ثانيًا: ما يدخل في باب الإخبار عنه تعالى أوسع ممَّا يدخل في باب أسمائه وصفاته؛ كالشيء، والموجود، والقائم بنفسه؛ فإنَّه يُخْبِرُ به عنه، ولكنَّه لا يدخل في أسمائه الحسنى، وصفاته العلى.
ثالثًا: لا يلزم من الإخبار عنه بالفعل مقيدًا أنْ يشتق منه اسم مطلق؛ كما غلط فيه بعض المتأخرين، فجعل من أسمائه الحسنى "المضل"، و"الفاتن"، "الماكر"، تعالى الله عن قوله؛ فإنَّ هذه الأسماء لم يطلق عليه سبحانه منها إلاَّ أفعال مخصوصة معيَّنة؛ فلا يجوز أنْ يسمَّى بأسمائها المطلقة.
رابعًا: أنَّ الاسم من أسمائه له دلالاتٌ:
(أ) دلالة على الذَّات، والصفة؛ فهذه المطابقة.
(ب) ودلالةٌ على أحدهما، فهي بالتضمن.
(ج) ودلالة على الصفة الأخرى؛ فهي باللزوم.
خامسًا: أسماء الله تعالى الحسنى هي أعلامٌ، وأوصاف، والوصف بها لا ينافي العلمية.
سادسًا: أسماؤه الحسنى لها اعتباران: اعتبارٌ من حيث الذَّات، واعتبارٌ من حيث الصفات، فهي بالاعتبار الأوَّل مترادفة، وبالاعتبار الثاني متباينة.
سابعًا: أنَّ ما يطلق عليه تعالى من باب الأسماء والصفات فهو توقيفي.
وما يطلق عليه من الأخبار لا يجب أنْ يكون توقيفيًّا، كالقديم، والشيء، والموجود، والقائم بنفسه.
ثامنًا: أنَّ الاسم إذا أُطلق عليه، فإنه يجوز أنْ يشتق منه المصدر، والفعل، فيخبر عنه به فعلًا، أو مصدرًا؛ نحو السميع، والبصير، والقدير، يطلق عليه السمع، والبصر، والقدرة، ويخبر عنه بالأفعال من نحو ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ﴾ [المجادلة: ١] و ﴿فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ﴾ [المرسلات: ٢٣].
تاسعًا: أسماؤه تعالى كلها حسنى ليس فيها اسم غير ذلك أصلًا؛ فإنَّ من
стр. 3572
أسمائه ما يطلق عليه باعتبار الفعل؛ نحو الخالق، والرَّازق، وهذا يدل على أنَّ أفعاله كلها خيرٌ محض، لا شرَّ فيها؛ لأنَّه لو فعل الشر لاشتُقَّ منه اسم، ولم تكن كلها حسنى، فالشر ليس إليه، فلا يضاف إليه، لا فعلًا، ولا وصفًا، وإنَّما يدخل في مفعولاته، وفرقٌ بين الفعل والمفعول، فالشر قائمٌ بمفعوله المباين له، لا بفعله الَّذي هو فعله.
فتأمَّل هذا فإنه قد خفي على كثيرٍ من المتكلمين، وزلَّت فيه أقدام، وضلَّت فيه أفهام، وهدى الله أهل الحق لما اختلفوا فيه بإذنه، والله يهدي من يشاء إلى صراطٍ مستقيم.
عاشرًا: أسماء الله الحسنى لا تدخل تحت حصر، ولا تحد بعدد؛ فإنَّ لله تعالى أسماءً وصفات استأثر بها في علم الغيب عنده، لا يعلمها ملكٌ مقرَّبٌ، ولا نبيٌّ مرسل؛ كما في الحديث الصحيح: "أو استأثرت به في علم الغيب عندك" [رواه أحمد (٣٧٠٤)]. أي: انفردت بعلمه.
ومن هذا قول النَّبي ﷺ في حديث الشَّفاعة: "فيفتح الله عليَّ من محامده بما لا أحسنه الآن" [رواه البخاري (٤٤٣٥) ومسلم (١٩٤)].
ومنه قوله ﷺ : "لا أُحصي ثناءً عليك، أنت كما أثنيت على نفسك" [رواه مسلم (٤٨٦)].
حادي عشر: أنَّ أسماء الله تعالى منها: ما يطلق عليه مفردًا، ويكون -أيضًا- مقترنًا بغيرها، وهذا هو غالب الأسماء، كالقدير، والسميع، والبصير، والعزيز، والحكيم، فهذا يسوغ أنْ يدعى به مفردًا أو مقترنًا بغيره.
ومنها: ما لا يطلق عليه بمفرده، بل مقرونًا بمقابله؛ كالمانع، والضار، والمنتقم، فهذا لا يجوز أنْ يفرد عن مقابله، فتقول: المعطي المانع، الضار النَّافع، المنتقم العفو، المعز المذل؛ لأنَّ الكمال في اقتران كل اسمٍ من هذه بما يقابله، لأنَّه يراد به أنَّه المنفرد بالربوبية، وتدبير الخلق، والتصرف فيهم،
стр. 3573
عطاءً ومنعًا، ونفعًا وضرًّا، وعفوًا وانتقامًا، وأمَّا أن تثني عليه بمجرَّد المنع والانتقام فلا يسوغ، فهذه الأسماء المزدوجة تجري الأسماء منها مجرى الاسم الواحد، وإنْ تعددت لم تطلق إلاَّ مقترنة.
ثاني عشر: أنَّ من أسمائه تعالى الحسنى ما يكون دالًّا على عدَّة صفات، ويكون الاسم متناولاً لجميعها؛ كالعظيم، والمجيد، والصمد.
فالعظيم: الَّذي قد كمل في عظمته، والصمد: الَّذي كمل في سؤدده، وهذا ممَّا يخفى على كثيرٍ ممَّن تعاطى الكلام في تفسير الأسماء الحسنى، ففسَّر الاسم بدون معناه الكامل، ونقصه من حيث لا يعلم.
فمن لم يحط بهذا علمًا، بخس الاسم الأعظم حقه، وهضمه معناه، فتدبره.
ثالث عشر: إحصاء الأسماء الحسنى والعلم بها أصلٌ للعلم بكلِّ معلوم، فإنَّ المعلومات إمَّا أنْ تكون خلقًا له، أو أمرًا، فهي إمَّا علم بما كونه، أو علَّم بما شرعه، فالخلق والأمر مرتبطان بالأسماء الحسنى ارتباط المقتضى بمقتضيه؛ لذا صار العلم بها أصلًا لسائر العلوم، فمن أحصى أسماءه كما ينبغي فقد أحصى جميع العلوم؛ لأنَّ المعلومات هي مقتضاها، ومرتبطةٌ بها، وتأمَّل صدور الخلق والأمر عن علمه، وحكمته تعالى؛ فإنَّك لا تجد فيها خللًا ولا تفاوتًا؛ لأنَّ الخلل الواقع فيما يأمر به العبد، أو يفعله؛ إمَّا أنْ يكون لجهله به، أو لعدم حكمته.
وأمَّا الرب فهو العلم الحكيم، فلا يلحق فعله ولا أمره خللٌ ولا تفاوت.
رَّابع عشر: وهي الجامعة لما تقدم.
وذلك معرفة الإلحاد في أسماء الله تعالى حتَّى لا يقع المسلم فيه؛ قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٨٠)﴾ [الأعراف].
стр. 3574
والإلحاد في أسمائه: هو العدول بها، وبحقائقها، ومعانيها، عن الحقِّ الثَّابت لها، وهو مأخوذٌ من الميل؛ كما يدل عليه مادته.
والإلحاد في أسمائه تعالى أنواع:
أحدها: أنْ تسمى الأصنام بها؛ كتسميتهم اللات من الله، والعزَّى من العزيز.
الثاني: نسبته تعالى إلى ما لا يليق بجلاله؛ كنسبة النصارى له ابنًا، ونسبة الفلاسفة له موجبًا بذاته، أو علَّة فاعلة بالطبع.
الثالث: وصفه بما يتعالى عنه ويتقدَّس من النقائص؛ كقول أخبث اليهود: إنَّه فقير، وقولهم: ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ [المائدة: ٦٤].
الرَّابع: تعطيل الأسماء عن معانيها، وجحد حقائقها؛ كقول الجهمية وأتباعهم: إنَّها ألفاظ مجرَّدة، لا تتضمن صفات، ولا معاني، فيقولون: هو السميع، والبصير، ولا سمع، ولا بصر، وهذا من أعظم الإلحاد عقلًا وشرعًا. فكل من جحد شيئًا ممَّا وصف الله به نفسه أو وصفه به رسوله، فقد ألحد في ذلك.
الخامس: تشبيه صفاته بصفات خلقه؛ فهذا الإلحاد في مقابلة إلحاد المعطلة؛ فإنَّ أولئك نفوا صفات كماله، وهؤلاء شبهوها بصفات خلقه، فجمعهم الإلحاد، وتفرقت بهم طرقه، وبرَّأ الله أتباع رسوله عن ذلك، فلم يصفوه إلاَّ بما وصف به نفسه، ولم يجحدوا صفاته، ولم يشبهوها بصفات خلقه، فكان إثباتهم بريئًا من التشبيه، وتنزيههم خاليًا من التعطيل.
وبعد: فهذه قواعد عليك بمعرفتها ومراعاتها، ثمَّ اشرح الأسماء الحسنى إنْ وجدت قلبًا عاقلاً، وإلا فالسكوت أولى بك، فجناب الربوبية أجل ممَّا يخطر بالبال، أو يعبر عنه المقال، والله أعلم.
***
стр. 3575
١١٩٣ - وَعَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ : "مَنْ صُنعَ إِلَيْهِ مَعْرُوفٌ، فَقَالَ لِفَاعِلِهِ: جَزَاكَ الله خَيْرًا، فَقَدْ أَبْلَغَ في الثَّنَاءِ" أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ (١).
