١١٦٩ - وَعَنْ رَافِع بْنِ خَدِيجٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "مَا أَنْهَرَ الدَّمَ، وَذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ، فَكُلُوا، لَيْسَ السِّنَّ والظُّفُرَ؛ أمَّا السِّنُّ: فَعَظْمٌ، وَأَمَّا الظُّفُرُ: فَمُدَى الحَبَشَةِ" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١).
ــ
مفردات الحديث:
- ما أنهَر الدم: "ما" شرطية، أو موصولة، و"أنهر" فعلٌ ماضٍ مبنيٌّ للمعلوم، وأنهره: أي أساله, وصبَّه بكثرة.
- فكُلُوه: جواب الشرط، أو متضمن معناه.
- ليس: فعل ماض من أخوات كان، وهي فعل شبيه بالحرف، وهنا أتت للاستثناء بمعنى إلاَّ، والمستثنى بعدها واجب النَّصب؛ لأنَّه خبرٌ لها، نحو: جاء القوم ليس خالدًا.
قال في المحيط: وقد تخرج "ليس" عن ذلك في مواضعٍ، أحدها: أنْ تكون حرفًا ناصبًا للمستثنى بمنزلة "إلاَّ" نحو: أتوني ليس زيدًا، والصحيح أنَّها النَّاسخة، وأنَّ اسمها ضميرٌ راجعٌ للبعض المفهوم ممَّا تقدَّم، واستتاره واجب، فلا يليها في اللفظ إلاَّ المنصوب.
قلت: وهي التي وردت في هذا الحديث.
- السِّن: منصوب على أنَّه خبر ليس، وهو بكسر السين، قطعة عظم تنبت في الفك، مؤنثة.
-الظفر: منصوبٌ؛ لأنَّه معطوف على خبر ليس، والظفر: مادة قرنية في أطراف الأصابع، جمعه أظافر وأظافير.
стр. 3502
- مُدًى: جمع مُدْيَة، بضم الميم، وسكون الدَّال، هي الشفرة الكبيرة.
- الحَبَشة: هي بلاد تقع في الشمال الشرقي من إفريقيا، وتُسمَّى الآن إثيوبيا، عاصمتها أديس أبابا، يحدها شمالاً إرتيريا، وشرقًا وجنوبًا الصومال، وغربًا السودان، وهي منبع النيل الأزرق.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - أنه يشترط لحل الذبيحة ذبحها أو نحرها، وإسالة الدم من مكان الذبح أو النحر، وذلك بقطع الحلقوم والمريء.
٢ - يشترط في آلة الذبح أنْ تكون محدَّدة، تقتل الذبيحة بحدها، سواء أكانت حديدًا، أو خشبًا، أو حجرًا، أو غيرها، فلا تحل آلة لقتل الذبيحة بثقلها وصدمها.
٣ - أنَّه يستثنى من الآلة المحددة، السن وجميع العظام، كما يستثنى الظفر؛ فإنَّها وإنْ كانت محددة، فإنه لا يجوز الذبح بها, ولا تحل الذبيحة بها.
٤ - أمَّا الظفر: فإنَّها مدى الحبشة الذين يذبحون بها, ولا تحل مشابهتهم، كما أنَّ فيه مشابهة للسباع التي تفرس الصيد بأظفارها، وجوارح الطير التي تفرس بمخالبها.
٥ - مثل السن سائر العظام، فلا يجوز الذبح بها, ولا تحل الذبيحة بهذا السن, فهي -والله أعلم- للبعد عن مشابهة السباع التي تفرس بأنيابها.
وأمَّا بقية العظام، فإنْ كانت من ميتة، أو حيوان نجس: فهي لنجاستها، وإنْ كانت طاهرة: فلحرمتها عن ملامسة النجاسة، وهو الدم المسفوح، فقد نهى عن الاستنجاء بها خشية تنجسها؛ لأنَّها طعام إخواننا من الجن، كما في الحديث الصحيح، ولأنَّه ﷺ علَّل حرمة الذبح بالسن بأنَّه عظم.
٦ - الرقبة فيها أربعة مَجَارٍ: الحلقوم، وهو مجرى النَّفس، ومن خلفه المريء، وهو مجرى الطعام والشراب، وعن جانبي الرقبة الودجان: وهما عرقان يجري
стр. 3503
معهما الدم، فالواجب، قطع الحلقوم والمريء، والأفضل: أن يقطع معهما الودجين، لأنَّه يحصل بقطعهما كمال النزيف، وطهارة المذبوح، وسرعة إراحته.
وللأئمَّة فيها خلاف؛ فعند الشَّافعي وأحمد: الواجب قطع الحلقوم والمريء، وعند أبي حنيفة: زيادة قطع أحد الودجين، وعند مالك: لابدَّ من قطع الأربعة.
وقول الإِمام مالك جيد جدًّا، فقد علمنا من أصحاب الخبرة أنَّ إخراج الدم ونزيفه لا يكون إلاَّ بقطع الودجين الَّلذين هما مجرى الدم.
٧ - ويدخل فيما أنهر الدم ما له نفوذٌ في البدن، كالرصاص من البندقية، فإنَّها تنهر الدم وتسيله، وتقتل الصيد بنفوذها ومرورها في البدن، لا بصدمها وثقلها، فالقتل بها حلالٌ، وقد انعقد الإجماع عليه.
٨ - ومثل الصيد: الحيوان الأهلي من الإبل، أو البقر، أو الغنم، أو الدجاج، إذا ندَّت وتأبدت وعُجِزَ عن إدراكها, ولم يُقدَر عليها، فإنَّها تكون كالصيد، يحل قتلها بالسهام، والرصاص من البندقية، والمسدس، والرشاش، ونحو ذلك من السلاح، بجرحها في أي موضع من بدنها.
فقد جاء في البخاري (٥٥٥٩) ومسلم (١٩٦٨) من حديث رافع بن خديج قال: كُنَّا مع النَّبي ﷺ في سفر، فندَّ بعير من إبل القوم، ولم يكن معهم خيل، فرماه رجل بسهم فحبسه، فقال رسول الله ﷺ : "إنَّ لهذه البهائم أوابد كأوابد الوحش، فما فعل منها هذا، فافعلوا به هكذا".
٩ - قال الشيخ عبد العزيز بن باز: الذبح الشرعي هو الَّذي يتضمن قطع الحلقوم والمريء وإسالة الدم، فقد صحَّ عنه ﷺ أنه قال: "ما أنهر الدم، وذُكِرَ اسم الله عليه، فكُل، ليس السن والظفر" [رواه البخاري (٥٥٠٣) ومسلم (١٩٦٨)].
وأمَّا ما خُنق من الحيوان والطير حتَّى مات، أو سلط عليه تيار كهربائي حتَّى مات، فلا يؤكل بالاتفاق، وإنْ ذُكِر اسم الله عليه حين خنقه أو تسليط الكهرباء عليه أوعند أكله، فهذا لا يحله.
стр. 3504
١٠ - وقال الشيخ عبد الله بن حميد: أجمع العلماء على أنَّ محل الذكاة هو الحلق واللبة، ولا يجوز في غير هذين الموضعين للمقدور عليه؛ فلا تصح الذكاة إلاَّ بقطع الحلقوم والمريء عند الشَّافعي وأحمد، وعند مالك يشترط معهما قطع الودجين.
١١ - وقال الشيخ عبد الرحمن السعدي: الصحيح أنَّ جميع العظام لا تحل الذكاة بها، كما علَّل ذلك النَّبي ﷺ حيث قال: "أمَّا السن فعظم"، وممَّن اختاره ابن القيم رحمه الله تعالى.
١٢ - وقال الأستاذ صالح العود: لفظة الذكاة تنبىء عن الطهارة، فقد ذهب علماء وظائف الأعضاء إلى أنَّ الذبح يحدث صدمة نزيفية، فيجتذب كلَّ الدم السَّائل إلى دورة الدم، وينساب من خلال العروق المقطوعة.
أمَّا الطرق الإفرنجية الحديثة لإزهاق روح الحيوان كالصعق بالكهرباء، وضرب المخ بالمسدس، وتغطيس الطيور بالماء، وفتل أعناقها، وما إلى ذلك من الطرق، فهي -التي حرمتها الشرعية- طرق عقيمة مضرة بالصحة؛ فإنَّ الحيوان بالتدويخ والصعق يُصاب قبل إزهاق روحه بالشلل، ويسبب احتقان الدم باللحم والعروق، حيث لا يجد منفذًا، واحتقان الدم في اللحم يضر بصحة الإنسان، كما يسبب تعفن اللحم، وتغير لونه.
