← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13604

توضيح الأحكام من بلوغ المرام

عبد الله البسام

Полный текст (4 050 стр.). Показаны 3816–3855 · переход к 3821.

стр. 3816

على سقوط منزلة المخلوقين في قلبه، وامتلائه من محبة الحق وما فيه رضا مولاه. ٤ - الزهد في الرياسة أشد من الزهد في الذهب والفضة، فمن أخرج من قلبه حب الرياسة في الدنيا، والترفع فيها عن النَّاس، فهو الزَاهد حَقًّا، وهذا هو الَّذي يستوي عنده حامده وذامه في الحق. ٥ - الوصية الثانية: "وازهد فيما في أيدي النَّاس؛ يحبك النَّاس": قال ابن رجب: تكاثرت الأحاديث عن النَّبيِّ ﷺ بالأمر بالاستعفاف عن مسألة النَّاس، والاستغناء عنهم؛ فمن سأل النَّاسَ ما بأيديهم، كرهوه وأبغضوه؛ لأنَّ المال محبوب لنفوس بني آدم، فمن طلب منهم ما يحبون، كُرِهَ لذلك. وأمَّا من زهد فيما في أيدي النَّاس، وعفّ عنهم، فإنَّهم يحبونه ويكرمونه لذلك. ٦ - قال أعرابي: مَنْ سيِّد أهل البصرة؟ قالوا: الحسن البصري، قال: بِمَ سادهم؟ قالوا: احتاج النَّاس إلى علمه، واستغنى عن دنياهم. ***

стр. 3817

١٢٨٥ - وَعَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يقُولُ: "إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْعَبْدَ التَّقِيَّ، الْغَنِيَّ، الْخَفِيَّ" أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ (١). ــ * مفردات الحديث: - التقي: يُقال: اتقى اللهَ اتقاءً: حَذِره وخافه، وأصل اتقى: اوْتَقَى، قلبت الواو تاءً وأدغمت، والاسم: التقوى؛ فهو تقي، وهو: الممتثل لأوامر اللهِ، والمجتنب لنواهيه. - الغَنِي: يُقال: غَنِيَ فلان غِنًى وغناء: أكثر ماله؛ فهو غني، ومنه غنى النفس، وهو المراد هنا. - الخَفِي: خفي الأمر يخفى خفاء: لم يظهر؛ فهو خافي وخفي، والخفي -هنا- هو: المنقطع إلى عبادة الله تعالى بالسر؛ فهو بعيد عن مظان الرِّياء والسمعة. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - التقي: هو من أتى بما أوجب الله، واجتنب ما نهى الله عنه؛ ابتغاء رضوانه، وخوفا من عقابه وعذابه. ٢ - الغني: هو غني النَّفس، والعافّ عمَّا في أيدي النَّاس، اعتمادًا على ما قسم الله له من الرزق الَّذي يناله من عمل يده. ٣ - الخفي: هو الَّذي آثر الخمول، وعدم الشهرة والذكر، وانقطع إلى عبادة الله، والاشتغال بذكره، وما يعنيه من أمور نفسه. ٤ - من جَمَعَ هَذه الصفات الثَّلاث، فإنَّ الله تعالى يحبه؛ لأنَّه اتَّقى الله، والله

стр. 3818

يحب المتقين، ولأنَّه استغنى بالله تعالى، ومن استغنى بالله أحبَّه وأغناه. * فائدة: ذكروا للعزلة فوائد منها: ١ - التفرغ للعبادة، والاستئناس بمناجاة الله سبحانه. ٢ - التخلص من المعاصي التي يتعرَّض لها الإنسان بالمخالطة؛ من الفتن، والرياء، ونحوهما. ٣ - الخلاص من الفتن والخصومات. ٤ - الخلاص من شرِّ النَّاس. ***

стр. 3819

١٢٨٦ - وَعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ : "مِنْ حُسْنِ إِسْلاَمِ المَرْءِ تَرْكُهُ مَا لاَ يَعْنِيهِ" رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وقَالَ: حَسَنٌ (١). ــ * درجة الحديث: الحديث مرسل. وحسَّنه مرفوعًا الإِمام النووي، ﵀. قال ابن رجب في شرح الأربعين: أخرجه الترمذي، وابن ماجه، من رواية الأوزاعي، عن قرَّة بن عبد الرحمن، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة. قال الترمذي: غريب، وقد حسَّنه النووي؛ لأنَّ رجال إسناده ثقات، وقرَّة بن عبد الرحمن بن حيوة، وثَّقه قومٌ، وضعَّفه آخرون. قال ابن عبد البر: هذا الحديث محفوظ عن الزهري بهذا الإسناد من رواية الثقات، وهذا موافق لتحسين الشيخ النووي -رحمه الله تعالى. وأمَّا أكثر الأئمة فقالوا: ليس هو محفوظًا بهذا الإسناد؛ إنَّما هو محفوظٌ عن الزهري، عن علي بن حسين، عن النَّبي ﷺ مرسلاً، رواه عن الزهري مالك في الموطأ، ويونس، ومعمر، وممَّن قال: لا يصح إلاَّ مرسلاً، الإِمام أحمد، ويحيى بن معين، والبخاري، والدَّارقطني، والصحيح أنَّه مرسل. وقال الزرقاني في شرح الموطَّأ: والحديث حسنٌ، بل صحيح.

стр. 3820

* مفردات الحديث: - من حسن: "من" تبعيضية، ويجوز أنْ تكون بيانية. - ما لا يعنيه: يُقال: عُنِيتُ بالحاجة، فأنا بها مَعْنِيّ، أي: اهتممت بها، واشتغلت بقضائها. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - قال ابن رجب -رحمه الله تعالى-: الَّذي يعني الإنسان هو الَّذي تتعلَّق به عنايته، ويكون مقصده ومطلوبه، والعناية شدَّة الاهتمام بالشيءِ. وليس المراد: أنه ترك ما لا عناية به، ولا إرادة، بحكم الهوس، وطلب النفس، بل بحكم الشرع والإِسلام؛ ولذا جعله من حسن الإِسلام؛ فإنَّ من حسن إسلام المرء ترك ما لا يعنيه من الأقوال والأفعال، وسَلِمَ من المحرَّمات، والمشتبهات، والمكروهات، وفضول المباحات التي لا يحتاج إليها؛ فإنَّ هذا كله لا يعني المسلم إذا كمل إسلامه، وبلغ درجة الإحسان وهو أن يعبد الله كأنَّه يراه، فإنْ لم يكن يراه، فإنَّ الله يراه، فمن عَبَدَ الله على استحضار قربه، ومشاهدته بقلبه، أو على استحضار قرب الله منه واطلاعه، فقد حسن إسلامه، ولزم من ذلك أنْ يترك كل ما لا يعنيه في الإِسلام، ويشتغل بما يعنيه فيه؛ فإنه يتولَّد من هذين المقامين الاستحياء من الله، وترك كل ما يُستحيا معه. ٢ - وقال الشيخ أحمد الفشني: الَّذي يعني الإنسان من الأمور ما يتعلَّق بضرورة حياته في معاشه، وسلامته في معاده، وذلك يسير بالنسبة إلى ما لا يعنيه، فإنِ اقتصر الإنسان على ما يعنيه من الأمور، سلم من شرٍّ عظيم، والسَّلامة من الشرِّ خير. ٣ - قال ابن عبد البر: كلامه ﷺ هذا من الكلام الجامع للمعاني الكثيرة الجليلة في الألفاظ القليلة.

стр. 3821

وقال ابن الصلاح: قال أبو زيد إمام المالكية في زمنه: جماع آداب الخير في أربعة أحاديث: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فليقل خيرًا أو ليصمت" [رواه البخاري (٦١٣٨) ومسلم (٤٧)] وَ"من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه" [رواه الترمذي (٢٣١٧)] وَ"لا تغضب" [البخاري (٦١١٦)] وَ"لا يؤمن أحدكم حتَّى يحب لأخيه ما يحب لنفسه" [البخاري (١٣) ومسلم (٢٤٥)]. فهذا الحديث من الأحاديث التي عليها مدار الإِسلام. ٤ - قال الإِمام الغزالي: وحدُّ ما لا يعنيك في الكلام: أنْ تتكلَّم بكلِّ ما لو سكتَّ عنه لم تأثم، ولم تتضرَّر في حالٍ ولا مالٍ، فإنَّك به مضيع زمانك؛ لأنَّك به أنفقت وقتك الَّذي خيرٌ لك لو صرفته في الفكر والذِّكر، فمن قدر على أنْ يأخذ كنزًا من الكنوز، فأخذ بدله مدراة لا ينتفع بها، كان خاسرًا. ***

стр. 3822

١٢٨٧ - وَعَنِ المِقْدَام بْنِ مَعْدِيَكَرِبَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَا مَلأَ ابْنُ آدَمَ وِعَاءً شَرًّا مِنْ بَطْنِهِ" أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ (١). ــ * درجة الحديث: الحديث حسن. قال ابن كثير في تفسيره، بعد أنْ أورد نصَّ هذا الحديث: رواه النسائي، والترمذي، من طرق، عن يحيى بن جابر به، وقال الترمذي: حسن، وفي نسخة: حسنٌ صحيح. ورواه الحافظ أبو يعلى الموصلي في مسنده, عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ ... فذكر الحديث، ورواه الدَّارقطني في الأفراد، وقال: هذا حديثٌ غريب تفرَّد به بقية. قال محرره: ولهذا الحديث شاهدٌ من حديث ابن شعيب. قال الشوكاني في تفسيره: أخرجه عبد بن حميد، والنسائي، وابن ماجة، والبيهقي في شُعَب الإيمان, من طريق عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدِّه، عن النَّبي ﷺ ، قال: "كلوا، واشربوا، والبسوا، من غير مخيلة، ولا سرف". وقد صحَّح هذا الحديث كل من الترمذي، وابن حبان، والذهبي، وحسَّنه الحافظ في الفتح، والسيوطي في الجامع الصغير.

