الله هي المرتبة الثانية الذنوب العظيمة، والموبقات المهلكة، ويزيد الإثم ويتضاعف والعقاب إذا كان المقتول ذا رحم من القاتل، ويتضاعف مرَّة أخرى حينما يكون الهدف هو قطع المقتول من رزق الله الَّذي أجري على يد القاتل؛ ففيه نهاية الشح، وغاية سوء الظن بالله تعالى؛ ولذا قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا (٣١)﴾ [الإسراء].
الثالثة: "أنْ تزاني حليلة جارك"، الزنى هو الرتبة الثالثة بعظم الموبقات شناعتها، قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا (٣٢)﴾ [الإسراء].
ويعظم إثم هذه الموبقة إذا كانت المزني بها حليلة الجار، الَّذي وصى الله تعالى رسوله على البر به، والإحسان إليه، وحسن صحبته وجواره؛ فكيف يكون الأمر إذا أفسد فراشه، وانتهك حرمته، وداس عرضه، وخان جواره؟!
٢ - الحديث يدل على أنَّ أعظم الذنوب هي الشرك بالله تعالى، ثمَّ قتل النفس التي حرَّم الله بغير حقٍّ، ثمَّ الزنى.
٣ - قوله ﷺ : "وهو خلقك" هذا سياق تبشيع؛ فإنَّه من أبشع الأشياء، أنْ تقابل النعم عليك بالإساءة، فكيف إذا كان المنعم هو صاحب النعم العظيمة، والمنن الكبيرة، التي أولها الإيجاد من العدم؟!
***
стр. 3782
١٢٧١ - وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العَاصِ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قالَ: "مِنْ الْكَبَائِرِ شَتْمُ الرَّجُلِ وَالِدَيْهِ، قِيلَ: وَهَلْ يَسُبُّ الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ، يَسُبُّ أَبَا الرَّجُلِ، فَيَسُبُّ الرَّجُلُ أَبَاهُ، وَيَسُبُّ أُمَّهُ، فَيَسُبُّ أُمَّهُ" مُتَّفَقٌ علَيْهِ (١).
ــ
* مفردات الحديث:
- من الكبائر: جمع كبيرة، وهي: الفعلة القبيحة، أو الخصلة الكبيرة من الذنوب المنهي عنها شرعًا، العظيم أمرها؛ كالقتل والزنى.
- يسب: يُقال؛ سبَّه يسبه سبًّا: شتمه، فالسب الشتم.
قال في التعريفات: الشتم: وصف الغير بما فيه نقص وازدراء.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - تقدَّم بيان حقوق الوالدين، ووجوب برهما، والإحسان إليهما؛ كما تقدَّم أنَّ من أكبر الكبائر عقوقهما؛ فقد قال تعالى: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا﴾ [الإسراء: ٢٣]. إذ علمنا أنَّ شتمهما من أعظم المنكرات.
٢ - لما قال النَّبيَّ ﷺ : "من الكبائر شتم الرَّجل والديه"، استغرب الصحابة ﵁ ذلك؛ فقالوا للنَّبيَّ ﷺ : وهل يسب الرَّجل والديه؟ فأخبر النَّبي ﷺ أنَّه إذا تسبب في شتمهما؛ فكأنه شتمهما؛ وذلك بأن يسب أبا الرجل، فيقابله ذلك الرجل بأن يسب أباه، فهو وإن لم يسب أباه مباشرة، إلاَّ أنه تسبَّب في ذلك، والقاعدة الشرعية: "إنَّ الوسائل لها أحكام المقاصد".
стр. 3783
٣ - الواجب على الإنسان الكف عن شتم النَّاس، وشتم آبائهم؛ لأنَّ هذا هُجْرٌ من القول محرَّم، ولأنَّه سببٌ لأَن يشتمه النَّاس، ويشتموا أباه معه بسببه.
٤ - الحديث فيه بيان حكم المتسبب من أنَّه يشارك المباشر في عمله، إنْ خيرًا فَخَيْرٌ، وإنْ شَرًّا فشر.
٥ - قال ابن بطال: هذا الحديث أصلٌ في سدِّ الذرائع، ويؤخذ منه أنَّه إِذَا آل أمره إلى محرَّم، حرم عليه الفعل، وإنْ لم يقصد المحرَّم؛ وعليه دلَّ قوله تعالى: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام: ١٠٨].
قال الشيخ عبد الرحمن السعدي عند تفسير هذه الآية: نهى الله المؤمنين عن أمرٍ كان جائزًا بل مشروعًا في الأصل، وهو سبّ آلهة المشركين، لكن لما كان طريقًا إلى سب المشركين لربِّ العالمين، نهى الله عنه؛ فالآية دليلٌ للقاعدة الشرعية "إنَّ الوسائل لها أحكام المقاصد" فوسائل المحرَّم، تكون محرَّمة ولو كانت جائزة.
٦ - أمَّا الوسائل المذكورة في الحديث، فهى وسائل محرَّمة، ومقاصدها محرَّمةٌ أيضًا.
***
стр. 3784
١٢٧٢ - وَعَنْ أَبِي أَيُّوبَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "لاَ يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلاَثِ لَيَالٍ، يَلْتَقِيَانِ، فَيُعْرِضُ هَذَا، وَيُعْرِضُ هَذَا، وَخَيْرُهُمَا الَّذِي يَبْدَأُ بِالسَّلاَمِ" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١).
ــ
* مفردات الحديث:
- أنْ يهجر أخاه: الهجر هو الترك، والمراد: أنْ يترك المؤمن كلام أخيه المؤمن إذا تلاقيا، ويعرض كل واحدٍ منهما عن صاحبه.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - للمسلم على المسلم حقوق كبيرة، كثيرة، جاءت في كتاب الله تعالى وسنَّة رسوله ﷺ .
وقد تتَّبعها الإِمَام الغزالي، فجاء منها في "الإحياء" بطائفة طيبة، منها: أنْ تسلِّم عليه إذا لقيته، وتجيبه إذا دعاك، وتعوده إذا مرض، وتشهد جنازته إذا مات، وتبر قَسَمه، وتنصح له إذا استنصحك، وتحفظه بظهر الغيب إذا غاب، وتحب له ما تحب لنفسك، وتكره له ما تكره لنفسك، وهذه الخصال الطيبة مستقاة من أحاديث صحيحة.
٢ - إذا كانت هذه بعض الحقوق التي حثَّ عليها دينك الحنيف، فكيف يجمل بك أنْ تهجره، وتقاطعه، وتُعْرِض عنه؟! لا شك أن هذا خلق مناف لآداب الإسلام كل المنافاة!!
٣ - يحرم هجر المسلم أكثر من ثلاثة أيَّام، فلا يحل أنْ يزاد عليها.
٤ - قال في شرح الإقناع: والهجر المنهي عنه يزول بالسلام؛ لأنَّه سبب التحابِّ
стр. 3785
للخير، فيقطع الهجر؛ روي مرفوعًا: "السَّلام يقطع الهجران".
ويدل على هذا ما جاء بالحديث: "يلتقيان، فيعرض هذا، ويعرض هذا، وخيرهما الَّذي يبدأ بالسَّلام".
وزوال الهجر بالسَّلاَم هو مذهب جمهور العلماء.
٥ - النَّفس البشرية تحب التشفي والانتقام؛ فاعطاها الشَّارع الحكيم مدَّة ثلاثة أيَّام تقضي وطرها ممَّن أغضبها، ولم يزد على ذلك.
٦ - في الحديث فضيلة الَّذي يبدأ صاحبه بالسَّلام، ويزيل ما بينهما من التهاجر والتقاطع، ذلك أنَّه استطاع أنْ يتغلَّب على نفسه الأمَّارة بالسوء، فيسامح صاحبه ويصافيه؛ قال تعالى: ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (٣٤) وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (٣٥)﴾ [فصلت].
٧ - وقال في شرح منظومة الآداب: من أعلن المعاصي -سواءٌ أكانت فعلية، أو قولية، أو اعتقادية- فهجره سنَّة يثاب الإنسان على فعلها؛ حيث كان الهجر لله تعالى غضبًا لارتكاب معاصيه، أو لإهمال أوامره.
قال الإمام أحمد: إذا علم أنَّه مقيمٌ على معصيةٍ لم يأثم إنْ جفاه حتَّى يرجع، وقد جفى النَّبي ﷺ كعبًا وصاحبيه، وأمر الصحابة بهجرهم خمسين يومًا.
***
стр. 3786
١٢٧٣ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "كُلُّ مَعْرُوفٍ صَدَقَةٌ" أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ (١).
١٢٧٤ - وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لاَ تَحْقِرَنَّ مِنَ المَعْرُوفِ شَيْئًا، وَلَوْ أَنْ تَلْقَى أَخَاكَ بوَجْهٍ طَلْقٍ" أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ (٢).