وقد أدرك هذا منتجو اللحوم الدنماركية، فرفعوا شكوى إلى حكومتهم مطالبين بوقف التدويخ بالكهرباء، وحظر استعمالها.
وهنا نتبيَّن عظمة الإِسلام، وأنَّه دين العقل والنظافة والصحة والرحمة.
* قرار المجمع الفقهي الإِسلامي: بشأن موضوع: الذبح بالصعق الكهربائي:
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، سيدنا محمد صلى الله عليه، وعلى آله وصحبه وسلَّم.
стр. 3505
أمَّا بعد:
فإنَّ مجلس المجمَّع الفقهي الإِسلامي برابطة العالم الإِسلامي في دورته العاشرة المنعقدة بمكة المكرمة في الفترة من يوم السبت ٢٤ صفر ١٤٠٨ هـ، الموافق ١٧ أكتوبر ١٩٨٧ م، إلى يوم الأربعاء ٢٨ صفر ١٤٠٨ هـ، الموافق ٢١ أكتوبر ١٩٨٧ م، قد نظر في موضوع (ذبح الحيوان المأكول بواسطة الصعق الكهربائي) وبعد مناقشة الموضوع، وتداول الرَّأي فيه، قرَّر المجمَّع ما يلي:
أوَّلاً: إذا صعق الحيوان المأكول بالتيار الكهربائي، ثمَّ بعد ذلك تمَّ ذبحه أو نحوه، وفيه حياة، فقد ذكي ذكاةً شرعية، وحلَّ أكله؛ لعموم قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [المائدة: ٣].
ثانيًا: إذا زهقت روح الحيوان المصاب بالصعق الكهربائي قبل ذبحه أو نحوه، فإنَّه ميتة يحرم أكله؛ لعموم قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾.
ثالثًا: صعق الحيوان بالتيار الكهربائي -عالي الضغط- هو تعذيب للحيوان قبل ذبحه أو نحوه، والإِسلام ينهى عن هذا، ويأمر بالرحمة والرَّأفة به، فقد صحَّ عن النَّبي ﷺ أنَّه قال: "إنَّ الله كتب الإحسان على كلِّ شيءٍ، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة، وليحد أحدكم شفرته، وليرح ذبيحته" [رواه مسلم].
رابعًا: إذا كان التيار الكهربائي منخفض الضغط، وخفيف المس بحيث لا يعذَّب الحيوان، وكان في ذلك مصلحة، كتخفيف ألم الذبح عنه، وتهدئة عنفه ومقاومته، فلا بأس بذلك شرعًا، مراعاة للمصلحة، والله أعلم.
وصلَّى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلَّم تسليمًا كثيرًا، والحمد لله ربِّ العالمين.
стр. 3506
١١٧٠ - وعَنْ جَابِر بْنِ عَبْدِ اللهِ ﵄ قَالَ: "نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ يُقْتَلَ شَيْءٌ مِنَ الدَّوَابِّ صَبْرًا" رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١).
ــ
* مفردات الحديث:
- الدواب: جمع دابَّة، وهي كل ما يدب على الأرض، ولكن غلب إطلاقه على ما يُركب من الحيوان، للذكر والأنثى.
- صَبْرًا: بفتح الصاد وسكون الباء، قال في النهاية: "نهى عن قتل الدواب صبرًا: هو أنْ يمسك شيء من ذوات الأرواح حيًّا، ثم يُرمى بشيءٍ حتَّى يموت.
* ما يؤخذ من الحديث:
تقدَّم معنى هذا الحديث في الحديث رقم (١١٦٧).
والحديث ينهى عن صبر الدواب، وكل ذي روحٍ، وذلك بأنْ يُحبس ويُقتل لغير غرض صحيح، ولا قصد فائدة من قتله.
كما ينهى عن إتلافه بقتلة غير شرعية، كأنْ يجعل هدفًا للرمي.
ففي ذلك تعذيبٌ للحيوان، وإتلافٌ لنفسه، وإضاعة لماليته، وتفويتٌ لذكاته الشرعية، ومساهمة في انقراضه من الوجود، ولو على مدى طويل.
فلهذه المفاسد، ولعدم الفائدة من قتله، نهي عن صبره، والنَّهي يقتضي التحريم.
...
стр. 3507
١١٧١ - وعَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِنَّ اللهَ كَتَبَ الإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ، فَإذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا القِتْلَةَ، وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذِّبْحَةَ، وَلْيُحِدَّ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ، وَلْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ" روَاهُ مُسْلِمٌ (١).
ــ
* مفردات الحديث:
- الإحسان: الإحسان: بمعنى إتقان العمل وإحكامه، وبمعنى التفضل والإنعام، والمعنيان صالحان هنا، فإراحة الذبيحة بإتقانِ ذبحها هو إنعامٌ عليها بذلك.
- القِتلة -الذِّبحة: القتلة بكسر القاف، والذبحة بكسر الذال، اسم هيئة، أي: هيئة القتل، وهيئة الذبح.
- يُحِد: بضم الياء، يُقالُ: أحَدَّ السكين وحدَّدها، بمعنى شحذها حتَّى صارت قاطعة.
- شَفْرَته: بفتح الشين، الشفرة: هي السكين الكبيرة العريضة.
- وليُرح: بضم الياء، مجزوم بلام الأمر، من الرَّاحة والسكون، والمعنى: ليوصل إليها الرَّاحة بإعجال إمرار الشفرة، ولا يسلخ قبل أنْ يبرد.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - بيان رحمة الله تعالى الشَّاملة بخلقه كلهم: من إنسانٍ، وحيوانٍ، وكل ذي روح، فهو جلَّ وعلا المحسن إلى خلقه، المتفضل عليهم، وأمر الخلق أنْ يحسن بعضهم إلى بعض.
стр. 3508
٢ - الإحسان نوعان: منه الواجب وهو العدل والإنصاف، وأداء الحقوق الواجبة، والقيام بالواجبات نحو الله تعالى في عباداته، وطاعاته، ونحو خلقه بإيتاء كلِّ ذي حقٍّ حقَّه.
ومنه الإحسان المستحب، وهو بذل المنافع، وتقديم المساعدات إلى الخلق بحسب القدرة والاستطاعة.
وهو يختلف -أيضًا- بحسب حال المحسَنِ إليهم، بحسب قرابتهم، وحسب حاجاتهم.
فالإحسان إذا وقع موقعه المناسب الَّذي يتطلبه ويقتضيه، صار له وقعٌ كبيرٌ، ونفعٌ عظيمٌ.
ومن أعظم فائدة الإحسان وأجل ثمراته: أنْ يحسن الإنسان إلى من أساء إليه بقولٍ أو فعلٍ؛ فهذه المعاملة الكريمة، وهذه المقابلة الطيبة يحصل عليها من الأجر عند الله تعالى، ومن الثناء عند الخلق، ومن جلب محبَّة المسيء، وإزالة بغضه وحقده، ومن الانتصار على النَّفس الطالبة للانتقام، يحصل مِن هذا ما لا يدرك نفعه، ويحصي أثره إلاَّ الَّذي قال: ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (٣٤) وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (٣٥)﴾ [فصلت: ٣٤، ٣٥]. ومَن عادتُهُ الإحسان أحسن الله إليه؛ قال تعالى: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلاَّ الْإِحْسَانُ (٦٠)﴾ [الرحمن: ٦٠]، وقال تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦].
٣ - من صور الإحسان: الإحسان في القتل والذبح، إذا دعت الحاجة إليهما.
٤ - وذلك بأنْ لا يذبح أو ينحر بآلةٍ كالّة، فيعذب الحيوان، وإنَّما يجب أنْ تكون الآلة حادة، أو يحدها عند الذبح.
ففي هذا راحةٌ للذبيحة بسرعة إزهاق روحها؛ فقد روى الإِمام أحمد
стр. 3509
(٥٨٣٠) وابن ماجة (٣١٧٢) من حديث ابن عمر أنَّ النَّبي ﷺ قال: "إذا ذبح أحدكم، فليُجهِز".
٥ - ومن الإحسان في الذبح أنْ لا يذبح الحيوان أو الطير، وأليفه يراه، فإنَّها تحس بذلك فترتاع، فيحصل لها عذابٌ نفسي، وألمٌ قلبي.
