← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13604

توضيح الأحكام من بلوغ المرام

عبد الله البسام

Полный текст (4 050 стр.). Показаны 3361–3400 · переход к 3366.

стр. 3361

١١١٧ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁: "أنَّ النَّبِيَّ ﷺ دخَلَ مَكَّةَ وَعَلَى رَأسِهِ المِغْفَرُ، فَلَمَّا نَزَعَهُ، جَاءَهُ رَجُلٌ، فَقَالَ: ابْنُ خَطَلٍ مُتَعَلِّقٌ بِأَسْتَارِ الكَعْبَةِ! فَقَالَ: اقْتُلُوه". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). ــ * مفردات الحديث: - المِغْفَر: -بكسر الميم، وسكون الغين المعجمة، ففاء، بوزن "مِنْبَر"- نوع من الدروع، ينسج على قدر الرأس، يلبس تحت القلنسوة، للوقاية من السلاح. - ابن خطل: بفتحتين اسمه: عبد الله بن خطل، أسلم ثم ارتد، ولحق بمشركي مكة، فكان له قينتان يأمرهما بالغناء بهجاء النبي ﷺ ، فلما كان يوم فتح مكة، قال ﷺ : "اقتلوه، ولو وجدتموه متعلقًا بأستار الكعبة، فقُتِل". - أستار الكعبة: جمع "سترة"؛ أي: كسوتها. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - أنَّ مكة -شرَّفها الله- فتحت عنوة، لا صلحًا، كما هو الراجح من قولي العلماء. ٢ - مشروعية أخذ الأهبة، والحذر من الأعداء، بأخذ الحيطة من الاعتداء، والتحصن من العدو، ووقوع الشر. ٣ - أنَّ الاستعداد والحزم، والاحتياط من الشر لا ينافي التوكل على الله تعالى، فإنَّه أحد أسباب الوقاية المطلوبة عقلاً، وشرعًا. ٤ - جواز دخول مكة -شرَّفها الله- بدون إحرام، لمن لم يقصد حجًّا، ولا عمرة.

стр. 3362

٥ - إباحة القتال بمكة تلك الساعات التي أحلَّت فيها للنبي ﷺ ، ثم عادت حرمتها إلى يوم القيامة، فقد جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة قال: لما فتح الله تعالى على رسوله مكة، قام رسول الله ﷺ في الناس، فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال: "إنَّ الله حبس عن مكة الفيل، وسلَّط عليها رسوله والمؤمنين، وإنَّها لم تحل لأحد قبلي، وإنما أحلَّت لي ساعة من نهار، وإنَّها لن تحل لأحد بعدي". ٦ - أنَّ الحرم لا يعيذ جانيًا، فمن وجب عليه حد من حدود الله تعالى -سواء كان جلدًا، أو حبسًا، أو قتلاً- أقيم عليه الحد، ولو كان في الحرم، فإنَّ ابن اخطل المرتد قُتل، وهو متعلق بأستار الكعبة بأمر من النَّبي ﷺ . ٧ - تعظيم البيت الحرام عند الله تعالى، وعند رسوله ﷺ ، وفي صدور الناس، فالكافر تعلق بأستاره، والصحابة هابوا قتله في هذه الحال، والنبي ﷺ قال في وصيته عند دخول مكة: "اقتلوا ابن خطل، ولو وجدتموه متعلقًا بأستار الكعبة" فهذا منتهى الملجأ، ولكن لعلَّ الذين وجدوه، لم يسمعوا وصيته. ٨ - تقديم المصالح العامة على المصلحة الخاصة، فهنا قدم الجهاد على النسك؛ لأنَّ مصالح الجهاد أعم، وأنفع. ٩ - ابن خطل: اسمه: عبد الله بن خطل القرشي التيمي، أسلم فبعثه النبي ﷺ مصدقًا، وبعث معه رجلاً من الأنصار، فقَتل الأنصاريَّ، ثم ارتد مشركًا، وكان له قنينان، تغنيان بهجو النبى ﷺ والمسلمين، فأهدر ﷺ دمه، فقُتل وهو متعلق بأستار الكعبة، لعنه الله تعالى. قال الخطابي: قَتْلُهُ بحق ما جناه في الإسلام، يدل على أنَّ الحرم لا يعصم من إقامة واجب. * خلاف العلماء: قال ابن القيم في "زاد المعاد": ذهب جمهور العلماء إلى أنَّ مكة فتحت

стр. 3363

عنوة، ولا يعرف في ذلك خلاف إلاَّ عند الشافعي، وأحمد في أحد قوليه. قال أصحاب الصلح: لو فتحت عنوة لقسمها النبي ﷺ بين الغانمين، ولو فتحت عنوة، لملك المجاهدون رباعها، ودورها، وكانوا أحق بها من أهلها، ولجاز إخراجهم منها، فهذا منافٍ لأحكام فتح العنوة. قال أصحاب العنوة: لو كان صالحهم، لم يكن لأمانه المقيد بدخول كل واحد داره، وإغلاق بابه، وإلقائه سلاحه فائدةٌ، ولم يقاتلهم خالد بن الوليد حتى قتَلَ منهم جماعة، ولم ينكر عليه. ولو فتحها صلحًا، لم يقل: "إنَّ الله أحلها لي ساعة من نهار"، فإنَّها إذا فتحت صلحًا، كانت باقية على حرمتها، ولم تخرج بالصلح عن الحرمة. ولو فتحت صلحًا، لم يعبىء جيشه: خيالتهم ورجالتهم، ميمنة وميسرة، ومعهم السلاح. وقد قال ﷺ : "إنَّ الله حبس عن مكة الفيل، وسلَّط عليها رسوله والمؤمنين". واختلفوا في جواز إقامة الحدود فيها: فذهب الأئمة الثلاثة إلى: أنَّه يستوفى فيها الحدود، والقصاص؛ لعموم الأدلة، ولأنَّ حرمة النفس أعظم، والانتهاك بالقتل أشد، ولأنَّ الحد فيما دون النفس جار مجرى التأديب، فلا يمنع فيه. وذهب أبو حنيفة إلى: أنَّه لا يستوفى فيها حدود القصاص؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ [آل عمران: ٩٧]. ***

стр. 3364

١١١٨ - وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: "أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قتَلَ يَوْمَ بَدْرٍ ثَلاَثَةً صَبْرًا". أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ فِي "المَرَاسِيلِ"، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ (١). ــ * درجة الحديث: الحديث مرسل. ورجاله ثقات. قال في "التلخيص": في "المراسيل" لأبي داود عن سعيد بن جبير: "أنَّ رسول الله ﷺ قتل يوم بدر ثلاثة من قريش صبرًا: المطعم بن عدي، والنضر بن الحارث، وعقبة بن أبي معيط". وفي قوله: "والمطعم" تحريف، والصواب "طعيمة بن عدي"، وكذا أخرجه ابن أبي شيبة، ووصله الطبراني بذكر ابن عباس، وقال الحافظ: رجاله ثقات، ولم أقف على إسناده، ورويت قصة مقتل هدؤلاء الثلاثة صبرًا عن عدة طرق، وهي قصة مشهورة؛ لكن لا تخلو طرقها من إرسال، أو انقطاع، أو ضعف. أما الشيخ الألباني فيقول: وجملة القول "أني لم أجد لهذه القصة: -مقتل عقبة، والنضر- إسنادًا تقوم به الحجة، على شهرتها في كتب السيرة، وأما ما أخرجه أبو داود في عقبة خاصة، فيما رواه عمرو بن مرة عن إبراهيم قال: أراد الضحاك بن قيس أن يستعمل مسروقًا، فقال له عمَّار بن عقبة بن أبي معيط: أتستعمل رجلاً من بقايا قتلة عثمان؟ فقال مسروق: حدثنا عبد الله بن مسعود أنَّ النَّبيَّ ﷺ ، كلما أراد قتل أبيك قال: من للصبية؟ قال: النار". قلت: وهذا إسناد جيد رجاله ثقات، فهم رجال الشيخين. اهـ.

