جثامة، للنؤوم الذي يلازم، ولا يسافر.
- الذراري: جمع: "ذرية"؛ وهم نسل الإنسان.
- يبيَّتون: مبني للمجهول بصيغة المضارع، من بيَتَّه والتبييت: الإغارة عليهم في الليل على غفلة، مع اختلاطهم بذراريهم ونسائهم، فيصاب النساء والذرية، بغير قصد لقتلهم ابتداء.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - النَّبي ﷺ في غالب حروبه لا يهجم على عدوِّه إلاَّ نهارًا، حينما ينحاز الرجال المقاتلين عن النساء، والصبيان، والمسنين؛ لأنَّ حروبه ﷺ لا تقصد الإفساد، وإنما تهدف إلى الإصلاح، ولذا نهى عن قتل غير المقاتلين، فقال: "ولا تقتلوا وليدًا" [رواه مسلم]، و"نهى عن قتل النساء والصبيان" [متَّفقٌ عليه].
ورأى امرأة مقتولة فقال: "ما كانت هذه لتقاتل" [رواه أحمد، وأبو داود]. وقال: "لا تغدروا، ولا تغُلَّوا، ولا تقتلوا الولدان، ولا أصحاب
стр. 3342
الصوامع" [رواه أحمد] وغير ذلك من النصوص.
٢ - إلاَّ أنَّ الخطة الحربية قد تلجئه إلى تبييت عدوه، والقتل الجماعي، الذي قد يصيب النساء، والذرية من غير قصد.
وإنما هذا من باب إعمال القاعدة الشرعية: "إذا تزاحمت المفاسد، ولابد منها، ارتكب أخفها".
فقتل بعض الأطفال، والنساء، الذين لا يمكن أن ينحازوا عن المقاتِلِين، يسوغ في سبيل إضعاف العدو، وكسر شوكته والنكاية به، وصد كَلبه، وشراسته عن المسلمين، لاسيَّما وقد حكم عليهم بالكفر.
٣ - قال في "الإقناع وشرحه": "ويجوز تبييت الكفار، وقتلهم وهم غارون، ولو قتل في التبييت من لا يجوز قتله، من امرأة: وصبي، ومجنون، وشيخ فانٍ، إذا لم يُقصدوا".
٤ - قال ﷺ مبررًا قتل النساء، والصبيان في مثل هذه الحال: "هم منهم" في إباحة القتل، تبعًا لا قصدًا، إذا لم يمكن انفصالهم عمن يستحق القتل.
٥ - جواز قتل النساء من الكفار، وصبيانهم، ونحوهم، إذا تترس بهم المقاتلون منهم، وهو مذهب جمهور العلماء، ومنهم الأئمة الثلاثة: أبو حنيفة، والشافعي، وأحمد، عملاً بهذا الحديث.
وذهب الإمام مالك، والأوزاعي إلى: أنَّه لا يجوز قتل النساء، والصبيان، ونحوهم بحال، حتى لو تترس أهل الحرب، أو تحصنوا بهم، لم يجز قتالهم، ولا تحريقهم.
***
стр. 3343
١١٠٧ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂: "أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِرَجُلٍ تَبِعَهُ فِي يَوْمِ بَدْرٍ: ارْجِعْ، فَلَنْ أَسْتَعِينَ بِمُشْرِكٍ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١).
ــ
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - الحديث يدل على أنَّه لا يجوز الاستعانة بالمشركين في القتال.
والحكمة في هذا ظاهرة؛ ذلك أنَّ الكافر لا يقاتل عن إيمان، ولا عن عقيدة، فلا يؤمن مَكْره، ولا يطمئن إلى حسن نيته، وطويته.
٢ - ويجوز -عند الحاجة، وترجُّح كفة الأمان منه- الاستعانة به؛ فإنَّه ﷺ استعان بصفوان بن أمية يوم حنين.
٣ - وكذلك استعان ﷺ بقبيلة خزاعة؛ لأنَّهم كانوا في زمن الجاهلية نصحةً للنبي ﷺ ، ولجده عبد المطلب، فإذا وجدت الحاجة، وأمنت الخيانة، جازت الاستعانة بهم، جمعًا بين الأدلة، وهذا مذهب أبي حنيفة.
٤ - أما الأئمة الثلاثة: فذهبوا إلى أنَّه لا يجوز، واختاره الشيخ تقي الدين؛ لهذا الحديث، ولأنَّ الكافر لا يؤمن مكْره، وغدره.
٥ - أما شراء الأسلحة منهم، وتبادل الخبرات العسكرية، ونحو ذلك من الفنون الحربية، فلا ينبغي أن تكون موضع خلاف بين العلماء؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ استعار من صفوان بن أمية أدراعًا، وهو كافر، وجعل فداء الأسرى يوم بدر تعليم أبناء المسلمين الكتابة، والقراءة.
