شيءٌ مقصود منها.
* قرار هيئة كبار العلماء بشأن حكم التضحية بمقطوع الإلية:
جاء في قرار هيئة كبار العلماء رقم (١٨٣) في ١٢/ ٧/ ١٤١٤ هـ ما يلي:
لا تجزىء الأضحية، ولا الهدي، ولا العقيقة بمقطوع الإلية؛ لأن الإلية عضوٌ كاملٌ مقصودٌ، فصار مقطوعها أولى بعدم الإجزاء من مقطوع القرن والأذن، والله ولي التوفيق.
هيئة كبار العلماء
***
стр. 3537
١١٨٠ - وَعَنْ عَلِيِّ بْن أِبي طَالِبٍ ﵁ قَالَ: "أَمَرَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ أنْ أَقُومَ عَلَى بُدُنِهِ، وأَنْ أَقْسِمَ لُحُومَهَا، وَجُلُودَهَا، وَجِلاَلَهَا عَلَى المَسَاكِينِ، وَلاَ أُعْطِيَ فِي جِزَارَتِهَا شَيْئًا مِنْهَا" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١).
ــ
* مفردات الحديث:
- بُدُنِه: بضم الباء والدَّال، جمع بَدَنَة، تطلق على النَّاقة أو البقرة، وإنَّما المراد هنا الإبل فقط؛ فإنَّها هي هدي النَّبي ﵊.
- جِلاَلها: بكسر الجيم المعجمة، وفتح الَّلام، جمع جُلٍّ، بالضم، هو ما تغطَّى به الدَّابة، وتجلَّل؛ لتصان عن البرد ونحوه، فهو للدَّابة كالثوب للإنسان.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - جواز التوكيل على ذبح ونحر الأضحية والهدي، وتقسيم لحومها على مستحقيها.
٢ - أنَّ مستحقي قسم الصدقة منها هم المساكين، قال تعالى: ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ [الحج: ٣٦]. وفي الآية الأخرى: ﴿وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ (٢٨)﴾ [الحج].
٣ - أنَّ جلودها لا تُباع، بل يكون مصرفها مصرف لحومها، فإمَّا أنْ ينتفع بها صاحبها، أو يهديها، أو يتصدق بها على الفقراء والمساكين.
٤ - أنَّ جازرها لايعطى شيئًا من لحومها أو جلودها، على أنَّه أجرة على جزارته
стр. 3538
باتفاق الأئمة، وإنَّما يجوز إعطاؤه هدية منها إنْ كان غنيًا، أو صدقة إنْ كان فقيرًا، لاسيما ونفسه تائقة إليها لمباشرته لها، وبهذا يتخصص عموم الحديث.
٥ - استحباب الهدي والأضحية بأكثر من واحدة لذي سعة في ماله، فإنَّه من الصدقة، وإراقة دم لله تعالى في هذا اليوم العظيم.
٦ - الأفضل في الأضحية، والهدي، والعقيقة: أنْ يأكل منها، ويهدي على غني ممَّن بينه وبينه علاقة قرابة، أو جوار، ونحوهما، ويتصدق على فقيرٍ أو مسكين؛ قال تعالى: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ (٢٨)﴾ [الحج].
ولما أخرجه الإِمام الترمذي (١٥١٠) من حديث بريدة قال: قال رسول الله ﷺ : "كنت نهيتكم عن لحوم الأضاحي فوق ثلاث؛ ليتسع ذُو الطَّول له، فكلوا ما بدا لكم وأطعموا وادخروا"، وقال: حديث حسن صحيح.
* خلاف العلماء:
أجمع العلماء على أنَّه لا يجوز بيع لحوم الأضاحي، أو الهدي.
وذهب الجمهور: إلى أنَّه لا يجوز -أيضًا- بيع جلودها، وأصوافها، وأوبارها، وشعرها.
وأجاز أبو حنيفة بيع الجلود، والشعر، ونحوه بعروض لا بنقود، ملاحظًا في ذلك أنَّ المعاوضة بالنقود بيعٌ صريح، وأمَّا بالعروض ففيه شبه انتفاع كل من المتبادلين بمتاعِ الآخر.
***
стр. 3539
١١٨١ - وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﵄ قَالَ: "نَحَرْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ عامَ الحُدَيْبِيَةِ: الْبَدَنَةَ عَنْ سَبْعَةٍ، وَالْبَقَرَةَ عَنْ سَبْعَةٍ" رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١).
ــ
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - البدنة هي من الإبل والبقر كبيرتا الحجم، كثيرتا اللحم؛ ففيهما فائدة، ومنفعة للمهدي والمضحي أكثر من الضَّأن والمعز؛ ولذا صارت كل واحدة منهما تقوم مقام سَبعْ من الغنم، فإذا ضحَّى ببدنةٍ أو ببقرة أجزأت عن سبع ضحايا، أو سبع هدايا.
٢ - يجوز أنْ يشترك سبعة مضحون أو مهدون ببدنة أو بقرة، فيكون لكلِّ واحدٍ منهم أضحيته أو هديه، ويقسمون لحمها أسباعًا.
٣ - قال الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن بن جاسر في منسكه: الاعتبار في إجازة البدنة أو البقرة عن سبعة فأقل، أنْ يشترك الجميع في البدنة أو البقرة دفعة واحدة، فلو اشترك ثلاثة في بدنة أو بقرة أضحية، وقالوا: من جاء يريد أضحية أشركناه، فجاء قومٌ فشاركوهم، لم تجزىء البدنة أو البقرة إلاَّ عن الثلاثة، نقله الزركشي عن الحقي عن الشيرازي.
قال في الإقناع وشرحه: والمراد إذا أوجبها الثلاثة على أنفسهم؛ لأَنَّهم إِذا لم يوجبوها، فلا مانع من الاشتراك قبل الذبح؛ لعدم التعيين.
وقال في شرح المنتهى: وإنْ اشترك ثلاثة في بدنة أو بقرة وأوجبوها, لم يجز أنْ يشركوا غيرهم.
стр. 3540
٤ - يجوز للمضحي أنْ يجعل ضحية الشَّاة عنه وعن أهل بيته، فيشترك فيها عدد من المضحَّى عنهم.
وإنْ كانت الأضحية سُبُعَ بدنة، أو سُبُع بقرة، فقال الشيخ أحمد القصير: إن سبع البدنة أو سبع البقرة لا يكفي عن الرجل وأهل بيته؛ لأنَّه شرك في دم، ولفظ الحديث في الشَّاة، بخلاف سُبُع البدنة أو البقرة.
أمَّا الشيخ عبد الرحمن السعدي فقال: لا شكَّ أنَّ سبع البدنة أو سبع البقرة قائمٌ مقام الشَّاة، وهذا هو الَّذي تدل عليه الأحاديث النبوية، وهو الَّذي فهمه أهل العلم منها؛ ولذلك فالإفتاء بمنع إهداء سُبُع البدنة أو سبع البقرة، لأكثر من واحد، في حياة الإنسان أو في موته، إنَّما حدث الإفتاء به في الأوقات الأخيرة، وهو لا شكَّ غلطٌ، وإلاَّ فجميع الأصحاب في الكتب المختصرة والمطولة ذكروا أنَّ حكم أضحية البقرة والبدنة حكم أضحية الغنم في كلِّ شيء، كما ذكروه في آخر كتاب الجنائز، وصرَّح به صاحب الإقناع تصريحًا لا يحتمل الشك، وكذلك ذكروه في آخر جزاء الصيد من كتاب الحج، ولله الحمد.
واعلم أنَّ سند من أفتى من المتأخرين بعدم إجزاء التشريك فيها قول الأصحاب: "وتجزىء البدنة والبقرة عن سبعة"؛ ففهم أنَّ المراد أنَّه لا يشرك بها كلها أكثر من سبعة، وليس هذا مراد الأصحاب، ونحن نسلم أنَّه لا يجزىء إلاَّ عن أضحية واحدة، كما أنَّ الشَّاة لا تجزىء إلاَّ عن أضحية واحدة.
وأمَّا كون الشَّاة يجوز إهداء ثوابها لأكثر من واحد، وسُبُع البدنة لا يجوز، فهذا قولٌ بلا علم، وهو مخالف للأدلة، ولكلام الفقهاء.