стр. 3823

* مفردات الحديث: - ما: حرف نفي، وقد دخلت على جملةٍ فعلية. - وعاء: بكسر الواو، مفعولٌ به منصوب. والوعاء: ظرف يوضع فيه الشيء، جمعه أوعية. - شرًّا: منصوبٌ على أنَّه صفةٌ لوعاء. - بطْنه: بَطَنَ الشيءُ يَبْطُنُ بُطُونًا: خَفِيَ، والبطن: جوف كل شيء. فالبطن -هنا- خلاف الظهر، وهو مذكَّر، والجمع: بطون وأبطن، سمِّيَ بذلك؛ لخفاء ما فيه. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - قال ابن رجب: رويَ أنَّ ابن أبي ماسويه الطبيب لما قرأ هذا الحديث قال: "لو استعمل النَّاس هذه الكلمات، لسلموا من الأمراض والأسقام، ولتعطلت دكاكين الصيادلة". وإنَّما قال هذا؛ لأنَّ أصل كل داء التخم، قال الحارث بن كلدة: الحمية رأس الدواء، والبطنة رأس الدَّاء. فهذا بعض منافع تقليل الغذاء، وترك التملؤ من الطعام بالنسبة إلى صلاح البدن وصحته. ٢ - وأمَّا منافعه بالنسبة للقلب، وصلاحه، فإنَّ قلَّة الغذاء توجب رقَّة القلب، وقوَّة الفهم، وانكسار النفس، وضعف الهوى، والغضب، وكثرة الغذاء توجب ضد ذلك. ٣ - ومن حيث الأخلاق: فإنَّ معصية الله تعالى بعيدةٌ من الجائع، قريبةٌ من الشبعان، والشبع يخبث القلب، ومنه يكون الفرح، والمرح، والضحك. فالنَّفس إذا جاعت وعطشت، صفا القلب ورَقَّ، وإذا شبعت ورويت، عميَ القلب.

стр. 3824

قال الحسن الخشني: من أراد أن تغزر دموعه، ويرق قلبه، فليأكل وليشرب في نصف بطنه. وقد ندب النَّبي ﷺ إلى التقلل من الأكل، فقال: "حسب ابن آدم لقيمات يُقِمْنَ صُلْبَه" [رواه الترمذي (٢٣٨٠)]. ٤ - الحديث يدل على ذمِّ التوسع في المأكولات، والأخبار في ذلك كثيرةٌ؛ لما فيه من المفاسد الدينية والبدنية؛ فإنَّ فضول الطعام مجلبةٌ للأسقام، ومثبِّطةٌ عن القيام بالأحكام. قال لقمان لابنه: يابنيَّ! إذا امتلأت المعدة، نامت الفكرة، وخرست الحكمة، وقعدت الأعضاء عن العبادة. وفي الخلو عن الطعام فوائد، وفي الامتلاء مفاسد: ففي الجوع: صفاء القلب، وإيقاد القريحة، ونفاذ البصيرة، وإنَّ الشبع: يورث البلادة، ويعمي القلب، ويكثر أبخرة المعدة والدماغ، فيثقل القلب. ومن فوائد التخفيف من الطعام؛ كسر شهوة المعاصي كلها، والاستيلاء على النَّفس الأمَّارة بالسوء؛ فإنَّ منشأ المعاصي كلها الشهوات، والسعادة كلها في أنْ يملك الإنسان نفسه، والشقاوة كلها في أن نفسه تملكه، والله المستعان. ***

стр. 3825

١٢٨٨ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "كلُّ بَنِي آدَمَ خَطَّاءٌ، وَخَيْرُ الخَطَّائينَ التَّوَّابُونَ" أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَسَنَدُهُ قَوِيٌّ (١). ــ * درجة الحديث: الحديث سنده قوي. قال الشيخ العراقي في تخريج أحاديث الإحياء: أخرجه الترمذي، واستغربه، والحاكم صحَّح إسناده من حديث أنس، قلت: فيه علي بن مسعدة، ضعَّفه البخاري. لكن قوَّى سنده ابن حجر، وكذلك ابن القطان انتصر لتصحيح الحاكم له، وقال: ابن مسعدة صالح الحديث، وإنَّما غرابته فيما انفرد به عن قتادة. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - الحديث دليلٌ على أنَّه لا يخلو من الخطيئة إنسان؛ لما جبل عليه من الضعف، وعدم الانقياد لمولاه في فعل ما دعاه إليه، وترك ما عنه نهاه، ولكنَّه تعالى بلطفه فتح باب التوبة لعباده، وأخبر أنَّ خيرَ الخطَّائين هم التَّوابون المكثرون للتوبة، والمسارعون إليها كلما وقعوا في الخطيئة. ٢ - الذنوب قسمان: كبائر وصغائر: فأمَّا الصغائر: فإنَّ الأعْمَال الصَّالحة تكفرها بإذن الله تعالى؛ من الصلوات الخمس، ومتابعة الحج والعمرة، وصيام رمضان وقيامه، وصوم يوم عرفة، ويوم عاشوراء، وغير ذلك، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ

стр. 3826

يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤]. وأمَّا الكبائر: فلا يكفرها إلاَّ التوبة النصوح، المشتملة على الإقلاع عن المعصية في الحال، والعزم على أنْ لا يعود، والنَّدم على ما فات، وإنْ كانت مظلمة لمخلوق فالبراءة منها بأداءٍ، أو استحلالٍ، أو غير ذلك. ٣ - وصغائر الذنوب لا سبيل إلى حصرها وعدِّها. أمَّا الكبائر: ففي عدِّها خلافٌ بين العلماء، فبعضهم قال: سبع، وقال بعضهم: سبعة عشر، وبعضهم قال: سبعون، وقال بعضهم: ستمائة. وأحسن الأقوال أنَّها محدودة بتعريف، وليست محصورةً بعددٍ، وقد عرفها العلماء بتعريفاتٍ كثيرة، وأجمعها ما قاله شيخ الإِسلام ابن تيمية: "الكبيرة: ما فيه حدٌّ في الدنيا، أو وعيدٌ في الآخرة، أو غضبٌ، أو لعن صاحبها، أو نفي الإيمان عنه". ٤ - والغزالي أرجع المعاصي إلى أربع صفات: "صفات استعلائية، صفات شيطانية، صفات بهيمية، صفات سَبُعِية": فالأولى: صفات استعلائية: ينتج منها الكبر، والفخر، والعجب، وحب المدح، وطلب الاستعلاء، ونحو ذلك، وهذه الصفات مهلكات، وبعض النَّاس يغفل عنها. والثانية: صفات شيطانية: ومنها ما ينتج الحسد، والبغي، والخداع، والمكر، والغش، والنِّفاق، والأمر بالفساد، ونحو ذلك. والثالثة: صفات بهيمية: ومنها يتشعَّب الشر، والحرص على قضاء شهوة البطن والفرج، ومن ذلك: الزنى، واللواط، والسرقة، والرشوة، والغلول، وأخذ حطام الدنيا بدون حق. والرَّابعة: صفات سَبُعِية: ينتج عنها الغضب، والحقد، والتهجم على النَّاس بالقتل، والضرب، وغصب الأموال من النَّاس.