ــ
* مفردات الحديث:
- بوجه: بالتنوين.
- طَلْق: بفتح الطاء، وسكون الَّلام، أي: طليق سهل منبسط باشٍّ مشرق، ويأتي طليق كأمير.
* ما يؤخذ من الحديثين:
١ - أبواب طرق الخير كثيرة، والمستحب للمسلم أنْ يضرب في كلِّ بابٍ بسهمٍ؛ فقد قال تعالى: ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (٢١٥)﴾ [البقرة]، وقال تعالى: ﴿وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ﴾ [آل عمران: ١١٥]، وقال تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧)﴾ [الزلزلة].
٢ - وقد عدَّ النَّبي ﷺ جملةً طيبةً في بعض الأحاديث الصحيحة من أعمال الخير، وجعلها صدقة، فقال: "كُلُّ تسبيحةٍ صدقةٌ، وكل تحميدةٍ صدقةٌ، وكل تهليلةٍ صدقة، وكل تكبيرةٍ صدقة، وأمرٌ بالمعروف صدقة، ونَهيٌ عن
стр. 3787
المنكر صدقة، وفي بُضْعِ أَحدكم صدقة، تعدل بين اثنين صدقة، تعين الرَّجل فتحمل له على الدَّابة صدقة، والكلمة الطيبة صدقة، وبكلِّ خطوةٍ تمشيها إلى الصَّلاة صدقة، وتميط الأذى عن الطريق صدقة، وطلاقة الوجه بوجه أخيك المسلم صدقة"؛ وهذه الجمل الكريمات من ثلاثة أحاديث.
٣ - كل معروفٍ يفعله الإنسان صدقة، والصدقة هي ما يعطيه المتصدِّق؛ فيشمل الواجبة والمندوبة، يبيِّن أنَّ له حكم الصَّدقة في الثواب.
٤ - الحديث يدل على أن الصَّدقة لا تنحصر فيما هو أصلها، وهو ما أخرجه الإنسان من ماله متطوِّعًا؛ فلا تخص بأهل اليسار، بل كل أحد قادر على أنْ يفعلها في أكثر الأحوال من غير مشقَّة؛ فإنَّ كلَّ شيءٍ يفعله الإنسان، أو يقوله من الخير: يكتب له به صدقة.
٥ - لعلَّ من حِكَم تنويع العبادات، وأنواع البر، هو امتحان العباد بالقيام بها؛ فإنَّ منهم من تسهل عليه العبادات المالية دون البدنية، ومنهم من تسهل عليه العبادات البدنية دون المالية، فأراد جلَّ وعلا اختبار عباده؛ من يقدم طاعة ربه على هوى نفسه، كما أنَّ تنويعها؛ ليقوم كل مريدٍ للخير بما يقدر عليه، وما يناسبه.
***
стр. 3788
١٢٧٥ - وَعَنْ أبِي ذَرٍّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِذَا طَبَخْتَ مَرَقَةً، فَأَكْثِرْ مَاءَهَا، وتَعَاهَدْ جِيرَانَكَ" أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ (١).
ــ
* مفردات الحديث:
- مَرَقة: المَرَق: بفتح الميم، والرَّاء، بعدها قاف، هي الماء أغلي فيه اللحم، فصار دسمًا، والجزء منه: مرقة.
- تعاهد جيرانك: تفقَّدْ جيرانك، وَصِلْهم، ولو بمرقة تهديها إليهم.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - تقدَّم الحثُّ على فضل صلة الجار، وبرِّه، والإحسان إليه، وهذا الحديث يحث الرجل أنْ يتعاهد جيرانه بقدر حاله، وأنْ لا يحقر من المعروف شيئًا، حتَّى ولو لم يكن عنده إلاَّ مرقة، فليكثر ماءها، وليتعاهد جيرانه ببعث شيء منها.
٢ - العادة أنَّ الجيران قد سقطت بينهم الكلفة، وزالت فيما بينهم الهيبة، والهدية -ولو صغرت- توثق الصلة، وتقوي العلاقة، وتحكم المحبة؛ فالأفضل أنْ يتعاهدوا فيما بينهم الوسائل التي تربط بينهم علاقة الجوار؛ ففي الحديث: "تهادَوْا تحابوا".
...
стр. 3789
١٢٧٦ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا، نَفَّسَ اللهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ يَسَّرَ عَلَى مُعْسِرٍ، يَسَّرَ اللهَ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا والآخِرَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا، سَتَرَهُ اللهُ فِي الدُّنْيَا والآخِرَةِ، واللهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ" أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ (١).
ــ
* مفردات الحديث:
- نَفَّسَ: بفتح النون، وتشديد الفاء، آخره سين، من تنفيس الخناق، أي: إرخائه حتَّى يأخذ له نفسًا، والمراد: إزالة الضيق.
- كُرْبَة: بضم الكاف، وسكون الرَّاء، ثمَّ باء موحَّدة، وآخرها تاء التأنيث، هي: ما أهم النفس، وغمَّ القلب، كأنَّها لشدَّة غمِّها عطَّلت مجال التنفس منه.
- يسَّر على معسرٍ: سهَّل عليه بإبراءٍ، أو هبةٍ، أو صدقةٍ، أو إنظارٍ إلى ميسرة، قال في الفتح: ويصح شموله لإفتاء عامي في ضائقة وقع فيها بما يخلصه منها، لأنَّه حِصن بالنسبة للعامي.
- سَتَر: أخفى عيب أو ذنب ذوي الهيئات والمروءات الَّذين لم يُعْرَفوا بالشرِّ، فالله تعالى يستره يوم القيامة بمحو ذنوبه، بحيث لا يسأله عنها ابتداءً، أو يسأله عنها بدون أنْ يطَّلِعَ عليها أحد.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - قال ابن دقيق العيد: هذا حديثٌ عظيم جامع لأنواعٍ من العلوم والقواعد
стр. 3790
الآداب. وهذه القطعة التي معنا فيها أربع فقرات كريمات:
الأولى: "من نفَّس عن مسلمٍ كربةً ... إلخ":
قال ابن رجب: الكربة هي الشدَّة العظيمة التي توقع صاحبها في الكرب، وتنفيسها أنْ يخفف عنه منها؛ وذلك بأنْ يزيل عنه الكربة، فتفرج عنه كربته، ويزول همه وغمه، وتفريج الكربات بابه واسع؛ فإنَّه يشمل كل ما يلزمه، وينزل بالعبد من ضائقة.
قال النووي: فيه دليلٌ على استحباب الرضا، وفك الأسير، والضمان على المعسر، وليس في الحديث جزاء الحسنة حسنة في الآخرة واحدة، وإنَّما كربة الآخرة تشتمل على أحوال صعبة، ومخاوف جمَّة، وتلك الأهوال تزيد على العسرة؛ كما أنَّ الحديث وعد بأنْ يختم للمنفِّس بخير، بأنْ يموت على الإسلام، فهو وعد بثواب الآخرة، فبهذا الوعد فليثق المؤمنون.
الثانية: "من يسَّر على معسرٍ، يسَّر الله عليه فى الدنيا والآخرة":
قال تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٨٠)﴾ [البقرة]؛ فإنظار الغريم في الدَّين، أو إبراؤه سببٌ قويٌ، ووعدٌ من الله تعالى أنْ ييسِّر الله أموره في الدنيا والآخرة.
قال ابن رجب: التيسير على المعسر يكون بأحد أمرين:
إمَّا إنظاره، وذلك واجب.
وإمَّا بالوضع عنه، أو بإعطائه ما يزول به إعساره؛ وكلاهما فيه فضل.
وجاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة عن النَّبيِّ ﷺ قال: "كان تاجرٌ يداين النَّاسَ، فإذا رأى معسرًا، قال لصبيانه: تجاوزوا عنه، لعلَّ الله أنْ يتجاوز عنَّا، فتجاوز الله عنه".
الثالثة: "من ستر على مسلم ... إلخ".
стр. 3791
قال النووي: في الحديث استحباب ستر المسلم إذا طَّلَعَ على أنَّه عمل فاحشة؛ فقد قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (١٩)﴾ [النور].
والمستحب للإنسان إذا اقترف ذنبًا أنْ يستر على نفسه.
قال ابن دقيق العيد في شرح الأربعين: المراد الستر على ذوي الهيئات، ونحوهم ممَّن ليس معروفًا بالفساد، وهذا في ستر معصية وقعت وانقضت، أمَّا إذا علم معصيته وهو ملتبس بها، فيجب المبادرة بالإنكار عليه، ومنعه منها، فإنْ عجز، لزم رفعها إلى ولي الأمر إنْ لم يترتَّب على ذلك مفسدة.
أمَّا المعروف بالفسق: فلا يستر عليه؛ لأنَّ الستر عليه يطمعه في الفساد، والإيذاء، وانتهاك المحرمات، وجسارة غيره على مثل ذلك، بل عليه أنْ يرفعه إلى الإمام إنْ لم يخف من ذلك مفسدة.
