كالكرة، وبذلك يقي نفسه من خطر الاعتداء عليه، وجمعه قنافذ، ويُقال: العسعاس؛ لكثرة ترددها بالليل.
وهو مولعٌ بأكل الأفاعي.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - الحديث يدل على تحريم أكل القنفذ، وأنَّها خبيثةٌ من الخبائث، وكأنَّ ابن عمر ﵁ لم يبلغه الحديث، فأفتى على موجب اجتهاده من عموم الآية الكريمة بحلها، فلمَّا بلغه النَّص قدَّمه على الاجتهاد.
٢ - اختلف العلماء في تحريم القنفذ، فذهب إلى ذلك الإمامان: أبو حنيفة: وأحمد؛ لهذا الحديث، ولأنَّه من الخبائث، والله تعالى حرَّم الخبائث.
وذهب مالك، والشافعي؛ إلى حله؛ تمشيًا مع القول بأن الأصل في الحيوان الإباحة، وفيها خلافٌ أصوليٌّ، وأمَّا الحديث فلم يثبت لديهم.
***
стр. 3467
١١٥٦ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵁ قَالَ: "نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عنِ الجَلاَّلةِ، وألْبَانِهَا" أَخْرَجَهُ الأرْبَعَةُ إِلاَّ النَّسَائِيَّ، وحسَّنَهُ التِّرمِذِيُّ (١).
ــ
* درجة الحديث:
الحديث حسن.
أخرجه أبو داود، والترمذي، وابن ماجة، والبيهقي من طريق محمد بن إسحاق عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد.
ورجاله ثقات، إلاَّ أنَّه اختلف فيه على ابن أبي نجيح، لكن رواه البيهقي من وجهٍ آخر، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر.
وقد حسَّنه الترمذي، فإنَّ له شواهد تشهد له بالصحة، جاءت عن ابن عبَّاس، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وأبي هريرة:
فحديث ابن عباس: رواه أحمد، والأربعة، وصححه ابن دقيق العيد، وحسَّنه الحافظ.
وحديث ابن عمرو: رواه أحمد، وأبو داود، والنسائي، والحاكم.
وحديث أبي هريرة: رواه الحاكم، والبيهقي، وإسناده قوي.
* مفردات الحديث:
- الجَلاَّلة: من صيغ المبالغة، هي الحيوان الَّذي يأكل الجُلّة، والعذرة، والنَّجاسات، سواءٌ أكانت الجلالة من الإبل، أو البقر، أو الغنم، أو الدجاج، أو غير ذلك من الحيوان، والطير المأكول.
стр. 3468
قال الدميري: الجلاَّلة من الحيوان: هو الَّذي يأكل الجلَّة، والعذرة.
وقال في شرح الإقناع: "الجلاَّلة هي التي علفها النجاسة".
وقال النووي: "لا تكون جلالة إلاَّ إذا غلب على علفها النجاسة".
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - حديث الباب له شواهد كلها مرفوعة إلى النَّبي ﷺ ، منها:
(أ) ما رواه أحمد (١٩٩٠)، وأبو داود (٣٧٨٦)، والترمذي (١٨٢٥) عن ابن عبَّاس: "نهى عن شرب لبن الجلالة"، وفي رواية: "نهى عن ركوب الجلاَّلة".
(ب) ما رواه أبو داود (٣٧٨٧) عن ابن عمر: "نهى عن الجلاَّلة في الإبل: أنْ يركب عليها، أو يشرب من ألبانها".
(ج) ما رواه أحمد (٦٩٩٩)، وأبو داود (٣٨١١)، والنسائي (٤٤٤٧)، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: "نهى عن لحوم الحمر الأهلية والجلالة: عن ركوبها وأكل لحومها".
٢ - وأمَّا حبسها عن النجاسة فهناك روايات:
(أ) ما أخرجه الحاكم (٢/ ٤٦)، والدَّارقطني (٤/ ٢٨٣)، والبيهقي (٩/ ٣٣٣) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص: "حتَّى تعلف أربعين ليلة".
(ب) "كان ابن عمرو إذا أراد أكلها، حبسها ثلاث ليال بأيَّامها".
٣ - الأحاديث تفيد النَّهي عن أكل لحوم الجلاَّلة، وشرب لبنها، وركوبها؛ لأنَّ لحمها, ولبنها، وعرقها، متولدات من النجاسة، فهي نجسة.
٤ - قال في شرح الإقناع: وتحرم الجلَّالة، ويحرم لبنها، وبيضها؛ لأنَّه متولدٌ عن نجاسة.
ويكره ركوبها؛ لأجل عرقها حتَّى تحبس ثلاث ليال بأيامهنَّ، وتطعم الطَّاهر، وتُمنع النجاسة، طائرًا كان أو بهيمة، فإذا تمَّت المدَّة طهرت وحلَّت.
стр. 3469
١١٥٧ - وَعَنْ أَبِي قتادَةَ ﵁ في قِصَّةِ الحِمَارِ الْوَحْشِيِّ: "فَأَكَلَ مِنْهُ النَّبِيُّ ﷺ " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١).
ــ
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - قال في حياة الحيوان: الحمار الوحشي يسمَّى الفَرَاء، ويعيش طويلاً، وهو من الصيد، قال في شرح الإقناع: ويجب في كلِّ واحدٍ من حمار الوحش بقرةٌ، قضى به عمر، وقال عروة ومجاهد: لأنَّها شبيهة به.
٢ - تمام حديث الباب، كما في الصحيحين عن أبي قتادة قال: "كنت يومًا جالسًا مع رجال من أصحاب النَّبي ﷺ في منزل في طريق مكَّة، ورسول الله ﷺ أمامنا، والقوم محرمون، وأنا غير محرم -عام الحديبية- فأبصروا حمارًا وحشيًّا، وأنا مشغولٌ أخصف نعلي، فلم يُؤذنُوني، وأحبوا لو أنِّي أبصرته، فالتفت فأبصرته، فقمت إلى الفرس، فأسرجته، ثم ركبت، ونسيت السوط والرمح، فقلت: لهم ناولوني السوط والرمح، فقالوا: والله لا نعينك عليه، فغضبت، ونزلت، فأخذتهما ثم ركبت، فشددت على الحمار، فعقرته، ثمَّ جئت به، وقد مات، فوقعوا فيه يأكلونه، ثم إنَّهم شكوا في أكلهم إيَّاه -وهم حرمٌ- فرحنا وخبأت العضد معي، فأدركنا رسول الله ﷺ فسألناه، فقال: هل معكم منه شيء؟ فقلت: نعم، فناولته العضد، فأكلها وهو محرم، وسأل هل أشار إليه إنسان منكم، أو أمره بشيءٍ؟ فقالوا: لا، قال: فأكلوه".
٣ - الحديث يدل على إباحة وجواز أكل الحمار الوحشي، وأنَّه من الصيد الطيب، وجواز أكله إجماع العلماء، قال الإِمام الشافعي: لا نعلم في حل الحمار الوحشي خلافًا، إلاَّ ما روي عن مطرف بن عبد الله بن الشخير، وأهلُ العلم قاطبةً على خلاف قوله.
стр. 3470
١١٥٨ - وَعَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ ﵄ قَالَتْ: "نَحَرْنَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَرَسًا فَأَكَلْنَاهُ" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١).
ــ
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - الفرس: قال في الموسوعة الدينية: "حيوان ثدي، وحيد الحافر، يتبع الفصيلة الخيلية، يستعمل للركوب، والحصان العربي أرقى أنواع الخيل، يمتاز بالسرعة، وقوة الاحتمال، وخفَّة الحركة".
٢ - الحديث دليل على إباحة أكل لحم الفرس، فقد أقرَّ النَّبي ﷺ أكله، وإقراره على الشيء من سنته.
٣ - النحر: هو تذكية الإبل خاصَّة، وما عداها فهو يذبح ذبحًا، لا نحرًا، ورواية الحديث عن أسماء تقول: إنَّهم نحروه.
وقد أجاز جمهور العلماء نحو ما يذبح من الحيوان والطير، وذبح ما ينحر منها، إلاَّ أنَّ الأفضل في الإبل النحر، وفيما عداها الذبح.
* خلاف العلماء:
ذهب الإِمام مالك: إلى أنَّ أكل لحوم الخيل مكروهٌ كراهةَ تنزيهٍ.