стр. 3365

* مفردات الحديث: - الثلاثة: النضر بن الحارث، وعقبة بن أبي معيط، وقيل: ثالثهم: طعيمة بن عدي بن نوفل بن عبد مناف، والحقيقة أنَّ طعيمة قتل في معركة بدر، وأنه لم يكن مع الأسرى. - صبرًا: -بفتح الصاد، وسكون الباء الموحدة، آخره راء-: هو كل من قتل في غير معركة، ولا حرب، ولا خطأ، فإنَّه مقتول صبرًا. ***

стр. 3366

١١١٩ - وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ﵁: "أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَدَى رَجُلَيْنِ مِنَ المُسْلِمِينَ بِرَجُلٍ مُشْرِكٍ". أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ، وَأَصْلُهُ عِنْدَ مُسْلِمٍ (١). ١١٢٠ - وَعنْ جُبَيْرٍ بنِ مُطْعِمٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ فِي أَسَارَى بَدْرٍ: "لَوْ كَانَ المُطْعِمُ بْنُ عَدِيٍّ حَيًّا، ثُمَّ كَلَّمَنِي فِي هَؤُلاَءِ النَّتْنَى -لَتَرَكْتُهُمْ لَه". رَوَاهُ البُخَارِيُّ (٢). ــ * مفردات الحديثين: - فدى: يقال: فداه من الأسر، يفديه فداءً: استنقذه بمالٍ، أو غيره، فهو فادٍ، وذاك مُفْدًى. - أسارى: جمع: "أسير"، ويجمع أيضًا على: "أسرى"، مثل: سكارى وسكرى، والأسير: هو من يشد بالقِدّ أو غيره، وسمي كل أخيذ: أسيرًا، وإن لم يشد بالقِدّ أو غيره. - المطعم بن عدي: بن نوفل بن عبد مناف، وهو أخو طعيمة السابق ذكره، وكان المطعم من رؤساء قريش، ولما عاد النبي ﷺ من الطائف دخل مكة بجواره، وحمايته، وهو أحد الخمسة الذين قاموا بنقض الصحيفة، وتوفي قبل بدر بنحو سبعة أشهر، وفي بعض الروايات أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال لجبير: "لو كان الشيخ أبوك حيًّا، فأتانا فيهم، لشفعناه" يريد ﷺ يكافئه على صنيعه الطيب. - النَّتْنَى: قال في "النهاية": النتنى: واحدهم "نتن"، كزمن وزمْنى، قال في

стр. 3367

"الوسيط": نتن نتنًا: خبثت رائحته. وسمَّاهم نتنا؛ لكفرهم، كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة: ٢٨]. ووصفهم بالنتن؛ لخبث عقائدهم، فالنتن يشمل النجاسة المادية، والنجاسة المعنوية العقائدية. * ما يؤخذ من الأحاديث الثلاثة: - إذا أسر المسلمون مقاتلة عدوهم، خيِّر الأمير فيهم بين أربعة أمور: إما قتلهم، أو استرقاقهم، أو إطلاقهم بفداء يسلمونه، أو فداء أسير منهم بأسير مسلم، أو المن عليهم بالإطلاق، بلا فداء، وبلا أسير. وهو تخيّر مصلحةٍ، لا تخيّر شهوةٍ. قال في "شرح الإقناع": ويخير الأمير تخير مصلحةٍ، واجتهاد في الأصلح في الأسرى الأحرار المقاتلين بين: قتل؛ لعموم قوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥]، ولأنَّ النبي ﷺ قتل رجال بني قريظة. أو استرقاق؛ لما في الصحيحين أنَّ سبية من بني تميم عند عائشة، فقال ﷺ : "أعتقها؛ فإنَّها من ولد إسماعيل". أو منّ؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ﴾ [محمد: ٤]، ولأنَّ النبيَّ ﷺ منَّ على أبي عزة الجمحي يوم بدر، وعلى أبي العاص بن الربيع، وعلى ثمامة بن أثال. أو فداء بمسلم؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِمَّا فِدَاءً﴾ [محمد: ٤]، ولما روى أحمد والترمذي من حديث عمران بن حصين: "أنَّ النَّبيَّ ﷺ فدى رجلين من أصحابه برجل من المشركين من بني عقيل". أو فداء بمال؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ فادى أهل بدر بالمال. فما فعله الأمير من هذه الأمور الأربعة تعين، ولم يكن لأحد نقضه،

стр. 3368

ويجب عليه اختيار الأصلح للمسلمين؛ لأنَّه يتصرَّف لهم على سبيل النظر، فلم يجز له ترك ما فيه الحظ؛ لأنَّ كل خصلة من هذه الخصال قد تكون أصلح في بعض الأسرى. ٢ - أنَّ المُطعِم هو أحد الرجال الخمسة الذين قاموا بنقض الصحيفة التي كتبتها قريش في مقاطعة بني هاشم، إن لم يسلموا لهم النبي ﷺ يقتلوه، وقد توفي المطعم بن عدي قبل بدر بأشهر. ٣ - أما الحديث رقم (١١١٨): فيدل على جواز قتل الأسير الكافر، إذا كان في قتله جلب مصلحة للمسلمين، أو دفع مضرة عنهم، والثلاثة الذين قتلوا من أسرى بدر هم: طعيمة بن عدي من بني نوفل بن عبد مناف. النضر بن الحارث من بني عبد الدار. عقبة بن أبي معيط من بني أمية بن عبد شمس بن عبد مناف. والسبب في صبرهم وقتلهم-: أنَّ لهم سوابق في الشر كثيرة كبيرة معروفة في كتب التاريخ والسيرة مع النَّبي ﷺ مع أتباعه بمكة. ٤ - قال الألباني: "وجملة القول أني لم أجد لهذه القصة "مقتل الثلاثة" إسنادًا تقوم به الحجة على شهرتها في كتب السيرة. نعم وجدت لقصة عقبة خاصة أصلاً فيما أخرجه أبو داود والبيهقي أنَّ الضحاك بن قيس استعمل مسروقًا، فقال له عمارة بن عقبة بن أبي معيط: أتستعمل رجلاً من بقايا قتلة عثمان؟ فقال له مسروق: حدَّثنا عبد الله بن مسعود، أنَّ النَّبيَّ ﷺ لما أراد قتل أبيك، قال: من للصِّبية؟ قال: "النار" وإسناده ورجاله كلهم رجال الشيخين. ٥ - وأما الحديث رقم (١١١٩): فيدل على جواز فداء أسرى المسلمين بأسرى المشركين، وتقدم ذكر الدليل.

стр. 3369

٦ - وأما الحديث رقم (١١٢٠): فيدل على جواز إطلاقهم، والمنّ عليهم بلا فداء: لا بمال، ولا بأسير. ٧ - جواز مكافأة المشرك على إحسانه، فإنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: لو كان المطعم بن عدي حيًّا، وكلَّمني في هؤلاء النتنى -لأطلقتهم له، كل هذا وفاء لجميله؛ ذلك أنَّ المطعِم له عند النبي ﷺ يدان: أولاهما: أنَّ النَّبيَّ ﷺ لما رجع من الطائف قبل الهجرة داعيًا أهلها، خاف من عدوان كفار مكة، فدخلها بجوار المُطعم بن عدي، الذي لبس السلاح هو وأبناؤه، وأبناء أخيه، فدخلوا معه المسجد الحرام، فقال أبو جهل: أمجير، أم متابع؟ قال: بل مجير، قال: قد أجرنا من أجرت، فلا يُخْفَر جوارك. الثانية: ما قام به مع أربعة من رجال قريش من نقض الصحيفة، التي كتبتها قريش في مقاطعة بني هاشم، وعلَّقوها بالكعبة. ***

