وهو يرجع إلى المصلحة العامة، التي تنفع المسلمين، وتخدم مصالحهم.
٣ - وتقدم، في التنفيل وأحكامه، وأقسامه، وأصحابه، ولو قدَّم المؤلف هذا الحديث مع نظائره، لكان أولى.
***
стр. 3397
١١٣٥ - وَعَنْ أَبِي رَافِعٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِنِّي لاَ أَخِيسُ بِالعَهْدِ، وَلاَ أَحْبسُ الرُّسُلَ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ (١).
ــ
* درجة الحديث:
الحديث صحيح.
صححه ابن حبان، وقال: رجاله ثقات، وصححه السيوطي في الجامع الصغير.
قال المؤلف: رواه أبو داود، والنسائي، وصحَّحه ابن حبان.
قال محرره: وسكت عنه أبو داود، والمنذرىِ، وقال أبو داود: هذا كان في ذلك الزمان، فأما اليوم فلا يصلح.
وصححه إسناده الشيخ شعيب أرناؤوط في تعليقه على كتاب: "الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان".
* مفردات الحديث:
- أخيس بالعهد: بفتح الهمزة، ثم خاء معجمة، فمثناة تحتية، فسين مهملة، يقال: خاس بالعهد يخيس خيسًا وخيسانًا: غدر ونكث، ومعناه: لا أنقض العهد، ولا أخونه.
- ولا أحبس الرسل: الحبس هو: الإمساك والمنع، والرسل مفرده: "رسول"، وهو المرسَل الذي يبعث في حاجة، والرسل هنا: المراد بهم السفراء الذين يتوسطون في أداء الرسالات بين زعماء الدول في شؤون الدولة.
стр. 3398
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - تقدم لنا أنَّ الأمان إذا عُقد، فإنه يلزم؛ سواء كان من الإمام، أو ممن هو دونه، كل على حسب اختصاصه، فلا يجوز نقضه ما لم يُخف منهم خيانة، ولا يجوز قتل المؤمَّن، ولا أسره، ولا استرقاقه، فإنَّ عهد الأمان جعل له حصانة.
٢ - وتقدم أنَّه بالعهد يكون الأمان لكل من الطرفين، فكل يأتي إلى ديار الطرف الآخر آمنًا مطمئنًا بعهده؛ فقد جاء في البخاري من حديث ابن عمر أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "من قتَل معاهدًا، لم يرح رائحة الجنة".
٣ - أما الرسل الذين يكونون وسطاء بين المسلمين، وأعدائهم، في حمل الرسائل، ورد جوابها، وللتفاهم والتفاوض على ما يريدون، من أمور تتعلَّق بالعلاقات بينهم، من صلح، وحرب، وغيرهما، فيحرم قتلهم.
٤ - أنَّ قتل الرسل عين المفسدة؛ لأنَّ ذلك يسبب قطع الاتصالات الدولية، وعرقلة مساعي التفاوض، والتفاهم بين الدول والحكومات.
٥ - السفارات في البلدان الأجنبية هي الوسيط بين الدولة صاحبة السفارة، وبين الدولة التي اعتمدتها سفارة في بلادها.
٦ - أصبح الآن بين الدول علاقات سياسية، وثقافية، واقتصادية، وشؤون رعايا، والذي يتولى تنظيم، وترتيب اللقاءات لها، والقيام بها هي السفارات، والقنصليات.
ولذا فإنَّ الدولة المعتمدة بها في بلادها تجعل لها، ولأفرادها حصانة خاصة، فتحرص على أمنها واستقرارها؛ لأنَّ هذا مما يهم الدولتين، فإنَّ الأعراف الدولية جعلت لها من الحماية، والحصانة ما يكفل لها أداء مهمتها.
٧ - وهذه النظم، والأمن المتبادل هو مأخوذ من قوله ﷺ : "أخيس بالعهد، ولا أحبس الرسل".
стр. 3399
١١٣٦ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "أَيُّمَا قَرْيةٍ أَتَيْتُمُوهَا، فَأَقَمْتُمْ فِيهَا، فَسَهْمُكُمْ فِيهَا، وَأَيُّمَا قَرْيةٍ عَصَتِ اللهَ وَرَسُولَهُ، فَإنَّ خُمُسَهَا للهِ وَرَسُولِهِ، ثُمَّ هِيَ لَكُمْ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١).
ــ
* مفردات الحديث:
- أيما: "أي" اسم موصول، ويكون بلفظ واحد للذكر، والأنثى، والمفرد، والمثنى، والجمع، وتستعمل للعاقل وغيره، وهي معربة بالحركات الثلاث، و"ما" زائدة.
- فأقمتم: أي: حاصرتموها، فهربوا بدون قتال، فهذه لها حكم الفيء، أما القرية التي عصت، وقام بينكم وبينها قتال، واستوليتم عليها، فلها حكم الغنيمة.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - هذا الحديث يبيِّن الفرق بين الأموال، التي تؤخذ من الكفار بحق، فنوع يؤخذ بلا قتال فهذا فيء، ونوع يؤخذ بقتال فهذا غنيمة، ولكل منهما حكمه.
٢ - فما أخذه المسلمون من مال الكفار بحق، ولكن بغير قتال، وإنما تركوه فزعًا منا، وكذا الجزية، والخراج، ومال المرتد إذا مات على ردته بقتل أو غيره، فهذا فيء يصرف في مصالح المسلمين العامة، ومرافقهم النافعة، ومِن أهمها الجهاد في سبيل الله بالسلاح، أو بالدعوة إلى الله.
стр. 3400
٣ - وما أخذه المسلمون من أموال الكفار بحق، وحصل منهم قهرًا بقتال، فهذا غنيمة، يقسمها الأمير خمسة أقسام، قسم منها يكون تابعًا للفيء، فيكون مصرفه على الصالح العالم للمسلمين، والأربعة الأخماس الباقية تقسم بين الغانمين: للراجل سهم، وللفارس ثلاثة أسهم: سهم له، وسهمان لفرسه.
٤ - الأصل في الفيء: قوله تعالى: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [الحشر: ٧].
٥ - الأصل في فرض الخمس: قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي﴾ [الأنفال: ٤١] يعني والباقي للغانمين.
والأصل في الغنيمة: قوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا﴾ [الأنفال: ٦٩]، وقد صحَّ واشتهر أنَّ النَّبيَّ ﷺ قسم الغنائم بين الغانمين، فقد روى أحمد، وأبو داود من حديث ابن عمر: "أنَّ النَّبيَّ ﷺ : أسهم للرجل ولفرسه ثلاثة أسهم: سهم له، وسهمان لفرسه"، وأما رواية الصحيحين فإنَّه: "أسهم للفرس سهمين، وللراجل سهمًا".
٦ - فهذا الحديث يبين أنَّ القرية، أو القبيلة التي يقيم عليها المسلمون، ويحاصرونها، ولكنه لم يحصل بينهم، وبين أهل قتال، وإنما الله تعالى بقوته، وعزَّته قذف في قلوبهم الرعب، فهربوا عنها، فهذه أموالها فيء، يعود إلى مصالح المسلمين العامة، وأما القرية، أو القبيلة التي عصت الرسول، ثم قام بينهم وبين أهلها قتال، واستولوا على أموالهم فهي غنيمة، تقسم بين الغانمين، وما ضرب عليها من خراج يلحق بالفيء، فيصرف مصرفه.
***
стр. 3401
باب الجِزية
مقدمة
الجِزية: مأخوذة من: الجزاء بمعنى: القضاء، أو من: المجازاة بمعنى: المكافأة؛ لأنَّهم يجزوننا عن إحساننا إليهم بها.
وشرعًا: مال يؤخذ من أهل الكتاب كل عام، مجازاة عن إقامتهم بدار المسلمين، وحقْن دمائهم، وحمايتهم ممن يعتدي عليهم.
ولا تؤخذ إلاَّ من أهل الكتابين: التوارة والإنجيل، وهما اليهود والنصارى، ومَن وافقهما في التدين بهذين الكتابين.
وألحق بهما العلماء المجوس؛ لأنَّ لهم شبهة كتاب، فقد روى البخاري عن عبد الرحمن بن عوف: "أنَّ النَّبِيَّ ﷺ أخَذَ الجزية من مجوس هجر".
