← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13604

توضيح الأحكام من بلوغ المرام

عبد الله البسام

Полный текст (4 050 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

الاجتهاد لا يكون في زمنه إلاَّ في حالِ غيبتِهِ، وبُعْدِهِ عن مكان المستفتي. ٨ - اختلَفَ العلماء في جواز التيمُّم بجميع ما تصاعد على وجه الأرض: فذهب الإمامان الشَّافعي وأحمد: إلى أنَّه لا يصح التيمُّم إلاَّ بتراب له غبار؛ واحتجا بقوله تعالى: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ [المائدة: ٦]، وما ليس له غبار لا يَعْلَقُ باليد منه شيء، فلا يجوزُ التيمُّم به؛ كما احتجا بما رواه مسلم من حديث حذيفة أنَّ النَّبي ﷺ قال: "وجعلت لنا الأرضُ مسجدًا، وجُعلت تربتها لنا طهورًا". وذهب الإمامان أبو حنيفة، ومالك: إلى جواز التيمُّم بكلِّ ما تصاعد على وجه الأرض، سواءٌ كانت ذاتَ غبار أو غير ذات غبار؛ كالرمل، والحصى، والسباخ، والرطب، واليابس، ومحروق، وحجر، وحشيش، وشجر، وعلى ما عليها من فرش، وحيوان، وغير ذلك، فلا يستثنيان شيئًا ممَّا على وجه الأرض. وذهب إلى هذا الأوزاعيُّ، وسفيان الثوري. قال النووي: وهو وجهٌ لبعض أصحابنا. وهو الروايةُ الأخرى عن الإمام أحمد، اختارها شيخ الإسلام، وابن القيم، واستظهرها ابن مفلح في الفروع، وصوَّبها في الإنصاف؛ لقوله تعالي: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [المائدة: ٦]، وقوله ﷺ : "جعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا". فعموم النصوص تفيدُ جوازَ التيمُّم بجميعِ ما تصاعَدَ على وجه الأرض. ***

стр. 422

١١٣ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ فِي قَوْلِهِ : ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾، قَالَ: "إِذَا كَانَتْ بِالرَّجُلِ الْجِرَاحَةُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْقُرُوحُ فَيُجْنِبُ, فَيَخَافُ أَنْ يَمُوتَ إِنْ اِغْتَسَلَ، تَيَمَّمَ" رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ مَوْقُوفًا, وَرَفَعَهُ الْبَزَّارُ, وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ وَالْحَاكِمُ (١). ــ * درجة الحديث: الحديث موقوف. قال الحافظُ في التلخيص: الصوابُ وقفه، قلت: والصوابُ: أنَّ له حكم الرفع؛ لأنَّ هذا ممَّا لا مجال للرَّأي والاجتهاد فيه، وقال البزَّار: لا نعلم أحدًا رفعه عن عطاء من الثقات إلاَّ جرير بن حازم، وقال أحمد، وابن معين، والعقيلي: إنَّ جريرًا سمع من عطاء بعد اختلاطه؛ ولذا لا يصح رفعه. * مفردات الحديث: - الجراحة: الجُرْحُ: هو الشَّقُّ في البدن، جمع الجُرْحِ: جروح، وجمع الجريح: جَرْحَى. - مرضى: جمعُ مريض، قال القرطبي: المرَضُ: عبارة عن خروج البدن عن حد الاعتدال. أهـ. والمراد هنا: المرض الذي يخشى معه التضرُّر من استعمال الماء. - أو على سفر: "أو" حرف عطف، والجار والمجرور متعلِّق بمحذوف، معطوف على خبر "كنتم"، وهو قوله: "مرضى". - القروح: جمع قرح، وهي: الجروح والشقوق من أثر السلاح، ومن مرض،

стр. 423

كالبثور التي تخرج في البدن. - يُجْنِب: بضم أوله، من أجنب، أي: صار جنبًا. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - تفسير ابن عبَّاس للآية بأنَّ من به قروحٌ، مثالٌ للضرر المبيح للتيمُّم، وإلاَّ فكلُّ مرض يبيحُ التيمُّم، ولو لم يصل استعمال الماء إلى الموت، وإنَّما يصل إلى الضرر فقط. ٢ - قال العلماء: مَنْ خاف باستعمالِ الماء ضَرَرَ بدنه مِنْ مرض يخشى زيادته، أو بُطْءَ بُرْئه، أو بقاءَ أثره، ونحو ذلك، فإنَّه يعدل عن استعمال الماء في الوضوء، أو الغسل، إلى التيمُّم حتَّى يبرأ. أمَّا العذر بعدم الماء: فقد تقدَّم في أحاديث جابر، وعمَّار، وأبي هريرة، وأبي سعيد. ٣ - أنَّ السفر غالبًا يكون معه العذر إلى التيمُّم، ذلك أنَّهم كانوا ما يحملون معهم في سفرهم إلاَّ القليل من الماء، الَّذي يكونُ بقدر شربهم، وإصلاح طعامهم، فيتيمَّمون لصلاتهم؛ ولكن السفر نفسه ليس مبيحًا للتيمُّم؛ فلا يجوز للمسافر الَّذي يجدُ الماء، ولا يخاف الضرر باستعماله: أنْ يتيمَّم، بل يجبُ عليه الوضوءُ للصلاة، ولا يَحِلُّ له أنْ يصلِّي بطهارة تيمُّم. ***

стр. 424

١١٤ - وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: "انْكَسَرَتْ إِحْدَى زَنْدَيَّ، فَسَأَلَتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ؟ فَأَمَرَنِي أَنْ أَمْسَحَ عَلَى الْجَبَائِرِ" رَوَاهُ ابْنُ مَاجَه بِسَنَدٍ وَاهٍ جِدًّا (١). ــ * درجة الحديث: الحديث ضعيف. قال المؤلِّف في التلخيص: رواه ابن ماجه، والدَّارقطني (١/ ٢٢٦)، وفي إسناده الواسطيّ، وهو كذاب، قال المروزي: سألت أحمد عنه؟ فقال: باطل ليس بشيء. قال البغوي، والنووي: اتفق الحفَّاظ على ضعف هذا الحديث، وفي معناه أحاديث أُخر، قال البيهقي: لا يثبت عن النَّبي ﷺ في هذا الباب شيءٌ، وأصح ما فيه حديث جابر، بل صحَّحه ابن السكن، وسيأتي بعد هذا الحديث؛ فيكون عاضدًا لهذا، وصحَّح البيهقي عن ابن عمر ﵄ أنَّه توضَّأ وكفُّه معصوبة، فمسَحَ عليها وعلى العصابة، وغسَلَ ما سوى ذلك. * مفردات الحديث: - زَنْدَيّ: بفتح الزاء المعجمة، وسكون النون، ثُمَّ دال مهملة مفتوحة، وآخره ياء مشدَّدة مثناة تحتية: تثنية زند، الزندان: هما الساعد والذراع، فالأعلى منهما هو الساعد، والأسفل منهما هو الذراع، وطرفهما الذي يلي الإبهام هو الكُوع، والَّذي يلي الخنصر هو الكُرْسُوع، والرُّسْغ -بالغين المعجمة- مجتمع الزندين من أسفل، والمرفق: مجتمعهما من أعلى.

стр. 425

- الجبائر: جمع جبيرة، وهي ما يُجْبَرُ به العظمُ المكسور، من خرقة تُلَفَّ عليه، أو أعوادٍ تُشَدُّ عليه، أو غير ذلك. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - فيه مشروعية المسح على الجبيرة، والجبيرةُ: كلُّ ما وضع على كسر أو جرح من أخشاب أو جبس أو خِرَق أو غير ذلك، تربط على الكسر أو الجرح. ٢ - المسحُ على الجبيرة يخالفُ المسحَ على الخفَّيْنِ وعلى العمامة والخمار ببعض الأحكام، وقد تقدَّمت في باب المسح على الخفين، ونعيدها هنا وهي: (أ) يمسحُ على الجبيرة بالحدَثَيْنِ الأكبر والأصغر؛ بخلاف الخف والعمامة والخمار: ففي الأصغر فقط. (ب) أنَّ مسح الجبيرة يمتد حتَّى يبرأ الجرح أو الكسر؛ بخلاف الخف ونحوه: فالمسح يوم وليلة للمقيم، وثلاثة أيَّام ولياليها للمسافر. (ج) أنَّه يمسح على الجبيرة كلِّها، عند المالكية والشافعية والحنابلة، وقال الحنفية: يكفي مسح أكثرها؛ بخلاف الخف والعمامة والخمار: فعلى بعضه، وتقدَّمت صفته. (د) الصحيح من قولي العلماء: أنَّه لا يشترط في الجبيرة ربطها على طهارة؛ بخلاف الخف والعمامة والخمار. هذه أهم الأحكام التي تفارق الجبيرةُ فيها كلَّ واحد من الخفين والعمامة والخمار، وهي راجعةٌ إلى أنَّ مسح الجبيرة مَسْحُ ضرورة، لا يمكنُ قياسها على الخفين، وأمَّا ما عداهما فمسحُهُ رخصةٌ وسهولةٌ وتيسير. ٣ - هذا الحديثُ والَّذي بعده مِنْ أدلَّةِ مشروعية المسح على الجبيرة، وسماحةِ أحكامِ الشريعة.