стр. 3370

١١٢١ - وَعَنْ صَخْرِ بْنِ العَيْلَةِ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "إِنَّ القَوْمَ إِذَا أسْلَمُوا، أَحْرَزُوا دمَاءَهُمْ، وَأَمْوَالَهُمْ". أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَرِجَالُهُ مُوَثَّقُونَ (١). ــ * درجة الحديث: الحديث صحيح. أخرجه أبو داود، ورجاله موثوقون، وفي معناه ما جاء في الصحيحين من قوله ﷺ : "أُمِرتُ أَن أُقَاتِلَ النَّاسَ، حَتَّى يَقُولُوا: لاَ إِلهَ إلاَّ الله، فَإذا قَالُوها، أَحرزوا مني دماءهم، وأموالهم". وقال ابن عدي: إسناد الحديث جيد. * مفردات الحديث: - أحرزوا: منعوا دماءهم بتحريم قتلهم واسترقاقهم لما أسلموا. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - في معنى هذا الحديث ما جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "أُمِرتُ أن أقاتل الناس، حتى يقولوا: لا إله إلاَّ الله، فمن قال لا إله إلاَّ الله، عصم مني ماله ونفسه، إلاَّ بحقها، وحسابه على الله ". ٢ - فحديث الباب وشواهده تدل على أنَّ من أسلم من الكفار، حرُم دمه وماله؛ لأنَّه أصبح في عداد المسلمين. ٣ - ومفهوم الحديث، وشواهده تدل على أنَّ من أبى الإسلام، فإنَّه يجب قتاله حتى يسلم؛ تنفيذًا لأمر الله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٣].

стр. 3371

أي: شرك، ويكون الدين لله، قاله ابن عباس وغيره. وهذا مما يؤيد القول الراجح؛ أنَّ قتال الكفار ليس هو مجرد دفاع، وإنما هو قتال لأجل سير الدعوة وإبلاغها، وإزاحة من يقوم في وجه تبليغها. ٤ - قال ابن رجب: من المعلوم بالضرورة أنَّ النَّبيَّ ﷺ كان يقبل من كل من جاءه يريد الدخول في الإسلام الشهادتين فقط، ويعصم دمه بذلك، ويجعله مسلمًا، فقد أنكر على أسامة بن زيد قتله من قال: لا إلله إلاَّ الله، لما رفع عليه السيف، واشتد نكيره عليه. ٥ - قال ابن رجب أيضًا: وقد ظنَّ بعضهم أنَّ معنى الحديث: أنَّ الكافر يقاتل حتى يأتي بالشهادتين، ويقيم الصلاة، ويؤتي الزكاة، وفي هذا نظر. فإنَّ سيرة النبي ﷺ في قتال الكفار تدل على خلاف هذا، ففي الصحيح من حديث أبي هريرة: أنَّ النَّبيَّ ﷺ دعا عليًّا يوم خيبر، فأعطاه الراية، وقال: "قاتلهم على أن يشهدوا أن لا إله إلاَّ الله، وأنَّ محمَّدًا رسول الله، فإذا فعلوا ذلك، فقد عصموا منك دماءهم، وأموالهم إلاَّ بحقها، وحسابهم على الله ". فجعل مجرد الإجابة إلى الشهادتين عصمة للنفوس والأموال إلاَّ بحقها، ومن حقها إقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة بعد الدخول في الإسلام، كما فهمه الصحابة، ﵃. ٦ - قال في "شرح الإقناع": وتوبة كل كافر موحدًا كان كاليهودي، أو غير موحد كالنصراني، وعبدة الأوثان -إسلامه بأن يشهد أن لا إله إلاَّ الله، وأنَّ محمَّدًا رسول الله كان مسلمًا، وإن لم يأت بلفظ: "أشهد". ٧ - وقال الأستاذ محمد ياسين: الجهاد يعتبر الوسيلة العملية المشروعة؛ لتحقيق عقائد البشر، والعدل بين العباد، والقضاء على ظلم الطواغيت،

стр. 3372

وإزاحتهم من مركز القوة، وطريق الدعوة، فمن الطبيعي إذن أن ينتهي القتال كلَّما وصل الدعاة إلى تحقيق الدعوة الإسلامية، فغاية القتال في الإسلام يدل بوضوح على وجوب كف القتال عن قوم يقبلون الدخول في الإسلام. ٨ - وفي الحديث وأمثاله دلالة ظاهرة لمذهب المحققين، وجماهير السلف والخلف أنَّ الإنسان إذا اعتقد دين الإسلام اعتقادًا جازمًا، كفاه ذلك عن تعلم أدلة المتكلمين، ومعرفة الله تعالى بها، خلافًا لمن أوجب ذلك، وجعله شرطًا في كونه من أهل القبلة، وهذا خطأ ظاهر، فإنَّ المراد: التصديق الجازم، وقد حصل، ولأنَّ النَّبيَّ ﷺ اكتفى بالتصديق بما جاء به، ولم يشترط المعرفة بالدليل. وقد تظاهرت بهذا الأحاديث التي يحصل بمجموعها العلم القطعي، والله أعلم. ***

стр. 3373

١١٢٢ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: "أَصَبْنَا سَبَايَا يَوْمَ أَوْطَاسٍ لَهُنَّ أَزْوَجٌ، فَتَحَرَّجُوا، فَأَنْزلَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلاَّ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ...﴾ الآية". أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ (١). ــ * مفردات الحديث: - سبايا: جمع "سبية"، قال في "النهاية": السبية المرأة المنهوبة، جمعها "سبايا". - أوطاس: تقدم تفصيل الكلام فيها، وهو موضع بين مكة والطائف، صار فيه معركة بين المسلمين، والكفار من قبيلة هوازن، في شوال سنة ثمان من الهجرة، وهي امتداد لمعركة حنين. - فتحرَّجوا: خافوا أن يقعوا في الحرج، وهو الذنب والإثم. - المُحصنات: من حصن المكان حصانة، فهو حصين، فالمادة تدور على الحصانة والحفظ، قال الراغب في: "مفردات القرآن": والحَصَان في الجملة إما بصفتها، أو تزوجها، أو بمانع من شرفها، وحديثها. اهـ. فالمحصنات جاءت في القرآن على أربعة معان: العفيفات، والمسلمات، والحرائر، والمتزوجات، والأخير هو المراد هنا. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - إذا استولى المسلمون بالجهاد على نساء الكفار وذريتهم، فإنَّهم صاروا أرقَّاء بمجرد السبي.

стр. 3374

قال في "شرح الإقناع ": وإن سبيت المرأة وحدها -دون زوجها- انفسخ نكاحها، وحلَّت لسابيها؛ لحديث أبي سعيد الخدري. ٢ - قال الشيخ عبد الرحمن السعدي: ومن المحرَّمات في النكاح: "المحصنات من النساء" أي: ذوات الأزواج ﴿إِلاَّ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]، فإنَّه يحرم نكاحهن ما دمن في ذمة الزوج: ﴿إِلاَّ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾؛ أي: بالسبي، فإذا سبيت الكافرة ذات الزوج، حلَّت للمسلمين، بعد أن تُستبرأ. ٣ - الحديث دليل على انفساخ نكاح المسبية وجواز وطئها، ولو قبل إسلامها؛ سواء كانت كتابية أو وثنية، فإنَّ الآية عامة، فإنَّه لا يعلم أنَّه ﷺ عرض على السبايا الإسلام، ولا نهى سابيها عن وطئها قبل إسلامها، وهو مذهب جمهور العلماء. ٤ - أما المشهور من مذهب الإمام أحمد: فقال في "المقنع": ومن حرُمَ نكاحها، حرم وطؤها بملك اليمين. قال في "الإنصاف": هذا المذهب، وعليه الأصحاب. واختار الشيخ تقي الدين جواز وطء إماء غير أهل الكتاب. قال ابن القيم في "الهدي": "بعث النبي ﷺ جيشًا إلى أوطاس، فأصابوا سبايا، فكأنَّ الصحابة تحرَّجوا من غشيانهن من أجل أزواجهن من المشركين، فأنزل الله : ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلاَّ مَا مَلَكَتْ﴾ [النساء: ٢٤]، أي: لكم حلال إذا انقضت عدَّتهن" [رواه مسلم]. فتضمن هذا الحكم إباحة وطء المسبية، وإن كان لها زوج من الكفار، وهذا يدل على انفساخ نكاحه، وزوال عصمته بغُنم امرأته، وهذا هو الصواب. ودلَّ هذا القضاء النبوي على جواز وطء الإماء الوثنيات بملك اليمين،