стр. 3344
* قرارات وتوصيات المؤتمر الإسلامي العالمي لمناقشة الأوضاع الحاضرة في الخليج:
المنعقد بمكة المكرمة في الفترة من ٢١ - ٢٣/ ٢/ ١٤١١ هـ:
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمَّد، أفضل المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:
فنظرًا للأحداث الجديدة التي نزلت بمنطقة الخليج، من اجتياح القوات العراقية للكويت، وتهديدها المملكة العربية السعوية، ودول الخليج الأخرى، وما تبعه من الاستعانة بالقوات العربية، والإسلامية، والأجنبية، لمساندة قواتها.
فقد دعت رابطة العالم الإسلامي إلى مؤتمر إسلامي عالمي، ضم علماء المسلمين، ومفكريهم من أنحاء العالم؛ حيث انعقد في الفترة من ٢١ - ٢٣ صفر ١٤١١ هـ، الموافق ١٠ - ١٢ سبتمبر ١٩٩٠ م.
وقد تداول أعضاء المؤتمر الأحداث الخطيرة؛ انطلاقًا من واجبهم الديني، ومسؤوليتهم الإنسانية، والتاريخية.
وبعد مداولات استغرقت ثلائة أيام، أصدر المؤتمر القرارات، والتوصيات التالية:
[ومما جاء فيه هذا القرار، وهو مناسب لشرح هذا الحديث]:
خامسًا: فيما يتعلَّق بالاستعانة بالقوات الأجنبية، فإنَّ المؤتمر بعد الاطلاع على بحوث العلماء يقرر أنَّ ما حدَث من استعانة المملكة بقوات أجنبية؛ لمساندة قواتها في الدفاع عن النفس، إنما اقتضته الضرورة الشرعية، والشريعة الإسلامية تجيز ذلك بشروط الضرورة المقررة شرعًا.
ومتى زالت أسباب وجود هذه القوات، من انسحاب العراق من الكويت، وعدم تهديد المملكة، ودول الخليج -فإنَّه على هذه القوات مغادرة المنطقة.
стр. 3345
١١٠٨ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄: "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأَى امْرَأةً مَقْتُولَةً فِي بَعْضِ مَغَازِيهِ، فَأَنْكَرَ قَتْلَ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ". مُتَّفَقٌ علَيْهِ (١).
١١٠٩ - وَعَنْ سَمُرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "اقْتُلُوا شُيُوخ المُشْرِكِينَ , وَاسْتَبْقُوا شَرْخَهُمْ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ, وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذيُّ (٢).
ــ
* درجة الحديث:
الحديث حسن.
فقد صحَّحه الترمذي، وابن حبان، وهو من رواية الحسن عن سمرة، التي اختلف العلماء في صحتها، ولكنها رواية مقبولة عند العلماء.
قال في "التلخيص": رواه أحمد، والترمذي من حديث الحسن عن سمرة.
قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب.
* مفردات الحديث:
- شُيوخ المشركين: الشيخ: من استبانت فيه السن، والمراد هنا: الرجال المسنون، أهل الجَلد، والقوة على القتال، ولم يرد: الهَرْمى.
- شَرْخَهُمْ: -بفتح الشين المعجمة، وسكون الراء، ثم خاء معجمة- والمراد بهم: الصغار، الذين لم يدركوا، قاله في "النهاية".
стр. 3346
* ما يؤخذ من الحديثين:
١ - تقدم أنَّ النبيَّ ﷺ نهى عن قتل النساء، والشيوخ الكبار، والذرية، وأصحاب الصوامع، ونحوهم ممن لا شأن له في القتال، قال الإمام أحمد: الشيخ لا يكاد يسلم، والنساء أقرب إلى الإسلام.
٢ - هذان الحديثان يؤكدان هذا المعنى في النَّهي عن قتل النساء، والشيوخ المسنين، ما لم يكن لهم في الحرب عون، بفعلٍ، أو رأيٍ، فيقتلون كما يأتي بيانه.
٣ - ذلك أنَّ حروب الإسلام ليست حروبًا عدوانية، وليست حروب إفساد، وإنما هي حروب رحمةٍ، وشفقةٍ، ودعوة إلى الخير.
قال الماوردي في "الأحكام السلطانية": "ولا يجوز قتل النساء والولدان في حرب، ولا غيرها، لأنَّ النَّبيَّ ﷺ نهى عن قتلهم، كما نهى عن قتل الضعفاء، وعلى القائد أن يأخذ جيشه بما أوجبه الله بالتزام أحكامه".
٤ - فمِن نهْج الإسلام، ما قاله أبو بكر الصديق، يوصي قوَّاده: أوصيكم بعشر، فاحفظوها عني.
"لا تخونوا، ولا تغُلُّوا، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا طفلاً صغيرًا، ولا شيخًا كبيرًا، ولا امرأةً، ولا تقطعوا نخلاً، ولا تحرقوه، ولا تقطعوا شجرًا مثمرًا، ولا تذبحوا شاةً، ولا بقرةً، ولا بعيرًا، إلاَّ لمن أراد أكله، وستمرون بأقوام أهل صوامع، فدعُوهم وما فرَّغوا أنفسهم له".
٥ - فالحكم هو تحريم قتل النساء، والصبيان، والمسنين، وأصحاب الصوامع، والمعابد، ونحوهم ممن ليس لهم شأن في القتال، فإن كان لهم يد في الحرب، فيقتلون.