стр. 3827

فهذه أمهات الذنوب ومنابعها، ثمَّ تفجَّر الذنوب من هذه المنابع على الجوارح: فبعضها: في القلب؛ كالكفر، والبدعة، والنِّفاق، وإضمار السوء للنَّاس، وبعضها: على العين، والسمع، وبعضها: على الِّلسان، وبعضها: على البطن، والفرج، وبعضها: على اليدين، والرجلين، وبعضها: على جميع البدن. ولا حاجة إلى تفصيل ذلك؛ فإنَّه واضح. ٥ - التوبة: هي الرجوع إلى الله تعالى بالنَّدم على ما مضى من المعاصي، والعزم على تركها إيمانًا لا لأجل نفع الدنيا، أو أذى النَّاسِ، وأنْ لا يكون على إكراهٍ وإلجاءٍ، بل اختيار حال التكليف. ٦ - قال الغزالي: المقبل على الله تعالى لابُدَّ لهُ من التوبة من المعاصي، وذلك لأمرين: أحدها: ليحصل له توفيق الطَّاعة؛ فإنَّ شؤم الذنوب يورث الحرمان، وإنَّ الذنوب تمنع عن السير إلى الله تعالى، والمسارعة إلى خدمته. الثاني: إنَّما تلزم التوبة لتُقْبَل من العبد الطَّاعات؛ فإنَّ التوبة إرضاءٌ للرَّبِّ، فكيف ندعوه ونناجيه، ونثني عليه، وهو غضبان. والتوبة النَّصوح من مساعي القلب، فهيَ ترك اختيار ذنبٍ سبق مثله؛ تعظيمًا لله تعالى، وحذرًا من سخطه. ٧ - وللتوبة ثلاثة شروط: أحدها: ترك الذنب اختيارًا لله تعالى. الثاني: العزم على أنْ لا يعود إليه. الثالث: النَّدم على ما فات منه. ثمَّ إذا كان الذنب في حقِّ آدمي، فإنَّه يزاد شرطٌ رابعٌ: وهو أداؤه أو

стр. 3828

الاستسماح من صاحبه: فما كان من المال: فيجب عليك رده إنْ أمكنك، وإلاَّ فتستحل صاحبه، فإنْ عجزت عن معرفته، فتصدق عنه. وأمَّا النَّفس: فتمكنه من القصاص أو أولياءه، فإنْ عجزت فالرجوع إلى الابتهال أنْ يرضيه الله عنه يوم القيامة. وأمَّا العرض: فإن اغتبته، أو بهتَّه، أو شتمته، فتكذِّب نفسك بين يدي من فعلت ذلك عنده، وأنْ تستحل من صاحبه، هذا إذا لم تخش زيادة غيظ، وإلا فالمرجع إلى الله تعالى ليرضى عنك. وأمَّا الحرمة: فإنْ خنته في محارمه، فتضرَّع إلى الله ليرضى عنك. وأمَّا في الدِّين: فإنْ فسَّقته، أو بدَّعته، أو ضلَّلته، فتحتاج إلى تكذيب نفسك عند من كفَّرته، أو بدَّعته عنده، وأنْ تستحل من صاحبه إنْ أمكنك ذلك. ٨ - فإذا أنت عملت ما وصفناه، وبرَّأت القلب عن اختيار فعلها في المستقبل، فقد خرجت من الذنوب كلها، وإنْ حصلت منك تبرئة القلب، ولم يحصل منك قضاء الفوائت، وإرضاء الخصوم، فالتبعات لازمةٌ، وسائر الذنوب مغفورة. ٩ - قال شيخ الإِسلام: من تاب توبةً عامَّة، كانت هذه التوبة مقتضية لغفران الذنوب كلها، وتصح من بعض ذنوبه في الأصح؛ خلافًا للمعتزلة. ١٠ - قال الطيبي: من يترك المعاصي، ويندم على فعلها، ويدخل في العمل الصَّالح، فإنه بذلك يكون تائبًا إلى الله مثابًا مرضيَّا عند الله، مكفرًا للخطايا، محصِّلاً للثواب، والله يحب التوابين، ويعرف لهم حقَّهم، والتَّائب من الذنب كمن لا ذنب له. ١١ - قال ابن رجب: الهمُّ بالسيئة من غير عملٍ لها:

стр. 3829

تارةً: يتركها الهامُّ لخوف من الله تعالى، فهذه يكتب له بها حسنة؛ لما في الحديث القدسي: "إنَّما تركها من جرِّائي". وتارةً يتركها خوفًا من المخلوقين، أو مراءاةً لهم؛ فقد قيل: إنَّه يعاقب على تركها بهذه النية؛ لأَنَّ تقديم خوف المخلوقين على خوف الله محرَّم. وإنْ سعى في حصول المعصية بما أمكنه، فلم يقدر عليها، فإنَّه يعاقب؛ لقوله ﷺ : "إذَا التقى المسلمان بسيفهما ... إلخ" [رواه البخاري (٣) ومسلم (٢٨٨٨)]. وأمَّا إن انفسخت نيَّة الهام بالمعصية، وفترت عزيمته من غير سبب منه، فهل يعاقب على ما هم به من المعصية أم لا؟ على قسمين: أحدهما: أنْ يكون الهَمُّ بالمعصية خاطرًا خطر، ولم يساكن صاحبه، ولم يعقد قلبه عليه، فهذا معفوٌّ عنه. الثاني: أنْ تقع النَّفس، ويدوم، ويساكن صاحبها، فهذا أيضًا نوعان: الأوَّل: ما كان عملًا منْ أعمال القلوب؛ كالشكِّ في الوحدانية، أو النبوة، أو البعث، أو نحو ذلك من صور الكفر والنِّفاق، فهذا يعاقب عليه العبد، ويصير به كافرًا، أو منافقًا، ويلتحق بهذا سائر المعاصي المتعلِّقة بالقلوب. الثاني: ما لم يكن من أعمال القلوب، بل من أعمال الجوارح؛ كالزنى، والسرقة، والقتل، ونحو ذلك، فالرَّاجح من أقوال العلماء: أنَّه يؤاخذ به؛ وهو قول أكثر الفقهاء والمحدِّثين من أصحابنا وغيرهم؛ واستدلوا بقوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ﴾ [البقرة: ٢٣٥]؛ وحملوا قوله ﷺ : "إنَّ الله تجاوز لأُمَّتي عمَّا حدَّثت به أنفسها، ما لم تتكلَّم به أو تعمل" [رواه البخاري (٥٢٦٩) ومسلم (١٢٧)] على الخطرات، وغالبُ ما عقد العبد قلبه عليه، فهو من كسبه وعمله، فلا يعفى عنه.

стр. 3830

١٢ - وإذا أتى المؤمن بالتوبة النصوح، خرج من ذنوبه طاهرًا كيوم ولدته أمه، وأحبه الله ، وحصل له من الأجر، والثواب، والبركة، والرحمة ما لا يحيط به وصف الواصفين، وحصل له الأمن والخلاص بإذن الله تعالى. ١٣ - وأهل القبلة ثلاثة أقسام: "فائزون، ومعذَّبون، وناجون": الفائزون: هم إمَّا مقرَّبون، أو من أصحاب اليمين، وهؤلاء هم الَّذي أحكموا أصل الإيمان, وقاموا بجميع الفرائض، واجتنبوا الكبائر، ولم يصروا على الصغائر، فهؤلاء إمَّا يلتحقون بالمقرَّبين، أو بأصحاب اليمين، بحسب إيمانهم ويقينهم. ومن أتى بكبيرةٍ، أو أهمل واجبًا، أو ترك الإِسلام، ثمَّ تابَ توبةً نصوحًا قبل قرب الأجل، أُلحق بمن لم يرتكب؛ لأنَّ التَّائبَ من الذنب كمن لا ذنب له. أمَّا المعذَّبون: فهم الَّذين ماتوا قبل التوبة من الكبيرة، فهؤلاء على خطرٍ، وهم تحت مشيئة الله تعالى، وإذا ماتَ قبل التوبة وعُذِّبَ، فإنَّ عذابه بحسب قبح الكبائر، ومدَّة الإصرار. وأمَّا النَّاجون: ويُراد بالنَّجاة السَّلامة فقط من العذاب، وهم قومٌ لم يخدموا فَيُخْلَع عليهم، ولم يقصروا فيعذبوا. ويشبه أنْ تكون الحالُ للمجانين، وأولاد الكفَّار، والَّذين لم تبلغهم الدعوة فلم يكن له معرفة ولا جحود، ولا طاعة ولا معصية، ويصلح أنْ يكونوا أصحاب الأعراف. ***

