٣ - فالشرع أجاز من هذه المغالبات ما أعان على الجهاد في سبيل الله، فإنَّه أجاز السباق على الخيل، والإبل، كما أجاز الرمي والمناضلة؛ لأنَّ هذا كله مما يعين تعلمه، والمهارة فيه على الجهاد في سبيل الله، ونصر دينه.
٤ - الحديث رقم (١١٤٤): يدل على جواز المسابقة على الخيل؛ لأنَّ الخيل في ذلك الزمن هي العُدة التي يقاتل عليها أعداء الإسلام.
قال تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ [الأنفال: ٦٠].
٥ - ومن نظام المسابقة عليها أنَّ كل نوع من الخيل يتسابق أفراده بعضه مع بعض، فالخيل المُضمرة تتسابق وحدها، والخيل التي لم تُضمر تتسابق وحدها؛ ليحصل الفوز بين واحد، وآخر بنفس الجودة والقوة، فلا يعزى السبب إلى شيء آخر خارج عن موضوع المنافسة.
٦ - الفرق بين المضمرة، وغير المضمرة: أنَّ المضمر أخف، وأسرع في الجري، وأمتع في طول الحضر، بخلاف غير المضيرة، فهي بطيئة الجري.
٧ - الخيل المضمرة: هي التي دقت، ولطفت بطونها، ونشف الماء من لحمها، وأعدت للسباق، أو القتال؛ وذلك بأن تعلف حتى تسمن، ثم بعد السمن تعطى من العلف قليلاً جدًا، حتى يذهب ماؤها ورهالها، وتخفف حتى يكون فيها بقية السمن، وفيه الخف، والضمر من الترهيل.
أما غير المضمرة: فقد علفت حتى سمنت، وبقيت في زيادة الأكل، فلا تزال في بدانتها، وانتفاخها.
٨ - ليأخذ السباق دوره الحقيقي، فإنَّه جعل لكل نوع من الخيل غايته، ومداه الذي يناسبه، ويليق به، فالخيل المضمرة غايتها من الحفياء إلى ثنية الوداع، وقدر هذه المسافة خمسة أميال، أو ستة.
وأما التي لم تضمر فأمدها، وغايتها من الثنية إلى مسجد بني زريق،
стр. 3432
وغاية هذه المسافة، وأمدها ميل واحد.
٩ - أما الحديث رقم (١١٤٥): فإنَّ النبىَّ ﷺ سابق بين الخيل، وفضَّل القُرَّح، وهي ما كمل سنها خمس سنين؛ لأنَّها أمتع، وأقوى على الجري، والسباق.
١٠ - القتال وسلاحه وعُدته تطور الآن عن حالته السابقة تطورًا بعيد المدى، وأصبحت العلوم العسكرية، والفنون الحربية تتلقى الآن في المدارس والكليات المنوعة، وميادين التدريب، وأصبحت الحرب بمعرفة استعمال أسلحته من الرشاشات، والمدافع والصواريخ، والطائرات الحربية المقاتلة، والدبابات، والمدرعات، والغواصات، وما أشبه ذلك.
وأصبح رجال الحرب، والدفاع برتبهم، ومؤهلاتهم وتخصصاتهم وحماية الأوطان، وإعطاء الرتب الرفيعة، لمن قام بعمل بطولي، أو تقدم في ميدان علمي عسكري مشروع؛ لتنشيط وتشجيع البارزين، والمتفوقين في هذه الميادين، كما أنَّ إجراء المنافسة، والتسابق في التفوق في الميادين الحربية هو من الأمور المحبوبة المشروعة؛ لأنَّها يعز بها الإسلام، ويرد به كيد أعداء الإسلام والمسلمين، ويحمي الوطن والمواطنين من الأعداء، والطامعين، والمعتدين.
١١ - أما الحديث رقم (١١٤٦): فهو يدل على ما قلنا من أنَّ المراهنة والمخاطرة لا تجوز إلاَّ في ثلاثة أشياء هي:
١ - الخف: والمراد بها: الإبل.
٢ - النصل: هو الرمي بالنشاب ونحوه.
٣ - حافر: والمراد بها: الخيل.
١٢ - وتقدم أنَّ هذه الأمور هي أداة القتال، والجهاد في سبيل الله في ذلك الزمن، وأنَّ ما ظهر من الأسلحة المتطورة، وآلات القتال، ومراكبه
стр. 3433
الحديثة، فإنَّها داخلة في هذا النص، نظرًا إلى أنَّ العبرة عموم المعنى، لا خصوص اللفظ.
١٣ - قال ابن القيم: السبق: عقد مستقل بنفسه، له أحكام يختص بها، ويتميَّز بها عن الإجارة، والجعالة، والنذور، والفداء، ونحوها، وليس من باب الجعالة، ولا الإجارة، ومن أدخله في أحد هذين البابين تناقض.
إلاَّ أن يقصد الباذل تمرين من يسبقه، كولده، والمعلم للمتعلم، فهذا هو الجعالة المعروفة، والغالب فيها مسابقة النظراء بعضهم لبعض.
١٤ - قال شيخ الإسلام: السباق بالخيل، والرمي بالنبل، ونحوه من آلات الحرب مما أمر الله به ورسوله؛ لأنَّه مما يعين على الجهاد في سبيل الله، فالسبق والصراع ونحوهما طاعة، إذا قصد به نصرة الإسلام، وأخذ العوض عليه أخذ بالحق.
١٥ - وقال: يجوز اللعب بما قد يكون فيه مصلحة، بلا مضرة، وما ألهى وشغل عما أمر الله به فهو منهي عنه، وإن لم يحرم جنسه كالتجارة، وأما سائر ما يتلهى به من أنواع اللهو، وسائر ضروب اللعب، مما لا يستعان به في حق شرعي فكله حرام.
وقال الشيخ محمد بن إبراهيم: اللعب بأنواع الرياضيات في وقت الصلاة، أو ما يقارب وقتها لا يجوز بحال، وهو من المنكرات، وحكمه حكم ما يلهي عن ذكر الله، وعن الصلاة.
فإن لم تكن وقت صلاة، ولا قرب المساجد، فلا نرى مانعًا يمنع جوازها، فحكم الرياضة في الإسلام الاستحباب؛ لما كان بريئًا منها، هادفًا إلى ما فيه التدريب على الجهاد، وتنشيط الأبدان.
١٦ - وقال الأستاذ طبارة: الصلاة رياضة فى ينية بغير إجهاد، ولا إرهاق، فهي خير مقوٍّ لبدن الإنسان، ومنشط لأمعائه وعضلات جسمه، ومفاصله.
стр. 3434
وإذا قارنَّا بين حركات الصلاة، وبين ما جاء به نسج السويدي، نرى أنَّ حركة الجسم أثناء الصلاة أحكم، وأصلح لكل سن، وجنس.
* قرار المجمع الفقهي بشأن موضوع: "الملاكمة والمصارعة الحرة ومصارعة الثيران":
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، سيدنا ونبينا محمَّد ﷺ ، وعلى آله وصحبه.
أما بعد:
فإنَّ مجلس المجمع الفقهي الإسلامي، لرابطة العالم الإسلامي في دورته العاشرة، المنعقدة بمكة المكرمة، في الفترة من يوم السبت ٢٤ صفر ١٤٠٨ هـ الموافق ١٧ أكتوبر ١٩٨٧م، إلى يوم الأربعاء ٢٨ صفر ١٤٠٨ هـ، الموافق ٢١ أكتوبر ١٩٨٧م، قد نظر في موضوع الملاكمة والمصارعة من حيث عدهما رياضة بدنية جائزة، وكذلك في مصارعة الثيران المعتادة في بعض البلاد الأجنبية، هل تجوز في حكم الإسلام أو لا تجوز؟
وبعد المداولة في هذا الشأن من مختلف جوانبه، والنتائج التي تسفر عنها هذه الأنواع التي نسبت إلى الرياضة، وأصبحت تعرضها برامج البث التلفازي في البلاد الإسلامية وغيرها.