стр. 426

* خلاف العلماء: اختلف العلماء في التيمم عمَّا تحت الجبيرة: فذهب الأئمة الثلاثة أبو حنيفة ومالك وأحمد: إلى الاكتفاء بالمسح؛ فلا يجب التيمُّم معه. وذهب الإمام الشافعي: إلى التيمُّم عمَّا تحت الجبيرة، مع المسح عليها. والقولُ الأوَّل أصحُّ؛ إذ لا يجمع بين مبدل ومبدل منه. ولعلَّ القول بمذهب الشَّافعي هو الذي حمَلَ المؤلِّف على ذكر هذا الحديث هنا. ***

стр. 427

١١٥ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ فِي الرَّجُلِ الَّذِي شُجَّ فَاغْتَسَلَ فَمَاتَ: "إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيهِ أَنْ يَتَيَمَّمَ, وَيَعْصِبَ عَلَى جُرْحِهِ خِرْقَةً, ثُمَّ يَمْسَحَ عَلَيْهَا، وَيَغْسِلَ سَائِرَ جَسَدِهِ" رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ بِسَنَدٍ فِيهِ ضَعْفٌ, وَفِيهِ اخْتِلَافٌ عَلَى رُوَاتِهِ (١). ــ * درجة الحديث: الحديث ضعيف. رواه أبو داود (٣٣٦) وابن ماجه (٥٧٢)، وقد تفرَّد به الزبير بن خريق. قال الدَّارقطني: وليس بالقوي، وخالفه الأوزاعي؛ فرواه عن عطاء، عن ابن عباس، وهو الصواب، وقال الدراقطني: اختلف فيه على الأوزاعي، والصواب: أنَّ الأوزاعي أرسل آخره عن عطاء، قال أبو زرعة وأبو حاتم: الأوزاعي لم يسمع هذا الحديث عن عطاء، وإنَّما سمعه من إسماعيل بن مسلم، عن عطاء. * مفردات الحديث: - شُجَّ: بضم الشين المعجمة، مبني للمجهول من شجَّهُ يَشِجُّهُ بكسر الشين وضمها، والشجة: هي الجرحُ في الرأس والوجه خاصَّة. - يعصب: يشدُّ العصابة على رأسه، والعصابةُ: هي العمامة. - خرقة: بكسر الخاء، وسكون الرَّاء: القطعة من الثوب الممزَّق. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - قصة الحديث: قال جابر: خَرَجْنا في سفر، فأصاب رجلًا منَّا حجرٌ فشجَّه

стр. 428

في رأسه، ثمَّ احتلم، فسأل أصحابه فقال: هل تجدون لي رخصةً في التيمُّم؟ قالوا: لا، ما نجدُ لك رخصةً وأنت تَقْدِرُ على الماء، فاغتسَلَ فمات، فلمَّا قدمنا على رسولِ الله ﷺ ، أُخْبِر بذلك؟ فقال: "قتلوه قتلهم الله، ألا سألوا إذْ لم يعلموا؛ فإنَّما شفاء العي السؤالُ؛ إنَّما كان يكفيه أنْ يتيمَّم، ويعصب على جرحه خرقة، ثمَّ يمسح عليها، ويغسل سائر جسده". ٢ - هذا الحديثُ يوافقُ القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى﴾ ولا يخالفُ صحيح سُنَّة في جواز المسح على الكسور والجروح، وإنَّما الحديث ضعيف؛ فقد ضعَّفه البيهقي، وقال: لا يثبت عن النَّبي ﷺ في هذا الباب شيء، وضعَّفه الحافظ هنا فقال: رواه أبو داود بسندٍ ضعيف، ولكن كما تقدَّم له ما يَعْضُدُهُ. ٣ - يدل الحديث على مشروعية المسح على الجبيرة، سواءٌ كانت على جرح أو كسر، وهي عزيمةٌ وليست رخصة. ٤ - أنَّ الواجب المسحُ على كلِّ الجبيرةٍ، وليس على بعضها؛ كالخفين. ٥ - غسلُ بقيَّة بدنه الَّذي لم تصبه الجراح؛ ولذا قال بعض العلماء: إنَّه قد يجتمع في الجبيرة على العضو الواحد ثلاثة أمور: غسلٌ ومسحٌ وتيمُّم، فالغسل للبارز من العضو، والمسح لما فوق الجرح من جبيرة، والتيمُّم لما غطته الجبائر من الصحيح الَّذي تعدَّى قدر حاجة الربط، ويخشى الضرر بنزعه، ولعلَّ هذا هو المرادُ من الحديث الَّذي جَمَعَ التيمُّم والمسح والغسل، وهذا على القول الرَّاجح من أنَّ ما تحت الجبيرة لا يتيمَّم عنه بل يمسح فقط؛ كما هو مذهبُ الجمهور الذي بينَّاه في الحديث السَّابق. ***

стр. 429

١١٦ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: "مِنْ السُّنَّةِ: أَنْ لَا يُصَلِّيَ الرَّجُلُ بِالتَّيَمُّمِ إِلَّا صَلَاةً وَاحِدَةً, ثُمَّ يَتَيَمَّمُ لِلصَّلَاةِ الْأُخْرَى" رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ جِدًّا (١). ــ * درجة الحديث: الحديث ضعيف. قال المؤلِّفُ: رواه الدَّارقطني بإسنادٍ ضعيف جدًّا؛ لأنَّه من رواية الحسن ابن عمارة، وهو ضعيف جدًا، وفي الباب موقوفاً عن علي رواه الدَّارقطني، وفيه حجَّاج بن أرطأة والحارث الأعور، وعن ابن عمر رواه البيهقي، وقال: هو أصح ما في الباب، وعن عمرو بن العاص رواه الدَّارقطني، وفيه إرسال شديد بين قتادة وعمرو. * مفردات الحديث: - من السُّنَّة: يعني: سنَّة النَّبي ﷺ ، فله حكم الرفع. - إلاَّ صلاةً: المستثنى هنا منصوب على أنَّه مفعول به؛ لأنَّ الفعل واقعٌ عليه، فهو مستثنى من كلام ناقص منفي. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - إذا قال الصحابي: من السنَّة كذا؛ فالحديث له حكم الرفع؛ لأنَّهم لا يريدون بالسنَّة إلاَّ سنَّة النبي ﷺ . ٢ - لا يجوز للمتيمِّم أنْ يصلِّي بالتيمُّم الواحد إلاَّ صلاةً واحدة، هذا هو ما يفهم من هذا الحديث، وسيأتي تحقيقُ المسألة قريبًا، إنْ شاء الله تعالى.

стр. 430

٣ - يجب على المتيمِّم أنْ يتيمَّم للصلاة الأُخرى تيمُّمًا آخر. ٤ - عمومُهُ يفيد وجوب التيمُّمِ للصلاة الأخرى، سواءٌ كانت الصلاتان في وقتٍ واحدٍ، أو كل واحدةٍ منهما في وقت. ٥ - من يرى هذا الرَّأي يعلَّل بأنَّ طهارة التيمُّم إنَّما هي طهارةُ ضرورة، أُبيحَتْ بها العبادةُ فقطْ، وإلا فليستْ رافعةً للحديث كالوضوء بالماء. * خلاف العلماء: اختلف العلماء هل التيمُّم يرفع الحدث كالماء، أم أنَّه مبيح للصلاة ونحوها إلى حين القدرة على الماء، وأمَّا الحدث فقائمٌ بحاله؟: وذهب إلى أنَّه رافع مطلقًا: أبو حنيفة؛ وهو رواية عن أحمد، اختارها شيخ الإسلام، وابن الجوزي. وذهب مالك، والشَّافعي، وأحمد في المشهور عنه: إلى أنَّه غير رافع بل مبيح فقط؛ ولذا يجبُ أنْ يتيمَّم لوقت كلِّ صلاة؛ فإنَّ تيمُّمه يبطُلُ بدخول وقت الثانية. والصحيحُ دليلًا هو القولُ الأوَّل. قال في الشرح الكبير: القياسُ أنَّ التيمُّم بمنزلة الطهارة حتَّى يجد الماء أو يُحْدِث؛ وهو مذهب سعيد بن المسيب والحسن والزهري والثوري وأصحاب الرأي؛ لأنَّها طهارة تبيح الصلاة، فلم تقدَّر بالوقت كطهارة الماء. أهـ. قال الإمام أحمد: القياسُ أنَّ التيمُّم بمنزلة الطهارة حتَّى يجد الماء. قال في الإنصاف: اختاره الشيخ؛ وهو أصحُّ. أمَّا الحديث الذي معنا فضعيفٌ، قال الحافظ: رواه الدَّارقطنىُّ بإسنادٍ ضعيف جدًّا. لذا فإنَّ الصحيحَ هو أنَّ المتيمِّم يصلِّي بالتيمُّم الواحد ما شاء من فروض ونوافل، ويستبيحُ به كلَّ ما يستبيحُ بطهارة الماء، حتَّى يجدَ الماء، أو يحصُلَ له ناقضٌ من نواقض الوضوء.