وروى الشافعي أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "سُنُّوا بهم سنة أهل الكتاب".
أما من عدا هؤلاء، فلا تؤخذ منهم الجزية، ولا يقبل منهم إلاَّ الإسلام، أو القتل؛ لما في الصحيحين من حديث ابن عمر، أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "أمرتُ أن أُقاتل الناس، حتى يشهدوا أن لا إله إلاَّ الله".
قال في "شرح الإقناع": ولا جزية على من لا يجوز قتله إذا أسر، كامرأةٍ، وصغيرٍ، ومجنونٍ، وزمِنٍ، وأعمًى، وشيخٍ فانٍ، وراهب بصومعة؛ لأنَّ قتلهم ممتنع، والجزية بدل عن قتلهم.
ولا تجب على فقير يعجز عنها، غير معتمل.
стр. 3402
ومرجع تقدير الجزية إلى الإمام؛ لأنَّه يرجع فيها إلى اجتهاده.
ومتى بذلوا الواجب عليهم من الجزية، لزم قبوله، ودفع من قصدهم بأذى في دارنا، ولو كانوا منفردين ببلد، وحرُم قتالهم، وأخذ مالهم؛ لأنَّ الله تعالى جعل عطاء الجزية غاية لقتالهم فقال تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (٢٩)﴾ [التوبة].
***
стр. 3403
١١٣٧ - عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ﵁: "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَخذَهَا -يَعْنِي: الجِزْيَةَ- مِنْ مَجُوسِ هَجَرَ". رَوَاهُ البُخَارِيُّ، وَلَهُ طَرِيقٌ فِي "المُوطَّإ" فِيْهَا انْقِطَاعٌ (١).
ــ
* مفردات الحديث:
- مَجوس: واحدهم: "مجوسي"، منسوب إلى: المجوسية: ملة تطلق على أتباع الديانة الزرادشتية، وقد انقرضت، أو كادت تنقرض بعد استيلاء المسلمين على بلاد فارس.
- هَجر: -بفتحتين-: هي ما يسمى الآن: الإحساء، وكانت تلك المقاطعة تسمى: البحرين، وعاصمتها هجر، والآن اقتصر اسم البحرين على تلك الجزر المعروفة، وهي المنامة، والمحرق، وتوابعهما.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - الكفار نوعان:
أحدهما: أهل الكتاب: وهم اليهود والنصارى، فأصحاب هاتين الديانتين، يعرض عليهم الإسلام، فإن أبوا، عُرِض عليهم تسليم الجزية، فإن أبو، قوتلوا.
الثاني: من عداهم من طوائف الكفار: من عبدة الأوثان، والدهريين، والهندوس، والبوذيين، وغيرهم ممن ليس يهوديًا، ولا نصرانيًا، فهؤلاء لا يقبل منهم إلاَّ الإسلام، أو القتال.
٢ - أما المجوس: فقد أُلحقوا بأهل الكتاب؛ لأنَّ لهم شبهة كتاب، قال الوزير،
стр. 3404
وابن رشد وغيرهما: اتَّفق العلماء على أنَّ الجزية تُضرب على أهل الكتاب، والمجوس.
٣ - ووجه إلحاق المجوس بأهل الكتاب حديث الباب، وما رواه الشافعي أنَّه ﷺ قال: "سُنُّوا بهم سنة أهل الكتاب".
* خلاف العلماء:
اختلف العلماء فيمن عدا أهل الكتاب، والمجوس: هل تؤخذ الجزية منهم، أم لا؟.
فذهب الإمام أحمد إلى: أنَّها لا تؤخذ إلاَّ من أهل الكتاب، والمجوس.
وذهب جمهور العلماء إلى: أنَّه يجوز مهادنة الكفار كلهم، وأخذ الجزية منهم، واختاره الشيخ تقي الدين، وابن القيم.
قال الشيخ: إذا عرفت السنة تبين لك أنَّ النَّبيَّ ﷺ لم يفرق بين عربي وغيره، وأنَّ أخذ الجزية كان أمرًا ظاهرًا مشهورًا، ولم يخص العرب بحكم في الدين.
* فائدة:
قال الشيخ عبد الله أبا بطين: الفرق بين المعاهد، والمستأمَن، والذمي: فالمعاهد هو من أُخذ عليه العهد من الكفار، والمستأمَن هو من دخل دارنا منهم بأمان، والذمي هو من استوطن دار الإسلام بتسليم الجزية، فبالجملة الفارق بين المعاهد والمستأمن، وبين الذمي أنَّهما لم يستوطنا دار الإسلام، والذمي هو من استوطن دارنا بالجزية، والله أعلم.
***
стр. 3405
١١٣٨ - وَعَنْ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ عَنْ أَنَسٍ، وَعَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ ﵃: "أنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَ خَالِدَ بْنَ الوَلِيْدِ إِلَى أُكيْدِرِ دُومَةَ الجَنْدَل، فَأَخَذُوهُ، فَأَتوْا بِهِ، فَحَقَنَ دَمَهُ، وَصَالَحَهُ عَلَى الجِزْيَةَ". روَاهُ أَبُو دَاوُدَ (١).
ــ
* درجة الحديث:
الحديث محتج به مقبول، سكتَ عنه أبو داود والمنذري.
قال في "التلخيص": رواه أبو داود من حديث أنس بن مالك، كما رواه أبو داود والبيهقي من حديث محمَّد بن إسحاق قال: حدَّثني يزيد بن رومان وعبد الله بن أبي بكر؛ أنَّ النَّبي ﷺ ... فذكر الحديث مطولاً، وقد قواه البيهقي.
* مفردات الحديث.
- بعث النَّبي خالدًا: وذلك في غزوة تبوك.
- أُكَيْدِر: بضم الهمزة -تصغير: أكدر- ابن عبد الملك الكندي ملك دُومَة الجندل في الجاهلية، له قصر يسمى (مارد) وهو حصن منيع لا تزال آثاره باقية، بعث إليه النَّبي ﷺ خالد بن الوليد من تبوك، فأسره وفتح حصنه، وعاد به إلى المدينة، فردَّه النَّبي ﷺ إلى بلاده، وضرب عليه الجزية، فنقض العهد بعد وفاة النَّبي- ﷺ ، فبعث أبو بكر خالدًا إليه، فقتله واستولى على دومة الجندل.
- دُومَة: -بضم الدال المهملة ثم واو ساكنة وميم وهاء، وبعضهم: يرى أنَّها بفتح الدال-: وهي بلدة بالجوف أثرية زراعية تقع على حدود المملكة العربية
стр. 3406
السعودية في منطقة الجوف، وهي عاصمتها، وفيها آثار هامة منها: حصن (مارد)، وقد ألف الشيخ عبد الرحمن بن عطا الشائع مؤلفًا من جزأين، ذكر فيه الآثَار والسكان والعمران والنَّهضة الحديثة فيها، فهو مؤلَّف مستوفى عن تلك المنطقة الشمالية من المملكة العربية السعودية.
- حقَن دمَه: أي: صانه ومنعه أن يقتل ويسفك دمه.
***
стр. 3407
١١٣٩ - وَعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ﵁ قَالَ: "بَعَثَنِي النَّبِيُّ ﷺ إلَى اليَمَنِ، فَأَمَرَنِي أَنْ آخُذَ مِنْ كُلِّ حَالِمٍ دِينَارًا، أَوْ عِدْلَهُ مَعَافِيرِيًّا". أَخْرَجَهُ الثَّلاَثَةُ، وَصَحَّحَهُ ابْنِ حِبَّانَ، وَالحَاكِمُ (١).
ــ
* درجة الحديث:
الحديث صحيح:
أخرجه الثلاثة، وصححه ابن حبان، والحاكم، وأقرَّه الذَّهبي.
قال الترمذي: حسن صحيح، وهذه رواية الأعمش عن أبي وائل عن مسروق، وهي رواية محفوظة، قد رواها عن الأعمش جماعة، منهم: سفيان الثوري، وشعبة، ومبشر، وحرب، وأبو عوانة، ويحي بن شعبة، وحفص بن غياث.
وأما الرواية التي أنكرها الإمام أحمد، وأبو داود، وابن حزم-: فهي رواية أبي معاوية عن الأعمش عن إبراهيم عن مسروق عن معاذ، فهي غير محفوظة، بخلاف الأولى، والله أعلم.
وللحديث طرق عديدة.