стр. 3831

١٢٨٩ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "الصَّمْتُ حِكَمٌ، وَقَلِيلٌ فَاعِلُهُ" أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ، وَصَحَّحَ أَنَّهُ مَوْقُوفٌ مِنْ قَوْلِ لُقْمَانَ الحَكِيمِ (١). ــ * درجة الحديث: الحديث موقوف. قال زين الدِّين العراقي في تخريجه أحاديث الإحياء: أخرجه أبو منصور الديلمي في مسند الفردوس، من حديث ابن عمر بسندٍ ضعيف، والبيهقي في شعب الإيمان, من حديث أنس بلفظ "الصمت"، والصحيح عن أنسٍ أنَّه من قول لقمان، قال: رواه كذلك هو، وابن حبان في كتاب "روضة العقلاء" بسندٍ صحيحٍ إلى أنس. * مفردات الحديث: - حِكَم: جمعة حكمة، يُقال: حَكَمَ حُكْمًا: صار حكيمًا، والحكمة لها معانٍ كثيرة جليلة، أجمعها: أنَّها وضع الشيءِ في موضعه. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - الحديث فيه فضيلة الصمت, وأنَّه من الحكمة قال تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (١٨)﴾ [ق]، وجاء في البخاري (٦٤٧٤) أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "من ضمنَ لي ما بين لَحييه ورجليه أضمن له الجنَّة"، وما أخرجه الترمذي (٢٦١٦) من حديث معاذ بن جبل؛ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "وهل يَكُبُّ النَّاسَ في النَّارِ على وجوههم إلاَّ حصائدُ ألسنتهم"، وما أخرجه الترمذي (٢٤٠٦) من

стр. 3832

حديث عقبة بن عامر؛ أنَّه سأل النَّبي ﷺ عن النَّجاة؟ فقال: "أمسك عليك لسانك". وكان أبو بكرِ الصديق ﵁ يشير إلى لسانه، ويقول: "هذا الَّذي أوردني في الموارد". وقال الحسن البصري: "ما عقل دينه من لم يحفظ لسانه". ٢ - ذكر الغزالي من آفات اللسان: الخوض في الباطل، والتقعر في الكلام، والفحش، والسب، والسخرية، والاستهزاء، وإفشاء السر، والمراء، والجدال، واللعن، والكذب، والغيبة، والنميمة، والخصومة. ٣ - وبهذا نعلم أنَّ الصَّمْت المحمود هو عن الكلام المحرَّم الَّذي ذكرنا بعضه، ومثله الكلام الَّذي لا فائدة منه؛ إذ ربما يجرَّ إلى الكلام المكروه، أو المحرَّم. أمَّا إذا كان الكلام فيما ينفع، من التلاوة، والذكر، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وتعليم العلم، ومباسطة الأهل والإخوان: فهذا محمود. ٤ - واللسان لهذه الأغراض الفاضلة من نِعَمِ الله تعالى العظيمة، ولطائف صنعه، فإنَّه ينطق بالإيمان والإِسلام؛ قال تعالى: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾ [النساء: ١١٤]. فهذه الآية الكريمة هي الفصل في قبيح الكلام ومليحه. ٥ - قوله: "قليلٌ فاعله": لأنَّ النَّاسَ مجبولون على القيل والقال، وكثرة السؤال. والله الموفِّق والهادي إلى سواء السبيل. ***

стр. 3833

باب الترهيب من مساوىء الأخلاق مقدمة قال في المصباح: رَهِبَ رَهَبًا -من باب تعب-: خاف. وقال في تاج العروس: رهبَ كعلم، يرهب رهبةً، بالضم والفتح، وَرَهَبًا، بالتحريك، أي: أنَّ فيه ثلاث لغات، أي: خاف مع تحرُّز. وهناك مبدأ عند أصحاب السَّيْر والسلوك إلى الله تعالى، وهو التخلِّي عن مساوىء الأخلاق، ثم التحلِّي بفضائلها ومحامدها. وهكذا المؤلِّف ﵀ صنع في ترتيبه أحاديث هذا الباب؛ فإنَّه بدأ هنا بالأحاديث التي تنهى عن القبائح والفضائح: من الحسد، والظلم، والشرك، والنِّفاق، والسباب، والفسوق، والغضب، والفتنة، والبخل، وسوء الخلق، وغير ذلك من المساوىء، والعيوب. ثمَّ ثنى بذكر "باب الترغيب في مكارم الأخلاق" ممَّا سيأتي بيانه إنْ شاء الله تعالى؛ فهذا صنع جيد، وترتيب حسن، جزاه الله خيرًا، ورحمه. ***

стр. 3834

١٢٩٠ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِيَّاكمْ وَالْحَسَدَ؛ فَإِنَّ الحَسَدَ يَأْكُلُ الحَسَنَاتِ، كمَا تَأْكُلُ النَّارُ الحَطَبَ" أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ (١)، وَلاِبْنِ مَاجَةَ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ نَحْوُهُ (٢). ــ * درجة الحديث: الحديث ضعيف. أخرجه أبو داود، وسكت عنه، وقال المنذري: جد إبراهيم لم يُسمَّ، وذكر البخاري إبراهيم هذا في التاريخ الكبير، وذكر له هذا الحديث، وقال: لا يصح، وضعَّفه السيوطي في الجامع الصغير, وقال بعض المحدثين: في سنده عيسى بن أبي عيسى الحناط، قال في التقريب: متروك، والله أعلم. * مفردات الحديث: - الحسد: تمنِّي الإنسان أنْ يحوِّل الله إليه نعمة الآخر، أو فضيلته، ويسلبها منه، هذا هو المذموم، وأمَّا أنْ يتمنَّى النعمة لنفسه من غير أنْ تزول عن صاحبها، فتسمَّى الغبطة، فإذا كانت في أمور الدنيا: فمباح، وإنْ كَانت في أمور الآخرة: فمحمودة؛ لأنَّها منافسةٌ على الخير. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - الحديث فيه تحذيرٌ من الحسد، ووجوب مجاهدته، وأنَّ وجوده يذهب الحسنات، ويبطل ثوابها؛ كما تأكل النَّار الحطب، فتجعله رمادًا. ٢ - الحسد الَّذي نهى عنه هو أن يرى الإنسان نعمة الله عند آخر، فيتمنَّى زوالها

стр. 3835

منه، فهذا هو الحسد المذموم. ٣ - الحسد قد جاء ذمُّه في الكتاب والسنَّة؛ فقال تعالى: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النساء: ٥٤]؛ فهذا إنكارٌ من الله تعالى لمن يحسد النَّاس على ما أنعم الله عليهم. وجاء في مسند أحمد (١٤١٥) وسنن الترمذي (٢٥١٠) من حديث الزبير ابن العوام، عن النَّبي ﷺ قال: "دبَّ إليكم داء الأُمم قبلكم: الحسد، والبغضاء هي الحالقة، حالقة الدِّين". وفي الحسد آثارٌ كثيرة، وقد قيل: إنَّ أوَّل ذنبٍ عُصِيَ الله به الحسد، حينما أمر الله إبليس بالسجود لآدم، فحسده، وامتنع من السجود، فطرده الله من الجنَّة. ٤ - قال ابن رجب: الحسد مركوز في طباع البشر، وهو أنَّ الإنسان يكره أنْ يفوقه أحدٌ من جنسه في شيءٍ من الفضائل. والنَّاسُ ينقسمون فيه مراتب: - منهم: من يسعى في زوال نعمة المحسود بالبغي عليه بالقول والفعل. - ومنهم: من يسعى في نقل ذلك إلى نفسه. - ومنهم: من يسعى في إزالة المحسود فقط، من غير نقل ذلك إلى نفسه، وهذا كله حسدٌ مذموم، وهو المنهي عنه. - وقسمٌ آخر من النَّاس: إذا حسد غيره، لم يعمل بمقتضى حسده، ولم يبْغِ على المحسود بقولٍ ولا بفعل، وقد رُوِيَ عن الحسن أنَّه لا يأثم بذلك. - وقسمٌ آخر: إذا وجد في نفسه الحسد، سعى في إزالته، وفي الإحسان إلى المحسود بإبداء الإحسان إليه، والدعاء له، ونشر فضائله، وفي إزالة ما وجد في نفسه من الحسد حتَّى يبدَّل بمحبته. وهذا من أعلى درجات الإيمان, وصاحبه هو المؤمن الكامل الَّذي يحب

стр. 3836

لأخيه ما يحب لنفسه. ٥ - وقال الشيخ عبد الرحمن السعدي: الحسد نوعان: نوعٌ محرَّمٌ مذموم: وهو أَنْ يتمنَّى زوال نعمة الله عن العبد، سواءٌ أحب ذلك محبَّة استقرَّت في قلبه، ولم يجاهد نفسه عنها، أو سعى مع ذلك في إزالتها وإخفائها، وهذا أقبح؛ لأنَّه ظلمٌ متكرِّر. وهذا النوع هو الذي يأكل الحسنات، كما تأكل النَّار الحطب. النوع الثاني: أنْ لا يتمنَّى زوال نعمة الله عن العبد، ولكن يتمنَّى حصول مثلها له، أو فوقها، أو دونها. وهذا نوعان: محمودٌ، وغير محمود: فالمحمود: أنْ يرى نعمة الله الدينية على عبده، فيتمنَّى أنْ يكون له مثله، فهذا من باب تمنِّي الخير، فإن قارن ذلك سعي وعمل لتحصيل ذلك، فهو نورٌ على نور. وأمَّا الغبطة التي لم تحمد: فيتمنِّي حصول مطالب الدنيا؛ لأَجل اللذات، وتناول الشهوات؛ كقصَّة قوم قارون. ٦ - قال ابن القيم عند قوله تعالى: ﴿وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ (٥)﴾ [الفلق]: تأمَّل تقييده شرَّ الحاسد بقوله: ﴿إِذَا حَسَدَ﴾؛ لأنَّ الرَّجل قد يكون عنده الحسد، ولكن يخفيه، ولا يظهر عليه بوجهه، ولا بقلبه، ولا بلسانه، ولا بيده، بل لا يجد في قلبه شيئًا من ذلك، ولا يعامل أخاه إلاَّ بما يحب الله، فهذا لا يكاد يخلو منه أحدٌ إلاَّ من عصم الله. وللحسد ثلاث مراتب: إحداها: هي المتقدمة. الثانية: تمنِّي استصحاب عدم النعمة، فهو يكره أنْ يحدث الله بعبده نعمة، بل يحب أنْ يبقى على حاله، من جهله، أو فقره، أو ضعفه، أو