ــ
* درجة الحديث:
الحديث حسن.
قال الألباني: قال في الفردوس للديلمي: رواه الترمذي، والنسائي، وابن حبان، عن أُسامة بن زيد، ورمز له السيوطي بالصحة.
قال الترمذي في جامعه: حسنٌ صحيح غريب.
وقد صحَّحه الترمذي وابن حبان، وقال المناوي: إسناده صحيح.
وله شاهد من حديث أبي هريرة، أخرجه الطبراني في الدعاء، وفيه يوسف بن عبيدة، وهو ضعيف.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - فاعل المعروف ابتداءً له فضل ومنَّة على المسدى إليه ذلك المعروف، سواءٌ أكان معروفا ماديًّا، أو معنويًّا؛ لأنَّ الابتداء بالإحسان يدل على نفسٍ كريمةٍ لصاحبه، ومحبَّةٍ للخير والإحسان.
٢ - فمِن حسن الأدب، وكمال المروءة، وطيب المقابلة: أنْ يكافئه المحسَنُ إليه على إحسانه ومعروفه، وأنْ لا يهمله ويتركه؛ فإنَّه من الجفاء، وبلادة الطبع.
٣ - إذا لم يجد المحسَنُ إليه من الأشياء المادية ما يكافىء بها المحسِنَ، فليَدْعُ
стр. 3576
له، وليشكُرْهُ، ومن أفضل ألفاظ الدعاء والشكر قوله: "جزاك الله خيرًا" فإنَّ هذا أبلغ الثناء؛ ذلك أنَّ الجزاء إذا كان من الله تعالى كان عظيمًا؛ فإنَّ جزاء الله وعطاءه لا نهاية له، ولفظ "الخير" كلمة طيبة تشمل خيري الدنيا والآخرة.
٤ - وإذا كان مكافأة المخلوق المحسن مستحبة وجميلة، وهو ليس له من المعروف والإحسان إلاَّ أنَّه سبب، وإنَّما المعطي هو الله تعالى، فكيف يكون وجوب شكر المنعم الأوَّل، وصاحبِ النعم العظمى والهبات الكبرى, الَّذي لا ينقطع مدده، ولا يتوقف إحسانه.
فالواجب أنْ يكون دائم الشكر لله تعالى على إحسانه وامتنانه؛ قال تعالى: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ (٧)﴾ [إبراهيم: ٧]، والمراد هنا كفر النعم وجحدها، بعدم أداء الشكر فيها، اعتقادًا، وقولًا، وعملًا، والله الموفق.
***
стр. 3577
باب النذر
مقدمة
النذر لغةً: مصدر نذرتُ أَنذُر، بضم الذَّال وكسرها، فأنا ناذر، أي: أوجبتُ على نفسي شيئًا لم يكن واجبًا عليَّ.
وشرعًا: هو إلزامُ مكلفٍ مختارٍ نفسَه لله تعالى شيئًا غير لازم بأصل الشرع، بكلِّ قولٍ يدل عليه، ولو كان من كافر لعبادة فيصح.
والنذر مكروه، ولو عبادةً، والوفاء به بشروطه: واجب.
والنذر المنعقد ستَّة أقسام:
١ - النذر المطلق: كقوله: لله عليَّ نذر، ولم يسم شيئًا, ولله عليَّ نذر إنْ فعلت كذا، وفعله، فيلزمه كفَّارة يمين.
٢ - نذر اللجاج والغضب: وهو تعليق نذر بشرط يقصد منه المنع، أو الحمل عليه؛ فيخير بين فعل ما نذره، وبين كفَّارة يمين.
٣ - نذر فعل مباح: كقوله: لله عليَّ أن ألبس ثوبي ونحوه؛ فيُخيَّر أيضًا بين فعله وكفَّارة يمين.
٤ - نذر المكروه: كنذر الطلاق ونحوه؛ فيسن أنْ يكفِّر ولا يفعله.
٥ - نذر المعصية: كنذر القتل؛ فيحرم الوفاء به، ويكفر كفَّارة يمين.
٦ - نذر التبرر: كالصلاة والصوم ونحوه بقصد التقرب إلى الله مطلقًا، أو أنْ يعلق نذره بحصول نعمةٍ، أو دفع نقمة؛ فيلزمه الوفاء به إذا وجد شرطه.
قال شيخ الإِسلام ابن تيمية: النذر للقبور، أو لأهل القبور، أو للشيخ فلان: نذر معصية، لا يجوز الوفاء به.
стр. 3578
١١٩٤ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : "أنَّه نَهَى عَنِ النَّذْرِ، وَقَالَ: إِنَّه لاَ يأْتِي بخيرٍ، وَإِنَّمَا يُسْتَخْرَجُ بِهِ مِنَ البَخِيلِ" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١).
ــ
* مفردات الحديث:
- لا يأتي بخير: أي أنَّ عقباه لا تُحْمَد، وقد يتعذَّر الوفاء به.
- يُستخرج به من البخيل: يعني أنَّ البخيل لا يُخرج الصدقة، ولا يقدم على الإحسان إلاَّ بأمرٍ يكون لازمًا عليه، والنَّذر يضطره إلى ذلك.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - النَّهي عن النَّذر، والنَّهي يقتضي التحريم، والَّذي صرفه عن التحريم إلى الكراهة هو مدح الموفين به.
قال في الاختيارات: توقف أبو العباس في تحريم النذر، وحرَّمه طائفةٌ من أهل الحديث.
وقد أجمع العلماء على الوفاء به.
٢ - العلَّة في النَّهي عنه هو: "أنَّه لا يأتي بخيرٍ، وإنَّما يستخرج به من البخيل"، الَّذي غايته القيام بالواجب بأصل الشرع، ويثقل عليه ما عداه من فضائل الأعمال.
٣ - وممَّا يجعل النَّذر مكروهًا هو أنَّ النَّاذر يشارط الله تعالى، ويعاوضه على أنَّه إنْ حصل له مطلوبه، أو زال عنه ما يكرهُ، قام بالعبادة التي نذرها، وإلاَّ لم يقم بها، والله تعالى غنيٌّ عن العباد، وعن طاعاتهم.
стр. 3579
٤ - النَّذر لا يرد من قضاء الله شيئًا, ولكن رُبَّما لو صادف أنَّ النذر وافق حصول مطلوب، أو دفع مكروه، ظنَّ النَّاذر أنَّ هذا بسبب نذره الَّذي علق القيام به على حصول مطلوبه، أو دفع مكروهه.
٥ - المسلم في سعة، فإذا نذر عبادة من العبادات، أوجب على نفسه ما لم يوجبه الله تعالى عليه، وقد يقصِّر في أدائها، فيلحقه الإثم.
٦ - الله تعالى قدَّر الواجبات على العباد بقدر يسهل عليهم أداؤه، وجعل الزَّائد نوافل حتى لا يثقل على الناس العبادات.
وهذا بابٌ واسعٌ، من تتبَّعه، عرف أنَّ العبد إذا أولج نفسه فيما لم يوجبه الله عليه، كان معرَّضًا لعدم الوفاء، وأنَّه لا يفي بما ألزم به نفسه إلاَّ القليل؛ وذلك لتقصير النَّفس، وتثبيط الشيطان له، وقد أشار الله تعالى إلى القليل الموفين بعهده؛ فقال: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب].
٧ - باب النَّذر من غرائب مسائل العلم؛ لأنَّ عقده مكروه، والوفاء به واجب، والأصل أنَّ الوسائل لها أحكام المقاصد، ولكن الحكمة ظاهرة في ذلك.
٨ - النَّذر المكروه هو ما كان لطاعة الله، فأمَّا النذر للموتى، وللقبور، والطواغيت، والشياطين، وغيرهم، فهذا هو الشرك، نعوذ بالله تعالى من غضبه، وأسباب غضبه.
٩ - قال شيخ الإِسلام: ما وجب بأصل الشرع إذا نذره العبد، أو عاهد، أو بايع عليه الإِمام، يكون وجوبه من وجهين، ويكون تركه موجبًا لترك الواجب بالشرع، والواجب بالنذر، بحيث يستحق تاركه من العقوبة ما يستحقه ناقض العهود والمواثيق، وما يستحقه عاصي الله ورسوله، وهذا هو التحقيق، ونصَّ عليه أحمد، وقاله طائفة من العلماء.
***
стр. 3580
١١٩٥ - وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ : "كَفَّارَةُ النَّذْرِ كفَّارَةُ يَمِينٍ" رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَزَادَ التِّرْمِذِيُّ فِيهِ: "إِذَا لَمْ يُسَمِّهِ" وَصَحَّحَهُ (١).
وَلأَبِي دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا: "مَنْ نَذَرَ نَذْرًا لَمْ يُسَمَّ، فَكَفَّارَتُهُ كفَّارَةُ يَمِينٍ، وَمَنْ نَذَرَ نَذْرًا في مَعْصِيةٍ، فَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ، وَمَنْ نَذَرَ نَذْرًا لاَ يُطِيقُهُ، فَكَفَّارَتُهُ كفَّارَةُ يَمِينٍ"، وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ، إِلاَّ أَنَّ الحُفَّاظَ رَجَّحُوا وَقْفَهُ (٢).
وَلِلبُخَارِيِّ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ: "وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَ الله، فَلا يَعْصِهِ" (٣).
وَلِمُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ عِمْرَانَ: "لاَ وَفَاءَ لِنَدْرٍ في مَعْصِيةٍ" (٤)
ــ
* درجة الحديث:
الزيادات التي ليست في الصحيحين، بيَّن الحافظ ابن حجر درجتها.
* مفردات الحديث:
- نذر: نذر ينذر من باب ضرب، وقال في المصباح: الصواب أنَّه من باب قتل.
стр. 3581
النذر لغة: الإيجاب.
وشرعًا: إلزام مكلف مختارٍ نفسَهُ لله تعالى شيئًا.