* مفردات الحديث:
- حالِمٍ: يقال: حلَم الغلام، فهو حالم؛ أي: بلغ سن الحلم، فصار في عداد المكلفين.
- دينارًا: تقدم تحديده عدة مرات.
стр. 3408
- عِدله: بكسر العين المهملة، وفتح، وسكون الدال؛ أي: ما يعادله، ويساويه قيمةً.
- معافرِيًّا: بفتح الميم، والعين؛ أي: ثوبًا معافريًا، نسبة إلى بلد في اليمن، تسمى: معافر.
* ما يؤخذ من الحديثين:
١ - الحديثان من أدلة أصل مشروعية أخذ الجزية من الكفار بشرطها.
٢ - أما الحديث رقم (١١٣٨): فيدل على جواز أخذ الجزية من العرب كغيرهم، قال الخطابي: الأكيدر من العرب يقال: إنَّه من غسَّان، ففيه دليل على جواز أخذ الجزية من العرب، كجوازه من المعجم، وهذا هو الصحيح من قولي أهل العلم.
٣ - أما الحديث رقم (١١٣٩): فيدل أيضًا، على جواز أخذ الجزية من العرب، فإنَّ قبائل اليمن هم أصل العرب، فهم شعب قحطان المسمون: "العرب العاربة".
٤ - ويدل على أنَّ الجزية لا تؤخذ إلاَّ ممن قد بلغ الحلم؛ لأنَّ ضابط الذي لا تؤخذ منه: هو الذي لا يجوز قتله إذا أسر: من صغيرٍ، وامرأة، وغيرهما.
٥ - ويدل على قدر الجزية، فمعاذ أخذها من أهل اليمن دينارًا، وبما أنَّ النقود قد لا تتيسر في اليمن، فإنَّه يؤخذ عوض الدينار ثوبًا معافريًا، مشهورًا عندهم، نسبة إلى البلدة التي ينسج فيها، وهي بلدة معافر اليمنية.
٦ - قال في "شرح الإقناع": إنَّ عمر ﵁ جعل على الموسر ثمانية وأربعين درهمًا، وعلى المتوسط أربعة وعشرين درهمًا، وعلى الأدنى اثني عشر درهمًا، وكان بمحضر من الصحابة، ولم ينكر، فكان كالإجماع.
٧ - الصحيح أنَّ الجزية يرجع في تقديرها إلى اجتهاد الإمام، فإنَّها تختلف حسب اختلاف المكان والزمان، والغنى والفقر، والدليل على ذلك أنَّ النَّبيَّ
стр. 3409
- ﷺ هو الذي قدرها على أهل اليمن، فقال لمعاذ: "خذ من كل حالم دينارًا"، بينما زادت الجزية في تقدير عمر حينما قدرها على أهل الشام، وقد قيل لمجاهد: ما شأن أهل الشام عليهم أربعة دنانير، وأهل اليمن عليهم دينار؟ فقال: جعل ذلك من أجل اليسار.
قال في "شرح الإقناع": ومرجع الجزية إلى اجتهاد الإمام.
***
стр. 3410
باب الهُدْنَة
مقدمة
الهُدنة: لغة: السكون: من هدنت الرجل وأهدنته: إذا أسكنته.
ومعناها شرعًا: أن يعقد الإمام، أو نائبه لأهل الحرب عقدًا على ترك القتال مدة معلومة بقدر الحاجة، وتسمى: مهادنة، وموادعة، ومعاهدة.
والأصل فيها: قوله تعالى: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا﴾ [الأنفال: ٦١].
وما روى الإمام أحمد، والبخاري من حديث مروان بن الحكم، والمسور بن مخرمة: "أنَّ النَّبِيَّ ﷺ صالح قريشًا على وضع القتل عشر سنين".
والقياس يقتضي ذلك؛ لأنَّه قد يكون بالمسلمين ضعف، وفي عدوهم قوة، فيعقدوها حتى يقووا ويستعدوا.
قال في "شرح الإقناع": ولا يصح عقدها إلاَّ من إمام أو نائبه؛ لأنَّه يتعلَّق بها نظر واجتهاد، وليس غيرهما محلاًّ لذلك؛ لعدم ولايته.
ويكون العقد لازمًا، ولا يبطل بموت إمام أو نائبه، بل يلزم الثاني إمضاؤه؛ لئلا ينقض الاجتهاد باجتهاد، ويستمر ما لم ينقضه الكفار بقتال، أو غيره.
ولا تصح المهادنة إلاَّ حيث جاز تأخير الجهاد للمصلحة.
ولا تجب حمايتهم؛ لأنَّ الهدنة معناها الكف عنهم فقط.
وإن خاف الإمام نقض العهد منهم بأمارة تدل عليه، جاز نبذ العهد إليهم، فيقول لهم: نبذت عهدكم، وصرتم حربًا؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ
стр. 3411
مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾ [الأنفال: ٥٨] أي: أعلمهم بنقض العهد حتى تصير أنت وهم على سواء في العلم.
ومتى نقض الإمامُ الهدنة، وفي دارنا منهم أحد، اوجب ردهم إلى مأمنهم؛ لأنَّهم دخلوا بأمان، فوجب أن يردوا آمنين.
***
стр. 3412
١١٤٠ - وَعنْ عَائِذِ بْنِ عَمْرٍو المُزَنِيِّ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "الإِسْلاَمُ يَعْلُو، وَلاَ يُعْلَى". أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ (١).
١١٤١ - وَعنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "لاَ تَبْدَءُوا اليَهُودَ وَالنَّصَارَى بِالسَّلاَم، وَإِذَا لَقِيْتُمْ أَحَدَهُمْ فِي طَرِيقٍ، فَاضْطَرُّوهُ إِلَى أَضْيَقِهِ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٢).
ــ
* درجة الحديثين:
أما حديث عائذ فحسن.
أورده الضياء في "المختارة"، مما يدل على صحته، وقد حسَّنه الحافظ في "الفتح"، وقد روي عن عمر، ومعاذ نحوه، وصحَّ موقوفًا عن ابن عباس.
وأما حديث أبي هريرة فضعيف.
كما قال الحافظ ابن حجر، فيما نقله عنه المناوي في "فيض القدير"، لكن السيوطي اعتمد تحسينه في "الجامع الصغير".
* مفردات الحديث:
- فاضطروه: يقال: اضطره إليه اضطرارًا: أحوجه إليه، وألجأه، والمراد: ألجئوه إلى أضيق الطريق.
* ما يؤخذ من الحديثين:
١ - الإسلام ليس دين عدوان ودماء، وإنما هو دين سلامٍ، ورحمةٍ، ووئامٍ، ولذا
стр. 3413
فإنَّه يعالج الوصول إلى آذان الناس وإلى قلوبهم بأسهل الطرق وأفضلها، ولا يعتبر الحرب إلاَّ ضرورة يلجأ إليها عند التعذر في إبلاع دعوته إلى عامة الناس، حينما يقف في سبيله خاصتهم، وذوو النفوذ فيهم.
٢ - لذا فإنَّ الإسلام يعقد مع الكفار عقد الأمان والمعاهدة، اللَّذين يتمكن الكافر بهما من سماع كلام الله تعالى، والاطلاع عن كثب على حقيقة الدعوة الإسلامية.
ويعقد مع الكفار أيضًا عقد الذمة، الذي به يقر الكافر على كفره، ولو في ديار المسلمين، بشرط بذل الجزية، والتزام أحكام الملة الإسلامية.
٣ - هذه العقود مع الكفار تكون حتى في قوة الإسلام وعزته، إذا كانت المصلحة العامة للإسلام والمسلمين تقتضي عقدها، ولذا فإنَّها لا تبرم على حساب تنقص الإسلام، واستضعافه أمام الأديان الأُخرى، وأهلها، فإنَّ الإسلام يعلو، ولا يُعلى عليه.
٤ - لذا يجب على الذميين التزام أحكام الإسلام فيما يعتقدون تحريمه؛ كالزنا والسرقة، دون ما يعتقدون حله كالخمر.
٥ - عليهم ضمان إتلاف الأنفس، والأموال، وانتهاك الأعراض، فتقام عليهم الحدود.
٦ - يجب عليهم التميز عن المسلمين في قبورهم، فلا يدفنون مع المسلمين.