وكذلك القول في جرح الرواة، والشهود، والأمناء على الصدقات، والأوقاف، والأيتام، ونحوهم، فيجب تجريحهم عند الحاجة، ولا يحل الستر عليهم إذا رأى منهم ما يقدح في أهليتهم، وليس هذا من الغيبة المحرَّمة، بل من النصيحة الواجبة.
وقال ابن رجب في شرح الأربعين: واعلم أن النَّاسَ على ضربين:
أحدهما: من كان مستورًا لا يعرف بشيءٍ من المعاصي، فإذا وقعت منه هفوة، أو زلَّة، فإنَّه لا يجوز هتكها، ولا كشفها، ولا التحدث بها؛ لأنَّ ذلك غيبة محرَّمة، وهذا هو الَّذي ورد في النصوص؛ وفي ذلك قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (١٩)﴾ [النور]، والمراد بإشاعة الفاحشة على المؤمن فيما وقع منه، واتهم به ممَّا هو بريءٌ منه.
قال بعض الوزراء الصَّالحين لبعض من يأمر بالمعروف: اجتهد أنْ تستر
стр. 3792
العصاة، فإنَّ ظهور معاصيهم عيبٌ في أهل الإسلام، ومثل هذا لو جاء تائبًا نادمًا، وأقر بحد لم يفسره، لم يطلب منه أنْ يفسره، بل يؤمر بأنْ يرجع ويستر نفسه؛ فقد جاء في الحديث عن النَّبي ﷺ : "أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم" [أخرجه أبو داود (٤٣٧٥) والنسائي (٤/ ٣١٠) من حديث عائشة].
الثاني: من كان مشتهرًا بالمعاصي، معلِنًا بها، ولا يبالي بما ارتكب منها، ولا بما قيل له، هذا هو الفاجر المعلن، وليس له غيبة، كما نصَّ على ذلك الحسن البصري، وغيره.
ومثل هذا لا بأس بالبحث عن أمره؛ لتقام عليه الحدود، وصرَّح بذلك أصحابنا؛ واستدلوا بقول النَّبيِّ ﷺ : "واغدُ يَا أُنيس إلى امرأة هذا، فإنْ اعترفت فارجمها" [رواه البخاري (٦٨٥٩) ومسلم (١٦٩٨)].
ومثل هذا لا يشفع له إذا أخذ، ولو لم يبلغ السلطان، بل يترك حتَّى يقام عليه الحد، فيكشف ستره، ويرتدع به أمثاله.
قال مالك: من لم يعرف منه أذًى للنَّاس، وإنَّما كانت منه زلَّة، فلا بأس أنْ يشفع له ما لم يبلغ الإمام، وأمَّا من عُرِفَ بشرٍّ، أو فسادٍ، فلا أحب أنْ يشفع له أحد، ولكن يترك حتَّى يقام عليه الحد، حكاه ابن المنذر وغيره.
الرَّابعة: "والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه":
فمن كان في حاجة أخيه، فالله تعالى في حاجته بالتيسير والتسهيل والإعانة، وهو وعدٌ صادق من الله تعالى؛ فقد أخرج الطبراني في الأوسط (٥/ ٢٠٢) من حديث عمر مرفوعًا: "أفضل الأعمال إدخال السرور على المؤمن، كسوت عورته، أو أشبعت جوعته، أو قضيت حاجته".
قال مجاهد: "صحبت ابن عمر في السفر لأخدمه، فكان يخدمني".
стр. 3793
فالحديث يدل على أنَّه تعالى يتولَّى إعانة من أعان أخاه، سواءٌ في حاجة العبد التي يسعى فيها، أو في حوائج نفسه؛ فينال من عون الله ما لم يكن يناله بغير إعانته، وإنْ كان تعالى هو المعين لعبده في كلِّ أموره، لكن إذا كان في عون أخيه، زادت إعانة الله له.
٢ - فيؤخذ منه أنَّه ينبغي للعبد أنْ يشتغل بقضاء حوائج أخيه، فيقدمها على حاجة نفسه؛ لينال من الله كمال الإعانة في حاجاته.
٣ - وهذه الجمل دلَّت على أنَّه تعالى يجازي العبد من جنس فعله.
***
стр. 3794
١٢٧٧ - وَعَنِ أَبِي مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ دَلَّ عَلَى خَيْرٍ، فَلَهُ مِثْلُ أجْرِ فَاعِلِهِ" أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ (١).
ــ
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - المؤمن هو الَّذي يكون قدوةً، وأسوةً في عمل الخيرات، وفعل الطيبات، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا (٧٤)﴾ [الفرقان]، وقال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا﴾ [الأنبياء: ٧٣].
وجاء في مسلم (١٠١٧) من حديث جرير بن عبد الله؛ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "مَنْ سَنَّ سنَّةً في الإِسلام حسنةً، فله أجرها، وأجر من عمل بها بعده، من غير أنْ ينقص من أجورهم من شيء".
٢ - وحديث الباب يدل على أنَّ من دلَّ على خيرٍ، سواءٌ أكان من خير الدنيا، أو خير الآخرة: أنَّ له من الأجر مثل أجر من فعل، من غير أنْ ينقص من أجر المقتدى به شيء، وإنَّما هو أجرٌ بسبب كونه قدوةً في الخير، وأسوةً في عمل الإحسان.
٣ - ومن أفضل الأَعمال الصالحة التي يتعدَّى نفعها، وتبقى ثمارها: هو العلم النَّافع، الَّذي هو شرع الله تعالى من أصوله وفروعه، وما أعان على فهمه، فمن نشر هذا العلم، فقد ضرب بسهمٍ وافرٍ من القدوة الحسنة، والدَّلالة على الصراط المستقيم، وقد أخرج النَّاس -بإذن الله تعالى- من ظلمات الجهل إلى نور العلم، والهداية، والإرشاد، ونال بهذا عظيم الأجر من الله تعالى، فقد قال ﷺ : "لأن يهديَ الله بك رجلًا واحداً خيرٌ لك من حُمْر النَّعم" [رواه البخاري (٣٠٠٩)، ومسلم (٢٤٠٦)].
стр. 3795
١٢٧٨ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "مَنِ اسْتَعَاذَكُمْ بِاللهِ فَأَعِيذُوهُ، وَمَنْ سَأَلَكُمْ بِاللهِ فَأَعْطُوهُ، وَمَنْ أَتَى إِلَيْكُمْ مَعْرُوفًا فَكَافِئُوهُ، فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَادْعُوا لَهُ" أَخْرَجَهُ البَيْهَقِيُّ (١).
ــ
* درجة الحديث:
الحديث صحيح.
قال المؤلف: أخرجه أحمد، والبخاري في الأدب، والبيهقي، وأبو داود، وصحَّحه ابن حبان، والحاكم، ووافقه الذهبي.
وأخرجه الترمذي: وقال حسنٌ غريب.
وقد أخرجه الطبراني (١٢/ ٣٩٧) بسندٍ رجالُهُ رجال الصحيح إلاَّ شيخه.
* مفردات الحديث:
- استعاذكم بالله: سأل العوذَ والعصمةَ، متوسلًا إليكم بالله، ومُقْسِمًا به عليكم، قَسَمَ استعطافٍ.
- فأعيذوه: أي أجيروه منه؛ إجلالًا لمن استعاذ به.
- من سألكم بالله: شيئًا، من جليلٍ، أو حقير، متوسلاً إليكم بالله، فأعطوه ما سأل إذا قدرتم عليه.
- معروفًا: اسمٌ جامعٌ لكل ما يحسن في الشرع، وتسكن إليه النفس من الخير، والرفق والإحسان، وغيرها.
- فكافئوه: بصيغة الأمر، أي: أعطوه على إحسانه بمثل معروفه، أو أحسن منه.
стр. 3796
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - الحديث فيه أربع جمل هي:
الأولى: "من استعاذكم بالله، فأعيذوه" أي: من التجأ إليكم، واعتصم بكم في أمرٍ من الأمور التي حَزَبته، والعظائم التي ألجأته، فأعيذوه، وكونوا سندًا له، وعضدًا له في كربته ممَّن ظلمه، أو تعدَّى عليه، ما دام أنَّه مع حق في طلب النجاة والحماية،؛ فقد دخل عليكم هذا المدخل، فقد قال ﷺ : "انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا".
الثانية: "من سألكم بالله، فأعطوه": من سألكم شيئًا، وعزَّز سؤاله بالله أنْ تعطوه سؤاله، فأعطوه ما طلب؛ إعظامًا للسؤال بالله تعالى.
الثالثة: "من صنع إليكم معروفًا، فكافئوه" على معروفه، ولا تجعلوا له المنَّة الدائمة عليكم؛ فإن شكر المنعم مكافأته، ومقابلته عليها، والبادىء بالمعروف له سابق الفضل، فيحسن مجازاته على إحسانه.