وذهب الإِمام أبو حنيفة: إلى أنَّه يكره أكله، واستدل على كراهته بقوله تعالى: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾ [النحل: ٨]؛ فالآية جاءت للامتنان، ولو أُبيح أكلها, لكان أعظم منَّة من الركوب والزينة.
والجواب: أنَّ الآية خرجت مخرج الغالب؛ لأنَّ الغالب في الخيل إنَّما هي للزينة والركوب دون الأكل.
стр. 3471
وذهب الإمامان: الشافعي، وأحمد إلى إباحة أكل لحومها؛ لما يأتي:
١ - حديث الباب صحيحٌ صريح.
٢ - ما في البخاري (٤٢١٩) ومسلم (١٩٤١) من حديث جابر: "أنَّ النَّبي ﷺ نهى عن لحوم الحمر الأهلية، وأَذِنَ في لحوم الخيل".
٣ - وفي رواية الترمذي (١٧٩٣): "أطعمنا رسول الله لحوم الخيل، ونهانا عن لحوم الحمر".
وحِلها هو مذهب جماهير العلماء من السلف والخلف، ومنهم ابن الزبير، وشريح، والحسن، وعطاء، وسعيد بن جبير، وحمَّاد بن زيد، والليث، وابن سيرين، وسفيان الثوري، وأبو يوسف، ومحمد بن الحسن، وابن المبارك، وإسحاق، وأبو ثور، وغيرهم من السلف، والله أعلم.
***
стр. 3472
١١٥٩ - وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: "أُكِلَ الضَّبُّ علَى مَائِدَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١).
ــ
* مفردات الحديث:
- الضَّبّ: بفتح الضاد، وتشديد الباء الموحدة، جمعه ضباب وأضب، وهو حيوان من جنس الزواحف، من رتبة العظاه، غليظ الجسم، خشنه، وله ذنب عريض ذو عُقَد، يسكن في الصحاري العربية.
قال في الوسيط: "الضب حيوانٌ من جنس الزواحف، من رتبة العظاه، غليظ الجسم، خشنه، وله ذنب عريض حرش أعقد، يكثر في صحاري الأقطار العربية".
وقال في الموسوعة الميسرة: "الضب آكل عشب، يعدو بسرعة، ويتسلق بخفة".
وقال الدميري: "الضب حيوان بري، يشبه الورل، جمعه ضباب وأضب، والأنثى ضبة".
وقال ابن خالويه: "الضب: لا يشرب الماء، ويعيش سبعمائة سنة، لا تسقط له سن، وهو طويل الدم؛ فإنَّه يمكث بعد الذبح ليلة، ويُلْقَى في النَّار فيتحرَّك".
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - تمام حديث الباب ما جاء في البخاري (٥٣٩١) ومسلم (١٩٤٦) عن ابن عباس، عن خالد بن الوليد؛ أنَّه أخبره أنَّه دخل مع رسول الله ﷺ على
стр. 3473
ميمونة -وهي خالة ابن عبَّاس- فوجد عندها ضبًّا محنوذًا، قدمت به أختها حفيدة بنت الحارث من نجد، فَقَدَّمَتْ لرسول الله ﷺ ، فأهوى بيده إلى الضب، فقالت امرأة من النسوة الحضور: أَخْبِرْنَ رسول الله ﷺ بما قدمته له، قلن: هو الضب يا رسول الله! فرفع رسول الله ﷺ يده، فقال خالد بن الوليد: أحرامٌ الضب يا رسول الله؟ قال: "لا, ولكن لم يكن بأرض قومي فأجدني أعافه"، قال خالد: فاجتررته فأكلته، ورسول الله ﷺ ينظر، فلم ينهني.
٢ - الحديث يدل على جواز أكل الضب، وأنَّه حلال، وهو من الصيد الذي يحرم قتله وصيده في الحرم والإحرام، قال في شرح الإقناع: "وفي الضب جدي قضى به عمر، والجدي الذكر من أولاد المعز، ما بلغ ستَّة أشهر".
٣ - وقال في شرح الإقناع: فيباح ضب، قال أبو سعيد: "كُلُّنا معشر أصحاب محمَّد ﷺ ؛ لأن يُهدى إلى أحدنا ضب أحب إليه من دجاجة".
وحِلُّ أكله هو إجماع العلماء، وقال النووي: "لا تصح كراهته عن أحد، وإنْ صحَّ فمرجوحٌ بالنصوص، وإجماع من قبله".
وكونه عافه ﷺ لا ينافي كونه لا يعيب طعامًا قط، وما ذُكِر أنَّه ممسوخٌ، فقد ثبت بالأحاديث أنَّ كُلَّ ممسوخ لا عقب له.
***
стр. 3474
١١٦٠ - وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عُثْمَانَ الْقُرَشِيِّ ﵁: "أنَّ طَبِيبًا سَأَلَ رَسُولَ اللهِ ﷺ عنِ الضِّفْدَع يَجْعَلُهَا في دَوَاءً؟ فنَهَى عَنْ قَتْلِهَا" أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ (١).
ــ
* درجة الحديث:
الحديث حسن.
قال المصنِّف: أخرجه أحمد، والحاكم، وأبو داود، والنسائي، والبيهقي، وقال: هو أقوى ما ورد في النَّهي عن قتل الضفدع؛ وله شاهدٌ في الصحيح.
وقد جاء من حديث ابن عمر: "لا تقتلوا الضفدع، فإنَّ نقيقها تسبيح"، قال البيهقي: إسناده حسن، وقد صحَّحه الحاكم.
* مفردات الحديث:
- الضِّفْدَع: جمع ضفدعة، حيوان برمائي (نسبة إلى البر والماء)، ذو نقيق، ويُقال للذكر والأنثى، وجمعه ضفادع.
قال في الموسوعة: "الضفدع: حيوانٌ برمائي يوجد بالمياه العذبة الهادئة، والأحراج، أملس الجلد، أخضر اللون في الغالب، أو بني.
لبعض أنواعه إفرازات بهيجة أو سامَّة، يعيش الضفدع في جميع أنحاء العالم".
قال الدميري: "الضفدع: بكسر الضاد، وسكون الفاء، والعين المهملة، بينها دال مهملة، واحد الضفادع، والأنثى ضفدعة".
стр. 3475
الضفادع أنواع كثيرة، وتتولد في المياه القاتمة الضعيفة الجري، ومن العفونات، وعقب الأمطار الغزيرة، وهي من الحيوانات التي لا عظام لها، ومنها ما يَنِق وما لا يَنِق، وتوصف بحدة السمع.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - الحديث يفيد النهي عن قتل الضفدع، والنهي يقتضي تحريم قتلها.
٢ - تحريم قتلها يفيد تحريم أكلها؛ فإنَّه لو جاز أكلها, لما حرم قتلها، وتحريم أكلها والنَّهي عن قتلها: هو إجماع العلماء.
قال البيهقي عن حديث الباب: هو أقوى ما ورد في النهي عن قتل الضفدع.
٣ - الطبيب سأل النَّبي ﷺ عن الضفدع يجعلها في دواء؟ فنهى عن قتلها.
قال الدميري: لحوم الضفادع تغثي النفس، وتورث إسهالًا دمويًّا، فيتغير منه لون البدن، ويختلط العقل، فصلوات الله وسلامه على نبينا محمَّد.
***
стр. 3476
باب الصيد
مقدمة
الصيد: مصدر صاد يصيد صيدًا، فهو صائد، وقد أطلق المصدر على اسم المفعول، فعومل معاملة الأسماء، فأوقع على الحيوان المصيدة كقوله تعالى: ﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ و ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ﴾ [المائدة: ٩٥ - ٩٦].
وتعريفه شرعًا: الصيد: هو اقتناص حيوان حلال متوحش طبعًا، غير مملوك، ولا مقدور عليه.
وهو مباح بالكتاب، والسنَّة، والإجماع، والقياس:
قال تعالي: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ﴾ [المائدة: ٩٥ - ٩٦].
والأحاديث كثيرة، ومنها ما في البخاري (٢٣٢٢)، ومسلم (١٥٧٥) من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "من اتخذ كلبًا -إلاَّ كلب صيدٍ، أو زرعٍ، أو ماشيةٍ- انتقص من أجره كل يوم قيراط".
وقد أجمع العلماء على حله، وإباحة أكله، ويقتضيه القياس الصحيح.
قال في شرع الإقناع: والصيد أفضل مأكول؛ لأنَّه حلال لا شبهة فيه.
وقال أيضًا: الزراعة أفضل مكتسب؛ لأنَّها أقرب إلى التوكل من غيرها، وأقرب للحل، ومنها عمل اليد، والنفع العام للآدمي، والدواب.