٧ - يجب عليهم التميز عن المسلمين بلباس خاص يُعرفون به.
٨ - لا يجوز تصديرهم في المجالس، ولا القيام لهم عند قدومهم.
٩ - لا يجوز بدؤهم بالسلام، ولا كيف أصبحت، وأمسيت، أو نحو ذلك من ألفاظ اللطافة، والحفاوة.
١٠ - لا يجوز تهنئتهم في أعيادهم، ولا حضورها، ولا الإعانة عليها.
١١ - إذا التقوا مع المسلمين في الطرق، فليضطرهم المسلمون إلى أضيقها.
стр. 3414
١٢ - يُمنعون من إحداث الكنائس، والبِيع، والمعابد، وبناء ما انهدم منها، أو تجديد ما خرب من أجزائها.
١٣ - يُمنعون من إظهار خمرٍ، وخنزيرٍ، والجهر بنواقيسهم، والجهر بقراءة كتبهم.
١٤ - يمنعون من تعلية مبانيهم السكنية على مساكن المسلمين، سواء ملاصقة، أو مقاربة.
١٥ - هذا كله إذا كانوا في ديار المسلمين.
أما إذا كانوا في ديارهم فلا يمنعون شيئًا من ذلك، بل يبقون على لباسهم، وعاداتهم، ومعابدهم، ومساكنهم، وغير ذلك.
* فوائد:
الأولى: هذه الأمور يعامل بها الكفار؛ لقصدين:
الأول: أنَّ الإسلام يعلو، ولا يُعلى عليه، ويجب أن يكون هو الدين الذي أراد الله تعالى أن يظهره على الدين كله، فنحن بعملنا ننفذ إرادة الله تعالى الشرعية.
الثاني: أنَّ هذه المضايقة تسبب للكفار القلق من البقاء على دينهم، واعتناق دين الإسلام، لاسيَّما إذا رأوا عزَّة المسلم، وعلوَّ قدره، والإسلام يعالج الأمور بالوسائل التي تكون كفيلة بتحقيق مقاصده، وإلاَّ فالإسلام أحسن الأديان، وأفضلها في تحقيق العدالة والمساواة، والبعد عن الطبقية، والسيطرة على الآخرين، وفي دخولهم في الإسلام فلاحهم، وصلاحهم في الدنيا والآخرة.
الثانية: نحن نكتب الآن أحكام أهل الذمة التي ذكرنا بعضًا من معاملة الإسلام لهم، وهي أمور وأحكام كانت سارية المفعول، قائمة التنفيذ يوم كانت الدولة دولة إسلام، والصوت هو صوت الحق.
أما الآن، فإنَّ المسلمين ذلوا، وضعفوا أمام سيطرة أعداء الإسلام،
стр. 3415
وصاروا هم الأتباع الرعاع، وأصبحوا يقلدون أعداء الإسلام في لباسهم، وزيهم، وعاداتهم، وتقاليدهم، وفجورهم، وانحلالهم، وصار الرجعي الغبي في نظر أدعياء الإسلام، وأذناب الكفار، هو الذي يكف نفسه، وبيته، وأهله عن مشابهتهم، ومحاكاتهم، فهذا هو المتخلف الذي يعيش بعقل قديم من عهد القرون الأولى، ولم يقف الأمر عند هذا الحد، حتى صار مدعو الثقافة منا والعلم يخدمونهم في بث سمومهم في تحريف عقائد المسلمين، والطعن في الإسلام وأحكامه، وتوجيه النقد على مصادره، محاولين طمس معالم الإسلام، وانتزاع بقيته من صدور البقية من أهله، ووجَّه هؤلاء الملاحدة حربًا شعواء ضد الإسلام، واستعانوا على إشعالها بذوي النفوس المريضة من أهله.
والطامة الكبرى أن توجد إعانة الملاحدة على الإطاحة بالإسلام من كثير من قادة المسلمين، وولاة أمرهم.
ولكن أملنا في الله تعالى وحده، فهو الذي بيده التدبير، وله الخلق والأمر، وهو الذي وعد بحفظ دينه، وإظهاره على الدين كله، ولو كره الكافرون، وتباشير صباح الإسلام أخذت تظهر بهذا الشباب المؤمن الواعي المستيقظ، الذي نرجو الله تعالى بأن يحمل على عاتقه إعلاء كلمة الله، والسير بها في مشارق الأرض ومغاربها، ليبلغها إلى المتعطشين إلى دعوته، ويومئذٍ يتحقَّق النصر إن شاء الله تعالى، وتَعلُو كلمة الله، وترفع رايتها، فلله الأمر من قبل ومن بعد، ويومئذٍ يفرح المؤمنون بنصر الله.
***
стр. 3416
١١٤٢ - وَعَنِ المِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ، وَمَرْوَانَ ﵄: "أنَّ النَّبِيَّ ﷺ خرَجَ عَامَ الحُدَيْبِيةَ ... " فَذَكَرَ الحَدِيثَ بِطُولهِ، وَفِيهِ: "هَذَا مَا صَالَحَ عَلَيْهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ سُهَيْلَ بْنَ عَمْرٍو، عَلَى وَضْعِ الحَرْبِ عَشْرَ سِنِينَ، يَأْمَنُ فِيهَا النَّاسُ، وَيَكُفُّ بَعْضُهُمْ عَنْ بَعْضٍ". أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَأَصْلُهُ فِي البُخَارِيِّ (١).
وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ بَعْضَهُ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ ﵁ وَفِيهِ: "أنَّ مَنْ جَاءَ مِنكمْ لَمْ نَرُدَّهُ عَلَيْكُمْ، وَمَنْ جَاءَكُمْ مِنَّا رَدَدْتُمُوهُ عَلَيْنَا" فَقَالُوا: أَنَكْتُبُ هَذا يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: "نَعَمْ، إِنَّهُ مَنْ ذَهَبَ مِنَّا إِلَيْهِمْ فَأَبْعَدَهُ اللهُ، وَمَنْ جَاءَنَا مِنْهُمْ، فَسَيَجْعَلُ اللهُ لَهُ فَرَجًا، وَمَخرَجًا" (٢).
ــ
* درجة الحديث:
الحديث صحيح.
فأصله في البخاري، كما قال المؤلف، ورجاله ثقات؛ ذلك أنَّه جاء من طريق محمَّد بن ثور عن معمر عن الزهري عن عروة بن الزبير عن المسور بن مخرمة.
* مفردات الحديث:
- المِسور بن مخرمة: بن نوفل القرشي الزهري، له ولأبيه صحبة، وهو من صغار الصحابة، وأبوه من مسلمة الفتح، وحسن إسلامه، وكان عالمًا
стр. 3417
بالأنساب، والمثالب.
- مروان: بن الحكم الأموي ابن عم عثمان بن عفان ﵁ من صغار الصحابة، له ولأبيه صحبة، وتولى إمارة الشام، ثم صارت الخلافة العامة في ابنه عبد الملك، ثم في أحفاده، حتى قامت الدولة العباسية عام (١٣٢ هـ).
- الحُدَيْبِيَة: بضم الحاء المهملة، وفتح الدال، وسكون الياء، ثم باء مكسورة، ثم فتح الياء الثانية، تصغير: "حدْباء"، وبعض اللغويين يثقلها، وبعضهم يخففها، والصواب التخفيف، سميت باسم بئر فيها، وكان فيها الشجرة التي بايع الصحابة تحتها النبي ﷺ سنة ست، والحديبية فضاء على طريق مكة جدة، بعضه في الحل، وبعضه في الحرم، وهو أبعد حدود الحرم، وفيه أنصاب الحرم، ويسمى الآن الشميسي، صار فيه الصلح المشهور بين النبي ﷺ ، وكفار قريش، سنة ست من الهجرة، يبعد حد الحرم في الحديبية عن المسجد الحرام بنحو ثلاثة وعشرين كيلو مترًا.
- الفَرَج: لغة: الشق، والمراد هنا: سهولة الأمر وانكشاف الهمّ، والغمّ.
- المَخرج: موضع الخروج، والمراد هنا: الأمر الذي ينجيه، ويخرجه من كل كرب في الدنيا والآخرة.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - خلاصة عمرة الحديبية، والصلح الجاري فيها: أنَّ النَّبيَّ ﷺ خرج من المدينة إلى مكة مُحْرمًا، يريد العمرة، ومعه نحو "ألف وأربعمائة" رجل من أصحابه، فلما قرب من مكة خرج إليه مشركو قريش؛ ليمنعوه من دخولها عليهم عنوة، فتواقف الطرفان عدة أيام في الحديبية، ترددت بينهم الرسل، حتى تم الصلح على شروط.