الرَّابعة: إنْ لم يجد ما يكافىء به صاحب المعروف، فعليه أنْ يكافئه بالدعاء، ومن أعظم الدعاء قول: "جزاك الله خيرًا".
٢ - وفيه دليلٌ على أنَّ الاستعاذة بالمخلوق بما يقدر عليه جائزة؛ كما أنَّ السؤال عند الحاجة جائز.
***
стр. 3797
باب الزهد والورع
١٢٧٩ - عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: -وَأَهْوَى النُّعْمَانُ بإصْبَعَيْهِ إِلَى أُذُنَيْهِ-: "إنَّ الحَلاَلَ بَيِّنٌ، وَإِنَّ الْحَرَامَ بَيِّنٌ، وَبَيْنَهُمَا مُشْتَبِهَاتٌ، لا يَعْلَمُهُنَّ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، فَمَنِ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ، فَقَدِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وعِرْضِهِ، وَمَنْ وَقَعَ في الشُّبُهَاتِ وَقَعَ في الْحَرَامِ، كَالرَّاعي يَرْعَى حَوْلَ الحِمَى يُوشِكُ أَنْ يَقَعَ فِيهِ، أَلاَ وإنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى، أَلاَ وَإِنَّ حِمَى الله مَحَارِمُهُ، أَلاَ وَإِنَّ في الجَسَدِ مُضْغَةً، إذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّه، أَلاَ وَهِيَ القَلْبُ" مُتَّفقٌ عَلَيْهِ (١).
ــ
* مفردات الحديث:
- مُشْتبهات: المشتبهات: بضم الميم، وسكون الشين، وكسر الباء الموحدة، وفيها عدَّة روايات بغير هذا الضبط، هي: غير الواضحات البينات، فهي كل ما تتنازعه الأدلة، وتتجاذبه المعاني؛ فالإمساك عنه ورع.
- استبرأ لدينه وعرضه: بالهمزة، من البراءة، أي: احتاط، فحصل له براءة من الذم الشرعي، وصان نفسه وعرضه من ذم الناس.
стр. 3798
- عِرْضَه: بكسر العين، والعرض: موضع المدح والذم من الإنسان، فهي الأمور التي بذكرها يرتفع أو يسقط، ومن جهتها يُحمد أو يُذم.
- في الشُّبُهَات: بضم الشين والباء، جمع شبهة، وهي الأمر الملتبس.
- وقع في الحرام: الوقوع في الشيء: السقوط فيه، وكل سقوط يُعبَّر عنه بذلك، وإنَّما قال: وقع، ولم يقل: يوشك أنْ يقع فيه؛ تحقيقًا لمداناة الوقوع؛ كما يُقال: من اتبع هواه هلك، وإلاَّ فحقيقة الأمر هو: يوشك أنْ يقع فيه.
- الحِمَى: بكسر الحاء، وفتح الميم المخففة، مقصور، أطلق اسم المصدر على اسم المفعول، وهو موضعٌ حَظَره الإِمام على النَّاس لنفسه، ومنع غيره منه.
- يُوْشِكُ: بضم الياء، وكسر الشين، بمعنى: يقرب ويسرع.
- محارمه: معاصيه التي حرمها؛ كالقتل.
- أَلاَ: مركَّبة من همزة الاستفهام، وحرف النَّفي، لإعطاء معنى التنبيه على تحقُّق ما بعدها.
- مُضْغة: بضم الميم، وسكون الضاد المعجمة، بعدها غين معجمة، آخرها تاء التأنيث، هي: القطعة من اللحم بقدر ما يمضغ الإنسان.
- صلحت بفتح الَّلام وضمها، والفتح أفصح، والصَّلاح ضد الفساد.
"ألاَ وإنَّ في الجسد مضغة ... أَلاَ وهيَ القلب": أبهم في الجملة الأولى، وبيَّنَ في الثانية، وكرَّر حرف التنبيه؛ لبيان فخامة شأنها، وعظيم موقعها، وعبَّر عن القلب بالمضغة؛ لأنَّه قطعةٌ من الجسد، كما أنَّ في المضغة معنى التصغير، مع أنَّ صلاح الجسد أو فساده تابعان لهذه المضغة، تعظيمًا لشأنها؛ ذلك أنَّ من معاني التصغير التفخيم.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - الحلال بيِّنٌ حكمه، واضحٌ أمره، لا يخفى حله؛ وذلك كالخبز، والفواكه،
стр. 3799
والعسل، واللبن، وجميع المأكولات، والمشروبات، والملابس، الواضح حلها، وكذا المعاملات، والتصرفات.
٢ - وإنَّ الحرام بيِّنٌ حكمه، واضحٌ تحريمه؛ من أكل لحم الخنزير، وشُرب الخمر، ولبس الحرير، والذَّهب للرَّجل، والزنى، والغِيبة، والنميمة، والحقد، والحسد، وغير ذلك.
فهذان القسمان الحكم فيها بيِّنٌ؛ لما ورد فيهما من النصوص القاطعة.
٣ - هناك قسمٌ ثالثٌ مُشْتبه الحكم، غير واضح الحل أو الحرمة، وهذا الاشتباه راجعٌ إلى أمور:
منها: تعارض الأدلة: بحيث لا يظهر الجمع، ولا الترجيح بينها؛ فهذا مشتبهٌ في حقِّ المجتهد الَّذي يطلب الأحكام من أدلتها.
فمن انبهم عليه الحكم الرَّاجح، فيو في حقِّهِ مشتبه؛ فالورع اتقاء الشبهة.
ومنها: تعارض أقوال العلماء وتضاربها؛ وهذا في حق المقلِّد الَّذي لا ينظر في الأدلة؛ فالورع في حق هذا اتقاء المشتبه.
ومنها: ما جاء في النَّهي عنها حديث ضعيف، يوقع الشك في مدلوله.
ومنها: المكروهات جميعها: فهي رقية -أي: سُلّم وَصْل- إلى فعل المحرمات، والإقدام عليها؛ فإنَّ النَّفس إذا عصمت عن المكروه، هابت الإقدام عليه، ورأته معصية؛ فيكون حاجزًا منيعًا عن المحرمات.
ومنها: المباح الَّذي يُخشى أنْ يكون ذريعةً إلى المحرَّم، أو يجرّ -في بعض الأحوال- إلى المحرم، ومثله الإفراط في المباحات، فتسبب مجاوزته إلى الحرام، إمَّا عند فقده، أو للإفراط فيما هو فيه.
وبناءً عليه: فإنَّ هذا الحديث أصلٌ في الورع، وهو أنَّ ما اشتبه على الرجل أمره في الحل أو الحرمة، فالورع تركه وتجنبه؛ فإنَّه إذا لم يتركه
стр. 3800
واستمر عليه، واعتاده، جَرَّ ذلك إلى الوقوع في الحرام.
٤ - وقد كان السلف ﵃ يتركون المباحات الكثيرة؛ خوفًا من المكروه والحرام؛ ذلك أنَّ من لم يتعد الشُّبَهَ في كسبه ومعاشه، فقد عرَّض دينه وعرضه للطعن.
٥ - ثمَّ ضربَ ﷺ مثلًا للمحرَّمات بالحِمَى، الَّذي يتخذه الخلفاء والملوك مرعى لدوابُّهم.
ومثَّل المُلِمّ بالمشتبهات بالرَّاعي، الَّذي يسيم ماشيته حول الحمى، فيوشك ويقرب أنْ ترعى ماشيته فيه؛ لقربه منه، كذلك المُلِمّ بالمشتبهات يوشك أنْ يقع في المحرمات، وهو تصويرٌ بديعٌ، ومثالٌ قريب.
٦ - ثم ذكر ﷺ أنَّ في الجسد لحمةً صغيرةً لطيفةً بقدر ما يمضغ، وأنَّ هذه القطعة من اللحم هي القلب، وأنَّ القلب هو السلطان المدبِّر لمملكة الأعضاء، وما تأتي من أعمالٍ؛ فعليه مدار فسادها أو صلاحها.
فإن صلح القلب، فإنه لن يأمر إلاَّ بما فيه الخير، وسيصلح الجسد كله، وإن فسد، فسيأمر بالفساد والشر، وتكون الأعمال معكوسة منكوسة، والله ولي التوفيق.
٧ - وبالجملة فهذا حديثٌ عظيم جليل، وقاعدةٌ من قواعد الإِسلام، وأصلٌ من أصول الشريعة، عليه لوائح أنوار النُّبوة ساطعة، ومشكاة الرِّسالة مضيئة؛ فهو من جوامع كلام النَّبيِّ ﷺ ، ويحتاج استيفاء الكلام عليه إلى مصنَّف مستقل طويل.