- كَفَّارة: على وزن فعالة بالتشديد، من الكفر، وهو التغطية، سميت بذلك؛ لأنَّها تكفِّر الذنب، أي: تستره، واصطلاحًا: ما يكفر به؛ من عتقٍ، أو صومٍ، أو صدقةٍ.
* ما يؤخذ من الحديث:
في الحديث بيان أنواع النذور:
أحدها: أنَّ ينذر نذرًا مطلقًا، كأنْ يقول: لله عليَّ نذرٌ، ولم يسم شيئًا، أو لله عليَّ نذر إنْ فعلت كذا، وفعله، فهذا يجب عليه في حنثه كفَّارة يمين.
الثاني: أنْ ينذر فعل معصية من المعاصي، أو ترك واجب من الواجبات عليه، فهذا يجب عليه الحنث؛ لحديث: "من نذر أنْ يعصي الله، فلا يعصه"، وعليه كفَّارة يمين.
قال في المقنع: ويحتمل أنْ لا ينعقد النذر المباح، ولا المعصية، ولا يجب به كفارة، وجزم به الموفَّق في العمدة، وهو مذهب مالك والشافعي؛ لقوله ﷺ : "لا نذر في معصية الله، ولا فيما لا يملك العبد" [رواه مسلم (١٦٤١)]. ولقوله ﷺ : "لاَ نَذْرَ إلاَّ فِيمَا ابتغي به وجه الله" [رواه أبو داود (٢١٩٠)].
قال الإِمام مالك: لم أسمع أنَّ رسول الله ﷺ أمر ناذر المعصية، أو تارك الطاعة بكفارة.
وذكر الوزير: أنَّه مذهب الأئمة الثلاثة، واختاره الشيخ تقي الدِّين.
الثالث: أن ينذر نذرًا لا يطيقه ويشق عليه مشقَّة كبيرة؛ من عبادة بدنية مستمرة، أو نفقات من ماله باهظة، فعليه كفارة يمين؛ فقد أخرج البيهقي عن عائشة ﵂ في رجلٍ جعل ماله للمساكين صدقة، فقالت: "كفارة يمين".
стр. 3582
وقال الأثرم بسنده إلى عكرمة، عن ابن عباس: سُئِل عن رجل جعل ماله في المساكين؟ فقال: أمسِكْ عليك مالك، وكفِّر عن يمينك.
وقال شيخ الإِسلام: لو نذر عبادةً مكروهةً؛ مثل قيام الليل كله، أو صيام الدهر كله، لم يجب الوفاء بهذا النَّذر، وعليه كفَّارة يمين.
وقالت الهيئة الدَّائمة في دار الإفتاء؛ لأنَّ نذر الطَّاعة عبادةٌ من العبادات مدح الله الموفين به؛ فقال: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ [الإنسان: ٧]، فإنْ نذر العبادات المكروهة فيكره؛ لأنَّه معصية، ولا وفاء بالنذر بها.
الرَّابع: نذر التبرر؛ كالصلاة، والصوم، والحج، والعمرة، بقصد التقرب إلى الله تعالى، فيلزم الوفاء، سواءٌ نذره نذرًا مطلقا، أو علَّقه على حصول نعمة، أو اندفاع نقمة؛ كقوله: إنْ شَفَى الله مريضي، أو سَلِمَ مَالِي الغائب، ونحوه، فعليه كذا، أو حلف بقصد التقرب، كقوله؛ إنْ سلم مالي لأتصدقنَّ بكذا، فيلزمه الوفاء به إذا وُجِدَ شرطه.
***
стр. 3583
١١٩٦ - وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ﵁ قَالَ: "نَذَرَتْ أُخْتِي أَنْ تَمْشِيَ إِلَى بَيْتِ اللهِ حَافِيَةً، فَأَمَرَتْنِي أَنْ أَسْتَفْتِيَ لَهَا رَسُولَ اللهِ ﷺ ، فَاسْتَفْتَيْتُهُ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : لِتَمْشِ وَلْتَرْكَبْ" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَالَّلفْظُ لِمُسْلِمٍ.
وَلأحْمَدَ وَالأرْبَعَةِ: "فَقَالَ: إِنَّ اللهَ تَعَالَى لاَ يَصْنعُ بِشَقَاءِ أُخْتِكَ شَيْئًا، مُرْهَا فَلْتَخْتَمِرْ، وَلْتَرْكَبْ، وَلْتَصُمْ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ" (١).
ــ
* درجة الحديث:
رواية أحمد، والأربعة: قال عنها الترمذي: إنَّه حديثٌ حسنٌ صحيح، لكن قال المنذري: في إسناده عبيد الله بن زحر، وقد تكلَّم فيه غير واحد.
وقال عنه ابن حجر في التقريب: صدوقٌ يخطىء؛ لكن ذكر هذه الرواية ابن حجر في الفتح في زيادات الباب ممَّا يدل على حسنها، والله أعلم.
* مفردات الحديث:
- حافية: قال في المحيط: حَفِيَ الرَّجل يحفى حفًى: رقَّت قدمه من كثرة المشي، أو هو المشي بلا خف ولا فعل، فهو حافٍ، وهي حافية.
- شقاء: يُقال: شقي يشقى شقاءً، والشقاء: الشدَّة والعسرة.
- تختمر: يُقال: اختمرت المرأة، أي: لبست الخمار، والخمار ما تغطي به المرأة رأسها ووجهها، وجمع الخمار: خُمُر.
стр. 3584
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - يدل الحديث على أنَّ من نذر الحج أو العمرة ماشيًا أنَّه لا يلزمه الوفاء بنذره، وإنَّما له أنْ يمشي طاقته، ويركب ما شاء، وأنَّ عليه كفَّارة يمين.
٢ - أنَّ النَّذر فيما يشق على العبد من الأعمال والطاعات مكروه، وإذا وقع من العبد فلا يلزم به، ومذهب الإِمام أحمد: أنَّ على النَّاذر كفَّارة يمين؛ لعدم الوفاء بنذره، ومذهب الأئمة الثلاثة: أنه لا يجب عليه كفَّارة.
٣ - جاء في رواية أحمد (٢٨٢٤) وأبي داود (٣٢٩٥) من هذا الحديث: "ولتكفِّر عن يمينها"، ورواية الباب: "ولتصم ثلاثة أيَّام"، ولأحمد أيضًا: "ولتهد بدنة"، لكن قال البخاري: لا يصح الهدي، ولم يجىء في الأحاديث الصحيحة كفَّارة لما ليس بطاعة.
٤ - أما كفَّارة اليمين، فقال تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ﴾ [المائدة: ٨٩]:
قال في شرح الإقناع وغيره مستدلين بهذه الآية: يخير من لزمته الكفارة بين ثلاثة أشياء:
- إطعام عشرة مساكين.
- كسوة عشرة مساكين.
- تحرير رقبة مؤمنة.
فإنْ لم يجد بأنْ عجز عن العتق، والإطعام، والكسوة، فصيام ثلاثة أيَّام، ولا ينتقل المكفِّر إلى الصوم إلاَّ إذا عجز؛ للآية.
٥ - قال في شرح الإقناع: ويجوز أنْ يطعم بعضًا من العشرة، ويكسو بعضًا منهم. وتجب كفَّارة يمين ونذر على الفور إذا حنث، لأنَّهُ الأصل في الأمر المطلق.
стр. 3585
١١٠٧ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: "اسْتَفْتَى سَعْدُ بْنُ عُباَدَةَ رَسُولَ اللهِ ﷺ في نَذْرٍ كانَ عَلى أُمِّهِ، تُوفِّيَتْ قَبْلَ أنْ تَقْضِيَهُ؟ فَقَالَ: اقْضِهِ عَنْهَا" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١).
ــ
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - أنَّ الوفاء بالنَّذر عبادة يجب أداؤها، وقد أثنى الله تعالى على الموفين بالنَّذر في عدَّة آياتٍ كريمات.
٢ - أنَّ من مات وعليه نذر طاعة، شُرِعَ لوارثه أنْ يقضيه عنه.
٣ - النَّذر الَّذي على أمِّ سعد بن عبادة قيل: كان صومًا، وقيل: عتقًا، وقيل: صدقة، وقيل: نذرًا مطلقًا.
وكلٌّ من هذه الأقوال استدل أصحابها عليها بحديث، ولكن قال القاضي عياض: الَّذي يظهر أنَّه كان نذرها في مال ابنها.
وقال ابن حجر: بل الظَّاهر أنه كان معينًا من سعد.
٤ - في الحديث مشروعية بر الوالدين، وأنَّ من أعظم البر وفاء ما عليهما من الديون، والحقوق، والواجبات، سواءٌ أكانت لله تعالى، أو للآدميين.
٥ - الحديث من الأدلة على أنَّ الميت يلحقه ما يفعل له من الأعمال الصَّالحة من عتقٍ، أو صدقةٍ، أو صيام، أو غير ذلك؛ وَهَذا بين في قوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى﴾ [النجم]. فقد قال ابن القيم: إنَّ القرآن لم ينف انتفاع الرجل بسعي غيره، وإنَّما نفى ملكه لغير سعيه، وأمَّا سعي غيره فهو ملك لساعيه، فإنْ شاء أنْ يبذله لغيره، وإنْ شاء أنْ يبقيه لنفسه، وهو تعالى لم
стр. 3586
يقل: لا ينتفع إلاَّ بما سعى، وكان شيخنا -ابن تيمية- يختار هذه الطريقة، ويرجحها.
* خلاف العلماء:
اختلف العلماء في قضاء الصوم عن الميت على ثلاثة أقوال:
أحدها: لا يقضى عنه بحال؛ وهو مذهب الأئمة الثلاثة.
الثاني: يُقضى عنه النَّذر والواجب بأصل الشرع؛ وهو مذهب أحمد.