ومن تلجِىء الضرورة إلى قتلهم، كأن يتترسوا بهم، أو تقتضي الحرب بياتهم، أو ترمى حصونهم بما يعمّ قتلهم، كالمدافع، وغير ذلك، فحينئذٍ
стр. 3347
ضرورة القتال تبيح ذلك، فإن الكفّ عنهم حينئذٍ يفضي إلى تعطيل الجهاد.
قال في "شرح الإقناع": وحرِّم قتل صبيٍّ، وامرأةٍ، وراهبٍ، وشيخٍ فانٍ، وزَمِنٍ، وأعمًى، وعبدٍ، وفلاحٍ، لا رأى لهم، فمن كان من هؤلاء ذا رأي، جاز قتله؛ لأنَّ دريد بن الصمة قتل يوم حنين، وهو شيخ لا قتال فيه؛ لأجل استعانتهم برأيه، فلم ينكر ﷺ قتله، إلاَّ أن يقاتلوا، فيجوز قتلهم بغير خلاف؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ قتل يوم قريظة امرأة، ألقت رحى على محمود بن سلمة، فقتلته، أو يحرضوا على القتال.
***
стр. 3348
١١١٠ - وَعنْ عَلِىٍّ ﵁: "أَنَّهُمْ تَبَارَزُوا يوْمَ بَدْرٍ". رَوَاهُ البُخَارِيُّ، وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ مُطَوَّلاً (١).
ــ
* مفردات الحديث:
- تبارزوا: يقال: بارزه مبارزةً وبرازًا: برز إليه، ونازله بين الصفين.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - لما اصطف المسلمون يوم بدر، واصطف أمامهم المشركون، تهيُّئًا للقتال، برز من صفوف المشركين عتبة بن ربيعة، وأخوه شيبة، والوليد بن عتبة، فخرج إليهم من جيش المسلمين: عُبَيدة بن الحارث بن المطلب بن عبد مناف، وحمزة بن عبد المطلب، وعلي بن أبي طالب، فبارز عبيدة عتبة، وبارز حمزة شيبة، وبارز عليُّ الوليد، فأما حمزة وعلي: فقتلا قرينيهما، وأما عبيدة وقرينه: فاختلفا ضربتين، كل منهما أثبت صاحبه، ثم كر حمزة وعلي على عتبة، فأجهزا عليه، وحملا صاحبهما الجريح، فمات من جرحه شهيدًا، ﵁ وعن صاحبيه.
٢ - فالحديث يدل على جواز المبارزة لمن علم في نفسه الكفاءة، وأما من ليس كفأً فلا يبارز؛ لئلا يعرض نفسه للقتل بحالة لم يتَّخذ لها الحيطة والحذر، ولئلا يَفُتَّ في عضد جيش المسلمين، ويكسر قلوبهم.
٣ - قال في "شرح الإقناع": وإن دعا كافر إلى البراز، استُحب لمن يعلم من نفسه القوَّة، والشجاعة مبارزته بإذن الأمير؛ لأنَّ في الإجابة إظهارًا لقوَّة المسلمين، وجلَدِهم على الحرب.
стр. 3349
٤ - وقال أيضًا: ويباح للرجل المسلم الشجاع طلب المبارزة ابتداءً، ولا يستحب له ذلك؛ لأنَّه لا يأمن أن يُقْتل، فتنكسر قلوب المسلمين.
***
стр. 3350
١١١١ - وَعَنْ أَبِي أَيُّوبَ ﵁ قَالَ: "إِنَّمَا أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِينَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ، يَعْنِي: قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾؛ قَالَهُ رَدًّا عَلَى مَنْ أنْكَرَ عَلَى مَنْ حَمَلَ عَلَى صَفِّ الرُّومِ حَتَّى دَخَلَ فِيهِمْ". رَوَاه الثَّلاَثَةُ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ حِبَّانَ، وَالحَاكِم (١).
ــ
* درجة الحديث
الحديث صحيح.
قال ابن كثير في "تفسيره": رواه أبو داود، والترمذي، والنسائي، وعبد ابن حميد، وابن أبي حاتم، وابن جرير، وابن مردويه، وأبو يعلى، وابن حبان في "صحيحه"، والحاكم في "مستدركه".
قال الترمذي: حسن صحيح غريب، وقال الحاكم: على شرط الشيخين، ووافقه الذَّهبي على تصحيحه.
* مفردات الحديث:
- معْشَر الأنصار: منصوب على الاختصاص، والمعشر: الجماعة، والجمع: معاشر.
- لا تُلْقُوا بأيديكم: كناية عن الأنفس.
- التَّهلُكَة: مصدر: هلك يهلك هلكًا وهلاكًا وتهلكة، وهو الموت، وكل شيء يكون سببًا إليه.
- الروم: جيل من الناس صار لهم دولة، وحضارة، وقوَّة قبل الإسلام.