٨ - اتَّفق العلماء على عظم هذا الحديث، وكثرة فوائده، وأنَّه من الأحاديث التي عليها مدار الإِسلام، قيل: هو ثلثه، وحديث: "إنَّما الأَعمال بالنِّيات"، ثلث، وحديث: "من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه" الثلث الباقي.
٩ - قوله: "الحلال بيِّن، والحرام بيِّن ... ": معناه: أنَّ الأشياء ثلاثة أقسام:
стр. 3801
حلال بيِّن واضح حله، وحرام بيِّن واضح الحرمة، والمتشابه هو الَّذي يحتمل الأمرين؛ فاشتبه على النَّاظر بأيهما يلحق، وإليه أشار ﷺ بقوله: "لا يعلمهنَّ كثيرٌ من الناَّس"؛ ففيه أنَّه يعلمهنَّ بعض النَّاس، وهم الرَّاسخون من العلماء، فإذا اجتهد المجتهد، فألحقه بأحدهما، صار حلالًا أو حرامًا، فإذا فَقَد هذه "الدلائل" فالورع تركه؛ لأنَّه دخل بقوله ﷺ : "فمن اتَّقى الشبهات، فقد استبرأ لدينه وعرضه".
***
стр. 3802
١٢٨٠ - وَعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ، والدِّرْهَمِ، وَالْقَطِيفَةِ، إِنْ أُعْطِيَ رَضِيَ، وَإِنْ لَمْ يُعْطَ لَمْ يَرْضَ" أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ (١).
ــ
* مفردات الحديث:
- تَعِسَ: كفَرِح، بفتحٍ، فكسرٍ، وهو الهلاك، والعثار، والسقوط، والانحطاط، والقرب من الشرِّ، والبعد عن الخير.
- عبد الدينار: أراد من استعبدته الدنيا بطلبها؛ فصار كالعبد لها، والدينار
والدِّرهم، والقطيفة: مجرَّد أمثلة.
- عبد: قال الطِّيبيُّ: خصَّ العبد بالذكر؛ ليؤذن بانغماسه في محبَّة الدنيا وشهواتها، كالأسَير الَّذي لا يجد خلاصًا.
- القَطِيفة: الثوب الَّذي له خمل، جمعه: قطائف وقطف.
- أُعْطِيَ: مبني للمجهول، وكذا "لم يُعْط"؛ قال تعالى: ﴿فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ (٥٨)﴾ [التوبة].
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - العبادة هي ما قصد بها وجه الله والدَّار الآخرة؛ فمن تعبَّد لأجل الدنيا، وليس له غرضٌ ولا مأربٌ سواها، فهذا رَكَن إلى الدنيا، وجعلها همه وغايته؛ وبهذا فقد تعس، وهلك، وسقط، وغرق في مسلكه، فلا قوام له، إلاَّ أنْ يتداركه الله تعالى بالتوبة النصوح.
٢ - فهذا قلبه وقالبه معلَّق بالدنيا، إنْ أُعطيَ منها، رضي، وحمد، وأثنى، وإنْ
стр. 3803
لم يعط، سخط، وتبرَّم، وقد وصف الله المنافقين بهاتين الصفتين؛ فقال تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ (٥٨)﴾ [التوبة].
٣ - قال الشيخ عبد الرحمن السعدي في شرحه على كتاب التوحيد: وأما العمل لأجل الدنيا، وتحصيل أغراضها: إنْ كانت إرادة العبد كلها لهذا المقصد، ولم يكن له إرادةٌ لوجه الله والدَّار الآخرة، فهذا ليس له في الآخرة من نصيب؛ وهذا العمل لا يصدر من مؤمن؛ فإنَّ المؤمن ولو كان ضعيف الإيمان لابُدَّ أنْ يريد الله والدَّار الآخرة.
وأمَّا من عمل لوجه الله ولأجل الدنيا، والقصدان متساويان، فهذا وإنْ كان مؤمنًا، فإنَّه ناقص الإيمان, والتوحيد، والإخلاص، وعمله ناقصٌ؛ لفقده كمال الإخلاص.
وأمَّا من عمل لله وحده، وأخلص في عمله إخلاصًا تامًّا؛ ولكنه يأخذ على عمله جُعلاً يستعين به على العمل والدِّين؛ كالجعالة التي تجعل على أعمال الخير، وكالمجاهد الَّذي يرتب على جهاده غنيمة أو رزق، وكالأوقاف التي تجعل على المساجد والمدارس، والوظائف الدينية التي يقوم بها، فهذا لا يضر أخذه في إيمان العبد وتوحيده؛ لكونه لم يرد بعمله الدنيا، وإنَّما أراد الدِّين، وقصد أنْ يكون ما حصل له معينًا على القيام بالدِّين.
***
стр. 3804
١٢٨١ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: "أَخَذَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بمَنْكِبَيَّ، فَقَالَ: كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ، أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ. وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ ﵄ يَقُولُ: إِذَا أَمْسَيْتَ فَلاَ تَنْتَظِرِ الصَّباحَ، وَإِذَا أَصْبَحْتَ فَلاَ تَنْتَظِرِ المَسَاءَ، وَخُذْ مِنْ صَحَّتِكَ لِسَقَمِكَ، وَمِنْ حَيَاتِكَ لِمَوْتِكَ" أَخْرَجَهُ البُخَارِيُّ (١).
ــ
* مفردات الحديث:
- مَنْكِبي: بالإفراد والتثنية، مجمع الكتف والعضد.
- عابر: عبر يعبر عبرًا وعبورًا، من باب نصر: قطع السبيل وجازه.
- السبيل: الطريق، يذكَّر ويؤنَّث، جمعه على التذكير: سُبُل، وعلى التأنيث: سبول؛ كذا في المصباح.
وعابر السبيل: المسافر الَّذي لا يستقرّ حتَّى يصل إلى وطنه.
- أمسيت: أمسى الرَّجل مساءً ومُمْسًى: دخل في المساء، والمساء خلاف الصباح، وهو زمان من الظهر إلى الغروب، أو إلى منتصف الليل، قولان.
- أصبحت أصبح الرَّجل: دخل في الصباح، والصباح أوَّل النَّهار، وهو نقيض المساء.
قال في المصباح عن ابن الجواليقي: إنَّ الصباح عند العرب من منتصف الليل الآخر إلى زوال الشمس.
- سقمك: سقم يسقم، من باب عَلِمَ، وسقم يسقم، من باب كَرُمَ، سَقَمًا وسُقْمًا، أي: مرض، والمرض: كل ما خرج بالكائن الحي عن حد الصحة
стр. 3805
والاعتدال، قاله في المعجم الوسيط.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - هذا الحديث الشريف من أحسن الأحاديث الواعظة، فهو أبلغ حديث لقطع الأمل، وتذكر الأجل، والحافز على العمل.
٢ - يقول: "كن في الدنيا كأنَّك غريب"؛ فإن الغريب لا يركن إلى دار الغربة، ولا يطمئن بها، ولا يستقر فيها, ولا تسكن نفسه إليها؛ فلا ينافس أهلها في حطامها، ويزاحمهم على رغباتهم، فنفسه مشتاقة إلى وطنه، لا تحدثه إلاَّ فيه، فهو عازمٌ على السفر، مزمع على الرِّحلة، جازم على النقلة، وهو في بلد الغربة غير عابىءٍ بأهله؛ فلا يأنف أنْ يُرى على خلاف عادة أهله في الملبس والهيئة.
فالحديث فيه الحض على قلَّة المخالطة، والترغيب في الزهد في الدنيا.
قال أبو الحسن: إنَّ الغريب قليل الانبساط إلى النَّاس، مستوحشٌ منهم، إذ لا يكاد يمر بمن لا يعرفه يأنس به، ويكثر من مخالطته فهو ذليلٌ خائف.
٣ - قوله: "أو عابر سبيل" عابر الطريق مسافر لا يقرّ له قرار، ولا تهنأ له دار، حتَّى يصل إلى داره دار القرار، ومجمع الأحبة والأخيار.
قال النووي: لا تركن إلى الدنيا ولا تتخذها وطنًا, ولا تحدث نفسك بالبقاء فيها, ولا تتعلَّق منها إلاَّ بما يتعلَّق الغريب به في وطنه، الَّذي يريد الذهاب منه إلى أهله، وهذا معنى قول سلمان الفارسي ﵁: "أَمرنِي خليلي ﷺ أنْ لا أتخذ من الدنيا إلاَّ كمتاع راكب".
ففي الحديث دليلٌ على قصر الأمل، والاستعداد للموت.
وقال عمر بن عبد العزيز ﵀ في خطبته: إذا لم تكن الدنيا دار إقامة ولا وطنًا، فينبغي للمؤمن أنْ يكون حاله على أمرين:
إمَّا أنْ يكون فيها غريبًا في بلد غربة، همه التزود للرجوع إلى وطنه.