وقد أشكلت على كثيرٍ من المشايخ، وذلك لاشتباه مسألة الإجزاء بمسألة الإهداء:
стр. 3541
أمَّا مسألة الإجزاء: فإنَّ سُبُع البدنة لا يجزىء إلاَّ عن واحد.
ومسألة الإهداء بأنْ يضحي الإنسان ويهدي ضحيته لأكثر من واحد، سواءٌ في الحياة، أو أوصى بها بعد الوفاة، فهذه تجزىء فيها الشَّاة وسُبُع البدنة عن أكثر من واحد.
وقد قال الشيخ عبد الله أبا بطين حين سُئِل عن هذه المسألة: لم أجد ما يدل على المنع، وبعض من أدركنا يهدون سُبُع البدنة لأكثر من واحد، وإنَّما وجه الاشتباه على بعض المشايخ قول الأصحاب: "وتجزىء البدنة والبقرة عن سبعة"؛ وهذا في باب الإجزاء، لا في باب الإهداء، والله أعلم.
٥ - حديث الباب في الهدي، ولكن يقاس عليه الأضحية، بل جاء في الأضحية ما أخرجه الترمذي (٩٠٥)، والنسائي (٤٣٩٢) من حديث ابن عباس قال: "كُنَّا مع رسول الله ﷺ في السفر، فحضر الأضحى، فاشتركنا في البقرة سبعة، وفي البعير عشرة".
وفي إجزاء البدنة عن عشرة أو سبعة خلافٌ بين أهل العلم، ولكن الأثر الأخير -وهو في حجَّة الوداع- إجزاؤها عن سبعة كالبقرة، والله أعلم.
***
стр. 3542
باب العقيقة
مقدمة
الأصل في العقيقة: الشعر الَّذي على رأس المولود، فسميت الذبيحة عند حلق ذلك الشعر: عقيقة، فاشتهر حتَّى صار من الأسماء العرفية، بحيث لا يفهم من العقيقة عند الإطلاق إلاَّ الذبيحة.
والعقيقة مستحبَّة بالسنَّة المطهرة:
قال الإِمام أحمد: والعقيقة سنَّة عن رسول الله ﷺ ، وقد عقَّ عن الحسن والحسين، وفعله الصحابة والتابعون.
وقال ابن القيم: ذبحها أفضل من الصدقة بثمنها؛ لأنَّها سنَّة، ونسيكة مشروعة بسبب تجدد نعمة الله تعالى على الوالدين؛ ففيها معنى القربان، والشكران، والصدقة، والفداء، وإطعام الطعام عند السرور، فإذا شرع عند النكاح، فلأن يشرع عند الغاية المطلوبة منه، وهو وجود النسل، فيكون أولى، ولمَّا كانت النعمة بالذكر على الوالد أتم، والسرور والفرحة به أكمل، كان الشكران عليه أكثر بذبح شاتين له بدل شاة واحدة عن الأنثى، فإنَّه كما كانت النعمة أتمَّ، كان شكرها أكثر.
قال في شرح الإقناع: ولا يعق المولود عن نفسه إذا كبر؛ لأنَّها مشروعة في حق الأب.
واختار جمعٌ أنَّه يعق عن نفسه استحبابًا إذا لم يعق عنه أبوه.
قال الشيخ تقي الدِّين: يعق عن اليتيم من ماله كالأضحية وأولى؛ لأنَّه مرتهنٌ بها. ولا تجزىء قبل الولادة، كالكفارة قبل اليمين؛ لتقدمها على سببها.
стр. 3543
١١٨٢ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ "أنَّ النَّبِيَّ ﷺ عَقَّ عَن الحَسَنِ والْحُسَيْنِ كبْشًا كبْشًا" رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ، وَابْنُ الجَارُودِ، وَعَبْدُ الحَقِّ، لَكِنْ رَجَّحَ أَبُو حَاتِمٍ إِرْسَالَهُ (١)، وأَخْرَجَ ابْنُ حِبَّانَ مِنْ حَدِيْثِ أَنَسٍ نَحْوَهُ (٢).
ــ
* درجة الحديث:
الحديث صحيح.
فقد صحَّحه ابن خزيمة، وابن الجارود، وعبد الحق، وابن دقيق العيد، وقال في المحرر: إسناده على شرط البخاري.
وله شواهد عديدة: فقد جاء هذا الحديث عن جماعة من الصحابة، منهم: علي، وابن عباس، وجابر، وأنس، وبريدة، وعائشة ﵃:
أمَّا حديث ابن عباس: فأخرجه أبو داود، والطحاوي، والبيهقي، وإسناده صحيح على شرط البخاري.
حديث عائشة: أخرجه الطحاوي، وابن حبان، والحاكم، والبيهقي، قال الحاكم: صحيح الإسناد، ووافقه الذهبي، وصحَّحه ابن السكن.
حديث بريدة: أخرجه أحمد، والنسائي، والطبراني، قال الحافظ: سنده صحيح، وهو على شرط مسلم.
حديث أنس: أخرجه الطحاوي، وابن حبان، والطبراني، ورواية أنس هذه قال الهيثمي عنها: رجالها رجال الصحيح.
стр. 3544
وأما حديث جابر: فأخرجه أبو يعلى، والطبراني، ورجاله ثقات، فكلهم رجال مسلم.
وأما حديث علي بن أبي طالب: فأخرجه الترمذي، وقال: حسنٌ غريب، وإسناده ليس بمتصل؛ لكن وصله الحاكم، وسكت عنه هو والذهبي، ورجاله ثقات معروفون.
والروايات تختلف فيما عقَّ به النَّبي ﷺ عن الحسن والحسين، فبعضها بكبش، وفي أخرى كبشان، والثاني هو الَّذي ينبغي الأخذ به.
* مفردات الحديث:
- كبشًا كبشًا: منصوبات بنزع الخافض، أو أنَّ "عق" ضمنت معنى "ذبح"، فصارا مفعولين.
- كبشًا: الكبش ذكر الضأن في أي سنٍّ كان.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - العقيقة من ذبائح القرب والعبادة، وهي شكر لله تعالى على نعمة تجدد الولد؛ من ذكر أو أنثى.
قال الإِمام أحمد: العقيقة سنَّة رسول الله ﷺ ، فقد عقَّ عن الحسن وعن الحسين، وفعله أصحابه والتَّابعون.
٢ - الحديث فيه أنَّه ﷺ عقَّ عن الحسن والحسين كبشًا كبشًا؛ ولكن جاء نفس الحديث برواية أبي داود والنسائي: أنَّه عقَّ عنهما كبشين كبشين، وصحَّح الزيادة جماعة من العلماء، منهم: عبد الحق، وابن دقيق العيد. كما أخرج ابن حبَّان، والحاكم، والبيهقي، وابن السكن، من حديث عائشة ﵂: "أنَّه عقَّ عنهما يوم السَّابع وسمَّاهما، وأماط عنهما الأذى، وجعل بدله خلوقًا"، مخالفًا بذلك عادة الجاهلية الَّذين يضعون على رأس المولود قطنة فيها دم من دم العقيقة.
стр. 3545
٣ - ذهب جمهور العلماء إلى أنَّ العقيقة سنَّة مؤكدة، وأنَّها في حق الأب. وذهب الظاهرية إلى وجوبها.
أمَّا دليل الجمهور: فما أخرجه مالك، وأحمد، وأبو داود، والنسائي، من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدِّه، أنَّ النَّبي ﷺ قال: "من أحبَّ منكم أنْ ينسك عن ولده، فليفعل: عن الغلام شاتان، وعن الجارية شاة".
وأمَّا دليل الظاهرية فما سيأتي من حديث عائشة عند أحمد (٢٤٧٢٢): "أنَّه ﷺ أمرهم أنْ يعقوا: عن الغلام شاتان، وعن الجارية شاة".
٤ - قال ابن القيم: ذبح العقيقة أفضل من الصدقة بثمنها؛ لأنَّها سنَّة، ونسيكة مشروعة بسبب تجدد نعمة الله على الوالدين؛ ففيها معنى القربان، والشكران، والصدقة، والفداء، وإطعام الطعام عند السرور، فإذا شرع الإطعام عند النكاح، فلأن يشرع عند الغاية المطلوبة منه، وهو وجود النسل أولى.