وقيل: التجارة أفضل المكاسب، وأفضلها التجارة في البز والعطر، وأبغضها التجارة في رقيقٍ، وصَرْفٍ؛ للشبهة.
стр. 3477
ويُسن التكسب، ومعرفة أحكامه؛ قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ﴾ [الملك: ١٥].
فالأخذ بالأسباب المباحة المشروعة من التوكل.
ولا يُعتَقد أنَّ الرزق من الكسب، بل هو من الله، بواسطة أسبابه التي هدانا الله تعالى إليها.
ويُشترط لحلِّ الصيد أربعة شروط:
أحدها: أهلية الصَّائد، وهو الَّذي تحل ذبيحته.
الثاني: الآلة، وهي نوعان:
إمَّا آلة حادة، أو سهم يخرق الجلد.
والنوع الثاني: الجارح المعلَّم؛ كالكلب، والصقر.
الثالث: إرسال الآلة قاصدًا للصيد؛ فلا يحل إنْ استرسل بنفسه.
الرَّابع: قول الصائد: "باسم الله" عند إرسال جارحه، أو سهمه؛ فلا يُباح ما لم يذكر عليه اسم الله تعالى من عالِمٍ عامد.
***
стр. 3478
١١٦١ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنِ اتَّخَذَ كَلْبًا -إِلاَّ كَلْبَ مَاشِيَةٍ، أَوْ صَيْدٍ، أوْ زَرْعٍ- انْتُقِصَ مِنْ أَجْرِهِ كلَّ يَوْمٍ قِيراطٌ" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١).
ــ
* مفردات الحديث:
- ماشية: الماشية اسم يقع على الإبل، والبقر، والغنم، وأكثر ما تستعمل في الغنم، ويُجمع على مواشٍ.
- أو: من حروف العطف، ولها فيه معان كثيرة، أحدها: التنوع، وهو المراد هنا.
- قِيراط: القيراط: معيار في الوزن، اختلفت مقاديره باختلاف الأزمنة، وهو الآن وزن أربع قمحات، وفي القياس جزء من أربعة وعشرين جزءًا، ولكنه في مثل هذه النصوص أمرٌ مجهول المقدار، وقد قال ﷺ : "من تبع جنازة مسلم، وكان معها حتَّى يفرغ من دفنها، فإنَّه يرجع بقيراطين: كل قيراط مثل جبل أُحُد".
قيراط: مرفوع على أنَّه نائب فاعل.
- الكلب: حيوانٌ أهليٌّ، من الفصيلة الكلبية، من رتبة اللواحم، جمعه كلاب وأكلب.
قال الدميري: الكلب حيوان ليس سبُعًا, ولا بهيمة، فهو من الخلق المركَّب؛ لأنَّه لو تمَّ له طباع السبعية، ما ألف النَّاس، ولو تمَّ له طباع البهيمة، ما أكل لحم الحيوان، وهو نوعان: أهلي، وسلوقي؛ نسبة إلى
стр. 3479
أسلوق وهي مدينة باليمن تنسب إليها الكلاب السلوقية، وكذا النوعين في الطبع سواء.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - جاء في البخاري (١٧٢)، ومسلم (٢٧٩) من حديث أبي هريرة أنَّ رسول الله ﷺ قال: "إذا شرب الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعاً، إحداهنَّ بالتراب" فهذا يدل على أنَّ نجاسة الكلب نجاسة مغلَّظة لشدَّة قذارته.
٢ - حديث الباب يدل على تحريم اقتنائه، واتخاذه.
فقد روى مسلم (٢١١٣) من حديث أبي هريرة أنَّ النَّبي ﷺ قال: "لا تصحب الملائكة رفقةً فيها كلبٌ أو جرس".
٣ - ويدل الحديث على نقص أجر مقتني الكلب كل يوم قيراطًا من الأجر، وهو قدرٌ عظيم قرَّبه النَّبي ﷺ إلى الأفهام في بعض الأحاديث بأنَّه مثل الجبل العظيم: جبل أُحُد.
٤ - اكتُشفت بالمكبرات الحديثة أنَّ في لعاب الكلب ميكروبات معدية فتاكة؛ ولذا صارت نجاسته مغلظة، فلا يطهر ما أصابته إلاَّ بغسله سبع مرَّات، إحداهن بالتراب الَّذي يحمل قوَّة الإنقاء والتطهير.
٥ - قال الأستاذ عفيف طبارة: ومن حِكَم الإِسلام وقاية الأبدان من نجاسة الكلاب، وهذه معجزة علمية للإسلام، سبق بها الطب الحديث الَّذي أثبت أنَّ الكلاب تنقل كثيرًا من الأمراض إلى الإنسان.
قال الدكتور الألماني (كوسموس): إنَّ زيادة شغف النَّاس باقتناء الكلاب في هذا العهد الأخير، يضطرنا إلى لفت الأنظار للأخطار التي تنجم عن ذلك، وخاصَّة إذا دفع اقتناؤها إلى مداعبتها وتقبيلها، والسماح لها بلمس أيدي أصحابها، وتركها تلعق فضلات الطعام من أوانيها.
стр. 3480
فكل ما ذكر مع نبوّه عن الذوق السليم، فإنَّه لا يتفق ومبادىء الصحة، فإنَّ الأخطار التي تهدد صحة الإنسان وحياته بسبب هذا التسامح ممَّا لا يستهان بها؛ فإنَّ الكلاب تصاب بدودة شريطية تتعدَّاها إلى الإنسان بمرض عُضال، قد تصل إلى حد العدوان على حياته.
وقد ثبت أنَّ جميع أجناس الكلاب حتَّى أصغرها حجمًا لا تسلم من الإصابة بهذه الديدان الشريطية.
٦ - استثني من تحريم اقتناء الكلب ثلاث حالات:
إحداها: الكلب الَّذي يحرس الماشية من السباع، كالذئاب، ويحرسها من اللصوص.
الثانية: الكلب الَّذي يعد لحراسة المزارع، لاسيما مزارع الأطراف والضواحي، التي يخشى على أهلها، وعلى مواشيهم، وثمارهم، وزروعهم من اللصوص والسباع.
الثالثة: الكلب المعد للصيد، الَّذي سيأتي بيانه إنْ شاء الله تعالى.
فاقتناء الكلاب واتخاذها لواحدةٍ من هذه الحالات الثلاثة مباح، ومستثنى من التحريم.
٧ - قال العلماء: حكمة التحريم في بقاء الكلب في البيت واقتنائه، هو ما يسبب من ترويع النَّاس، وامتناع دخول الملائكة في بيتٍ فيه كلب، وما فيه من النجاسة والقذارة.
* خلاف العلماء:
اختلف العلماء هل اقتناؤه واتخاذه لغير حاجة، محرم، أو مكروه؟
فذهب الإمامان الشَّافعي وأحمد: إلى أنَّ اقتناءه محرَّم لما جاء من الأحاديث الصحيحة من شدَّة نجاسته، وعدم دخول الملائكة بيتًا هو فيه، ونقص الثواب والأجر باقتنائه لغير حاجة.
стр. 3481
قال في المجموع: وحكى الروياني عن أبي حنيفة جوازه.
قال النووي: ويجوز اقتناء الكلب للصيد أو الزرع أو الماشية بلا خلاف.
وأمَّا اقتناؤه لحفظ الدور والدواب فوجهان مشهوران:
أحدهما: لا يجوز؛ للخبر.
الثاني: يجوز؛ لأنَّه لحفظ مال، فأشبه الزرع والماشية.
واختلف العلماء في جواز بيع الكلب:
فذهب الإمامان الشَّافعي وأحمد: إلى بطلانه، وأنَّه لا يجوز؛ لما جاء في البخاري (٥٣٤٦)، ومسلم (١٥٦٧) من حديث أبي مسعود عقبة بن عامر قال: "نهى رسول الله ﷺ عن ثمن الكلب، ومهر البغي، وحلوان الكاهن". وغيره من الأحاديث.
وقال بتحريم بيعه وبطلانه كل من: الحسن البصري، وربيعة، وحماد، والأوزاعي، وداود.
وذهب أبو حنيفة: إلى جواز بيع الكلاب كلها، وأخذ ثمنها، وضمانها على من أتلفها.
واختلف أصحاب مالك: فبعضهم أجاز بيع الكلب المأذون في إمساكه، وبعضهم قال: لا يجوز.