стр. 3806
وإمَّا أنْ يكون كأنَّه مسافر غير مقيم ألبتَّة، بل هو ليله ونهاره، على إحدى هاتين الحالتين.
وقال الحسن البصري: المؤمن كالغريب لا يجزع من ذلها, ولا ينافس في عزِّها, له شأنٌ، وللنَّاس شأن.
٤ - جاء في بعض الروايات أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال لابن عمر: "اعدد نفسك في الموتى، وإذا أصبحت نفسك، فلا تحدِّثها بالمساء، وإذا أمسيت، فلا تُحَدِّثها بالصباح، وخذ من صحتك لسقمك، ومن شبابك لهرمك، ومن فراغك لشغلك، ومن غناك لفقرك، ومن حياتك لوفاتك".
٥ - قوله: وكان ابن عمر يقول: "إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء" هذا من كلام ابن عمر ﵁ مدرجٌ في الحديث، ومعناه: أنَّ الشَّخص يجعل الموت بين عينيه، فيُسارع إلى الطاعات، ويغتنم الأوقات، بالأعمال الصالحات، ويقصر الأمل فلا يركن إلى غرور الدنيا؛ فإنَّه كالغريب أو عابر السبيل، لا يدري متى يصل إلى وطنه مساءً أو صباحاً، والمسافة هي أيام العمر القصار.
قال ابن دقيق العيد: وأمَّا قول ابن عمر، فهو حضٌّ منه للمؤمن بأنْ يستعد أبدًا للموت، والاستعداد للموت يكون بالعمل الصَّالح.
وفيه حضٌّ على تقصير الأمل، بالأعمال، بل بادر بالعمل، وكذلك إذا أصبحت، فلا تحدِّث نفسك بالمساء؛ فتؤخِّر أعمال الصباح إلى الليل.
وقال ابن رجب: وأمَّا وصية ابن عمر، فهي متضمنةٌ لنهاية قصر الأمل، وأن الإنسان إذا أمسى لا ينتظر الصباح، وإذا أصبح لا ينتظر المساء، بل يَظُنّ أنَّ أجله يُدْرِكُهُ قبل ذلك، وبهذا فسِّر الزهد في الدنيا.
وقيل للإمام أحمد: أي شيء يُزَهِّدُ في الدنيا؟ فقال: قصر الأمل. وهكذا قال سفيان.
стр. 3807
٦ - وقول ابن عمر: "وخذ من صحتك لسقمك، ومن حياتك لموتك"، قال ابن رجب: يعني اغتنم الأعمال الصالحة في الصحة قبل أنْ يحول بينك وبينها السقم، وفي الحياة قبل أنْ يحول بينك وبينها الموت.
وقد جاء في الترمذي (٢٣٠٦) من حديث أبي هريرة؛ أنَّ النبي ﷺ قال: "بادروا بالأعمال سبعًا: هل تنتظرون إلاَّ فقرًا منسيًا، أو غنى مطغيًا، أو مرضًا مفسدًا، أو هرمًا مفندًا، أو موتًا مجهزًا، أو الدجال فشر غائبٍ يُنْتَظر، أو السَّاعة فالسَّاعة أدهى وأمرّ؟! ".
أبيات في الزهد والحكمة: قال بعضهم:
تَأَهَّبَ لِلَّذِي لاَبُدَّ مِنْهُ ... فَإِنَّ المَوْتَ مِيقَاتُ الْعِبَادِ
أَتَرْضَى أَنْ تَكُونَ رَفِيقَ قَوْمٍ ... لَهُمْ زادٌ وَأَنْتَ بِغَيْرِ زَادِ
وقال بعضهم:
أَتَبْنِي بِنَاء الْخَالِدِينَ وَإِنَّمَا ... مَقَامُكَ فِيهَا لَوْ عَقَلْتَ قَلِيلُ
لَقَدْ كَانَ فِي ظِلِّ الأَرَاكِ كِفَايَةٌ ... لِمَنْ كَانَ فِيهَا يَعْتَرِيهِ رَحِيلُ
وقال بعضهم:
نَسِيرُ إِلَى الآجَالِ فِي كُلِّ لَحْظَةٍ ... وَأَيَّامُنَا تُطْوَى وَهُنَّ مَرَاحِلُ
وَلَمْ أَرَ مِثْلَ المَوْتِ حَقًّا كَأَنَّهُ ... إِذَا مَا تَخَطَّتْهُ الأمَانِيُّ بَاطِلُ
وَمَا أَقْبَحَ التَّفْرِيطَ فِي زَمَنِ الصِّبَا ... فَكَيْفَ بِهِ وَالشَّيْبُ لِلرَّأسِ شَاعِلُ
تَرَحَّلْ مِنَ الدُّنْيَا بِزَادٍ مِنَ التُّقَى ... فَعُمْرُكَ أَيَّامٌ وَهُنَّ قَلاَئِلُ
وقال ابنِ القيم:
فحَيَّ عَلَى جَنَّاتِ عَدْنٍ فَإِنَّها ... مَنَازِلُكَ الأُوْلَى وَفِيهَا المُخَيَّمُ
وَلَكِنَّنَا سَبْيُ العَدُوِّ فَهَلْ تُرِى ... نَعُودُ إِلَى أَوْطَانِنَا ونُسَلِّمُ
وَقَدْ زَعَمُوا أَنَّ الغَرِيبَ إِذَا نَأى ... وَشَطَتْ بِهِ أَوْطَانُهُ فَهْوَ مُغْرَمُ
وَأَيُّ اغْتِرَابٍ فَوْقَ غُرْبَتِنَا الْتِي ... لَهَا أَضْحَتَ الأَعْدَاءُ فِينَا تَحَكَّمُ
стр. 3808
١٢٨٢ - وعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ تَشَبَّهَ بقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ" أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ (١).
ــ
* درجة الحديث:
الحديث سنده حسن.
قال المؤلِّف: أخرجه أبو داود، وصحَّحهُ ابن حبان.
والحديث فيه ضعف، ولكن له شواهد عند جماعة من أئمة الحديث، عن جماعةٍ من الصحابة، تُخْرِجه عن دائرة الضعف، ومن شواهده: ما أخرجه أبو يعلى مرفوعًا من حديث ابن مسعود: "من رضيَ عمل قومٍ، كان منهم".
قال شيخ الإِسلام ابن تيمية: سنده جيد، وقال الحافُظ في الفتح: سنده حسن، وحسَّنَهُ السيوطي في الجامع الصغير.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - في الحديث أنَّ من تشبَّه بقومٍ، فهو منهم؛ فمن تشبَّه بالكفَّار من المسلمين في أمورهم المختصَّة بهم، فَتَشَبُّهُ الظَّاهر يدعوه إلى التشبه الباطن، فيرتضي زيهم، وسمتهم، فيكون معهم.
٢ - في الحديث: أنَّ الوسائل لها أحكام المقاصد، ووجوب سد الذرائع المفضية إلى المحرمات والشرور؛ لئلا تفضي إلى مقاصدها.
٣ - الحديث يدل على أنَّ من تشبَّه بالفسَّاق كان منهم، أو بالكفَّار، أو المبتدعة، في أي شيء ممَّا اختصوا به من ملبوس أو هيئة، كان على طريقتهم، وعلى
стр. 3809
مسلكهم.
٤ - صنَّف شيخ الإِسلام كتابه "اقتضاء الصراط المستقيم" كله لتحقيق هذه المسألة، فكان ممَّا جاء فيه: "فصلٌ في ذكر الأدلة من الكتاب والسنَّة والإجماع على الأمر بمخالفة الكفار، والنَّهي عن التشبه بهم، قال: وقد روى النسائي (٥٠٧٤) عن الزبير؛ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "غيِّروا هذا الشيب، ولا تشبهوا باليهود".
وهذا اللفظ أدل على الأمر بمخالفتهم، والنَّهي عن مشابهتهم؛ فإنَّه إذا نهى عن التشبه بهم في بقاء بياض الشعر والشيب الَّذي ليس من فعلنا، فلأَنْ ينهى عن إحداث التشبه بهم أولى؛ ولذا كان التشبه بهم محرَّمًا بخلاف الأوَّل.
وروى مسلم (٢٦٠) عن أبي هريرة؛ أنَّ النَّبي ﷺ قال: "جزوا الشوارب، وأرخوا اللحى؛ خالفوا المجوس".
ولهذا لمَّا فهم السلف كراهة التشبه بالمجوس في هذا وغيره، كرهوا أشياء غير منصوص عليها بعينها عن النَّبي ﷺ هي من المجوس.
فلفظ المخالفة دليلٌ على أنَّ جنس المخالفة أمرٌ مقصودٌ للشَّارع.
***
стр. 3810
١٢٨٣ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: كُنْتُ خَلْفَ النَّبيِّ ﷺ يوْمًا، فَقَالَ: "يَاغُلاَمُ! احْفَظِ الله يَحْفَظْكَ، احْفَظِ الله تَجِدْهُ تُجَاهَكَ، وَإِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ اللهَ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ باللهِ" رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وقَالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ (١).