***
стр. 3546
١١٨٣ - وعَنْ عَائِشَةَ ﵂ "أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَمَرَهُمْ أَنْ يُعَقَّ عَنِ الغُلاَمِ شَاتَانِ مُكَافِئَتَانِ، وَعَنِ الجَارِيَةِ شَاةٌ" رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ (١).
وأَخْرَجَ أَحْمَدُ وَالأَرْبَعَةُ عَنْ أُمِّ كُرْزٍ الْكَعْبِيَّةِ نَحْوَهُ (٢).
ــ
* درجة الحديث:
الحديث صحيح.
أخرجه أحمد، والترمذي، وابن ماجة، وابن حبان، والبيهقي من طريق عبد الله بن عثمان بن خثيم، عن يوسف بن ماهك، عن حفصة، عن عائشة؛ أنَّ رسول الله ﷺ أمرهم أن يعق عن الغلام ... الحديث.
قال الترمذي: حسن صحيح.
وإسناده صحيح على شرط مسلم، وله طرق وشواهد:
منها: حديث عائشة أخرجه الطحاوي والبيهقي، وإسناده حسن، ورجاله ثقات، رجال الشيخين.
ومنها: حديث أم كرز الكعبية، وحديث أسماء بنت يزيد، وحديث عمرو ابن شعيب، وغيرها.
والحديث صحَّحه ابن حبان، والحاكم ووافقه الذهبي.
стр. 3547
* مفردات الحديث:
- مُكَافِئَتَانِ: بكسر الفاء، وبعدها همزة، أي: متساويتان في السنِّ والإجزاء، فلا تكون إحداهما مسنَّة، والأخرى غير مسنَّة، ويكونان ممَّا يجزىء في الأضحية.
وقال الإِمام أحمد وأبو داود: متساويتان أو متقاربتان.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - في الحديث دليلٌ على مشروعية العقيقة، وهو من أدلَّة وجوبها؛ لأنَّ الأمر يدل على الوجوب، ومذهب جمهور العلماء -ومنهم الأئمة الأربعة- أنَّها سنَّةٌ مؤكدة، وليست واجبة، ولم يرَ وجوبها إلاَّ الظاهرية.
٢ - والحديث صريحٌ في أنَّ عقيقة الغلام شاتان، وعقيقة الجارية شاةٌ واحدة.
٣ - الحكمة في تمييز الذكر عن الأنثى أنَّ العقيقة هي نسيكة شكر لله تعالى على نعمة تجدد المولود، ولما كان الذكر أعظم نعمة، وامتنانًا من الله تعالى، كان الشكر عليه أكثر، فصار له شاتان، وللجارية شاة.
قال ابن القيم: التفضيل تابع لشرف الذكر، وما ميزه الله به على الأنثى، ولما كانت النعمة به أتم، والسرور به أكمل، فكان الشكر عليه أكثر.
٤ - ويسن أنْ تكون الشاتان اللتان يعق بهما عن الغلام متكافئتين متشابهتين في السن والسمنة، فلا تكون إحداهما أكبر من الأخرى كثيرًا، وأنْ تكونا بلونٍ واحدٍ، وحجمٍ واحد.
قال في الشمائل: بأنْ تكون هذه نظير هذه، ولعلَّه للتفاؤل بتناسب أخلافه.
***
стр. 3548
١١٨٤ - وَعَنْ سَمُرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "كُلُّ غُلاَمٍ مُرْتَهَنٌ بِعَقِيقَتِهِ، تُذْبَحُ عَنْهُ يَوْمَ سَابِعِهِ، وَيُحْلَقُ، وَيُسَمَّى" رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالأرْبَعَةُ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ (١).
ــ
* درجة الحديث:
الحديث صحيح.
أخرجه أحمد، وأبو داود، والنسائي، والترمذي، وابن ماجة، وغيرهم كلهم من طرق عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة به.
قال الترمذي: حديثٌ حسنٌ صحيح، وقال الحاكم: صحيح الإسناد، ووافقه الذهبي، وصحَّحه عبد الحق، وقد روى البخاري في صحيحه من طريق الحسن؛ أنَّه سمع حديث العقيقة من سمرة، ولا يعرف سماع للحسن عن سمرة إلاَّ هذا الحديث.
* مفردات الحديث:
- مرتهن بعقيقته: شبَّه المولود في لزوم العقيقة عنه، وعدم انفكاكه منها، بالرهن في يد المرتهن، قال الخطابي: اختلف النَّاس في معنى هذا، وأجود ما قيل فيه: ما ذهب إليه الإِمام أحمد قال: هذا في الشفاعة إذا مات طفلاً، ولم يُعَقَّ عنه، لم يشفع في أبويه.
* ما يؤخد من الحديث:
١ - الحديث يدل على تأكد العقيقة، وأنَّه لا ينبغي تركها مهما كانت الأحوال،
стр. 3549
ولذا قال الإِمام أحمد: إذا لم يكن عنده ما يعق به فاستقرض، أرجو أن يخلف الله عليه؛ فقد أحيا سنَّة.
قال ابن المنذر: صدق أحمد؛ إحياء السنن واتباعها أفضل.
وقال الشيخ تقي الدِّين: يعق عن اليتيم من ماله.
٢ - اختلف العلماء في معنى كون المولود مرتهنًا بعقيقته:
فقيل معناه: أنَّ العقيقة لازمة للمولود؛ كلزوم الرهن للمرهون يزيد الرَّاهن.
وقال الإِمام أحمد: معناه إذا مات وهو طفل لم يعق عنه فلا يشفع لأبويه؛ ويقوي هذا القول ما أخرجه البيهقي من حديث بريدة بن الحصيب قال: "إنَّ النَّاس يعرضون يوم القيامة على العقيقة، كما يعرضون على الصلوات الخمس"، وقيل غير ذلك.
والمهم أنَّ مثل هذه التشبيهات تدل على تأكيد هذه الشعيرة، وأنَّه لا ينبغي إهمالها، فمن أحياها، فقد أحيا سنَّة أمر بها النَّبي ﷺ ، وعمل بها.
٣ - قال في شرح الإقناع: ولا يعق غير الأب، وأمَّا عن النَّبي ﷺ عن الحسن والحسين، فلأَنَّه أولى بالمؤمنين من أنفسهم.
واختار جمع أنْ يعق المولود عن نفسه استحبابًا إذا لم يعق عنه أبوه، وهو قول عطاء والحسن؛ لأنَّها مشروعةٌ عنه، ولأنَّه مرتهنٌ بها، فينبغي أنْ يشرع في فكاك نفسه.
٤ - أخرج الترمذي (٢٨٣٢) من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدِّه: "أنَّ النَّبي ﷺ أمر بتسمية المولود يوم سابعه، ووضع الأذى عنه، والعق"، والله أعلم.
انتهى كتاب الأطعمة
***
стр. 3550
كتاب الأيمان
مقدمة
الأيمان: بفتح الهمزة، جمع يمين، وأصل اليمين في اللغة: اليد، وأطلقت على الحَلِف؛ لأنَّهم كانوا إذا تحالفوا، أخذ كل واحدٍ يمين صاحبه.
واليمين شرعًا: هي توكيد الأمر المحلوف عليه، بذكر معظَّم على وجه مخصوص.
واليمين أنواع كالآتي:
١ - ما يجري على لسان المتكلِّم بدون قصد؛ كـ"والله" و"بلى والله" و"تالله"، فهذا لغو.
٢ - إذا حلف على أمرٍ ماض يظن صدق نفسه، فبان بخلافه، فهو لغو.
٣ - إذا حلف على أمرٍ ماض كاذبًا عالمًا، فهذه هي اليمين الغموس، وهذه الثلاث لا كفارة فيها.
٤ - إذا حلف على أمرٍ مستقبل قاصدًا لليمين، فهذه هي اليمين التي فيها الكفَّارة بشروطها الآتية:
(أ) أنْ يكون الحالف مكلَّفًا.
(ب) كونه مختارًا للحلف.
(ج) كونه قاصدًا لليمين؛ فلا تنعقد بما يجري على لسانه.
стр. 3551
(د) أنْ يكون على أمرٍ مستقبل، فلا كفَّارة على ماضٍ كاذبًا عالمًا به، وهي الغموس.
(هـ) أنْ يحنث في يمينه بفعل ما حلف على تركه، أو ترك ما حلف على فعله.