стр. 3351
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - روى أبو داود، والترمذي، والنسائي، وغيرهم من حديث أبي أيوب الأنصاري أنَّه كان على القسطنطينية، فحمل رجل على عسكر العدو، فقال قوم: ألقى بيده إلى التَّهلكة، فقال أبو أيوب: لا، إنَّ هذه الآية نزلت في الأنصار، حين أرادوا أن يتركوا الجهاد، ويعمروا أموالهم.
وأما هذا، فهو الذي قال الله فيه: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٠٧].
٢ - الحديث دليل على جواز المبارزة لمن عرف في نفسه البلاء في الحروب، والشدة، والشجاعة؛ فإنَّ انتصاره على خصمه يقوي عزائم المسلمين، ويشحذ هممهم، بينما يفُت في عضد عدوهم.
٣ - تقدم أنَّ المبارزة لا تكون إلاَّ بإذن الأمير، ولا يأذن إلاَّ حينما تنتفي المفاسد والأخطار، وهو صاحب تدبير الحرب، فطاعته بالمعروف واجبة، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ﴾ [النور: ٦٢].
وقد جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن يطع الأمير فقد أطاعني، ومن يعص الأمير فقد عصاني".
٤ - قال الحافظ: ذهب جمهور العلماء إلى أنَّه يجوز للرجل الشجاع أن يحمل على الكثير من العدو، إذا كان له قصد حسن، كأن يرهب العدو، أو يجرىء المسلمين على الإقدام، أو نحو ذلك من المقاصد الصحيحة، أما إذا كانت حملته مجرد تهور فلا يجوز، لاسيَّما إذا ترتَّب على ذلك وهن المسلمين، وكسر قلوبهم.
***
стр. 3352
١١١٢ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: "حَرَّقَ رَسُولُ اللهِ ﷺ نَخْلَ بنَي النَّضِيرِ، وَقَطَعَ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١).
ــ
* مفردات الحديث:
- حرَّق: حرقت النار الشيء: أهلكته.
- بني النضير: قبيلة من اليهود كانت تسكن المدينة، وكان بينهم وبين المسلمين عهود، فغدروا، ونقضوا عهدهم، فحاصرهم النبي ﷺ ست ليال، ثم صالحهم على أن يرحلوا من بلادهم، فرحلوا.
- قطع: يقال: قطع لشيء، فصل بعضه عن بعض، وأبانه.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - بنو النضير إحدى قبائل اليهود المقيمين قرب المدينة، وقد أبرم النبي ﷺ والمسلمون معهم عهدًا، يأمن به كل من الآخر، ولكنهم لم يَفُوا بهذا العهد؛ حسدًا وبغيًا، وأرادوا قتل النبي ﷺ بقصة مشهورة في السيرة، فانتقض عهدهم، فكان من الحزم ألا يبقوا مصدر خطر على الإسلام وأهله، فحاصرهم النبي ﷺ ستة أيَّام، فقطع الصحابة أثناء الحصار بعض نخيلهم، وحرَّقوها؛ نكاية بهم، وجزاء لغدرهم، فشكَّ الصحابة في جواز هذا العمل، فأنزل الله تعالى قوله: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ (٥)﴾ [الحشر].
٢ - اصطلحوا مع المسلمين: بأنَّهم يجلون من بلادهم، على أنَّ لهم ما حملته ظهور إبلهم إلاَّ السلاح، فحملوها، وجلوا عن ديارهم، وصارت بلادهم،
стр. 3353
وما خلفوا من أموالهم فيئًا، لم يقسم بين المجاهدين؛ لأنَّه لم يحصل بالقتال.
قال تعالى: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ﴾ [الحشر: ٦]، ثم ذكر تعالى مصرف الفيء بقوله: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [الحشر: ٧].
٣ - الحديث يدل على جواز قطع النخل، وحرقها، وهدم الحصون، ونحو ذلك، إذا كان هذا يحقق مصلحة للمسلمين، ويحصل به نكاية للعدو، كما حصل في حصار بني النضير.
٤ - الفيء: هو ما أخذ من مال الكفار -ممن ليس لهم عهد- بحق من غير قتال، سمي: فيئًا، لأنَّه فاء؛ أي: رجع من الكفار، الذين هم غير مستحقين له إلى المسلمين، الذين لهم الحق الأوفر فيه.
٥ - ويدل الحديث على أنَّ التدمير إذا كان وسيلة إلى مصلحة أعظم من مفسدته فهو جائز، أما قاعدة: "درء المفاسد مقدم على جلب المصالح"، فإنَّه إذا كانت إفسادًا محضًا، أو كانت المفسدة أرجح من المصلحة.
***
стр. 3354
١١١٣ - وَعَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لاَ تَغُلُّوا، فَإِنَّ الغُلُولَ نَارٌ، وَعَارٌ عَلَى أَصْحَابهِ فِي الدُّنْيَا، وَالآخِرَةِ". رَوَاه أَحْمَدُ، وَالنَّسَائِيُّ، وَصَحَّحه ابْنُ حِبَّانَ (١).
ــ
* درجة الحديث:
الحديث حسن، صحَّحه ابن حبان.