وبعد الاطلاع على الدراسات التي قدمت في هذا الشأن بتكليف من مجلس المجمع في دورته السابقة من قِبل الأطباء ذوي الاختصاص، وبعد الاطلاع على الإحصائيات التي قدمها بعضهم عما حدث فعلاً في بلاد العالم نتيجة لممارسة الملاكمة، وما يشاهد في التلفزة من بعض مآسي المصارعة الحرة، قرَّر مجلس المجمع ما يلي:
أولاً: الملاكمة: يرى المجلس بالإجماع أنَّ الملاكمة المذكورة، التي أصبحت تُمارس فعلاً في حلبات الرياضة، والمسابقة في بلادنا اليوم، هي ممارسة محرَّمة في الشريعة الإسلامية؛ لأنَّها تقوم على أساس استباحة إيذاء كل من
стр. 3435
المتغالبين للآخر إيذاءً بالغًا في جسمه، قد يصل به إلى العمى، أو التلف الحاد، أو المزمن في المخ، أو إلى الكسور البلغية، أو إلى الموت، دون مسؤولية على الضارب، مع فرح الجمهور المؤيد للمنتصِر، والابتهاج بما حصل للآخر من الأذى.
وهو عمل محرم، مرفوض كليًّا وجزئيًّا في حكم الإسلام؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥].
وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (٢٩)﴾ [النساء].
وقوله ﷺ : "لاَ ضرر , ولا ضرار".
وعلى ذلك، فقد نص فقهاء الشريعة على أنَّ من أباح دمه لآخر، فقال له: "اقتلني" أنه لا يجوز له قتله، ولو فعل كان مسؤولاً، ومستحقًا للعقاب.
وبناءً على ذلك، يقرر المجمع أنَّ هذه الملاكمة لا يجوز أن تسمى رياضة بدنية، ولا تجوز ممارستها؛ لأنَّ مفهوم الرياضة يقوم على أساس التمرين، دون إيذاء أو ضرر، ويجب أن تحذف من برامج الرياضة المحلية، ومن المشاركات فيها في المباريات العالمية، كما يقرر المجلس عدم جواز عرضها في البرامج التلفازية، كيلا تتعلَّم الناشئة هذا العلم السيء، وتحاول تقليده.
المصارعة الحرة: وأما المصارعة الحرة التي يستبيح فيها كل من المتصارعين إيذاء الآخر، والإضرار به، فإنَّ المجلس يرى فيها عملاً مشابهًا تمام المشابهة للملاكمة المذكورة، وإن اختلفت الصورة؛ لأنَّ جميع المحاذير الشرعية التي أشير إليها في الملاكمة موجودة في المصارعة، التي تجري على طريقة المبارزة، وتأخذ حكمها في التحريم.
وأما الأنواع الأخرى من المصارعة التي تمارس لمحض الرياضة البدنية، ولا يستباح فيها الإيذاء، فإنَّها جائزة شرعًا، ولا يرى المجلس مانعًا منها.
стр. 3436
ثالثًا: مصارعة الثيران: وأما مصارعة الثيران المعتادة في بعض بلاد العالم، والتي تؤدي إلى قتل الثور ببراعة استخدام الإنسان المدرَّب للسلاح، فهي أيضًا محرَّمة شرعًا في حكمِ الإسلام؛ لأنَّها تؤدي إلى قتل الحيوان تعذيبًا، بما يغرس في جسمه من سهام، وكثيرًا ما تؤدي هذه المصارعة إلى أن يقتل الثورُ مصارِعَه.
وهذه المصارعة عمل وحشي، يأباه الشرع الإسلامي الذي يقول رسوله المصطفى ﷺ في الحديث الصحيح: "دخلت امرأة النار في هرَّة حبستها، فلا هي أطعمتها وسقتها، إذ حبستها، ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض".
فإذا كان هذا الحبس للهرة يوجب دخول النار يوم القيامة، فكيف بحال من يعذب الثور بالسلاح حتى الموت؟!
رابعًا: التحريش بين الحيوانات: ويقرر المجمع أيضًا تحريم ما يقع في بعض البلاد من التحريش بين الحيوانات؛ كالجمال، والكباش، والديكة، وغيرها، حتى يقتل، أو يؤذي بعضها بعضًا.
وصلى الله على سيدنا محمَّد، وعلى آله وصحبه، وسلم تسليمًا كثيرًا، والحمد لله ربِّ العالمين.
***
стр. 3437
١١٤٧ - وَعنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "مَنْ أَدْخَلَ فَرَسًا بَيْنَ فَرَسَيْنِ، وَهُوَ لاَ يَأْمَنُ أنْ يَسْبِقَ، فَلاَ بَأْسَ بِهِ، فَإِنْ أَمِنَ فَهُوَ قِمَارٌ". رَوَاهُ أَحمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَإِسْنَادَهُ ضَعِيفٌ (١).
ــ
* درجة الحديث:
الحديث ضعيف.
وللأئمة في هذا الحديث كلام كثير، قال ابن معين: هذا باطل، وقد غلَّط الشافعي من رواه عن سعيد عن أبي هريرة، وهذا هو الحديث الذي أنكره المزى، وابن القيم، وغيرهما، وسيأتي وجه بطلانه إن شاء الله في الكلام على فقه الحديث.
* مفردات الحديث:
- قِمَار: بكسر القاف، وفتح الميم، بعدها ألف، آخره راء، والقمار هو: الميسر، ويشمل جميع المغالبات، والمخاطرة بالمال، غير ما استثني من ذلك، والقِمار الآن تطورات وسائله وآلاته، فهم يُجرُونَهُ بالنقود، والأشياء الثمينة على لعب الحظ والمهارة، وتُعد أوراق اليانصيب نوعًا من القمار.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - قال في "الدليل وشرحه": تصح المسابقة إذا كان فيها جُعل بشروط خمسة:
أحدها: تعيين المركوبين، لا الراكبين.
الثاني: اتحاد المركوبين، فلا يصح بين عربي، وهجين.
الثالث: تحديد المسافة، والغاية بما جرت به العادة.
стр. 3438
الرابع: العلم بالعوض؛ لأنَّه مال في عقد، فوجب العلم به كسائر العقود.
الخامس: الخروج من شُبه القمار؛ وذلك بأن يكون العوض من واحد، فإن أخرج كل واحد من المتسابقين شيئًا لم يجز، إلاَّ بمحلل لا يخرج شيئًا.
٢ - أما ابن القيم: فقال عن الشرط الخامس في كتابه "الفروسية":
إنَّ هذا الشرط ليس صحيحًا شرعًا، فما علمت أحدًا من الصحابة اشترط المحلل، وأما لفظ: "من أدخل فرسًا بين فرسين" فليس من كلام النبي ﷺ ، بل هو من كلام سعيد بن المسيب، وجوازه بغير محلل هو مقتضى المنقول عن أبي عبيدة بن الجراح، وعلى فرض صحة الخبر، فإن لفظه يدل على أنه إذا سبق اثنان، وجاء ثالث دخل معهما، فإن كان تحقق من نفسه سبقهما كان قمارًا؛ لأنَّه دخل على بصيرة ليأكل مالهما، كان دخل معهما وهو لا يتحقق أن يكون سبقًا، بل يرجو ما يرجوانه، ويخاف ما يخافانه، كأحدهما، لم يكن أكلُ سبَقهِما قمارًا.
٣ - فإن كان المال من الإمام، أو ممن لم يدخل في السباق، أو من أحد المتسابقين دون الآخر، فهو جائز بذله، وأخذه لمن حاز السبق، إن كان المال من المتسابقين كليهما، ففيه الخلاف السابق، والراجح جوازه بلا محلل.
٤ - وقال الدكتور عمر الأشقر: وكلام ابن القيم حق؛ لأنَّ الحديث الذي احتج به لهذا الاشتراط غير صحيح، ولأنَّ إخراج كل واحد من المتسابقين جُعلاً مساويًا لجعل صاحبه أولى بالعدل.
قُلت: والحديث ضعَّفه الألباني في "إرواء الغليل".
٥ - وقال الشيخ عبد الرحمن السعدي: الصحيح جواز المسابقة على الخيل، والإبل، والسهام بعوض، ولو كان المتسابقان كل منهما مخرجًا العوض، ولأنَّه لا يشترط المحلل، وتعليلهم لأجل أن يخرج عن شبه القمار تعليل فيه
стр. 3439
نظر، فإنَّه لا يشترط أن يخرج عن شبه القمار، بل هو قمار جائز.