стр. 3837

شتات قلبه عن الله، أو قلَّة دينه؛ فهو يتمنَّى ما هو فيه من نقص وضعف. فهذا حسد على شيءٍ مقدَّر، والأوَّل حسدٌ على شيءٍ محقَّق؛ وكلاهما حاسد عدو نعمة الله، وعدو عباده، وممقوت عند الله تعالى وعند النَّاس. الثالثة: حسد الغبطة، وهو تمنِّي أنْ يكون له مثل حال المحسود، من غير أنْ تزول النعمة عنه، فهذا لا بأس به، ولا يعاب صاحبه، بل هذا قريبٌ من المنافسة؛ قال تعالى: ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ (٢٦)﴾ [المطففين]. وفي الصحيح عن النَّبي ﷺ أنَّه قال: "لا حسد إلاَّ في اثنتين: رجلٌ آتاه الله مالًا وسلَّطه على هَلَكَتِهِ في الحقِّ، ورجلٌ آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها، ويعلِّمها النَّاس". فهذا حسد غبطة، الحامل لصاحبه كِبَرُ نفسه، وحب خصال الخير، والتشبه بأهلها، والدخول في جملتهم، وأنْ يكون من سابقيهم، وعليه فتحدث له من هذه الهمَّة المنافسة والمسابقة والمسارعة، مع محبته لمن يغبطه، وتمنِّي دوام نعمة الله عليه، فهذا لا يدخل في الآية بوجهٍ ما. ٧ - قال الغزالي: الحسد من الأمراض العظيمة للقلوب، ولا دواء لأمراض القلوب إلاَّ بالعلم والعمل: والعلم النَّافع لمرض الحسد: هو أنْ تعرف أنَّ الحسد ضرره عليك في الدِّين والدنيا، والمحسود لا ضرر عليه في الدنيا, ولا في الدِّين، بل ينتفع بحسدك في الدِّين؛ لأنَّه مظلومٌ من جهتك، لاسيما إذا أخرجت الحسد إلى القول والفعل، وأمَّا منفعته في الدنيا: فهو أنَّه من أهم أغراض الخلق غم الأعداء، ولا غَمَّ أعظم ممَّا فيه الحاسد. وأمَّا العمل النَّافع فيه: فهو أنْ يتكلَّف نقيض ما يأمره به الحسد، وهو بعْثه على الحقد، والقدح في المحسود؛ فيكلف نفسه المدح له، والثناء عليه، وإنْ حمله على الكبر، ألزم نفسه بالتواضع له، وإنْ بعثه على كفِّ

стр. 3838

الإنعام عنه، ألزم نفسه زيادة في الإنعام. فهذه أدويةٌ نافعةٌ للحسد إلاَّ أنَّها مُرَّة، ويسهِّل شربها الاستعانة بالله تعالى، ولا حول ولاقوَّة إلاَّ بالله العلي العظيم. ***

стр. 3839

١٢٩١ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَيْسَ الشَّدِيدُ بالصُّرَعَةِ؛ إِنَّمَا الشَّدِيدُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الغَضَبِ" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). ــ * مفردات الحديث: - الشديد: المراد بالشدَّة هنا القوَّة المعنوية، وهي مجاهدة النَّفس وإمساكها عن الشرِّ. - الصُّرَعة: بضم الصاد المهملة، وفتح الرَّاء، هو القوي الَّذي يصرع النَّاس كثيرًا؛ لقوته وشدَّته. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - الحديث يدل على أنَّ القوَّة الحقيقية ليست هي قوَّة العضلات، والقوَّة البدنية، وإنَّما القوَّة الحقيقية هي القوَّة المعنوية؛ فليس الشديد القوي هو الَّذي يصرع دائمًا غيره من الأشداء. وإنَّمَا الشديد هو الَّذي جاهد نفسه، وقهرها حينمَا يشتد به الغضب؛ فيملك زمامها، فلا يقدِّم على فعل محرَّم، من اعتداء، ويمسك لسانه، فلا يتفوه بكلامٍ محرَّمٍ، من شتمٍ، أو لعنٍ، أو قذْفٍ، أو غير ذلك. ٢ - الغضب غريزةٌ في الإنسان، فإذا جاء ما يبعثها، تحرَّكت نفسه من داخلها إلى خارج الجسد؛ لإرادة الانتقام؛ فالقوي الشديد هو الَّذي يجاهد هذه الحركة، ويقوى عليها، فيصدها عمَّا تريده من الانتقام. ٣ - أمَّا ما جاء من الحديث الَّذي رواه البخاري (٦١١٦) من حديث أبي هريرة:

стр. 3840

"أنَّ رجلًا قال للنَّبيِّ ﷺ : أوصني، فقال: لا تغضب" فالمراد أمران: الأوَّل: يوصيه بأنْ يعمل الأسباب التي توجب له حسن الخلق، من الحلم، والأناة، والحياء، والاحتمال، وكف الأذى، والصفح، والعفو، وكظم الغيظ، ونحو ذلك؛ فإنَّ النَّفس إذا تخلَّقت بهذه الأخلاق، وصارت لها عادة، أوجب لها ذلك دفع الغضب عند حصول أسبابه. الثاني: أنَّه يوصيه أنْ: لا تعملْ بمقتضى الغضب إذا حصل لك، بل جاهد نفسك على ترك تنفيذه، والعمل بما يأمرك به، فإنَّ الغضب إذا ملك من بني آدم، كان هو الآمر النَّاهي له؛ ولهذا قال تعالى: ﴿وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ﴾ [الأعراف: ١٥٤]. ٤ - فضيلة الحلم: قال تعالى: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ﴾ [آل عمران: ١٣٤]. وقال: ﴿وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ (٣٧)﴾ [الشورى]. وأخرج أبو داود (٤٧٧٧) والترمذي (٢٠٢١) وحسَّنه، من حديث معاذ بن أنس الجهني، عن رسول الله ﷺ : "من كظم غيظًا هو قادر على أنْ ينفذه، دعاه الله على رؤوس الخلائق، ويخيره من أي الحور شاء". والآثار والحِكَم المنقولة عن العلماء والحكماء في هذا الباب كثيرةٌ جدًّا. ***

стр. 3841

١٢٩٢ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قالَ رُسْوُل اللهِ ﷺ : "الظُّلمُ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ القيامة" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). ــ * ما يؤخذ من الحديث: ١ - الحديث من أدلَّة تحريم الظلم، وهو يشمل جميع الظلم، وأعظمه الشرك بالله تعالى، قال تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (١٣)﴾ [لقمان]. وقال تعالى في الحديث القدسي: "يا عبادي! إنِّي حرَّمتُ الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرَّمًا". والآيات، والأحاديث، والآثار، في تحريم الظلم، وبيان قبحه كثيرةٌ جدًّا. ٢ - قال ابن رجب: الظلم نوعان: أحدهما: ظلم النفس، وأعظمه الشرك؛ فإنَّ المشرك جعل المخلوق في منزلة الخالق؛ وبهذا فقد وضع الأشياء في غير مواضعها، ثمَّ يليه المعاصي على اختلاف أجناسها من كبائر وصغائر. الثاني: ظلم العبد غيره، سواء كان في النفس، أو في المال، أو في العِرض؛ فقد قال ﷺ في خطبته في حجَّة الوداع: "إنَّ دماءَكمْ، وأموالكم، وأعراضكم، عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا" [رواه البخاري (٦٧) ومسلم (١٦٧٩)]. وجاء في صحيح البخاري (٦٥٣٤) عن أبي هريرة عن النَّبي ﷺ قال: "مَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ مظلمةٌ لأخيه، فليتحلَّل منها قبل أنْ تُؤْخَذ حسناته، فإنْ لم يكن له حسنات، أُخِذَ مِنْ سَيئات أخيه، فطُرِحَتْ عَلَيْهِ".