стр. 3375

فإنَّ سبايا أوطاس لم يكنَّ كتابيات، ولم يشترط ﷺ في وطئهن إسلامهن، ولم يجعل المانع إلاَّ الاستبراء فقط. ٥ - القصد أنَّه لا يحل وطؤها إذا كانت حاملاً حتى تضع، ولا غير ذات الحمل حتى تسْتبرىء بحيضة؛ وذلك لما روي أحمد وأبو داود من حديث أبي سعيد الخدري أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال في سبي أوطاس: "لا توطأ حامل حتى تضع، ولا غير ذات حمل حتى تحيض حيضة". ***

стр. 3376

١١٢٣ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: "بَعَثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ سَرِيَّةً -وَأَنَا فِيهِمْ- قِبلَ نَجْدٍ، فَغَنِمُوا إِبِلاً كَثِيرَةً، فَكَانَتْ سُهْمَانُهُمْ اثْنَيْ عَشَرَ بَعِيرًا، وَنُفِّلُوا بَعِيرًا بَعِيرًا". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). ــ * مفردات الحديث: - نجد: -بفتح النون، وسكون الجيم، آخره دال- هي لغةً: المكان المرتفع، وهي قلب الجزيرة العربية، ذلك أنَّ حدودها ما يلي: غربًا: سفوح جبال السراة الشرقية. شرقًا: حدود بلدان الخليج، والإحساء. جنوبًا: الربع الخالي. شمالاً: مشارف بلدان الشام. - سُهْمَانُهُم: -بضم السين- جمع "سهم"؛ هي نصيبهم من الغنيمة. - نُفِّلوا: بتشديد الفاء، ماضي مبني للمجهول والواو نائب فاعل، وهي المفعول الأول. - بعيرًا بعيرًا: "بعيرًا" الأول مفعول ثانٍ، منصوب، و"بعيرًا"، الثاني مفعول ثانٍ منصوب لفعل محذوف تقديره: نفل كل واحد بعيرًا. والتنفيل: هي زيادة يزادها الغازي على نصيبه من المغنم. ...

стр. 3377

١١٢٤ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: "قَسَمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يوْمَ خَيْبرَ لِلْفَرَسِ سَهْمَيْنِ، وَلِلرَّاجِلِ سَهْمًا" مُتَّفَقٌ عَليْهِ، وَاللَّفْظُ لِلْبخَارِيِّ، وَلأبِي دَاوُدَ: "أَسْهَمَ لِرَجُلٍ وَلِفَرَسِهِ ثَلاَثَةَ أَسْهُمٍ: سَهْمَيْنِ لِفَرَسِهِ، وَسَهْمًا لَهُ" (١). ــ * درجة الحديث: رواية أبي داود جاءت من طريق ابن معاوية، وسفيان الثوري عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر، فسندها صحيح؛ لأنَّه على شرط الشيخين. * مفردات الحديث: - الفَرس: بفتحتين، واحد الخيل، يطلق على الذكر والأنثى، جمعه أفراس وفروس. - الرَّاجِل: هو الماشي على رجليه، خلاف الفارس، يجمع على رجال ورجالة. ...

стр. 3378

١١٢٥ - وَعَنْ مَعْنِ بْنِ يَزِيدَ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "لاَ نَفَلَ إِلاَّ بَعْدَ الخُمُسِ". رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَصَحَّحَهُ الطَّحَاوِيُّ (١). ــ * درجة الحديث: الحديث صحيح. قال محرره: الحديث أخرجه أبو عبيد في الأموال، بقوله: حدَّثنا عفَّان عن أبي عوانة عن أبي الجورية عن معن بن يزيد أنَّه سمع رسول الله ﷺ يقول: "لا نفل إلاَّ بعد الخُمُس" ثم ساق أبو عبيد الحديث من طريق أخرى إلى حبيب بن مسلمة يرفعه، كما ذكر أثرًا عن عمر بن الخطاب، ثم قال: وكذلك يروى عن التابعين. قال المؤلف: صحَّحه الطحاوي. اهـ. وقال ابن عبد الهادي في "المحرر": رواه أحمد، وأبو داود بإسنادٍ صحيح. * مفردات الحديث: - الخُمس: خُمسُ الغنيمة، يقسم إلى خمسة أسهم: ١ - سهم لله ورسوله، وهو للمصالح العامة. ٢ - وسهم لذوي القربى. ٣ - وسهم لليتامى. ٤ - وسهم للمساكين. ٥ - وسهم لابن السبيل.

стр. 3379

١١٢٦ - وَعَنْ حَبِيبِ بْنِ مَسْلَمَةَ ﵁ قَالَ: "شَهِدْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَفَّلَ الرُّبعُ فِي البَدْأَةِ، وَالثُّلُثَ فِي الرَّجْعَةِ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ الجَارُودِ، وَابْنُ حِبَّانَ، والحَاكِمُ (١). ــ * درجة الحديث: الحديث صحيح. أخرجه أحمد، وابن ماجه، وصحَّحه ابن الجارود، وابن حبَّان، والحاكم عن حبيب بن مسلمة، وله شواهد: ١ - حديث عبادة بن الصامت؛ وقد صحَّحه ابن حبان. ٢ - حديث معن بن يزيد، رواه أحمد، وأبو داود، وصحَّحه الطحاوي. * مفردات الحديث: - البَدْأَة: -بفتح الباء، وسكون الدال المهملة، ثم ألف،. فهمزة، فتاء التأنيث -هي ابتداء السفر إلى العدو. - الرَّجعة: -بفتح الراء، وسكون الجيم المهملة- هي الرجوع، والإيقاع بالعدو مرَّة ثانية. ...

стр. 3380

١١٢٧ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: "كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُنَفِّلُ بَعْضَ مَنْ يَبْعَثُ مِنَ السَّرَايَا لأَنْفُسِهِمْ خَاصَّةً، سِوَى قَسْمِ عَامَّةِ الجَيْشِ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). ــ * ما يؤخذ من الأحاديث: ١ - في الحديث رقم (١١٢٣) بيان مشروعية بعث السرايا إلى العدو , لاستنزاف قوته، وعدته، وإرهابه. ٢ - أنَّ ما تغنمه السرايا المستقلة عن جيش من الكفار هو خاص لها، لا يشاركها المسلمون فيه، وإنما يؤخذ منه الخُمس الذي يصرف مصرف الفيء. ٣ - أنَّ الغنيمة وإن كثرت تكون بين غزاة السرية بقدر سهمانهم، للراجل سهم، وللفارس ثلاثة أسهم: سهم له، وسهمان لفرسه. ٤ - إباحة تنفيل مقاتلة السرية زيادة على سهمانها، بما يراه الإمام؛ تقديرًا لجهادهم، وإخلاصهم، وتشجيعًا لهم، ولغيرهم على الجهاد. ٥ - أما الحديث رقم (١١٢٤): فيدل على صفة قسمة الغنيمة بين أفراد الجيش المجاهد، فيعطي الراجلَ سهمًا واحدًا، ويعطي الفارس ثلاثة أسهم: سهم له، وسهمان لفرسه؛ تقديرًا لبلائه، وعنَائه في الحرب، فإنَّ الخيل لها دور كبير في الجهاد من الكر والفر، والهجوم على الأعداء، قال تعالى: ﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا (١) فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا (٢) فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا (٣) فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا (٤) فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا (٥)﴾ [العاديات]، وقال تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ﴾ [الأنفال: ٦٠].