واحتج من أجاز بيعه بما أخرجه مسلم (١٥٦٩) من حديث جابر قال: "زجر النَّبي ﷺ عن ثمن الكلب والسنور"، ولأنَّه يُباح الانتفاع به، ويصح نقل اليد فيه، والوصية به، فصح بيعه؛ كالحمار.
وممَّن أجاز بيعه من السلف: جابر بن عبد الله، وعطاء، والنخعي.
***
- وقيذ: بفتح الواو، وكسر القاف المثنَّاة، وذال معجمة، بزنة عظيم، والموقوذة: هي المضروبة بمثقل من عصا، ونحوه، حتَّى يموت.
- السهم: واحد النبل، وهو نصل يُرمى به من القوس، جمعه أسهم وسهام.
***
стр. 3484
١١٦٤ - وَعَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ ﵁ عَنِ النَّبي ﷺ قَالَ: "إِذَا رَمَيْتَ بِسَهْمِكَ، فغَابَ عَنْكَ، فَأَدْرَكتَهُ، فَكُلْهُ مَا لَمْ يُنْتِنْ" أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ (١).
ــ
* مفردات الحديث:
- ما لم يُنتن: بضم الياء، وفتحها، وكسر التاء، من أنتن الرباعي، ومعناه: ما لم تتغير رائحته، وتخبث.
* ما يؤخذ من الأحاديث الثلاثة:
١ - إباحة صيد الكلب المعلَّم للصيد؛ قال تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ﴾ أي: وأحل الله لكم صيد ما علَّمتم من الجوارح، وهي الكواسب من الكلاب ونحوها.
قال القرطبي: "إنَّ الكلب إذا لم يأكل من صيده الَّذي صاده، وذُكر اسم الله عند إرساله، فإنَّ صيده مباح، يؤكل بلا خلاف.
٢ - لا يحل صيد الكلب وغيره من الجوارح إلاَّ بعد التعليم؛ قال تعالى: ﴿مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ﴾ أي: مؤدبين لهذه الجوارح، ومعلمين لهنَّ ممَّا خلقه الله فيكم من العقل، الَّذي تهتدون به إلى تدريبها وتعليمها، حتَّى تصير قابلة لإمساك الصيد.
٣ - قال في نيل المآرب: الثاني من شروط حل الصيد: أنْ يكون الجارح معلَّمًا، وتعليم الكلب ونحوه من السباع يكون بثلاثة أشياء:
(أ) إذا أرسل استرسل.
стр. 3485
(ب) إذا زُجر انزجر.
(ج) إذا أمسك لم يأكل.
وقال الشيخ عبد الرحمن السعدي: قال بعض الأصحاب: التعليم ما يُعَدّ بالعرف تعليمًا، وهو أقرب لظاهر الآية، ولسهولة الأمر.
٤ - لا يحل الصيد ما لم يذكر اسم الله تعالى عند إرسال الجارح؛ قال تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾.
وقال ﷺ : "إذَا أرسلت كلبك فاذكر اسم الله عليه" [رواه مسلم (١٩٢٩)].
فإنْ تَرَك التسمية عمدًا، فمذهب جمهور العلماء، ومنهم الأئمة الثلاثة: أبو حنيفة، ومالك، وأحمد: أنَّها لا تحل.
وذهب الشافعي: إلى أنَّها سنَّة، وليست بواجبة، وهي رواية عن أحمد.
وإنْ ترك التسمية ناسيًا، أبيح صيده، وبه قال أبو حنيفة، ومالك، وأحمد، وغيرهم.
٥ - قوله: "إذا أرسلت كلبك" مفهوم الشرط أنَّ غير المرسَل ممَّا يسترسل بنفسه لا يحل صيده، وهو قول جمهور العلماء.
ذلك أنَّه صاد لنفسه، ولم يصد لمقتنيه؛ فإنَّ حقيقة التعليم هو أنْ يكون بحيث يرسل فيقصد الصيد، ويزجر فيكف عنه.
٦ - قوله: "فأدركته حيًّا، فاذبحه" فهذا دليل على وجوب تذكية الصيد إذا وجد حيًّا، فإنَّه لا يحل إلاَّ بالتذكية، وهذا بإجماع العلماء.
قال النووي: وإنْ أدركه وفيه بقية من حياة، فإنْ كان قد قطع حلقومه أو مريئه أو جرح أمعاءه أو أخرج حشوته، فيحل بلا ذكاة إجماعًا.
٧ - قوله: "وإنْ أدركته قد قتل، فَكُلْهُ" وأصرح من هذه الرواية ما جاء في البخاري (٥٤٨٤) ومسلم (١٩٢٩) أيضًا من حديث عدي بن حاتم قوله
стр. 3486
- ﷺ : "إذا أرسلت كلبك المعلم، وذكرت اسم الله، فكل ما أمسك عليك، قلت: وإنْ قتلن؟ قال: وإنْ قتلن، ما لم يشركها كلب ليس معها".
قال المجد: وهو دليل على الإباحة، سواءً قتله الكلب جرحًا، أو خنقًا.
وما قاله المجد ﵀ رواية عن الإِمام أحمد، اختارها ابن حامد، وابن الجوزي، وهي ظاهر كلام الخرقي، وهو قول للإمام الشافعي.
أمَّا المشهور من المذهب فعبارة شرح الإقناع وغيره وهي: "ولابد أنْ يجرح ذو المخلب الصيد، فإنْ قتله بصدمه أو خنقه لم يبح، لأنَّه قتله بغير جرح".
٨ - قوله: "فإنْ أمسك عليك" وجاء هذا المعنى صريحًا بما في البخاري (٥٤٨٤) ومسلم (١٩٢٩) من حديث عدي: "فإنِّي أخاف أنْ يكون إنَّما أمسك على نفسه".
وقال تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾.
فهذه تدل على أنَّ الجارح إذا أمسك لنفسه لا يحل ما صاد، ما لم يُدرك وبه حياة مستقرَّة، فيذكى ذكاة شرعية، ويدخل تحت قوله تعالى: ﴿وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ﴾.
قال في شرح الإقناع: وإن استرسل الكلب أو غيره بنفسه، فقتل صيدًا لم يحل؛ لأَنَّ إرسال الجارح جعل بمنزلة الذبح، فالفصد في إرسال الجارح شرط حل الصيد.
٩ - قوله: "ولم يأكل منه فَكُلْه" وجاء في إحدى روايات البخاري (٥٤٨٤)، مسلم (١٩٢٩): "إذا أرسلت كلابك المعلَّمة، وذكرت اسم الله فكل، إلاَّ أنْ يأكل الكلب فلا تأكل، فإنِّي أخاف أنْ يكون إنَّما أمسك على نفسه".
إنَّ إرادة الجارح الصيد لمقتنيه أمرٌ مقصود لحل صيده، ولا يعلم عن هذا إلاَّ بدلالة تصرفه، فإنْ أكل منه علمنا أنَّه لم يقصد الصيد لمرسله، وإنَّما
стр. 3487
صاد لنفسه، وإنْ لم يأكل دلَّنا ذلك على أنَّه قصد بصيده مقتنيه، فهذا ما تشير إليه هذه النصوص وغيرها. وإلى عدم حل ما أكل منه ذهب العلماء.
قال الوزير: واشترط جمهور العلماء ومنهم الأئمة الثلاثة أبو حنيفة والشَّافعي وأحمد ترك الأكل، ولم يشترطه مالك.
١٠ - قوله: "وإنْ وجدت مع كلبك كلبًا غيره، وقد قُتل فلا تأكل، فإنَّك لا تدري أيهما قتله". الأصل في هذا أنه إذا اجتمع مبيحٌ وحاظر غُلِّب جانب الحظر؛ لأنَّ الأصل التحريم.
قال في شرح الإقناع: وإن وجد مع كلبه كلبًا آخر، ولا يعلم أي الكلبين قتله، أو علم أنَّهما قتلاه معًا، أو علم أنَّ الكلب المجهول هو القاتل للصيد وحده، لم يبحٍ الصيد؛ تغليبًا للحظر؛ لأنَّه الأصل.
١١ - قوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ﴾ دليل على أنَّ جميع الجوارح من السباع والطيور كلها يباح صيدها، فالكواسب: كالكلب، والفهد، والأسد، والنمر، والطير: كالصقر، والشاهين، والبازي، والعقاب، وإنَّما جاء ذكر الكلب في الأحاديث؛ لأنَّه الغالب؛ ولأنَّه أسرع وأقبل من غيره للتعليم والتأديب.