ولذا جاء في مسند الإِمام أحمد: "أنَّ النَّبي ع ﷺ أمر أنْ تُحد الشفار، وأنْ توارى عن البهائم".
قال النووي: يستحب أنْ لا يحد السكين بحضرة الذبيحة، وأنْ لا يذبح واحدةً بحضور أُخرى.
٦ - ومن الإحسان في الذبح أنْ لا يكسر عنق المذبوح، أو يسلخه، أو يقطع منه عضوًا، أو ينتف منه ريشًا، حتَّى تزهق نفسه، وتخرج الروح من جميع أجزاء بدنه؛ لما روى الدَّارقطني (٤/ ٢٨٣) من حديث أبي هريرة: "أنَّ النَّبي ﷺ بعث بديل بن ورقاء على جمل أورق يصيح في فجاج مني: ألا إنَّ الذكاة في الحلق، ولا تعجلوا الأنفس قبل أنْ تزهق".
٧ - ومن الإحسان أنْ ينحر الإبل نحرًا، وذلك بطعنها بالسكين في الوهدة التي بين أصل العنق والصدر، وأنْ يذبح غيرها من الحيوان والطير ذبحًا، فهذا أسهل لموتها، وأسرع في إزهاق روحها، وإنْ عكس جاز، ولكن هذا هو الأفضل.
قال في شرح الإقناع: والأفضل نحر الإبل، وذبح بقرٍ وغنمٍ وغيرها، ويجوز أن يذبح الإبل، وينحر البقر والغنم؛ لأنَّه لم يتجاوز محل الذكاة.
قال شيخ الإِسلام: يجوز الذبح سواء أكان القطع فوق الغلصمة، أو كان القطع تحتها، والغلصمة هو الموضع النَّاتىء من الحلقوم.
٨ - إذا عرفنا وجوب الإحسان إلى الذبيحة حال الذبح، وحرمة تعذيبها بدنيًّا ونفسيًّا، علمنا حرمة ما يفعله كثيرٌ من الجزَّارين في المسالخ الفنية، وذلك
стр. 3510
فيما بلغنا من أنَّهم يذبحونها والأخرى تراها، وأنَّهم يسرعون إلى كسر عنقها، وسلخ جلدها، وتقطيع أوصالها قبل أنْ تزهق روحها.
وأنَّهم يدوخونها قبل الذبح، إمَّا بصعقٍ كهربائي يشل حركتها ويفقدها وعيها، أو يضربون رأسها بمثقل تصاب منه بالدوار، الَّذي يسقطها على الأرض بلا حركة.
وغير ذلك من أعمال العنف والقسوة التي يمارسونها مع البهائم، التي تتألَّم كما يتألمون، وتحس كما يحسون.
فعلى العلماء والمسلمين توعيتهم وتعليمهم حرمة ذلك، ووجوب الرفق بالحيوان.
وعلى الجهات المسؤولة من الدوائر الحكومية منعهم من ذلك، والله من وراء القصد.
***
стр. 3511
١١٧٢ - وعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْريِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "ذَكَاةُ الْجَنِينِ ذَكاةُ أُمِّهِ" رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ (١).
ــ
* درجة الحديث:
الحديث صحيح.
أخرجه أحمد، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجة، والدَّارقطني، والبيهقي، من طريق مجالد بن سعيد، عن أبي الوداك، عن أبي سعيد.
ورواه أحمد، وابن الجارود، وابن حبان، من طريق يونس بن أبي إسحاق، عن أبي الوداك، عن أبي سعيد.
قال الترمذي: حسنٌ صحيح.
وقال المنذري: إسناده حسن، وللحديث طرق أخر عن أبي سعيد، عند أحمد، والطبراني، والخطيب.
وصحَّحه ابن دقيق العيد بإيراده إياه في "الإلمام بأحاديث الأحكام".
وله شاهدٌ من حديث جابر: رواه أبو داود، والدرامي، والحاكم، وقال: صحيح على شرط مسلم، ووافقه الذهبي، وهو كما قالا.
وقال كلٌّ من ابن القطان، والعراقي، والحافظ: إنَّه بمجموع طرقه حجَّة.
* مفردات الحديث:
- ذكاة الجنين: مبتدأ، وخبره ما بعده.
стр. 3512
- الذكاة: التذكية، ومثلها الذبح والنحر، قال ابن الجوزي: الذكاة في اللغة تمام الشيء.
- الجَنين: هو الولد ما دام في بطن أمِّه؛ سُمِّيَ بذلك لاستتاره.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - الحديث يدل على أنَّ الجنين إذا أخرج من بطنها ميتًا بعد ذكاتها أنَّه حلال، وأنَّ ذكاة أمه كافية عن ذكاته؛ ذلك أنَّ الذكاة قد أتت على جميع أجزاء الأُمِّ، وجنينها وقت الذبح جزء منها، وأجزاء المذبوح لا تفتقر إلى ذكاةٍ مستقلة، وهذا هو القياس الجلي.
وهو مذهب جمهور العلماء، منهم الأئمة الثلاثة: مالك، والشافعي، وأحمد.
٢ - وذهب أبو حنيفة إلى أنَّه لا يحل بذكاة أمه.
قال ابن المنذر: لم يرد عن أحدٍ من الصحابة، ولا من العلماء: أنَّ الجنين لا يحل إلاَّ باستئناف الذكاة فيه، إلاَّ ما يروى عن أبي حنيفة، وكان النَّاس على إباحته، لا نعلم أحدًا منهم خالف ما قالوه.
قال ابن رشد في بداية المجتهد: "وسبب اختلافهم: اختلافهم في صحَّة الأثر المروي في ذلك، مع مخالفته للأصول؛ لأنَّ الجنين إذا كان حيًّا ثمَّ مات بموت أُمِّهِ، فإِنَّما يموت خنقًا، فهو من المنخنقة التي ورد تحريمها". اهـ.
٣ - أما إنْ خرج حيًّا حياةً مستقرة:
فقال في شرح الإقناع؛ وإنْ كان في الجنين حياةً مستقرة، لم يبح إلاَّ بذبحه أو نحره؛ لأنَّه نَفْس أخرى، وهو مستقل بحياته.
قال ابن المنذر: اتفقوا على أنَّه إنْ خرج حيًّا يعيش مثله، لم يبح إلاَّ بالذبح.
***
стр. 3513
١١٧٣ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "المُسْلِمُ يَكْفِيهِ اسْمُهُ، فَإِنْ نَسِيَ أنْ يُسَمِّيَ حِينَ يَذْبَحُ، فَلْيُسَمِّ، ثُمَّ لْيَأْكُلْ" أَخرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، وَفِي إِسْنَادِهِ مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ سِنَانٍ، وَهُوَ صَدُوقٌ ضَعِيفُ الحِفْظِ، وأَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ مَوْقُوفًا عَلَيْهِ (١).
وَلَهُ شَاهِدٌ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ في مَرَاسِيلِهِ بِلَفْظِ: "ذَبيحَةُ المُسْلِمِ حَلاَلٌ، ذَكَرَ اسْمَ اللهِ عَلَيْهَا، أمْ لَمْ يَذْكُرْ" وَرِجَالُهُ مُوَثَّقُونَ (٢).
ــ
* درجة الحديث:
الحديث صحيح موقوفًا.
رجال سند الحديث موقوفًا إلى ابن عباس ثقات؛ فأخرجه عبد الرزاق بإسنادٍ صحيح إلى ابن عباس موقوفًا، وأخرجه البيهقي بسنده إلى ابن عبَّاس مرفوعًا, ولكن الرَّاجح وقفه مع صحته إليه.
أمَّا المرفوع فضعيف، والله أعلم.
وهناك من صحَّحه كابن السكن، وقال ابن القطان: ليس في إسناده من تُكُلَّمَ فيه عدا محمد بن سنان، فإنَّه صدوق صالح، لكنْ فيه تفصيل.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - الحديث يدل على مشروعية تسمية الذابح عند حركة يده للذبح؛ لأنَّ تلك
стр. 3514
اللحظة هي وقت إزهاق روح الحيوان.
٢ - ووجوب التسمية إذا كان ذاكرًا لها، وأمَّا إنْ تركها نسيانًا فذبيحته حلال، وهذا مذهب جمهور العلماء، ومنهم الأئمة الثلاثة: مالك، وأبو حنيفة، وأحمد.
أمَّا الشَّافعي فيرى أنَّ التسمية سنَّة، فإنْ أسقطها عمدًا أو نسيانًا فلا حرج عليه، وسيأتي تفصيل الخلاف إنْ شاء الله تعالى.