منها: أن يعود النبي ﷺ هذا العام، ويأتي من العام القابل؛ ليعتمر، ويقيم فيها ثلاثة أيام، ثم يخرج، ومنها: وضع الحرب بين الطرفين عشر
стр. 3418
سنين.
ومنها: أنَّ من جاء من كفار قريش مسلمًا، رده النبي ﷺ ، وأنَّ من جاء إليها من المسلمين، لم ترده قريش إلى النبي ﷺ ، في شروط مذكورة في هذا الصلح المشهور.
فحلَّ النبي ﷺ وأصحابه إحرامهم، وعادوا بعد إبرام هذا الصلح، الذي وفَّى النَّبي ﷺ ببنوده وشروطه، إلاَّ أنَّ قريشًا نقضته، فصار نقضه سبب فتح مكة المشرفة، ولله الحمد.
٢ - ففي القصة، والصلح الواقع فيها دليل جواز مهادنة الكفار، بوضع الحرب بينهم وبين المسلمين، ولا يعتبر هذا تعطيلاً للجهاد، وإنما هو تأجيل؛ نظرًا إلى مصلحة المسلمين العامة التي قد تقضي ذلك.
٣ - لذا فإنَّ هذه الموادعة، والهدنة تكون مؤقتة بمدة معلومة.
قال في "الروض المربع": والهدنة عقد الإمام أو نائبه على ترك القتال مدة معلومة، ولو طالت بقدر الحاجة.
٤ - قال الشيخ تقي الدين: يجوز عقدها مؤقتًا، والمؤقت لازم الطرفين، يجب الوفاء به ما لم ينقضه العدو، وإذا مات الإمام، أو عُزِل، لزم من بعده الوفاء بعقده.
٥ - يصح أن يكون من الشروط أنَّ من ارتد عن الإسلام، ولجأ إلى الكفار أنَّهم لا يردونه على المسلمين، وأنَّ من أسلم وجاء إلى المسلمين من الكفار يرد إليهم، والرضا بهذا الشرط الأخير إنما يكون عند الحاجة إليه، بظهور مصلحة الصلح للمسلمين.
٦ - الموافقة على هذا الشرط، وإن كان فيه غضاضة على المسلمين حسب الظاهر، لكن فيه خير أراده الله تعالى، فإنَّ النَّبيَّ ﷺ بيَّنه ووضَّحه بقوله: "إنَّه من ذهب منَّا إليهم، فأبعده الله تعالى؛ لأنَّه مرتد عن الإسلام ولا خير
стр. 3419
فيه، وأما من جاء منهم، ثم رددناه إليهم، فإنَّ الله تعالى سيجعل له فرجًا ومخرجًا".
٧ - هذا الشرط خاص بالرجال، أما النساء فإنَّهن مستثنيات منه بقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ [الممتحنة: ١٠].
٨ - الإمام ابن القيم ﵀ بعد أن ساق قصة الحديبية في "زاد المعاد"، أبرز كثيرًا من فوائدها، وأحكامها، ونحن هنا ننقل بعض الأحكام، والفوائد المتعلقة بهذه القطعة من القصة، التي ساقها ابن القيم، ونزيد عليها ما تيسر فهمه، وقد تقدمت بعض أحكامها، وأما البعض الآخر فمنه:
قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ﴾ [الفتح: ٢٤] فإنَّه لولا هذا الكف الذي قدره الله، فإنه سيحصل مقتلة بين المسلمين وبين المشركين، وستكون المقتلة من الطرفين كبيرة جدًا، وذلك أنَّ المسلمين متحمسون للقتال، وقد بايعوا النبي ﷺ على ألا يفروا إلى الموت، وهم صفوة الصحابة، وحملة الشريعة، ومنهم الخلفاء الأربعة، الذين أعزَّ الله بهم الإسلام.
أما المشركون فعندهم حقد شديد، وعندهم أنفة وعزة أن يدخل عليهم عدوهم دارهم عنوةً وقهرًا، وسيقاتلون، ويدافعون عن هذه الإهانة والمذمة، وسيجالدون، ويقاتلون حتى الموت.
ومنهم في ذلك الوقت من أسلموا، فصاروا قواد المسلمين بعد إسلامهم، من أمثال خالد بن الوليد، وعمرو بن العاص، وعكرمة بن أبي جهل، وسهيل بن عمرو، والحارث بن هشام، وأبي سفيان بن الحارث، وأبي سفيان بن حرب من الأعيان، والوجوه الذين أسلموا بعد قليل من هذا الصلح، فصاروا زينة الإسلام، وعز الإيمان.
стр. 3420
٩ - ومن هذه الفوائد والأحكام أنَّ هذه الهدنة، والموادعة مع مشركي أهل مكة، هي التي صارت سببًا لإسلام عمرو بن العاص، وخالد بن الوليد، وأبي سفيان بن الحارث، وعبد الله بن أبي أمية من أعيان مكة، وزعماء قريش، الذين لما أسلموا انقاد بسبب إسلامهم خلق كثير منهم.
فهذه الموادعة عرَّفت المشركين أحوال الإسلام، وآدابه، ووفاء أهله.
١٠ - ومن الحِكم والفوائد أنَّ هذا الصلح صار سبب فتح مكة بعد أقل من سنتين؛ ذلك أنَّ قريشًا نقضت العهد باعتدائهم على حلفاء النبي ﷺ من قبيلة خزاعة، فجاء رسول الله ﷺ بعشرة آلاف مقاتل، ففتح مكة، ودخلها عنوة بقتال يسير، وأصبحت بفضل الله تعالى بلدة إسلامية.
ولذا فإنَّه لما انصرف النبي ﷺ بعد إتمام الصلح عن الحديبية ببضعة أميال، أنزل الله تعالى عليه قوله تعالى: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (١)﴾ [الفتح].
فقد روى البخاري من حديث البراء قال: "تعدون أنتم الفتح فتح مكة، وقد كان فتح مكة فتحًا، ولكن نحنَّ نعد الفتح بيعة الرضوان يوم الحديبية".
١١ - ومنها: تحقق الفرَج والمخرَج، الذي أشار إليه النبي ﷺ في حق المسلمين المردودين على الكفار، فإنَّهم هربوا من قريش ولم يأووا إلى النَّبي ﷺ ، وإنما أقاموا في طريق قوافل قريش إلى الشام، فصاروا يعرِضون لها، ويقتلون من معها، ويغنمون أموالهم حتى ضجَّت قريش، وطلبت من النبي ﷺ إلغاء هذا الشرط، وإيوائهم مع أصحابه في المدينة، ومن يتَّق الله يجعل له مخرجًا، ويجعل له من أمره يسرًا.
١٢ - الدليل على هذه الإرادة الإلهية، والتدبير الرباني-: أنَّ المسلمين لما وصلوا الثنية التي تهبط على حدود الحرم من جهة الحديبية- المسماة الآن "الشميسي" -بركت ناقة النبي ﷺ ، فقال الصحابة: خلأت القصواء؛ أي:
стр. 3421
حزنت، فقال النبي ﷺ : ما خلأت القصواء، وما ذاك لها بُخلق، ولكن حبسها حابس الفيل، ثم قال: والذي نفسي بيده، لا يسألون خطة يعظمون بها حرمات الله، إلاَّ أعطيتهم إيَّاها، ثم زجروها، فوثبت به بعد هذا القسم، فعدل عن قصد مكة، حتى نزل بأقصى الحديبية مما يلي جدة، كل هذا تجنبًا للقتال في الشَّهر الحرام، والبلد الحرام، إلاَّ أن تلجيء إليه الضرورة.
١٣ - قال ابن القيم: ومنها أنَّ المشركين، وأهل البدع، والبغاة، والظلمة إذا طلبوا أمرًا يعظمون به حرمة من حرمات الله تعالى -أجيبوا إليه، وأعطوه، وأعينوا عليه، فيعانون على تعظيم ما فيه حرمات الله، لا على كفرهم، وبغيهم.