стр. 3381

٦ - وأما الحديث رقم (١١٢٦): فيدل على جواز تنفيل السرية التي تقطع من الجيش، فتغير على العدو، وتغنم منه، فيعطى أفرادها زيادة على سهمانهم، تقديرًا لأعمالهم، وما قاموا به من بلاء في الجهاد على بقية الغزاة، لكن إن كانت غارة السرية في ابتداء سفر الغزو، والمجاهدين، فتعطى ربع ما غنمت، وإن كانت غارة السرية بعد عودة المجاهدين، فتعطى ثلث ما غنمت. ٧ - ووجه زيادة أفراد السرية في حالة القفول على حالة البدء، أنَّها في حالة القفول قد فقدت السند الذي تتقوى به، والجيش الذي تأوي إليه، والفئة التي تنحاز إليها، بخلاف حال البدء، فإنَّ الجيش يسندها، ويقويها، ويؤمها، كما أنَّ الغزو في حالة القفول في حال شوق ورغبة إلى أهله ووطنه، ومتشوف لسرعة الأوبة، لهذا -والله أعلم- استحقت السرية زيادة التنفيل في حالة الرجعة. ٨ - وفي الحديث ما يدل على أنَّه ﷺ ما كان يزيد عن الثلث في التنفيل. ٩ - وصفة التنفيل: أنَّ السرية التي تنهض في جملة العسكر، إذا أوقعت بالعدو، فما غنموا في البداءة، كان لهم فيه الربع، وما غنموا في القفول، كان لهم فيه الثلث، ويشركهم سائر العسكر في ثلاثة الأرباع، أو في الثلثين. ١٠ - أما الحديث رقم (١١٢٧): فيدل على أنَّ النَّبيَّ ﷺ لم يكن ينفل كل من يبعثه من السرايا، بل إن التنفيل، أمر راجع إلى اجتهاد الأمير ورأيه، فإن رأى مصلحة في التنفيل وتزويد السرية على الجيش زادها، وإن رأى المصلحة في تَرْكِهِ تَرَكَهُ. ١١ - القاعدة أنَّ العبد إذا خيِّر بين شيئين فأكثر، فإن كان التخيير لمصلحته، فهو تخيير يرجع إلى شهوته واختياره، وإن كان لمصلحة الغير، فهو تخيير يلزمه فيه الاجتهاد، واختيار الأصلح، وتخيير الأمير هنا بين التنفيل، أو عدمه من النوع الأخير، الراجع إلى وجوب اختيار الأصلح.

стр. 3382

١١٢٨ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: "كُنّاَ نُصِيبُ فِي مَغَازِينَا العَسَلَ وَالعِنَبَ، فَنأْكُلُهُ، وَلاَ نَرْفَعَهُ". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. وَلأَبِي دَاوُدَ: "فَلَمْ يُؤْخَذْ مِنْهُمُ الخُمُسُ". وصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ (١). ١١٢٩ - وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى ﵁ قَالَ: "أَصَبْنَا طَعَامًا يَوْمَ خَيْبَرَ، فَكَانَ الرَّجُلُ يَجِيءُ، فَيَأْخُذُ مِنْهُ مِقْدَارَ مَا يَكْفِيهِ، ثُمَّ يَنْصَرِفُ". أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ الجَارُودِ، وَالحَاكِمُ (٢). ــ * درجة الحديثين: أما حديث ابن عمر: فرواية أبي داود صحيحة، فقد صححها كلٌّ من ابن حبَّان والبيهقي، وسكت عنها المنذري. وأمَّا حديث عبد الله بن أبي أوفى: فصحيح. قال في "التلخيص": رواه أبو داود، والحاكم، والبيهقي، وقال هنا: صحَّحه ابن الجارود، والحاكم، وللحديث شواهد كثيرة من نوعه: منها: ما رواه الطبراني من حديث عبد الله بن أبي أوفى بلفظ: "لم يُخَمَّس الطعام يوم خيبر". ومنها: ما رواه الطيالسي في مسنده بإسناد، صحيح، وأصله في الصحيحين من حديث عبد الله بن مغفل ﵁ قَال: أصبتُ جرابًا يوم خيبر من شحم، فالتفت، فإذا رسول الله ﷺ ، فاستحييت منه، فقال: هو لك.

стр. 3383

١١٣٠ - وَعَنْ رُوَيْفِعِ بْنِ ثَابتٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَاليَوْمِ الآخِر، فَلاَ يَرْكبُ دَابَّةً مِنْ فيْءِ المُسْلِمِينَ، حَتَّى إِذَا أَعْجَفَهَا رَدَّهَا فِيهِ، وَلاَ يَلْبَسُ ثَوْباً مِنْ فَيْءِ المُسْلِمِينَ، حَتَّى إذَا أَخْلَقَهُ رَدَّهُ فِيهِ". أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالدَّارِمِيُّ، وَرِجَالُهُ لاَ بَأْسَ بِهِمْ (١). ــ * درجة الحديث: الحديث حسن. قال في "التلخيص": رواه أحمد، وأبو داود، وابن حبان، وقال في "البلوغ": رجاله لا بأس بهم، وحسَّنه في "فتح الباري"، وللحديث ما يشهد له، ويقويه من تحريم الغلول من الغنيمة، كالحديث الذي أخرجه أبو داود، والحاكم، والبيهقي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، أَنَّ النَّبيَّ ﷺ ، وَأَبَا بَكر، وعمر حرَّقوا متاع الغال، ومنعوه أسهمه". * مفردات الحديث: - الفَيء: أصله: الرجوع، يقال: فاء الظل: إذا رجع نحو المشرق، وسمي المال المأخوذ من الكفار بلا قتال: فيئًا؛ لأنَّه رجع من المشركين إلى المسلمين. - أعجفَهَا: بفتح الهمزة، وسكون العين المهملة، أهزلها وأضعفها، والعجفاء: الهزيلة، جمعها عِجاف وعجف. - أخْلقه: بفتح الهمزة، وسكون الخاء المعجمة، بمعنى: أبلاه.

стр. 3384

* ما يؤخذ من الأحاديث: ١ - الحديثان رقم (١١٢٨ و١١٢٩) يدلان على أنَّ لأفراد الجيش، أو السرية أخذ الأشياء المستهلكة من القوت، والفاكهة، وما يصلح القوت، وكذلك علف الدواب ونحو ذلك من الأشياء التي جرت العادة بالسماحة بها، وجواز الانتفاع بها، دون استئذان الأمير. ٢ - ويدل الحديثان أيضًا على أنَّ أخذ هذه الأشياء ليس من الغلول المحرَّم المنهي عنه. ٣ - أما الحديث رقم (١١٣٠): فيفيد تحريم أخذ الأشياء التي من أعيان الغنيمة، وما سيقسم بين الغانمين، ولو كان ذلك على وجه الاستعمال، ثم يرده إلى الغنيمة. وذلك مثل أخذ دابة. من الغنيمة، أو من الفيء، فيستغلها، ثم يعيدها، أو يأخذ ثوبًا، أو فراشًا من الفيء، أو الغنيمة: فيستعمله، ثم يرده في الغنيمة، فهذا لا يجوز؛ لأنَّه من أنواع الغلول، فهو اغتصاب لمنافع مشتركة. ٤ - ولعلَّ إعجاف الدابة، وإهزالها، وإبلاء الثوب، وتمزيقه غير مراد، وإنما جاء الأسلوب هكذا؛ لتشويه الغال ما يستعمله من أعيان الغنيمة، أو الفيء بغير حق. ٥ - ولا تحصل البراءة من تبعتها في الدنيا والآخرة إلاَّ بردها في الغنيمة، فإن لم يمكن، صرَفَها في مصالح المسلمين. قال شيخ الإسلام: وإن بقيت بيد تائب غصوب لا يعرف أربابها، صَرَفَها في مصالح المسلمين، وكذا حكم الرهون، والودائع، وسائر الأمانات. ***