стр. 431

باب الحيض مقدمة يُقال: حاضتِ المرأةُ تحيضُ حَيْضًا ومَحِيضًا، فهي حائض: إذا جرى دمها، والتَّاء المربوطة تلحق الصفات تفرقةً بين المذكر والمؤنث؛ ولكن الأوصاف الخاصَّة بالنِّساء لا تلحقها إلاَّ سماعًا، فلا يُقال: حائضة بل حائض. والحيض لغة: السيلان، من قولهم: حاض الوادي: إذا سال. وشرعًا: دمُ طبيعةٍ وجِبِلَّةٍ يُرْخِيهِ الرحم، يعتاد امرأةً بالغةً في أوقاتٍ معلومة. قال الأطباء في تحليل الحيض (علميًّا): الدورة الطمثية (الحيض) تستغرقُ ثمانيةً وعشرين يومًا، يبدأ اليومُ الأوَّل من النزيف في أوَّلِ أيامِ الدورة، وفي اليوم الخامس عندما يتوقَّف النزيف تبدأ كرات دقيقة في النمو بفعلِ تنشيطِ الهرمونات المنطلقة من الغدة النُّخَاميَّة الموجودة داخلَ المخ، أمَّا في اليوم الرّابع عشر من الدورة الشهرية فيكون الرحم قد أعد نفسه لاستقبال بيضة مخصَّبة للحمل، وينخفضُ مستوى الهرمونات عمَّا كان عليه في بداية الدورة، ويحلُّ محلَّها هرمونٌ آخر يعرف باسم الجعرون، وترتفع نسبة هذا الهرمون ويبقى في حدوث الحمل، بينما تنخفضُ النسبة إذا لم يحدث الحمل، ويتقاطر الدمُ داخلَ الرحم فيحدثُ الطمث (الحيض)، أمَّا إذا وقع الحملُ، فلا يحدثُ الطمث (الحيض). والأصل في الحيض: الكتاب، والسُّنَّة، والإجماع:

стр. 432

قال تعالي: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى﴾ [البقرة: ٢٢٢]. وأمَّا السنَّة: فمستفيضة، ومنها الأحاديث الثلاثة، التي قال شيخ الإسلام: إنَّ أحكام الحيض تدور عليها، وهي: ١ - حديث فاطمة بنت أبي حُبَيْش. ٢ - حديث أم حبيبة بنت جَحْش. ٣ - حديث حَمْنَة بنت جَحْش. وأجمع العلماء عليه وعلى أحكامه في الجملة. وستأتي أكثرُ أحكامه مفصَّلة، إنْ شاء الله تعالى. ***

стр. 433

١١٧ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ أَبِي حُبَيْشٍ كَانَتْ تُسْتَحَاضُ, فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ دَمَ الْحَيْضِ دَمٌ أَسْوَدُ يُعْرَفُ, فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ فَأَمْسِكِي مِنَ الصَّلَاةِ, فَإِذَا كَانَ الْآخَرُ فَتَوَضَّئِي وَصَلِّي" رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ, وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ, وَاسْتَنْكَرَهُ أَبُو حَاتِمٍ (١). وَفِي حَدِيثِ أَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ: "ولِتَجْلِسْ فِي مِرْكَنٍ, فَإِذَا رَأَتْ صُفْرَةً فَوْقَ الْمَاءِ, فَلْتَغْتَسِلْ لِلظُّهْرِ وَالْعَصْرِ غُسْلًا وَاحِدًا, وَتَغْتَسِلْ لِلْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ غُسْلًا وَاحِدًا, وَتَغْتَسِلْ لِلْفَجْرِ غُسْلًا وَاحِدًا, وَتَتَوَضَّأْ فِيمَا بَيْنَ ذَلِكَ" (٢). ــ * درجة الحديث: الحديث صحيح. فقد رواه أبو داود والنسائيُّ، وصحَّحه ابن حبَّان والحاكم. وقال في المحرَّر: قال الدَّارقطني: رواته كلهم ثقات، وقال الحاكم: على شرط مسلم. قال في التلخيص: رواه مسلم في الصحيح (٣٣٣) دون قوله "وتوضئي"، وقال البيهقي: "وتوضئي" زيادة غير محفوظة، وكأنَّ مسلمًا ضعَّف هذه الرِّواية لمخالفتها سائر الروايات.

стр. 434

وأمَّا حديث أسماء، فقال الحاكم والذهبي: إنَّه على شرط مسلم. * مفردات الحديث: - تُستحاض: الاستحاضة: هي سيلانُ الدمِ في غير أوقاته المعتادة، ويخرُجُ نتيجةَ ورمٍ أو التهاب أو غير ذلك من الأمراض في الرحم، أو في عُنُقِ الرحم، أو في المهبل، أو انفتاح شرْيان، وقد يكون خروجه بسبب تناوُلِ شيءٍ من العقاقيرِ والحبوب أو حالاتٍ نفسية. - مِرْكَن: المِرْكَنُ، بكسر الميم، وسكون الرَّاء الموحَّدة، وفتح الكاف، بعدها نون: وعاءٌ تُغسل فيه الثيابُ، جمعه مَرَاكِن. - صفرة: الصفرةُ لون دم الحمرة. - ذلِكِ: بكسر الكاف: خطابٌ للمرأة التي تشتكي إليه، ويجوزُ فتح الكاف على اعتبار الخطابِ العامِّ. - أمسكي عن الصلاة: يُقال: أمسَكَ يُمْسِكُ إمساكًا، أي: كفَّ عنه، والمعنى: كُفِّي عن الصلاة واتركيها؛ كما جاء في رواية البخاري (٢٢٨)، ومسلم (٣٣٣): "فاتركي الصلاة". * ما يؤخذ من الحديث: ١ - في الحديث بيانُ دمِ الحيض، وإثباتُ حكمه، وسيأتي إنْ شاء الله، ودمُ الحيض: دمٌ طبيعيٌّ عادي، نتيجة عملية "فسيولوجية"، نابعةٌ من الدورة الرحمية بسبب الهرمونات التي تؤثِّر على الرحم، والتي يفرزها المبيض، والمبيض متأثرٌ بهرمونات الغدة النخامية التي تتحكم فيه، والغدة النخامية تتأثَّر بأوامر صادرة إليها من منطقة في الدماغ تحت "المهاد". ٢ - وجودُ الاستحاضة في بعض النساء، وبيانُ أحكامها. ٣ - أنَّ المرأة إذا أصيبتْ بالاستحاضة، وأطبَقَ عليها الدم، فإنَّها تميِّز أيام حيضها بلونِ دمِ الحيض الأسود، بينما دَمُ الاستحاضة أحمَرُ مُشْرِقٌ.