الثالث: أنَّه يقضى عنه النَّذر دون الواجب بأصل الشرع، وهو مذهب أهل الحديث، ونصره ابن حزم والبيهقي، واختاره الشيخ عبد الرحمن السعدي؛ لحديث: "من مات وعليه صيامٌ، صامَ عنه وليه" متفق عليه.
وهل يجب قضاء نذر الصوم عن الميت، في ذلك ثلاثة أقوال:
- جمهور العلماء: يرون أنَّ قضاءه عن الميت من وارثه مستحب.
- والظاهرية: أوجبوا القضاء؛ عملًا بحديث سعد بن عبادة.
- الحنابلة: قالوا: إنْ كان الميت خلَّف تركة وجب القضاء، وإلاَّ فهو مستحب، وقالوا: إنْ صامَ غير الوارث، أجزأه.
قال فقهاؤنا: وإنْ مات وعليه صوم نذرٍ، أو حج نذر، أو اعتكاف نذر، أو صلاة نذر، استُحب لوليه قضاؤه؛ لأنَّ النيابة تدخل العبادة بحسب خفتها، والنَّذر أخفُّ حكمًا من الواجب بأصل الشرع.
وإنْ خلَّف تركةً، وجب فعل النَّذر، فيفعله الولي، أو يدفع إلى من يفعله عنه.
وهذا كله فيمن أمكنه فعل ما تقدَّم بأنْ مضى وقتٌ يتسع لفعله قبل موته فلم يفعله، فليفعله عنه؛ لثبوته في ذمته لقضاء الدَّين من تركته.
فإنْ لم يخلف النَّاذر تركةً، لم يلزم الولي شيءٌ اتفاقًا، لكن يسن فعله عنه؛ لتفرغ ذمته.
والولي هو الوارث، قال النووي: الولي: القريب عصبةً أو نسبًا، وارثًا أو غير وارث.
стр. 3587
١١٩٨ - وَعَنْ ثَابِتِ بْنِ الضَّحَّاكِ ﵁ قَالَ: "نَذَرَ رَجُلٌ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنْ يَنْحَرَ إِبِلاً بِبُوَانَةً، فَأتى رَسولَ اللهِ ﷺ ، فَسَأَلَهُ؟ فَقَالَ: هَلْ كَانَ فِيهَا وَثَنٌ يُعْبَدُ؟ قَالَ: لا، قَالَ: فَهَلْ كَانَ فِيهَا عِيدٌ مِنْ أَعْيَادِهِمْ؟ قَالَ: لاَ، فَقَالَ: أَوْفِ بِنَذْرِكَ، فَإِنَّهُ لاَ وَفَاءَ لِنَذْرٍ في مَعْصيَةِ اللهِ، وَلاَ في قَطِيعَةِ رَحِمٍ، وَلاَ فِيمَا لاَ يَمْلِكُ ابْنُ آدَمَ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالطَّبَرَانِيُّ، وَالَّلفْظُ لَهُ، وَهُوَ صَحيحُ الإِسْنَادِ (١).
وَلَهُ شاهِدٌ مِنْ حَدِيثِ كَرْدَم عِنْدَ أَحْمَدَ (٢).
ــ
* درجة الحديث:
الحديث صحيح.
قال في التلخيص: رواه أبو داود من حديث ثابت بن الضحاك بسندٍ صحيح، ومن حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدِّه، وسمَّى الموضع "بُوَانَة" ورواه ابن ماجة من حديث ابن عباس.
وقال شيخ الإِسلام ابن تيمية في اقتضاء الصراط المستقيم: أصل هذا الحديث في الصحيحين، وهذا الإسناد على شرطهما، ورجال إسناده كلهم ثقات مشاهير، وهو متصلٌ بلا عنعنة.
قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله تعالى- في كتاب التوحيد: رواه أبو داود، وإسناده على شرطهما.
стр. 3588
قال ابن عبد الهادي: رجال سنده رجال الصحيحين.
* مفردات الحديث:
- بُوَانة: بضم الباء، وتخفيف الواو، ثُمَّ نون، وهاء، هَضبةٌ وراء ينبع، قريبةٌ من ساحل البحر الأحمر.
- وَثَن: بفتح الواو، والثَّاء المثلثة، هو التمثال يُعبَد، سواءٌ كان من نحاسٍ، أو ذهبٍ، أو فِضَّةٍ، أو حجرٍ، أو خشبٍ، أو غير ذلك.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - الحديث يدل على أصل النَّذر، وانعقاده، ولزومه إذا قصد بعقده، والوفاء به وجه الله تعالى.
٢ - أنَّ من المحاذير التي يجب اجتنابها مشابهةَ الكفَّار في عباداتهم وأعيادهم، ووجوب البعد عن الأمكنة التي يقيمون فيها لهم عيدًا؛ فإن هذا يُفضي إلى تشابه عبادة المسلمين وأعيادهم بعبادة الكفَّار وأعيادهم، فإذا كان في عقد النَّذر أو الوفاء به شائبة من ذلك، فإنه لا يجوز عقده، وإذا عقد فيحرم الوفاء به.
٣ - في الحديث أنَّ تخصيص النَّذر ببقعةٍ جائزٌ، إذا خلا من الموانع الشرعية، التي منها أنْ يكون في البقعة صنمٌ، أو قبرٌ، أو يُقام فيها أعيادٌ للكفَّار، ونحوه من وسائل الشرك بالله تعالى وأسبابه، فإنْ كان فيها شيءٌ من ذلك، فلا يجوز الوفاء بما نذر في تلك البقعة؛ لأنَّه نذر معصية.
٤ - وفي الحديث التحذير من مشابهة الكفَّار في أعيادهم، وأمكنة عبادتهم.
قال شيخ الإِسلام: العيد اسمٌ لما يصدر من الاجتماع العام على وجهٍ معتاد، إمَّا بالسَّنَة، أو الأسبوع، أو الشَّهر، أو نحو ذلك، وقد يختص العيد بمكان يعينه، فكلٌّ مِن هذه الأمور قد يُسمَّى عيدًا، وقد يكون لفظ العيد اسمًا لمجموع اليوم والعمل فيه، وهو الغالب.
стр. 3589
٥ - قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب: إنَّ المعصية قد تؤثر في الأرض، وكذا الطَّاعة، وإنَّ تخصيص بقعة بالنَّذر لا بأس به، إذا خلا من الموانع.
وإنَّ من المانع أنْ يكون فيه عيدٌ من أعيادهم، ولو بعد زواله، أو يكون فيه وثنٌ من أوثان الجاهلية، ولو بعد زواله، فإنْ كان فيه شيءٌ من ذلك، فإنه لا يجوز الوفاء بما نذَرَ في تلك البقعة؛ لأنَّه نذر معصية.
٦ - وقال الشيخ محمد -أيضًا-: وفي الحديث الحذر من مشابهة المشركين في أعيادهم، ولو لم يقصده.
وقال الشيخ عبد الرحمن بن حسن: وفيه المنع من اتخاذ آثار المشركين محلاًّ للعبادة؛ لكونها صارت محلاًّ لما حرَّم الله من الشركِ والمعاصي، والحديث -وإنْ كان في النَّذر- فيشمل كلَّ ما كانَ عبادة، فلا تُفعَل في هذه الأماكن الخبيثةِ.
٧ - قوله: "أَوف بنذرك" قال شيخ الإِسلام: فهذا يدل على أنَّ الذَّبحَ بمكانِ عيدهم، ومحل أوثانهم معصيةٌ لله من وجوه:
أحدها: أنَّ قوله: "أوفِ بنذرك" تعليقٌ للوصف بالحكم بحرف الفاء، وذلك يدل على أنَّ الوصف هو سبب الحكم، فيكون سبب الأمر بالوفاءِ، ولو لم يكن معصية، لجاز الوفاء به.
الثاني: أنَّه عقب ذلك بقوله: "لا وفاء لنذرٍ في معصية الله"، ولولا اندراج الصورة المسؤول عنها في هذا الَّلفظ العام، وإلاَّ لم يكن في الكلام ارتباط المنذور، وإنْ لم يكن معصية، لكن لما مسألة عن الصورتين قال له: "أوف بنذرك" يعني: حيث ليس هناكَ ما يوجب تحريم الذبح هناك، فكان جوابه ﷺ فيه أمرٌ بالوفاء عند الخلو من هذا، ونهي عنه عند وجود هذا.
الثالث: أنَّه لو كان الذَّبح في موضع العيد جائزًا، لسوَّغ ﷺ للنَّاذر الوفاء به، كما سوَّغ لمن نذرت الضرب بالدف أنْ تضرب به، بل لأوجب الوفاء به
стр. 3590
إذ كان الوفاء بالمكان المنذور واجبًا.
٨ - وقال الشيخ تقي الدِّين -أيضًا-: وإذا كان الشَّارع قد حسم مادة أعياد أهل الأوثان خشية أنْ يدنَّس المسلم بشيءٍ ما، فالخشية من تَدَنُّسِهِ بأوصاف الكتابيين أشد، والنَّهي عنه أكثر.
وقال: ومعلومٌ أنَّه لولا نهيه ﷺ ومنعه، لَمَا ترك النَّاس تلك الأعياد؛ لأنَّ المقتضي لها قائمٌ من جهة الطبيعة التي تحب ما يُصنَع في الأعياد، خصوصًا أعياد الباطل من اللعب والَّلذات، فلولا المانع القوي، لما درست تلك الأعياد.
٩ - لذا فالواجب على المسلمين الَّذي بُلُوا بمجاورة الكفَّارِ من كتابيين وغيرهم، أنْ يحذروا من مشاركتهم في أعيادهم -المعروفة- وأنْ لا يبادلوهم التَّهاني، أو أنْ يهدوا إليهم، أو يبيعوا لهم شيئًا ممَّا يجعلونه في تلك الأعياد من المأكولات والزهور، أو نقلهم إلى أماكنهم بالسيارات أو غيرها، فإنَّ هذه المشاركة هي إعانةٌ ورضا بأعيادهم الشركية، والإِسلام ينهى أشد النَّهي عن ذلك، فمن فعل ذلك فقد أضاع دينه، وباعه بثمنٍ بخسٍ من متاع الحياة الدنيا، وويلٌ لهم ممَّا يكسبون.