فكل من التمس المعاونة على محبوب الله تعالى، أجيب إلى ذلك، كائنًا من كان، ما لم يترتب على إعانته على ذلك المحبوب مكروه أعظم منه، وهذا في أدق المواضيع، وأصعبها، وأشقها على النفوس.
ولذلك ضاق عنه من ضاق من الصحابة في إجابتهم إلى هذه الشروط.
١٤ - ومنها: جواز بدء الإمام بطلب صلح من العدو، إذا رأى المصلحة للمسلمين فيه، ولا يتوقف ذلك على ابتداء الطلب من الكفار.
١٥ - ومن الفوائد: أنَّ المشهود عليه إذا عُرف باسمه، واسم أبيه أغنى ذلك عن ذكر جده وقبيلته، فإنَّ النَّبيَّ ﷺ اكتفى بكتاب الصلح بقوله: "محمَّد بن عبد الله"، و"سهيل بن عمرو".
١٦ - فهذه القصة العظيمة، وذلك الصلح الهام، وتلك الوثيقة المحكمة، أجراها الله تعالى العليم الخبير، ظاهرها الغِبطة للمشركين، ولكن باطنها الحكمة، والفائدة، والعز، والتمكين للمسلمين.
ولذا قال ابن القيم -رحمه الله تعالى-: هي أكبر وأجل من أن يحيط بها إلاَّ الله الذي أحكم أسبابها، فوقعت الغاية على الوجه الذي اقتضته حكمته.
стр. 3422
١١٤٣ - وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "مَنْ قَاتَلَ مُعَاهَدًا، لَمْ يُرِحْ رَائِحَةَ الجَنَّةِ، وَإِنَّ رِيحَهَا لَيُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ أَرْبَعِينَ عَامًا". أَخَرَجَهُ البُخَارِيُّ (١).
ــ
* مفردات الحديث:
- يُرِح: بضم الياء، وكسر الراء؛ أي: لم يجد رائحة الجنة.
- رائحة الجنة: الرائحة: النسيم، ورائحة الجنة: ريح نسيمها الطيب العطر.
قال ابن القيم في "حادي الأرواح": وريح الجنة نوعان: ريح يوجد في الدنيا تشمه الأرواح أحيانًا، ولا تدركه العبارة، وريح يدرك بحاسية الشم للأبدان، وهذا يشترك في إدراكه في الآخرة من قَرُب، ومن بعُد.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - قال في "شرح الإقناع": ويحرم بالأمان قتل، ورِق، وأسر، وأخذ مال، والتعرض لهم، لعصمتهم به، وروى سعيد بن منصور في "سننه"؛ أنَّ عمر ابن الخطاب ﵁ قال: "لو أنَّ أحدكم أشار بإصبعه إلى السماء فنزل بأمانه فقتله، لقتلته به".
٢ - الحديث يدل على تحريم قتل المعاهد، وأنَّه كبيرة من كبائر الذنوب؛ لأنَّه رتَّب عليه حرمانه من دخول الجنة في ظاهر الحديث.
٣ - جاء في بعض روايات الحديث بأنَّ القتل "بغير جرم"، و"بغير حق"، ولكن التقييد معلوم من قواعد الشرع.
٤ - أما بالحق فإنَّ الذمي والمعاهد تقام عليهما الحدود؛ لأنَّهما ملتزمان بأحكام المسلمين، بخلاف حربي، ومستأمن، فإنَّهما غير ملتزمين بأحكام الإسلام.
стр. 3423
باب السبق والرمي
مقدمة
السبق: مصدر سبق يسبق سبقًا، والسَّبَقُ بتحريك الباء: الجُعل الذي يسابق عليه.
وبسكون الباء: هو الفعل، أي: المجاراة بين حيوان ونحوه.
قال الشيخ تقي الدين: السباق بالخيل، والرمي بالنَّبل، ونحوه من آلات الحرب مما أمر الله به ورسوله؛ لأنَّه مما يعين على الجهاد في سبيل الله.
وقال الشيخ عبد الرحمن السعدي: المغالبات ثلاثة أقسام:
الأول: يجوز بلا عوض، ولا يجوز بالعوض، وهذا هو الأصل، فدخل في هذه: المسابقة على الأقدام، والسفن، والمصارعة، ومعرفة الأشد فيما ليس فيه تهلكة.
الثاني: لا يجوز بعوض، ولا بغير عوض؛ وذلك كالشطرنج، والنرد، وكل مغالبة ألهت عن واجب، أو أدخلت في محرم.
الثالث: تجوز بعوض؛ وهي المسابقة، والمغالبة بين السهام، والإبل، والخيل.
وقال الأستاذ طبارة: الصلاة هي رياضة دينية إجبارية، لكل مسلم يؤديها خمس مرات، بلا إجهاد، ولا إرهاق، فتكون خير مقوم للبدن، ومنشط لأمعائه، ورياضة صالحة لعضلات جسمه ومفاصله، وإذا تأملنا حركات الصلاة وجدنا شبهًا بينها وبين النظام السويدي في
стр. 3424
الرياضة، والنظام السويدي لا يزيد عمره عن مائة سنة، في حين أنَّ نظام الصلاة في الإسلام مضى عليه ألف وأربعمائة عام.
وقال الشيخ محمد بن إبراهيم: اللعب بأنواع الرياضيات في وقت الصلاة المكتوبة لا يجوز بحال، وهو من المنكرات الواجب إنكارها، فإن لم تكن وقت صلاة، فلا نرى مانعًا يمنع جوازها.
وحكم الرياضة في الإسلام الجواز والاستحباب، ما كان منها بريئًا هادفًا إلى ما فيه التدريب على الجهاد، وتنشيط الأبدان، وتقوية الأرواح.
***
стр. 3425
١١٤٤ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: "سَابَقَ النَّبِيُّ ﷺ بِالخَيْلِ الَّتِي قَدْ ضُمِّرَتْ مِنَ الحَفْيَاءِ، وَكانَ أَمَدُهَا ثَنِيَّةَ الوَدَاعِ، وَسَابَقَ بَيْنَ الخَيْلِ الَّتِي لمْ تُضَمَّرْ مِنَ الثَّنِيَّةِ إِلَى مَسْجِدِ بنَي زُرَيْقٍ، وَكانَ ابْنُ عُمَرَ فِيْمَنْ سَابَقَ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
زَادَ البُخَارِيُّ، قَالَ سُفْيَانُ: "مِنَ الحَفْيَاءِ إِلَى ثَنِيَّةِ الوَدَاع خَمْسَةُ أَمْيَالٍ، أَوْ سِتَّةٌ، وَمِنَ الثَّنِيَّةِ إِلَى مَسْجِدِ بنَي زُرَيْقٍ مِيلٌ" (١).
ــ
* مفردات الحديث:
- ضُمِّرتْ: مبني للمجهول، فهي مضمومة الأول، مشددة الميم، فراء مفتوحة.
قال علماء اللغة: التضمير: أن يكثر له العلف، والماء مدة أربعين يومًا حتى يسمن، ثم يرده إلى القوت، ويجريه في الميدان، حتى تجف، وتدق، وتضمر.
- الحفياء: -بفتح الحاء المهملة، وسكون الفاء، بعدها مثناة تحتية ممدودة، وقد تقصر-. قال السمهودي: الحفيا: بأدنى الغابة، شامي البركة، مغيض العين.
قال محرره: والغابة: وهي محل السباق من شمال المدينة، من وراء جبل أحد.
- أمدها: بفتح الهمزة، وفتح الميم، ثم دال مهملة؛ أي: غايتها.
стр. 3426
- ثنية الوداع: الثنية: هي العقبة، وجمعها ثنايا، وقد اختلف العلماء في ثنية الوداع التي قرب المدينة: هل هي على طريق مكة، أو على طريق الشام؟
وقال الفيروزآبادي في "معالم طابة": ثنية الوداع، بفتح الواو من التوديع، وهي ثنية مشرفة يطؤها من يريد مكة، وقال أهل السير، والتاريخ، وأصحاب المسالك: إنَّها من جهة مكة، وأهل المدينة يظنونها من جهة الشام، وكأنهم اعتمدوا قول ابن القيم، فإنَّه قال: من جهة الشام ثنيات الوداع، ولا يطؤها القادم من مكة ألبتة، ووجه الجمع أنَّ كلتا الثنيتين تسمى: ثنية الوداع، والله أعلم.