стр. 435

٤ - أنَّها تمسك عن الصلاة، فلا تصلِّي في تلك الأيَّام التي يكونُ فيه دمها أسود، فإذا تغيَّر الدم من السواد إلى الحمرة، فذلك علامة طُهْرِها من الحيض، فتتوضَّأ وتصلِّي؛ لأنَّها أصبحت طاهرة. ٥ - أنَّ دم الاستحاضة ليس له حُكْمُ دم الحيض، من ترك الصلاة ونحوها، وإنَّما هو دَمُ مرضٍ تكونُ معه المرأة طاهرةً، تفعل كلَّ ما يفعله النساء الطاهرات من الحيض. ٦ - أنَّ المستحاضة معها نوعُ مرض، فعليها أنْ تغتسل لكلِّ صلاتين غسلًا واحدًا؛ فالظهر والعصر بغسل، والمغرب والعشاء بغسل، والفجر بغسل، وسيأتي بيان خلاف الفقهاء في هذا. ٧ - أنَّها تتوضأ لكلِّ صلاة؛ لأنَّها في حكم مَنْ حَدَثُهُ دائمٌ لا ينقطع. ٨ - قال الفقهاء: إذا كانتِ المستحاضة لها عادةٌ مستقرَّة تجلس أيام عادتها؛ لأنَّ العادة أقوى من غيرها، فإنْ لم تعلَمْ عادتها، عَمِلَتْ بالتمييز الصالح، بأنْ يكونَ بعضُ دمها أسود أو ثخينًا أو منتنًا، فإنْ لم يكن لها تمييزٌ صالح، فتجلس غالب الحيض، وهو ستٌّ أو سبع. ٩ - مَنْ به حدثٌ دائم -كاستحاضة، أو سلس بولٍ، أو مذي، أو ريح، أو جرح لا يرقأ دمه -فعليه أنْ يغسل وجوبًا النجاسةَ ومحلَّها، ويتوضَّأ لوقت كل صلاة إنْ خرج شيء، ويستحبُّ غسل مستحاضة لكلِّ صلاة. ١٠ - وجوبُ غسل الدم لصلاة؛ لأنَّ الدم نجسٌ بالإجماع. ١١ - الطهارةُ من النجاسة؛ لأنَّها شرط لصحة الصلاة. ١٢ - في الحديث أنَّ المرأة مقبولٌ قولها في أحوالها، من الحمل، والعدَّة وانقضائها، ونحو ذلك. ١٣ - أنَّ المستحاضة تصلِّي، ولو مع جريان الدم؛ لأنَّها طاهرة. ١٤ - أن الصلاة تجب بمجرَّد انقطاع دم الحيض.

стр. 436

* خلاف العلماء: اختلف العلماء في وجوب غُسْل المستحاضة لكلِّ صلاة: فذهب جمهور العلماء، ومنهم الأئمة الأربعة أبو حنيفة، ومالك، والشافعي، وأحمد، وهو مرويٌ عن علي، وابن عبَّاس، وعائشة: إلى أنَّه لا يجب؛ استصحابًا للبراءة الأصلية. وأجابوا عن أحاديث الأمر بالغسل أنَّه ليس فيها شيء ثابت. قال الشيخ صِدِّيق في شرح الروضة: لم يأت في شيء من الأحاديث إيجابُ الغسل لكلِّ صلاة، ولا لكلِّ صلاتين، ولا في كل يوم، بل الَّذي صحَّ إيجابُ الغسل عند انقضاء وقت حيضها المعتاد، أو عند انقضاء ما يقومُ مقامَ العادة من التمييز بالقرائن؛ كما في حديث عائشة في الصحيحين وغيرهما بلفظ: "فإذا أقبلت الحيضة، فدعي الصلاة، فإذا أدبرت، فاغسلي عنك الدم وصلي". وأمَّا ما في مسلم (٣٣٤)، بأنَّ أمَّ حبيبة بنت جحش كانت تغتسل لكلِّ صلاة، فلا حجَّة في ذلك؛ لأنَّها فعلته من جهة نفسها، ولم يأمرها النَّبي ﷺ بذلك، بل قال لها: "امكثي قدر ما كانت تحبسك حيضتك، ثمَّ اغتسلي". وقد وَرَدَ الغسلُ لكلِّ صلاة من طرق لا تقومُ بمثلها حجَّة، لا سيَّما مع معارضتها لما ثبت في الصحيح، ومع ما في ذلك من المشقَّة العظيمة، والشريعةُ سمحةٌ سهلةٌ؛ قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨]. وذهب بعضهم: إلى وجوب الغسل على المستحاضة لكلِّ صلاة؛ عملًا بأحاديث وردت في بعض السنن. والأوَّل أرجح؛ فقد قال شيخ الإسلام: والغسلُ لكلِّ صلاةٍ مستحبٌّ، ليس بواجبٍ عند الأئمة الأربعة وغيرهم، بل الواجبُ عليها: أنْ تتوضَّأ لكلِّ صلاة من الصلوات الخمس عند الجمهور. ***

стр. 437

١١٨ - وَعَنْ حَمْنَةَ بِنْتِ جَحْشٍ قَالَتْ: "كُنْتُ أُسْتَحَاضُ حَيْضَةً كَبِيرَةً شَدِيدَةً, فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ أَسْتَفْتِيهِ, فَقَالَ: إِنَّمَا هِيَ رَكْضَةٌ مِنَ الشَّيْطَانِ فَتَحَيَّضِي سِتَّةَ أَيَّامٍ أَوْ سَبْعَةً أَيَّام، ثُمَّ اغْتَسِلِي, فَإِذَا اسْتَنْقَأْتِ فَصَلِّي أَرْبَعَةً وَعِشْرِينَ, أَوْ ثَلَاثَةً وَعِشْرِينَ وَصُومِي وَصَلِّي؛ فَإِنَّ ذَلِكَ يُجْزِئُكَ, وَكَذَلِكَ فَافْعَلِي كُلَّ شَهْرٍ كَمَا تَحِيضُ النِّسَاءُ, فَإِنْ قَوِيتِ عَلَى أَنْ تُؤَخِّرِي الظُّهْرَ وَتُعَجِّلِي الْعَصْرَ, ثُمَّ تَغْتَسِلِي حِينَ تَطْهُرِينَ وَتُصَلِّي الظُّهْرَ وَالْعَصْرِ جَمِيعًا, ثُمَّ تُؤَخِّرِينَ الْمَغْرِبَ وَتُعَجِّلِينَ الْعِشَاءِ, ثُمَّ تَغْتَسِلِينَ وَتَجْمَعِينَ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ فَافْعَلِي، وَتَغْتَسِلِينَ مَعَ الصُّبْحِ وَتُصَلِّينَ، قَالَ: وَهُوَ أَعْجَبُ الْأَمْرَيْنِ إِلَيَّ" رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إِلَّا النَّسَائِيَّ, وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ, وَحَسَّنَهُ الْبُخَارِيُّ (١). ــ * درجه الحديث: الحديث حسن. رواه الخمسة إلاَّ النسائي، وصحَّحه الترمذي، وحسَّنه البخاري، كما صحَّحه جماعةٌ آخرون: منهم ابن المنذر وابن العربي والشوكاني في السيل الجرَّار، كما نُقِلَ صحَّته عن الإمام أحمد في إحدى الروايتين عنه. * مفردات الحديث: - حمنة: بفتح الحاء وسكون الميم: بنت جحش الأسدية، صحابية.

стр. 438

- أُستحاض: بضم الهمزة، وسكون السين المهملة، وفتح المثنَّاة الفوقية، يُقال: اسْتُحِيضَتِ المرأةُ، موضوعٌ على صيغة المبني للمفعول من حيثُ ضَمُّ أوله وسكونُ ثانيه، فالمرأة هي المستحاضة. - حَيْضة: بفتح الحاء، وهو اسم مصدر أستحاض، فالحيضةُ بالفتح: المرَّة الواحدة، وبالكسر: اسمٌ للهيئة. - كثيرة شديدة: كثيرة في المدَّة، شديدة في الكيفية. - رَكْضَة: بفتح الزاء، وسكون الكاف، بعدها ضاد معجمة، ثمَّ تاء، وأصل الركض الضرب بالرِّجْل؛ ومنه قوله تعالى: ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ﴾ [ص: ٤٢]؛ فهي إصابة لَبَّس الشيطان بها على هذه المرأة المؤمنة في أمر دينها. - استنقأتِ: قال أبو الوفاء: كذا وقع في هذه الرواية بالألف، والصواب واستنقَيْتِ؛ لأَنَّه من نقى الشيء وأنقيته: إذا نظفته، ولا وجه فيه للألف والهمزة، فالنقاء: هو الطهر بانقطاع الدم. - فتحيضي: اجعلي نفسك حائضًا، يُقال: تحيضت المرأة أمسكت أيام حيضتها عن الصلاة والصوم. - وذلكِ ... و: بكسر الكاف: خطابٌ للأنثى. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - فيه وجودُ المستحاضات زمن النَّبيِّ ﷺ ، فكن يأتينه ﵊ ويسألنه فيرشدهنَّ إلى ما شرعَ اللهُ في حقِّهنَّ، فكذا ينبغي لنساء المسلمين أنْ يسالنَ العلماء فيما يشتبه عليهنَّ في أمر دينهنَّ، حتَّى فيما يتعلَّق بالفروج. ٢ - الاستحاضة ليسَتْ حيضًا طبيعيًّا، وإنَّما هو مرضٌ يصيب المرأة من الشيطان الَّذي يجري من ابن آدم مجرى الدم، ويريد أنْ يلبس عليه عباداته بكلِّ ما أقدره الله مِنْ وسائلِ الأذى والمَضَرَّة. وهذه الركضةُ الشيطانية سمّاها النَّبيُّ ﷺ في الحديث الآخر: "عِرْقًا"،