***
стр. 3552
١١٨٥ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنَّه أَدْرَكَ عُمَرَ بْنَ الخَطَّاب في رَكْبٍ، وَعُمَرُ يَحْلِفُ بِأَبِيهِ، فَنَادَاهُمْ رَسُولُ الله ﷺ : "أَلاَ إِنَّ اللهَ يَنْهَاكُمْ أَنْ تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ، فَمَنْ كَانَ حَالِفًا، فَلْيَحْلِفْ بِاللهِ، أوْ لِيَصْمُتْ" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١).
وَفِي رِوَايَةٍ لأبِي دَاوُدَ والنَّسَائِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ مَرْفُوعًا: "لاَ تَحْلِفُوا بِآبائكُمْ، وَلاَ بِأُمَّهَاتِكُمْ، وَلاَ بِالأَنْدَادِ، وَلاَ تَحْلِفُوا إلاَّ بالله، وَلاَ تَحْلِفُوا بِاللهِ إِلاَّ وَأَنْتُمْ صَادِقُونَ" (٢).
ــ
* درجة الحديث:
رواية أبي داود والنسائي عن أبي هريرة ﵁ ذكرها ابن حجر في الفتح في زيادات الباب؛ فهي صحيحة، أو حسنة على قاعدته التي نصَّ عليها في مقدمة الفتح.
* مفردات الحديث:
- الأنداد: جمع ند، بكسر النون، وهو مثل الشيء الَّذي يضاده في أموره، وينادّه، أي: يخالفه، ويراد به هنا الأصنام التي يتخذونها آلهةً من دون الله.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - اليمين هي القسم بألفاظ مخصوصة لتأكيد الحكم المحلوف عليه بذكِر مُعَظَّمٍ على وجه مخصوص، والحالف إذا أراد تأكيد أمرٍ من الأمور نفيًا أو
стр. 3553
إثباتًا، أكَّده بالحلف بأعظم ما عنده من معظَّم، فما زال النَّاس منذ أقدم الأزمان يعتقدون أنَّ المحلوف به له تسلطٌ على الحالف يقدر على نفعه وضرِّه بالأسباب الطبيعية، وبما فوق الأسباب الطبيعية، فإذا أوفى الحالف بما حلف، يرضى المحلوف به، وينفعه، وإنْ لم يرض، يضره، ومن هذا صار الحلف بغير الله تعالى أو بغير صفاته شركًا بالله تعالى.
٢ - وفي الحديث وجوب الحلف بالله تعالى لمن أراد اليمين.
فقد قال ابن مسعود ﵁: "لأن أحلف باللهِ كاذبًا أحب إليَّ من أنْ أحلف بغيره صادقًا".
قال شيخ الإِسلام: لأنَّ حسنة التوحيد أعظم من حسنة الصدق، وسيئة الكذب أسهل من سيئة الشرك؛ قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ﴾ [النساء: ٤٨].
وقال الماوردي: لا يجوز لأحدٍ أنْ يحلف بغير الله تعالى، لا بطلاقٍ، ولا عتاق، ولا نذر.
والأحاديث واضحةٌ في الدلالة على التحريم.
ومنها ما أخرجه أبو داود (٣٢٥١) والحاكم (١/ ٦٥) من حديث ابن عمر أنَّ النَّبي ﷺ قال: "من حلف بغير الله فقد كفر".
٣ - ويحرم الحلف بالبراءة من الإِسلام، أو من الدِّين، أو هو يهودي، أو نصراني، ونحوه؛ لما أخرجه أبو داود (٣٢٥٨) والنسائي (٣٧٧٢) بإسنادٍ على شرط مسلم، من حديث بريدة؛ أنَّ النَّبي ﷺ قال: "من حلف فقال: إنِّي بريء من الإِسلام، فإنْ كان كاذبًا فهو كما قال، وإنْ كان صادقًا فلن يرجع إلى الإِسلام سالمًا".
٤ - وإذا كان الحلف بالآباء منهيًّا عنه ومحرمًا، فالحلف بالأنداد، وهي الأصنام، أشد تحريمًا، وأعظم عقوبة.
стр. 3554
٥ - وفي الحديث النَّهي عن الحلف بالله تعالى كاذبًا، فإنَّه اليمين الغموس التي تغمس صاحبها في نار جهنَّم، فقد جاء في صحيح البخاري (٦٦٧٥) أنَّ أعرابيًّا قال: يا رسول الله! ما الكبائر؟ فذكر أشياء، وقال: "واليمين الغموس".
***
стр. 3555
١١٨٦ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "يَمِينُكَ علَى مَا يُصَدِّقُكَ بِهِ صَاحِبُكَ".
وَفِي رِوَايَةٍ: "اليَمِينُ عَلَى نِيَّةِ المُسْتَحْلِفِ" أَخْرَجَهُمَا مُسْلِمٌ (١).
ــ
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - اليمين في الدعاوى تكون على صفة دعوى المدعي، أو جواب المدعى عليه، فإذا حلَّف القاضي المدعى عليه بطلب المدعي، خلَّى سبيله بعد تحليفه إيَّاه، وانقطعت الخصومة؛ لأنَّ اليمين تقطع الخصومة، وإنْ كانت بجانب المدعي، استحق بها ما ادعاه.
٢ - الحديث يدل على أن اليمين المطلوبة من الحالف في الدعاوى يجب أنْ تكون على نية المستحلف، ولا ينفع فيها نية الحالف إذا نوى بها غير ما أظهر، وهذا بإجماع العلماء.
قال في شرح الإقناع: وتكون يمين الحالف على صفة جوابه لخصمه، فلا يصلها بما لا يفهم.
كما تحرم التورية، والتأويل فيها.
٣ - الحاصل أنَّ القاضي إذا حلَّف من توجهت عليه اليمين في الدعاوى، فإنَّ اليمين تكون على نية المستحلف، ولا تكون على نية الحالف، فيما لو حلف ونوى بها غير ما أظهر، وأنَّه لا ينفعه تأويله، وتوريته.
٤ - قال النووي: وأمَّا إِذَا حلف بغير استحلاف القاضي، وورَّى، فتنفعه التورية ولا يحنث، سواءً حلف ابتداءً من غير تحليف، أو حلَّفه غير القاضي، وغير نائبة في ذلك، ولا اعتبار بنية المستحلف -بكسر اللام- غير القاضي.
стр. 3556
١١٨٧ - وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ ﵁ قَالَ: قالَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ : "وَإِذَا حَلَفْتَ علَى يَمِينٍ، فَرَأَيْتَ غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا، فَكَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ، وَائْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَفِي لَفْظٍ لِلْبُخَارِيِّ: "فَائْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ، وَكفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ".
وَفِي رِوَايةٍ لأبِي دَاوُدَ: "فَكَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ، ثم ائْتِ الَّذي هُوَ خَيْرٌ" وَإِسْنَادُهَا صَحِيحٌ (١).
ــ
* درجة الحديث:
رواية أبي داود إسنادها صحيح، كما قال المؤلِّف.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - الحلف على أمرٍ مستقبل يريد الحالف تحقيق فعله أو تركه، لا يخلو من أمور:
فإنْ حلف على فعل واجب، أو حلف على ترك محرَّم، حرم حنثه، ووجب بره بقسمه.
وأمَّا إنْ حلف على فعل محرم، أو ترك واجب، وجب حنثه، وحرم بره.
٢ - وأمَّا إنْ حلف على فعل مندوبٍ، أو ترك مكروه، فهنا يكره حنثه؛ لما يترتب على بره من الثواب الحاصل بفعل المندوب، وترك المكروه.
وأمَّا إنْ حلف على فعل مكروه، أو ترك مندوب، فهذا هو ما أشار إليه حديث الباب من أنَّ المستحب أنْ يحنث، فيترك المكروه أو يفعل
стр. 3557
المندوب، ويكفِّر عن يمينه، وهذا هو معنى قوله: "وإذا حلفت على يمينٍ، فرأيت غيرها خيرًا منها، فكفِّر عن يمينك، وائت الَّذي هو خير".
٣ - قال في الروض المربع وحاشيته:
ويشترط لوجوب الكفَّارة إذا حلف بالله ثلاثة شروط:
الأوَّل: أنْ يَقصد الحالف عقدها على أمرٍ مستقبل ممكن، فإنْ حلف على أمرٍ ماضٍ كاذبًا فهي اليمين الغموس.