رواه الإمام أحمد، والنسائي، وابن حبان، وله ما يؤيده مما جاء في صحيح البخاري من حديث أبي هريرة ﵁ قال: " قام فينا رسول الله ﷺ ، وذكر الغلول، وعظم أمره ... " إلخ الحديث.
قال الهيثمي: في هذا الحديث أم حبيبة بنت العرباض، لم أجد من وثَّقها، ولا من جرحها، وبقية رجاله ثقات.
* مفردات الحديث:
- الغُلول: بضم الغين، مصدر: غلَّ غلولاً، من باب قعد، وهو الخيانة في الغنيمة، وغيرها.
- عار: يعني: عيب، وفضيحة على صاحبها.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - الغلول: هو الخيانة في الغنيمة، وهو من كبائر الذنوب؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران: ١٦١].
وذلك بإجماع العلماء؛ لما يجمعه من المفاسد، فهو سفه وخيانة، وهو ظلم لعموم المجاهدين، وأصحاب الخمس.
стр. 3355
وهو يدل على أنَّ صاحبه لم يقصد بغزوه الجهاد في سبيل الله، فتكون كلمة الله هي العليا، وإنما أراد المَغْنَم، وإنَّما الأعمال بالنيات.
٢ - الغلول عار؛ لأنَّه عيب، وفضيحة أمام المسلمين، وقادتهم، وهو نار؛ لأنَّه عذاب في الآخرة.
روى أصحاب السنن، وأحمد من حديث زيد بن خالد الجهني: "أنَّ رجلاً توفي من المسلمين بخيبر، فقال ﷺ : صلوا على صاحبكم، فتغيَّرت وجوه القوم لذلك، فلما رأى الذي بهم، قال: إنَّ صاحبكم غلَّ في سبيل الله، ففتَّشوا متاعه، فوجدوا خرزًا لليهود ما يساوي درهمين".
٣ - الأخذ من أموال الدولة، وبيت مال المسلمين بغير حق حكمه حكم الغلول، فمن ولي على عمل من أموال الدولة، فأخذ منه شيئًا بطرق غير مشروعة -فهو غال.
٤ - قال شارح "البلوغ": العار: الفضيحة في الدنيا، إذا ظهر افتضح به صاحبه، وأما في الآخرة: فلعلَّ العار يبيِّنه ما في الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قام رسول الله ﷺ ، وذكر الغلول، وعظم أمره، فقال: "لا ألفين أحدكم يوم القيامة على رقبته شاة لها ثغاء، أو على رقبته فرس له حمحمة، يقول: يا رسول الله، أغثني، فأقول: لا أملك من الله شيئًا، قد أبلغتك" فلعلَّ هذا هو العار في الآخرة.
٥ - يؤخذ من هذا الحديث: أنَّ هذا ذنب لا يغتفر بالشفاعة؛ لقوله ﷺ : "لا أملك لك من الله شيئًا"، ويحتمل أنَّه أورده مورد التغليظ والتشديد".
والغلول عام لكل ما فيه حق العباد.
قال ابن المنذر: أجمعوا على أنَّ الغال يعيد ما غلَّ قبل القسمة.
***
стр. 3356
١١١٤ - وَعَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ ﵁: "أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَضَى بِالسَّلَبِ لِلْقَاتِلِ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَأَصْلُهُ عِنْدَ مُسْلِمٍ (١).
ــ
* درجة الحديث:
الحديث صحيح.
ذلك أنَّه ثابت في "صحيح مسلم" في حديث طويل بإسنادٍ صحيح ثابت، ليس فيه إلاَّ إسماعيل بن عياش، ولكن بروايته عن الشاميين، وهي عنهم ثابتة مقبولة.
* مفردات الحديث:
- السلب: بفتحتين، قال العيني: هو ما يأخذه أحد القرينين من قرنه، مما يكون عليه، ومعه، من سلاح، وثياب، ومركوب، وغيرها.
...
стр. 3357
١١١٥ - وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ﵁ "فِي قِصَّةِ قَتْلِ أَبِي جَهْلٍ، قَالَ: فَابْتَدَرَاهُ بِسَيْفَيْهمَا حَتَّى قَتَلاَهُ، ثُمَّ انصْرَفَا إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَأَخْبرَاهُ، فَقَالَ: أَيُّكُمَا قَتَلَهُ؟ هَلْ مَسَحْتُمَا سَيْفَيْكُمَا؟ قَالاَ: لاَ، قَالَ: فَنَظَرَ فِيهِمَا، فَقَالَ: كلاَكُمَا قَتَلَهُ، فَقَضَى ﷺ بسَلَبِهِ لِمُعَاذِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الجَمُوحِ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١).
ــ
* مفردات الحديث:
- ابتدرَاهُ: يقال: بدره يبدره بدرًا: أسرع إليه، وعاجله.