٦ - وقال الشيخ عبد الرحمن السعدي -رحمه الله تعالى:- المغالبات بالنسبة لأخذ العوض ثلاثة أقسام:
الأول: يجوز بلا عوض، ولا يجوز بعوض، وهذا هو الأصل والأغلب، فدخل في هذه المسابقة على الأقدام، والسفن، والمصارعة، ومعرفة الأشد في غير ما فيه تهلكة.
الثاني: لا يجوز بعوض، ولا بغير عوض؛ وذلك كالشطرنج، والنرد، وكل مغالبة ألهت عن واجب، أو دخلت في محرم، والحكمة منها ظاهرة.
الثالث: تجوز بعوض، وهي المسابقة، والمغالبة بين السهام، والإبل، والخيل؛ لصريح الحديث المبيح.
***
стр. 3440
١١٤٨ - وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ﵁ قَالَ: "سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ وهُوَ عَلَى المِنْبَرِ يَقْرَأُ: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ ...﴾ الآية، أَلاَ إنَّ القُوَّةَ الرَّمْيُ، أَلاَ إِن القُوَّةَ الرَّمْيُ، أَلاَ إِنَّ القُوَّةَ الرَّمْيُ". رَواهُ مُسْلِمٌ (١).
ــ
* مفردات الحديث:
- أعِدُوا: أمر من: الإعداد، وهو تهيئة الشيء للمستقبل.
- ما استطعتم: عام يشمل جميع إمكانات الإنسان حسب الظروف، والأوضاع.
- رباط الخيل: بكسر الراء، هو في الأصل: حبسها، واقتناؤها، ثم سمي الإقامة في ثغور البلاد، وحدودها: رباطًا.
- ألا إنَّ القوة الرمي: يعني: أنَّ الآية الكريمة تشير إلى أنَّ القوَّة هي في الرمي؛ لأنَّه أنكى، وأبعد عن خطر العدو، وكان الرمي وقت نزول الآية الكريمة هو بالسهام، ولكن الآية بإعجازها أطلقت القوة؛ لتكون قوَّة كل زمان ومكان، وكذلك الحديث الشريف جاء إعجازه العلمي بإطلاق الرمي، الذي يشتمل الرمي بأنواعه، وأن يفسر بكل رمي يتجدد، وبأي سلاح.
- ألا: بفتح الهمزة، وتخفيف "لا"، وهي أداة تنبيه، واستفتاح، وطلب برفق.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - قال الله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال: ٦٠].
في هذه الآية الكريمة يأمر تعالى عباده المؤمنين أن يقوموا بالجهاد في
стр. 3441
سبيل الله تعالى، وأن يستعدوا له بكل ما يقدرون عليه من أسباب القوة في وجه أعداء الإسلام، والقوة تختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة، فكانت الآية مطلقة التفسير في كل زمان بما يناسبها.
٢ - قال الشيخ محمد رشيد رضا: أمر الله تعالى عباده المؤمنين أن يجعلوا الاستعداد للحرب التي علموا أن لا مندوحة عنها لدفع العدوان والشر، ولحفظ النفس، ورعاية العدل، والفضيلة، بإعداد جميع أسباب القوة لها، بقدر الاستطاعة.
ومن المعلوم بالبداهة أنَّ إعداد المستطاع من القوة يختلف باختلاف درجات الاستطاعة، في كل زمان ومكان بحسبه.
٣ - وقال الأستاذ سيد قطب: إنَّه لابد للإسلام من قوة في حقل الدعوة أن تؤمن الذين يختارون هذه العقيدة على حريتهم في اختيارها، فلا يصدوا عنها، ولا يفتنوا كذلك بعد اعتناقها.
إنَّ الإسلام ليس نظامًا لاهوتيًّا، يتحقق بمجرد استقراره عقيدةً في القلوب، وتنظيمًا للشعائر، ثم تنتهي مهمته، إنَّ الإسلام منهج عملي واقعي للحياة، يواجه مناهج أخر، تقوم عليها سلطات، وتقف وراءها قوى مادية، فلا مفر للإسلام لإقرار منهجه الرباني من تحطيم تلك القوى المادية، وتدمير السلطات التي تنفذ تلك المناهج الأخر، وتقاوم المنهج الرباني، فينبغي للمسلم ألا يستشعر الخجل حينما يعلن هذه الحقيقة الكبيرة.
إنَّ الإسلام حينما ينطلق في الأرض إنما ينطلق لاعلان تحرير الإنسان بتقرير ألوهية الله وحده، وتحطيم ألوهية العبيد، وألا ينطلق بمنهج من صنع البشر، ولا لتقرير سلطان زعيم، أو دولة، أو طبقة، أو جنس لاسترقاق العبيد، ولا لاستغلال الأسواق، والخامات الرأسمالية، ولا لفرض مذهب
стр. 3442
من صنع بشر جاهل قاصر؛ كالشيوعية، وما إليها من المذاهب البشرية، وإنما ينطلق بمنهج من صنع الله العليم، الحكيم، الخبير، البصير.
هذه هي الحقيقة الكبيرة التي يجب أن يدركها المهزومون، الذين يقفون بالدين موقف الدفاع، وهم يتمتمون، ويجمجمون للاعتذار عن المد الإسلامي، والجهاد الإسلامي.
٤ - وقال الشيخ عبد الرحمن السعدي: إنَّ كل ما يقدر عليه المسلمون من القوَّة العقلية، والبدنية، والعلمية داخل في ذلك كله.
فيدخل في هذه القوَّة أنواع الأسلحة من المدافع، والرشاشات، والطائرات المقاتلة، والمدرعات، والدبابات، وجميع آلات القتال المناسبة لوقتها، كما يدخل فيها الرأي الحكيم، والسياسية الرشيدة، التي بها يتقدم المسلمون، ويدركون مطلوبهم، ويندفع بها عنهم شر أعدائهم.
٥ - وقال تعالى: ﴿وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ﴾ [الأنفال: ٦٠] أقسم تعالى بالخيل، فقال: ﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا (١) فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا (٢) فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا (٣) فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا (٤) فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا (٥)﴾ [العاديات]، وقد جاء في سنن أبي داود، والنسائي من حديث أبي وهب الحتيمي قال: قال رسول الله ﷺ : "ارتبطوا الخيل، وامسحوا بنواصيها، وأعجازها".
وجاء في الصحيحين من حديث جرير قال: رأيتُ النبي ﷺ يلوي ناصية فرسه بأصبعه، ويقول: "الخيل معقود بنواصيها الخير إلى يوم القيامة".
٦ - قال محمَّد رشيد: عظم الشارع أمر الخيل، وأمر بإكرامها.
٧ - قال الشيخ عبد الرحمن السعدي: أمر الله بالاستعداد بالمراكب عند القتال؛ فقال تعالى: ﴿وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ [الأنفال: ٦٠] وكانت هي الموجودة في ذلك الزمن، ففيها إرهاب الأعداء، والحُكم
стр. 3443
يدور مع علته، فإذا كان شيء موجودًا أكثر إرهابًا منها في القتال، فإنَّ النكاية فيها أشد، وكانت مأمورًا بها، والسَّعي في تحصيلها، حتى إذا لم توجد إلاَّ بتعلم الصنعة وجب ذلك؛ لأنَّ ما لا يتم الواجب إلاَّ به فهو واجب.
٨ - وقال سيد قطب: ويخص "رباط الخيل"؛ لأنَّه الأداة التي كانت بارزة عند من كان يخاطبهم بهذا القرآن أول مرة، ولو أمرهم بإعداد أسباب لا يعرفونها في ذلك العين مما سيجد مع الزمن، لخاطبهم بمجهولات محيرة، والمهم هو عموم التوجيه.
٩ - وأما قوله ﷺ : "ألا إنَّ القوة الرمي، ألا إنَّ القوَّة الرَّمي"، فهذا التأكيد تفسير منه ﷺ بأنَّ القوَّة المذكورة في قوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال: ٦٠] هي الرمي، قال الله تعالى: ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [الأنفال: ١٧].
١٠ - وأما الأحاديث: فقد روى أصحاب السنن من حديث عقبة بن عامر؛ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "إنَّ الله يدخل في السهم الواحد ثلاثة نفر في الجنة، صانعه الذي يحتسب في صنعه الخير، والذي يجوز به في سبيل الله، والذي يرمي به في سبيل الله، وقال: ارموا واركبوا، وأن ترموا خير لكم من أن تركبوا".