وإنْ كانت ممَّا يجري على لسانه بغير قصدٍ ولو في الزمن المستقبل فلغو اليمين، ولا كفَّارة فيه؛ للآية.
الثاني: أنْ يحلف مختارًا لليمين، فإنْ حلف مكرهًا، لم تنعقد يمينه.
الثالث: أنْ يحنث في يمينه بأنْ يفعل ما حلف على تركه، أو يترك ما حلف على فعله، مختارًا، ذاكرًا ليمينه، حَنِثَ، وعليه الكفَّارة.
٤ - قال الوزير: أجمعوا على أنَّ اليمين المعتمدة المنعقدة هو أنْ يحلف بالله تعالى على أمرٍ في المستقبل أنْ يفعله، أو لا يفعله، وإذا حنث، وجبت عليه الكفَّارة؛ لأنَّ العقد إنَّما يكون في المستقبل دون الماضي.
قال تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ [المائدة: ٨٩].
***
стр. 3558
١١٨٨ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ، فَقَالَ: إِنْ شَاءَ اللهُ، فَلاَ حِنْثَ عَلَيْهِ" رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالأَرْبَعَةُ، وصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ (١).
ــ
* درجة الحديث:
الحديث صحيح.
قال المصنِّف: رواه الإِمام أحمد، والأربعة، وصحَّحه ابن حبان، ونقل المناوي عن ابن حجر، أنَّ رجاله ثقات، وحسَّنه السيوطي في الجامع الصغير.
قال الترمذي: لا نعلم أحدًا رفعه غير أيوب السختياني.
قال ابن عليه: كان أيوب يرفعه تارة، ولا يرفعه تارة.
قال البيهقي: لا يصح رفعه إلاَّ عن أيوب، مع أنَّه شكَّ فيه.
قال الحاكم: صحيح إسناده، ووافقه الذهبي، وصحَّحه ابن دقيق العيد، ورجَّح الزيلعي والصنعاني صحَّة رفعه.
* مفردات الحديث:
- حِنْث: بكسر الحاء، وسكون النون، بعدها شاء مثلَّثة، هو عدم الوفاء باليمين. هذا معناه هنا.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - يدل الحديث على أنَّ الحالف على يمين تدخلها الكفَّارة إذا استثنى بيمينه فقال: إنْ شاء الله لأفعلنَّ كذا، أو إنْ شاء الله لأتركنَّ كذا، أنَّه لا يحنث في
стр. 3559
يمينه إنْ فعل المحلوف عليه، أو تركه.
٢ - يشترط لذلك ثلاثة شروط:
الأوَّل: أنْ يقصد تعليق المحلوف عليه على مشيئة الله تعالى وإرادته، ولم يقصد مجرَّد التبرك، أو سبق لسانه بلا قصد.
الثاني: أنْ يتصل الاستثناء بيمينه لفظًا أو حكمًا، بأنْ لا يقطعه إلاَّ نحو سعال، أو عطاس، أو تثاؤب، أو قيء، ونحو ذلك.
الثالث: أنْ يستثني لفظًا ونطقاً؛ فلا ينفعه، ولا يكفيه أنْ يستثني بقلبه.
٣ - مثل الاستثناء في اليمين يصح -أيضًا- الاستثناء في الطلاق، والظهار، والنَّذر، والإقرار؛ فإنَّ الاستثناء فيه ينفع بشروطه: من القصد، والنطق، والاتصال.
٤ - قال في شرح الإقناع: ولا يستحب تكرار الحلف، فإنْ أفرط كره، لقوله تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ (١٠)﴾ [القلم: ١٠]، وهذا ذمٌّ، ولأنَّه لا يكاد يخلو من الكذب، وعُلِمَ أنَّه لا كراهة في الحلف مع عدم الإفراط؛ لأنَّه ﷺ حلف في غير حديث.
٥ - وقال أيضًا: وإنْ دُعِيَ إلى الحلف عند الحاكم، وهو محقٌّ، استُحِبَّ له افتداء يمينه، فإنْ حلف فلا بأس؛ لأنَّه حلف صادقًا على حقٍّ.
***
стр. 3560
١١٨٩ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: "كَانَتْ يَمِينُ النَّبِيِّ ﷺ : لاَ، وَمُقَلِّبِ القُلُوبِ" رَوَاهُ البُخَارِيُّ (١).
١١٩٠ - وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بنِ عَمْرو ﵄ قَالَ: "جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ: يارَسُولَ اللهِ! مَا الْكَبائِرُ؟ ... " فَذَكَرَ الحَدِيثَ، وَفِيهِ: "الْيَمِينُ الغَمُوسُ" وفيه: قُلْتُ: "وَمَا اليَمِينُ الغَمُوسُ؟ " قَالَ: "الَّتي يُقْتَطَعُ بِهَا مَالُ امْرِىءٍ مُسْلِمٍ، هُوَ فِيهَا كَاذِبٌ" أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ (٢).
ــ
* مفردات الحديث:
- الكبائر: جمع كبيرة، والمراد بها كبائر الذنوب، وفواحشها.
- الغَموس: بفتح الغين المعجمة، سميت غموسًا؛ لأنَّها تغمس صاحبها في النَّار.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - اليمين الغموس: هي اليمين على شيءٍ ماضٍ عالمًا كاذبًا في يمينه، سُمِّيت غموسًا؛ لأنَّها تغمس الحالف بها في الإثم، ثمَّ في النَّار.
٢ - حديث الباب من أدلَّة تحريم اليمين الغموس، وأنَّها من كبائر الذنوب، ويزيد إثمها، ويعظم خطرها، حينما يقتطع بها الحالف مال امرئٍ مسلمٍ، وهو كاذب.
стр. 3561
٣ - اليمين الغموس لا كفَّارة فيها؛ لأنَّها أعظم من أنْ تمحو ذنبها الكفَّارة، وهو مذهب جمهور العلماء، لما روى البيهقي عن ابن مسعود قال: "كُنَّا نعد اليمين التي لا كفَّارة فيها اليمين الغموس".
وهي من الكبائر؛ للخبر، ويجب المبادرة بالتوبة النصوح بأنْ لا يعود إليها.
٤ - أمَّا الحديث رقم (١١٨٩) فيدل على القسم الَّذي كان ﷺ يقسم به، ويواظب عليه، وهو "لا ومقلِّب القلوب" والمراد بتقليب القلوب هو تقليب أغراضها وأحوالها, لا تقليب ذات القلب،
قال الرَّاغب الأصفهاني: تقليب الله القلوب والبصائر هو صرفها عن رأيٍ إلى رأيٍ آخر، قال تعالى: ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ﴾ [النحل: ٤٦].
قال ابن العربي: القلب جزءٌ من البدن خلقه الله، وجعله للإنسان محل العلم والكلام.
٥ - أقسم النَّبي ﷺ بعدة صيغ؛ منها: "لا، ومصرِّف القلوب"، "ورب الكعبة"، "والَّذي نفس محمد بيده"، وإذا اجتهد قال: "والَّذي نفس أبي القاسم بيده" وغيرها من الصيغ، وكلها جاءت بأحاديث صالحة، والله أعلم.
***
стр. 3562
١١٩١ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂: "في قولهِ تَعَالَى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ قَالَتْ: هُوَ قَوْلُ الرَّجُلِ: لاَ وَاللهِ، وَبلَى وَاللهِ" أخْرَجَهُ البُخَارِيُّ، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ مَرْفُوعًا (١).
ــ
* درجة الحديث:
الحديث صحيح موقوفًا؛ كما أخرجه البخاري.
قال ابن حجر في الفتح عن رواية أبي داود المرفوعة: إنَّ أبا داود أشار إلى أنه اختلف على عطاء، وعلى إبراهيم في رفعه ووقفه. اهـ.
ورجَّح ابن القيم وقفه على عائشة ﵂.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - قال تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ [المائدة: ٨٩] فسَّرت عائشة ﵂ لغو اليمين هنا: بأنَّه ما يتردَّد على ألسنة النَّاس أثناء المحادثة عن قولهم: لا والله، وبلى والله، ممَّا يجري على اللسان، ولا يقصده الجنان؛ وهذا التفسير هو ما ذهب إليه الأئمة الثلاثة.
أمَّا أبو حنيفة: فجعل لغو اليمين المذكور في الآية هو حلف الإنسان على أمرٍ ماضٍ، يظنه كما قال، وهو خلاف ما ظن؛ قال ابن المنذر: وهو قول أكثر العلماء.