стр. 3385

باب الأمان مقدمة الأمان: مصدر: أمن أمنًا وأمانًا، وهو ضد الخوف. والأصل فيه قوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ﴾ [التوبة: ٦]. وما جاء في الصحيحين من أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: "ذِمة المسلمين واحدة، يسعى بها أدناهم". ويشترط لعقد الأمان ثلاثة شروط: الأول: أن يكون عقده من مسلم، عاقل، مختار، ولو امرأة؛ لما روى البخاري من قوله ﷺ : "قد أجرنا من أجرت يا أم هانىء". الثاني: ألا يكون في عقده ضرر على المسلمين، فإنَّ الغرض من عقده مراعاة المصلحة. الثالث: ألا تزيد مدته على عشر سنين. قال الوزير: اتَّفقوا على أنَّ الإمام يجوز له مهادنة المشركين عشر سنين فما دونها، واختار الشيخ، وابن القيم: أنَّها تجوز ما شاء المسلمون بلا تحديد مدة. قال ابن القيم: يجوز صلح أهل الحرب على وضع القتال عشر سنين، ويجوز فوقها للحاجة، والمصلحة الراجحة، كما إذا كان في المسلمين ضعف، وعدوهم أقوى منهم، وفي العقد لما زاد عن العشر مصلحة للمسلمين،

стр. 3386

والإسلام. والأمان مراتب: فيصح من الإمام لجميع المشركين؛ لأنَّ ولايته عامة، ويصح من أمير لأهل بلدةٍ، وقبيلةٍ وَلِيَ قتالهم؛ لأنَّ ولاية قتلهم جُعلت له، ويصح من أحد أفراد الرعية، ولو امرأة لواحدٍ، وعشرةٍ، وقافلةٍ صغيرةٍ، وحصنٍ صغيرٍ، ولا يجوز للإمام نقض أمان مسلم، حيث صحَّ وقوعه لازمًا، إلاَّ أن يخاف خيانة من أُعطيه، ويحرم بالأمان قتل المؤمَّن، وأسره، واسترقاقه. ويقيم المؤمَّنون مدَّة الأمان في ديارنا بغير جزية؛ لأنَّ لهم المقام فيها من غير التزام بها. ***

стр. 3387

١١٣١ - وَعَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الجَرَّاحِ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يقُولُ: "يُجِيرُ عَلَى المُسْلِمِينَ بَعْضُهُمْ". أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَأَحْمَدُ، وَفِي إِسْنَادِهِ ضَعْفٌ (١). وَلِلطَّيَالِسِيِّ مِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ العَاصِ: "يُجِيْرُ عَلَى المُسْلِمِينَ أَدْنَاهُمْ" (٢). وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَلِيٍّ: "ذِمَّةُ المُسْلِمِينَ وَاحِدَةٌ، يَسْعَى بِهَا أَدْنَاهُمْ". زَادَ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ: "وَيُجِيرُ عَلَيْهِمْ أَقْصَاهُمْ" (٣). وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ أُمِّ هَانِىءٍ: "قَدْ أَجَرْنَا مَنْ أَجَرْتِ" (٤). ــ * درجة الحديث: الروايات بيَّن الحافظ درجتها، وهي في معنى ما ورد في الصحيح، وللحديث شواهد. * مفردات الحديث: - يُجير على المسلمين: من: الإجارة، وهي إعطاء الأمان، أي: يؤمّن، ويحمى، ويمنع على المسلمين أدناهم.

стр. 3388

- أدناهم: أقلهم عددًا، وهو الواحد، وأقلهم شأنًا، وهم ضعاف السوقة من امرأة وأجير. - ذِمةُ المسلمين: العهد، والأمان، والكفالة، سميت بذلك؛ لأنَّ نقضها يوجب الذم. - أقصاهم: أبعدهم من حيث اعتبار أحوال الحياة الدنيا. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - تقدم في المقدمة أنَّ الأمان الخاص للفرد، والعشيرة، أو القافلة، أو الحصن الصغير، يصح من أحد أفراد الرعية. ٢ - فالحديث هنا يفيد أنَّه يجوز لبعض المسلمين أن يعطي أمانًا للكفار، ويكون أمانه نافذًا مقبولاً عند جميع المسلمين، فيحرم خفر ذمته، ورد أمانه. ٣ - يفيد جواز الأمان ونفوذه؛ سواء كان عامًّا من إمام، أو خاصًّا من أمير، أو من أحد أفراد الرعية، إلاَّ أن يكون فيه ضرر على المسلمين، فإن كان فيه ضرر فلا يصح عقده؛ لأنَّه الواجب مراعاة مصلحة المسلمين. ٤ - وتفيد طرق هذا الحديث جواز عقد الأمان من الفرد المسلم؛ سواء كان ذكرًا، أو أنثى، حرًّا كان أو عبدًا، وهذا مذهب جمهور العلماء. ٥ - يوجد خلاف بين الفقهاء في جواز نفوذ أمان المرأة، والعبد والصبي المراهق، ومذهب الجمهور جوازه ونفوذه؛ لعموم الأحاديث الصحيحة في ذلك، التي جاء فيها: "يسعى بها أدناهم". ٦ - ومن طلب الأمان؛ ليسمع كلام الله تعالى، ويعرف شرائع الإسلام -لزمت إجابته، ثم يرد إلى مأمَنه؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ﴾ [التوبة: ٦]. قال الأوزاعي: حكم هذه الآية إلى يوم القيامة. ٧ - جاء في إحدى الروايات: "المؤمنون يد على من سواهم، يجير عليهم

стр. 3389

أدناهم". قال القاضي: كان أهل الجاهلية يتعاهدون، فيقول الرجل للرجل: دمي دمك، وهدمي هدمك، وثأري ثأرك، وحربي حربك، وسلمي سلمك، ترثني وأرثك، وتُطلب بي، وأُطلب بك، وتعقل عني، وأعقل عنك، فيعدون الحليف من القوم الذين دخل في حلفهم، ويقررون له، وعليه بمقتضى الحلف، والمعاقدة غُنمًا، وغرمًا. فلما جاء الإسلام، أقرَّهم على ما في ذلك من حقن الدماء، والنصر على الأعداء، وحفظ العهود، والتآلف بين الناس، وألغى ما يتعارض مع أحكام الإسلام: من الثورات، وتحمل عقل الجنايات، وتحمل النفقات، المبينة بالنصوص الدالة على اختصاص ذلك بأشخاص، وجهات مخصوصة معيَّنة، وبأسباب خاصة معلومة. ***

стр. 3390

١١٣٢ - وَعَنْ عُمَرَ ﵁ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "لأَخْرِجَنَّ اليَهُودَ وَالنَّصَارَى مِنْ جَزِيرَةِ العَرَب، حَتَّى لاَ أدَعَ إِلاَّ مُسْلِمًا". رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١). ــ * ما يؤخذ من الحديث: ١ - مجاورة الكفار، ومعاشرتهم شرٌّ، وتجر إلى شرور كبيرة، من خشية التشبه بهم، واستحسان عقائدهم، والرغبة في تقليدهم، من بسطاء المسلمين، وقليلي الإدراك منهم. ٢ - فيجب تميز المسلمين، واستقلالهم في بلادهم، وبُعدهم عن مخالطة غيرهم، ممن يخالفهم في العقيدة. ٣ - لذا يجب إخراج اليهود، والنصارى، والمجوس، وسائر أصحاب الملل من الكفار من جزيرة العرب. ٤ - ومن هذا نعلم الخطأ الذي وقع فيه كثير من المسلمين من جلبهم السائقين، والخدم في البيوت من غير المسلمين، اللاتي يربين أولادهم، ويسكن دارهم، ويعاشرنهم، فهذا خطأ كبير، وعواقبه وخيمة، ولو كانت هذه المعاملة معهم غير محرَّمة، لكنها مخوفة، والخوف من هذه الخلطة، والملازمة، والعِشرة لا ينافي ما سيأتي في الفقرة (٦). ٥ - جزيرة العرب خاصة بهم، والعرب هم أصحاب الرسالة المحمَّدية، وبلادهم هي مهبط الوحي، فلا يصح بحال من الأحوال أن يقيم فيها غير المسلمين.