وروى الخمسة من حديث عمرو بن عبسة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ومن رمى بسهم في سبيل الله، فهو عدلُ محررةٍ" والمحررة: الرقبة المعتقة.
وروى الإِمام مسلم عن عقبة بن عامر قال؛ قال رسول الله ﷺ : "من علِم الرمي ثم تركه، فليس منَّا".
١١ - قال القرطبي: ولما كانت السهام من أنجع ما يتعاطى في الحروب،
стр. 3444
والنكاية في العدو، وأقربها تناولاً للأرواح، خصَّها الرسول ﷺ بالذكر لها، والتنبيه عليها.
١٢ - وقال محمَّد رشيد: إنَّ رمي العدو عن بُعد بما يقتله، أسلم من مصاولته على القُرب بسيف أو رمح، أو حربة، وإطلاق الرمي يشمل كل ما يرمى به العدو، من سهم، أو قذيفة منجنيق، أو طيارة، أو مدفع، أو غير ذلك، وإن لم يكن هذا معروفًا في عصره ﷺ ، فإنَّ اللفظ يشمله، والمراد منه يقتضيه، وما يدرينا لعلَّ الله أجرى الرمي على لسان رسوله مطلقًا ليدل على العموم؛ لأنَّه في كل عصر بحسب ما يرمى به فيه، ومن قواعد الأصول: أنَّ العبرة بعموم اللَّفظ لا بخصوص السبب.
فالواجب على المسلمين في هذا العصر بنص القرآن صنع المدافع بأنواعها والدبابات، والطيارات، والمناطيد، وإنشاء المراكب الحديثة بأنواعها، ومنها الغواصات، وتجب عليهم تعلم الفنون، والصناعات التي يتوقف عليها صنع هذه الأشياء، أو غيرها من قوى الحرب بدليل: "ما لا يتم الواجب إلاَّ به فهو واجب".
١٣ - ثم قال السيد رشيد رضا: نعلم أنَّ الإِسلام دين رحمة، قد منع من التعذيب بالنار، كما يفعل الظالمون، والجبارون من الملوك بأعدائهم، كأصحاب الأخدود.
ولكن من الجهل والغباوة أن نعدَّ حرب الأسلحة النارية للأعداء لنحاربهم بها من هذا القبيل بأن يقال: إنَّ ديننا دين رحمة بهم يأمرنا أن نتحمل قتالهم إيانا بهذه المدافع، وألا نقاتلهم بها رحمة بهم، أفلا يكون من العدل أن نعاملهم بمثل ما يقاتلوننا به، وهم ليسوا أهلاً للعدل في حال الحرب.
стр. 3445
قال تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠]، وقال تعالى: ﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ (٤١)﴾ [الشورى]، وقال تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ [النحل: ١٢٦]، والله أعلم.
...
انتهى الجزء السادس
ويليه الجزء السابع
وأوله (كتاب الأطعمة)
стр. 3446
توضِيحُ الأحكَامِ مِن بُلوُغ المَرَام
تَأليف
رَاجي عَفو رَبّه
عَبْد الله بن عَبْد الرحمن البَسَّام
غفر الله له ولوالديه وللمسلمين
طبعَة مصحَّحَة ومحقّقة وَفيهَا زيَادَات هَامَّة
الجزء السَّابعْ
مكتَبة الأسدي
مكّة المكرّمة
стр. 3447
جميع حقوق الطبع محفوظة للمؤلف
الطبعَة الخامِسَة
مُصحَّحَة وَمحَقَّقَة وَفيهَا زيَادَات هَامَّة
١٤٩٣ هـ - ٢٠٠٣م
مكتبة الأسدي
مَكّة المكرَّمة - العزيزية - مَدخَل جَامِعَة أم القُرَى
هاتف ٥٥٧٠٥٠٦ - فاكس: ٥٥٧٥٢٤١
صَ. بَ: ٢٠٨٣
стр. 3448
كتاب الأطعمة
المقدمة
واحدها: طعام، وهو جمع قلَّة؛ لكنَّه لما عُرِّف بالألف والَّلام أفاد العموم، وهو ما يُؤكل، وما يُشْرَب.
قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي﴾ [البقرة: ٢٤٩]، قال القرطبي: "دلَّ على أنَّ الماء طعام".
قال في تيسير العلاَّم: "الأصل في الطعام والشَّراب والِّلباس: الحل؛ فلا يَحرم منها إلاَّ ما حرَّمه الله ورسوله؛ لأنَّها داخلة في عموم العادات المبنية على الحل، والمحرَّم منها محدودٌ ومعدودٌ، ممَّا يدل على بقاء المتروك على أصله، وهو العفو.
والأصل في هذا القول وصف النَّبي ﷺ ووصف شريعته: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف: ١٥٧]، وهذا يتناول جميع الأشياء: من مطعم، ومشرب، فكل ما ليس بخبيثٍ فهو طيبٌ حلال، فدخل فيه أنواع الحبوب، والثمار، وهي أوسع الأصناف حِلاًّ، ودخل فيه الحيوانات البحرية كلها، ودخل فيه الأنعام الثمانية، والخيل، ودخل فيه الطيور، والدجاج، والطواويس، ونحوها من حيوانٍ، وطيرٍ، إلاَّ ما كان خبيثًا.
والخبث يعرف بأمور:
стр. 3449
١ - أنْ ينص الشَّارع على خبثه؛ كالحمر الأهلية.
٢ - أو ينص على حدِّه؛ ككل ذي نابٍ من السِّباع، وكل ذي مِخْلَبٍ من الطير.
٣ - أو يكون خبثه معروفًا؛ كالفأرة، والحية، والحشرات.
٤ - أو يكون الشَّارع أمر بقتله، أو يكون نهى عن قتله.
٥ - أو يكون معروفًا بأكل الجيف؛ كالنسر، والرخم، ونحوهما.
٦ - أو يكون متولدًا من بين حلال وحرام، فيغلَّب التحريم، كالبغل.
٧ - أو يكون خبثه عارضًا؛ كالجَلاَّلة التي تغذى بالنَّجاسة، والمائعات المتنجسة.
٨ - أو يكون محرَّمًا لضرره البدني؛ كأنواع السموم.
٩ - أو يكون محرَّمًا لضرره العقلي؛ كالخمر، والمخدرات.
١٠ - أو مذكَّى؛ تذكية غير شرعية؛ إمَّا لآلته، وإمَّا لمذكِّيه، وإمَّا للقصد من تذكيته.
وما لم يوجد فيه سبب الخبث فهو حلال.
***
стр. 3450
١١٤٩ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "كلُّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّباعِ فَأَكْلُهُ حَرَامٌ" رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١). وَأَخْرَجَهُ مِن حَدِيثِ ابنِ عبَّاسٍ بِلَفْظِ: "نهى"، وَزَادَ: "وَكلُّ ذِي مِخْلَبٍ مِنَ الطَّيْرِ" (٢).
ــ
* مفردات الحديث:
- النَّاب: من الأسنان، هو الَّذي يلي الرباعيات.
- السِّباع: بكسر السِّين، فالتخفيف، جمع سَبُع، وهو الحيوان المفترس، كالأسد، والنَّمر، والذئب، ونحوها ممَّا فيه غريزة سبعية، يعدو بها على النَّاس، والدواب، والأنثى سَبُعة.
- مِخْلَب: بكسر الميم، وسكون الخاء، هو ظفر كل سبع من الماشي والطَّائر، جمعه مخالب ومخاليب.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - الأصل في الأطعمة الحل؛ لقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩]. وقوله تعالى: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ﴾ [الأنعام: ١١٩]. وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا﴾ [البقرة: ١٦٨]، وأوسع الأشياء في الطيب والحل هي الحبوب والثمار.
٢ - أمَّا اللحوم: فقال تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [الأنعام: ١٤٥].
стр. 3451
فهذه الآية الكريمة عامَّة في حل أكل لحم الحيوانات، إلاَّ ما ورد الشرع بتحريمه، فما ورد من المحرمات في سورة المائدة، وفي الأحاديث الواردة في التحريم، كحديث الباب فهو رافعٌ لمفهوم هذه الآية.
٣ - قال الشيخ عبد الرحمن السعدي: "وإذا كان الله لم يحرِّم من المطاعم إلاَّ ما ذكر، والتحريم لا يكون مصدره إلاَّ شرع الله، دلَّ ذلك على أنَّ المشركين الَّذين حرَّموا ما رزقهم الله مفترون على الله، متقوِّلون عليه ما لم يقله.