١٠ - قال الشيخ حامد الفقي: الأعياد التي يسميها أهل العصر "الموالد"، أو يسمونها الذكريات لمعظِّميهم من مُدِّعي الأولياء وغيرهم، ولحوادث يزعمون أنَّها كان لها شأنٌ في حياتهم من ولادة ولد، أو تولي ملك، أو رئيس، أو نحو ذلك، فكل ذلك إنَّما هو إحياءٌ لسننِ الجاهلية، وإماتة لشرائع الإِسلام، وإنْ كَانَ أكثر النَّاس لا يشعرون بذلك؛ لشدَّة استحكام ظُلْمَة الجاهلية على قلوبهم، ولا ينفعهم ذلك الجهل عذرًا، بل هو الجريمة كل الجريمة التي تولد عنها كل الجرائم، من الكفر، والفسوق، والعصيان.
١١ - ويدل الحديث على أنَّ من نذر أنْ يعصيَ اللهَ تعالى بفعل محرَّمٍ، أو ترك واجبٍ؛ كقطيعة رحمٍ، أو نذر على حق غيره، فهذا نذرٌ لاغٍ لا ينعقد، ولا
стр. 3591
كفَّارة فيه عند طائفةٍ من العلماء.
قال في المقنع: ويحتمل أنْ لا ينعقد النَّذر المباح، ولا المعصية، ولا يجب به كفَّارة، وجزم به الموفق في العمدة، وهو مذهب مالك والشَّافعي.
***
стр. 3592
١١٩٩ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ أَنَّ رَجُلاً قَالَ يَوْمَ الْفَتْحِ: "يَا رَسُولَ اللهِ! إِنِّي نَذَرْتُ إِنْ فَتَحَ اللهُ عَلَيْكَ مَكَّةَ أَنْ أُصَلِّيَ فِي بيْتِ المَقْدِس، فَقَالَ: صَلِّ هَاهُنَا، فَسَأَلَهُ، فَقَالَ: صَلِّ هَاهُنَا، فَسَأَلَهُ، فَقَالَ: فَشَأْنَكَ إِذًا" رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ (١).
ــ
* درجة الحديث:
الحديث صحيح.
قال المصنِّف: رواه أحمد، وأبو داود، وصحَّحه الحاكم، ووافقه الذهبي، وصحَّحه ابن دقيق العيد.
* مفردات الحديث:
- شأنك: منصوبٌ على أنَّه مفعولٌ به، أي: الزم شأنَك.
- إذًا: جواب وجزاء، أي: إذا أَبَيْتَ أنْ تُصلِّيَ هُنَا، فافعل ما نذرت به من صلاتِكَ في بيت المقدس.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - انعقاد النذر المعلق على حصول مطلوبٍ؛ كـ: إنْ شفى الله مريضه، أو حصل ماله الغائب، أو نحو ذلك، فلله عليه كذا من العبادة البدنية؛ كالصَّلاة والصيام، أو مالية، كالصدقة والعتق، انعقد نذره، ووجب عليه الوفاء بما نذره، إذا حصل شرطه المعلق عليه.
وقد ينذر الطَّاعة بدون تعليق؛ كَـ"لله عليَّ صلاة كذا، وصوم كذا"،
стр. 3593
فيجب عليه الوفاء.
ويسمَّى هذا النَّذر: "نذر التبرر، أو نذر التقرب".
٢ - قال في شرح الإقناع: ويجوز فعل النَّذر قبل وجود شرطه؛ كإخراج الكفَّارة بعد اليمين، وقبل الحنث.
٣ - قال شيخ الإسلام: تعليق النَّذر بالملك؛ نحو: "إنْ رزقني الله مالاً، فللهِ عليَّ أنْ أتصدق به، أو بشيءٍ منه" يصح إجماعاً؛ ويدل عليه قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ﴾ [التوبة: ٧٥].
٤ - يدل الحديث على أنَّ من نذر الصَّلاة، أو أي عبادة في بيت المقدس، أنَّه يجزىء أنْ يصليها في المسجد الحرام؛ لأنَّ المسجد الحرام أفضل من الأقصى؛ لكن لو عيَّن الأفضل -كالمسجد الحرام- لم يجز فيما دونه.
وهو مذهب الأئمة الثلاثة، أمَّا أبو حنيفة: فيرى أنَّ الصلاة لا تتعيَّن في مسجد بحال.
٥ - يدل الحديث على أنَّ كثرة السؤال، والإلحاح فيه، والتنطع في الأمور: مكروه، وأنَّه يفضي صاحبه إلى إضجار المسؤول، وارتكاب الخطأ.
٦ - ويدل الحديث على وجوب الوفاء بالنَّذر ما دام أنَّه نذر تبرر وتقرب إلى الله تعالى.
٧ - كما يدل الحديث على فضل المسجد الحرام، وأنَّة أفضل البقاع وسيدها، فمن نذر عبادة في غيره، أغنى أداؤها فيه؛ لأنَّها فيه أفضل، وأكمل، وأتم.
***
стр. 3594
١٢٠٠ - وعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "لاَ تُشَدُّ الرِّحَال إِلاَّ إِلى ثَلاَثَةِ مَسَاجِدَ: مَسْجِدِ الحَرَام، وَمَسْجِدِ الأَقْصَى، وَمَسْجِدِي هَذَا" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، واللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ (١).
ــ
* مفردات الحديث:
- لا تُشَدُّ: "لا" نافية، والفعل بعدها مبني للمجهول.
تشد: يُقال: شدَّ الشيء يشدُّه شدًّا: عقده وأوثقه، ومنه شدَّ الرِّحال، وهو كنايةٌ عن السفر.
- الرِّحال: جمع رحل، والرحل هُنَا: اسمٌ لما يوضع على البعير من قتبه وكوره -بضم الكاف- ويربط ذلك من حبال.
- الأقصى: الأبعد، من قصى المكان: إذا بَعُدَ، وسمِّي الأقصى لبعده عن المسجد الحرام، وقيل: لأَنَّه لم يكن وراءه حينئذٍ مسجد.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - هذه المساجد الثلاثة المفضلة، وهي: المسجد الحرام، والمسجد النبوي، والمسجد الأقصى، لها ميزات خاصَّة، وفضائل لا يلحقها بها غيرها من بقاع الأرض، فهذه المساجد المطهرة بناها الأنبياء، فالمسجد الحرام بناه إبراهيم الخليل، والمسجد النبوي بناه رسول الله محمد ﷺ ، والمسجد الأقصى بناه يعقوب، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.
٢ - قال شيخ الإسلام: المساجد التي تشد الرِّحال إليها هي المساجد الثَّلاثة، فالسفر إليها للصلاة فيها، والدعاء، والذِّكر، والقراءة، والاعتكاف، من
стр. 3595
الأعمال الصَّالحة.
٣ - وقال أيضاً: وما سوى هذه المساجد لا يشرع السفر إليه باتفاق أهل العلم، حتَّى مسجد قباء، يستحب قصده من المكان القريب كالمدينة، ولا يشرع شد الرِّحال إليه؛ ففي البخاري (١١٩٣) ومسلم (١٣٩٩) عن ابن عمر قال: "كان النَّبي ﷺ يأتي مسجد قباء كلَّ سبتٍ ماشياً، وراكباً، وكان ابن عمر يفعله"؛ وفي لفظٍ لمسلم: "فيصلي فيه ركعتين".
٤ - وقال الشيخ أيضاً: اتَّفق العلماء على استحباب إتيان المساجد الثلاثة للصَّلاة ونحوها، ولكن لو نذر ذلك هل يجب الوفاء؟:
فمذهب مالك، وأحمد، وغيرهما: أنَّه يجب إتيانها بالنَّذر، ولكن إنْ أتى الفاضل أغناه عن إتيان المفضول؛ وذلك لحديث: "من نذر أنْ يطيع الله فليطعه" وهو يعم كل طاعةٍ.
٥ - قال الشيخ: اتَّفق الأئمة على صحَّة هذا الحديث "حديث الباب" والعمل به، فلو نذر الرَّجل أنْ يصلي بمسجدٍ أو مشهد، أو يعتكف فيه، ويسافر إليه، غير الثلاثة، لم يجب عليه باتفاق الأئمة، وأمَّا السفر إلى بقعةٍ غير المساجد الثَّلاثة: فلم يوجبه أحدٌ من العلماء.
٦ - الحديث صريحٌ في تحريم السفر للعبادة إلى غير المساجد الثلاثة، ويعظم الإثم إذا قصد المسافر بسفره قبراً؛ ليعظِّمه، ويغلو بصاحبه، فهذا إنْ كان يعتقد أنَّ دعاء الله عنده أفضل فهو مبتدع، وإنْ كان يدعو صاحب القبر فعمله كفر.
٧ - وتحريم السفر إلى قبور الصالحين ونحوها من المواضع -غير هذه المساجد الثَّلاثة- هو قول محقِّقي العلماء، منهم أبو محمد الجويني، والقاضي عياض، والشيخ تقي الدِّين، وابن القيم، وابن رجب، والشيخ محمد بن
стр. 3596
عبد الوهاب، وأبناؤه، وأحفاده، وتلاميذهم، وسائر علماء الدعوة السلفية، وهو قول علماء الحديث.
٨ - تحريم السفر إلى غير المساجد الثلاثة هو منع للشرك، ووسائله المفضية إليه؛ فإنَّ الشرك لم يحدث إلاَّ من تعظيم البقاع والأمكنة التي لم يعظِّمها الله تعالى، ولم يشرع الرحلة إليها، لاسيما الأمكنة التي فيها قبور أنبياء، أو أولياء، أو علماء، ونحوهم؛ فشدُّ الرِّحال إليها وتعظيمهم هو الَّذي جرى عليه كثير من النَّاس، فأضلَّهم عن دينهم الحق إلى البدع والشرك.