٣ - الحديث يدل على مشروعية التسمية عند الأكل.
فقد جاء في البخاري (٥٣٧٦) ومسلم (٢٠٢٢) من حديث عمر بن أبي سلمة قال: قال لي رسول الله ﷺ : "ياغلام! سمِّ الله، وكل بيمينك، وكل ممَّا يليك".
قال في شرح الإقناع: وتسن التسمية على الطعام والشراب، فيقول: باسم الله.
قال الشيخ تقي الدِّين: لو زاد "الرحمن الرحيم" لكان أحسن؛ فإنَّه أكمل، بخلاف الذبح؛ فإنَّه لا يناسب، وإنْ نَسِيَ التسمية في أوَّل الأكل أو الشرب، قال إذا ذَكَر: باسم الله أوله وآخره.
٤ - الرواية المرسلة عند أبي داود على فرض صلاحيتها للاستدلال، فإنَّها تحمل على أنَّ المراد به النَّاسي؛ لأنها لا تقاوم الأحاديث التي صحَّت على وجوب التسمية، والله أعلم.
* خلاف العلماء:
اختلف العلماء في حكم التسمية عند الذبح على ثلاثة أقوال:
الأوَّل: أنَّها واجبةٌ مطلقًا، فلا تسقط لا عمدًا ولا سهوًا؛ وهذا مذهب الظاهرية، وسبقهم ابن عمر، والشَّعبي، وابن سيرين.
الثاني: أنَّها واجبة إذا كان ذاكرًا، وتسقط مع النسيان؛ وهذا مذهب
стр. 3515
جمهور العلماء، ومنهم الأئمة الثلاثة.
الثالث: أنَّها سنَّةٌ مؤكدة؛ وهو مذهب الشَّافعي وأصحابه، وهو مروي عن ابن عباس، وأبي هريرة.
فمن ذهب إلى وجوبها مطلقًا استدل بالآية: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ [الأنعام: ١٢١]، والآية ناسخةٌ لحديث عائشة، وحديث ابن عباس.
وأمَّا من شرط التسمية مع ذكرها وإسقاطها عند نسيانها فصار إلى قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]. وإلى قوله ﵊: "عُفِيَ عن أُمَّتي الخطأ والنسيان" [رواه ابن ماجة (٢٠٤٥)].
ومن ذهب إلى أنَّها سنَّة عمل بالحديثين، ولم يرَ النسخ؛ لأنَّ الحديثين بالمدينة، والآية مكية، فلا تصلح دعوى النسخ.
والقول الثاني هو الرَّاجح، والله أعلم.
***
стр. 3516
باب الأضاحي
مقدمة
الأضاحي: مشدَّدة الياء، جمع أُضحيَّة، بضم الهمزة، ويجوز كسرها.
ويُقال: ضحِيَّة، جمعها ضحايا.
فاسمها مشتقٌّ من الوقت الَّذي شرع بدء ذبحها فيه.
وبهذا سمي: عيد الأضحى، ويوم الأضحى.
وهي مشروعةٌ بالكتاب، والسنَّة، والإجماع:
قال تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (٢)﴾ [الكوثر].
وفي السنَّة كثير؛ ففي البخاري (٥٥٦٤) ومسلم (١٩٦٦) أنَّه ﷺ : "كان يضحِّي بكبشين أملحين أقرنين".
وفي المسند (٨٠٧٤) أنَّه ﷺ قال: "من كان له سعةٌ ولم يضح، فلا يقربنَّ مصلاَّنَا".
وأجمع العلماء على مشروعيتها، واختلفوا في وجوبها:
فذهب أبو حنيفة: إلى وجوبها، ويروى ذلك عن مالك.
وذهب جمهور العلماء -ومنهم الشَّافعي وأحمد-: إلى أنَّها سنَّةٌ مؤكدة على كلِّ قادرٍ عليها من المسلمين.
والمشهور عن مالك: أنَّها لا تجب على الحجاج اكتفاء بالهدي، واختاره شيخ الإِسلام.
وأفضل الأضحية إنْ ضحَّى كاملًا: إبل، ثُمَّ بقر، ثمَّ غنم.
стр. 3517
قال الشيخ تقي الدِّين: الأضحية، والعقيقة، والهدي أفضل من الصدقة بثمن ذلك، وهي من النفقة المعروفة، فيضحي عن اليتيم من ماله، وتأخذ المرأة من مال زوجها ما تُضَحِّي به عن أهل البيت، وإنْ لم يأذن في ذلك، ويضحي المدين إذا لم يطلب بالوفاء.
***
- أملحين: الأملح: هو الَّذي بياضه أكثر من سواده، وفيه أقوال أخر.
- أقرنين: الأقرن: هو الَّذي له قرنان.
- صِفاحهما: جمع صفحة، وهي وجه الشيء وجانبه، والمراد عنق الكبش.
- ثمينين - سمينين: يروى بالثاء، والسين، فإن كان بالثاء: فهو غالي الثمن؛ لحسنه، والسمين: ضد الغث الهزيل.
- يطأ في سواد: يعني قوائمه سود.
- يبرك في سواد: يعني بطنه أسود.
- ينظر في سواد: يعني أنَّ ما حول عينيه أسود.
- هَلُمِّي: أي هاتي، وفيها لغتان: فأهل الحجاز يطلقون على الواحد، والجمع، والمثنَّى، والمؤنث بلفظٍ واحدٍ، مبنيٍّ على الفتح، وأمَّا بنو تميم فيثنونها، ويجمعونها، ويؤنثونها.
- المُدْية: بضم الميم، وسكون الدَّال المهملة، بعدها ياء مفتوحة، وآخرها هاء، جمعها مدى ومديات، هي السكين العريضة المسمَّاة: الشفرة.
- اشحذيها: يُقال: شحذت السيف والسكين: إذا حددته بالمسن وغيره.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - في الحديث بيان مشروعية الأضحية، وقد أجمع المسلمون على مشروعيتها, لقوله تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (٢)﴾.
قال قتادة وعطاء وعكرمة وغيرهم: المراد صلاة العيد، ونحر الأضحية.
ولا شكَّ في عموم الآية لكلِّ صلاة، وكل ذبح، أنَّ المسلم مأمورٌ بأنْ يخلصهما لله تعالى.
٢ - استحباب استحسان الأضحية واستسمانها، وأنْ تكون بأحسن الألوان، فتكون من جنس الغنم، ومن نوع المذكور منها، وأنْ تكون بيضاء، أو بياضها أكثر من سوادها، وأنْ تكون قرناء؛ لأنَّ ذلك دليل القوَّة، فهذا هو الأفضل،
стр. 3520
وإلاَّ فيجزىء ما خالف هذا.
٣ - ومن الألوان المستحسنة في الأضاحي أنْ تكون قوائمه وبطنه وما حول عينيه أسود، وبقيته أبيض، والأبيض هو الأملح الَّذي لونه شبيهٌ بلون الملح.
٤ - أنْ تكون ذات قَدْرٍ وثمن غال؛ لأنَّ هذا دليل نفاستها وحسنها، وأنْ تكون سمينة؛ لأنَّه أكثر منفعة واستفادة ماديَّة ومعنوية فيها.
٥ - قوله: ثمَّ قال: "باسم الله" ليس معناه أنَّ التسمية وقعت بعد الذبح، وإنَّما معناه التراخي في الرتبة، وإنَّما محل التسمية قبل الذبح عند تحريك يده.
٦ - أنَّ اختيار الأضحية كريمة وطيبة هو من تعظيم شعائر الله؛ قال تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ (٣٢)﴾ [الحج: ٣٢]؛ فهي من أعلام دين الإِسلام، قال ابن عباس: تعظيمها: استسمانها واستحسانها.
٧ - الأضحية من أفضل الأعمال الصَّالحة؛ فقد روى الترمذي (١٤٩٣) وابن ماجة (٣١٢٦) والحاكم (٤/ ٢٤٦) بإسنادٍ صحيحٍ من حديث عائشة ﵂ أنَّ النَّبي ﷺ قال: "ما عمل ابن آدم يوم النَّحر عملًا أحب إلى الله من هراقة دم؛ فطيبوا بها نفسًا".
ذهب كثيرٌ من الفقهاء منهم الحنابلة: إلى أنَّ ذبح الأضحية أفضل من الصدقة بثمنها، وقد اختاره شيخ الإِسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى.