على أنَّ لفظ الكلب لغةً يشمل جميع السباع، قال ﷺ : "اللهم سلِّط عليه كلبًا من كلابك، فأكله الأسد" [رواه البيهقي في دلائل النبوة (٢/ ٣٣٨)].
قال في شرح الإقناع: "الجوارح نوعان: أحدها ما يصيد بنابه: كالكلب، والفهد، والثاني من الجوارح، ذو المخلب: كالبازي، والصقر.
١٢ - قوله في الحديث رقم (١١٦٣) "سألت رسول الله ﷺ عن صيد المِعْراض ... إلخ" فهذا يدل على أنَّ المعراض هو سهمٌ لا ريش له ولا نصلَ، إن قتل الصيد بحده فهذا قد مضى في جسمه وجرحه فهو مباح، وأمَّا إنْ قتل بعرضه فهذا قتل بصدمه وثقله، فإنَّه لا يحل، وهو الوقيذة،
стр. 3488
التي قال الله تعالى: ﴿وَالْمَوْقُوذَةُ﴾ وهي المضروبة، فلا تحل إلاَّ إذا تركت حيَّة، وذكيت ذكاة شرعية.
فقد روى الإِمام أحمد عن عدي ﵁ قال: قلت: يا رسول الله! إنَّا قومٌ نرمي فما يحل لنا؟ قال: "يحل لكم ما ذكرتم اسم الله عليه، وخزقتم؛ فكلوا منه".
قال المجد في المنتقى: وهو دليلٌ على أنَّ ما قتله السهم بثقله لا يحل.
قال في شرح الإقناع: وإنْ صاد بالمعراض، أكل ما قتل بحده، دون عرضه، وكذا سهم، ورمح، وسيف، وسكين، يضرب به صفحًا فيقتل، فأكله حرام؛ لأنَّ القتل إنَّما يكون بثقله لا بحده.
١٣ - تحريم صيد السهم ونحوه بعرضه، هو مذهب جمهور العلماء، ومنهم الأئمة الأربعة.
وذهب بعض أهل الشَّام، ومنهم مكحول، والأوزاعي: إلى حله، ووجه الاختلاف اختلافهم في أصل المسألة، فالمقتولة بعرض السهم ونحوه وقيذة؛ لأنَّها قُتِلت بثقل السلاح، لا بحدِّه، والكتاب والسنَّة يحرمان الموقوذة، وهما أصلا التشريع.
أمَّا الأصل الذي بني عليه المخالفون، فهو أنَّ قتل الصيد بالسهم عقر، على أي صفة قتل عليها، والعَقْر حلال، على أي نوعٍ حصل به القتل.
والقول الأوَّل أولى وأحوط.
١٤ - قوله: "وإنْ رميت بسهمك ... إلخ" فإذا رمى الصيد بسهمه ثمَّ غاب عنه، ولكنَّه لم يجد فيه أثرًا قاتلاً إلاَّ سهمه، فإنَّه يحل أكله.
ومفهومه أنَّه إنْ وجد أثرًا آخر يصلح أنْ يكون مات منه، فإنَّه لا يحل؛ لأنَّه اجتمع مبيح وحاظر، فيغلَّب جانب الحظر.
ومن ذلك: لو رماه فوجده في الماء غريقًا؛ فإنه لا يعلم هل مات من
стр. 3489
السهم، أو من الغرق؟ فيغلب جانب الغرق، ولا يحل. لكن لو رماه وسقط من رميته في الماء، فأخذه، فإنه حلال؛ لأنَّه سقط في الماء من رميته، ولا يوجد وقت يحتمل أنَّه غرق فيه.
١٥ - قوله: "فكله ما لم ينتن" المنتن: هو ما تغير طعمه، ولا يكون إلاَّ بعد فساده، وإذا فسد، ذهب نفعه، وصار مضرًّا؛ ففيه دليل على كراهة أكل النتن.
قال في شرح الإقناع: ويكره أكل لحم منتن؛ ذكره جماعة.
وقد جاء في صحيح مسلم (١٩٣١) من حديث أبي ثعلبة الخشني قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا رميت بسهمك، فغاب عنك، فأدركته، فكل ما لم يُنتن".
***
стр. 3490
باب الذبائح
مقدمة
الذبح: مصدر ذبح الحيوان، فهو ذبيح ومذبوح، والذبيحة ما يُذبح، وجمعها ذبائح، فهي ما ذُبح من الحيوان، وذلك بقطع أوردة الرقبة.
وشرعًا: ذبح حيوان مقدور عليه مباح أكله، يعيش في البر غير جراد، بقطع حلقوم ومريء، أو عَقْر ما لم يقدر عليه منه.
وحكمه ثابت، بالكتاب، والسنَّة، والإجماع.
قال تعالى: ﴿إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ وما رواه الدارقطني أنَّ النَّبي ﷺ بعث ببديل ابن ورقاء يصيح في فِجَاج مني: "ألا إنَّ الذكاة في الحلق واللبة".
وما جاء في البخاري (٥٥٠٩)، ومسلم (١٩٦٨) من حديث رافع بن خديج قال: كنا مع رسول الله ﷺ في سفر، فندَّ بعير من إبل القوم، ولم يكن معنا خيل، فرماه رجل بسهم، فحبسه، فقال ﷺ : "إنَّ لهذه البهائم أوابد كأوابد الوحش، فما فعل منها هذا، فافعلوا به هكذا".
قال ابن المنذر: "أجمعوا على أنَّ المرء إذا ذبح ما يجوز ذبحه، وسمَّى الله، وقطع الحلقوم والودجين، وأسَالَ الدَّمَ، فإنَّ الشاة مباح أكلها".
وقال الوزير، في الحيوان البري: أجمعوا على أنَّ ما أبيح أكله لا يباح إلاَّ بالذكاة، كما أجمعوا على أنَّ الميتة حرام.
قال الشيخ عبد الله بن حميد: أجمع العلماء على أنَّ محل الذكاة هو الحلق واللبة، ولا يجوز في غير هذين.
وصفة الذبح، والنحر، والعقر: واحدة في جميع الشرائع السماوية من
стр. 3491
حيث وجوب إسالة الدم، ومن حيث وجوب إجراء عملية الذبح أو النحر في الموضع الَّذي حدَّده الشرع في جسم المذبوح أو المنحور.
ولولا توحد الشرائع السماوية في أصول الذكاة، لما أحل الله للمسلمين ذبائح أهل الكتاب، كما أحل ذبائح المسلمين.
ويشترط للذكاة ذبحًا أو نحرًا أربعة شروط:
أحدها: أهلية الذابح، أو النَّاحر، أو العاقر، وهو أنْ يكون عاقلاً، قاصدًا التذكية، فلا تحل ذكاة مجنون، وسكران، وطفلٍ دون التمييز؛ لأنَّه لا قصد لهم.
الثاني: الآلة: وهو أنْ يذبح بآلة محدَّدة تقطع، أو تخرق بحدها, لا بثقلها سواءٌ من حديد، أو حجر، أو خشب، أو غيرها، غير عظم وظفر؛ فلا تحل الذبيحة بهما.
الثالث: أنْ يقطع الحلقوم: وهو مجرى النفس، والمريء: وهو مجرى الطعام والشراب، ولا يشترط قطع الودجين، بل يستحب، والودجان: عرقان بجانب الرقبة.
الرَّابع: التسمية عند حركة يده بالذبح بقوله "باسم الله"، ولا يجزىء غيرها، ووجوبها إذا ذكرها، ويسقط مع السهو، وهو مذهب الجمهور.
***
стр. 3492
١١٦٥ - وعَنْ عائشَةَ ﵂: "أنَّ قومًا قالوا لِلنَّبيِّ ﷺ : إنَّ قومًا يَأْتُونَنَا بالَّلحْمِ، لاَ نَدْرِي أَذَكرُوا اسْمَ اللهِ عَلَيْهِ، أمْ لا؟ فَقَالَ: سَمُّوا الله علَيْهِ أَنْتُم، وَكُلُوهُ" روَاهُ البُخَارِيُّ (١).
ــ
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - الحديث له روايات يظهر معناه جليًّا بإيراد بعضها:
فقد جاء في البخاري: "وكانوا حديثي عهد بالكفر" وفي رواية: "وذلك في أوَّل الإِسلام".
٢ - شروط التذكية:
(أ) أنْ يقول "باسم الله" عند إرادة التذكية، فإنْ تركها عمدًا، لم تحل التذكية عند جمهور العلماء، وإنْ تركها جهلًا أو نسيانًا، حلَّت على الرَّاجح من قولي العلماء.