٤ - حديث الباب يُثبِت تحريم كل ذي نابٍ من السِّباع، وكل ذي مخلبٍ من الطير، فكل ذي نابٍ من السِّباع فهو محرَّم، وكل ذي مخلب من الطير فهو محرَّم، كالأسد، والنمر، والذئب، وهو الحيوان المفترس الذي جمع الوصفين النَّاب، والسبعيَّة لطبيعِيَّة فيه، والافتراس، فإذا تخلَّفت إحدى الصفتين لم يحرم، فهذا الحديث مبيِّن ومفسِّر لما أجمل في الآية، وإليه ذهب جمهور العلماء، ومنهم الأئمة الثلاثة أبو حنيفة، والشَّافعي، وأحمد.
٥ - أمَّا ذو المخلب من الطير فقال النووي: "تحريمه هو مذهب الجمهور، أبي حنيفة، والشَّافعي، وأحمد، وغيرهم، فقد استفاضت السنَّة بالنَّهي عنه، والنَّهي يقتضي التحريم".
قال ابن القيم: "تواترت الآثار عن النَّبي ﷺ بالنَّهي عن كل ذي نابٍ من السِّباع، وكل ذي مخلب من الطير، وصحَّت صحَّة لا مطعن فيها".
٦ - قال شيخ الإِسلام: "إنَّ العادي شبيه بالمعتدي، فيصير في نفسه من الظلم والعدوان بحسب ما اعتدى به".
قال الأستاذ طبارة: "حرَّم النَّبي ﷺ كل ذي مخلبٍ من الطير وكل ذي ناب من السباع؛ لما فيها من صلابة العضلات وقبح الرائحة، فلحوم هذه الحيوانات غير صالحةٍ لمعدة الإنسان؛ لأنَّها تبتذل مجهودًا عضليًّا في افتراسها غيرها، فتقوى بذلك عضلاتها، وتتصلَّب، وتكون عسرة الهضم.
стр. 3452
* خلاف العلماء:
اختلف العلماء أي المكاسب أفضل؟ فبعضهم فضَّل الزراعة، وبعضهم فضَّل التجارة، وبعضهم فضَّل العمل باليد.
وأحسن ما يُقال: إنَّ الأفضل لكلِّ أحدٍ ما يناسب حاله، ولابُدَّ في جميعها من النصح، وعدم الغش.
* فوائد:
الأولى: حيوانات البحر كلها حلالٌ على الصحيح، فلا يستثنى منها شيء، ولا يحرم من الحيوانات البريَّة إلاَّ ما كان خبيثًا، وخبثه يُعرف بأمور:
١ - إمَّا أنْ ينص الشَّارع على خبثه؛ كالحُمر الأهلية.
٢ - أو على حدِّه؛ كذي النَّاب من السِّباع.
٣ - أو يكون معروف الخبث؛ كالحية.
٤ - أو يأمر الشَّارع بقتله؛ كالفأرة.
٥ - أو ينهى عن قتله؛ كالهدهد، والصرد.
٦ - أو يكون معروفًا بأكل الجِيَف؛ كالنسر.
٧ - أو متولدًا من حلالٍ وحرام؛ كالبغل.
٨ - أو يكون خبثه عارضًا بسبب تولَّد النَّجاسة في بدنه؛ كالجلالة.
٩ - أو يكون محرَّمًا لضرره البدني؛ كأنواع السموم، أو لضرره العقلي؛ كالخمر، والمخدرات.
١٠ - أو مذكًّى ذكاةً شرعيَّة، وقد تقدَّم في مقدَّمة الباب.
فهذه الأسباب كلها تجعله خبيثًا.
الثانية: قال الخطابي: "كل ما شككت فيه فالورع اجتنابه؛ لحديث: "دع ما يَريبك إلى ما لا يَريبك". وقال شيخ الإِسلام: "الفرق بين الورع والزهد: أنَّ الزهد ترك ما لا ينفع في الآخرة، والورع ترك ما يخاف ضرره في الآخرة".
стр. 3453
١١٥٠ - وعَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: "نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ يَوْمَ خَيْبَرَ عَنْ لُحُومِ الحُمُرِ الأَهْلِيَّةِ، وَأَذِنَ في لُحُوْمِ الْخَيْلِ" مُتَّفَقٌ عليهِ.
وَفِي لَفْظٍ لِلْبُخَارِيِّ: "وَرَخَّصَ" (١).
ــ
* مفردات الحديث:
- الحُمُر الأهلية: قال في المعجم الوسيط: الحمار حيوانٌ داجن، من الفصيلة الخيلية، يستخدم للحمل والركوب.
قال في حياة الحيوان: ويوصف الحمار بالهداية إلى سلوك الطرقات التي مشى فيها, ولو مرَّة واحدة، كما يوصف بحدة السمع. وللناس في مدحه وذمّه أقوالٌ متباينة، بحسب الأغراض.
- الخيل: جماعة الأفراس، لا واحد له من لفظه، جمعه أخيال وخيول، وسُمِّيت خيلاً؛ لاختيالها في مشيتها، وقيل: أوَّل من ركبها -إسماعيل ﵇، وذلك في مكَّة، ومن ذلك سُمِّيت بالعراب؛ فقد روى النسائي أنَّ النَّبي ﷺ قال: "اركبوا الخيل؛ فإنَّها ميراث أبيكم إسماعيل".
وقد سابق النَّبي ﷺ عليها، وجعل أمدًا وغايةً لسباقها، وكان سليمان ﵇ يسابق عليها، ويحتفي بمنظر سباقها، فلها شانٌ كبير في أوَّل الدهر وآخره، ولذا قال تعالى: ﴿وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ [الأنفال: ٦٠]؛ قال الدميري: "الخيل أشرف ما رُكِب من الدواب".
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - الحديث يدل على تحريم لحوم الحمر الأهلية، ولو توحشت.
стр. 3454
قال ابن عبد البر: "لا خلاف في تحريمها"، أمَّا شارح البلوغ فقال: "تحريم أكل لحومها مذهب جماهير العلماء، من الصحابة، والتَّابعين، ومن بعدهم، إلاَّ ابن عبَّاس فقال: "ليست بحرام".
فالإجماع الَّذي نقله ابن عبد البر بعد انتهاء الخلاف في عصر ابن عبَّاس.
٢ - ثبت تحريم لحوم الحمر الأهلية بأحاديث كثيرة صحيحة، وجاء في تعليل تحريمها في رواية: "إنَّها نجس"، وفي لفظٍ: "إنَّها رجس".
٣ - كما يحرم لحمها فإنَّ لبنها حرامٌ نجسٌ أيضًا، فلا يجوز شربه، ولو لدواء.
٤ - مفهوم الحديث حل لحوم الحمر الوحشية، وهو صيد، فمن قتلها في الحرم أو الإحرام فعليه الجزاء، قال في شرح الإقناع: ويجب في حمار الوحش بقرة، قضى به عمر، وقاله عروة، ومجاهد.
وهذا هو المسمَّى حمار الزرد، وهو من الحيوانات الإفريقية.
٥ - يدل الحديث على حل لحوم الخيل؛ وبهذا قال الشافعي، وأحمد، وصاحبا أبي حنيفة، وإسحاق، وجماهير العلماء من السلف والخلف؛ لهذا الحديث، ولما في معناه من الأحاديث الصحيحة.
وأمَّا أبو حنيفة، ومالك: فذهبا إلى كراهة أكل لحومها، واستدلا بما رواه خالد بن الوليد قال: "نهى ﷺ عن لحوم الخيل، والبغال، والحمير، وكل ذي نابٍ من السباع" [رواه أحمد (٦٣٧٦)] لكن ضعَّف الحديث أحمد، والدَّارقطني، والخطابي، وابن عبد البر، وعبد الحق، قال البيهقي: إسناده مضطرب، مخالف لرواية الثقات.
ومن أدلَّة من كره لحوم الخيل قوله تعالى: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾ [النحل: ٨]، فذكر الركوب والزينة، ولم يذكر الأكل.
وأجاب المبيحون أكلها: بأنَّ ذكر الركوب والزينة لا يدل على أنَّ منافعها مقصورة عليهما، وإنَّما خصَّا بالذكر؛ لأنَّهما المقصود الأعظم من الخيل، والله أعلم.