٢ - وذهب الإِمام أحمد في المشهور من مذهبه: إلى أنَّ لغو اليمين يراد به النوعان السَّابقان كلاهما.
قال في الروض وحاشيته: وكذا يمين عقدها يظن صدق نفسه، فبان
стр. 3563
خلافه، فلغو غير منعقدة، ولا كفَّارة فيهاة لقوله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ أي: لا يعاقبكم، ولا يلزمكم كفَّارة بما صدر منكم من الأيمان التي لا يقصدها الحالف.
وقال الشيخ تقي الدِّين: وكذا لو عقدها ظانًّا صِدْقه، فلم يكن، كمن حلف على غيره يظن أنَّه يطيعه، فلم يفعل.
***
стр. 3564
١١٩٢ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِنَّ للهِ تِسْعَةً وتسْعِينَ اسْمًا مَنْ احْصَاهَا دَخَلَ الجَنَّة" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَسَاقَ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ الأسْمَاءَ، وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ سَرْدَهَا إِدْرَاجٌ مِنْ بَعْضِ الرُّوَاةِ (١).
ــ
* درجة الحديث:
الحديث في الصحيحين، وزيادة الترمذي مدرجة.
قال ابن حبان: إنَّ زيادة الترمذي مدرجة، وبهذا قال كلٌّ من ابن حزمٍ، وأبي بكر بن العربي، وابن عطية، وابن تيمية، وابن القيم، وابن حجر، وغيرهم.
قال الصنعاني: اتفق الحفَّاظ من أئمة الحديث أنَّ سردها إدراجٌ من بعض الرواة.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - ساق المؤلِّف -رحمه الله تعالى- هذا الحديث لبيان أنَّ أسماء الله الحسني التي يجوز الحلف بها، ويجوز القسم بأي واحدٍ منها، وانعقاده بها.
قال فقهاؤنا: فاليمين التي تجب بها الكفارة إذا حنث فيها هي اليمين بالله تعالى، والرحمن الرحيم، أو بصفة من صفاته تعالى؛ كوجه الله تعالى، وعظمته، وجلاله، وعزته.
قال الوزير وغيره: اتفقوا على أنَّ اليمين بالله تعالى منعقدة بأسماء الله الحسنى؛ كالرحمن، والرحيم، والحي، وغيرها.
стр. 3565
٢ - الحلف بغير الله تعالى، وصفاته محرَّمٌ، لقوله ﷺ : "من كان حالفًا، فليحلف بالله، أو ليصمت" [رواه البخاري (٦١٠٨) ومسلم (١٦٤٦)].
قال ابن مسعود ﵁: "لأن أحلف بالله كاذبًا أحبُّ إليَّ من أنْ أحلف بغيره صادقًا".
قال شيخ الإِسلام: لأنَّ حسنة التوحيد أعظم من حسنة الصدق، وسيئة الكذب أسهل من سيئة الشرك.
٣ - جاءت أسماء الله تعالى التسعة والتسعون في سنن الترمذي، وفي صحيح ابن حبان، ولكن اتفق الأئمة والحفاظ على أنَّ سردها ليس مرفوعًا إلى النَّبي ﷺ ، وإنَّما هو مدرجٌ من بعض الرواة.
قال شيخ الإِسلام: اتفق أهل المعرفة بالحديث أنْ تعيينها ليس من كلام النَّبي ﷺ .
قال أبو الوفاء محمد درويش: وأسماء الله تعالى كثيرةٌ، منها ما نزَّله في كتبه وعلَّمه رسله وأنبياءه، ومنها ما استأثر بعلمه؛ لأنَّ عقول البشر أعجز من أن تدرك معناه، أو تحيط بمكنون أسراره، ويدل على هذا ما رواه الإِمام أحمد (٣٧٠٤) عن ابن مسعود عن النَّبي ﷺ قال: "أَسْأَلك بِكُلِّ اسْمٍ هُوَ لَكَ، سَمَّيْتَ بِهِ نَفْسَكَ، أَوْ أَنْزَلْتَهُ فِي كِتَابكَ، أَوْ عَلَّمْتَهُ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ، أو اسْتَأْثَرْتَ بهِ فِي عِلْمِ الغَيْب عِنْدَكَ".
قال النَووي: اتَّفق العُلَمَاءُ عَلَى أنَّ الحديث ليس فيه حصرٌ لأسمائه تعالى، وليس معناه أنه ليس له تعالى أسماء غير هذه التسعة والتسعين، وإنَّما المقصود منه أنَّ هذه التسعة والتسعين اسمًا، مَنْ أَحْصاها دخل الجنَّة.
٤ - قوله: "منْ أحصاها دخل الجنَّة" المراد بإحصائها هو حفظها، والإيمان بها، وبمقتضاها، والعمل بمدلولاتها.
٥ - قال ابن بطال: طرق العمل بها: أنَّ ما كان يسوغ الاقتداء به كالرحيم
стр. 3566
والكريم، فيمرِّن العبد نفسه، على أنَّه يصح له الاتصاف بالرحمة والكرم الَّلائقة به، وما كان يختص بالله جلَّ وعلا كالجبَّار والعظيم، فعلى العبد الإقرار بها، والخضوع لها، وعدم التحلي بصفةٍ منها، وما كان فيه معنى الوعد يقف فيه عند الطمع والرغبة، وما كان فيه الوعيد يقف منه عند الخشية والرهبة.
ويؤكِّد هذا أنَّ حفظها لفظًا من دون عملٍ واتصاف، كحفظ القرآن من دون عمل؛ كما جاء في الحديث: "يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم" [رواه البخاري (٣١٦٦) ومسلم (١٠٦٣)].
٦ - وهذه الأسماء لما لم يصح تعيينها، وعددها عن النَّبي ﷺ ، فقد اختلف العلماء فيها اختلافًا كبيرًا.
وبعضهم تتبعها من الكتاب والسنَّة، ومنهم الشيخ أبو الوفاء محمد درويش في كتابه "الأسماء الحسنى".
٧ - قال الشيخ عبد الرحمن السعدي -رحمه الله تعالى-: في "توحيد الأنبياء والمرسلين": وأتباعهم يعترفون، ويتبعون كل صفة للرحمن وردت في الكتب الإلهية، وثبتت في النصوص النبوية، يعرفون معناها ويعقلونها بقلوبهم، ويتعبدون الله تعالى بعلمها واعتقادها، ويعملون بما تقتضيه، وذلك من الأحوال القلبية، والمعارف الربانية.
- فأوصاف العظمة، والكبرياء، والمجد، والجلال، تملأ قلوبهم هيبةً لله وتعظيمًا له.
- وأوصاف العز، والقدرة، والجبروت، تخضع لها القلوب، وتذل بين يدي ربها.
- وأوصاف الرحمة، والبر، والجود، والكرم، تملأ قلوبهم رغبةً وطمعًا فيه، وفي فضله، وإحسانه، وجوده.
стр. 3567
- وأوصاف العلم، والإحاطة، توجب لهم المراقبة في جميع الحركات والسكنات.
ويعلم هذه المعاني الجليلة، وتحقيقها يُرجى للعبد أنْ يدخل في قوله ﷺ : "إنَّ لله تسعًا وتسعين اسمًا من أحصاها دخل الجنَّة"، فإحصاؤها: فهمها، وعقلها، والاعتراف بها، والتعبد لله تعالى بها.
* فوائد:
الأولى: أهل السنَّة أثبتوا كلَّ ما جاء به الكتاب والسنَّة من صفات الله تعالى، لا فرق عندهم بين صفات الذَّات، وصفات الأفعال المتعلقة بمشيئة الله تعالى.
فكلها قائمةٌ بالله، والله تعالى موصوفٌ بها، من غير تحريف، ولا تعطيل، ومن غير تكييف، ولا تمثيل، وإنَّما أثبتوا حقيقة الصفة على الوجه الَّذي يليق بجلال الله تعالى، وأمَّا كيفية الصفة؛ ففوَّضوا علمها إلى الله تعالى، وبهذا سَلِموا من تعطيل صفات الله تعالى، وسَلِمُوا من تشبيه الله بخلقه، حيث تورط فيهما طائفتان ضالتان ممَّن أسرفوا في النَّفي، أو في الإثبات.