(ب) أهلية المذكي بأنْ يكون مسلمًا أو كتابيًّا، ويكون عاقلاً مميزًا.
(ج) أنْ تكون التذكية على الطريقة الشرعية، وذلك من رقبة المذكى المقدور عليه، وأنْ يقطع الحلقوم والمريء.
(د) أن تكون التذكية بألة حادة، تنهر الدم، كسكين ونحوه.
٣ - قال الشيخ عبد الله بن حميد: أجمع العلماء على أنَّ مكان الذكاة هو الحلق واللبة، ولا يجوز في غير هذين الموضعين للمقدور عليه.
وعند مالك: لا تصح إلاَّ بقطع أربعة: الحلقوم، والمريء، والودجين.
وعند الشَّافعي وأحمد: تصح بقطع الحلقوم، والمريء، ولو لم يقطع
стр. 3493
الودجان.
٤ - قال الشيخ عبد العزيز بن باز: أجمع علماء الإِسلام على تحريم ذبائح المشركين من عباد الأوثان، ومنكري الأديان، ونحوهم من جميع أصناف الكفَّار، غير اليهود والنصارى.
٥ - إذا كانت هذه أحكام حل التذكية، وأنَّ ما خالفها محرم، لا يحل أكله، فالَّذين سألوا النَّبي ﷺ عن هذه اللحوم المستوردة من قوم مسلمين، إلاَّ أنَّ عهدهم بالكفر قريب، فيغلب عليهم الجهل، فلا يعلم هل ذكروا اسم الله عليه أو لا؟ فأمر النَّبي ﷺ السَّائلين أن يأكلوا تلك اللحوم، وأنْ يذكروا اسم الله عند أكلها.
قال المجد في المنتقى: الحديث دليل على أنَّ التصرفات تحمل على الصحة والسَّلامة إلى أنْ يقوم دليل الفساد.
٦ - هذا الحديث يذكرنا بمسألة اللحوم التي يستوردها المسلمون من بلدان غير إسلامية، وقد أكثر علماء العصر من الكلام عليها.
ونحن نورد -هنا- فقرتين من تلك الفتاوى:
(أ) قال الشيخ عبد العزيز بن باز: اللحوم التي تُباع في أسواق دول غير إسلامية، إنْ عُلم أنَّها من ذبائح أهل الكتاب فهي حل للمسلمين، إذا لم يُعلم أنَّها ذُبِحَت على غير الوجه الشرعي، إذ الأصل حلها بالنص القرآني، فلا يعدل عن ذلك إلاَّ بأمرٍ محقَّق يقتضي تحريمها.
أمَّا إنْ كانت اللحوم من ذبائح بقيَّة الكفار، فهي حرام على المسلمين، ولا يجوز لهم أكلها بالنص والإجماع، ولا تكفي التسمية عليها عند أكلها.
(ب) وقال الشيخ عبد الله بن حميد: "وأمَّا اللحوم المستوردة فما وردت من بلاد جرت عادتهم أو أكثرهم يذبحون بالخنق، أو بالصعق الكهربائي، ونحو ذلك، فلا شكَّ في حرمته.
стр. 3494
وأمَّا إِذا جُهِل الأمر: هل يذبحون بالطريقة الشرعية أم بغيرها؛ فلا شكَّ في حرمتها؛ تغليبًا لجانب الحظر، كما قرره أهل العلم، منهم؛ النووي، وشيخ الإِسلام، وابن القيم، وابن رجب، وابن حجر، وغيرهم.
٧ - القاعدة الشرعية: أنَّه متى وُجِدَ مبيح وحاظر، غُلِّبَ جانب الحظر؛ لحديث: "دع ما يريبك إلى ما لا يريبك" [رواه الترمذي (٢٥١٨)].
ولحديث "إذا أرسلت كلبك المعلَّم، ووجدت معه كلبًا آخر، فلا تأكل؛ فإنَّما سميت على كلبك، ولم تسم على غيره" [رواه البخاري (٥٤٨٤)، ومسلم (١٩٢٩)].
قال ابن رجب: "ما أصله الحظر كالأبضاع، ولحم الحيوان، فلا تَحِل إلاَّ بيقين حله من التذكية والعقر، فإنْ تردَّد في شيئٍ من ذلك لسببٍ آخر، رجع إلى الأصل، فبني عليه، فما أصله التحريم بقي على حرمته".
ولو فرضنا أنَّه يوجد في تلك البلدان من يذبح ذبحًا شرعيًّا، ويوجد من يذبح ذبحًا آخر كالخنق والوقذ، فلا تحل للاشتباه، كما هي القاعدة الشرعية.
***
стр. 3495
١١٦٦ - وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُغَفَّلٍ ﵁: "أنَّ رَسُولَ اللهَ ﷺ نَهَى عَنِ الخَذْفِ وقَالَ: إِنَّهَا لاَ تَصِيدُ صَيْدًا، وَلاَ تَنكَأُ عَدُوًّا؛ وَلَكِنَّهَا تَكْسِرُ السِّنَّ، وَتَفْقَأُ العَيْنَ" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، والَّلفْظُ لِمُسْلِمٍ (١).
ــ
* مفردات الحديث:
- الخَذْفُ: قال في فتح الباري: بفتح الخاء المعجمة، فذال معجمة، ففاء، هو رمي الإنسان بحصاة أو نواة بين إصبعيه: السبابتين، أو السبابة والإبهام.
- فإنَّهَا: الضمير راجع إلى الخذف، وأنَّث الضمير نظرًا إلى المحذوف به، وهو الحصاة.
- لاَ تنكأ: بفتح حرف المضارعة، وفتح الكاف، وهمزة في آخره، أي: لا تجرح عدوًّا, ولا تقتله، وروي بكسر الكاف بغير همزة، والحديث مروي بالوجهين، وكلاهما صحيح؛ لكن قال العيني: المناسب هنا كسر الكاف بغير همزة؛ لأنَّ معناه نكيت في العدو نكاية: إذا أكثرت فيهم الجراح والقتل، وأمَّا الَّذي في الهمز فهو من نكأت القرحة، إذا قشرتها, ولا يناسب هنا إلاَّ الأوَّل.
- تفقأ: فقأ بفتحات، فقأ العين: شقَّها، وأخرج ما فيها.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - الخذف: هو رمي الإنسان بحصاة، أو نواة، أو نحوهما، يجعلهما بين إصبعيه: السبابتين، أو السبابة والإبهام.
وقد نهى النَّبي ﷺ عن ذلك، والنَّهي يقتضي التحريم؛ فدلَّ على أنَّ هذا الفعل محرَّم.
стр. 3496
٢ - ذلك أنَّه مفسدة محضة، لا مصلحة فيه؛ فإنَّه يكسر السن, ويفقأ العين، ويشج الوجه، ولا يحصل به فائدة؛ فإنَّ القتل به إذا قتل لا يحل؛ لأنَّه يقتل بثقله، لا بحدِّه وموره وجمهور العلماء لا يحلون قتل الصيد بالثقل؛ لأنَّه من الوقيذة؛ قال تعالى: ﴿وَالْمَوْقُوذَةُ﴾، وقتل الحيوان بغير حقٍّ؛ ولا انتفاع حرامٌ؛ فقد جاء في مسند الإِمام أحمد (٦٥١٥) وسنن النسائي (٤٤٤٥) من حديث عبد الله بن عمرو أنَّ النَّبي ﷺ قال: "من قتل عصفورًا بغير حقِّه، سأله الله عنه يوم القيامة، قيل: يا رسول الله، وما حقه؟ قال: أنْ تذبحه، ولا تأخذ بعنقه فتقطعه".
٣ - يلحق بهذا "النبيلاء" التي يرمي الصبيان بها صغار الطير كالعصافير، فكم حصل فيها من أذيةٍ للنَّاس في منازلهم، حينما يرمي بها الصبيان الطير التي على أسوار البيوت، وما ينتج عن ذلك من تساقط الأحجار، وترويع الصغار.
وإِذَا قتلت الطير الصغير فإنَّه لا يحل أكله؛ لأنَّها ماتت بثقل الحجر الذي رميت به، لا بحدِّه.
فعلى ولاة أمورهم كفهم عن هذا، وعلى رجال الأمن تأديبهم عن ذلك، فهي محرَّمةٌ؛ لإلحاقها بما نهى النَّبي ﷺ عنه في هذا الحديث.