٨ - ويشرع التسمية عند ذبحها يقول "باسم الله"؛ لقوله تعالى: ﴿فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ﴾ [الحج: ٣٦].
والمشروع عند الذبح الاقتصار على "باسم الله"، فذكر صفة رحمة الله تعالى لا تناسب الذبح الَّذي فيه القسوة، وإراقة الدم.
٩ - وقول "باسم الله" عند الذبح واجب عند الأئمة الثلاثة: أبي حنيفة، ومالك، وأحمد؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾
стр. 3521
[الأنعام: ١٢١]، ومستحب عند الإِمام الشَّافعي.
قال الغزالي: الأخبار متواترة فيها، واتفقوا على مشروعيتها.
١٠ - ويُشرع مع "باسم الله" أنْ يقول عند الذبح: "الله أكبر"؛ لقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ [الحج: ٣٧].
قال ابن المنذر: ثبت عنه ﷺ أنَّه كان يقول ذلك.
ومن تلك الأحاديث حديث الباب من قوله: "باسم الله، والله أكبر".
وأجمع العلماء على أنَّ التكبير عند الذبح مستحب، وليس بواجب.
١١ - يستحب للمضحِّي أنْ يتولَّى ذبح أضحيته بنفسه إنْ كان يحسن الذبح؛ لأنَّ الذبح عبادة وقُربة إلى الله تعالى.
قال في الإقناع: وإنْ ذبحها بيده كان أفضل بلا نزاع، وفي ذلك اقتداءٌ بالنَّبي ﷺ ، الَّذي نحر بيده ثلاثًا وستين بدنة من هديه، وذبح أضحيته بنفسه.
وقد أجمع العلماء على أنَّ ذبح المضحي أو المهدي، أضحيته أو هديه أنَّه: مستحب، وليس بواجب.
١٢ - وإنْ لم يتول ذبحه بيده، فالأفضل أنْ يَحْضُر عند ذبحه؛ لما روي أنَّ النَّبي ﷺ قال لفاطمة: "احضري أضحيتك، يُغفر لك بأوَّل قطرة من دمها" [رواه الحاكم (٤/ ٢٤٧)].
ولما جاء في حديث ابن عباس أنَّ النَّبي ﷺ قال: "احضروها إذا ذبحتم؛ فإنَّه يغفر لكم عند أوَّل قطرةٍ من دمها".
١٣ - استحباب الذبح بآلةٍ حادَّةٍ؛ لقوله ﷺ : "اشحذيها بحجر"، وَلأنَّ في ذلك إراحةٌ للذبيحة بسرعة زهوق روحها، وهو إحسان الذبح، والإجهاز عليها؛ فقد قال النَّبي ﷺ : "إذَا ذَبحتم فأحسِنوا الذِّبحة، ولْيُحِدَّ أحدُكم شفرته، وليُرح ذبيحته" [رواه مسلم (١٩٥٥)].
стр. 3522
١٤ - ويستحب إضجاع ما يذبح من البقر والغنم ونحوهما على جنبها الأيسر، وحمل الذَّابح على الآلة بقوَّة، وإسراع القطع، وأنْ تكون موجهة إلى القبلة.
قال في شرح الإقناع: "ويكره توجيه الذبيحة إلى غير القبلة، ويكره أنْ يحد السكين والحيوان يبصره، أو يذبح الشاة وأخرى تنظر إليه؛ لما روى أحمد (٥٨٣٠) وابن ماجة (٣١٧٢) عن ابن عمر: "أنَّ النبَّي ﷺ أمر أنْ تحد الشفار، وأنْ توارى عن البهائم".
١٥ - ويستحب أنْ يقول عند ذبح الأضحية ونحوها: "اللهم هذا منك ولك" أي: هذا من فضلك ونعمتك عليَّ، لا من حولي، ولا من قوتي، "ولك" التقرب به لك وحدك، لا إلى سواك، فلا رياء، ولا سمعة.
فقد روى أبو داود (٢٧٩٥) أنَّ النَّبي ﷺ حين وجَّهها إلى القبلة قال: "باسم الله، الله أكبر، اللهم هذا منك ولك".
١٦ - قوله ﷺ : "اللهم تقبَّل عن محمَّد، وآل محمد، ومن أمَّة محمد".
قال الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ: هذا هو المعتمد في التضحية عن الأموات، والأصل في التضحية أنَّها في حق الحي، فيضحي عن نفسه.
١٧ - قال الشيخ حمد بن ناصر بن معمر: اختلف العلماء هل الأضحية عن الميت أفضل، أم الصدقة بثمنها؟
فذهب الحنابلة، وكثيرٌ من الفقهاء: إلى أنَّ ذبحها أفضل من الصدقة بثمنها؛ وهذا اختيار شيخ الإِسلام ابن تيمية.
وذهب بعضهم: إلى أنَّ الصدقة بثمنها أفضل، وهذا القول أقوى في النظرة لأنَّ التضحية عن الميت لم يكن معروفاً، والأمر في ذلك واسعٌ إنْ شاء الله.
стр. 3523
١٨ - فيه أنَّه يستحب الدعاء بقبول الأضحية وغيرها من أعمال الطاعة، وقد أمر تعالى بالدعاء، ووعد بالإجابة، وهو لا يخلف الميعاد؛ فقال تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠].
١٩ - وقوله: "من محمد، وآل محمد" دليلٌ على أنَّ الأُضحية الواحدة تجزىء عن الرجل وأهل بيته، ويشركهم في ثوابها، فقد روى مالكٌ في الموطأ (١٠٥٠) بسندٍ صحيحٍ، والترمذي (١٥٠٥) وصحَّحه من حديث أبي أيوب قال: "كان الرجل على عهد النَّبي ﷺ يُضَحِّي بالشَّاة عنه وعن أهل بيته، فيأكلون، ويطعمون".
***
стр. 3524
١١٧٥ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ كانَ لَهُ سَعَةٌ، ولَمْ يُضَحِّ، فَلاَ يَقْرَبَنَّ مُصَلاَّنَا" رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَةَ، وَصَحَّحَهُ الحَاكِمُ، وَرَجَّحَ الأَئِمَّةُ غَيْرُهُ وَقْفَهُ (١).
ــ
* درجة الحديث:
الحديث حسنٌ موقوفًا؛ فرجاله ثقات.
قال المصنِّف: رواه أحمد، وابن ماجة، وصحَّحه الحاكم، ورجَّح الأئمة غير الحاكم وقفه.
قال في الفتح: رجاله ثقات، ولكن اختلف في رفعه ووقفه، والموقوف أشبه بالصواب، قاله الطحاوي وغيره مع أنَّ الَّذين رفعوه ثقات.
وفي الباب له أحاديث شواهد لا تخلو من الكلام:
منها حديث أبي سعيد عند الحاكم، وفي إسناده عطية.
وحديث عمران بن حصين عند الحاكم، وفي إسناده أبو حمزة الثمالي ضعيف جدًّا.
وحديث علي عند الحاكم، وفي إسناده عمرو بن خالد الواسطي وهو متروك.
* مفردات الحديث:
- سَعَة: بفتحتين، يُقال: وسع يسع سعة، والسعة: الاتساع، والجِدَة، والطَّاقة، والهاء -في السعة- عوض عن الواو.
- مصلاَّنَا: المصلَّى موضع الصَّلاة، والمراد هنا مصلَّى العيد.
стр. 3525
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - الحديث يدل على وجوب الأضحية مع القدرة والسعة، وهو مذهب أبي حنيفة، وذهب الأئمة الثلاثة، وصاحبا أبي حنيفة إلى أن الأضحية سنة مؤكدة، وليست بواجبة.
٢ - قال شارح البلوغ: ولضعف أدلة الوجوب، ذهب الجمهور من الصحابة والتابعين إلى أنها سنة مؤكدة، قال ابن حزم: لا يصح عن أحدٍ من الصحابة أنها واجبة.
وقد أخرج الدارقطني (٢/ ٢١)، والحاكم (١/ ٤٤١) عن ابن عباس: أن النبي ﷺ قال: "ثلاثٌ هي عليَّ فرائض، ولكم تطوع: النحر، والوتر، وركعتا الفجر".