- مسجد بني زُريق: بنو زريق بطن من الخزرج من الأنصار، وهو تصغير أزرق، ومحلتهم: قِبلة المسجد النبوي الشريف، داخل سور المدينة المنورة.
قال السمهودي: وقد أحدث في جهة قبلة المصلى مما يلي المغرب مسجدان بعد (٨٥٠) ذراعًا، نبهت على ذلك؛ لئلا يتقادم العهد بها، فيظن أنَّ أحدهما مسجد بني زريق؛ لكون ذلك بالناحية المذكورة، والله أعلم.
- خمسة أميال: الميل: ألف وستمائة متر.
***
стр. 3427
١١٤٥ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄: "أنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَابَقَ بَيْنَ الخَيْلِ، وَفَضَّلَ القُرَّحَ فِي الغَايَةِ". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ (١).
ــ
* درجة الحديث:
الحديث صحيح.
قال ابن عبد الهادي: إسناده صحيح.
وقال الشوكاني: سكت عنه أبو داود، والمنذري، وصححه ابن حبان، وقد حسَّنه الترمذي.
* مفردات الحديث:
- سابق: من: المسابقة، وهي السبق الذي يشترك فيه اثنان، وباب المفاعلة يقتضي ذلك، وهذا اللفظ الذي جاء في الصحيحين.
أما الشيخ محمَّد أمين كتبي فقال: "سابق الخيل"، هكذا بالألف من باب فاعل. وفي نسخ "البلوغ"، و"سبل السلام"، والذي في النسخة الهندية، والمصرية: "سبَّق" بتشديد الباء، ومعناه: أعطى السبق للسابق.
- القُرَّح: -بضم القاف، وتشديد الراء، آخره حاء مهملة- جمع: قارح، وهي التي سقطت سنها، التي تلي الرباعية، ونبت مكانها نابها، وذلك إذا أتمت السنة الخامسة.
- فضَّل القُرح: يجعل غايتها أبعد؛ لقوتها وجلدها.
стр. 3428
- الغاية: بالغين المعجمة، ثم ألف، بعده ياء مثناة تحتية، ثم تاء التأنيث، غاية كل شيء نهايته وآخره، وجمع الغاية: غاي وغايات، والغاية: مسافة المضمار من مبتدأ انطلاق المتسابقين إلى نهايته.
***
стр. 3429
١١٤٦ - وَعنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ "لاَ سَبَقَ إِلاَّ فِي خُفٍّ، أوْ نَصْلٍ، أو حَافِرٍ" رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالثَّلاَثَةُ، وَصَحَّحَهُ ابنُ حِبَّانَ (١).
ــ
* درجة الحديث:
الحديث صحيح.
قال ابن عبد الهادي: رواه أحمد، وأبو داود، والنسائي، والترمذي، وابن حبان، وصحَّحه ابن القطان. اهـ.
وصححه ابن دقيق العيد، كما في التلخيص لابن حجر.
قال الشيخ الألباني: أخرجه أحمد، وأبو داود، والنسائي، والترمذي، وابن حبان، والبيهقي، وقال الترمذي: حديث حسن، وإسناده صحيح، فرجاله كلهم ثقات، وللحديث طرق:
١ - عن أبي هريرة أيضًا: أخرجه أحمد، وابن ماجه، والنسائي، وفيه أبو الحكم، وهو مجهول.
٢ - عن أبي هريرة أيضًا: أخرجه أحمد، والنسائي، وفيه ابن لهيعة، وإسناد النسائي صحيح، فرجاله كلهم ثقات.
٣ - عن ابن عباس: أخرجه الطبراني، ورجاله موثوقون، وفيه الغروي ضعيف.
٤ - عن ابن عمر: أخرجه ابن عدي، وابن حبَّان، وفيه عاصم بن عمر ضعيف، فالحديث بهذه الطرق صحيح.
стр. 3430
* مفردات الحديث:
- لا سبَقَ: السبق بفتح الباء: هو الجُعل، والعِوض الذي يوضع لذلك، فهو المنفي المنهي عنه، وأما بسكون الباء فهو مصدر: سبق يسبق سبْقًا.
- خُف: بضم الخاء، ثم فاء مشدَّدة، المراد بالخف: الإبل؛ لأنَّها ذوات الأخفاف.
- نصْل: بفتح النون، وسكون الصاد المهملة، آخره لام، المراد به: السهم.
- حافر: المراد بالحافر: الخيل؛ لأنَّها من ذوات الحافر، وكلها من إقامة المضاف مقام المضاف إليه.
* فائدة:
قال ابن بطال في "غريب المهذب": الخف للإبل، والحافر للفرس، والبغل، والحمار، والظِّلْف لسائر البهائم، والمِخْلب للطير، والظفر للإنسان.
* ما يؤخذ من الأحاديث الثلاثة:
١ - المغالبات، والمراهنات، والمخاطرات ممنوعة كلها، لاسيَّما إذا كانت بِعِوض؛ لأنَّها من أنواع الميسر الذي قال تعالى فيه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠)﴾ [المائدة].
٢ - الميسر هو القمار، ويدخل فيه كل المغالبات على عوض، ذلك القمار الذي يفضي إلى العداوة والبغضاء، ويصد عن ذكر الله بما يسبب لأصحابه من الغفلة، والذهول، وتعلق القلب بالكسب والخسارة.
فهو يجلب أرباحًا كبيرة بلا تعب، ولا عناء، ولا جهد، ولا كدّ، أو يسبب خسارة عظمى، وإفلاسًا، وبسبب هذا -أي: التقلب المفاجيء- يصبح الإنسان غنيًّا كبيرًا، أو يمسي فقيرًا مُدقِعًا، فمن أجل مفاسده الكبيرة، حرَّمه الله.
стр. 3431
٣ - فالشرع أجاز من هذه المغالبات ما أعان على الجهاد في سبيل الله، فإنَّه أجاز السباق على الخيل، والإبل، كما أجاز الرمي والمناضلة؛ لأنَّ هذا كله مما يعين تعلمه، والمهارة فيه على الجهاد في سبيل الله، ونصر دينه.
٤ - الحديث رقم (١١٤٤): يدل على جواز المسابقة على الخيل؛ لأنَّ الخيل في ذلك الزمن هي العُدة التي يقاتل عليها أعداء الإسلام.
قال تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ [الأنفال: ٦٠].
٥ - ومن نظام المسابقة عليها أنَّ كل نوع من الخيل يتسابق أفراده بعضه مع بعض، فالخيل المُضمرة تتسابق وحدها، والخيل التي لم تُضمر تتسابق وحدها؛ ليحصل الفوز بين واحد، وآخر بنفس الجودة والقوة، فلا يعزى السبب إلى شيء آخر خارج عن موضوع المنافسة.
٦ - الفرق بين المضمرة، وغير المضمرة: أنَّ المضمر أخف، وأسرع في الجري، وأمتع في طول الحضر، بخلاف غير المضيرة، فهي بطيئة الجري.
٧ - الخيل المضمرة: هي التي دقت، ولطفت بطونها، ونشف الماء من لحمها، وأعدت للسباق، أو القتال؛ وذلك بأن تعلف حتى تسمن، ثم بعد السمن تعطى من العلف قليلاً جدًا، حتى يذهب ماؤها ورهالها، وتخفف حتى يكون فيها بقية السمن، وفيه الخف، والضمر من الترهيل.
أما غير المضمرة: فقد علفت حتى سمنت، وبقيت في زيادة الأكل، فلا تزال في بدانتها، وانتفاخها.
٨ - ليأخذ السباق دوره الحقيقي، فإنَّه جعل لكل نوع من الخيل غايته، ومداه الذي يناسبه، ويليق به، فالخيل المضمرة غايتها من الحفياء إلى ثنية الوداع، وقدر هذه المسافة خمسة أميال، أو ستة.
وأما التي لم تضمر فأمدها، وغايتها من الثنية إلى مسجد بني زريق،
стр. 3432
وغاية هذه المسافة، وأمدها ميل واحد.
٩ - أما الحديث رقم (١١٤٥): فإنَّ النبىَّ ﷺ سابق بين الخيل، وفضَّل القُرَّح، وهي ما كمل سنها خمس سنين؛ لأنَّها أمتع، وأقوى على الجري، والسباق.