***
стр. 3497
١١٦٧ - وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قَالَ: "لاَ تَتَّخِذُوا شَيْئًا فِيهِ الرُّوحُ غَرَضًا" رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١).
ــ
* مفردات الحديث:
- غَرَضًا: بفتحتين، وغينه معجمة، أي هدفًا، والمراد: لا تتخذوا الحيوان الحي غرضًا ترمون إليه، والنهي يقتضي التحريم؛ فإنه تعذيبٌ للحيوان.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - الحديث فيه النهي عن اتخاذ شيء من ذي روح هدفًا يرمى إليه، والنَّهي يقتضي التحريم؛ فهذا تعذيبٌ للحيوان.
وقد جاء في البخاري (٥٥١٣) ومسلم (١٩٥٦) من حديث أنس قال: "نهى رسول الله ﷺ أنْ تُصْبرَ البهائم"، والصبر قتلها محبوسة مقهورة.
٢ - وقد جاء في بعض الأحاديث أنَّ النَّبي ﷺ قال: "لعن الله من فعل هذا" يعني: جعلها هدفًا يرمى إليه.
فهو تعذيبٌ للحيوان، وإتلافٌ لنفسه، وتضييع لماليته، وتفويت لذكاته.
وقد قال ﷺ : "إِذَا قتلتم فأحسِنوا القِتلة، وإذا ذبحتم فأحسِنوا الذبحة" [رواه مسلم (١٩٥٥)]، وهذا أساء لقتله من وجوه.
٣ - قال الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ، حول قتل الحمر الأهلية: إنَّ قتل هذه الحيوانات السائبة لا يحل شرعًا؛ لما صرح بها الفقهاء.
قال في الإقناع وشرحه: ولا يجوز قتل البهيمة، ولا ذبحها؛ للإراحة، كالآدمي المتألِّم بالأمراض الصعبة.
стр. 3498
وقال في المنتهى: ويحرم ذبح حيوان غير مأكول لإراحته من مرضٍ ونحوه، والواجب علينا القيام عليها بما يلزم لها مؤن وعلفٍ، وغيره.
٤ - الحديث يدل على تحريم أكل المصبورة؛ لأنَّها لو كانت ذكاةً شرعية يحل بها أكل المصبورة، لما نهى عنها.
قال في الإقناع وشرحه: ولا تؤكل المصبورة، ولا المنخنقة؛ لما روى سعيد قال: "نهى رسول الله ﷺ عن المنخنقة، وعن أكل المصبورة"، والمنخنقة لا تكون إلاَّ في الطائر، والأرنب، وأشباهها، والمصبورة كل حيوانٍ يحبس للقتل.
***
стр. 3499
١١٦٨ - وَعَنْ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ "أنَّ امْرَأةً ذَبَحَتْ شَاةً بِحَجَرٍ، فَسُئِلَ النَّبي ﷺ عَنْ ذلِكَ؟ فأَمَرَ بِأَكلِهَا" رَوَاهُ البُخَارِيُّ (١).
ــ
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - تمام الحديث من رواية البخاري عن كعب بن مالك أنَّه قال: "كانت لنا غنمٌ ترعى بِسَلْعٍ، فأبصرتْ جارية لنا بشاة من غنمنا موتًا، فكسرت حجرًا، فذبحتها به، فسُئِل النَّبي ﷺ عن ذلك؟ فأمر بأكلها".
٢ - في الحديث جواز تذكية المرأة، وحلّ أكل ما ذكته.
وهو قول جماهير العلماء، وليس فيه إلاَّ خلافٌ شاذٌّ مخالفٌ للنصوص.
٣ - جواز التذكية بالحجر الحادّ إذا قَطَع الحلقوم والمريء، وسيأتي قريبًا: "ما أنهر الدم، فكلوا" [رواه البخاري (٥٥٠٣) ومسلم (١٩٦٨)].
٤ - أنَّ الآلة التي يُذَكَّى بها لابُد أن تكون حادة، تقتل بحدِّها ونفوذها, لا بثقلها، وتقدَّم حديث عدي بن حاتم في البخاري (٥٤٧٦) ومسلم (١٩٢٩): "إِذَا أصبتَ بحده فَكُل، وإذا أصبت بعَرْضه فلا تأكل".
٥ - أنَّ الَّذي أصابه سبب الموت من الحيوان المأكول إذا ذكي، حل أكله.
واختلف العلماء في ذلك: فمذهب الشَّافعي وأحمد: لا تحل ما فيها سبب الموت، إلاَّ إذا كانت فيها حياةٌ مستقرَّة، وذلك بأنْ تزيد حياتها على مدَّة حركة المذبوح.
وقال شيخ الإِسلام: وما أصابه سبب الموت فيه نزاع بين العلماء؛
стр. 3500
والأظهر: أنَّه متى ذبح فخرج الدم الأحمر الَّذي يخرج من المذكَّى المذبوح في العادة، ليس هو دم ميتة، فإنَّه يحل، وإنْ لم يتحرَّك في أظهر قولي العلماء.
قال ابن القيم: ومتى كان العمل في مال الغير إنقاذًا له من التلف، كان جائزًا؛ كذبح الحيوان المأكول إذا خيف موته، ولا يضمن ما نقص بذبحه.
٦ - جواز تذكية المرأة الحائض؛ فإنَّ النَّبي ﷺ لم يستفصل، وترْكُ الاستفصال، في موضع الاحتمال، ينزل منزلة العموم في المقال.
٧ - إباحة ما ذبحه غير مالكه بغير إذنه؛ فإنَّ الجارية لما خافت أنْ تفوت المنفعة بموت الشاة، ذبحتها, ولم تستأذن صاحبها.
***
стр. 3501
١١٦٩ - وَعَنْ رَافِع بْنِ خَدِيجٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "مَا أَنْهَرَ الدَّمَ، وَذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ، فَكُلُوا، لَيْسَ السِّنَّ والظُّفُرَ؛ أمَّا السِّنُّ: فَعَظْمٌ، وَأَمَّا الظُّفُرُ: فَمُدَى الحَبَشَةِ" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١).
ــ
مفردات الحديث:
- ما أنهَر الدم: "ما" شرطية، أو موصولة، و"أنهر" فعلٌ ماضٍ مبنيٌّ للمعلوم، وأنهره: أي أساله, وصبَّه بكثرة.
- فكُلُوه: جواب الشرط، أو متضمن معناه.
- ليس: فعل ماض من أخوات كان، وهي فعل شبيه بالحرف، وهنا أتت للاستثناء بمعنى إلاَّ، والمستثنى بعدها واجب النَّصب؛ لأنَّه خبرٌ لها، نحو: جاء القوم ليس خالدًا.
قال في المحيط: وقد تخرج "ليس" عن ذلك في مواضعٍ، أحدها: أنْ تكون حرفًا ناصبًا للمستثنى بمنزلة "إلاَّ" نحو: أتوني ليس زيدًا، والصحيح أنَّها النَّاسخة، وأنَّ اسمها ضميرٌ راجعٌ للبعض المفهوم ممَّا تقدَّم، واستتاره واجب، فلا يليها في اللفظ إلاَّ المنصوب.
قلت: وهي التي وردت في هذا الحديث.
- السِّن: منصوب على أنَّه خبر ليس، وهو بكسر السين، قطعة عظم تنبت في الفك، مؤنثة.
-الظفر: منصوبٌ؛ لأنَّه معطوف على خبر ليس، والظفر: مادة قرنية في أطراف الأصابع، جمعه أظافر وأظافير.
стр. 3502
- مُدًى: جمع مُدْيَة، بضم الميم، وسكون الدَّال، هي الشفرة الكبيرة.
- الحَبَشة: هي بلاد تقع في الشمال الشرقي من إفريقيا، وتُسمَّى الآن إثيوبيا، عاصمتها أديس أبابا، يحدها شمالاً إرتيريا، وشرقًا وجنوبًا الصومال، وغربًا السودان، وهي منبع النيل الأزرق.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - أنه يشترط لحل الذبيحة ذبحها أو نحرها، وإسالة الدم من مكان الذبح أو النحر، وذلك بقطع الحلقوم والمريء.
٢ - يشترط في آلة الذبح أنْ تكون محدَّدة، تقتل الذبيحة بحدها، سواء أكانت حديدًا، أو خشبًا، أو حجرًا، أو غيرها، فلا تحل آلة لقتل الذبيحة بثقلها وصدمها.