٩ - فالإسلام بنصوصه الكريمة، حسم مادَّة تعظيمها والغلو فيها؛ لئلا يكون وسيلة إلى الكفر والضلال.
١٠ - قال شيخ الإسلام في الرَّد على الأخنائي: والقول بتحريم السفر إلى غير المساجد الثَّلاثة، وإنْ كان قبر نبينا ﷺ ، هو قول مالك، وجمهور أصحابه، وكذلك أكثر أصحاب أحمد، وأهل الحديث؛ ثمَّ قال ﵀: وأهل الجهل يجعلون السَّفر إلى زيارة قبر مَن يعظِّمونه، ويسافرون إليه؛ ليدعوه، ويدعو الله عنده، ويقعدون عند قبره، ويكون عليه، أو عنده مسجد بُني لأَجل القبر، فيصلون في ذلك المسجد؛ تعظيماً لصاحب القبر، وهذا ممَّا لعن النَّبي ﷺ أهل الكتاب على فعله، ونهى أمَّته عن فعله؛ فقال ﷺ في مرض موته: "لعن الله اليهود والنَّصارى؛ اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، يحذر ممَّا صنعوا" [رواه البخاري (١٣٩٠)، ومسلم (٥٣١)].
١١ - الزيارة الشرعية إلى المدينة المنورة هي أنْ يقصد المسافر العبادة في المسجد النبوي الشريف، الَّذي جعل الله له ميزة وشرفاً، وضاعف فيه ثواب الأعمال الصَّالحة، فإذا وصل إليه زار القبر الشريف، وقبري الصحابيين الكريمين؛ لحديث: "كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها"
стр. 3597
[رواه مسلم (١٩٧٧)]؛ فهذه رحلةٌ شرعية، وقصد حسنٌ مشروع، وكذلك إذا وصل إلى المدينة المنورة، فإنَّه يشرع له زيارة البقيع، وشهداء أحد، كل ذلك للترحم عليهم والاعتبار، وكذلك يذهب إلى مسجد قباء للصَّلاة فيه، فإنَّ النَّبي ﷺ فعل ذلك كله، أمَّا بقية المزارات المعروفة الآن، مثل مسجد القبلتين، والمساجد السَّبعة، ومسجد الغمامة، فلا يشرع الذهاب إليها؛ لأنَّه لم يرد أنَّ النَّبي ﷺ كان يذهب إليها، والعبادات مبناها على التوقيف؛ كما أنَّها غير مؤكَّدة وثابتة.
***
стр. 3598
١٢٠١ - وَعَنْ عُمَرَ -رَضِىَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: "قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! إِنِّي نَذَرْتُ فِي الجَاهِلِيَّةِ أَنْ اعْتَكِفَ لَيْلَةً في المَسْجِدِ الحَرَامِ، قَالَ: فَأَوْفِ بِنَذْرِكَ" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَزَادَ البُخَارِيُّ فِي رِوَايَةٍ: "فَاعْتَكَفَ لَيْلَةً" (١).
ــ
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - تقدَّم أنَّ الاعتكاف شرعاً: هو لزوم مسلمٍ عاقلٍ مسجداً لعبادة الله تعالى، وأنَّه ثابتٌ بالكتاب، والسنَّة، والإجماع.
وأنَّ الغرض منه: حبس النَّفس والبدن على عبادة الله تعالى، وقطع العلائق عن الخلائق؛ للاتصال بخدمة الخالق، وإخلاء القلب من الشواغل عن ذكر الله تعالى.
٢ - الحديث من أدلَّة مشروعيته، قال الإمام أحمد: لا أعلم عن أحدٍ من أهل العلم خلافاً أنَّه مسنون.
٣ - ويدل الحديث على صحَّة الاعتكاف، وجوازه بلا صوم؛ لأَنَّ نذر عمر ﵁ اعتكاف ليلة، ولو كان الصوم شرطاً، لما صحَّ اعتكاف الليل؛ لأنَّه لا صيام فيه، فلم يشترط الصيام كالصَّلاة؛ ولأَنَّ إيجاب الصوم حكم لا يثبت إلاَّ بالشرع، ولم يصح فيه نصٌّ، ولا إجماع.
وهذا مذهب الإمامين؛ الشَّافعي، وأحمد، واشترط أبو حنيفة، ومالك الصيام، والقول الأوَّل أصح، وأسعد بالدليل.
قال المجد، وحفيده تقي الدِّين، والشَّارح، وغيرهم: ليس في اشتراط
стр. 3599
الصوم في الاعتكاف نصٌّ من كتابٍ، ولا سنَّةٍ، ولا إجماعٍ، ولا قياسٍ صحيح، أمَّا ما رُوي عن عَائِشَةَ: "لا اعتكاف إلاَّ بصومٍ" فموقوف، ومن رفعه فقد وهم، وكذا ما جاء في أبي داود (٢٤٧٤) في رواية: "اعتكف وصم" فهو ضعيف.
وعلى فرض رفع الأوَّل، وصحَّه الثاني، فالمراد به الاستحباب، فإنَّ الصوم فيه أفضل.
٤ - قال الفقهاء: وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْتكف صائماً، أو يصوم معتكفاً، لزمه الجمع بين الاعتكاف والصيام؛ لما روى البخاري (٦٧٠٠) من حديث عائشة أنَّ النَّبي ﷺ قال: "من نذر أن يطيع الله فليطعه"، والأمر يقتضي الوجوب.
٥ - ويدل الحديث على أنَّ الكافر إذا نذر فى حال كفره، وكان نذره على وفاق حكم الإسلام، ثم أسلمَ، أنَّه يجب عليه الوفاء بنذره، وإن عقده وهو كافر؛ وإلى هذا ذهب الإمام أحمد، والبخاري، وابن جرير، وجماعةٌ من الشافعية، والحديث صريح الدلالة على ذلك، ولأن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة، كما هم مخاطبون بأصولها.
وذهب أكثر العلماء: إلى أنَّه لا ينعقد؛ لأنَّ الكافر لا تصح منه العبادة حتَّى يُسلم؛ قال الطحاوي: لا يصح من الكافر التقرب بالعبادة.
والقول الأول أصح.
٦ - وفيه دليلٌ على أنَّ من حلف في حال كفره فأسلم، ثم حنث، أنه يلزمه كفَّارة.
ومثل ذلك ظهاره، فإنه صحيحٌ موجبٌ للكفَّارة، وهذا هو مذهب الإمامين؛ الشافعي، وأحمد، رحمهما الله تعالى.
...
انتهى كتاب الأيمان
стр. 3600
كتاب القضاء
مقدمة
القضاء لغةً: مصدر قضى يقضي قضاءً، فهوِ قاضٍ، ويُطلق على عدَّة معانٍ هي: حَكَم، وفَصَل، وأحكم، وأمَضى، وفَرَغ من الشيء، وَخَلَق، والمعنى الظَّاهر في هذا الباب من هذه المعاني: هو حَكَمَ وفَصَلَ.
وجمع القضاء: أقضية، وجُمِعَ -مع أنَّه مصدر، والمصادر لا تُجمع- باعتبار أنواعه.
وشرعاً: إنشاء للحكم والفصل.
والقضاء فرض كفاية، فلابُدَّ للنَّاس من حاكمٍ؛ لئلا تذهب الحقوق.
وفيه فضلٌ عظيمٌ لمن قَوِيَ على القيام به، وأدَّى الحقَّ فيه، فهو من أفضل القربات، والأَعمالُ بالنِّيات، وفيه خطرٌ عظيمٌ، ووزرٌ كبيرٌ لمن لم يؤدِّ الحقَّ فيه.
ويجب على إمام المسلمين: أنْ يختار لهذا المنصب أفضل من يجد علماً وورعاً، فإنْ لم يجد، قَدَّمَ الأمثل، فالأمثل.
وللقاضي آدابٌ وأحوال، ذكرها العلماء في "كتاب القضاء" يحسن الرجوع إليها.
стр. 3601
١٢٠٢ - عَنْ بُرَيْدَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "القُضَاةُ ثَلاَثةٌ: اثْنَانِ فِي النَّار، وَوَاحِدٌ في الجَنَّةِ: رَجُلٌ عَرَفَ الحَقَّ، فَقَضَى بِهِ، فَهُوَ فِي الجَنَّةِ، وَرَجُلٌ عَرَفَ الحَقَّ، فَلَمْ يَقْضِ بِهِ، وَجَارَ في الحُكْمِ، فَهُوَ فِي النَّارِ، ورَجُلٌ لَمْ يَعْرِفِ الْحَقَّ، فَقَضَى لِلنَّاسِ عَلَى جَهْلٍ، فَهُوَ فِي النَّارِ" رَوَاهُ الأربَعَةُ، وَصَحَّحَهُ الحَاكِمُ (١).
ــ
*درجة الحديث:
الحديث صحيح.
قال في المحرر: إسناده جيد، وصحَّحه الحاكم، ووافقه الذهبي، وقال الحافظ في التلخيص: له طرق جمعتها في جزء. ومن هذه الطرق:
الأولى: أخرجها أبو داود، وابن ماجة، والبيهقي، عن أبي هاشم، عن ابن بريدة، عن أبيه، قال أبو داود: وهذا أصح شيء فيه، يعني حديث ابن بريدة، قلت -الألباني-: وهذا إسناد رجاله ثقات، رجال مسلم، غير أنَّ فيه خلف بن خليفة، اختلط في الآخر، ولكن لم يتفرَّد به.
الثانية: أخرجها الحاكم عن حكيم بن جبير، عن ابن بريدة، عن أبيه، وقال: صحيح الإسناد، وردَّه الذهبي بقوله: قلت: ابن بكير الغنوي منكر الحديث، وهو من رجال السند.