стр. 3842

١٢٩٣ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : "اتَّقُوا الظُّلْمَ؛ فَإِنَّ الظُّلْمَ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ القِيَامَةِ، واتَّقُوا الشُّح؛ فَإِنَّهُ أَهْلَكَ مَنْ كانَ قَبْلَكُمْ" أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ (١). ــ * مفردات الحديث: - الشُّح: بضم الشِّين، وتشديد الحاء، هو البخل بما عنده، والحرص على ما ليس عنده، ويشمل غير المال. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - الحديث فيه التحذير من الظلم، والأمر باجتنابه، والبعد عنه؛ فإنَّه خطر العاقبة، ذلك أنَّه ظلماتٌ يوم القيامة، فالمؤمنون مستضيئون بنور إيمانهم، ويقولون: ربنا أتمم لنا نورنا، وأمَّا الظَّالمون لربِّهم بالشِّرك، أو لأنفسهم بالمعاصي، أو لغيرهم في الدماء، أو الأموال، أو الأعراض، فهؤلاء يمشون في دياجير الظلم؛ فلا يهتدون سبيلاً. ٢ - ويدل الحديث على التحذير من الشح والبخل؛ فإنَّه صارَ سبب هلاك الأمم السَّابقة، حملهم الحرص على المال على الاعتداء على أموال غيرهم، فصارت الحروب والفتن التي صارت سبب هلاكهم، واستحلال محارمهم، وهذا هلاك في الدنيا. ٣ - كما أنَّه سببٌ للهلاك الأخروي؛ فإنَّ الاعتداء على مال الغير، والاعتداء على محارمه، وسفك دمه: من أكبر الظلم، وأشد الإثم، وهذه المعاصي هي سببُ الهلاك في الآخرة، وعذاب النَّار.

стр. 3843

٤ - جاءت النصوص الكثيرة في ذمِّ البخل والشح؛ قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٩)﴾ [الحشر]. وقال: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ الآية. [آل عمران: ١٨٠]. وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ [محمد: ٣٨]. وجاء في مسند أحمد (١٤) والترمذي (١٩٦٣) من حديث أبي بكرٍ؛ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "لا يَدخل الجنةَّ بخيل". وأخرج الترمذي (٢٥٦٧) والنسائي في الكبرى (٢/ ٤٤) من حديث أبي ذَرٍّ؛ أَنَّ النَّبيَّ ﷺ قَالَ: "إنَّ اللهَ يبغض ثلاثة: الشيخ الزَّاني، والبخيل المنَّان، والمسبل المختال". - قال في مختصر الإحياء: البخيل: هو الَّذي يمنع ما ينبغي منه، إمَّا بحكم الشرع، أو لازم المروءة، ومن قام بواجب الشرع، ولازم المروءة، تبرأ من البخل. ٥ - البخل داء، وسبب البخل أمران: أحدهما: حب الشهوات التي لا يتوصل إلاَّ إليها بالمال. الثاني: حب المال الَّذي تنال به الشهوات، ثمَّ تنسى الشهوات والحاجات، ويكون نفس المال هو المحبوب. وعلاج الشهوات: القناعة باليسير، والصبر، والمعرفة يقينًا بأنَّ اللهَ تعالى هو الرَّزاق، ثمَّ ينظر في عواقب البخل في الدني؛، فإنَّه لاَبُدَّ لجامع المال من آفات تلم به رغم أنفه. ٦ - هنا ثلاثة أصناف: إسراف، وتقتير، واقتصاد: فالصنفان الأولان مذمومان، والصنف الثالث محمود: فالإسراف: هُو مجاوزة الحد في النفقات المباحة، أو النفقات

стр. 3844

المحرمة؛ فهذا كله إسراف ممقوت. الثاني: التقتير: وهذا هو البخل؛ وهو التقصير بالنَّفقات الواجبة، أو النفقات المستحبة التي تقتضيها المروءة. أمَّا الصنف الثالت المحمود: فهو الاقتصاد والتدبير؛ وذلك هو القيام بالنَّفقات الواجبات من حقوق الله، وحقوق خلقه؛ من النفقات، والديون الواجبات، كما هو القيام بالنفقات المستحبة المرغوبة ممَّا تقتضيه المروءة؛ قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا (٦٧)﴾ [الفرقان]؛ فهذه من صفات عباد الرحمن، والله الموفِّق. ***

стр. 3845

١٢٩٤ - وَعَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمُ الشِّرْكُ الأَصْغَرُ: الرِّيَاءُ" أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ بإِسْنَادٍ حَسَنٍ (١). ــ * درجة الحديث: الحديث إسناده جيد. قال زين الدِّين العراقي في تخريج أحاديث "الإحياء": أخرجه أحمد، والبيهقي في الشعب، من حديث محمود بن لبيد، ورجاله ثقات. ورواه الطبراني في رواية محمود بن لبيد، عن رافع بن خديج. قال الشوكاني في تفسيره: أخرج أحمد، والحكيم الترمذي، وابن جرير في تهذيبه، والحاكم، وصحَّحه، والبيهقي، عن أبي سعيد، قال: قال رسول الله ﷺ : "أَلاَ أخبركم بما هو أخوف عليكم عندي من المسيح الدَّجال: الشرك الخفي، أنْ يقوم الرَّجل يصلي لمكان الرَّجل"، ونحوه من حديث شدَّاد بن أوس أخرجه أحمد، وابن أبي حاتم، والطبراني، والحاكم وصحَّحه. قال المنذري: إسناده جيد، وقال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح. وفي الباب أحاديث كثيرة في التحذير من الرِّياء، وأنَّه الشرك الأصغر، وقد استوفاها صاحب الدر المنثور، في آخر تفسير سورة الكهف. * مفردات الحديث: - الشرك الأصغر: الشرك نوعان: أكبر يخرج من الملَّة الإسلامية، وأصغر، وضابطه: أنَّه أحد الوسائل المفضية إلى الشرك الأكبر، والأصغر لا يخرج من

стр. 3846

الملَّة إلاَّ أنَّه خطر. - الرياء: بكسر الرَّاء، وتخفيف الياء، ممدود، من الرؤية، وحَدُّهُ: هو إظهار العبادة؛ لقصد رؤية النَّاس لها؛ فيحمدوا صاحبها. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - الرِّيَاء: مشتقٌّ من الرؤية يرائي النَّاس بما يطلب به الحظوة عندهم، وهو أقسام: منها: ما يكون بالبدن؛ كإظهار النحول والاصفرار، من طول القيام، وكثرة الصيام. ومنها: الزِّي والهيئة؛ كإظهار أثر السجود على الجبهة، وغلظ الثياب، ومنها: القول؛ كإظهار الغضب عند المنكرات، وتحريك الشفتين بالذكر في محضر النَّاس. ٢ - النَّبي ﷺ بالمؤمنين رؤوفٌ رحيم، فهو حريص على جلب كل خيرٍ لأُمَّته، ودفع كل أذى وضرر عنها، فيخاف عليها أنْ تقعَ في المهالك التي تذهب بالحسنات، وتجلب السيئات. وإنَّ من أخطر تلك المعاصي الرِّياء الَّذي هو من أنواع الشرك بالله تعالى، ووجه الخوف يأتي من أمرين: الأوَّل: أنَّه خفيُّ المداخل، لطيف المسالك، يقع فيه المسلم المتعبِّد وهو لم يشعر به، إذا كان من الرياء الخفي، الَّذي هو -غالبًا- يقع في المسلمين المتعبِّدين. الثاني: أنَّه من الشرك، والشرك أعظم الذنوب. ووجه كونه من الشرك: أنَّ المرائي إذا عَبَدَ اللهَ، فهو بمراءاته النَّاس أشرك بتلك العبادة من يرائيهم من النَّاس؛ وبهذا فقد أشرك بالله تعالى، إلاَّ أنَّه من الشرك الأصغر؛ والله تعالى يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء: ٤٨].