٣ - أنَّه يستثنى من الآلة المحددة، السن وجميع العظام، كما يستثنى الظفر؛ فإنَّها وإنْ كانت محددة، فإنه لا يجوز الذبح بها, ولا تحل الذبيحة بها.
٤ - أمَّا الظفر: فإنَّها مدى الحبشة الذين يذبحون بها, ولا تحل مشابهتهم، كما أنَّ فيه مشابهة للسباع التي تفرس الصيد بأظفارها، وجوارح الطير التي تفرس بمخالبها.
٥ - مثل السن سائر العظام، فلا يجوز الذبح بها, ولا تحل الذبيحة بهذا السن, فهي -والله أعلم- للبعد عن مشابهة السباع التي تفرس بأنيابها.
وأمَّا بقية العظام، فإنْ كانت من ميتة، أو حيوان نجس: فهي لنجاستها، وإنْ كانت طاهرة: فلحرمتها عن ملامسة النجاسة، وهو الدم المسفوح، فقد نهى عن الاستنجاء بها خشية تنجسها؛ لأنَّها طعام إخواننا من الجن، كما في الحديث الصحيح، ولأنَّه ﷺ علَّل حرمة الذبح بالسن بأنَّه عظم.
٦ - الرقبة فيها أربعة مَجَارٍ: الحلقوم، وهو مجرى النَّفس، ومن خلفه المريء، وهو مجرى الطعام والشراب، وعن جانبي الرقبة الودجان: وهما عرقان يجري
стр. 3503
معهما الدم، فالواجب، قطع الحلقوم والمريء، والأفضل: أن يقطع معهما الودجين، لأنَّه يحصل بقطعهما كمال النزيف، وطهارة المذبوح، وسرعة إراحته.
وللأئمَّة فيها خلاف؛ فعند الشَّافعي وأحمد: الواجب قطع الحلقوم والمريء، وعند أبي حنيفة: زيادة قطع أحد الودجين، وعند مالك: لابدَّ من قطع الأربعة.
وقول الإِمام مالك جيد جدًّا، فقد علمنا من أصحاب الخبرة أنَّ إخراج الدم ونزيفه لا يكون إلاَّ بقطع الودجين الَّلذين هما مجرى الدم.
٧ - ويدخل فيما أنهر الدم ما له نفوذٌ في البدن، كالرصاص من البندقية، فإنَّها تنهر الدم وتسيله، وتقتل الصيد بنفوذها ومرورها في البدن، لا بصدمها وثقلها، فالقتل بها حلالٌ، وقد انعقد الإجماع عليه.
٨ - ومثل الصيد: الحيوان الأهلي من الإبل، أو البقر، أو الغنم، أو الدجاج، إذا ندَّت وتأبدت وعُجِزَ عن إدراكها, ولم يُقدَر عليها، فإنَّها تكون كالصيد، يحل قتلها بالسهام، والرصاص من البندقية، والمسدس، والرشاش، ونحو ذلك من السلاح، بجرحها في أي موضع من بدنها.
فقد جاء في البخاري (٥٥٥٩) ومسلم (١٩٦٨) من حديث رافع بن خديج قال: كُنَّا مع النَّبي ﷺ في سفر، فندَّ بعير من إبل القوم، ولم يكن معهم خيل، فرماه رجل بسهم فحبسه، فقال رسول الله ﷺ : "إنَّ لهذه البهائم أوابد كأوابد الوحش، فما فعل منها هذا، فافعلوا به هكذا".
٩ - قال الشيخ عبد العزيز بن باز: الذبح الشرعي هو الَّذي يتضمن قطع الحلقوم والمريء وإسالة الدم، فقد صحَّ عنه ﷺ أنه قال: "ما أنهر الدم، وذُكِرَ اسم الله عليه، فكُل، ليس السن والظفر" [رواه البخاري (٥٥٠٣) ومسلم (١٩٦٨)].
وأمَّا ما خُنق من الحيوان والطير حتَّى مات، أو سلط عليه تيار كهربائي حتَّى مات، فلا يؤكل بالاتفاق، وإنْ ذُكِر اسم الله عليه حين خنقه أو تسليط الكهرباء عليه أوعند أكله، فهذا لا يحله.
стр. 3504
١٠ - وقال الشيخ عبد الله بن حميد: أجمع العلماء على أنَّ محل الذكاة هو الحلق واللبة، ولا يجوز في غير هذين الموضعين للمقدور عليه؛ فلا تصح الذكاة إلاَّ بقطع الحلقوم والمريء عند الشَّافعي وأحمد، وعند مالك يشترط معهما قطع الودجين.
١١ - وقال الشيخ عبد الرحمن السعدي: الصحيح أنَّ جميع العظام لا تحل الذكاة بها، كما علَّل ذلك النَّبي ﷺ حيث قال: "أمَّا السن فعظم"، وممَّن اختاره ابن القيم رحمه الله تعالى.
١٢ - وقال الأستاذ صالح العود: لفظة الذكاة تنبىء عن الطهارة، فقد ذهب علماء وظائف الأعضاء إلى أنَّ الذبح يحدث صدمة نزيفية، فيجتذب كلَّ الدم السَّائل إلى دورة الدم، وينساب من خلال العروق المقطوعة.
أمَّا الطرق الإفرنجية الحديثة لإزهاق روح الحيوان كالصعق بالكهرباء، وضرب المخ بالمسدس، وتغطيس الطيور بالماء، وفتل أعناقها، وما إلى ذلك من الطرق، فهي -التي حرمتها الشرعية- طرق عقيمة مضرة بالصحة؛ فإنَّ الحيوان بالتدويخ والصعق يُصاب قبل إزهاق روحه بالشلل، ويسبب احتقان الدم باللحم والعروق، حيث لا يجد منفذًا، واحتقان الدم في اللحم يضر بصحة الإنسان، كما يسبب تعفن اللحم، وتغير لونه.
وقد أدرك هذا منتجو اللحوم الدنماركية، فرفعوا شكوى إلى حكومتهم مطالبين بوقف التدويخ بالكهرباء، وحظر استعمالها.
وهنا نتبيَّن عظمة الإِسلام، وأنَّه دين العقل والنظافة والصحة والرحمة.
* قرار المجمع الفقهي الإِسلامي: بشأن موضوع: الذبح بالصعق الكهربائي:
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، سيدنا محمد صلى الله عليه، وعلى آله وصحبه وسلَّم.
стр. 3505
أمَّا بعد:
فإنَّ مجلس المجمَّع الفقهي الإِسلامي برابطة العالم الإِسلامي في دورته العاشرة المنعقدة بمكة المكرمة في الفترة من يوم السبت ٢٤ صفر ١٤٠٨ هـ، الموافق ١٧ أكتوبر ١٩٨٧ م، إلى يوم الأربعاء ٢٨ صفر ١٤٠٨ هـ، الموافق ٢١ أكتوبر ١٩٨٧ م، قد نظر في موضوع (ذبح الحيوان المأكول بواسطة الصعق الكهربائي) وبعد مناقشة الموضوع، وتداول الرَّأي فيه، قرَّر المجمَّع ما يلي:
أوَّلاً: إذا صعق الحيوان المأكول بالتيار الكهربائي، ثمَّ بعد ذلك تمَّ ذبحه أو نحوه، وفيه حياة، فقد ذكي ذكاةً شرعية، وحلَّ أكله؛ لعموم قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [المائدة: ٣].
ثانيًا: إذا زهقت روح الحيوان المصاب بالصعق الكهربائي قبل ذبحه أو نحوه، فإنَّه ميتة يحرم أكله؛ لعموم قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾.
ثالثًا: صعق الحيوان بالتيار الكهربائي -عالي الضغط- هو تعذيب للحيوان قبل ذبحه أو نحوه، والإِسلام ينهى عن هذا، ويأمر بالرحمة والرَّأفة به، فقد صحَّ عن النَّبي ﷺ أنَّه قال: "إنَّ الله كتب الإحسان على كلِّ شيءٍ، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة، وليحد أحدكم شفرته، وليرح ذبيحته" [رواه مسلم].
رابعًا: إذا كان التيار الكهربائي منخفض الضغط، وخفيف المس بحيث لا يعذَّب الحيوان، وكان في ذلك مصلحة، كتخفيف ألم الذبح عنه، وتهدئة عنفه ومقاومته، فلا بأس بذلك شرعًا، مراعاة للمصلحة، والله أعلم.
وصلَّى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلَّم تسليمًا كثيرًا، والحمد لله ربِّ العالمين.