стр. 3455
١١٥١ - وَعَنِ ابْنِ أَبِي أَوْفَى ﵁ قَالَ: "غَزَوْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ سَبْعَ غَزوَاتٍ نَأْكُلُ الْجَرَادَ" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١).
ــ
* مفردات الحديث:
- الجَرَاد: بفتح الجيم، والرَّاء، الواحدة جرادة، تطلق على الذكر والأنثى، قيل: إنَّه مشتقٌّ من الجرد؛ لأنَّهُ ما ينزل على شيءٍ إلاَّ جرده.
قال في بعض الموسوعات العلمية: "الجراد يتبع فصيلة الحشرات، حجمه كبير، ولونه أحمر قبل البلوغ، وأصفر بعده، يُغِير غالبًا من شرق إفريقيا، ويهاجر ليجتاز المسافات الشَّاسعة؛ ليغزو مناطق جديدة، فإذا وصل إلى أرض مزروعة أكلت الزرع".
قال في حياة الحيوان: "الجراد مفرده جرادة، تطلق على الذكر والأنثى، والجراد أصناف مختلفة، فبعضه كبير الجثَّة، وبعضه أحمر، وبعضه أصفر، وبعضه أبيض".
قال في الوسيط: "الجراد فصيلة الحشرات المستقيمات الأجنحة".
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - حديث الباب يدل على حِل أكل الجراد، وقد أجمع المسلمون على إباحة أكله، وروى ابن ماجة (٣٢٢٠) من حديث أنس قال: "كان أزواج النبَّي ﷺ يتهادين الجراد في الأطباق".
٢ - قال الأئمة الأربعة بحل أكله، سواء مات حتف أنفه، أو باصطياد مجوسي، أو مسلم، قُطِعَ منه شيء، أم لا.
стр. 3456
فقد روى الإِمام أحمد (٥٦٩٠)، وابن ماجة (٣٢١٨) من حديث ابن عمر أنَّ النَّبي ﷺ قال: "أُحِلَّت لنا ميتتان ودمان، فالميتتان: الجراد والحوت، والدمان: الكبد والطحال".
٣ - قال ابن كثير: "وأمَّا الجراد فمعروف مشهورٌ، وهو مأكول، سُئِل رسول الله ﷺ عن الجراد فقال: "لا آكله ولا أحرمه" [رواه أبو داود (٣٨١٣)] وإنَّما تركه؛ لأنَّه كان يعافه؛ كما عافت نفسه الشريفة أكل الضب، وأَذِنَ فيه.
وكان عمر يشتهيه ويحبه، ويقول: "ليت عندنا منه قفة أو قفتين نأكله".
***
стр. 3457
١١٥٢ - وَعَنْ أَنسٍ ﵁ في قصَّة الأرْنَب قَالَ: "فَذَبَحَهَا، فَبَعَثَ بِوَرِكهَا إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَبِلَهُ" مُتَّفَقٌ عليْهِ (١).
ــ
* مفردات الحديث:
- قِصَّة الأرنب: قال أنس: أنفجنا أرنبًا ونحن بمَرّ الظهران، فسعى القوم وتعبوا، فأخذتها، فجئت بها إلى أبي طلحة، فبعث بوَرِكها .... الحديث.
- أرنب: بفتح الهمزة، وسكون الرَّاء، حيوان ثديي، منه البري والداجن، كثير التوالد، سريع الجري، يده أقصر من رجليه، يُقال: أرنب، للذكر والأنثى، جمعه أرانب.
قال في حياة الحيوان: "الأرنب: جمعه أرانب، وهو حيوان يشبه العَناق، قصير اليدين، طويل الرجلين، يطأ الأرض على مؤخرة قوائمه، وهو اسم جنس، يطلق على الذكر والأنثى".
قال في الوسيط: "الأرنب حيوان ثديي، يؤكل لحمه، ومنه البري والدَّاجن، كثير التوالد، سريع الجري، يداه أقصر من رجليه، يطلق على الذكر والأنثى، والأفصح اختصاصه بالأنثى، وخُصَّ الخزز بالذكر.
- وَرِكها: بفتح الواو، وكسر الرَّاء، ويجوز كسر الواو، وسكون الرَّاء: هو ما فوق الفخذ.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - أجمع العلماء على حِل أكل الأرنب، فقد جاء في صحيح البخاري (٢٥٧٢): "أنَّ النَّبي ﷺ قَبِلَ وركها، وفخذها، وأكل منه".
стр. 3458
٢ - حديث الباب يدل على حل أكلها، والإجماع واقع على حل أكلها.
٣ - كَرِه أكلها عبد الله بن عمر، وعكرمة، وابن أبي ليلى؛ لما روى أبو داود (٣٧٩٢) والبيهقي (٩/ ٣٢١) من حديث عبد الله بن عمر: "أنَّها جيء بها إلى النَّبي ﷺ فلم يأكلها, ولم ينه عنها".
وتقدَّم أنه جاء في البخاري: "أنه أكلها"، وإذا صحَّ أنَّه لم يأكلها، فإنَّ هذا لا يدل على تحريمها، وإنَّما يدل على كراهة نفسية، لا شرعية.
***
стр. 3459
١١٥٣ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: "نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عنْ قَتْلِ أَرْبعٍ مِنَ الدَّوَابِّ: النَّمْلَةِ، والنَّحْلةِ، وَالهُدْهُدِ، وَالصُّرَدِ" رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو داودَ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ (١).
ــ
* درجة الحديث:
الحديث صحيح.
قال المصنِّف: رواه أحمد، وأبو داود، وصحَّحه ابن حبان.
وقال البيهقي وابن دقيق العيد: "رجاله رجال الصحيح، وهو أقوى ما ورد في هذا الباب" وصحَّحه الحافظ في التلخيص.
وله شاهد من حديث سهل بن سعد عند البيهقي.
* مفردات الحديث:
- الدواب: جمع دابَّة، ويصغَّر على "دُوَيْبَّة".
قال في المصباح: كل حيوانٍ في الأرض دابة، وخالف فيه بعضهم فأخرج الطير من الدواب، ورُّدَّ بالسماع، وهو قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ﴾ [النور: ٤٥].
وأمَّا تخصيص الفرس والبغل بالدَّابة عند الإطلاق فعُرْفٌ طارىء.
- النَّمْلة: مفرد النمل، والجمع نمال، سميت نملة؛ لتنملها، وهو كثرة حركتها، وهي حشرة ضئيلة الجسم من رتبة غشائيات الأجنحة، وقسم ذوات الحمة، تتخذ مساكنها تحت الأرض، وتعيش في جماعة من أفراد نوعها، دائبة العمل، متعاونة، عظيمة الحيلة في طلب الرزق، ومن طبعه أن يحتكر
стр. 3460
قوته من زمن الصيف لزمن الشتاء، وله في الاحتكار أمور عجيبة.
- النَّحْلَة: هي حشرة من الفصيلة النحلية، وإليها تنسب فصيلة النحليات، تربَّى للحصول على عسلها وشمعه.
- الهُدْهُد: جنس طير من الجواثم الرقيقات المناقير، له قنزعة على رأسه.
- الصُّرَد: بضم الصاد وفتح الراء، طائرٌ أكبر من العصفور، ضخم الرأس والمنقار، يصيد صغار الحشرات، وربما افترس العصفور.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - حديث الباب يدل على تحريم قتل النملة، وجاء في البخاري (٣٣١٩) ومسلم (٢٢٤١) من حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "نزل نبيٌّ من الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام- تحت شجرة، فلدغته نملة، فأَمَر بقرية النمل فأحرقت بالنار، فأوحى الله إليه فهلا نملة واحدة! " قال أبو عبد الله الترمذي: لم يعاتبه الله على تحريقها، وإنما عاتبه على كونه أخذ البريء بغير البريء.
٢ - النحلة: حشرةٌ من رتبة غشائيات الأجنحة في الفصيلة النحلية، تُرَبَّى للحصول على عسلها وشمعه، قال تعالى: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ (٦٨)﴾ [النحل: ٦٨].
قال الزجاج: "سُمِّيت نحلاً؛ لأنَّ الله تعالى نحل النَّاس العسل الَّذي يخرج منها، إذ النِّحْلة العطية".