стр. 3847

٣ - قال شيخ الإسلام: إنَّ المرائي في العبادة لا يكتفي ببطلان عبادته، فيرجع منها لا له ولا عليه، وإنَّما عليه -مع بطلان العبادة- إثم الرِّياء، وهو من الشرك الأصغر. ٤ - قال ابن رجب في شرح الأربعين: العمل لغير الله أقسام: تارةً يكون: رياءً محضًا؛ بحيث لا يُراد به سوى مراءاة المخلوقين؛ لغرضٍ دنيوي؛ كحال المنافقين في صلاتهم. وهذا الرِّياء لا يكاد يصدر من مؤمن في فرض الصَّلاة والصيام، وقد يصدر في الصدقة الواجبة، والحج، وغيرهما من الأعمال الظاهرة التي يتعدَّى نفعها؛ فإنَّ الإخلاص فيها عزيز، وهذا العمل لا شك أنَّه حابط، وأنَّ صاحبه يستحق المقت من الله تعالى، والعقوبة. وتارةً: يكون العمل لله، ويشاركه الرِّياء: فإنَّ شاركه من أصله، فالنصوص الصحيحة تدل على بطلانه أيضًا وحبوطه. ففي صحيح مسلم (٢٩٨٥) عن أبي هريرة، عن النَّبي ﷺ قال: يقول الله تعالى: "أنا أغنى الشركاء عن الشِّرك، من عمل عملاً أشرك معي فيه غيري، تركته وشركه". وممَّن يروى عنه هذا المعنى -أنَّ العمل إذا خالطه شيءٌ من الرِّياء، كان باطلاً- طائفة من السلف؛ منهم عبادة بن الصامت، وأبو الدرداء، والحسن، وسعيد بن المسيب، وغيرهم. ولا نعرف عن السلف في هذا خلافًا، وإنْ كانَ فيه خلافٌ عن بعض المتأخرين. وقد روي عن مجاهد؛ أنَّه قال في حجِّ الجمَّال، وحج التاجر: هو تامٌّ لا ينقص من أجورهم شيء، وهذا محمولٌ على أنَّ قصدهم الأصلي، كان هو الحج دون التكسب.

стр. 3848

وأمَّا إذا كان أصل العمل لله، ثمَّ طرأتْ عليه نية الرِّياء: فإنْ دفعه، فلا يضره بغير خلاف، وإنْ استرسل معه، فهل يحبط عمله، أم لا يضره ذلك ويجازى على أصل نيته؟: في ذلك خلافٌ بين العلماء من السلف، وأرجو أنَّ عمله لا يبطل بذلك، وأنَّه يجازى على نيته الأولى. ويستدل لهذا القول بما أخرجه أبو داود في مراسيله (ص ٢٤٢) عن عطاء الخراساني؛ أنَّ رجلاً قال: "يارسول الله، إنَّ بني سلمة كلهم يقاتلون في سبيل الله، منهم من يقاتل للدنيا، ومنهم من يقاتل نجدة، ومنهم من يقاتل ابتغاء وجه الله، فأيهم الشهيد؟ قال: كلهم إذا كان أصل أمره أنْ تكون كلمة الله هي العليا". وذكر ابن جرير أنَّ هذا الاختلاف إنَّما هو في عملٍ يرتبط آخره بأوله؛ كالصَّلاة، والصيام، والحج، فأمَّا الَّذي لا ارتباط فيه؛ كالقراءة، والذكر، وإنفاق المال، ونشر العلم، فإنَّه ينقطع بنية الرِّياء الطارئة عليه، ويحتاج إلى تجديد نية. وأمَّا إذا عمل العمل خالصًا، ثم ألقى الله له الثناء الحسن في قلوب المؤمنين: فذلك فضل الله ورحمته، فإذا استبشر بذلك، لم يضره ذلك، وفي هذا المعنى حديث أبي ذرٍّ عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه سئل عن الرَّجل يعمل لله عمل الخير، ويحمده النَّاس عليه؟ فقال: "تلك عاجل بشرى المؤمن" [رواه مسلم (٢٦٤٢)]. * فوائد: الأولى: الرياء جلي وخفي: فالجلي: هو الَّذي يبعث على العمل، ويحمل عليه، ولو قصد العبد الثواب.

стр. 3849

وأمَّا الخفي: فهو لا يحمل على العمل؛ ولكنَّه بحضور النَّاس يخففه عليه، وقد يخفى؛ فلا يدعو إلى الإظهار بالنطق، ولكن بالشمائل والهيئات. الثانية: علمنا ممَّا سبق أنَّ الرِّياءَ محبطٌ للأعمال، وسببٌ لمقتِ الله تعالى، وأنَّه من المهلكات، وَمَنْ هذا حاله، فجديرٌ بالتشمير عن ساق الجد في إزالته ومعالجته؛ وذلك بقلع جذوره وأصوله من القلب إنْ كان موجودًا، ومدافعة ما يخطر منه في الحال. الثالثة: لم يزل المخلصونَ خائفين من الرِّياء الخفي، يجتهدون في مخادعة النَّاس عن أعمالهم الصَّالحة، ويحرصون على إخفائها أعظم ممَّا يحرص النَّاس على إخفاء فواحشهم. كل ذلك رجاء أنْ يخلص عملهم؛ ليجازيهم الله تعالى يوم القيامة بإخلاصهم. الرَّابعة: أنَّ في إسرار الأعمال فائدة الإخلاص، والنَّجاة من الرِّياء. قال الحسن: قد علم المسلمون أنَّ السِّرَّ فيه إحراز العمل، ولكنْ في الإظهار -أيضًا- فائدة القدوة الحسنة؛ ولذلك أثنى الله تعالى على السر والعلانية؛ فقال تعالى: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٧١]. الخامسة: قد ينشط الإنسان على الطاعة إذا وجد من يتعبَّدون، فيظن أنَّ هذا من الرِّياء، وليس كذلك على الإطلاق؛ لأَنَّ المؤمن يكون له رغبةٌ في العبادة، ولكنْ قد تُعوِّقه وتمنعه الأشغال، وغلبة الشهوات، وتستولى عليه الغفلة؛ فمبشاهدة الغير تزول الغفلة، أو تندفع العوائق والأشغال في بعض المواضع؛ فيبعث له النشاط. وينبغي للمؤمن أنْ يُوقن قلبه بعلم الله لجميع طاعاته. ***

стр. 3850

١٢٩٥ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "آيَةُ المُنَافِقِ ثَلاَثٌ: إذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). وَلَهُمَا مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو: "وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ" (٢). ــ * مفردات الحديث: - آية: آية أصلها: أَيَيَة، فقلبت الياء الأولى ألفًا؛ لتحركها وانفتاح ما قبلها، والآية هي العلامة، وسمِّيت آية القرآن آية؛ لأَنَّهَا علامة انقطاع كلامٍ عن كلام. - المنافق: مشتقٌّ من نافقاء اليربوع، فإنَّ أحد بابي جحره يُقال له: النافقاء، وهو موضعٌ يرقِّقه بحيث إذا ضربه رأسه انفتح، وهو يكتمها، ويظهر غيرها. والمنافق في التعريف الشرعي: هو الَّذي يظهر الإسلام، ويبطن الكفر، فإنْ كان في اعتقاد الإيمان، فهو نفاق كفر، وإلاَّ فهو نفاق عملٍ، ويدخل فيه الفعل والترك، وتتفاوت مراتبه. - إذا حدث كذب: الكذب نقيض الصدق؛ فهو الإخبار بالشيءِ على خلاف الواقع. - وإذا وَعَدَ: وعد الأمر عِدَة ووعدًا ومَوعِدةً، وموعودًا، وهذا من المصادر التي جاءت على مفعول. وفي الاصطلاح: الوعد: الإخبار بإيصال الخير في المستقبل؛ ولذا قالوا:

стр. 3851

في الخير: وَعَدْتُهُ، وفي الشرِّ: أوعدته. - أَخْلَف: الإخلاف جعل الوعد خلافًا؛ فهو عدم الوفاء به. - اؤتمن: على صيغة المجهول، من الائتمان، وهو جعل الشخص أمينًا. - خَانَ: يُقال: خانه خونًا وخيانة، ورجلٌ خائن وخائنة، والجمع: خانة وخَوَنة، والخيانة: هي التصرف في الأمانة على خلاف الوجه المشروع. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - قال ابن رجب: النفاق في اللغة: هو جنس الخداع والمكر، وإظهار الخير وإبطان خلافه، وهو في الشرع ينقسم إلى قسمين: أحدهما: النفاق الأكبر، وهو أنْ يظهر الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، ويبطن ما يناقض ذلك كله أو بعضه، وهذا هو النفاق الَّذي كان على عهد رسول الله ﷺ ، ونزل القرآن بذمِّ أهله وتكفيرهم، وأخبر أنَّ أهله في الدرك الأسفل من النَّار. الثاني: النفاق الأصغر، وهو نفاق العمل، وهو أنْ يظهر الإنسان علانيةً صالحة، ويبطن ما يخالف ذلك. وأصول هذا النفاق يرجع إلى الخصال المذكورة في هذه الأحاديث (الأحاديث -ذكرها ﵀ في شرح الأربعين النووية ونحن نوردها لتمام الفائدة). ٢ - قال ﵀: أحدها: "أنْ يُحدِّث بما يُصَدَّق به وهو كاذب"؛ ففي المسند (١٧١٨٣) عن النَّبيِّ ﷺ قال: "كبرت خيانة أنْ تُحدِّث أخاك حديثًا هو لك مصدِّق وأنت له كاذب". الثاني: "إذا وعد أخلف"؛ وهو على نوعين: أحدهما: أنْ يَعِدَ وفي نيته أنْ لا يوفي بوعده، وهذا أشر الخلق.