ــ
* درجة الحديث:
الحديث حسن.
قال ابن رجب في شرح الأربعين: أخرجه الترمذي، من حديث ابن عباسٍ، وأخرجه أحمد، من حديث حنش الصنعاني، عن ابن عباسٍ، وقد رويَ هذا الحديث عن ابن عباس من طرقٍ كثيرةِ، من رواية ابنه علي، وعكرمة، وعطاء ابن أبي رباح، وعمرو بن دينار، وغيرهم، وأصح هذه الطرق طريق حنش الصنعاني التي أخرجها الترمذي؛ فهي حسنةٌ جيدةٌ.
* مفردات الحديث:
- احْفَظِ اللهَ؛ بصيغة الأمر، أي: اذكُرِ الله، واحفظ أوامره بالامتثال، ونواهيه بالاجتناب، وحدوده بعدم التجاوز والتعدي.
- تجاهك: بتثليث التاء، أي: أمامك، فيحفظك من شرور الدَّارين.
* ما يؤخذ من الحديث:
في هذا الحديث العظيم جمل جامعات:
الأولى: "احفظ الله؛ يحفظك":
стр. 3811
قال النووي: احفظ أوامره وامتثلها، وانته عن نواهيه، يحفظك في تقلباتك، وفي دنياك، وآخرتك.
فكل ما يحصل للعبد من النبلاء والمصائب، فهو بسبب تضييع أوامر الله تعالى؛ قال تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [الشورى: ٣٠].
وقال ابن رجب: قوله: "احفظ الله" يعني: احفظ حدوده، وحقوقه، وأوامره، ونواهيه، وحفظ ذلك هو الوقوف عند أوامره بالامتثال، وعند نواهيه بالاجتناب، وعند حدوده بأنْ لا يتجاوز ما أمر به وأذن فيه، إلى ما نهى عنه؛ فمن فعل ذلك، فهو من الحافظين لحدود الله.
وقوله: "يحفظك" يعني: أنَّ من حفظ حدود الله، وراعى حقوقه، حفظه الله فإنَّ الجزاء من جنس العمل؛ كما قال تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ [البقرة: ٤٠]، ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة: ١٥٢].
وحفظ الله لعبده نوعان:
أحدهما: حفظه له في مصالح دنياه؛ كحفظه في بدنه، وولده، وأهله، وماله، قال تعالي: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الرعد: ١١].
قال ابن عباس: هم الملائكة يحفظونه بأمر الله، فإذا جاء القدر، تخلوا عنه.
الثاني، وهو أشرف النوعين: حفظ العبد في دينه وإيمانه، فيحفظه في حياته من الشبهات المضللة، ومن الشهوات المحرَّمة؛ فيتوفَّاه على الإيمان, وفي الجملة: فإنَّ الله يحفظ على المؤمن حدود دينه، ويحول بينه وبين ما يفسد عليه دينه، بأنواعٍ من الحفظ، وقد لا يشعر العبد ببعضها.
الثانية: "احفظ الله؛ تجده تجاهك":
معناه: أنَّ من حفظ حدود الله، وجد الله معه في كلِّ أحواله؛ حيث
стр. 3812
توجه: يحوطه، ويحفظه، ويوفِّقه، ويسدِّده، ومن يكن الله معه، فمعه الفئة التي لا تُغلب، والحارس الَّذي لا ينام، والهادي الَّذي لا يضل.
قال تعالى لموسى وهارون: ﴿لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى (٤٦)﴾ [طه]، وقال ﷺ : "وما ظنك باثنين الله ثالثهما" [البخاري (٢٦٦٣) ومسلم (٢٣٨١)]، وقال ﷺ : "لا تحزن إنَّ الله معنا" [رواه البخاري (٣٦١٥) ومسلم (٢٠٠٩)].
فهذه المعيَّة الخاصَّة تقتضي النصر، والتأييد، والحفظ، والإعانة.
أمَّا المعيَّة العامَّة المذكورة في قوله تعالى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ [المجادلة: ٧]: فإن هذه معيَّة تقتضي علمه، واطلاعه، ومراقبته لأعمالهم؛ فهي تقتضي تخويف عباده منه.
وأمَّا المعيَّة الأولى: فتقتضي حفظه، وحياطته، ونصره، فمن حفظ الله، وراعى حقوقه، وَجَدَهُ أمَامه وتجاهه، فاستأنس واستغنى به عن خلقه.
الثالثة: قوله: "إذا سألت، فأسأل الله":
قال النووي: فيه إشارة إلى أنَّ العبدَ لا ينبغي له أنْ يعلِّق سرَّه بغير الله، بل يتوكَّل عليه في جميع أموره:
ثمَّ إنْ كانت الحاجة التي يسألها لم تجر العادة بجريانها على أيدي خلقه؛ كمطلب الهداية، والعلم، والفهم في القرآن والسنَّة، وشفاء المرض، وحصول العافية من بلاء الدنيا، وعذاب الآخرة-: سأل ربه ذلك.
وإنْ كانت الحاجة التي يسألها جرت العادة أنَّ الله يجريها على أيدي خلقه، كالحاجات المتعلقة بأصحاب الحرف والصنائع وولاة الأمور-: سأل الله تعالى أنْ يعطِّف عليه قلوبهم.
وقال ابن رجب: قوله: "إِذَا سألت؛ فأسأل الله، وإذا استعنت؛ فاستعن بالله": هذا منتزعٌ من قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾
стр. 3813
[الفاتحة].
فالدعاء هو العبادة، فتضمَّن هذا الكلام أنْ يسأل الله تعالى، ولا يسأل غيره، وأنْ يستعين بالله دون غيره.
واعلم أنَّ سؤال الله دون خلقه هو المتعيِّن؛ لأنَّ السؤال فيه إظهار الذل من السَّائل، والمسكنة، والحاجة، والافتقار، وفيه الاعتراف بقدرة المسؤول على رفع هذا الضرر، وقيل المطلوب، وجلب المنافع، ودرء المضار، ولا يصلح الذل والافتقار إلاَّ لله وحده؛ لأنَّه حقيقة العبادة.
***
стр. 3814
١٢٨٤ - وَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ﵁ قَالَ: "جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيَّ ﷺ فقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ: دُلَّنِي عَلَى عَمَلٍ إِذَا عَمِلْته، أَحَبَّنِي اللهُ، وَأَحَبَّنِي النَّاسُ، فَقَالَ: ازْهَدْ فِي الدُّنْيَا يُحِبَّكَ اللهُ، وَازْهَدْ فِيمَا عِنْدَ النَّاسِ يُحِبَّكَ النَّاسُ" روَاهُ ابْنُ مَاجَةَ وَغَيْرُهُ، وَسَنَدُهُ حَسَنٌ (١).
ــ
* درجة الحديث:
الحديث حسنٌ بشواهده.
قال ابن رجب في شرح الأربعين: هذا الحديث أخرجه ابن ماجه، وذكر النووي؛ أنَّ إسناده حسن، وفي ذلك نظرة فإنَّ فيه خالد بن عمرو القرشي، قال الإِمام أحمد: منكر الحديث، ليس بثقة، يروي أحاديث باطلة، وقال ابن معين: ليس حديثه بشيءٍ؛ فهو كذَّاب، حدَّث عن شعبة أحاديث موضوعة، وقال البخاري وأبو زرعة: منكر الحديث، وقال أبو حاتم: متروك الحديث، ضعيف، ونسبه ابن عدي إلى وضع الحديث.
قال الحافظ: سنده حسن، أخرجه أبو نعيم من حديث مجاهد عن أنس برجال ثقات، إلاَّ أنه لم يثبت سماع مجاهد من أنس، وقد رويَ مرسلاً، وقد حسَّن النووي الحديث، وكأنَّه لشواهده.
* مفردات الحديث:
- ازهد في الدنيا: يُقال: زهد في الشيء -بالكسر- يزهد زهدًا وزهادة: إذا لم يرغب فيه، فالزهد خلاف الرغبة، ومنه سمي "الزاهد"؛ لأنَّه لم يرغب في
стр. 3815
الدنيا، وقد عرَّف الزهدَ في الدنيا شيخُ الإِسلام ابن تيمية بقوله: الزهد ترك ما لا ينفع في الآخرة.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - قال في الإحياء: الزهد في الدنيا مقامٌ شريف من مقامات السَّالكين، وينتظم هذا المقام: من علم، وحال، وعمل؛ كسائر المقامات، والزهد عبارةٌ عن انصراف الرغبة عن الشيء إلى ما هو خيرٌ منه، وقد جرت العادة بتخصيص اسم الزَّاهد بمن ترك الدنيا، ومن زهد في الدنيا، مع رغبته في الجنَّة ونعيمها؛ فهو -أيضًا- زاهد؛ ولكنَّه دون الأوَّل.