стр. 439

ويسمَّى هذا الشَّرْيان بالعاذل، وعلماءُ الطبِّ يفسِّرون الاستحاضة بأنَّها اضطراباتٌ تطرأ فتسبِّب هذا النزيف الَّذي ربما يكون حادًّا. قال الدكتور الطبيب محمد علي البار: الاستحاضة دم يخرُجُ من الرحم أو مِنْ عُنُقِ الرحم أو المهبل، نتيجةَ وجودِ ورمٍ حميد أو خبيث، أو وجودِ التهابٍ في عنق الرحم أو المهبل أو غير ذلك من أمراض هذا الجهاز، وقد يكون من استخدامِ العقاقير، ولعلَّ هذا السببَ الأخيرَ مِنْ أكثرها شيوعًا؛ إذ إنَّ استخدام العقاقير تمنع التجلط "التخثر"، هذه أهم أسباب الاستحاضة. ٣ - المرأة المصابة بالاستحاضة التي لا تعرف عادةَ حيضها الأصلية، وليس لها تمييزٌ صالح تَعرِفُ به دمَ الحيض من دم الاستحاضة، فتتحيض بترك الصلاة والصيام ونحوهما عادةَ النساء في أيَّام الحيض، وهي ستَّةُ أيَّام أو سبعة، تعتبر نفسها فيهنَّ حائضًا، عليها أحكامُ الحائض. ٤ - إذا أتمَّتِ المستحاضةُ عادةَ النساء، اغتسلَتْ غُسْلَ الحيض -ولو أنَّ لم الاستحاضة معها- فصلَّتْ أربعةً وعشرين أو ثلاثة وعشرين يومًا، وصامت، وأجزأها عن ذلك الصلاةُ والصيامُ الواجبان عليها؛ لأنَّها أصبحت في حكم الطاهرات من الحيض. ٥ - تفعل هذه الصفة كلَّ شهر؛ لأنَّ العادة الغالبة عند النساء أنَّ شَهْرَها في الحيض والطهر ثلاثون يومًا، ستَّة أو سبعة منها حيض، والباقي طهر، فهذه أقرب حالةٍ لها، والغالب أنْ يكون شهرها شهرًا هلاليًّا. ٦ - أنَّ دم الاستحاضة لا يمنع من الصلاة، ونحوها من العبادات الواجب لها الطهارةُ. ٧ - أنَّ دم الحيض يمنع مِنَ الصلاة، ونحوها ممَّا يشترط له الطهارة من الحيض، وإنَّ الصلاة المتروكة زمَنَ الحيض لا تُقْضَى. ٨ - أنَّ الدم نجسٌ يجبُ غسله بإجماعِ العلماء.

стр. 440

٩ - جمهور العلماء لا يوجبون الغُسْلَ على المستحاضة، فليس لديهم ما يعتمدون عليه في وجوبه، وإنَّما استحبُّوه لها استحبابًا، فإذا أرادت المستحاضة أنْ تغتسلَ فبدلاً من أنْ تغتسِلَ لكلِّ صلاةٍ من الصلوات الخمس، ممَّا يسبِّب لها المشقَّة الكبيرة، لا سيَّما في زمن البرد -فإنَّ لها أنْ تؤخِّر الظهر إلى آخر وقتها، وتقدِّم العصر إلى أوَّل وقتها، وتصلِّيهما في وقتيهما بغسل واحد، وكذلك المغرب والعشاء، وهذا ما يسمَّى: الجمع الصُّورِيَّ، أمَّا الفجر: فلها غسل مستحب واحد لانقطاعها عمَّا قبلها وما بعدها من الصلوات الخمس، ولا شكَّ أنَّ الغسل فيه كمالُ النظافة لولا المشقَّةُ العظيمة. ***

стр. 441

١١٩ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ "أَنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ بِنْتَ جَحْشٍ شَكَتْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الدَّمَ, فَقَالَ: امْكُثِي قَدْرَ مَا كَانَتْ تَحْبِسُكِ حَيْضَتُكِ, ثُمَّ اغْتَسِلِي، فَكَانَتْ تَغْتَسِلُ لِكُلِّ صَلَاةٍ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ: "وَتَوَضَّئِي لِكُلِّ صَلَاةٍ"، وَهِيَ لِأَبِي دَاوُدَ وَغَيْرِهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ (١). ــ * مفردات الحديث: - شَكَتْ: أخبرت النَّبي ﷺ على وجه التَّألُّم ممَّا أَلمَّ بها من هذا المرض. - امكثي: توقَّفي وانتظري قدر عادة حيضتك. * ما يؤخذ من الحديث: شكت أم حبيبة إلى النبي ﷺ استمرارَ خروجِ الدمِ منها، فأرشدَهَا إلى الأحكامِ الآتية: ١ - أنَّ المستحاضة تعتبر نفسها حائضًا قدر الأيَّام التي كان يأتيها فيها الحيض، قبل أنْ يصيبها ما أصابَهَا من الاستحاضة. ٢ - إذا مضتْ قدر أيّام عادتها الأصلية، فإنَّها تعتبر طاهرةً من الحيض -ولو أنَّ دم الاستحاضة معها- فتغتسل من الحيض؛ فقد أصبحت طاهرةً من الحيض. ٣ - أنَّ المستحاضة تعتبر ممَّن حدثُهُ دائمٌ لا ينقطع؛ وعليه: فيجب عليها الوضوء لكلِّ صلاة إنْ خرج منها ما ينقض الوضوء، وإلاَّ فهي باقيةٌ على طهارتها. ٤ - أم حبيبة من حرصها ﵂ على كمال الطهارة للعبادة؛ فإنَّها

стр. 442

تغتسل لكلِّ صلاة. ٥ - قال شيخ الإسلام -رحمه الله تعالى-: دم الاستحاضة مع دم الحيض مُشْكِلٌ، ولابدَّ من فاصلِ يميز بينهما، والعلامات ثلاث: الأولى: العادة؛ وهي أقوى العلامات؛ لأنَّ الأصل بقاء الحيض دون غيره. الثانية: التمييز؛ فإنَّ دم الحيض أسود ثخين، ودم الاستحاضة أحمر صافٍ. الثالثة: اعتبار عادة غالب النساء؛ لأنَّ الأصل إلحاق الفرد بالأغلب. فهذه العلامات الثلاث تدل عليها السنَّة والاعتبار، وهي مذهب الإمام أحمد؛ فإنَّ أحكام الحيض تدور على ثلاثة أحاديث: (أ) العادة الخاصَّة: يدل عليها حديث أم حبيبة بنت جحش. (ب) التمييز: يدل عليه حديث فاطمة بنت أبي حُبَيْش. (ج) عادة النساء الغالبة: يدل عليها حديث حمنة بنت جحش. ٦ - إِذا زادت عادتها أو تقدَّمت أو تأخَّرت، فالمشهور من مذهب الإمام أحمد: أنَّ ما تكرَّر ثلاثًا فهو حيض، ويصير عادةً لها، ولهم تفاصيل في صلاتها وصومها قبل التكرار، والرواية الأخرى عن الإمام أحمد: أنَّها تصير إليه من غير تكرار، واختاره الموفَّق وجَمْعٌ، وهو اختيار شيخ الإسلام. قال في الفائق: وهو المختار. وقال في الإنصاف: وهو الصواب، وعليه العمل، ولا يسع النساءَ العملُ بغيره. قال في الاختيارات: والمتنقِّلة إذا تغيَّرت عادتها بزيادة أو نقص أو انتقال، فذلك حيض، حتَّى تعلم أنَّها مستحاضة باستمرار الدم. ٧ - قال الشيخ المباركفوري: ما ذهب إليه جماعةٌ من الفقهاء من البحث

стр. 443

والتدقيقِ والتعقيدِ المُغْلَقِ الَّذي يبعد عن أفهام النِّساء وعقولهنَّ كل البعد، فهو ممَّا تأباه هذه الأحاديث وتمجُّه أصولُ الشريعةِ السمحة السهلة. ٨ - ما أطلقة الشَّارعُ عُمِلَ بمقتضى مسمَّاه ووجوده، ولم يَجُزْ تقديره ولا تحديده؛ وهو اختيار كثير من الأصحاب، وكثيرٍ من أهل العلم وغيرهم، وصوَّبه في الإنصاف. ٩ - لا حدَّ لأقل الطهر ولا لأكثره، فما دام الدم موجودًا فهو دم حيض، وما دام النقاء موجودًا فهو طهر؛ صحح ذلك في الكافي، وصوَّبه في الإنصاف، وهو مذهب أبي حنيفة ومالك. ***