الثالثة: أخرجها الحاكم، والبيهقي عن سهل بن عبيدة، عن ابن بريدة، عن أبيه، وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم، ووافقه الذهبي.
стр. 3602
والحديث بمجموع هذه الطرق صحيح.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - الحديث قسَّم القضاة إلى ثلاثة أصناف:
أحدها: قاضٍ عرف الحقَّ، والحكم الشرعي، فقضى به؛ فهذا القوي الأمين على ما ولاَّه الله إيَّاه؛ فهذا من أهل الجنَّة، إنْ شاء الله.
الثاني: قاضٍ عرف الحقَّ، واستبان له الحكم الشرعي، ولكن هواه -والعياذ بالله- أغراه، فقضى بغير الحق؛ فهذا من أهل النَّار، والعياذ بالله.
الثالث: قاضٍ لم يعرف الحقَّ، ولم يفهم الحكم الشرعي؛ ولكنَّه تجرَّأَ فحكمَ بالجهل؛ فهذا من أهل النَّار، سواءٌ أصابَ في حكمه، أو لا.
قال شيخ الإسلام: القضاة ثلاثة: مَن يصلح، ومن لا يصلح، والمجهول، فلا يُرَدّ من أحكام الصَّالح إلاَّ ما علم أنَّه باطل، ولا ينفذ من أحكام من لا يصلح إلاَّ ما علم أنَّه حقٌّ، واختاره الموفق، وغيره.
٢ - ففي الحديث التحذير الشديد من القضاء بالهوى، أو القضاء بالجهل؛ فحقوق الخلق أمرها عظيمٌ، وعذاب الله شديد.
٣ - قال شيخ الإسلام: الواجب اتخاذ ولاية القضاء ديناً وقربة؛ فإنَّها من أفضل القربات، وإنَّما فسد حال الأكثر لطلب الرئاسة والمال بها.
وقال في شرح الإقناع: وفي القضاء خطرٌ عظيمٌ، ودورٌ كبيرٌ لمن يريد الحق فيه؛ ولهذا جاء الحديث: "من جُعِل قاضياً، فقد ذُبِحَ بغير سكين".
٤ - ويحرم الدخول في القضاء على من لا يحسنه؛ قال شيخ الإسلام: من باشر القضاء مع عدم الأهلية المسوغة للولاية، وأصرَّ على ذلك، عاملاً بالجهل والظلم، فهو فاسق، ولا تنفذ أحكامه.
٥ - وقال الشيخ تقي الدِّين -أيضًا-: الفرق بين القاضي والمفتي: أنَّ القاضي يبين الحكم الشرعي، ويلزم به، والمفتي يبينه فقط.
стр. 3603
فالمفتي أوسع دائرةً من القاضي؛ لأَنَّه يُفتي في الأمور المتنازع عليها وغيرها، والقاضي لا يتعلَّق قضاؤه إلاَّ بالمسائل المتنازع فيها بين النَّاس.
٦ - قال الشيخ محمد بن إبراهيم: لا يجوز الترويج في الفتيا، وتخيير المسائل، وإلقاؤه في الإشكال والحيرة، بل عليه أنْ يبين بياناً مزيلاً للإشكال.
* فوائد:
الأولى: القضاء إلزامٌ بالحكم الشرعي، وفصل للخصومات، فالحاكم له ثلاث صفات: فهو من جهة الإثبات شاهد، وهو من جهة تبيين الحكم مفتٍ، وهو من جهة الإلزام بذلك ذو سلطان.
الثانية: الأصل في القضاء قوله تعالى: ﴿يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ﴾ [ص: ٢٦]، وقوله ﷺ : "إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإنْ أخطأ فله أجر" [رواه البخاري (٦٩١٩) ومسلم (١٧١٦)].
قال شيخ الإسلام: الشَّارع نصوصه كلمات جوامع، وقضايا كلية، وقواعد عامَّة، يمتنع أنْ ينص على كل فردٍ من جزئيات العالم إلى يوم القيامة، فلابد من الاجتهاد في جزئيات، هل تدخل في كلماته الجامعة أو لا؟
الثالثة: القضاء فرض كفاية؛ كالإمامة العظمى، قال الإمام أحمد: لابُدَّ للنَّاس من حاكمٍ؛ لئلا تذهب حقوق النَّاس.
وقال شيخ الإسلام: قد أوجب النَّبي ﷺ تأمير الواحد في الاجتماع القليل العارض في السفر، وهو تنبيهٌ على أنواع الاجتماع.
الرَّابعة: نصبُ الإمام للقاضي واجبٌ؛ لفصل خصومات النَّاس، ولأنَّ القضاء من مستلزمات الإمام الأعظم، فهو القائم بأمر الرعية، فينصب القضاة بقدر الحاجة، نواباً عنه في الأمصار والأقاليم.
الخامسة: قال مجلس المجمَّع الفقهي الإسلامي بمكة المكرمة في أحد قراراته: على قادة المسلمين أنْ يبادروا إلى تطبيق شريعة الله، لينعموا، وتنعم
стр. 3604
رعيتهم بالأمن والطمأنينة في ظلِّ الشريعة الإسلامية، كما حصل ذلك لسلف هذه الأُمَّة، الَّذين وفَّقهم الله لتطبيق شرعه، فجمع لهم بين النَّصر على الأَعداء، والذكر الحسن في هذه الحياة الدنيا.
ولا شكَّ أنَّ الحالة التي وصل إليها العرب والمسلمون من ذلك أمام الأعداء: نتيجة حتمية لعدم تطبيق الشريعة الإسلامية.
والله المسؤول أنْ يوفق المسلمين جميعاً إلى ما فيه عزهم وفلاحهم على أعدائهم؛ إنَّه سميعٌ مجيب.
السَّادسة: قال الشيخ محمد بن إبراهيم: بلغنا أنَّ بعض القضاة يرد بعض القضايا إلى مكتب العمل، أو إلى غيره من الدوائر؛ بحجة أنَّ ذلك من اختصاص جهة معينة، وغير خافٍ على أنَّ الشريعة الإسلامية كفيلةٌ بإصلاح الأحوال البشرية في كلِّ المجالات، وفيها كفاية لحلِّ النزاع، وفصل الخصومات، وإيضاح كل مشكل، وفي الإحالة إلى تلك الجهات إقرار للقوانين الوضعية، وإظهار للمحاكم بمظهر العجز؛ فاعتمدوا النظر في كلِّ ما يرد إليكم، والحكم فيه بما يقتضيه الشرع الشريف.
السَّابعة: قال الشيخ تقي الدِّين: ولا تثبت ولاية القضاء إلاَّ بتولية الإمام، أو نائبه؛ لأَنَّ ولاية القضاء من المصالح العامة؛ فلم تجز إلاَّ من جهة الإمام.
والولاية لها كفاية القوَّة والأمانة، فالقوَّة في الحكم ترجع إلى العلم والعدل في تنفيذ الحكم، والأمانة ترجع إلى خشية الله تعالى.
الثَّامنة: قال الشيخ تقي الدِّين -أيضاً-: شروط القضاء تعتبر حسب الإمكان، ويجب تولية الأمثل، فالأمثل، وعلى هذا يدل كلام أحمد وغيره، فيولَّى لعدم التقي أنفع الفاسقين، وأقفُهم شرًّا، وأعدل المقلِّدين، وأعرفهم با لتقليد.
التاسعة: قال ابن القيم: معرفة النَّاس وأحوالهم أصلٌ عظيمٌ، يحتاج إليه الحاكم، فإنْ لم يكن فقيهاً فيه، وفقيهاً في الأمر والنَّهي، ثم يطبِّق أحدهما على
стр. 3605
الآخر، كان إفساده أكثر من إصلاحه.
وإذا لم يكن فقيه النَّفس في الأمارات، ودلائل الحال، ومعرفة شواهده، وفي قرائن الحال، والمقال، كفقيه في كليات الأحكام، أضاع حقوقاً كثيرةً على أصحابها، وحَكَمَ بما يعلم النَّاس بطلانه، اعتماداً منه على نوع ظاهرٍ لم يلتفت إلى باطنه، وقرائن أحواله؛ فالرجوع إلى القرائن في الأحكام متَّفَقٌ عليه بين الفقهاء.
العاشرة: قال في التنوير: ينبغي أنْ يكون القاضي موثوقاً به في عفافه، وعقله، وصلاحه، وفهمه، وعلمه بالسنَّة والآثار، ووجوه الفقه والاجتهاد، وألاَّ يكون فظًّا غليظاً.
وقال في ردِّ المحتار للحنيفة، وشرح الإقناع للحنابلة: ينبغي أنْ يكون القاضي شديدًا في غير عنفٍ، ليناً في غير ضعف، فكل من هو أعرف، وأقدر، وأوجه، وأهيب، وأصبر على ما يصيبه من النَّاس، كان أولى.
الحادية عشرة: نختم هذه الفوائد بختام مسك، وهو قوله ﷺ لأَبي ذَرٍّ ﵁: "أوصيك بتقوى الله في سرِّكَ وعلانيتك، وإذا سألت فأحسن، ولا تسألنَّ أحداً شيئاً، وإنْ سقط سوطك، ولا تقبض أمانة، ولا تقض بين اثنين" [رواه أحمد (٢١٠٦٣)].
***
стр. 3606
١٢٠٣ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ وَلِيَ الْقَضَاءَ، فَقَدْ ذُبِحَ بِغَيْرِ سِكِّينٍ" رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالأرْبَعَةُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ، وَابْنُ حِبَّانَ (١).
ــ
* درجة الحديث:
الحديث صحيح.