* ما يؤخذ من الحديثين:
١ - السَّلَب: هو ما على الكافر القتيل: من لباس، وحلي، ومِنطقة، ودرعٍ، ومِغفر، وبيضة، وتاج، وخُف، وسلاح: من سيف وبندق، وفرد، ورصاص، وحزام، ولو مذهبًا، وسيارته، أو دبابته، أو طيارته، التي يقاتل عليها، نحو ذلك من أنوع اللباس، والسلاح، والمراكب، التي معه حين قتله، قلَّ ذلك، أو أكثر، فكله يسمى: سلَبًا.
٢ - السَّلَب المذكور كله لمن قتل الكافر مبارزة، أو حال انتشاب الحرب، وذلك إذا كان قتل المسلم الكافر حال الحرب لا قبلها، ولا بعدها.
٣ - إعطاء السلب لقاتل الكافر من باب المكافأة، والمجازاة على إقدامه، وفعله الطيب، وتشجيعًا وتقديرًا لبطولته، وبلائه في سبيل الله تعالى.
٤ - يثبت استحقاق السلب بالبينة، ومن البينات أثر القتل في السلاح، إذا كان القتال مما يسمى بالسلاح الأبيض، أو بنوع الرصاص، ونحو ذلك.
стр. 3358
فإنَّ النَّبيَّ ﷺ لما رأى ضربة معاذ بن عمرو بن الجموح، هي المؤثرة في قتل أبي جهل؛ لعمقها، أعطاه السلب، وطيَّب قلب ابن عفراء بقوله: "كلاكما قتله"، وإلاَّ فالضربة القاتلة لمعاذ بن عمرو.
٥ - وكذا يستحقه لو ثبت قتله بشهادة؛ لما في الصحيحين من حديث أبي قتادة قال: رأيتُ رجلاً من المشركين قد علا رجلاً من المسلمين، فضربته على حبل عاتقه، فأدركه الموت، فقال رسول الله ﷺ : "من قتل قتيلاً له عليه بينته، فله سلبه"، فقلتُ: من يشهد لي؟ فقال رجل من القوم: صدق يا رسول الله! سَلبُ ذلك القتيل له، فأرضه عن حقه، فقال ﷺ : "أعطه إيَّاه فأعطاني".
٦ - قال في "شرح الإقناع": ولا تقبل دعوى القتل لأخذ السلب إلاَّ بشاهدين رجلين؛ لأن الشارع اعتبر البينة، وإطلاقها ينصرف إلى شاهدين، وسيأتي في أقسام المشهود أنَّه يقبل رجل وامرأتان، ورجل ويمين، كسائر الأموال.
٧ - وقال أيضًا: وإن قتله اثنان فأكثر، فسلبه غنيمة؛ لأنَّه ﷺ لم يشرك بين اثنين في سلب، ولأنَّه إنما يستحق بالتفرد في قتله، ولا يحصله بالاشتراك.
٨ - صفة مقتل أبي جهل هو أنَّ شابين من الأنصار، هما: معاذ بن عمرو بن الجموح، ومعوذ بن عفراء، أخذا يتعرفان أبا جهل يوم بدر، ليقتلاه، فلما بصرا به، انطلقا إليه، فضربه معاذ، وبتر قدمه، فسقط يختبط في دمه، ثم ضربه معوذ، فأوجعه طعنًا، ثم انصرفا إلى رسول الله ﷺ فأخبراه، ثم نظر في سيفيهما، فقال: "كلاكما قتله" ولكنه قضى بالسلب لمعاذ.
وقال بعض العلماء: لأنَّ ضربته هي القاضية، ثم مرَّ بأبي جهل عبدُ الله بن مسعود، فوجده في آخر رمق، فاحتزَّ رأسه، وجاء به إلى النَّبي ﷺ ، فلما رآه قال: هذا فرعون هذه الأمة، وقضى بسيفه لابن مسعود، ﵁.
***
стр. 3359
١١١٦ - وَعَنْ مَكْحُولٍ: "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَصَبَ المَنْجَنِيقَ عَلَى أَهْلِ الطَّائِفِ" أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ فِي "المَرَاسِيلِ"، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ (١)، وَوَصَلَهُ العُقَيْلِيُّ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ عَنْ عَلِيٍّ، ﵁ (٢).
ــ
* درجة الحديث:
الحديث صحيح.
رجاله ثقات.
قال في "التلخيص": رواه أبو داود في المراسيل عن ثور عن مكحول: "أنَّ النَّبيَّ ﷺ نَصَبَ علَى أَهْلِ الطائف المنجنيق".
ورواه الترمذي معضلاً عن ثور، وروى أبو داود بسند صحيح عن الأوزاعي قال: قلتُ ليحيى بن أبي كثير، أبلغك أنَّ النَّبيَّ ﷺ رماهم بالمنجنيق، فأنكر ذلك، وقال: ما يعرف هذا.
وروى ابن أبي شيبة عن عبد الله بن سنان؛ أنَّه ﷺ حاصر أهل الطائف خمسة وعشرين يومًا.
وأما حديث علي: ففيه عبد الله بن خراش، وهو منكر الحديث.
* مفردات الحديث:
- نصب: يقال: نصب الشيء ينصبه نصبًا: رفعه ووجهه.
- المنجنيق: جمعه: مجانق، ومجانيق، ومنجنيقات.