стр. 444

١٢٠ - وَعَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ ﵂ قَالَتْ: "كُنَّا لَا نَعُدُّ الْكُدْرَةَ وَالصُّفْرَةَ بَعْدَ الطُّهْرِ شَيْئًا" رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ, وَأَبُو دَاوُدَ، وَاللَّفْظُ لَهُ (١). ــ * مفردات الحديث: - الكُدْرَة: بضم الكاف، وسكون الدال المهملة، ثُمَّ راء مفتوحة، بعدها تاء، هي الَّلون الأحمر الَّذي يضرب نحو السواد، جمعه كُدَر. - الصُّفْرَة: بضم الصاد المهملة، وسكون الفاء الموحَّدة، ثمَّ راء مفتوحة، بعدها تاء، هي اللون الأحمر الذي يميل إلى البياض، فهو أحمر غير قانٍ يكون بلون الذهب. - شيئًا: أي: حيضًا تقعُدُ فيه المرأة عن الصلاة، ونحوها من العبادات. - الطهر: بضم الطاء، وسكون الهاء: انقطاع خروج دم الحيض. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - الماء الذي ينزل من فرج المرأة -بعد الطهر من الحيض- لا يعتبر حيضًا، ولو كان فيه الكدرة والصفرة المكتسبة من الدَّم. ٢ - أمَّا إذا كان نزولُ هذه الكدرة والصفرة زمن الحيض والعادة، فإنَّه يعتبر حيضًا؛ لأنَّه دم في وقته، إلاَّ أنَّه ممتزجٌ بماء. ٣ - هذا الحديث وأمثاله له حُكْمُ الرفعْ؛ لأنَّ الصحابية تحكي حال نساء الصحابة زمن النَّبي ﷺ ، ووجوده عندهنَّ وإقراره لهنَّ.

стр. 445

٤ - فيه دليلٌ على أنَّ تغيُّر الدَّمِ إلى لونٍ آخر لا يشكِّك في أنَّه حيض، ما دام زمنه ووقته. ٥ - قال في المغني: من رأت الدمَ في أيَّامِ عادتها صفرةً أو كدرةً، فهو حيضٌ، وإنْ رأته بعد أيام حيضتها، لم تعتد به؛ نصَّ عليه أحمد، وهو مذهب الثوري ومالك والشَّافعي؛ لأنَّ أمَّ عطيَّة قالت: "كنَّا لا نعد الكدرة والصفرة بعد الطهر شيئًا" [رواه البخاري (٣٢٦) وأبو داود (٣٠٧)]. ***

стр. 446

١٢١ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁: "أَنَّ الْيَهُودَ كَانَتْ إِذَا حَاضَتِ الْمَرْأَةُ فِيْهَمْ، لم يُؤَاكِلُوْهَا, فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : اصْنَعُوا كُلَّ شَيْءٍ إِلاَّ النِّكَاحَ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١). ــ * مفردات الحديث: - اليهود: أبناء يعقوب، ويُسَمَّوْنَ العبرانيين أو الإسرائيليين، نسبةً إِلى أسباط إسرائيل، دينهم اليهودية، ونبيهم موسى ﵇، وكتابهم التوراة، كتابٌ أنزله الله تعالى على نبيه موسى ﵊ لكن قومه وأمته حرَّفوه من بعده. - يؤاكلوها: الأكل: إيصالُ ما يُمْضَغُ إلى الجوف، سواءٌ مضغه أو لا، والمؤاكلة: المشاركة في الأكل، ومعنى "لم يؤاكلوها" أي: لم يأكلوا معها بل يعتزلونها. - اصنعوا: يُقال: صنع يصنع صنعًا، أي: عمل الشيء، والمراد هنا مباشرة الرَّجل امرأته دون الفرج. - النكاح: المراد هنا الوطء.

стр. 447

١٢٢ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَأْمُرُنِي فَأَتَّزِرُ فَيُبَاشِرُنِي وَأَنَا حَائِضٌ" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). ــ * مفردات الحديث: - فأتزر: يعني: أَلْبَسُ الوِزْرَة، بكسر الواو، وهي كساء تستر به العورة وما حولها، جمعه وزرات. قوله: "فأتزر": هذا اللفظ الدَّائر على الألسن، قال المطرزي: وهو عاميٌّ، والصوابُ: ائتزر، بهمزتين الأولى للوصل، والثانية فاء الكلمة، وهكذا نص الزمخشري على خطأ من قال: "اتَّزَرَ" بالإدغام؛ لأنَّ التي تدغم هي الأصلية لا المنقلبة. - فيباشرني: يُقال: باشر الرجلُ زوجه: لامَسَ بشرتها، بإلصاق بشرته ببشرتها؛ مأخوذٌ من البَشَرة، وهي ظاهر الجلد. * ما يؤخذ من الحديثين: ١ - الحائض طاهر: بدنها وعَرَقُهَا وثيابها، فتجوزُ مباشرتها وملامستها وقيامها بشؤون منزلها، مِنْ إعداد الطعام والشراب وغير ذلك. ٢ - فيه وجوبُ مخالفة اليهود الَّذين لم يؤاكلوا المرأة الحائض ويعتزلونها. ٣ - أنَّه يَحِلُّ من المرأة الحائض كل شيءٍ إلاَّ الجماع، فيجوزُ لزوجها أنْ يأمرها فتلبس إزارًا أو سروالاً قصيرًا أو طويلًا، ثُمَّ يباشرها في أي مكانٍ في بدنها، مادام ذلك في غير مكان الحيض، وهو الفرج. والاستمتاعُ بالحائض بما فوق السُّرَّةِ ودون الركبة، لا خلافَ في إباحته

стр. 448

عند الفقهاء، وإنَّما الخلاف فيما دون السرَّة وفوق الركبة، والآية الكريمة أمرتْ باعتزال المحيض فقطْ، وهو مكانُ الحيض، أي: الفرج؛ فقال تعالي: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ [البقرة: ٢٢٢]، والحديث: "كل شيءٍ إلاَّ النكاح" رواه مسلم، يدل ذلك على إباحة جميع جسد الحائض إلاَّ موضع الأذَى. * مقارنة بين الأديان الثلاثة: اليهود: يرون المرأة الحائضَ رِجْساً نجسًا، فيعزلونها ويعتزلونها، فبدنها نجس، وثيابها نجسة، وفُرُشُها نجسة؛ فقد روى الإمام أحمد (١١٩٤٥) ومسلم (٣٠٢) عن أنس: "أنَّ اليهود كانوا إِذا حاضَتِ المرأةٌ فيهم، لم يؤاكلوها ولم يجامعوها في البيوت". أمَّا النصارى: فلديهم التساهُلُ والتفريط، فإنَّهم يستحلُّون جماعها في فَرْجها على ما فيه من الأذى والدنس، وسيأتي قريبًا -إنْ شاء الله تعالى- بيانُ الجَماع في الحيض ومفاسده. أمَّا الإِسلام: فهو الوسطُ بين الغلو والجفاء، ودينُ العدل في الأمور كلِّها، فالحائضُ محصورة نجاستها في فرجها فقط، فهذا هو المحرَّم؛ قال تعالى: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ [البقرة: ٢٢٢]. وجاء في صحيح مسلم (٣٠٢) أنَّ النَّبي ﷺ قال: "اصنعوا كلَّ شيءً إلاَّ النكاح". وجاء في سنن أبي داود (٢١٣) أنَّ حكيم بن حزام قال: يا رسول الله! ما يحل لي من امرأتي وهي حائض؟ قال: "لك ما فوق الإزار". وجاء في البخاري (٣٠٠) ومسلم (٢٩٣) عن عائشة قالت: "كان رسول الله ﷺ يأمرني فأتزر، فيباشرني وأنا حائض"، ومعناه: يلصق بشرته ببشرتها. وبهذا فالإسلام ترفَّع عن الأذى والقذر، الَّذي لم يتحاش عنه النصارى،

стр. 449

ولم يُهِنِ المرأةَ وينزلها منزلةً سافلة ساقطةً كاليهود، الَّذين قال كتابهم المحرَّف: "إذا كانت امرأةٌ ولها سيل، وكان سيلها دمًا، فسبعة أيَّام تكون في طمثها، وكلُّ من مسَّها يكون نجسًا، وكل من مسَّ فراشها يغسل ثيابه، ويستحمّ بماء، وإن اضطجع معها رَجُلٌ وهي في طمثها يكون نجسًا". أمَّا الرسول محمد ﷺ الَّذي يضرب لأمَّته المَثَل في العشرة الزوجية فيقبِّل زوجته وهي حائض، ويضطجع معها، ويدعوها وهي في حال حيضها إلى مضاجعته، ويقرأُ القرآن في حِجْرِها، ويمكِّنها من ترجيلِ رأسه، ويأمرها فتتزر فيباشرها بما فوق الإزار، وهو يتقي الجماعَ ويجتنبه منها. ***