فإثبات صفات الله تعالى إثباتًا يليق بجلاله، وتفويض علم كيفية الصفة إلى الله تعالى: قاعدةٌ مهمَّة اعتمدها السلف الصَّالح في فهم صفات الله، فأغنتهم عن تأويل آيات الصفات وأحاديثها، كما عصمتهم من أنْ يفهموا من الكتاب والسنَّة مستحيلاً على الله تعالى من تشبيهه بخلقه؛ ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ [الشورى: ١١].
الثانية: التحريف تغيير النص لفطًا، أو معنًى، فالتغيير اللفظي: يتغير معه المعنى، وأمَّا التغيير المعنوي: فهو صرف اللفظ عن ظاهره بلا دليل.
وأمَّا التعطيل فمعناه إنكار جميع صفات الله تعالى، أو إنكار بعضها.
وأمَّا التمثيل؛ فهو إثبات مثيلٍ له ممَّا يقتضي المماثلة والمساواة.
стр. 3568
وأمَّا التكييف: فهو تكييف صفات الله تعالى بأنْ يحكي للصفة كيفية مطلقة.
وأمَّا التشبيه: فهو أنْ يجعل لصفة الله شبهًا مقيدًا بصفة خلقه.
الثالثة: كما يجب تنزيه الله تعالى في ذاته وصفاته عن جميع النقائص والعيوب، فإنه -أيضًا- يجب تنزيه الله في أسمائه تعالى عنها.
الرَّابعة: أسماء الله تعالى وصفاته توقيفية، فلا يصح أنْ يسمَّى الله تعالى، أو يوصف إلاَّ بما سمَّى به نفسه، أو وصف به نفسه، أو سمَّاه به أو وصفه نبيه ورسوله ﷺ ، ممَّا جاء في كتابه، أو على لسان رسوله ﷺ .
الخامسة: أسماء الله الحسنى يدل الاسم منها على ثلاثة أمور:
أحدها: دلالته على ذات الله تعالى.
الثاني: دلالته على صفة الله تعالى.
الثالث: دلالته على صفاتٍ أخرى بطريق الالتزام.
فإنْ دلَّ الاسم على الذَّات وحدها، أو دلَّ على الصفة وحدها، فهي دلالة تضمن؛ لأنَّ المعنى المراد بعض اللفظ، وداخل ضمنه.
وأمَّا إنْ أُريد بدلالته الذات والصفة معًا، فهي دلالة مطابقة؛ لأنَّ اللفظ طابق معناه بالكامل.
مثال ذلك: "الرحمن":
فإنه يدل على الذَّات وحدها، وعلى الرحمة وحدها؛ فدلالته على واحدٍ منهما دلالة تضمن.
أمَّا دلالته على الذَّات والرحمة معًا، فهي دلالة مطابقة؛ لأنَّ اللفظ طابق معناه.
أمَّا دلالة الالتزام: فإنَّ الذَّات المتصفة بالرحمة يلزم لها الحياة والعلم؛ فدلالته على هاتين الصفتين دلالة التزام.
стр. 3569
والمتأمِّل للمعاني، وما يلزم لها يستفيد علمًا كثيرًا تحصل له من الدليل الواحد.
السَّادسة: أنَّ أسماء الله تعالى تدل على الذَّات، وعلى الصفة كما تقدَّم، والوصف الَّذي يدل عليه الاسم نوعان: متعدٍّ وغير متعدٍّ: فإنْ كان متعديًا فهو يتضمن أمرين:
أحدهما: ثبوت الصفة.
الثاني: ثبوت حكمها.
مثال ذلك "الحكيم":
فهو يدل على ثبوت الحكمة من لله تعالى.
ويدل على حكمها ومقتضاها؛ وذلك بأنَّ أفعال الله وتدابيره قائمةٌ كلها على الحكمة الرشيدة، وذلك بوضع الأمور في مواضعها المناسبة لها واللاَّئقة بها.
أمَّا صفة الاسم التي لا تتعدَّى، فإنَّها تدل على مجرَّد ثبوت الصفة لله تعالى، بدون تعدية إلى حكم ومقتضى؛ كصفة الحياة.
***
стр. 3570
فصل حول أسماء الله تعالى وصفاته من كتاب "بدائع الفوائد" لابن القيم رحمه الله تعالى
وقد يكون في بعض فقراته تكرار مع ما تقدَّم:
أوَّلا: ما يجري صفة أو خبرًا على الرب ﵎ أقسام:
أحدها: ما يرجع إلى نفس الذات؛ كقولك: ذات، وموجود، وشيء.
الثاني: ما يرجع إلى صفات معنوية؛ كالعليم، والقدير، والسميع.
الثالث: ما يرجع إلى أفعاله؛ كالخالق، والرازق.
الرَّابع: ما يرجع إلى التنزيه المحض؛ كالقدوس، والسَّلام، ولابُدَّ في هذا من تضمنه ثبوتًا؛ إذ لا كمال في العلم المحض.
الخامس: الاسم الدَّال على جملة أوصاف عديدة، نحو المجيد، والعظيم، والصمد:
فإنَّ المجيد: هو من اتصف بصفاتٍ متعددة من صفات الكمال، ولفظه يدل على هذا.
ومثله العظيم: فهو من اتصف بصفاتٍ كثيرةٍ من صفات الكمال.
وكذلك الصمد: فإنَّه الَّذي كمل في سؤدده، فهو الَّذي يصمد إليه النَّاس في حوائجهم وأمورهم.
стр. 3571
ثانيًا: ما يدخل في باب الإخبار عنه تعالى أوسع ممَّا يدخل في باب أسمائه وصفاته؛ كالشيء، والموجود، والقائم بنفسه؛ فإنَّه يُخْبِرُ به عنه، ولكنَّه لا يدخل في أسمائه الحسنى، وصفاته العلى.
ثالثًا: لا يلزم من الإخبار عنه بالفعل مقيدًا أنْ يشتق منه اسم مطلق؛ كما غلط فيه بعض المتأخرين، فجعل من أسمائه الحسنى "المضل"، و"الفاتن"، "الماكر"، تعالى الله عن قوله؛ فإنَّ هذه الأسماء لم يطلق عليه سبحانه منها إلاَّ أفعال مخصوصة معيَّنة؛ فلا يجوز أنْ يسمَّى بأسمائها المطلقة.
رابعًا: أنَّ الاسم من أسمائه له دلالاتٌ:
(أ) دلالة على الذَّات، والصفة؛ فهذه المطابقة.
(ب) ودلالةٌ على أحدهما، فهي بالتضمن.
(ج) ودلالة على الصفة الأخرى؛ فهي باللزوم.
خامسًا: أسماء الله تعالى الحسنى هي أعلامٌ، وأوصاف، والوصف بها لا ينافي العلمية.
سادسًا: أسماؤه الحسنى لها اعتباران: اعتبارٌ من حيث الذَّات، واعتبارٌ من حيث الصفات، فهي بالاعتبار الأوَّل مترادفة، وبالاعتبار الثاني متباينة.
سابعًا: أنَّ ما يطلق عليه تعالى من باب الأسماء والصفات فهو توقيفي.
وما يطلق عليه من الأخبار لا يجب أنْ يكون توقيفيًّا، كالقديم، والشيء، والموجود، والقائم بنفسه.
ثامنًا: أنَّ الاسم إذا أُطلق عليه، فإنه يجوز أنْ يشتق منه المصدر، والفعل، فيخبر عنه به فعلًا، أو مصدرًا؛ نحو السميع، والبصير، والقدير، يطلق عليه السمع، والبصر، والقدرة، ويخبر عنه بالأفعال من نحو ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ﴾ [المجادلة: ١] و ﴿فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ﴾ [المرسلات: ٢٣].
تاسعًا: أسماؤه تعالى كلها حسنى ليس فيها اسم غير ذلك أصلًا؛ فإنَّ من
стр. 3572
أسمائه ما يطلق عليه باعتبار الفعل؛ نحو الخالق، والرَّازق، وهذا يدل على أنَّ أفعاله كلها خيرٌ محض، لا شرَّ فيها؛ لأنَّه لو فعل الشر لاشتُقَّ منه اسم، ولم تكن كلها حسنى، فالشر ليس إليه، فلا يضاف إليه، لا فعلًا، ولا وصفًا، وإنَّما يدخل في مفعولاته، وفرقٌ بين الفعل والمفعول، فالشر قائمٌ بمفعوله المباين له، لا بفعله الَّذي هو فعله.