وهو آلة للحرب تقذف بها الحجارة على الحصون، فتهدمها، رمى به النبي
стр. 3360
- ﷺ الطائف حين حصاره، والذي أشار به سلمان الفارسي، كما أشار بالخندق في غزوة الأحزاب.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - تقدم أنَّه عند الحاجة يجوز رمي الكفار بما يعم إتلاف ذريتهم، ونسائهم معهم، كأن يُبيَّتون وهم غارون، أو يتترس مقاتلتهم بأطفالهم، ونسائهم.
٢ - وفي هذا الحديث أنَّ النبيَّ ﷺ رمى أهل الطائف بالمنجنيق، ومثله بالجواز غيره من المدافع، والصواريخ وغيرها.
٣ - ومثل هذا الحديث تؤخذ القاعدة الشرعية: "ارتكاب أخف المفسدتين" فإنَّ قتل النساء، والأطفال ونحوهم مفسدة، وتعطيل الجهاد في سبيل الله مفسدة أكبر منه، فارتكبت الخفيفة منهما.
٤ - أما قصد من لا يقاتل: من النساء، والصبيان، والشيوخ، والمسنين، وأصحاب الصوامع، والأديرة، ونحوهم بالقتل -فلا يجوز، ما لم يكن لهم في الهيجاء غناء، أو منفعة برأي وتدبير، أو يكون منهم من ارتكب جريمة قتل، مثل ما أقرَّ النبي ﷺ قتل دريد بن الصمة يوم حنين؛ لأنَّه يدبر برأيه، وكما قُتلت المرأة القرظية؛ لأنَّها قتَلتْ أحد الصحابة.
***
стр. 3361
١١١٧ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁: "أنَّ النَّبِيَّ ﷺ دخَلَ مَكَّةَ وَعَلَى رَأسِهِ المِغْفَرُ، فَلَمَّا نَزَعَهُ، جَاءَهُ رَجُلٌ، فَقَالَ: ابْنُ خَطَلٍ مُتَعَلِّقٌ بِأَسْتَارِ الكَعْبَةِ! فَقَالَ: اقْتُلُوه". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١).
ــ
* مفردات الحديث:
- المِغْفَر: -بكسر الميم، وسكون الغين المعجمة، ففاء، بوزن "مِنْبَر"- نوع من الدروع، ينسج على قدر الرأس، يلبس تحت القلنسوة، للوقاية من السلاح.
- ابن خطل: بفتحتين اسمه: عبد الله بن خطل، أسلم ثم ارتد، ولحق بمشركي مكة، فكان له قينتان يأمرهما بالغناء بهجاء النبي ﷺ ، فلما كان يوم فتح مكة، قال ﷺ : "اقتلوه، ولو وجدتموه متعلقًا بأستار الكعبة، فقُتِل".
- أستار الكعبة: جمع "سترة"؛ أي: كسوتها.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - أنَّ مكة -شرَّفها الله- فتحت عنوة، لا صلحًا، كما هو الراجح من قولي العلماء.
٢ - مشروعية أخذ الأهبة، والحذر من الأعداء، بأخذ الحيطة من الاعتداء، والتحصن من العدو، ووقوع الشر.
٣ - أنَّ الاستعداد والحزم، والاحتياط من الشر لا ينافي التوكل على الله تعالى، فإنَّه أحد أسباب الوقاية المطلوبة عقلاً، وشرعًا.
٤ - جواز دخول مكة -شرَّفها الله- بدون إحرام، لمن لم يقصد حجًّا، ولا عمرة.
стр. 3362
٥ - إباحة القتال بمكة تلك الساعات التي أحلَّت فيها للنبي ﷺ ، ثم عادت حرمتها إلى يوم القيامة، فقد جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة قال: لما فتح الله تعالى على رسوله مكة، قام رسول الله ﷺ في الناس، فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال: "إنَّ الله حبس عن مكة الفيل، وسلَّط عليها رسوله والمؤمنين، وإنَّها لم تحل لأحد قبلي، وإنما أحلَّت لي ساعة من نهار، وإنَّها لن تحل لأحد بعدي".
٦ - أنَّ الحرم لا يعيذ جانيًا، فمن وجب عليه حد من حدود الله تعالى -سواء كان جلدًا، أو حبسًا، أو قتلاً- أقيم عليه الحد، ولو كان في الحرم، فإنَّ ابن اخطل المرتد قُتل، وهو متعلق بأستار الكعبة بأمر من النَّبي ﷺ .
٧ - تعظيم البيت الحرام عند الله تعالى، وعند رسوله ﷺ ، وفي صدور الناس، فالكافر تعلق بأستاره، والصحابة هابوا قتله في هذه الحال، والنبي ﷺ قال في وصيته عند دخول مكة: "اقتلوا ابن خطل، ولو وجدتموه متعلقًا بأستار الكعبة" فهذا منتهى الملجأ، ولكن لعلَّ الذين وجدوه، لم يسمعوا وصيته.
٨ - تقديم المصالح العامة على المصلحة الخاصة، فهنا قدم الجهاد على النسك؛ لأنَّ مصالح الجهاد أعم، وأنفع.