قال الدميري: "النَّحل حيوانٌ فهيمٌ، ذو كَيَسٍ، وشجاعةٍ، ونظرٍ في العواقب، ومعرفة بفصول السنة، وأوقات المطر، وتدبير المطعم، والطاعة لكبيره، والاستكانة لأَميره".
وله أحوالٌ، وترتيبٌ، وتنظيمٌ يطول عدّه، فسبحان من أعطى كل شيءِ خلقه، ثمَّ هدى.
٣ - الهدهد: بضم الهاءين، وإسكان الدال المهملة، جمعه هداهد وهداهيد،
стр. 3461
وهو طائر معروف، ذو خطوط وألوان كثيرة، رقيق المنقار، له قنزعة على رأسه، وهو من فصيلة الجواثم.
وهو منتن الريح طبعًا؛ لأنَّه يبني أفحوصه بالزبل، وهذا عامٌّ في جميع جنسه.
٤ - الأصح هو تحريم أكله؛ لأنَّه منتن الريح، ويقتات الدود والخبث، وَلأنَّ النَّبي ﷺ نهى عن قتله.
٥ - الصُّرد: قال في شرح الإقناع: هو طائر أبقع أبيض البطن، أخضر الظهر، ضخم الرَّأس والمنقار، وهو نوعٌ من أنواع الغربان، يصيد العصافير، وصغار الطير، ويصرصر كالصقر.
قال الدميري: "هو طائر شرس النفس، شديد النقرة، غذاؤه من اللحم، ومأواه الأشجار، ورؤوس القلاع، وأعلى الحصون".
٦ - الأصح تحريم أكله لهذا الحديث.
٧ - الحديث دليل على تحريم قتل هذه الأصناف الأربعة، كما يدل على تحريم أكلها؛ لأنَّه لو حلَّ أكلها لما نهى عن قتلها.
٨ - من ضوابط معرفة محرم الأكل من الحيوان والطير: أنْ يأمر الشَّارع بقتله؛ كالخمس الفواسق، أو ينهى عن قتله؛ كالأربعة المذكورة في هذا الحديث.
٩ - كل ما نُهِيَ عن قتله من الحيوان، والطير، والحشرات، هو ما لم يكن منه أذى، فإن حصل منه الاعتداء، والأذى، حل قتله، ولو بما يبيده جميعه، كاستعمال الأشياء المبيدة له.
***
стр. 3462
١١٥٤ - وَعَنِ ابْنِ أَبِي عَمَّارٍ قَال: "قُلْتُ لجابِرٍ ﵁: الضَّبُعُ صَيْدٌ هُوَ؟ قَالَ: نَعَمْ، قلْتُ: قالَهُ رَسُولُ الله ﷺ ؟ قَالَ: نَعَمْ" رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالأرْبَعَةُ، وصَحَّحَهُ البُخَارِيُّ وابْنُ حِبَّانَ (١).
ــ
* درجة الحديث:
الحديث صحيح.
أخرجه أبو داود، والدَّارمي، والطحاوي، وابن حبان، والدَّارقطني، والحاكم، وغيرهم من طرق، عن جرير بن حازم، عن عبد الله بن عبيد، عن عبد الرحمن بن أبي عمار، عن جابر، قال: "سألت النَّبي ﷺ عن الضبع؟ فقال: هو صيد".
وصحَّحه البخاري، والترمذي، وابن خزيمة، وابن حبان، والبيهقي.
قال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين.
* مفردات الحديث:
- الضَّبع: بتشديد الضاد المعجمة، وسكون الباء الموحدة، وضمها، جنس من الفصيلة الضبعية، ورتبة اللواحم، كبيرة الرَّأس، قويَّة الفكين.
قال الدميري: "الذكر ضَبْعَان، والجمع ضباعين، وأضبُعٌ، ويتغذَّى ببقايا الفريسة".
الضبع: جنس من الحيوان من فصيلة ورتبة آكلة اللحوم، ولفظ الضبع مؤنثة، وقد تطلق على الذكر، ولا يقال: ضبعة، جمعه: أضبع وضباع،
стр. 3463
والذكر يُقال له: ضبعان، والأنثى: ضبعانة، جمعه: ضباعين.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - حديث الباب يدل على حل أكل لحمها، وأنه صيد، والصيد مباح، وقد اختلف العلماء في حلها:
فذهب الإمامان الشَّافعي وأحمد: إلى حلّها؛ مستدلين بهذا الحديث، وبما رواه الحاكم (١/ ٦٢٣) وصحَّح إسناده من حديث جابر قال: قال رسول الله ﷺ : "الضبع صيد، وجزاؤه كبش مسن".
قال الترمذي: "سألت البخاري عنه؟ فقال: إنَّه حديثٌ صحيح".
أمَّا أبو حنيفة: فقال: يحرم.
وأمَّا مالك: فقال: يكره.
ودليل أبي حنيفة على تحريمها حديث: "كل ذي نابٍ من السباع فأكله حرام"، والضبع ذو ناب.
قال الأوزاعي: "كان العلماء بالشام يعدونها من السباع، ويكرهون أكلها".
قال في المغني: "وهو القياس، إلاَّ أنَّ اتباع السنَّة أولى".
والصحيح حل أكلها، فقد قال الشافعي: "ما زال النَّاس يأكلونها ويبيعونها بين الصفا والمروة من غير نكير".
٢ - قال شيخ الإِسلام: "مباحة عند جماهير العلماء، ومنهم مالك، والشَّافعي، وأحمد، وغيرهم؛ لقوله ﷺ : "إنَّها صيدٌ"، وأمر بأكلها, ولأنَّ العرب تستطيبه وتمدحه".
٣ - قال الدميري في حياة الحيوان: "الضبع لا يغتذي بالعدو فهو يعيش بغير أنيابه".
قال ابن القيم: "إنَّما حُرِّم ما له نابٌ من السباع العادية بطبعها، كالأَسد،
стр. 3464
وأمَّا الضبع فإنَّما فيها أحد الوصفين، وهو كونها ذات نابٍ، وليست من السباع العادية، والسبع إنَّما حرم؛ لِما فيه من القوَّة السبعية التي تورث المتغذي بها شبهًا, ولا تعد الضبع من السباع لا لغةً ولا عرفًا".
قلت: وبهذا فحديث "كل ذي نابٍ من السباع" لا يصلح دليلاً على تحريمها.
***
стр. 3465
١١٥٥ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ القُنْفُذِ؟ فَقَالَ: " ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ﴾ الآيَةَ، فقال شَيْخٌ عِنْدَهُ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: ذُكِرَ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فقَالَ: إِنَّهَا خَبِيثَةٌ مِنَ الخبَائثِ، فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: إنْ كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ قَالَ هَذَا فَهُو كمَا قَالَ" أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وأَبُو دَاودَ، وإِسْنَادُهُ ضعِيفٌ (١).
ــ
* درجة الحديث:
الحديث ضعيف.
وقد أخرجه أحمد، وأبو داود، والبيهقي من طريق عيسى بن نميلة عن أبيه. قال البيهقي: هذا حديثٌ لم يرد إلاَّ بهذا الإسناد، وهو ضعيف.
وقال الخطابي: "ليس إسناده بذاك". وقال ابن حجر: "إسناده ضعيف".
وقال الألباني: "علته عيسى بن نميلة، وأبوه، فهما مجهولان".
* مفردات الحديث:
- القُنْفُذ: بضم القاف، وسكون النون، آخره ذال معجمة، هو حيوانٌ ثدييٌّ، صغيرٌ، مغطًّى بالأشواك، وإذا واجهه خطرٌ كوَّر نفسه، فلا تظهر منه إلاَّ أشواكه الحادَّة في كلِّ اتجاه، وبذلك يُدافع عن نفسه، يتغذَّى بالفاكهة، وجذور النبات، والحشرات.
قال في الوسيط: دويبة من الثدييات، ذات شوكٍ حادٍّ، يلتف فيصير
стр. 3466
كالكرة، وبذلك يقي نفسه من خطر الاعتداء عليه، وجمعه قنافذ، ويُقال: العسعاس؛ لكثرة ترددها بالليل.
وهو مولعٌ بأكل الأفاعي.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - الحديث يدل على تحريم أكل القنفذ، وأنَّها خبيثةٌ من الخبائث، وكأنَّ ابن عمر ﵁ لم يبلغه الحديث، فأفتى على موجب اجتهاده من عموم الآية الكريمة بحلها، فلمَّا بلغه النَّص قدَّمه على الاجتهاد.