стр. 3852

الثاني: أنْ يعد وفي نفسه أنْ يفي، ثم يبدو له فيخلف من غير عذرٍ له في الخلف، وقد أخرج أبو داود (٤٩٩٥) والترمذي (٢٦٣٣) من حديث زيد بن أرقم، عن النَّبيِّ ﷺ قال: "إذا وعد الرجل، ونوى أنْ يفي به فلم يفِ به، فلا جناح عليه". "إذا خاصمَ فجر"؛ ومعنى الفجور: أنْ يخرج عن الحقِّ عمدًا حتَّى يصير الحق باطلاً، والباطل حقَّا، وهذا ممَّا يدعو إلى الكذب؛ كما قال النَّبيُّ ﷺ : "إيَّاكم والكذب؛ فإنَّ الكذب يهدي إلى الفجور، وإنَّ الفجور يهدي إلى النَّار". وفي البخاري (٢٤٥٧) ومسلم (٢٦٦٨) عن النَّبيِّ ﷺ : "إنَّ أبغض الرِّجال إلى الله الألد الخصم". وفي سنن أبي داود (٣٥٩٧) عن ابن عمر، عن النَّبيِّ ﷺ قال: "من خاصمَ في باطل، وهو يعلمه، لم يزل في سخطٍ من الله حتَّى ينزع". وفي روايةٍ له: "من أعانَ على خصومةٍ بظلمٍ، فقد جاء بغضبٍ من الله". الرَّابع: "إذا عاهد غدر" ولم يوف بعهده، وقد أمر الله تعالى بالوفاء بالعهد؛ فقال تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا (٣٤)﴾ [الإسراء]، وقال تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا﴾ [النحل: ٩١]. وفي البخاري (٦٩٦٦) ومسلم (١٧٣٦) عن ابن عمر، عن النَّبيِّ ﷺ قال: "لكلِّ غادرٍ لواءٌ يوم القيامة يُعْرَف به، فيُقال: هذه غدرة فلان". والغدر حرامٌ في كلِّ عهدٍ بين المسلم وغيره، ولو كان المعاهَد كافرًا؛ ولهذا جاء في البخاري (٦٩١٤) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، عن النَّبيِّ ﷺ قال: "من قتل نفسًا معاهدة بغير حقٍّ، لم يَرَح رائحة الجنَّة، وإنَّ ريحها ليوجد من مسيرة أربعين عامًّا".

стр. 3853

وأمَّا عهود المسلمين فيما بينهم، فالوفاء بها أشد، ونقضها أعظم إثمًا، ومن أعظمها نقض عهد الإمام على من تابعه ورضيَ به. ففي البخاري (٦٧٨٦) ومسلم (١٠٨) من حديث أبي هريرة، عن النَّبيِّ ﷺ قال: "ثلاثةٌ لا يكلِّمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم، ولهم عذابٌ أليم ... "، وذكر منهم: "رجلٌ بايع إمامًا لا يبايعه إلاَّ للدنيا، فإنْ أعطاه ما يريد وفَّى له، وإلاَّ لم يفِ له". ويدخل في العهود التي يجب الوفاء بها، ويحرم الغدر في جميع عقود المسلمين فيما بينهم إذا تراضوا عليها من المبايعات، والمناكحات، وغيرها من العقود الَّلازمة، التي يجب الوفاء بها، وكذلك ما يجب الوفاء به لله ممَّا يعاهد العبد ربَّهُ عليه من نذر التبرر ونحوه. الخامس: "إذا اؤتمن خان"؛ فإنَّه إذا أُؤتمن الرَّجل أمانةً، فالواجب عليه أنْ يردَّها، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨]. وقد أخرج الترمذي (١٢٦٤)، وأبو داود (٣٥٣٤) من حديث أبي هريرة، أن النبي ﷺ قال: "أدِّ الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك" فالخيانة في الأمانة من خصال النفاق؛ قال تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ﴾ ... [التوبة: ٧٥] إلى قوله: ﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (٧٧)﴾ [التوبة] قال تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ...﴾ الآية [البقرة: ٧٢]. وحاصل الأمر: أنَّ النِّفاق الأصغر كله يرجع إلى اختلاف السريرة والعلانية؛ كما قال الحسن البصري، رحمه الله تعالى. وقال طائفة من السلف: خشوع النفاق أنْ ترى الجسد خاشعًا، والقلب

стр. 3854

ليس بخاشع. قال عمر ﵁: "إنَّ أخوف ما أخاف عليكم المنافق العليم، قالوا: كيف يكون المنافق عليمًا؟ قال: يتكلَّم بالحكمة، ويعمل بالجور، أو المنكر". ٣ - النِّفاق الأصغر، وسيلة: إلى النِّفاق الأكبر؛ كما أنَّ المعاصي بريد الكفر. ٤ - ومن أعظم خصال النِّفاق العملي: أنْ يعمل الإنسان عملًا يظهر أنَّه قصد به الخير، وإنَّما عمله ليتوصَّل به إلى غرض له سيء؛ فيتوصل بهذه الخديعة إلى غرضه، ويفرح بمكره وخداعه، وَحَمْدِ النَّاس له على ما أظهره، وتوصل به إلى غرضه السيِّء الَّذي أبطنه. ٥ - لمَّا تقرَّر عند الصحابة أنَّ النِّفاق اختلاف السِّر والعلانية، خَشِيَ بعضهم على نفسه أنْ يكون إذا تغيَّر عليه حضور قلبه، ورقته، وخشوعه عند سماع الذكر، برجوعه إلى الدنيا، والاشتغال بالأهل، والأولاد، والأموال، أنْ يكون نفاقًا؛ حتَّى قال لهم النَّبي ﷺ : "ليس ذاكم من النِّفاق" [رواه أبو يعلى (٦/ ١٠٥)]. * خلاف العلماء: اختلف العلماء في حكم الوفاء بالوعد على ثلاثة أقوال: فذهب جمهور العلماء على أنَّ الوفاء به مستحب، وليس بواجب، لا ديانة، ولا قضاء، وهو مذهب الأئمة الثلاثة: أبي حنيفة، والشَّافعي، وأحمد. قال الحافظ: ونَقْل الإجماع في ذلك مردود؛ فإنَّ الخلاف فيه مشهور، لكن القائل به قليل، واستدلوا على ذلك بأدلَّة: منها: ما أخرجه أبو داود (٤٩٩٥)، والترمذي (٢٦٣٣) وحسنه؛ أنَّه ﷺ قال: "إذا واعد أحدكم أخاه، ومن نيته أنْ يفي له فلم يف، فلا شيءَ عليه". ومنها: أنَّ الرَّجل إذا وعد وحلف واستثنى بقوله: "إنْ شاء الله"، سقط

стр. 3855

عنه الحنث بالنص والإجماع؛ فهذا دليلٌ على سقوط الوعد منه. وذهب ابن شبرمة: إلى لزوم الوفاء بالوعد ديانة وقضاء؛ وهو مذهب بعض السلف، منهم عمر بن عبد العزيز، والحسن البصري، وإسحاق بن راهويه، والظاهرية. واستدل أصحاب هذا الرَّأي بنصوصِ من الكتاب والسنَّة؛ منها: - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١]. - وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (٢) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ (٣)﴾ [البقرة]، وغيرهما من الآيات. - جاء في البخاري (٣٣)، ومسلم (٥٩)، عن النَّبيِّ ﷺ قال: "آية المنافق ثلاث" وذكر منها: "إذا وعد أخلف"؛ وبهذا يكون إخلاف الوعد من صفات المنافقين، ويكون محرَّمًا. - ما أخرجه الترمذي (١٩٩٥)؛ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "لا تمار أخاكَ، ولا تمازحه، ولا تعده موعدًا فتخلفه". وذهب المالكية: إلى التفصيل فقالوا: يجب الوفاء به إذا كان الوعد على سبب، كأن يأمر بأنْ يدخل لشراء سلعةٍ، أو القيام بمشروع، فإذا تورَّط الموعود، رجع الواعد بوعده؛ فهذا يجب عليه الوفاء ديانةً وقضاء. وأمَّا إنْ لم يحصل ضررٌ على الموعود من الرجوع بالوعد، فلا يلزم الوعد. وحجَّة هؤلاء في تفصيلهم هذا: أنَّ النصوص الشرعية في هذه المسألة تعارضت، وهذا أحسن جمع بينها. قال الشنقيطي في تفسيره: اختلف العلماء في لزوم الوفاء بالعهد: فقال بعضهم: يلزم الوفاء به مطلقًا. وقال بعضهم: لا يلزم مطلقًا. وقال بعضهم: إن أدخله بالوعد في ورطةٍ لزم الوفاء به، وإلاَّ فلا.
следующие страницы →