١٠ - القتال وسلاحه وعُدته تطور الآن عن حالته السابقة تطورًا بعيد المدى، وأصبحت العلوم العسكرية، والفنون الحربية تتلقى الآن في المدارس والكليات المنوعة، وميادين التدريب، وأصبحت الحرب بمعرفة استعمال أسلحته من الرشاشات، والمدافع والصواريخ، والطائرات الحربية المقاتلة، والدبابات، والمدرعات، والغواصات، وما أشبه ذلك.
وأصبح رجال الحرب، والدفاع برتبهم، ومؤهلاتهم وتخصصاتهم وحماية الأوطان، وإعطاء الرتب الرفيعة، لمن قام بعمل بطولي، أو تقدم في ميدان علمي عسكري مشروع؛ لتنشيط وتشجيع البارزين، والمتفوقين في هذه الميادين، كما أنَّ إجراء المنافسة، والتسابق في التفوق في الميادين الحربية هو من الأمور المحبوبة المشروعة؛ لأنَّها يعز بها الإسلام، ويرد به كيد أعداء الإسلام والمسلمين، ويحمي الوطن والمواطنين من الأعداء، والطامعين، والمعتدين.
١١ - أما الحديث رقم (١١٤٦): فهو يدل على ما قلنا من أنَّ المراهنة والمخاطرة لا تجوز إلاَّ في ثلاثة أشياء هي:
١ - الخف: والمراد بها: الإبل.
٢ - النصل: هو الرمي بالنشاب ونحوه.
٣ - حافر: والمراد بها: الخيل.
١٢ - وتقدم أنَّ هذه الأمور هي أداة القتال، والجهاد في سبيل الله في ذلك الزمن، وأنَّ ما ظهر من الأسلحة المتطورة، وآلات القتال، ومراكبه
стр. 3433
الحديثة، فإنَّها داخلة في هذا النص، نظرًا إلى أنَّ العبرة عموم المعنى، لا خصوص اللفظ.
١٣ - قال ابن القيم: السبق: عقد مستقل بنفسه، له أحكام يختص بها، ويتميَّز بها عن الإجارة، والجعالة، والنذور، والفداء، ونحوها، وليس من باب الجعالة، ولا الإجارة، ومن أدخله في أحد هذين البابين تناقض.
إلاَّ أن يقصد الباذل تمرين من يسبقه، كولده، والمعلم للمتعلم، فهذا هو الجعالة المعروفة، والغالب فيها مسابقة النظراء بعضهم لبعض.
١٤ - قال شيخ الإسلام: السباق بالخيل، والرمي بالنبل، ونحوه من آلات الحرب مما أمر الله به ورسوله؛ لأنَّه مما يعين على الجهاد في سبيل الله، فالسبق والصراع ونحوهما طاعة، إذا قصد به نصرة الإسلام، وأخذ العوض عليه أخذ بالحق.
١٥ - وقال: يجوز اللعب بما قد يكون فيه مصلحة، بلا مضرة، وما ألهى وشغل عما أمر الله به فهو منهي عنه، وإن لم يحرم جنسه كالتجارة، وأما سائر ما يتلهى به من أنواع اللهو، وسائر ضروب اللعب، مما لا يستعان به في حق شرعي فكله حرام.
وقال الشيخ محمد بن إبراهيم: اللعب بأنواع الرياضيات في وقت الصلاة، أو ما يقارب وقتها لا يجوز بحال، وهو من المنكرات، وحكمه حكم ما يلهي عن ذكر الله، وعن الصلاة.
فإن لم تكن وقت صلاة، ولا قرب المساجد، فلا نرى مانعًا يمنع جوازها، فحكم الرياضة في الإسلام الاستحباب؛ لما كان بريئًا منها، هادفًا إلى ما فيه التدريب على الجهاد، وتنشيط الأبدان.
١٦ - وقال الأستاذ طبارة: الصلاة رياضة فى ينية بغير إجهاد، ولا إرهاق، فهي خير مقوٍّ لبدن الإنسان، ومنشط لأمعائه وعضلات جسمه، ومفاصله.
стр. 3434
وإذا قارنَّا بين حركات الصلاة، وبين ما جاء به نسج السويدي، نرى أنَّ حركة الجسم أثناء الصلاة أحكم، وأصلح لكل سن، وجنس.
* قرار المجمع الفقهي بشأن موضوع: "الملاكمة والمصارعة الحرة ومصارعة الثيران":
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، سيدنا ونبينا محمَّد ﷺ ، وعلى آله وصحبه.
أما بعد:
فإنَّ مجلس المجمع الفقهي الإسلامي، لرابطة العالم الإسلامي في دورته العاشرة، المنعقدة بمكة المكرمة، في الفترة من يوم السبت ٢٤ صفر ١٤٠٨ هـ الموافق ١٧ أكتوبر ١٩٨٧م، إلى يوم الأربعاء ٢٨ صفر ١٤٠٨ هـ، الموافق ٢١ أكتوبر ١٩٨٧م، قد نظر في موضوع الملاكمة والمصارعة من حيث عدهما رياضة بدنية جائزة، وكذلك في مصارعة الثيران المعتادة في بعض البلاد الأجنبية، هل تجوز في حكم الإسلام أو لا تجوز؟
وبعد المداولة في هذا الشأن من مختلف جوانبه، والنتائج التي تسفر عنها هذه الأنواع التي نسبت إلى الرياضة، وأصبحت تعرضها برامج البث التلفازي في البلاد الإسلامية وغيرها.
وبعد الاطلاع على الدراسات التي قدمت في هذا الشأن بتكليف من مجلس المجمع في دورته السابقة من قِبل الأطباء ذوي الاختصاص، وبعد الاطلاع على الإحصائيات التي قدمها بعضهم عما حدث فعلاً في بلاد العالم نتيجة لممارسة الملاكمة، وما يشاهد في التلفزة من بعض مآسي المصارعة الحرة، قرَّر مجلس المجمع ما يلي:
أولاً: الملاكمة: يرى المجلس بالإجماع أنَّ الملاكمة المذكورة، التي أصبحت تُمارس فعلاً في حلبات الرياضة، والمسابقة في بلادنا اليوم، هي ممارسة محرَّمة في الشريعة الإسلامية؛ لأنَّها تقوم على أساس استباحة إيذاء كل من
стр. 3435
المتغالبين للآخر إيذاءً بالغًا في جسمه، قد يصل به إلى العمى، أو التلف الحاد، أو المزمن في المخ، أو إلى الكسور البلغية، أو إلى الموت، دون مسؤولية على الضارب، مع فرح الجمهور المؤيد للمنتصِر، والابتهاج بما حصل للآخر من الأذى.
وهو عمل محرم، مرفوض كليًّا وجزئيًّا في حكم الإسلام؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥].
وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (٢٩)﴾ [النساء].
وقوله ﷺ : "لاَ ضرر , ولا ضرار".
وعلى ذلك، فقد نص فقهاء الشريعة على أنَّ من أباح دمه لآخر، فقال له: "اقتلني" أنه لا يجوز له قتله، ولو فعل كان مسؤولاً، ومستحقًا للعقاب.
وبناءً على ذلك، يقرر المجمع أنَّ هذه الملاكمة لا يجوز أن تسمى رياضة بدنية، ولا تجوز ممارستها؛ لأنَّ مفهوم الرياضة يقوم على أساس التمرين، دون إيذاء أو ضرر، ويجب أن تحذف من برامج الرياضة المحلية، ومن المشاركات فيها في المباريات العالمية، كما يقرر المجلس عدم جواز عرضها في البرامج التلفازية، كيلا تتعلَّم الناشئة هذا العلم السيء، وتحاول تقليده.
المصارعة الحرة: وأما المصارعة الحرة التي يستبيح فيها كل من المتصارعين إيذاء الآخر، والإضرار به، فإنَّ المجلس يرى فيها عملاً مشابهًا تمام المشابهة للملاكمة المذكورة، وإن اختلفت الصورة؛ لأنَّ جميع المحاذير الشرعية التي أشير إليها في الملاكمة موجودة في المصارعة، التي تجري على طريقة المبارزة، وتأخذ حكمها في التحريم.
وأما الأنواع الأخرى من المصارعة التي تمارس لمحض الرياضة البدنية، ولا يستباح فيها الإيذاء، فإنَّها جائزة شرعًا، ولا يرى المجلس مانعًا منها.