فتأمَّل هذا فإنه قد خفي على كثيرٍ من المتكلمين، وزلَّت فيه أقدام، وضلَّت فيه أفهام، وهدى الله أهل الحق لما اختلفوا فيه بإذنه، والله يهدي من يشاء إلى صراطٍ مستقيم.
عاشرًا: أسماء الله الحسنى لا تدخل تحت حصر، ولا تحد بعدد؛ فإنَّ لله تعالى أسماءً وصفات استأثر بها في علم الغيب عنده، لا يعلمها ملكٌ مقرَّبٌ، ولا نبيٌّ مرسل؛ كما في الحديث الصحيح: "أو استأثرت به في علم الغيب عندك" [رواه أحمد (٣٧٠٤)]. أي: انفردت بعلمه.
ومن هذا قول النَّبي ﷺ في حديث الشَّفاعة: "فيفتح الله عليَّ من محامده بما لا أحسنه الآن" [رواه البخاري (٤٤٣٥) ومسلم (١٩٤)].
ومنه قوله ﷺ : "لا أُحصي ثناءً عليك، أنت كما أثنيت على نفسك" [رواه مسلم (٤٨٦)].
حادي عشر: أنَّ أسماء الله تعالى منها: ما يطلق عليه مفردًا، ويكون -أيضًا- مقترنًا بغيرها، وهذا هو غالب الأسماء، كالقدير، والسميع، والبصير، والعزيز، والحكيم، فهذا يسوغ أنْ يدعى به مفردًا أو مقترنًا بغيره.
ومنها: ما لا يطلق عليه بمفرده، بل مقرونًا بمقابله؛ كالمانع، والضار، والمنتقم، فهذا لا يجوز أنْ يفرد عن مقابله، فتقول: المعطي المانع، الضار النَّافع، المنتقم العفو، المعز المذل؛ لأنَّ الكمال في اقتران كل اسمٍ من هذه بما يقابله، لأنَّه يراد به أنَّه المنفرد بالربوبية، وتدبير الخلق، والتصرف فيهم،
стр. 3573
عطاءً ومنعًا، ونفعًا وضرًّا، وعفوًا وانتقامًا، وأمَّا أن تثني عليه بمجرَّد المنع والانتقام فلا يسوغ، فهذه الأسماء المزدوجة تجري الأسماء منها مجرى الاسم الواحد، وإنْ تعددت لم تطلق إلاَّ مقترنة.
ثاني عشر: أنَّ من أسمائه تعالى الحسنى ما يكون دالًّا على عدَّة صفات، ويكون الاسم متناولاً لجميعها؛ كالعظيم، والمجيد، والصمد.
فالعظيم: الَّذي قد كمل في عظمته، والصمد: الَّذي كمل في سؤدده، وهذا ممَّا يخفى على كثيرٍ ممَّن تعاطى الكلام في تفسير الأسماء الحسنى، ففسَّر الاسم بدون معناه الكامل، ونقصه من حيث لا يعلم.
فمن لم يحط بهذا علمًا، بخس الاسم الأعظم حقه، وهضمه معناه، فتدبره.
ثالث عشر: إحصاء الأسماء الحسنى والعلم بها أصلٌ للعلم بكلِّ معلوم، فإنَّ المعلومات إمَّا أنْ تكون خلقًا له، أو أمرًا، فهي إمَّا علم بما كونه، أو علَّم بما شرعه، فالخلق والأمر مرتبطان بالأسماء الحسنى ارتباط المقتضى بمقتضيه؛ لذا صار العلم بها أصلًا لسائر العلوم، فمن أحصى أسماءه كما ينبغي فقد أحصى جميع العلوم؛ لأنَّ المعلومات هي مقتضاها، ومرتبطةٌ بها، وتأمَّل صدور الخلق والأمر عن علمه، وحكمته تعالى؛ فإنَّك لا تجد فيها خللًا ولا تفاوتًا؛ لأنَّ الخلل الواقع فيما يأمر به العبد، أو يفعله؛ إمَّا أنْ يكون لجهله به، أو لعدم حكمته.
وأمَّا الرب فهو العلم الحكيم، فلا يلحق فعله ولا أمره خللٌ ولا تفاوت.
رَّابع عشر: وهي الجامعة لما تقدم.
وذلك معرفة الإلحاد في أسماء الله تعالى حتَّى لا يقع المسلم فيه؛ قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٨٠)﴾ [الأعراف].
стр. 3574
والإلحاد في أسمائه: هو العدول بها، وبحقائقها، ومعانيها، عن الحقِّ الثَّابت لها، وهو مأخوذٌ من الميل؛ كما يدل عليه مادته.
والإلحاد في أسمائه تعالى أنواع:
أحدها: أنْ تسمى الأصنام بها؛ كتسميتهم اللات من الله، والعزَّى من العزيز.
الثاني: نسبته تعالى إلى ما لا يليق بجلاله؛ كنسبة النصارى له ابنًا، ونسبة الفلاسفة له موجبًا بذاته، أو علَّة فاعلة بالطبع.
الثالث: وصفه بما يتعالى عنه ويتقدَّس من النقائص؛ كقول أخبث اليهود: إنَّه فقير، وقولهم: ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ [المائدة: ٦٤].
الرَّابع: تعطيل الأسماء عن معانيها، وجحد حقائقها؛ كقول الجهمية وأتباعهم: إنَّها ألفاظ مجرَّدة، لا تتضمن صفات، ولا معاني، فيقولون: هو السميع، والبصير، ولا سمع، ولا بصر، وهذا من أعظم الإلحاد عقلًا وشرعًا. فكل من جحد شيئًا ممَّا وصف الله به نفسه أو وصفه به رسوله، فقد ألحد في ذلك.
الخامس: تشبيه صفاته بصفات خلقه؛ فهذا الإلحاد في مقابلة إلحاد المعطلة؛ فإنَّ أولئك نفوا صفات كماله، وهؤلاء شبهوها بصفات خلقه، فجمعهم الإلحاد، وتفرقت بهم طرقه، وبرَّأ الله أتباع رسوله عن ذلك، فلم يصفوه إلاَّ بما وصف به نفسه، ولم يجحدوا صفاته، ولم يشبهوها بصفات خلقه، فكان إثباتهم بريئًا من التشبيه، وتنزيههم خاليًا من التعطيل.
وبعد: فهذه قواعد عليك بمعرفتها ومراعاتها، ثمَّ اشرح الأسماء الحسنى إنْ وجدت قلبًا عاقلاً، وإلا فالسكوت أولى بك، فجناب الربوبية أجل ممَّا يخطر بالبال، أو يعبر عنه المقال، والله أعلم.
***
стр. 3575
١١٩٣ - وَعَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ : "مَنْ صُنعَ إِلَيْهِ مَعْرُوفٌ، فَقَالَ لِفَاعِلِهِ: جَزَاكَ الله خَيْرًا، فَقَدْ أَبْلَغَ في الثَّنَاءِ" أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ (١).
ــ
* درجة الحديث:
الحديث حسن.
قال الألباني: قال في الفردوس للديلمي: رواه الترمذي، والنسائي، وابن حبان، عن أُسامة بن زيد، ورمز له السيوطي بالصحة.
قال الترمذي في جامعه: حسنٌ صحيح غريب.
وقد صحَّحه الترمذي وابن حبان، وقال المناوي: إسناده صحيح.
وله شاهد من حديث أبي هريرة، أخرجه الطبراني في الدعاء، وفيه يوسف بن عبيدة، وهو ضعيف.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - فاعل المعروف ابتداءً له فضل ومنَّة على المسدى إليه ذلك المعروف، سواءٌ أكان معروفا ماديًّا، أو معنويًّا؛ لأنَّ الابتداء بالإحسان يدل على نفسٍ كريمةٍ لصاحبه، ومحبَّةٍ للخير والإحسان.
٢ - فمِن حسن الأدب، وكمال المروءة، وطيب المقابلة: أنْ يكافئه المحسَنُ إليه على إحسانه ومعروفه، وأنْ لا يهمله ويتركه؛ فإنَّه من الجفاء، وبلادة الطبع.
٣ - إذا لم يجد المحسَنُ إليه من الأشياء المادية ما يكافىء بها المحسِنَ، فليَدْعُ