٢ - وليس من الزهد ترك المال وبذله على سبيل السخاء واستمالة القلوب، وإنَّما الزهد أنْ يترك الدنيا؛ للعلم بحقارتها بالنسبة إلى نفاسة الآخرة.
٣ - قوله: "ازهد في الدنيا يحبك الله":
قال الشيخ: الزهد: ترك ما لا ينفع في الآخرة.
وقال ابن رجب: الزهد في الدنيا ثلاثة أشياء، كلها من أعمال القلب، لا من أعمال الجوارح:
أحدها: أنْ يكون العبد بما يزيد الله أوثق منه بما يزيد نفسه، وهذا ينشأ عن صحَّة اليقين وقوته، فإنَّ الله تعالى ضمن أرزاق عباده، وتكفَّل بها؛ قال تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود: ٦].
الثاني: أنْ يكون العبد إذا أصيب بمصيبةٍ في دنياه من ذهاب ولد، وغير ذلك، كان أرغب في ثواب الله ممَّا ذهب من الدنيا أنْ يبقى له، وهذا ينشأ من كمال اليقين.
الثالث: أنْ يستوي عند العبد حامده وذامه في الحق، وهذه من علامات الزهد في الدنيا واحتقارها، وقلة الرغبة فيها، فإنْ عظمت الدنيا عنده، اختار المدح، وكره الذم، فمن استوى عنده حامده وذامه في الحق، دلَّ
стр. 3816
على سقوط منزلة المخلوقين في قلبه، وامتلائه من محبة الحق وما فيه رضا مولاه.
٤ - الزهد في الرياسة أشد من الزهد في الذهب والفضة، فمن أخرج من قلبه حب الرياسة في الدنيا، والترفع فيها عن النَّاس، فهو الزَاهد حَقًّا، وهذا هو الَّذي يستوي عنده حامده وذامه في الحق.
٥ - الوصية الثانية: "وازهد فيما في أيدي النَّاس؛ يحبك النَّاس":
قال ابن رجب: تكاثرت الأحاديث عن النَّبيِّ ﷺ بالأمر بالاستعفاف عن مسألة النَّاس، والاستغناء عنهم؛ فمن سأل النَّاسَ ما بأيديهم، كرهوه وأبغضوه؛ لأنَّ المال محبوب لنفوس بني آدم، فمن طلب منهم ما يحبون، كُرِهَ لذلك.
وأمَّا من زهد فيما في أيدي النَّاس، وعفّ عنهم، فإنَّهم يحبونه ويكرمونه لذلك.
٦ - قال أعرابي: مَنْ سيِّد أهل البصرة؟ قالوا: الحسن البصري، قال: بِمَ سادهم؟ قالوا: احتاج النَّاس إلى علمه، واستغنى عن دنياهم.
***
стр. 3817
١٢٨٥ - وَعَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يقُولُ: "إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْعَبْدَ التَّقِيَّ، الْغَنِيَّ، الْخَفِيَّ" أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ (١).
ــ
* مفردات الحديث:
- التقي: يُقال: اتقى اللهَ اتقاءً: حَذِره وخافه، وأصل اتقى: اوْتَقَى، قلبت الواو تاءً وأدغمت، والاسم: التقوى؛ فهو تقي، وهو: الممتثل لأوامر اللهِ، والمجتنب لنواهيه.
- الغَنِي: يُقال: غَنِيَ فلان غِنًى وغناء: أكثر ماله؛ فهو غني، ومنه غنى النفس، وهو المراد هنا.
- الخَفِي: خفي الأمر يخفى خفاء: لم يظهر؛ فهو خافي وخفي، والخفي -هنا- هو: المنقطع إلى عبادة الله تعالى بالسر؛ فهو بعيد عن مظان الرِّياء والسمعة.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - التقي: هو من أتى بما أوجب الله، واجتنب ما نهى الله عنه؛ ابتغاء رضوانه، وخوفا من عقابه وعذابه.
٢ - الغني: هو غني النَّفس، والعافّ عمَّا في أيدي النَّاس، اعتمادًا على ما قسم الله له من الرزق الَّذي يناله من عمل يده.
٣ - الخفي: هو الَّذي آثر الخمول، وعدم الشهرة والذكر، وانقطع إلى عبادة الله، والاشتغال بذكره، وما يعنيه من أمور نفسه.
٤ - من جَمَعَ هَذه الصفات الثَّلاث، فإنَّ الله تعالى يحبه؛ لأنَّه اتَّقى الله، والله
стр. 3818
يحب المتقين، ولأنَّه استغنى بالله تعالى، ومن استغنى بالله أحبَّه وأغناه.
* فائدة:
ذكروا للعزلة فوائد منها:
١ - التفرغ للعبادة، والاستئناس بمناجاة الله سبحانه.
٢ - التخلص من المعاصي التي يتعرَّض لها الإنسان بالمخالطة؛ من الفتن، والرياء، ونحوهما.
٣ - الخلاص من الفتن والخصومات.
٤ - الخلاص من شرِّ النَّاس.
***
стр. 3819
١٢٨٦ - وَعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ : "مِنْ حُسْنِ إِسْلاَمِ المَرْءِ تَرْكُهُ مَا لاَ يَعْنِيهِ" رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وقَالَ: حَسَنٌ (١).
ــ
* درجة الحديث:
الحديث مرسل.
وحسَّنه مرفوعًا الإِمام النووي، ﵀.
قال ابن رجب في شرح الأربعين: أخرجه الترمذي، وابن ماجه، من رواية الأوزاعي، عن قرَّة بن عبد الرحمن، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة.
قال الترمذي: غريب، وقد حسَّنه النووي؛ لأنَّ رجال إسناده ثقات، وقرَّة بن عبد الرحمن بن حيوة، وثَّقه قومٌ، وضعَّفه آخرون.
قال ابن عبد البر: هذا الحديث محفوظ عن الزهري بهذا الإسناد من رواية الثقات، وهذا موافق لتحسين الشيخ النووي -رحمه الله تعالى.
وأمَّا أكثر الأئمة فقالوا: ليس هو محفوظًا بهذا الإسناد؛ إنَّما هو محفوظٌ عن الزهري، عن علي بن حسين، عن النَّبي ﷺ مرسلاً، رواه عن الزهري مالك في الموطأ، ويونس، ومعمر، وممَّن قال: لا يصح إلاَّ مرسلاً، الإِمام أحمد، ويحيى بن معين، والبخاري، والدَّارقطني، والصحيح أنَّه مرسل.
وقال الزرقاني في شرح الموطَّأ: والحديث حسنٌ، بل صحيح.
стр. 3820
* مفردات الحديث:
- من حسن: "من" تبعيضية، ويجوز أنْ تكون بيانية.
- ما لا يعنيه: يُقال: عُنِيتُ بالحاجة، فأنا بها مَعْنِيّ، أي: اهتممت بها، واشتغلت بقضائها.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - قال ابن رجب -رحمه الله تعالى-: الَّذي يعني الإنسان هو الَّذي تتعلَّق به عنايته، ويكون مقصده ومطلوبه، والعناية شدَّة الاهتمام بالشيءِ.
وليس المراد: أنه ترك ما لا عناية به، ولا إرادة، بحكم الهوس، وطلب النفس، بل بحكم الشرع والإِسلام؛ ولذا جعله من حسن الإِسلام؛ فإنَّ من حسن إسلام المرء ترك ما لا يعنيه من الأقوال والأفعال، وسَلِمَ من المحرَّمات، والمشتبهات، والمكروهات، وفضول المباحات التي لا يحتاج إليها؛ فإنَّ هذا كله لا يعني المسلم إذا كمل إسلامه، وبلغ درجة الإحسان وهو أن يعبد الله كأنَّه يراه، فإنْ لم يكن يراه، فإنَّ الله يراه، فمن عَبَدَ الله على استحضار قربه، ومشاهدته بقلبه، أو على استحضار قرب الله منه واطلاعه، فقد حسن إسلامه، ولزم من ذلك أنْ يترك كل ما لا يعنيه في الإِسلام، ويشتغل بما يعنيه فيه؛ فإنه يتولَّد من هذين المقامين الاستحياء من الله، وترك كل ما يُستحيا معه.
٢ - وقال الشيخ أحمد الفشني: الَّذي يعني الإنسان من الأمور ما يتعلَّق بضرورة حياته في معاشه، وسلامته في معاده، وذلك يسير بالنسبة إلى ما لا يعنيه، فإنِ اقتصر الإنسان على ما يعنيه من الأمور، سلم من شرٍّ عظيم، والسَّلامة من الشرِّ خير.
٣ - قال ابن عبد البر: كلامه ﷺ هذا من الكلام الجامع للمعاني الكثيرة الجليلة في الألفاظ القليلة.