٩ - ابن خطل: اسمه: عبد الله بن خطل القرشي التيمي، أسلم فبعثه النبي ﷺ مصدقًا، وبعث معه رجلاً من الأنصار، فقَتل الأنصاريَّ، ثم ارتد مشركًا، وكان له قنينان، تغنيان بهجو النبى ﷺ والمسلمين، فأهدر ﷺ دمه، فقُتل وهو متعلق بأستار الكعبة، لعنه الله تعالى.
قال الخطابي: قَتْلُهُ بحق ما جناه في الإسلام، يدل على أنَّ الحرم لا يعصم من إقامة واجب.
* خلاف العلماء:
قال ابن القيم في "زاد المعاد": ذهب جمهور العلماء إلى أنَّ مكة فتحت
стр. 3363
عنوة، ولا يعرف في ذلك خلاف إلاَّ عند الشافعي، وأحمد في أحد قوليه.
قال أصحاب الصلح: لو فتحت عنوة لقسمها النبي ﷺ بين الغانمين، ولو فتحت عنوة، لملك المجاهدون رباعها، ودورها، وكانوا أحق بها من أهلها، ولجاز إخراجهم منها، فهذا منافٍ لأحكام فتح العنوة.
قال أصحاب العنوة: لو كان صالحهم، لم يكن لأمانه المقيد بدخول كل واحد داره، وإغلاق بابه، وإلقائه سلاحه فائدةٌ، ولم يقاتلهم خالد بن الوليد حتى قتَلَ منهم جماعة، ولم ينكر عليه.
ولو فتحها صلحًا، لم يقل: "إنَّ الله أحلها لي ساعة من نهار"، فإنَّها إذا فتحت صلحًا، كانت باقية على حرمتها، ولم تخرج بالصلح عن الحرمة.
ولو فتحت صلحًا، لم يعبىء جيشه: خيالتهم ورجالتهم، ميمنة وميسرة، ومعهم السلاح.
وقد قال ﷺ : "إنَّ الله حبس عن مكة الفيل، وسلَّط عليها رسوله والمؤمنين".
واختلفوا في جواز إقامة الحدود فيها:
فذهب الأئمة الثلاثة إلى: أنَّه يستوفى فيها الحدود، والقصاص؛ لعموم الأدلة، ولأنَّ حرمة النفس أعظم، والانتهاك بالقتل أشد، ولأنَّ الحد فيما دون النفس جار مجرى التأديب، فلا يمنع فيه.
وذهب أبو حنيفة إلى: أنَّه لا يستوفى فيها حدود القصاص؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ [آل عمران: ٩٧].
***
стр. 3364
١١١٨ - وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: "أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قتَلَ يَوْمَ بَدْرٍ ثَلاَثَةً صَبْرًا". أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ فِي "المَرَاسِيلِ"، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ (١).
ــ
* درجة الحديث:
الحديث مرسل. ورجاله ثقات.
قال في "التلخيص": في "المراسيل" لأبي داود عن سعيد بن جبير: "أنَّ رسول الله ﷺ قتل يوم بدر ثلاثة من قريش صبرًا: المطعم بن عدي، والنضر بن الحارث، وعقبة بن أبي معيط".
وفي قوله: "والمطعم" تحريف، والصواب "طعيمة بن عدي"، وكذا أخرجه ابن أبي شيبة، ووصله الطبراني بذكر ابن عباس، وقال الحافظ: رجاله ثقات، ولم أقف على إسناده، ورويت قصة مقتل هدؤلاء الثلاثة صبرًا عن عدة طرق، وهي قصة مشهورة؛ لكن لا تخلو طرقها من إرسال، أو انقطاع، أو ضعف.
أما الشيخ الألباني فيقول: وجملة القول "أني لم أجد لهذه القصة: -مقتل عقبة، والنضر- إسنادًا تقوم به الحجة، على شهرتها في كتب السيرة، وأما ما أخرجه أبو داود في عقبة خاصة، فيما رواه عمرو بن مرة عن إبراهيم قال: أراد الضحاك بن قيس أن يستعمل مسروقًا، فقال له عمَّار بن عقبة بن أبي معيط: أتستعمل رجلاً من بقايا قتلة عثمان؟ فقال مسروق: حدثنا عبد الله بن مسعود أنَّ النَّبيَّ ﷺ ، كلما أراد قتل أبيك قال: من للصبية؟ قال: النار".
قلت: وهذا إسناد جيد رجاله ثقات، فهم رجال الشيخين. اهـ.
стр. 3365
* مفردات الحديث:
- الثلاثة: النضر بن الحارث، وعقبة بن أبي معيط، وقيل: ثالثهم: طعيمة بن عدي بن نوفل بن عبد مناف، والحقيقة أنَّ طعيمة قتل في معركة بدر، وأنه لم يكن مع الأسرى.
- صبرًا: -بفتح الصاد، وسكون الباء الموحدة، آخره راء-: هو كل من قتل في غير معركة، ولا حرب، ولا خطأ، فإنَّه مقتول صبرًا.
***