***
стр. 3526
١١٧٦ - وَعَنْ جُنْدُبِ بْنِ سُفْيَانَ ﵁ قَالَ: "شَهِدْتُ الأَضْحَى مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَلَمَّا قَضى صَلاَتَهُ بِالنَّاسِ، نَظَرَ إِلَى غَنَمٍ قَدْ ذُبِحَتْ، فَقَال: مَنْ ذَبَحَ قَبْلَ الصَّلاَةَ، فَلْيَذْبَحْ شَاةً مَكَانَهَا، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ ذَبَحَ، فَلْيَذْبَحْ عَلَى اسْمِ اللهِ" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١).
ــ
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - الأضحية عبادة مؤقتة لا تصح بغير وقتها الَّذي شرعت فيه.
٢ - يدل الحديث على أنَّ الابتداء وقت ذبح الأضحية بعد صلاة عيد الأضحى، ولو قبل الخطبة، وأنَّ الذبح قبل انتهاء الصَّلاة لا يجزىء، بمعنى أنَّ ذبيحته لم تقع أضحية، وإنَّما هي شاة لحم.
قال الشيخ عبد الله بن بطين: من ضحَّى بعد صلاة الإِمام فأضحيته مجزئة ولو لم يصل؛ لأنَّ العبرة بصلاة الإِمام، لا بصلاة إنسان نفسه.
٣ - قال في شرح الإقناع: ووقت ابتداء ذبح أضحية يوم العيد بعد الصلاة، ولو كان قبل الخطبة، أو بعد مضي مدَّة قدر الصَّلاة بعد دخول وقتها في حق من لا صلاة عليه في موضعه؛ كأهل البوادي.
٤ - ظاهر الحديث أنَّ الذبح قبل الوقت لا يجزىء مطلقًا، سواء أكان الذَّابح عامدًا، أو جاهلًا، أو ناسيًا؛ كمن صلَّى الصَّلاة قبل دخول وقتها.
٥ - المذاهب في أوَّل دخول وقت الذبح ثلاثة:
عند الإِمام مالك: أنَّ الوقت يدخل بنحو الإِمام.
وعند الشَّافعي: يبتدىء بوقت صلاة العيد.
стр. 3527
وعند أبي حنيفة وأحمد: بانتهاء صلاة العيد، وهو الصحيح الَّذي يدل عليه الحديث.
٦ - أمَّا آخر وقت الذبح، فالمشهور من مذهب الإِمام أحمد: أنَّه ينتهي بغروب اليوم الثاني عشر من ذي الحجَّة.
ومذهب الإِمام الشَّافعي: أنَّه يمتد إلى غروب اليوم الثالث عشر، واختاره ابن المنذر والشيخ تقي الدِّين؛ لقوله ﷺ : "كل يوم التشريق ذبح" [رواه أحمد (١٦٣٠٩)].
قال ابن القيم: إنَّ الأيام الثلاثة تختص بكونها أيَّام مني، وأيام تشريق، ويحرم صومها، ويشرع التكبير فيها، فهي إخوة في هذه الأحكام؛ فكيف تفترق في جواز الذبح بغير نصٍّ ولا إجماع؟!
ويروى من وجهين مختلفين يشير أحدهما للآخر: "كل أيَّام التشريق ذبح" من رواية جبير بن مطعم، ومن حديث أسامة بن زيد، وعن عطاء عن جابر، ومذهب الإِمام الشَّافعي هو الرَّاجح، والله أعلم.
٧ - قال في بداية المجتهد: سبب اختلافهم أمران:
أحدهما: الاختلاف في الأيَّام المعلومات ما هي؟
الثاني: معارضة دليل الخطاب في قوله تعالى: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ [الحج: ٢٨]، بحديث جبير بن مطعم: "كل أيَّام التشريق ذبح" [رواه أحمد ١٦٣٠٩]:
فمن قال في الأيَّام المعلومات: إنَّها يوم النَّحر ويومان بعده، رجَّح دليل الخطاب في الآية، على الحديث المذكور.
ومن رأى الجمع بين الحديث والآية قال: لا معارضة بينهما؛ إذ الحديث اقتضى أمرًا زائدًا على ما في الآية، مع أنَّ الآية ليس المقصود فيها تحديد
стр. 3528
أيَّام النَّحر، والحديث المقصود منه ذلك؛ وعلى هذا قالوا: يجوز الذبح في اليوم الرَّابع إذَا كان من أيَّام التشريق باتفاق.
٩ - وهذا الوقت للذبح من ابتدائه إلى انتهائه على القولين كليهما هو للأضحية، والهدي، ودم المتعة، أو القرآن.
قال ابن القيم: النَّبي ﷺ لم يرخص في نحو الهدي قبل طلوع الشمس البتة، فحكمه حكم الأضحية إذا ذبحت قبل الصلاة.
١٠ - قال فقهاؤنا: فإنْ فات وقت الذبح، قضى واجبه؛ كالمنذور، والمعيَّن، والموصى به؛ لأنَّ حكم القضاء كالأداء لا يسقط بفواته؛ لأنَّ الذبح أحد مقصودي الأضحية، فلا يسقط بفوات وقته، كما لو ذبحها ولم يفرقها حتَّى خرج الوقت.
١١ - قال في الروض والحاشية: ويسقط التطوع بفوات وقته؛ لأنَّ المحصل لفضيلة الزمان، وقد فات فلو ذبحه وتصدَّق به كان صدقة مطلقة، وليست أضحية.
قال الوزير: اتَفقوا على أنه إذا خرج وقت الأضحية على اختلافهم فيه، فقد فات وقتها.
***
стр. 3529
١١٧٧ - وعن البَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ﵁ قَالَ: "قَامَ فِينَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فَقَالَ: "أربعٌ لاَ تَجُوزُ في الضَّحَايَا: العَوْرَاءُ البَيِّنُ عَوَرُهَا، وَالمَرِيضَةُ البَيِّنُ مَرَضُهَا، وَالْعَرْجَاءُ البَيِّنُ ضَلَعُهَا، وَالْكَبِيرَةُ الَّتي لاَ تُنْقِي" رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالأرْبَعَةُ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ حِبَّانَ (١).
ــ
* درجة الحديث:
الحديث صحيح.
رواه الإِمام أحمد، والأربعة، وصحَّحه الترمذي، وابن حبان، والحاكم، وقال: صحيح على شرطهما، وقال الحافظ ابن حجر: لم يخرجه البخاري ومسلم، ولكنَّه صحيح أخرجه أصحاب السنن بأسانيد صحيحة، وحسَّنه الإِمام أحمد، فقال: ما أحسنه من حديث، وقال الترمذي: صحيح حسن.
* مفردات الحديث:
- العَوْرَاء: بالمدّ، هي التي ذهب بصر إحدى عينيها، سواءٌ بقيت الحدقة أو فُقدت، وهذا على القول الرَّاجح.
- البيِّن عَوَرها: أصحابنا يفسرون بيان العور: بانخساف عينها، فإنْ كانت قائمة أجزأت ولو ذهب بصرها.
стр. 3530
- العَرْجَاء البَيِّن عَرَجهَا: العرجاء هي الَّتي تغمز يزيدها أو رجلها، خِلْقةً، أو لعلَّة طارئة، فهو أعرج وهي عرجاء، أمَّا بيان العرج فهي التي لا تقدر على المشي مع جنسها الصحيح.
- لا تُنْقِي: بضم التَّاء الفوقية، وكسر القاف، بينهما نون ساكنة، أي التي لا نِقْيَ فيها، والنقي بكسر النون: هو منع العظم، جمعه أنقاء.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - الحديث يدل على أنَّ الموصوفات الأربع في الحديث لا تجزىء، وسكت عن غيرها من العيوب.
فذهب أهل الظاهر: إلى أنَّه لا عيب غير الأربعة، وذهب الجمهور: إلى أنَّه يُقاس عليها غيرها، ممَّا هو أشدُّ منها، أو مساوٍ لها؛ كالعمياء، ومقطوعة السَّاق، وسيأتي كلام بعضهم في هذا.
٢ - فمن العيوب: العوراء البين عورها، وهي التي انخسفت عينها، فإنْ كانت العين قائمة، أجزأت ولو لم تبصر بها.
٣ - يُقاس على العوراء من باب أولى العمياء، فإنَّها لا تجزىء، وإنْ لم تنخسف عيناها؛ لأنَّ العمى يمنع مشيها مع رفيقتها، ويمنعها من المشاركة في العلف.
٤ - ولا تجزىء المريضة البين مرضها؛ كالجرباء؛ فإنَّ المرض يمنعها من الأكل، ويفسد لحمها، ويهزل جسمها.
٥ - ولا تجزىء العرجاء البيِّن عرجها، وهي التي لا تقدر على المشي مع جنسها الصحيح إلى المراعي، والكسيرة لا تجزىء من باب أولى.