رواه أصحاب السنن، وحسَّنه الترمذي، وصحَّحه الدَّارقطني، وابن خزيمة، وابن حبان، ورواه الحاكم، والبيهقي، من حديث أبي هريرة، وله عدَّة طرق، وذكر الدَّارقطني الخلاف فيه على سعيد المقبري قال: والمحفوظ عن سعيد المقبري عن أبي هريرة، وأعلَّه ابن الجوزي فقال: هذا حديث لا يصح؛ ولكن النسائي قوَّاه بتخريجه، كما قال ابن حجر.
قال العراقي: إسناده صحيح. وصحَّحه السيوطي في الجامع الصغير.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - في الحديث بيان عِظَم خطر القضاء؛ لأَنَّ موضوعه الحكم بين النَّاس في دمائهم، وأعراضهم، وأموالهم، وسائر حقوقهم، فخطره عظيم جدًّا؛ لأَنَّه يخشى أن يكون هناك ميول من القاضي من خصم لآخر؛ لكون أحدهما ذا قرابة، أو صداقة له، أو أنَّه صاحب جاه ومنصب، يراعي جاهه، أو يخاف سلطته، أو يقدم له خدمة، أو منفعة، والمعصوم من عصمه الله، وتغلَّب على أهوائه الشخصية، فالخطر عظيم، نسأل الله السَّلامة.
стр. 3607
٢ - الذبح بغير سكِّينٍ المترتب على تولي القضاء يشمل أمرين:
الأول: عذاب الآخرة لمن لم يقم بحق القضاء من التحري، والاجتهاد في إصابة الحق، ومعرفة الحكم الشرعي حسب الطاقة والقدرة.
الثاني: أنَّ معاناة القضاء من البحث، وطلب تصور القضية، ومعرفة حكمها، وطلب الدليل عليه، وإجهاد النَّفس بالاستقصاء بالوصول إلى الصواب أمر ينهك البدن ويضعفه، وربما أدَّى بالحياة إلى الفناء، وهذا ذبحٌ بغير سكِّين، وإنَّما بالمشكلات، والمتاعب البدنية والنفسية.
ولعلَّ في هذا إعجازاً علميًّا لم يكشفه إلاَّ الطب الحديث.
٣ - وفيه دليل على أنَّ في الذبح بالسكين والآلة الحادة راحةً للمذبوح، وكذلك وصَّت الشريعة بالحيوان المذبوح؛ فقال ﷺ : "وليُحد أحدكم شفرته، وليرح ذبيحته" [رواه مسلم (١٩٥٥)].
وأمَّا الإماتة البطيئة فهي عذابٌ وعناءٌ، ومنه ما يعانيه القاضي من أعماله المرهقة، ونفسه المؤنبة حتَّى يقضي به الأمر إلى الموت، ثمَّ ما يعقبه من الحسرة والنَّدامة يوم القيامة؛ فقد جاء في مسند الإمام أحمد (٢٣٩٤٣) من حديث عائشة ﵂ أنَّ النَّبي ﷺ قال: "ليأتينَّ على القاضي العدلِ يوم القيامة يتمنَّى أنَّه لم يقض بين اثنين في عمره"، -وأخرجه البيهقي (١٠/ ٩٦) بلفظ: "في تمرة".
***
стр. 3608
١٢٠٤ - وَعَنْ أِبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِنَّكُمْ سَتَحْرِصُونَ عَلَى الإِمَارَةِ، وَسَتَكُونُ نَدَامَةً يَوْمَ القِيَامَةِ، فَنِعْمَتِ المُرْضِعَةُ، وَبِئْسَتِ الْفَاطِمَةُ" رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (١).
ــ
* مفردات الحديث:
- ستحرصون: حرص: بفتح العين وكسرها، من باب ضرب وعلم، حِرْصاً، بمعنى: جشع واشتدت رغبته في الشيء.
- الإمارة: بكسر الهمزة، هي منصب الأمير.
- ندامة: ندم على ما فعل يندم ندماً وندامة: أسف وحزن على ما فعل.
قال الجرجاني: النَّدم غمٌّ يصيب الإنسان يتمنَّى أنَّ ما وقع منه لم يقع.
- فنعمت - بئست: نعم وبئس فعلان ماضيان، بدليل دخول تاء التأنيث السَّاكنة عليهما، وهما جامدان لا يتصرفان، جاءا لإفادة المدح، أو الذم.
- المرضعة: الرضاع بفتح الرَّاء وكسرها، هو مصدر رضع الثدي: إذا مصَّه، بكسر الصَّاد وفتحها، والكسر أفصح، ويُقال: امرأةٌ مرضع، إذا كان لها ولدٌ ترضعه، فلا تلحقها التَّاء لتأنيثها.
والمراد هنا تشبيه منافع الإمارة العاجلة الزَّائلة بالرضاع في مدته القصيرة.
- الفاطمة: مؤنث فاطم، جمعها فواطم، يُقال: فطمت الرضيع تفطمه فطماً، من باب ضرب، أي: فصلت المرضعة الرضيع عن الرضاع، شبَّه انقطاع منافع الإمارة بالفطام.
стр. 3609
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - طالب ولاية القضاء أو غيرها من الولايات له إحدى حالتين: إحداهما: أنْ يقصد من الحصول عليها الجاه، والرئاسة، والمال، فهذا هو المذموم، وهو الَّذي وردت الأحاديث الصحيحة بذمِّه ومنعه، ومنع طالب الولاية فيها، ومن تلك الأحاديث:
- ما أخرجه مسلم (١٨٢٥) عن أبي ذرٍّ ﵁ قال: "قلت: يارسول الله! ألا تستعملني؟ قال: إنَّك ضعيف، وإنَّها أمانة، وإنَّها يوم القيامة خزيٌ وندامة، إلاَّ من أخذها بحقِّها، وأدَّى الَّذي عليه فيها".
- وما أخرجه الطبراني (١٨/ ٧١) والبزَّار (٧/ ١٨٨) بسندٍ صحيح من حديث عوف بن مالك أنَّ النَّبي ﷺ قال: "أولها ملامة، وثانيها ندامة، وثالثها عذاب يوم القيامة، إلاَّ من عدل".
قال النووي عن حديث الباب: هذا أصلٌ عظيم في اجتناب الولاية، لاسيما لمن كان فيه ضعف، وهو في حق من دخل فيها بغير أهلية، ولم يعدل؛ فإنَّه يندم على ما فرط منه إذا جوزي بالجزاء يوم القيامة.
الثانية: أنْ يطلب القضاء أو الولاية؛ لأنَّها متعينة عليه؛ لأَنَّه لا يوجد من هو أهل لها وللقيام بها، وإذا تركها، تولاَّها من لا يقوم بها، ولا يحسنها، فيطلبها بهذه النية، وهو القصد الحسن؛ فهذا مثاب مأجور معان عليها.
قال ابن مسعود ﵁: لأن أجلس قاضياً بين اثنين، أحب إليَّ من عبادة سبعين سنة.
قال في المغني: وفي القضاء فضل عظيم. لمن قوي على القيام به، وأداء الحق فيه؛ ولذلك جعل الله فيه أجراً على الخطأ، وأسقط عنه حكم الخطأ، ولأنَّ فيه أمراً بالمعروف، ونصرة للمظلوم، وأداء للحق إلى مستحقه، وردًّا للظَّالم عن ظلمه، وإصلاحاً بين النَّاس، وتخليصاً لبعضهم من بعض.
стр. 3610
٢ - المتوسط لغيره في أمرٍ من الأمور، إنْ كان المتوسَّط له مستحقًّا لتلك الوظيفة، فالمتوسِّط محمود، وإنْ كان المتوسَّط له لا يستحق الولاية، وغيره أولى منه وأنفع، كان التوسُّط مذموماً، غشًّا لله ولرسوله، وغشًّا للمتوسط عنده، وغشًّا لمن توسَّط له؛ لكونه أعانه على ما هو منهيٌّ عنه.
٣ - "نعمت المرضعة" بما تدر من منافع المال، والجاه، ونفاذ الحكم، و"بئست الفاطمة" بتبعاتها يوم القيامة، وحسراتها.
٤ - وقال الشيخ عبد الرحمن السعدي: المتوسِّط لغيره في أمرٍ من الأمور إنْ كان المتوسَّط له كفؤًا، فهي وساطة محمودة، وإلاَّ فهو غاشٌّ له، وللعمل، وللمسلمين.
فهذا هو الَّذي يحرص عليها للمطامع الدنيوية، "فنعمت المرضعة"؛ لما فيها من حصول الجاه في الدنيا، و"بئست الفاطمة"؛ لما يترتب عليها من التبعات في الآخرة.
٥ - قوله: "ستحرصون" هذا فيه دلالة على اغترار النَّفس لمحبتها في الإمارة، لما تنال فيها من نيل لحظوظ الدنيا ولذَّاتها، ونفوذ الكلمة، ولذا ورد النَّهي عن طلبها؛ فقد أخرج البخاري (٦٦٢٢) ومسلم (١٦٥٢) من حديث عبد الرحمن بن سمرة قال: قال لي رسول الله ﷺ : "يا عبد الرحمن بن سمرة! لا تسأل الإمارة، فإنَّك إنْ أُعطيتها من غير مسألةٍ أُعِنْتَ عليها، وإنْ أُعْطِيتَهَا عن مسألةٍ وُكِلْتَ إليها".
٦ - وجاء في سنن الترمذي (١٣٢٤) من حديث أنس أنَّ النَّبي ﷺ قال: "من ابتغى القضاء وسأله وُكِل إلى نفسه، ومن أُكره عليه أنزل الله عليه ملكاً يسدِّده".
وإنَّما جمع بين الرغبة فيه وبين طلبه إظهار الحرص عليه؛ فإنَّ النَّفس مائلةٌ إلى جب الرئاسة، وطلب الترفع على النَّاس، فمن منعها، سلم من هذه الآفة، ومن أتبع نفسه هواها، وسأل القضاء، هلك؛ فلا سبيل إلى المشروع فيه إلاَّ بالإكراه، وحينئذٍ يسدّد ويوفّق.