٢ - اختلف العلماء في تحريم القنفذ، فذهب إلى ذلك الإمامان: أبو حنيفة: وأحمد؛ لهذا الحديث، ولأنَّه من الخبائث، والله تعالى حرَّم الخبائث.
وذهب مالك، والشافعي؛ إلى حله؛ تمشيًا مع القول بأن الأصل في الحيوان الإباحة، وفيها خلافٌ أصوليٌّ، وأمَّا الحديث فلم يثبت لديهم.
***
стр. 3467
١١٥٦ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵁ قَالَ: "نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عنِ الجَلاَّلةِ، وألْبَانِهَا" أَخْرَجَهُ الأرْبَعَةُ إِلاَّ النَّسَائِيَّ، وحسَّنَهُ التِّرمِذِيُّ (١).
ــ
* درجة الحديث:
الحديث حسن.
أخرجه أبو داود، والترمذي، وابن ماجة، والبيهقي من طريق محمد بن إسحاق عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد.
ورجاله ثقات، إلاَّ أنَّه اختلف فيه على ابن أبي نجيح، لكن رواه البيهقي من وجهٍ آخر، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر.
وقد حسَّنه الترمذي، فإنَّ له شواهد تشهد له بالصحة، جاءت عن ابن عبَّاس، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وأبي هريرة:
فحديث ابن عباس: رواه أحمد، والأربعة، وصححه ابن دقيق العيد، وحسَّنه الحافظ.
وحديث ابن عمرو: رواه أحمد، وأبو داود، والنسائي، والحاكم.
وحديث أبي هريرة: رواه الحاكم، والبيهقي، وإسناده قوي.
* مفردات الحديث:
- الجَلاَّلة: من صيغ المبالغة، هي الحيوان الَّذي يأكل الجُلّة، والعذرة، والنَّجاسات، سواءٌ أكانت الجلالة من الإبل، أو البقر، أو الغنم، أو الدجاج، أو غير ذلك من الحيوان، والطير المأكول.
стр. 3468
قال الدميري: الجلاَّلة من الحيوان: هو الَّذي يأكل الجلَّة، والعذرة.
وقال في شرح الإقناع: "الجلاَّلة هي التي علفها النجاسة".
وقال النووي: "لا تكون جلالة إلاَّ إذا غلب على علفها النجاسة".
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - حديث الباب له شواهد كلها مرفوعة إلى النَّبي ﷺ ، منها:
(أ) ما رواه أحمد (١٩٩٠)، وأبو داود (٣٧٨٦)، والترمذي (١٨٢٥) عن ابن عبَّاس: "نهى عن شرب لبن الجلالة"، وفي رواية: "نهى عن ركوب الجلاَّلة".
(ب) ما رواه أبو داود (٣٧٨٧) عن ابن عمر: "نهى عن الجلاَّلة في الإبل: أنْ يركب عليها، أو يشرب من ألبانها".
(ج) ما رواه أحمد (٦٩٩٩)، وأبو داود (٣٨١١)، والنسائي (٤٤٤٧)، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: "نهى عن لحوم الحمر الأهلية والجلالة: عن ركوبها وأكل لحومها".
٢ - وأمَّا حبسها عن النجاسة فهناك روايات:
(أ) ما أخرجه الحاكم (٢/ ٤٦)، والدَّارقطني (٤/ ٢٨٣)، والبيهقي (٩/ ٣٣٣) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص: "حتَّى تعلف أربعين ليلة".
(ب) "كان ابن عمرو إذا أراد أكلها، حبسها ثلاث ليال بأيَّامها".
٣ - الأحاديث تفيد النَّهي عن أكل لحوم الجلاَّلة، وشرب لبنها، وركوبها؛ لأنَّ لحمها, ولبنها، وعرقها، متولدات من النجاسة، فهي نجسة.
٤ - قال في شرح الإقناع: وتحرم الجلَّالة، ويحرم لبنها، وبيضها؛ لأنَّه متولدٌ عن نجاسة.
ويكره ركوبها؛ لأجل عرقها حتَّى تحبس ثلاث ليال بأيامهنَّ، وتطعم الطَّاهر، وتُمنع النجاسة، طائرًا كان أو بهيمة، فإذا تمَّت المدَّة طهرت وحلَّت.
стр. 3469
١١٥٧ - وَعَنْ أَبِي قتادَةَ ﵁ في قِصَّةِ الحِمَارِ الْوَحْشِيِّ: "فَأَكَلَ مِنْهُ النَّبِيُّ ﷺ " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١).
ــ
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - قال في حياة الحيوان: الحمار الوحشي يسمَّى الفَرَاء، ويعيش طويلاً، وهو من الصيد، قال في شرح الإقناع: ويجب في كلِّ واحدٍ من حمار الوحش بقرةٌ، قضى به عمر، وقال عروة ومجاهد: لأنَّها شبيهة به.
٢ - تمام حديث الباب، كما في الصحيحين عن أبي قتادة قال: "كنت يومًا جالسًا مع رجال من أصحاب النَّبي ﷺ في منزل في طريق مكَّة، ورسول الله ﷺ أمامنا، والقوم محرمون، وأنا غير محرم -عام الحديبية- فأبصروا حمارًا وحشيًّا، وأنا مشغولٌ أخصف نعلي، فلم يُؤذنُوني، وأحبوا لو أنِّي أبصرته، فالتفت فأبصرته، فقمت إلى الفرس، فأسرجته، ثم ركبت، ونسيت السوط والرمح، فقلت: لهم ناولوني السوط والرمح، فقالوا: والله لا نعينك عليه، فغضبت، ونزلت، فأخذتهما ثم ركبت، فشددت على الحمار، فعقرته، ثمَّ جئت به، وقد مات، فوقعوا فيه يأكلونه، ثم إنَّهم شكوا في أكلهم إيَّاه -وهم حرمٌ- فرحنا وخبأت العضد معي، فأدركنا رسول الله ﷺ فسألناه، فقال: هل معكم منه شيء؟ فقلت: نعم، فناولته العضد، فأكلها وهو محرم، وسأل هل أشار إليه إنسان منكم، أو أمره بشيءٍ؟ فقالوا: لا، قال: فأكلوه".
٣ - الحديث يدل على إباحة وجواز أكل الحمار الوحشي، وأنَّه من الصيد الطيب، وجواز أكله إجماع العلماء، قال الإِمام الشافعي: لا نعلم في حل الحمار الوحشي خلافًا، إلاَّ ما روي عن مطرف بن عبد الله بن الشخير، وأهلُ العلم قاطبةً على خلاف قوله.
стр. 3470
١١٥٨ - وَعَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ ﵄ قَالَتْ: "نَحَرْنَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَرَسًا فَأَكَلْنَاهُ" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١).
ــ
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - الفرس: قال في الموسوعة الدينية: "حيوان ثدي، وحيد الحافر، يتبع الفصيلة الخيلية، يستعمل للركوب، والحصان العربي أرقى أنواع الخيل، يمتاز بالسرعة، وقوة الاحتمال، وخفَّة الحركة".
٢ - الحديث دليل على إباحة أكل لحم الفرس، فقد أقرَّ النَّبي ﷺ أكله، وإقراره على الشيء من سنته.
٣ - النحر: هو تذكية الإبل خاصَّة، وما عداها فهو يذبح ذبحًا، لا نحرًا، ورواية الحديث عن أسماء تقول: إنَّهم نحروه.
وقد أجاز جمهور العلماء نحو ما يذبح من الحيوان والطير، وذبح ما ينحر منها، إلاَّ أنَّ الأفضل في الإبل النحر، وفيما عداها الذبح.
* خلاف العلماء:
ذهب الإِمام مالك: إلى أنَّ أكل لحوم الخيل مكروهٌ كراهةَ تنزيهٍ.
وذهب الإِمام أبو حنيفة: إلى أنَّه يكره أكله، واستدل على كراهته بقوله تعالى: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾ [النحل: ٨]؛ فالآية جاءت للامتنان، ولو أُبيح أكلها, لكان أعظم منَّة من الركوب والزينة.
والجواب: أنَّ الآية خرجت مخرج الغالب؛ لأنَّ الغالب في الخيل إنَّما هي للزينة والركوب دون الأكل.