стр. 450

١٢٣ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ عَنِ رَسُوْلِ الله ﷺ فِي الَّذِي يَأْتِي امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ، قَالَ: "يَتَصَدَّقُ بِدِينَارٍ أَوْ نِصْفِ دِيْنَارٍ" رَوَاهُ الْخَمْسَةُ, وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ وَابْنُ الْقَطَّانِ, وَرَجَّحَ غَيْرَهُمَا وَقْفَهُ (١). ــ * درجة الحديث: اختلف العلماء في قبوله، قال الألباني: قوَّاه الإمام أحمد، وقال: ما أحسَنَهُ من حديث! فقيل: تذهب إليه؟ قال: نعم. وأخرجه أصحاب السنن والطبراني والحاكم والبيهقي بإسنادٍ صحيحٍ على شرط البخاري، وصحَّحه الحاكم والذهبي وابن دقيق العيد وابن القيم وابن حجر العسقلاني. وقد ضعَّفه ابن السكن وابن الصلاح، وبالغ النووي في نقله الإجماع على ضعفه في شرح مسلم والمجموع، ودعوى الإجماع مردودة، وقال الحافظ ابن حجر: فيه اضطرابٌ كثير جدًّا في متنه وسنده، واختلف فيه قول الإمام أحمد كثيرًا، وقول الترمذي: علماء الأمصار أنَّه لا فدية، دليلٌ أنَّ العمل على تركه. أهـ. * مفردات الحديث: - يأتي امرأته: يجامعها بإيلاج. - حائض: جمعها حُيَّض، يُقال: حاضتِ المرأةُ حَيْضًا، فهي حائض،

стр. 451

والحائض -بلا تاء- اسمُ فاعل للمرأة التي أصابها الحيض، وإنَّما تركتْ تاء التأنيث؛ لأنَّ الحيضَ وصفٌ خاصٌّ بالنساء. - بدينار: الدينار: نَقْدٌ ذهبيٌ، والدينار الإِسلاميُّ: زنته أربعة غرامات وربع من الذهب (٤.٢٥ جم). * ما يؤخذ من الحديث: ١ - تحريم وطء الحائض، وقد قال تعالى: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٢٢]. ٢ - أنَّ الَّذي يجامع زوجته وهي حائض فعليه كفَّارة يتصدَّق بها، وهي دينار أو نصف دينار. ٣ - الوطء المحرَّم هنا هو الإيلاجُ، أمَّا مباشرةُ الحائض في غير الفرج: فتقدَّم جوازها، وحديثُ عائشة السابقُ يدلُّ على ذلك. ٤ - قال شيخ الإسلام: وجوبُ الكفَّارة في وطء الحائض وَفْقُ القياس، لو لم يأت به نصٌّ؛ ذلك أنَّ المعاصي التي جاء تحريمها -كالوطء في الصيام، والإحرام، والحيض- تدخلها الكفَّارة، بخلاف المعاصي المحرَّم جنسها، كالظلم، والزنى، لم يشرع لها كفَّارة. * خلاف العلماء: اختلف العلماء في حكم كفَّارة الوطء في الحيض: فذهب الإمام أحمد: إلى وجوبها على من وطئ في فرج الحائض، وعليها هي أيضًا كفَّارة إنْ طاوعته. والكفارة دينار أو نصفه على التخيير؛ لحديث الباب. وذهب الأئمة الثلاثة: إلى أنَّه لا كفَّارة عليه ولا عليها، قال الترمذي: وهو قولُ علماء الأمصار. وقال ابن كثير: فيستغفرُ الله، والأصلُ أنَّ الذِّمَّه بريئة إلاَّ أنْ تقوم الحجة.

стр. 452

وقال ابن عبد البر: حجَّة من لم يوجب الكفَّارة اضطراب الحديث، وأنَّ البراءة الأصلية حجَّةُ من لم يوجبون، مع عدم صحَّة الحديث عندهم. أمَّا الموجبون: فيرون صحَّة الحديث، وأنَّه صالحٌ لإيجاب حكم شرعي. فالحديث قوَّاه الإمام أحمد، وذهب إلى العمل به. كما عمل به جماعةٌ آخرون من السلف، قال الألباني: سنده صحيح، صحَّحه جماعةٌ من المتقدِّمين والمتأخِّرين، وأخرجه أصحاب السنن، والبيهقي بإسنادٍ صحيح على شرط البخاري، وصحَّحه الحاكم، ووافقه الذهبي، وابن دقيق العيد، وابن القيم، والله أعلم. * تنبيه: اختلف العلماء في وجه التخيير بين الدينار، ونصفه، على قولين: ١ - قيل: الدينار للوطء في أوَّل الحيض، ونصف الدينار للوطء في آخره، ويؤيد هذا أنَّ الدَّم في أوَّل أيَّامه أغزر وأشد في إصابة الأذى منه في آخره. ٢ - وقيل: إنَّ التخيير بين الدينار ونصف الدينار، كتخيير المسافر بين القصر والإتمام، ويميل إِلى هذا شيخ الإسلام ابن تيمية. وقدر الدينار (٤.٢٥) غرامًا، واختار الشيخ أنَّه لا يجزئ إلاَّ المضروب؛ لأنَّ الدينار اسمٌ للمضروب، واستظهره في الفروع. أمَّا المشهور من المذهب: فيجزىء المضروبُ وغيره أو قيمته من الفضَّة فقط، والله أعلم. * مضار الوطء في أثناء الحيض: قال الدكتور الطبيب محمد علي البار: إدخالُ القضيب في الفرج أثناء الحيض، هو إدخالُ ميكروبات في وقتٍ لا تستطيعُ الأجهزة أنْ تقاومه، فيحدث ما يلي: ١ - تمتدُّ الالتهابات إلى قناتي الرَّحم فتسدّها، ممَّا يؤدِّي إلى العقم، أو الحمل

стр. 453

خارج الرحم. ٢ - يمتد الالتهاب إلى قناة مجرى البول فالمثانة فالحالبين فالكُلَى، ممّا يسبِّب أمراضَ الجهاز البولي. ٣ - تقلُّ الرغبةُ الجنسية لدى المرأة، وخاصَّةً عند بداية الطمث. ٤ - الصداع النصفي. ٥ - تصاب المرأة بحالة من الكآبةِ والضِّيقِ، فتكون متقلِّبة المزاج. إلى غير ذلك من الأمراض الكثيرة والتي لم يكشف عنها الآن، وإنَّما عبَّر عنها الحكيمُ العلم بقوله: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ فَوَصْفُهُ تعالى له بأنَّه "أذى" يشتمل على مضار كثيرة اللهُ أعلَمُ بها!!. ***

стр. 454

١٢٤ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَلَيْسَ إِذَا حَاضَتْ المْرَأَةُ، لَمْ تُصَلِّ وَلَمْ تَصُمْ?! " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ فِي حَدِيْثٍ طَوِيْلٍ (١). ــ * مفردات الحديث: - أليس إذا حاضت المرأة لم تصلِّ: الاستفهام هنا للتقرير عمَّا جاء في أوَّل الحديث من ذكر نَقْصٍ في دين المرأة. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - تحريمُ الصلاة على الحائض، وعدم صحَّتها منها لو صلَّتها، وليس عليها قضاءُ أيَّامِ حيضها بعد الطهر. ٢ - تحريمُ الصيامِ على الحائض، ولكن تقضي قدر ما أفطرته أيَّامَ حيضها. ٣ - قال ابن المنذر، والوزير ابن هبيرة، والنووي: أجمع العلماء على وجوب قضاء الصوم على الحائض، وسقوط فرض الصلاة عنها في أيام حيضها؛ لما في البخاري (٣١٥) ومسلم (٣٣٥) عن عائشة ﵂ أنَّها قالت: "كُنَّا نُؤْمَرُ بقضاء الصوم، ولا نؤمر بقضاء الصلاة". قال العلماء: والفرق بينهما: أنَّ الصلاة تتكرَّر، فلم يجب قضاؤها للحرج، بخلاف الصوم، والله أعلم. * فائدة (١): الحائض ممنوعةٌ من عبادات أخر، منها: ١ - مَنْعُها من دخول المسجد؛ لحديث: "لا أُحِلُّ المسجد لحائضٍ ولا جنب".