стр. 3391

٦ - يجوز إقامتهم في جزيرة العرب، وديار المسلمين إقامة عمل، لا إقامة استيطان؛ كأصحاب السفارات، والشركات، والعمَّال، والتجَّار، والسوَّاح. ٧ - أجمع العلماء على منع الكافرين من دخول حرم مكة المشرفة؛ لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ﴾ [التوبة: ٢٨]. * خلاف العلماء: اختلف العلماء في دخول الكفار المساجد: فذهب الإمامان: مالك، وأحمد، إلا أنَّه لا يجوز دخولهم؛ لأنَّ حدث الجنابة، والحيض يمنع، فالشرك أولى. قال في "كشاف القناع": وليس لهم دخول مساجد الحل، ولو بإذن مسلم؛ لأنَّ حدث الحيض يمنع، فالشرك أولى، ويجوز دخولها للذمي، إذا استؤجر لعمارتها، لأنَّه نوع مصلحة، وصحح في "الشرح الكبير"، وغيره أنَّه لا يجوز إلاَّ بإذن مسلم؛ لأنَّه ﷺ قدم عليه وفد الطائف، فأنزلهم في المسجد قبل إسلامهم، وأجيب عنه، وعن نظائره بأنَّه كان بالمسلمين حاجة إليه. ***

стр. 3392

١١٣٣ - وَعَنْ عُمَرَ ﵁ قَالَ: "كَانَتْ أَمْوَالُ بنَي النَّضِيرِ مِمَّا أفَاءَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ، مِمَّا لَمْ يُوْجِفْ عَلَيْهِ المُسْلِمُونَ بِخَيْلٍ، وَلاَ رِكَابٍ، فَكَانَتْ لِلنَّبِيِّ ﷺ خَاصَّةً، فَكَانَ يُنْفِقُ عَلَى أَهْلِهِ نَفَقَةَ سَنَةٍ، وَمَا بَقِيَ يَجْعَلُهُ فِي الكُرَاعِ وَالسِّلاَح؛ عُدَّةً فِي سَبِيلِ اللهِ ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). ــ * مفردات الحديث: - بني النضير: بنو النضير: قبيلة من اليهود، كانت تقيم في قريتها قرب المدينة المنوَّرة، فلما قدم النبي ﷺ إلى المدينة صالحهم، فنقضوا العهد، وغدورا به، فهمُّوا باغتياله، فحاصرهم ﷺ على أن يجلوا عن المدينة، ويحقنون دماءهم، أمّ أموالهم فصارت فيئًا. - أفاء: يفيء، من باب أفعل يفعل، من: الفيء، وأصله: الرجوع، يقال: فاء يفيء فيئة وفيئًا، وهو ما يحصل للمسلمين من أموال الكفار من غير حرب، ولا جهاد، ويسمى: فيئًا، كأنَّه كان في الأصل لهم، فرجع إليهم، ومنه قيل للظل الذي بعد الزوال: فيء؛ لأنَّه يرجع من جانب الغرب إلى جانب الشرق. - لم يُوجف عليه المسلمون: الإيجاف هو: الإسراع، يقال: أوجف فلان دابته: حثَّها على السير. - خيل: هي جماعة الأفراس، لا واحد له من لفظه. - رِكَاب: -بكسر الراء، وفتح الكاف، ثم ألف، بعدها باء موحدة- هي الإبل

стр. 3393

التي تركب للجهاد، ولغيره من مصالح الدين والدنيا. - الكُراع: -بضم الكاف، وفتح الراء، ثم ألف، آخره عين مهملة بزنة غُراب- هو اسم للخيل، والسلاح. - عُدَّة: -بضم العين، وتشديد الدال-: ما يعد من مالٍ، وسلاحٍ، أو غير ذلك للحرب. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - تقدم أنَّ بني النضير هي إحدى قبائل اليهود المقيمة حول المدينة، وأنَّ النَّبيَّ ﷺ عاهدهم على ألا يكونوا معه، ولا عليه، ثم إنَّهم نكثوا العهد، وغدروا، فأرادوا قتل النبي ﷺ ، فحاصرهم النبي ﷺ في ديارهم، وانتهى الصلح معهم بأن يخرجوا من ديارهم، وليس معهم إلاَّ ما حملته الإبل من متاعهم إلاَّ السلاح، وما بقي من أموالهم فهو فيء. ٢ - كانت أموال بني النضير بالصلح من الفيء الذي يصرف في مصالح المسلمين، وليس من الغنيمة، التي تقسم بعد أخذ الخُمس منها على المجاهدين. ٣ - قال تعالى في أموال بني نضير: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٦)﴾ [الحشر]. وقال: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [الحشر: ٧]. ٤ - الفيء هو: ما أخذ من مال كافر بحق بغير قتال، فالمال الذي يتركونه فزعًا منَّا، أو بذلوه خوفًا منا، وخمس خُمس الغنيمة، والجزية، والخراج، ونحو ذلك، فهذا للنبي ﷺ ، نفقته منه، ونفقة أهله مدة سنة، أما بعد وفاته ﷺ فيبقى لأقاربه، وهم بنو هاشم، وبنو المطلب، ولمصالح المسلمين، الأهم

стр. 3394

فالأهم، والاستعداد للأعداء بالسلاح، والعُدَّة عليها من أهم الأمور. ومثل ذلك نشر الدعوة الإسلامية، وبث الرسالة المحمَّدية، والرد على الملاحدة، من الشيوعيين، والمنصرين، والماسونيين، وجميع أعداء الدين. وذلك بإعداد الدعاة على مستوى كبير، ونشر الكتب، وتأليفها، وتنشيط وسائل الإعلام، لمكافحتها، ومحاربتها. ثم تأتي بعد ذلك مصالح المسلمين في الطرق، والجسور، والمدارس، والمساكن العامة، وإنشاء المرافق العامة، التي تخدم مصالح المسلمين، والبحث عن المحتاجين من المسلمين، وإعطائهم كفايتهم. وأن يراعى في هذا التوزيع كله المصالح العامة، وما ينفع المسلمين في أمر دينهم، وديناهم. ٥ - قال شيخ الإسلام في الكلام على الفيء: يبدأ بالأهم فالأهم من مصالح المسلمين، ولا يجوز لولي الأمر أن يعطي أحدًا ما لا يستحقه؛ لهوى في نفسه: من قرابةٍ، أو مودةٍ، أو نحو ذلك، وليس لولاة الأمور أن يقسموها بحسب أهوائهم، كما يقسم المالك ملكه، فإنَّما هم أمَنَاء، ونواب، ووكلاء. ونصَّ العلماء: أنَّه يجب أن يقدم في مال الفيء أهل المنفعة العامة، وإذا كان العطاء لمنفعة المسلمين، لم ينظر إلى الآخذ هل هو صالح النية، أو فاسدها؟ وإنما العطاء بحسب مصلحة دين الله تعالى. قال ﵀: ولا ريبَ أنَّ السَّعي في تمييز الحق من غيره، والعدل بين الناس بحسب الإمكان من أفضل أعمال ولاة الأمور، بل ومن أوجبها عليهم. ***

стр. 3395

١١٣٤ - وَعنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ﵁ قَالَ: "غَزَوْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ خَيْبرَ، فَأَصَبْنَا فِيهَا غَنَمًا، فَقَسَمَ فِينَا رَسُولُ اللهِ ﷺ طَائِفَةً، وَجَعَلَ بقِيَّتَهَا فِي المَغْنَمِ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَرِجَالُهُ لاَ بَأسَ بِهِمْ (١). ــ * درجة الحديث: الحديث حسن. قال المؤلف: رجاله لا بأس بهم اهـ. وقال ابن عبد الهادي: رجاله ثقات، قاله ابن القطان. * مفردات الحديث: - غنمًا: الغنم بفتحتين: اسم جنس، لا واحد له من لفظه، يطلق على الضأن والمعز، وقد يجمع على: أغنام وغنوم. - طائفة: هي الفرقة من الناس، والقطعة من الشيء، وهو المراد هنا. - المغنم: يقال: غنم يغنم غنيمة، جمعها: غنائم، ويقال: مغنم، فجمعها: مغانم. قال أبو عبيد: الغنيمة: ما نيل من أهل الشرك عنوة، والحرب قائمة. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - الحديث يدل على جواز تنفيل أمير الغزو بعض المجاهدين بشيء من الغنيمة، ثم رد الباقي في الغنيمة على عامة أفراد الجيش. ٢ - والتنفيل راجع إلى اجتهاد الأمير، فإن رأى فيه مصلحة نفّل، وإن لم ير مصلحة لم ينفل، لأنَّ هذا تخصيص لبعض الجيش على بعضهم الآخر،