٦ - ولا تجزىء الهزيلة الَّتي لا تُنْقِي، وفي بعض روايات هذا الحديث: "ولا العجفاء التي لا تنقي"، والعجفاء، هي الهزيلة التي لا مخ فيها.
٧ - قال النووي: أجمعوا على أنَّ الَّتي فيها العيوب المذكورة في حديث البراء لا
стр. 3531
تجزىء التضحية بها، وكذا ما كان في معناها، أو أقبح منها؛ كالعمى، وقطع الرِّجل، ونحوه.
وقال الوزير: اتفقوا على أنَّه لا يجزىء في الأضحية ذَبْحُ مَعِيب بنقص.
٨ - عدم إجزاء هذه المعيبات المذكورة في الحديث، وما هو أشد منها عيبًا، ليس خاصًّا في الأضحية، بل يشمل الهدي الواجب والتطوع، ودم المتعة، والقران، والعقيقة، فكل ما لا يجزىء في الأضحية لا يجزىء في ذبائح القُرَب.
٩ - في دورة مجلس هيئة كبار العلماء (٣٤) بحث المجلس إذا ذبحت الأضحية أو الهدي ونحوهما، فلم يعلم مرضها إلاَّ بعد الذبح، فأجاز المجلس بالأكثرية إجزاءَهَا، وأنَّها حين الذبح ليست بينة المرض.
وعارض بعض الأعضاء، فرأى أنَّها لا تجزىء إذا ظهر المرض بعد الذبح، وهذا هو الرَّاجح عندي، فإنِّي من الأعضاء المعارضين؛ لأنَّهم لم يستدلوا على الإجزاء إلاَّ بلفظ "البين مرضها"، وأنَّها حين الذبح ليست بينة المرض، وإنَّما ظهر ذلك بعد الذبح.
والحقيقة: أنَّ الحديث ليس فيه تقييد بيان المرض قبل الذبح ولا بعده، كما أنَّه قد حكى الإجماع جماعةٌ من العلماء؛ كابن قدامة، والنووي، وابن هبيرة، وابن حزم، على عدم الإجزاء.
ولأنَّ القصد من الهدي والأضحية وغيرهما من ذبائح القُرَب هو الفائدة منها، فإذا عدمت فات القصد؛ قال تعالى: ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ [الحج: ٣٦]
ولأنَّ العيب معتبرٌ شرعًا في البيع بعد تلف المبيع وقبله.
والمريضة يعرف أهل الخبرة مرضها قبل ذبحها، وهم المعتبرون في مثل هذه الأمور، والله أعلم.
стр. 3532
١١٧٨ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لاَ تَذْبَحُوا إِلاَّ مُسِنَّةً، إِلاَّ أَنْ تَعْسُرَ عَلَيْكُمْ، فَتَذْبَحُوا جَذَعَةً مِنَ الضَّأْنِ" رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١).
ــ
* مفردات الحديث:
- المُسِنَّة: هي الثنية من بهيمة الأنعام: الإبل، والبقر، والغنم، فما فوقها.
- الجَذَع: أصل الجذع من أسنان الدواب: هو ما كان شابًّا فتيًّا، فهو من الضَّأن ما تمَّ له ستَّة أشهر، وبعضهم قال: ما تمَّ له سنة، والأوَّل أرجح: ومن الإبل ما دخل في السنة الخامسة، ومن البقر ما دخل في السنة الثالثة، والمراد هنا الجذع من الضأن، وسيأتي بيان حكمه إن شاء الله تعالى.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - قال الأزهري: ليس معنى أسنان البقر والشَّاة كبر سن، كالرجل، ولكن معناه طلوع الثنية.
فقوله ﷺ : "لاَ تذبحوا إلاَّ مسنَّة" ليس معناه كبيرة متقدمة في السن, وإنَّما معناه -كما قال أهل اللغة- ثنية؛ فهو كبر نسبي.
٢ - الثني من الإبل: ما له خمس سنين، ومن البقر والجاموس ماله سنتان، ومن المعز ما له سنة.
٣ - ظاهر الحديث أنَّ جذع الضأن وهو ما تمَّ له ستَّة أشهر أنَّه لا يجزىء إلاَّ عند تعسر المسنَّة، ولكن حكى غير واحدٍ الإجماع على إجزاء الجذع من الضأن، ولو لم يتعسَّر غيره، وحملوا الحديث على الاستحباب بقرينة ما
стр. 3533
رواه الإِمام أحمد (٢٦٥٣٢) من حديث أم بلال بنت هلال عن أبيها أنَّ النَّبي ﷺ قال: "ضحوا بالجَذع من الضأن".
٤ - الثني من بهيمة الأنعام ما تجاوز لحمه طور الرخاوة والميوعة، ولم يصل إلى درجة العسر والعضالة، فهو أحسن وألذ؛ لأنَّ هذا دور طعمه ولذته ونفعه؛ ولهذا نصح بِهِ النَّبي ﷺ .
٥ - إنْ لم توجد تلك المسنَّة عُدِلَ إلى جذع الضَّأن، فهو أسرع بهيمة الأنعام نموًّا وطيبًا.
***
стр. 3534
١١٧٩ - وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: "أَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ نَسْتَشْرِفَ العَيْنَ والأُذُنَ، وَلاَ نُضَحِّيَ بِعَوْرَاءَ، وَلاَ مُقَابلَةٍ، وَلاَ مُدَابَرَةٍ، وَلاَ خَرْقَاءَ، وَلا ثرْمَاءَ" أخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَالأرْبَعَةُ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ حِبَّانَ، وَالحَاكِمُ (١).
ــ
* درجة الحديث:
الحديث صحيح.
الحديث أخرجه الإِمام أحمد، وأصحاب السنن الأربعة، وصحَّحه الترمذي، وابن حبان، والحاكم، وسكت عنه أبو داود، والمنذري فظاهره الصحة.
* مفردات الحديث:
- أنْ نستشرف العين ... إلخ: مأخوذٌ من الاستشراف، وهو رفع البصر للنظر إلى الشيء، لتأمله وفحصه، لمعرفة سلامته من آفة تكون فيه.
- مقابَلة: بفتح الباء، هي الشَّاة التي قطعت أذنها من قدام، وتركت معلقة، كأنَّها زنمة.
- مدابَرة: بفتح الباء الموحدة، هي التي قطعت من جانب أذنها المدبر.
- خَرْقَاء: بالمد، قال في النهاية: هي التي في أذنها خرق مستدير.
- ثَرْمَاء: بالثاء المثلثة، والثرم: هو سقوط الثنية من الأسنان.
стр. 3535
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - الأفضل أنْ تكون الأضحية، والهدي، والعقيقة على أحسن الصفات، وأجمل الهيئات، وأنْ تكون بعيدة عن عيب تكون معه غير مُجزِئةً، رغبةً في استحسانها وجمالها؛ لأنَّها عبادةٌ وقربةٌ، وقد قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: ٢٦٧]، وقال تعالى: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢].
٢ - من كمال الأضحية وحسنها أنْ تكون سليمة الأذن، والعين، والقرن، فلا تكون أذنها مقطوعة، ولا مخروقة، ولا مشقوقة، وأنْ يكون قرنها سليمًا من الكسر، وأنْ تكون عينها سليمةً من البياض، والغشاء.
* خلاف العلماء:
اختلف العلماء في مثل مكسورة القرن، ومقطوعة أكثر الأذن.
فجمهور العلماء: أنَّها لا تجزىء، قال الإِمام أحمد: "لا تجزىء الأضحية بأعضب القرن والأذن"؛ لحديث علي الَّذي صحَّحه الترمذي: وظاهره التحريم والفساد.
وذهب الإِمام الشَّافعي: إلى أنَّها تجزىء؛ لأنَّ في صحَّة الحديث نظرًا؛ ولأنَّ الأذن والقرن لا يقصد أكلها، واختار ابن مفلح في الفروع الإجزاء مطلقًا، وصوَّبه في الإنصاف.
قال الشيخ عبد الرحمن السعدي: الصحيح قول من قال من أهل العلم: إنَّ عضباء الأذن والقرن تجزىء؛ لأنَّ النَّهي عن التضحية بأعضب الأذن والقرن إذا صحَّ الاحتجاج به يدل على الكراهية، كما أمر باستشراف الأذن والقرن.