стр. 455

٢ - ولا يصح أنْ تطوف؛ لحديث: "الطوافُ بالبيت صلاة". ٣ - مَنْعُها من قراءة القرآن؛ لحديث ابن عمر: "ولا تقرأ الحائض ولا الجنب شيئًا من القرآن". ٤ - لا تمسُّ المصحف؛ لحديث عمرو بن حزم: "ولا يَمَسّ المصحفَ إلاَّ طاهر". * فائدة (٢): بيان قول من جوَّز قراة القرآن ومسَّه للحائض للتعلُّم والتعليم: ذهب المالكية في الصحيح عندهم: إلى جواز مَسِّ المصحف للحائض، وقراءَتِها للقرآن في حال التعلُّم والتعليم، ولهم في ذلك أدلَّة، وفي هذا القول تيسيرٌ على المتعلِّمات والمعلِّمات في مدارس تحفيظ القرآن، وحتَّى لا يُنْسَى القرآن الكريم ممَّن حفظته منهنَّ، وخاصَّةً أيَّام النِّفاس، ومن يطول حيضها، وهذا هو مذهبُ البخاريِّ، والطبري، وابن المنذر، وداود، والشعبي، ومذهب الشَّافعي القديم، ورواية عن أحمد، وقد أخذ بهذا القول كثيرٌ من علماء العصر. ***

стр. 456

١٢٥ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: لَمَّا جِئْنَا سَرِفَ حِضْتُ, فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "افْعَلِي مَا يَفْعَلُ الْحَاجُّ, غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ حَتَّى تَطْهُرِي" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، فِي حَدِيْثٍ طَوِيْلٍ (١). ــ * مفردات الحديث: - سَرِف: بفتحِ السين المهملة، ثمَّ راء مهملة مكسورة، ثمَّ فاء موحَّدة: اسمٌ لا ينصرف للعَلمِيَّة والتأنيث. وهو وادٍ يبعد عن حد الحرم من جهة التنعيم بنحو عشر كيلو مترات، وعن مكَّة المسجد الحرام بثمانية عشر كيلو متر، يمر به طريق مكة - المدينة، فهو بين مكَّة وبين واد الجموم (مر الظهران)، وهو ما يعرف الآن بالنوَّارية. - حِضْتُ: بكسر الحاء؛ لأنَّه إذَا أُسند الماضي الأجوف الثلاثي المجرَّد إلى ضمير الرفع، وكان يائيًّا، كُسِرَ أوله، نحو قول المرأة: حِضْتُ، والنساء حِضْنَ؛ ذلك أنَّ أصله حَيَضْتُ -بالتحريك- قلبت الياء ألفًا؛ لتحرُّكها وانفتاح ما قبلها، ثم حذفت الألفُ لالتقاء الساكنين، فصار حَضْتُ -بالفتح- ثُمَّ أُبدلت الفتحة كسرة؛ لتدل على الياء المحذوفة. - غير ألاَّ تطوفي: بنصب "غير"، و"ألاَّ" بالتشديد أصله "أنْ لا". - غير: بمعنى سِوَى، إلاَّ أنَّها تختلف عنها ببعض الأمور، وهي اسمٌ ملازم للإضافة، وتنقطع عنها إنْ فُهِمَ معناها، ولا تتعرَّف بالإضافة؛ لشدة إبهامها. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - كانت عائشة مُحْرِمةً بالعمرة متمتِّعة بها إلى الحج، وذلك في حجة الوداع،

стр. 457

فأصابها الحيض بِسَرِف، وادٍ يبعد عن المسجد الحرام بثمانية عشر كيلو متر طريق المدينة - مكة. ٢ - فأدخلَتْ حجَّها على عمرتها، وصارتْ قارنةً؛ لأنَّها لم تتمكَّن من طواف العمرة والتحلُّل منها؛ من أجل حيضتها. ٣ - جوازُ إتيان الحائض بجميع شعائر الحج، من الوقوف بعرفة، والمبيت بمزدلفة، ورمي الجمار، والمبيت بمنى، والسعي بين الصفا والمروة، لو سبق أنْ طَافَتْ قبل الحيض، وصحةُ ذلك منها، حيث لا يشترطُ لها الطهارة، وهو إجماعٌ. ٤ - تحريمُ الطواف على الحائض، وعدم صحَّته منها. ٥ - احترامُ البيت وتعظيمُهُ، وأنْ لا يأتيه المسلم إلاَّ على أحسَنِ هيئة، وأتمِّ طهارة؛ ﴿يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١]. وكانت العرب -حتَّى في جاهليَّتها- تعظِّمه ولا تطوف به في ثيابها التي عصت الله فيها، وإنَّما يستعيرون ثيابَ قريشٍ يطوفون بها، فإِذا لم يجدوا، طافوا عراة. ***

стр. 458

١٢٦ - وَعَنْ مُعَاذٍ بنِ جَبَل ﵁ أَنَّهُ سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ مَا يَحِلُّ لِلرَّجُلِ مِنِ امْرَأَتِهِ وَهِيَ حَائِضٌ? قَالَ: "مَا فَوْقَ الْإِزَارِ" رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَضَعَّفَهُ (١). ــ * درجة الحديث: الحديث ضعيف. رواه أبو داود وضعَّفه، وقال: ليس بالقوي، وعلَّته جهالة حال سعيد الأغطش، قال الحافظ: فإنَّا لا نعرف أحدًا وثَّقه. وأيضًا فعبد الرحمن بن عائذ راويه عن معاذ، قال أبو حاتم: روايته عن عليٍّ مرسلة، فإذا كان كذلك، فعن معاذ أشد أرسالًا. وله شاهدٌ من حديث حكيم عند أبي داود والترمذي. * مفردات الحديث: - وهي حائض: جملة حالية. - حائض: لم يقل: حائضة؛ لعدم الالتباس بين صفة المذكَّر والمؤنَّث. - ما فوق الإزار: الإزار ثوبٌ يحيطُ بالنصف الأسفلِ من البدن، يذكَّر ويؤنث، وما فوقَ مَعْقِدِ الإزار هو النصفُ الأعلى من البدن. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - جوازُ مباشرة الحائض بما فوق الإزار. ٢ - النَّهي عن جماعها؛ فهو محرَّم؛ لقوله تعالى: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ [البقرة: ٢٢٢].

стр. 459

٣ - أمر الحائض بالاتزار أو لُبْسِ السروال عند إرادة مباشرتها. ٤ - الحديثُ يدلُّ على تحريم مباشرة المرأة فيما بين السرَّة والركبة؛ لأنَّ هذا هو مكان الإزار المنهيّ عن قربه، ولكن الحديث معارَضٌ بالآية الكريمة: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ وبالحديث الصحيح، وهو قوله ﷺ : "اصنعوا كل شيء إلاَّ النِّكاح" [رواه مسلم (٣٠٢)]؛ فالرَّاجح: جواز مباشرة المرأة بكلِّ بدنها، عدا الفرج. ***

стр. 460

١٢٧ - وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ قَالَتْ: "كَانَتِ النُّفَسَاءُ تَقْعُدُ عَلَى عَهْدِ النَّبيِّ ﷺ بَعْدَ نِفَاسِهَا أَرْبَعِينَ يَوْماً" رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إِلَّا النَّسَائِيَّ, وَاللَّفْظُ لِأَبِي دَاوُدَ، وَفِي لَفْظٍ لَهُ: وَلَمْ يَأْمُرْهَا النَّبِيُّ ﷺ بِقَضَاءِ صَلَاةِ النِّفَاسِ"، وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ (١). ــ * درجة الحديث: الحديث مختلفٌ فيه، والرَّاجح أنَّه حسنٌ لغيره؛ فضعَّفه جماعةٌ، منهم الترمذي، وابن القطان، وابن حزم؛ وذلك لأنَّ فيه مَسَّةَ الأزدية، ولا يُعرف حالها، وردَّ تضعيفه النووي، وقال: له شاهدٌ عند ابن ماجه من حديث أنس، وفيه سلام ضعيف، وللحاكم من حديث عثمان بن أبي العاص، ضعَّفه الدَّارقطني، والحسن لم يسمع من عثمان؛ فهذه الأحاديث يعضد بعضها بعضًا، وقد صحَّحه الحاكم وأقرَّه الذهبي، وحسَّنه الخطابي، وقال: أثنى عليه البخاري. * مفردات الحديث: ١ - النفاس: قال ابن فارس: النون والفاء والسين: أصلٌ واحد يدل على خروج النسيم؛ من ريح أو غيرها، ومنه: نفَّس الله كربته. والنِّفاس: ولادة المرأة. قال النووي: المشهور في اللغة: أنَّ "نَفِسْتُ" بفتح النون وكسر الفاء، معناه: حِضْتُ، وأمَّا الولادة فيقال: نُفِست بضم النون وكسر الفاء. قال في شرح الإقناع: دم النفاس: هو بقية الدم الذي احتبس في مدة الحمل لأجله.
следующие страницы →