стр. 3396

وهو يرجع إلى المصلحة العامة، التي تنفع المسلمين، وتخدم مصالحهم. ٣ - وتقدم، في التنفيل وأحكامه، وأقسامه، وأصحابه، ولو قدَّم المؤلف هذا الحديث مع نظائره، لكان أولى. ***

стр. 3397

١١٣٥ - وَعَنْ أَبِي رَافِعٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِنِّي لاَ أَخِيسُ بِالعَهْدِ، وَلاَ أَحْبسُ الرُّسُلَ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ (١). ــ * درجة الحديث: الحديث صحيح. صححه ابن حبان، وقال: رجاله ثقات، وصححه السيوطي في الجامع الصغير. قال المؤلف: رواه أبو داود، والنسائي، وصحَّحه ابن حبان. قال محرره: وسكت عنه أبو داود، والمنذرىِ، وقال أبو داود: هذا كان في ذلك الزمان، فأما اليوم فلا يصلح. وصححه إسناده الشيخ شعيب أرناؤوط في تعليقه على كتاب: "الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان". * مفردات الحديث: - أخيس بالعهد: بفتح الهمزة، ثم خاء معجمة، فمثناة تحتية، فسين مهملة، يقال: خاس بالعهد يخيس خيسًا وخيسانًا: غدر ونكث، ومعناه: لا أنقض العهد، ولا أخونه. - ولا أحبس الرسل: الحبس هو: الإمساك والمنع، والرسل مفرده: "رسول"، وهو المرسَل الذي يبعث في حاجة، والرسل هنا: المراد بهم السفراء الذين يتوسطون في أداء الرسالات بين زعماء الدول في شؤون الدولة.

стр. 3398

* ما يؤخذ من الحديث: ١ - تقدم لنا أنَّ الأمان إذا عُقد، فإنه يلزم؛ سواء كان من الإمام، أو ممن هو دونه، كل على حسب اختصاصه، فلا يجوز نقضه ما لم يُخف منهم خيانة، ولا يجوز قتل المؤمَّن، ولا أسره، ولا استرقاقه، فإنَّ عهد الأمان جعل له حصانة. ٢ - وتقدم أنَّه بالعهد يكون الأمان لكل من الطرفين، فكل يأتي إلى ديار الطرف الآخر آمنًا مطمئنًا بعهده؛ فقد جاء في البخاري من حديث ابن عمر أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "من قتَل معاهدًا، لم يرح رائحة الجنة". ٣ - أما الرسل الذين يكونون وسطاء بين المسلمين، وأعدائهم، في حمل الرسائل، ورد جوابها، وللتفاهم والتفاوض على ما يريدون، من أمور تتعلَّق بالعلاقات بينهم، من صلح، وحرب، وغيرهما، فيحرم قتلهم. ٤ - أنَّ قتل الرسل عين المفسدة؛ لأنَّ ذلك يسبب قطع الاتصالات الدولية، وعرقلة مساعي التفاوض، والتفاهم بين الدول والحكومات. ٥ - السفارات في البلدان الأجنبية هي الوسيط بين الدولة صاحبة السفارة، وبين الدولة التي اعتمدتها سفارة في بلادها. ٦ - أصبح الآن بين الدول علاقات سياسية، وثقافية، واقتصادية، وشؤون رعايا، والذي يتولى تنظيم، وترتيب اللقاءات لها، والقيام بها هي السفارات، والقنصليات. ولذا فإنَّ الدولة المعتمدة بها في بلادها تجعل لها، ولأفرادها حصانة خاصة، فتحرص على أمنها واستقرارها؛ لأنَّ هذا مما يهم الدولتين، فإنَّ الأعراف الدولية جعلت لها من الحماية، والحصانة ما يكفل لها أداء مهمتها. ٧ - وهذه النظم، والأمن المتبادل هو مأخوذ من قوله ﷺ : "أخيس بالعهد، ولا أحبس الرسل".

стр. 3399

١١٣٦ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "أَيُّمَا قَرْيةٍ أَتَيْتُمُوهَا، فَأَقَمْتُمْ فِيهَا، فَسَهْمُكُمْ فِيهَا، وَأَيُّمَا قَرْيةٍ عَصَتِ اللهَ وَرَسُولَهُ، فَإنَّ خُمُسَهَا للهِ وَرَسُولِهِ، ثُمَّ هِيَ لَكُمْ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١). ــ * مفردات الحديث: - أيما: "أي" اسم موصول، ويكون بلفظ واحد للذكر، والأنثى، والمفرد، والمثنى، والجمع، وتستعمل للعاقل وغيره، وهي معربة بالحركات الثلاث، و"ما" زائدة. - فأقمتم: أي: حاصرتموها، فهربوا بدون قتال، فهذه لها حكم الفيء، أما القرية التي عصت، وقام بينكم وبينها قتال، واستوليتم عليها، فلها حكم الغنيمة. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - هذا الحديث يبيِّن الفرق بين الأموال، التي تؤخذ من الكفار بحق، فنوع يؤخذ بلا قتال فهذا فيء، ونوع يؤخذ بقتال فهذا غنيمة، ولكل منهما حكمه. ٢ - فما أخذه المسلمون من مال الكفار بحق، ولكن بغير قتال، وإنما تركوه فزعًا منا، وكذا الجزية، والخراج، ومال المرتد إذا مات على ردته بقتل أو غيره، فهذا فيء يصرف في مصالح المسلمين العامة، ومرافقهم النافعة، ومِن أهمها الجهاد في سبيل الله بالسلاح، أو بالدعوة إلى الله.

стр. 3400

٣ - وما أخذه المسلمون من أموال الكفار بحق، وحصل منهم قهرًا بقتال، فهذا غنيمة، يقسمها الأمير خمسة أقسام، قسم منها يكون تابعًا للفيء، فيكون مصرفه على الصالح العالم للمسلمين، والأربعة الأخماس الباقية تقسم بين الغانمين: للراجل سهم، وللفارس ثلاثة أسهم: سهم له، وسهمان لفرسه. ٤ - الأصل في الفيء: قوله تعالى: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [الحشر: ٧]. ٥ - الأصل في فرض الخمس: قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي﴾ [الأنفال: ٤١] يعني والباقي للغانمين. والأصل في الغنيمة: قوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا﴾ [الأنفال: ٦٩]، وقد صحَّ واشتهر أنَّ النَّبيَّ ﷺ قسم الغنائم بين الغانمين، فقد روى أحمد، وأبو داود من حديث ابن عمر: "أنَّ النَّبيَّ ﷺ : أسهم للرجل ولفرسه ثلاثة أسهم: سهم له، وسهمان لفرسه"، وأما رواية الصحيحين فإنَّه: "أسهم للفرس سهمين، وللراجل سهمًا". ٦ - فهذا الحديث يبين أنَّ القرية، أو القبيلة التي يقيم عليها المسلمون، ويحاصرونها، ولكنه لم يحصل بينهم، وبين أهل قتال، وإنما الله تعالى بقوته، وعزَّته قذف في قلوبهم الرعب، فهربوا عنها، فهذه أموالها فيء، يعود إلى مصالح المسلمين العامة، وأما القرية، أو القبيلة التي عصت الرسول، ثم قام بينهم وبين أهلها قتال، واستولوا على أموالهم فهي غنيمة، تقسم بين الغانمين، وما ضرب عليها من خراج يلحق بالفيء، فيصرف مصرفه. ***
следующие страницы →