أمَّا مقطوعة الإلية أو بعضها، ومجبوبة السنام، فلا تجزىء؛ لأنَّ هذا
стр. 3536
شيءٌ مقصود منها.
* قرار هيئة كبار العلماء بشأن حكم التضحية بمقطوع الإلية:
جاء في قرار هيئة كبار العلماء رقم (١٨٣) في ١٢/ ٧/ ١٤١٤ هـ ما يلي:
لا تجزىء الأضحية، ولا الهدي، ولا العقيقة بمقطوع الإلية؛ لأن الإلية عضوٌ كاملٌ مقصودٌ، فصار مقطوعها أولى بعدم الإجزاء من مقطوع القرن والأذن، والله ولي التوفيق.
هيئة كبار العلماء
***
стр. 3537
١١٨٠ - وَعَنْ عَلِيِّ بْن أِبي طَالِبٍ ﵁ قَالَ: "أَمَرَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ أنْ أَقُومَ عَلَى بُدُنِهِ، وأَنْ أَقْسِمَ لُحُومَهَا، وَجُلُودَهَا، وَجِلاَلَهَا عَلَى المَسَاكِينِ، وَلاَ أُعْطِيَ فِي جِزَارَتِهَا شَيْئًا مِنْهَا" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١).
ــ
* مفردات الحديث:
- بُدُنِه: بضم الباء والدَّال، جمع بَدَنَة، تطلق على النَّاقة أو البقرة، وإنَّما المراد هنا الإبل فقط؛ فإنَّها هي هدي النَّبي ﵊.
- جِلاَلها: بكسر الجيم المعجمة، وفتح الَّلام، جمع جُلٍّ، بالضم، هو ما تغطَّى به الدَّابة، وتجلَّل؛ لتصان عن البرد ونحوه، فهو للدَّابة كالثوب للإنسان.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - جواز التوكيل على ذبح ونحر الأضحية والهدي، وتقسيم لحومها على مستحقيها.
٢ - أنَّ مستحقي قسم الصدقة منها هم المساكين، قال تعالى: ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ [الحج: ٣٦]. وفي الآية الأخرى: ﴿وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ (٢٨)﴾ [الحج].
٣ - أنَّ جلودها لا تُباع، بل يكون مصرفها مصرف لحومها، فإمَّا أنْ ينتفع بها صاحبها، أو يهديها، أو يتصدق بها على الفقراء والمساكين.
٤ - أنَّ جازرها لايعطى شيئًا من لحومها أو جلودها، على أنَّه أجرة على جزارته
стр. 3538
باتفاق الأئمة، وإنَّما يجوز إعطاؤه هدية منها إنْ كان غنيًا، أو صدقة إنْ كان فقيرًا، لاسيما ونفسه تائقة إليها لمباشرته لها، وبهذا يتخصص عموم الحديث.
٥ - استحباب الهدي والأضحية بأكثر من واحدة لذي سعة في ماله، فإنَّه من الصدقة، وإراقة دم لله تعالى في هذا اليوم العظيم.
٦ - الأفضل في الأضحية، والهدي، والعقيقة: أنْ يأكل منها، ويهدي على غني ممَّن بينه وبينه علاقة قرابة، أو جوار، ونحوهما، ويتصدق على فقيرٍ أو مسكين؛ قال تعالى: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ (٢٨)﴾ [الحج].
ولما أخرجه الإِمام الترمذي (١٥١٠) من حديث بريدة قال: قال رسول الله ﷺ : "كنت نهيتكم عن لحوم الأضاحي فوق ثلاث؛ ليتسع ذُو الطَّول له، فكلوا ما بدا لكم وأطعموا وادخروا"، وقال: حديث حسن صحيح.
* خلاف العلماء:
أجمع العلماء على أنَّه لا يجوز بيع لحوم الأضاحي، أو الهدي.
وذهب الجمهور: إلى أنَّه لا يجوز -أيضًا- بيع جلودها، وأصوافها، وأوبارها، وشعرها.
وأجاز أبو حنيفة بيع الجلود، والشعر، ونحوه بعروض لا بنقود، ملاحظًا في ذلك أنَّ المعاوضة بالنقود بيعٌ صريح، وأمَّا بالعروض ففيه شبه انتفاع كل من المتبادلين بمتاعِ الآخر.
***
стр. 3539
١١٨١ - وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﵄ قَالَ: "نَحَرْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ عامَ الحُدَيْبِيَةِ: الْبَدَنَةَ عَنْ سَبْعَةٍ، وَالْبَقَرَةَ عَنْ سَبْعَةٍ" رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١).
ــ
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - البدنة هي من الإبل والبقر كبيرتا الحجم، كثيرتا اللحم؛ ففيهما فائدة، ومنفعة للمهدي والمضحي أكثر من الضَّأن والمعز؛ ولذا صارت كل واحدة منهما تقوم مقام سَبعْ من الغنم، فإذا ضحَّى ببدنةٍ أو ببقرة أجزأت عن سبع ضحايا، أو سبع هدايا.
٢ - يجوز أنْ يشترك سبعة مضحون أو مهدون ببدنة أو بقرة، فيكون لكلِّ واحدٍ منهم أضحيته أو هديه، ويقسمون لحمها أسباعًا.
٣ - قال الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن بن جاسر في منسكه: الاعتبار في إجازة البدنة أو البقرة عن سبعة فأقل، أنْ يشترك الجميع في البدنة أو البقرة دفعة واحدة، فلو اشترك ثلاثة في بدنة أو بقرة أضحية، وقالوا: من جاء يريد أضحية أشركناه، فجاء قومٌ فشاركوهم، لم تجزىء البدنة أو البقرة إلاَّ عن الثلاثة، نقله الزركشي عن الحقي عن الشيرازي.
قال في الإقناع وشرحه: والمراد إذا أوجبها الثلاثة على أنفسهم؛ لأَنَّهم إِذا لم يوجبوها، فلا مانع من الاشتراك قبل الذبح؛ لعدم التعيين.
وقال في شرح المنتهى: وإنْ اشترك ثلاثة في بدنة أو بقرة وأوجبوها, لم يجز أنْ يشركوا غيرهم.
стр. 3540
٤ - يجوز للمضحي أنْ يجعل ضحية الشَّاة عنه وعن أهل بيته، فيشترك فيها عدد من المضحَّى عنهم.
وإنْ كانت الأضحية سُبُعَ بدنة، أو سُبُع بقرة، فقال الشيخ أحمد القصير: إن سبع البدنة أو سبع البقرة لا يكفي عن الرجل وأهل بيته؛ لأنَّه شرك في دم، ولفظ الحديث في الشَّاة، بخلاف سُبُع البدنة أو البقرة.
أمَّا الشيخ عبد الرحمن السعدي فقال: لا شكَّ أنَّ سبع البدنة أو سبع البقرة قائمٌ مقام الشَّاة، وهذا هو الَّذي تدل عليه الأحاديث النبوية، وهو الَّذي فهمه أهل العلم منها؛ ولذلك فالإفتاء بمنع إهداء سُبُع البدنة أو سبع البقرة، لأكثر من واحد، في حياة الإنسان أو في موته، إنَّما حدث الإفتاء به في الأوقات الأخيرة، وهو لا شكَّ غلطٌ، وإلاَّ فجميع الأصحاب في الكتب المختصرة والمطولة ذكروا أنَّ حكم أضحية البقرة والبدنة حكم أضحية الغنم في كلِّ شيء، كما ذكروه في آخر كتاب الجنائز، وصرَّح به صاحب الإقناع تصريحًا لا يحتمل الشك، وكذلك ذكروه في آخر جزاء الصيد من كتاب الحج، ولله الحمد.
واعلم أنَّ سند من أفتى من المتأخرين بعدم إجزاء التشريك فيها قول الأصحاب: "وتجزىء البدنة والبقرة عن سبعة"؛ ففهم أنَّ المراد أنَّه لا يشرك بها كلها أكثر من سبعة، وليس هذا مراد الأصحاب، ونحن نسلم أنَّه لا يجزىء إلاَّ عن أضحية واحدة، كما أنَّ الشَّاة لا تجزىء إلاَّ عن أضحية واحدة.
وأمَّا كون الشَّاة يجوز إهداء ثوابها لأكثر من واحد، وسُبُع البدنة لا يجوز، فهذا قولٌ بلا علم، وهو مخالف للأدلة، ولكلام الفقهاء.
وقد أشكلت على كثيرٍ من المشايخ، وذلك لاشتباه مسألة الإجزاء بمسألة الإهداء: