١٢٥ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: لَمَّا جِئْنَا سَرِفَ حِضْتُ, فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "افْعَلِي مَا يَفْعَلُ الْحَاجُّ, غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ حَتَّى تَطْهُرِي" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، فِي حَدِيْثٍ طَوِيْلٍ (١).
ــ
* مفردات الحديث:
- سَرِف: بفتحِ السين المهملة، ثمَّ راء مهملة مكسورة، ثمَّ فاء موحَّدة: اسمٌ لا ينصرف للعَلمِيَّة والتأنيث.
وهو وادٍ يبعد عن حد الحرم من جهة التنعيم بنحو عشر كيلو مترات، وعن مكَّة المسجد الحرام بثمانية عشر كيلو متر، يمر به طريق مكة - المدينة، فهو بين مكَّة وبين واد الجموم (مر الظهران)، وهو ما يعرف الآن بالنوَّارية.
- حِضْتُ: بكسر الحاء؛ لأنَّه إذَا أُسند الماضي الأجوف الثلاثي المجرَّد إلى ضمير الرفع، وكان يائيًّا، كُسِرَ أوله، نحو قول المرأة: حِضْتُ، والنساء حِضْنَ؛ ذلك أنَّ أصله حَيَضْتُ -بالتحريك- قلبت الياء ألفًا؛ لتحرُّكها وانفتاح ما قبلها، ثم حذفت الألفُ لالتقاء الساكنين، فصار حَضْتُ -بالفتح- ثُمَّ أُبدلت الفتحة كسرة؛ لتدل على الياء المحذوفة.
- غير ألاَّ تطوفي: بنصب "غير"، و"ألاَّ" بالتشديد أصله "أنْ لا".
- غير: بمعنى سِوَى، إلاَّ أنَّها تختلف عنها ببعض الأمور، وهي اسمٌ ملازم للإضافة، وتنقطع عنها إنْ فُهِمَ معناها، ولا تتعرَّف بالإضافة؛ لشدة إبهامها.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - كانت عائشة مُحْرِمةً بالعمرة متمتِّعة بها إلى الحج، وذلك في حجة الوداع،
стр. 457
فأصابها الحيض بِسَرِف، وادٍ يبعد عن المسجد الحرام بثمانية عشر كيلو متر طريق المدينة - مكة.
٢ - فأدخلَتْ حجَّها على عمرتها، وصارتْ قارنةً؛ لأنَّها لم تتمكَّن من طواف العمرة والتحلُّل منها؛ من أجل حيضتها.
٣ - جوازُ إتيان الحائض بجميع شعائر الحج، من الوقوف بعرفة، والمبيت بمزدلفة، ورمي الجمار، والمبيت بمنى، والسعي بين الصفا والمروة، لو سبق أنْ طَافَتْ قبل الحيض، وصحةُ ذلك منها، حيث لا يشترطُ لها الطهارة، وهو إجماعٌ.
٤ - تحريمُ الطواف على الحائض، وعدم صحَّته منها.
٥ - احترامُ البيت وتعظيمُهُ، وأنْ لا يأتيه المسلم إلاَّ على أحسَنِ هيئة، وأتمِّ طهارة؛ ﴿يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١]. وكانت العرب -حتَّى في جاهليَّتها- تعظِّمه ولا تطوف به في ثيابها التي عصت الله فيها، وإنَّما يستعيرون ثيابَ قريشٍ يطوفون بها، فإِذا لم يجدوا، طافوا عراة.
***
стр. 458
١٢٦ - وَعَنْ مُعَاذٍ بنِ جَبَل ﵁ أَنَّهُ سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ مَا يَحِلُّ لِلرَّجُلِ مِنِ امْرَأَتِهِ وَهِيَ حَائِضٌ? قَالَ: "مَا فَوْقَ الْإِزَارِ" رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَضَعَّفَهُ (١).
ــ
* درجة الحديث:
الحديث ضعيف.
رواه أبو داود وضعَّفه، وقال: ليس بالقوي، وعلَّته جهالة حال سعيد الأغطش، قال الحافظ: فإنَّا لا نعرف أحدًا وثَّقه. وأيضًا فعبد الرحمن بن عائذ راويه عن معاذ، قال أبو حاتم: روايته عن عليٍّ مرسلة، فإذا كان كذلك، فعن معاذ أشد أرسالًا.
وله شاهدٌ من حديث حكيم عند أبي داود والترمذي.
* مفردات الحديث:
- وهي حائض: جملة حالية.
- حائض: لم يقل: حائضة؛ لعدم الالتباس بين صفة المذكَّر والمؤنَّث.
- ما فوق الإزار: الإزار ثوبٌ يحيطُ بالنصف الأسفلِ من البدن، يذكَّر ويؤنث، وما فوقَ مَعْقِدِ الإزار هو النصفُ الأعلى من البدن.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - جوازُ مباشرة الحائض بما فوق الإزار.
٢ - النَّهي عن جماعها؛ فهو محرَّم؛ لقوله تعالى: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ [البقرة: ٢٢٢].
стр. 459
٣ - أمر الحائض بالاتزار أو لُبْسِ السروال عند إرادة مباشرتها.
٤ - الحديثُ يدلُّ على تحريم مباشرة المرأة فيما بين السرَّة والركبة؛ لأنَّ هذا هو مكان الإزار المنهيّ عن قربه، ولكن الحديث معارَضٌ بالآية الكريمة: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ وبالحديث الصحيح، وهو قوله ﷺ : "اصنعوا كل شيء إلاَّ النِّكاح" [رواه مسلم (٣٠٢)]؛ فالرَّاجح: جواز مباشرة المرأة بكلِّ بدنها، عدا الفرج.
***
стр. 460
١٢٧ - وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ قَالَتْ: "كَانَتِ النُّفَسَاءُ تَقْعُدُ عَلَى عَهْدِ النَّبيِّ ﷺ بَعْدَ نِفَاسِهَا أَرْبَعِينَ يَوْماً" رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إِلَّا النَّسَائِيَّ, وَاللَّفْظُ لِأَبِي دَاوُدَ، وَفِي لَفْظٍ لَهُ: وَلَمْ يَأْمُرْهَا النَّبِيُّ ﷺ بِقَضَاءِ صَلَاةِ النِّفَاسِ"، وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ (١).
ــ
* درجة الحديث:
الحديث مختلفٌ فيه، والرَّاجح أنَّه حسنٌ لغيره؛ فضعَّفه جماعةٌ، منهم الترمذي، وابن القطان، وابن حزم؛ وذلك لأنَّ فيه مَسَّةَ الأزدية، ولا يُعرف حالها، وردَّ تضعيفه النووي، وقال: له شاهدٌ عند ابن ماجه من حديث أنس، وفيه سلام ضعيف، وللحاكم من حديث عثمان بن أبي العاص، ضعَّفه الدَّارقطني، والحسن لم يسمع من عثمان؛ فهذه الأحاديث يعضد بعضها بعضًا، وقد صحَّحه الحاكم وأقرَّه الذهبي، وحسَّنه الخطابي، وقال: أثنى عليه البخاري.
* مفردات الحديث:
١ - النفاس: قال ابن فارس: النون والفاء والسين: أصلٌ واحد يدل على خروج النسيم؛ من ريح أو غيرها، ومنه: نفَّس الله كربته.
والنِّفاس: ولادة المرأة.
قال النووي: المشهور في اللغة: أنَّ "نَفِسْتُ" بفتح النون وكسر الفاء، معناه: حِضْتُ، وأمَّا الولادة فيقال: نُفِست بضم النون وكسر الفاء.
قال في شرح الإقناع: دم النفاس: هو بقية الدم الذي احتبس في مدة الحمل لأجله.
стр. 461
وقال الطبيب محمَّد البار: دم النفاس يعرَّف بالطب: بأنَّه الدم الَّذي يخرُجُ بعد الولادة، ويستمرُّ لمدَّة ثلاثة إلى أربعة أسابيع، وقد تطول إلى أربعين يومًا، ويكون في الأيَّام الأربعة الأولى قانيًا، غليظًا، ومحتويًا على دم مجمَّد، ثمَّ يخف تدريجيًّا بعد ذلك، ثمَّ يصير بنيَّ اللون مختلطًا بمادَّة مخاطية، وأخيرا تظهر "القَصَّة البيضاء".
وقد تتوقَّف الإفرازات الدموية، ثمَّ يعود الدم إلى الظهور، ويعتبر ذلك نتيجة لوجود بقايا -ولو بسيطة- من المشيمة في الرحم.
- نقعد: يقال: قعد يقعد قعودًا، أي: تمسَّك وكف عن العبادة التي تشترط لها الطهارة كالصلاة.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - النفاس: دمٌ يرخيه الرَّحِمُ مع الولادة.
٢ - النفساءُ أحكامها هي أحكامُ الحائض، فيما يجبُ ويحرُمُ ويُكْرَهُ ويُباح.
٣ - تجلسُ النفساء أربعين يومًا تكفُّ نفسها عمَّا يفعله الطاهرات؛ فتترك الصلاة ونحوها، وذلك من حين وضعها ما تبيَّن فيه خلق إنسان.
قال الترمذي: أجمع أهل العلم على أنَّ النفساء تَدَعُ الصلاة أربعين يومًا، إلاَّ أنْ ترى الطهر قبل، فتغتسلُ وتصلِّي.
وقال ابن رشد وغيره: ابتداءُ النفاس مِنْ خروجِ بعض الولد.
قال الشيخ تقي الدِّين: لا حدَّ لأقل النفاس، ولا حدَّ لأكثره ولو زاد على السبعين وانقطع، والأربعون منتهى الغالب.
٤ - النفساء كالحائض لا تُؤْمَرُ بقضاء الصلاة التي لم تصلِّها أيام نفاسها، وإنَّما تقضي الصومَ الواجب.
* نبذة علمية فقهية عن النفاس:
قال الأطباء: النفاسُ هو الفترة التي تلي الولادة، والتي تؤدِّي إلى عودة
стр. 462
الرحم، وجهازِ المرأةِ التناسليِّ إلى حالتِهِ الطبيعيَّة قبل الولادة، وتحتاج هذه العودة إلى مدَّة تتراوَحُ بين ستَّة وثمانية أسابيع، ليعود الرحمُ إلى حجمه الطبيعي.
يخرج دمُ النفاس من الرحم بعد الولادة ويستمرُّ فترة قد تصلُ إلى أربعين يومًا، والغالب أنَّ المدَّة هي (٢٤) يومًا، وقد يتوقف الدم لفترة ثُمَّ يعود إلى الظهور، ويعتبر ذلك نتيجة لوجود بقايا -ولو بسيطة- من المشيمة في الرحم، أو أنَّ الرحم انقلب إلى الخلف بدلاً من وضعه الطبيعي إلى الأمام.
والفقهاء يعرفون النفاس: بأنَّه الدم الذي يرخيه الرحم مع الولادة، فاهتمامهم بهذا الدم الَّذي أفرزَتْهُ الرحم، بينما الأطبَّاء يركِّزون على حالة الرحم وعودته إلى حالته الطبيعية، فكلا الأمرين مرتبطٌ بالآخر، فالطب إلى النَّاحية الصحية لجهاز المرأة التناسلي، وللرحم على وجه الخصوص، بينما الفقه يهتم بالدم الَّذي يمنعُ الصلاةَ والصيامَ ومَسَّ المصحف ونحوها.
وأمَّا أحكامه الشرعية فنورد منها فقرات:
يثبُتُ النفاسُ بوضع ما تبيَّن فيه خلق إنسان، ولا حدَّ لأقل النفاس، ولا لأكثره؛ فما دام الدم موجودًا فهو نفاس، فإذا انقطع فهو طُهْرٌ.
والنفاس كالحيض فيما يحرِّم؛ كالصلاة، والصوم، والوطء في الفرج، وفيما يوجب؛ كالغسل، وكفارة الوطء، وفيما يُسْقِط؛ كقضاء الصلاة، وفيما يُحِلّ؛ كاستمتاعٍ بما دون الفرج، وفيما يجب قضاؤه؛ كالصيام الواجب.
...
انتهى كتاب الطهارة
стр. 463
كتاب الصلاة
مقدِّمة
الصلاة لغةً: الدعاء بخير؛ فهو الشَّائع في كلام العرب قبل ورود الشرع؛ قال تعالى: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ أي: ادعُ لهم واستَغْفِرْ لهم.
وشرعًا: أقوال وأفعال مخصوصة، مفتتحة بالتكبير، مختتمة بالتسليم، سمَّيت صلاةً؛ لاشتمالها على المعنى اللغوي، وهو الدعاء بالخير.
قال في الإنصاف: هذا هو الصحيحُ الَّذي عليه جمهورُ العلماء من الفقهاء وأهل العربية.
وفرضت ليلة المعراج قبل الهجرة بنحو ثلاث سنين.
فرضت ركعتين، فأقرت صلاة السفر، وأتمَّت أربعًا صلاة الحضر، إلاَّ المغرب؛ فإنَّها وتر النَّهار، وإلاَّ الصبح؛ فإنَّها تطول فيها القراءة، فهاتان الصلاتان بقيتا على ما فرضتا عليه.
وللصلوات على سائر الشرائع الواجبة مِيْزاتٌ كبيرة، منها ما يلي:
١ - أنَّها فرضت في السماء، بينما غيرها فرض في الأرض.
٢ - فرضت من الله تعالى لرسوله ﷺ بلا واسطة، بينما غيرها بواسطة المَلَك.
٣ - فرضت خمسين صلاة، ثمَّ حصل التخفيف في عددها إلى خمس، وبقي ثواب الخمسين في الخمس.
стр. 464
٤ - هي الركن الثاني من أركان الإسلام.
٥ - هي الغاية في العبودية والتذلُّل، والقُرب من الله تعالى.
٦ - تجب على كلِّ مكلَّفٍ، بينما غيرها من الشرائع قد لا تجبُ على البعض؛ لعدم استطاعته.
وثبوتها جاء في الكتاب والسنَّةِ وإجماعِ المسلمين؛ فهي ممَّا علم وجوبه من الدِّين بالضرورة؛ فجاحدها كافر.
وتاركها تهاونًا وكسلاً اختلف العلماء في كفره.
قال شيخ الإسلام: إنَّ كثيرًا من النَّاس لا يكونون محافظين على الصلوات الخمس، ولا هم تاركيها بالجملة، بل يصلُّون أحيانًا ويدعونها أحيانًا؛ فهؤلاء فيهم إيمان ونفاق، وتجري عليهم أحكامُ الإسلام الظاهرةُ في المواريث ونحوها من الأحكام؛ فإنَّ هذه الأحكام إذا جرت على المنافق الخالص كعبد الله بن أُبَيِّ، فَلأَن تجري على هؤلاء أولى وأحرى.
والصلواتُ الخمس: أكبرُ أركانِ الإسلام بعد الشهادتَيْن، وأفضلُ الأعمال بعدهما؛ لكونها وضعت على أكمل وجوه العبادة وأحسنها، ولجمعها ما تفرَّق من العبودية، وتضمُّنها أقسامها وأنواعها، فهي تكبيرُ الله وتحميدُهُ تعالى، والثناءُ عليه وتهليلُهُ وحمده، وتنزيهُهُ وتقديسه، وتلاوةُ كتابه، والصلاةُ والسلام على رسوله محمَّد ﷺ وعلى آله، ودعاءٌ للحاضرين وجميع عباد الله الصالحين، وهي قيامٌ وركوعٌ وسجودٌ وجلوس، وخفضٌ ورفع، فكلُّ عضوٍ في البدن، وكلُّ مَفْصِلٍ فيه، له من هذه العبادة حظُّه، ورأسُ ذلك كلِّه القلبُ الحاضر.
فرضها الله تعالى على عباده؛ ليذكِّرهم بحقه، وليستعينوا بها على تخفيف ما يَلْقَوْنَهُ من مَشاقِّ هذه الحياة الدنيا.
والمجتمع الإنساني بحاجةٍ إلى قُوَّةِ إيمان ترفع نفسية أفراده على وجه الاستمرار إلى المُثُل العليا، لئلا ترتبط الأفراد بالحاجات الماديَّة، والمصالح
стр. 465
الشخصيَّة، ممَّا يؤدي إلى الفساد في الأرض.
إنَّ الإنسان إذا لم تتصلْ روحه بخالقها، ظَهَرَتْ فيه مظاهر الاكتئاب؛ فالصلاة طمأنينةٌ في القلب عند المصائب، وراحةٌ للضمير عند النوائب؛ قال تعالي: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾ [البقرة: ٤٥].
وهي زاجرةٌ عن المنكرات؛ قال تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت: ٤٥]، ومكفِّرة للسيئات؛ قال تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤].
فالصلاةُ رأسُ القُرُبات، وغُرَّةُ الطاعات؛ لما فيها من تحقيقِ المناجاة، ورِفْعَةِ الدرجات.
***
- الشَّفَق: المراد به هنا الأحمر، الَّذي هو بقيَّةُ شعاعِ الشمس الغاربة.
- نصف الليل الأوسط: هو نصفُ الليل؛ وبهذا يكون قد ذهب الثلث الأوَّل، ونصف الثلث الأوسط؛ فإنَّ الأوسط صفة للنصف، والمراد به الأوَّل، وإنَّما عبَّر عنه بالأوسط؛ لأنَّ الليل إذا قسم نصفين ينتهي النصف الأوَّل إلى وسط الليل.
- والشمسُ نقيَّة: بيضاءُ صافيةٌ لم يخالطْهَا شيءٌ من الصفرة، والجملة اسمية وقعتْ موقعَ الحال.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - فيه بيانُ الأوقاتِ التي عيَّنها الله تعالى، لأداء الصلواتِ الخمس المكتوبة.
٢ - أنَّ الصلوات الخمس لا تصح إلاَّ في هذه الأوقات المحدَّدة؛ لقوله تعالى: ﴿فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا (١٠٣)﴾ [النساء: ١٠٣]، ولما رواه أحمد (٣٠٧١) عن ابن عباس أنَّ النَّبي ﷺ قال: "الوقت ما بين هذين"، ولما روى البخاري (٥٥٣) عن بريدة أنَّ النَّبي ﷺ قال: "من فاتته صلاة العصر، حبط عمله".
قال شيخ الإسلام: الوقت لا يُمْكِنُ تلافيه، فإذا فات، لم يمكنْ فعلُ الصلاة فيه.
وقد اختلف العلماء هل إذا أخَّرها عن وقتها عمدًا بدون عذر، يقضيها أم لا؟ سيأتي بيان ذلك، إنْ شاء الله.
٣ - أنَّ وقت صلاة الظهر إذا زالت الشمس، إلى أنْ يصير ظل كل شيءٍ طوله، بعد الظل الَّذي زالت عليه الشمس، ثمَّ يدخل وقت العصر من غير فصلٍ بينهما ولا مشترك.
٤ - أنَّ وقت صلاة العصر من أنتهاء وقت الظهر، ويمتدُّ الوقت المختار ما دامت الشمسُ بيضاءَ نقيةً، فإذا اصفرَّتْ، دخل وقت الضرورة إلى الغروب.
стр. 468
٥ - أنَّ وقت صلاة المغرب مِنْ سقوط كلِّ قرص الشمس غائبة، إلى أنْ يغيب الشفق الأحمر، ثمَّ يدخلُ وقت العشاء، بدون فاصلٍ بينهما ولا مشترك.
٦ - أنَّ وقت صلاة العشاء من غيبة الشفق الأحمر إلى نصف الليل، وجمهور العلماء على أنَّه وقتها المختار، وأمَّا وَقْتُ الأداء: فهو ممتدٌّ إلى طلوع الفجر الثاني، وقال بعضهم: إنَّ وقتها ينتهي إلى نصف الليل، وهو أقوى من حيث الدليلُ.
٧ - أنَّ وقت صلاة الصبح مِنْ طلوع الفجر الثاني، حتَّى تطلع الشمس.
* قرار هيئة كبار العلماء:
جاء في القرار الصَّادر برقم (٦١) في ١٢/ ٤ / ١٣٩٨ هـ:
من هيئة كبار العلماء ما خلاصته:
١ - من كان يقيم في بلادٍ يتمايَزُ فيها الليل من النَّهار، بطلوعِ فجر وغروبِ شمس، إلاَّ أنَّ نهارها يطول جدًا في الصيف، ويقصر في الشتاء، وجب عليه أنْ يصلي الصلوات الخمس في أوقاتها المعروفة شرعًا؛ لعموم قوله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا (٧٨)﴾ [الإسراء].
٢ - ومن كان يقيمُ في بلادٍ لا تغيبُ عنها الشمس صيفًا ولا تطلُعُ فيها شتاءً، أو في بلادٍ يستمر نهارها إلى ستَّة أشهر، ويستمر ليلها إلى ستَّة أشهر مثلًا، وجب عليهم أنْ يصلوا الصلوات الخمس في كلِّ أربع وعشرين ساعة، وأنْ يَقْدُروا لها أوقاتها، ويحددوها معتمدين في ذلك على أقرب بلادٍ إليهم، تتمايز فيه الصلواتُ المفروضة بعضُها عن بعض؛ لما ثبت أنَّ النَّبي ﷺ حدَّث أصحابه عن المسيح الدجَّال، فقالوا: ما لُبْثُهُ في الأرض؟ قال: "أربعون يومًا، يوم كسنة، ويوم كشهر، ويوم كجمعة، وسائر أيامه كأيامكم"، فقيل: يا رسول الله: اليوم الَّذي كسنة أيكفينا فيه صلاة يوم؟ قال: "لا، اقدروا له".
стр. 469
فتجب على المسلمين في البلاد المذكورة أنْ يحدِّدوا أوقات صلاتهم معتمدين في ذلك على أقرب بلادٍ إليهم يتمايَزُ فيها الليل من النَّهار، وتعرف فيها أوقاتُ الصلوات الخمس بعلاماتها الشرعية، في كلِّ أربعٍ وعشرين ساعة.
هيئة كبار العلماء
* خلاف العلماء:
اختلف العلماء في نهاية الوقت المختار للعصر:
فذهب الأئمة الثلاثة مالك والشَّافعي وأحمد: وجمهور العلماء: إلى أنَّه ينتهي بمصير الظِّل مثليه، بعد فيء الزوال.
ودليلهم ما رواه أحمد (٣٠٧١) وأبو داود (٣٩٣) والترمذي (١٤٩)، "أنَّ جبريل أمَّ النبَّي ﷺ فصلَّى به العصر -في المرَّة الثانية- حين صار ظل كل شيءٍ مثليه، ثمَّ قال الصلاة ما بين هذين الوقتين" قال البخاري: هو أصح شيء في المواقيت.
والرواية الأخرى عن الإمام أحمد: أنَّ وقت صلاة العصر يمتد إلى اصفرار الشمس، صحَّحه في الشرح الكبير، واختاره المجد، والشيخ تقي الدِّين؛ لما روى مسلم (٦١٢) عن عبد الله بن عمرو: "ووقت صلاة العصر ما لم تصفر الشمس"، وهو متأخِّر، والعمل بالمتأخِّر متعيِّن.
قال شيخ الإسلام: وهو الصحيحُ، وعليه تدلُّ الأحاديث الصحيحة. واختلف العلماء في نهاية الوقت المختار لصلاة العشاء:
فذهب الإمام أحمد في المشهور من مذهبه: أنَّه ينتهي بثلث الليل الأوَّل؛ وهو الجديد من مذهب الإمام الشَّافعي؛ لما في الصحيح عن عائشة قالت: "كانوا يصلون العتمة فيما بين أنْ يغيب الشفق إلى ثلث الليل".
стр. 470
وذهب الإمام أبو حنيفة: إلى امتداد الوقت المختار إلى نصف الليل، وهو أحد القولين في مذهب الشَّافعي، والرواية الأخرى في مذهب أحمد.
قال في المغني: وهو قول الثوري، وابن المبارك، وأبي ثور، وأصحاب الرَّأي، واحد قولي الشَّافعي؛ لما روي عن أنس: "أنَّ النَّبي ﷺ أخَّر صلاة العشاء إلى نصف الليل" [رواه البخاري (٥٧٢)].
قال في الإنصاف: جزم به الموفَّق في العمدة، واختارها القاضي، وابن عقيل، والمجد، وابن عبد القوي.
قال في الفروع: وهي أظهر.
قال الشيخ ابن سعدي: وهو الصحيح.
قال شيخ الإسلام: لو قيل: إلى النصف تارة، وإلى الثلث تارةً أخرى، لكان وجيهًا.
قال الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ: وقت الاختيار إلى ثلث الليل، ورواية أخرى إلى نصفه، وكلاهما جاء به أحاديث ثابتة.
والليل الشرعي المعتبر من غياب الشمس، إلى طلوع الفجر الثاني.
وذهب جماهير أهل العلم ومنهم الأئمة الأربعة وأتباعهم: إلى أنَّه بعد وقت الاختيار للعشاء، يدخل وقت الضرورة، ويمتد حتَّى طلوع الفجر.
ويحرُمُ إيقاعُ الصلاة فيه عند بعضهم، ومنهم الحنابلة، إلاَّ أنَّها أداءٌ ليست قضاءً؛ ودليلهم حديث أبى قتادة في مسلم؛ فإنَّه ظاهر في امتداد وقت كل صلاة إلى دخول وقت الصلاة الأُخرى، إلاَّ صلاة الفجر، فقد خصَّها الإجماع.
***
- والشمس حيَّة: بفتح الحاء المهملة، وتشديد الباء المثنَّاة، ثمَّ تاء، أي: بيضاء نقية قوية الأثر، حرارةً وإنارةً ولونًا، والواو للحال، والجملة الاسمية في موضع الحال من فاعل "يرجع"، فحياةُ الشمس عبارةٌ عن بقاء جرمها لم يتغيَّر، وبقاء لونها لم يتغير، وإنَّما يدخلها التغيير بدنو المغيب.
- ينفتل: بالفاء، والتاء المثنَّاة الفوقية مكسورة، أي: يلتفت إلى من خلفه وينصرف إليهم.
-جليسه: الجليس على وزن فعيل بمعنى المجالس، وأراد به الَّذي إلى جنبه.
- بغَلَس: بفتحتين، الغلس: ظلمة آخر الليل إذا اختلَطَ بضوء الصبح.
- أَبطؤوا: أبطأ الرَّجلُ إبطاءً، أي: تأخَّر مجيئه، وبَطُؤ من باب قرب، فهو بطيء على وزن فعيل.
- انشق الفجر: انشقَّ الشيء: انفرج، قال في النهاية: شق الفجر وانشق: إذا طلع، كأنَّه موضع طلوعه.
- الغداة: ويُقال: الغُدْوة بضم الغين، هي البكرة، وقد حدَّها بعضهم بأنَّها: ما بين صلاة الفجر وطلوع الشمس.
- لا يَكَاد: كَادَ من أفعال المقاربة التي تَدُلُّ على قرب وقوع الشيء، قال في المصباح: كدت أفعل كذا، معناه: قاربت الفعلَ ولم أفعل، وما كدت أفعل، معناه: فعلْتُ بعد إبطاء؛ ومنه قوله تعالى: ﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ (٧١)﴾ معناه: ذبحوها بعد إبطاء.
* ما يُؤْخَذ من الحديث:
١ - استحبابُ تعجيل صلاة العصر في أوَّل وقتها؛ فإنَّ الصحابة يصلُّونها مع النَّبي ﷺ ثمَّ يذهبون إلى رحالهم في أقصى المدينة، والشمسُ حيَّةٌ مرتفعةٌ بيضاءُ نقيةٌ، لم تدخلْها صفرة المساء.
٢ - استحبابُ تأخير صلاة العشاء حتَّى يذهَبَ عامَّة الليل، وهذا التَّأخير مقيَّد بما
стр. 473
إذا لم يجتمعْ أصحابها لها.
٣ - تقديم صلاة العشاء في أوَّل وقتها إذا رأى أصحابَهُ قد اجتمعوا للصلاة، وذلك مراعاةً لراحتهم، وعدم المشقَّة عليهم في الانتظار في وقت راحتهم.
٤ - يكونُ التَّأخير مستحبًّا في حقِّ جماعة في مكانٍ واحد، وفي حقِّ النساء في بيوتهنَّ.
٥ - كراهة النوم قبلها؛ لئلا يستغرق النَّائم في النوم حتَّى تفوته، أو يفوته وقتها المختار.
٦ - كراهة الحديث بعدها؛ لئلا يتأخَّر عن النوم، فيشق عليه قيام الليل، أو القيام لصلاة الصبح، وهذا في حَقِّ من ليس عنده عذر، من ضيف أو دراسة علم أو عَمَلٍ فيه مصلحة للمسلمين.
٧ - استحباب تعجيل صلاة الصبح، وذلك بأن يدخل فيها بغلس، حيث لا يزال ظلام الليل قد خالطه قليل من ضوء الصبح؛ فإنَّه مع تطويل القراءة ينصرف من الصلاة، والنَّاس يعرف بعضهم بعضًا.
٨ - قال ابن دقيق العيد: صلاة الجماعة أفضلُ من الصلاةِ في أوَّل الوقت.
٩ - استحباب تطويل القراءة في صلاة الصبح؛ فهو المراد من قوله تعالى: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا (٧٨)﴾ [الإسراء]، وهنا قدِّرت في الستين آية، ومائة آية.
١٠ - استحباب مراعاة حالة المأمومين، بعدم التأخُّر عليهم في أداء الصلاة، وطول الانتظار، ومن حيث تخفيفُ الصلاة بدون إخلال بما يكمِّلها من الواجبات والمستحبات، والميزانُ في ذلك إرشادُهُ ﷺ معاذ بن جبل.
١١ - حالة المساجد زمن النبوَّة، من عدم الإضاءة، وبساطة المبنى، ولكنَّها منوَّرة بالإيمان والصلاة والعبادة؛ قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ﴾ [التوبة: ١٨].
стр. 474
١٣٠ - وَعَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ ﵁ قَالَ: "كُنَّا نُصَلِّي الْمَغْرِبَ مَعَ رَسُوْلِ اللَّهِ ﷺ فَيَنْصَرِفُ أَحَدُنَا، وَإِنَّهُ لَيُبْصِرُ مَوَاقِعَ نَبْلِهِ" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١).
ــ
* مفردات الحديث:
- ليبصر: بضم الياء من الإبصار، والَّلام فيه التَّأكيد.
- مواقع: جمع موقع، وهو موضع الوقوع.
- نبله: بفتح النون، وسكون الباء الموحَّدة التحتية: هي السهام العربية، وهي مؤنثة، جمعه نبال وأنبال، لا واحد لها من لفظها.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - استحبابُ تعجيل صلاة المغرب في أوَّل وقتها، بحيث ينصرفُ منها والضوء باق، واستحبابُ التعجيل باتفاقِ الأئمَّة؛ قاله الشيخ تقي الدِّين.
٢ - المراد بالغروب هو غروبُ قرص الشمس جميعه، بحيث لا يرى منه شيء، ونُقِلَ الإجماع على ذلك؛ لما في البخاري (٥٣٦)، ومسلم (٦٣٦) من حديث سلمة بن الأكوع: "أنَّ النَّبي ﷺ كان يصلي المغرب إذا غربت الشمس، وتوارت بالحجاب".
٣ - يمتد وقت المغرب إلى مغيب الشفق الأحمر، وهو مذهب الأئمة الثلاثة: أبي حنيفة والشَّافعي وأحمد.
قال النووي: هذا هو الصوابُ الَّذي لا يجوز غيره؛ وذلك لما روى مسلم (٦١٢) وغيره عن ابن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ : "وقت المغرب
стр. 475
ما لم يسقط نور الشفق"، ولما روى الدَّارقطني (١/ ٢٢٩) عن ابن عمر أنَّ النَّبي ﷺ قال: "الشفقُ الحمرة، فإذا غاب، وَجَبَتِ الصلاة".
قال عياض: الشفق: الحمرةُ التي تَبْقَى في السماء بعد مَغِيب الشمس، وهو بقيَّة شعاعها؛ هذا هو قولُ أهلِ اللغة وفقهاءِ أهل الحجاز.
***
стр. 476
١٣١ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: "أَعْتَمَ النَّبيُّ ﷺ ذَاتَ لَيْلَةٍ بِالْعِشَاءِ حَتَّى ذَهَبَ عَامَّةُ اللَّيْلِ, ثُمَّ خَرَجَ فَصَلَّى, وَقَالَ: إِنَّهُ لَوَقْتُهَا، لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي" رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١).
ــ
* مفردات الحديث:
- أَعْتَمَ: دخل في العَتَمَةِ، وهي ظلمة الليل، وسمِّيت الصلاةُ باسم وقتها، والعتمة: آخرُ ثلث الليل الأوَّل.
- العشاء: بكسر العين والمد، سمِّيت الصلاةُ باسم وقتها الَّذي تصلَّى فيه.
- عامَّة الليل: أي كثيرٌ من الليل، لا أكثره.
- إنَّه لوقتها: أي: وقتها الفاضل، لولا المشقَّة على الأُمَّة.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - استحبابُ تأخير صلاة العشاء إلى عامَّة الليل، إلاَّ أنَّه لا يتجاوز ثلثه أو نصفه؛ فإنَّهما آخر الوقت المختار، على خلاف فيهما، تقدَّم.
٢ - استحباب مراعاة حالة المأمومين، وعَدَم المشقَّة عليهم في الانتظارِ، وتطويلِ الصلاة.
٣ - فيه دليلٌ على القاعدة الشرعية: "درء المفاسد مقدَّمٌ على جلب المصالح"، فدفع مشقَّتهم قُدِّمَتْ على مصلحة فضيلة الوقت المختار لها.
٤ - جواز عمل العمل المفضول أحياناً؛ لبيان حُكْمِهِ للنَّاس.
٥ - رحمة النَّبيِّ ﷺ وطلبُهُ أيسَرَ الأمرين؛ تخفيفًا على الأُمَّة، وتسهيلاً في أعمالهم؛ قال ﵊: " إنَّما بعثتم ميسرين، ولم تُبْعَثُوا معسِّرين" [رواه البخاري (٢٢٠)].
стр. 477
١٣٢ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِذَا اشْتَدَّ الْحَرُّ فَأَبْرِدُوا بِالصَّلَاةِ؛ فَإِنَّ شِدَّةَ الْحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١).
ــ
* مفردات الحديث:
- اشتد: أصله اشتَدَدَ، فأُدغمتِ الدَّالُ الأولى في الثانية، فهو من الاشتداد من الافتعال.
- أبردوا: بهمزةٍ مفتوحة مقطوعة، وكسر الرَّاء، أي: ادخلوا في صلاة الظهر في وقت البرد.
- بالصلاة: الباء للتعدية، والمعنى: ادخلوا في صلاة الظهر في البرد، وهو سكون شدَّة الحر، وذلك بانكسار شدَّة حر الظهيرة.
- فإنَّ شدَّة الحرِّ: الفاء للتعليل، أراد بيانَ أنَّ علَّة الأمر بالإبراد هي شدَّةُ الحر المُذهبةُ للخشوع.
- فيح جهنَّم: بفتح الفاء، وسكون المثنَّاة التحتية، فحاء مهملة، أي: شدَّة غليانها.
- جهنَّم: أكثر النحاة على أنَّه لفظٌ أعجميٌّ عُرِّبَ، فهو غير منصرف للعَلَميَّة والعُجْمَة، وذكره في الصِّحَاح في الرباعي.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - استحبابُ الإبراد في صلاة الظهر أيام شدة الحر؛ وذلك بأنْ تُؤَخَّر عن أوَّل وقتها إلى أَنْ تَخِفَّ شدة الحرارة، واستحباب الإبراد هو مذهبُ الأئمةِ الأربعة، وجمهورِ العلماء.
стр. 478
٢ - الحكمة في هذا: راحة المصلِّين، وتأديتها في جوٍّ مريحٍ بعيدٍ عمَّا يشغل قلب المصلِّي عن الصلاة، ويذهبُ عنه الخشوعَ الَّذي هو رُوحُ الصلاة؛ ولذا استحبَّ العلماء الإبراد حتَّى في حقِّ من يصلِّي وحده أو في بيته؛ لأنَّ المعنى في الجميع واحد.
٣ - سبب شدَّة الحرِّ هو نَفَسٌ من جهنَّم، يأذنُ الله تعالى بفتحه، فيحدث هذا الوهج الحار؛ فقد روى البخاري (٥٣٧) من حديث أبي هريرة؛ أنَّ النَّبي ﷺ قال: "اشتكَتِ النَّار إلى ربِّها، فقالت: يا ربِّ أَكَلَ بَعْضِي بعْضًا، فأذِنَ لي بنفسين: نفسٌ في الشتاء، ونفسٌ في الصيف، فهو أشدُّ ما تجدون من الحرِّ، وأشدُّ ما تجدون من الزمهرير".
قال القاضي عياض والنووي: لا مانع من حمل الحديث على ظاهره، من شكاية النَّار إلى ربِّها حقيقةً؛ فإنَّه ما من شي إلاَّ يسبِّح بحمده، ولكن لا تفقهون تسبيحهم.
قال مُحَرِّره: وهذا لا يخالف الظواهر الكونية، فالكلُّ بأمر الله تعالى وبعلمه.
قال شيخنا عبد الرحمن الناصر السعدي -رحمه الله تعالى- عند كلامه على هذا الحديث: ولا منافاة بين هذا وبين الأسباب المحسوسة؛ فإنَّها كلَّها من أسباب الحر والبرد، فيجب على المسلم أنْ يثبت الأسباب الغيبية الَّتي ذكرها الشَّارع، ويؤمن بها، ويثبت الأسباب المشاهدة المحسوسة، فمن كذَّب أحدهما، فقد أخطأ.
٤ - قال ابن حجر في الفتح ما خلاصته: الأمر بالإبراد أمرُ استحباب، وقيل: أمر إرشاد، وقيل: بل هو للوجوب؛ حكاه عياض وغيره.
وغفل الكرماني، فنقَلَ الإجماعَ على عدم الوجوب، نعم قال جمهور أهل العلم: يستحبُّ التأخير في شدَّة الحر إلى أن يبرد الوقت، وذلك في البلاد الحارَّة.
***
стр. 479
١٣٣ - وَعَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيْجٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَصْبِحُوا بِالصُّبْحِ؛ فَإِنَّهُ أَعْظَمُ لِأُجُورِكُمْ" رَوَاهُ الْخَمْسَةُ, وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ (١).
ــ
* درجة الحديث:
الحديث صحيح.
أخرجه أحمد، وأبو داود، والدَّارمي (١/ ٣٠١) وابن ماجه، والطبراني في الكبير (٢٤/ ٢٢٢)، وصحَّحه جماعةٌ، منهم الترمذي وابن حبَّان وشيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم، وقال الديلمي: إسناده صحيح، وقال السيوطي: إنَّه متواتر، وكذا قال المناوي في فيض القدير. وأقر الحافظ في فتح الباري تصحيح من صحَّحه، وللحديث عدَّة طرق، العمدة فيها حديثُ رافع بن خديج.
* مفردات الحديث:
- أَصْبحوا: ادخلوا في الصباح، والمراد: أطيلوا صلاة الصبح وقراءتها، حتَّى تسفروا؛ كما جاء في الرواية الأُخرى: "أسْفِروا".
- فإنَّه أعظم لأجوركم: تعليلٌ لإطالة صلاة الصبح بالنهار، والقراءة فيها.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - استحباب إطالة القراءة في صلاة الصبح، بحيث يدخل في الصلاة في أوَّل وقتها، ولا يخرج إلاَّ وقد أسفَرَ؛ كما جاء في بعض روايات هذا الحديث: "أسفروا بالصبح"، ولما ثبت أنَّه ﷺ : "كان يقرأ بالستين إنْ قصر، والمائة
стр. 480
إنْ أطال" [رواه البخاري (٥١٦)، ومسلم (٦٤٧)]، وقراءته مرتَّلة، صلوات الله وسلامه عليه.
٢ - فسَّرنا الإصباح بالصلاة بإطالةِ القراءة؛ ليوافقَ هذا الحديث "ابتداء صلاته ﷺ بغلس"، وهو ظلمة آخر الليل.
٣ - صلاة الفجر في أوَّل وقتها، وإطالةُ القراءة فيها هو مذهبُ جمهور العلماء، ومنهم الأئمة الثلاثة.
أمَّا الحنفية: فيرون التأخير، وحُجَّتهم ظاهر الحديث، ويقولون: إنَّه آخر الأمرين في حياته، ﵊.
***
стр. 481
١٣٤ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ النَّبيَّ ﷺ قَالَ: "مَنْ أَدْرَكَ مِنَ الصُّبْحِ رَكْعَةً قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَ الصُّبْحَ, وَمَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الْعَصْرِ قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَ الْعَصْرَ" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١).
وَلِمُسْلِمٍ عَنْ عَائِشَةَ ﵁ نَحْوَهُ, وَقَالَ: "سَجْدَةً" بَدَلَ "رَكْعَةً"، ثُمَّ قَالَ: وَالسَّجْدَةُ إِنَّمَا هِيَ الرَّكْعَةُ (٢).
ــ
* مفردات الحديث:
- مَنْ: شرطية، شرطها "أدرك" الأولى، وجوابها "أدرك" الثانية، والفاء جاءت لتربط الجواب بالشرط.
- سجدة: معناها الركعة بركوعها وسجودها.
- فقد أدرك الصبح: أي: أدرك صلاة الصبح أداء.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - الحديثُ يدل على امتداد وقت الصبح إلى طلوع الشمس.
٢ - يدل على امتداد وقت العصر إلى غروب الشمس.
٣ - يدل على أنَّ إدراك ركعة من صلاة الصبح قبل طلوع الشمس، يعتبر إدراكًا للصلاة في وقتها؛ فهي أداءٌ لا قضاء.
فإدراكُ ركعة من الصلاة في الوقت يسري على الصلاة كلِّها، فتكون كلها
стр. 482
أداء، مع الإثم بإيقاع بعض الصلاة بعد وقتها.
٥ - تأخيرُ صلاة العصر إلى اصفرار الشمس لا يجوز؛ لأنَّ هذا وقت ضرورة، نُهِيَ عن الصلاة فيه؛ فقد روى مسلم (٨٣١) من حديث عقبة بن عامر قال: "ثلاثُ ساعاتٍ كان رسول الله ﷺ ينهانا أنْ نُصلِّيَ فيهنَّ، وأنْ نقبر فيهنَّ موتانا"، منها: "وحين تَضَيَّفُ الشمس للغروب حتَّى تغرب".
"وكان ﷺ يصلي العصر والشمسُ بيضاءُ نقية مرتفعة".
٦ - جاء في بعض الروايات: "من أدرك ركعة"، وفي بعضها: "سجدة" بدل "ركعة"، وليس المراد نفس الركوع أو نفس السجود، وإنَّما المراد ركعة كاملة بأعمالها وأقوالها، إلاَّ أنَّه عبَّر عن الكل باسم البعض.
٧ - المشهور من مذهبنا: أنَّ الوقت يُدْرَكُ بتكبيرة الإحرام فيه، والرواية الأخرى: أنه لا يُدْرَكُ إلاَّ بإدراك ركعة، كما يدل عليه هذا الحديث، واختاره الشيخ تقي الدِّين، وقال: إنَّه عامٌّ في جميع الإدراكات لا تكون إلاَّ بركعة، واختاره من المعاصرين الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ، والشيخ عبد الرحمن السعدي، رحمهما الله تعالى.
***
стр. 483
١٣٥ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: سَمِعْتَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "لَا صَلَاةَ بَعْدَ الصُّبْحِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، وَلَا صَلَاةَ بَعْدَ الْعَصْرِ حَتَّى تَغِيبَ الشَّمْسُ" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَلَفْظُ مُسْلِمٍ: "لَا صَلَاةَ بَعْدَ صَلَاةِ الْفَجْرِ" (١).
وَلَهُ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ: "ثَلَاثُ سَاعَاتٍ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَنْهَانَا أَنْ نُصَلِّي فِيهِنَّ, وَأَنْ نَقْبُرَ فِيهِنَّ مَوْتَانَا: حِينَ تَطْلُعُ الشَّمْسُ بَازِغَةً حَتَّى تَرْتَفِعَ, وَحِينَ يَقُومُ قَائِمُ الظَّهِيرَةِ حَتَّى تَزُولَ الشَّمْسُ, وَحِينَ تَضَيَّفُ الشَّمْسُ لِلْغُرُوبِ" (٢).
وَالْحُكْمُ الثَّانِي عِنْدَ الشَّافِعِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ، وَزَادَ: "إِلَّا يَوْمَ الْجُمْعَةِ" (٣)، وَكَذَا لِأَبِي دَاوُدَ عَنْ أَبِي قَتَادَةَ نَحْوُهُ (٤).
ــ
* درجة الحديث:
زيادة الشَّافعي وزيادة أبي داود ضعيفتان؛ فزيادة الشافعي فيها إبراهيم بن يحيى، وإسحاق بن عبد الله بن أبي فروة، وهما ضعيفان، قال أبو حاتم: إبراهيم
стр. 484
ضعيف، وقال الأزدي: منكر الحديث.
وأمَّا إسحاق، فقال الزهري: يُرْسِلُ الأحاديثَ، وقال ابن سعد: يروي أحاديث منكرة، ولا يحتجُّون بحديثه.
وأمَّا زيادة أبي داود، فهي منقطعة؛ لأنَّ أبا الخليل لم يسمع من أبي قتادة، ومع هذا ففيها ليث بن أبي سُلَيْم، وهو ضعيف.
قال أحمد: مضطرب الحديث.
وقال ابن معين: ضعيف الحديث.
* مفردات الحديث:
- لا صلاة بعد العصر، ولا صلاة بعد الفجر: قَالَ ابن دقيق العيد: صيغةُ النفي إذا دخلَتْ على الفعل في ألفاظ الشَّارع، فالأوْلَى حملُها على نفي الفعلِ الشرعيِّ، لا على نفي الفعلِ الوجوديِّ؛ فيكون قوله: "لا صلاة بعد الصبح" نفيًا للصلاة الشرعية لا الجنسية، وإنَّما قلنا ذلك؛ لأنَّ الظَّاهر أنَّ الشَّارع يطلق ألفاظه على عُرْفِهِ، وهو الشرعيُّ، وأيضًا: إذا حملناه على الفعل الجنسي، وهو غيرُ مُنْتَفٍ، احتجنا إلى إضمارٍ لتصحيح اللفظ، وهو المسمَّى بدلالة الاقتضاء.
- نَقْبُر: بضم الباء وكسرها، أي: ندفن فيها الموتى.
- الشمس بازغة: بزغَتِ الشمسُ تبزُغُ بزوغًا، من باب نصر، أي: ابتدأت في الطلوع.
- حين: الحين: وقتٌ مبهمٌ يصلُحُ لجميع الأزمان -طال أو قصر- والمراد به هنا: وقتُ الزوال.
- قائم الظهيرة: هو قيام الشمس وقت الزوال من قولهم: قامت به دابَّته، أي: وقفت، والمعنى: أنَّ الشمس إذا بلَغَتْ وسَطَ السماء، أبطأتْ حركة الظلِّ إلى أنْ تزول، فيحسب النَّاظر إليها أنَّها وقَفَتْ وهي سائرة؛ ولكنَّه سير لا يظهر له
стр. 485
أثرٌ سريع، فيُقال لذلك الوقوف المشاهد: "قائم الظهيرة".
- حتَّى تزول: حتَّى تميلَ عن وسط السماء نحو المغرب.
- تَضَيَّف الشمس للغروب: بفتح التاء والضاد المعجمة، وتشديد الياء: تميل نحو الغروب.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - نفيُ صحة الصلاة بعد صلاة الصبح؛ لأنَّه دَخَلَ وقت النَّهي الَّذي لا تصحُّ فيه الصلاة.
٢ - نَفْيُ صحة الصلاة بعد صلاة العصر؛ لأنَّه دَخَلَ وقت النَّهي الَّذي لا تصح الصلاة فيه.
٣ - رواية مسلم: "لا صلاة بعد صلاة الفجر" أزالتِ الشكَّ الَّذي جاء في رواية: "لا صلاة بعد الصبح"، والَّذي فيه احتمالُ إرادة طلوع الصبح، أو إرادة فعل الصلاة.
٤ - النَّفْيُ في هذين الوقتين أبلَغُ من النَّهي؛ لأنَّ النَّفي فيه نفيُ وقوع حقيقة الشيء، وأمَّا النَّهي فلا يُعْطِي هذا المعنى.
٥ - السَّاعاتُ الثلاث التي ينهى فيها عن الصلاة وعن دفن الموتى هي:
(أ) من طلوع الشمس حتَّى ترتفع قِيدَ رمح وتزول حمرتها.
(ب) حين ينتهي ارتفاعُ الشمسِ حتَّى تزول.
(ج) حين تميلُ إلى الغروب حتَّى يتم غروبها.
* أوقات النهى بالبسط:
١ - من صلاة الصبح إلى طلوع الشمس.
٢ - من طلوع الشمس حتَّى ترتفع قدر رمح.
٣ - عند قيام الشمس حال الاستواء حتَّى تزول.
٤ - من بعد صلاة العصر إلى اصفرار الشمس.
стр. 486
٥ - من الاصفرار حتَّى يتم الغروب.
* خلاف العلماء:
أجمع العلماء على تحريم الصلوات النوافل المطلقة، وأنَّها لا تصح ولا تنعقد في أوقات النهي الخمسة المتقدِّم ذكرها.
واختلفوا في جواز الصلوات ذوات الأسباب؛ كتحية المسجد، وركعتي الوضوء، وصلاة الكسوف:
ذهب الأئمة الثلاثة أبو حنيفة ومالك وأحمد في المشهور من مذهبه: إلى عدم جواز نفل الصلاة في أوقات النهي مطلقًا، سواءً كانت من ذوات الأسباب أو غيرها.
وذهب الإمام الشَّافعي: إلى جواز نفل ذوات الأسباب، وهو روايةٌ قوية عن الإمام أحمد، اختارها شيخ الإسلام وغيره من أصحاب أحمد.
ومنشأ الخلاف بين الفريقَيْن: هو بُدُوُّ التعارض بين الأحاديث، فطائفة منها: عمومها يفيد النهي عن الصلاة مطلقًا في تلك الأوقات، وطائفة أخرى: عمومها يفيد استحباب إيقاع الصلاة ذات السبب، ولو في وقت النَّهي.
قال الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ: التحقيقُ: أنَّ العموم في الأوقات مقدَّم على العموم في الصلوات؛ ولأنَّ أحاديثَ النَّهي قد دخلها التخصيص بالفائتةِ، والنومِ عنها، والنَّافلةِ التي تقضى؛ فضَعُفَ جانبُ عموم تخصيصها بذلك.
وقال الشيخ عبد الرحمن السعدي: تجويزُ ذواتِ الأسباب في أوقات النَّهي أرجحُ مِنْ منعها؛ لأنَّ ذواتِ الأسباب تفوت بفوات أسبابها، بخلاف النوافل المطلقة.
واختلف العلماء هل يبدأ النهي عن الصلاة بطلوع الفجر أم بعد صلاة الفجر؟:
стр. 487
ذهب إلى الأوَّل الأئمة أبو حنيفة، ومالك، وأحمد، وأتباعهم؛ مستدلِّين بما روى أبو داود (١٢٧٨) والترمذي (٤١٩) عن ابن عمر؛ أنَّ النَّبي ﷺ قال: "لا صلاة بعد الفجر إلاَّ سجدتين".
وذهب الشَّافعية: إلى أنَّ النَّهي يبتدىء من صلاة الفجر؛ واستدلوا على ذلك بما رواه البخاري (٥٦١) عن أبي سعيد: "لا صلاة بعد صلاة الفجر حتَّى تطلع الشمس"، وغيره من الأحاديث.
وما استدل به الحنابلة فيه مقال، ولا يُقاوِمُ أحاديثَ الصحيحين؛ كما سيأتي بيان ذلك.
* فائدة:
الحكمة في النَّهي عن الصلاة في هذه الأوقات، هي البعدُ عن مشابهة المشركين الَّذين يسجدون للشمس عند طلوعها وعند غروبها؛ فالإِسلامُ يريد من أتباعه الوَحْدَةَ في عباداتهم وعاداتهم وأحوالهم، ويريدُ منهم الاستقلال؛ فلا يحتذون غيرهم، بل تكون لهم شخصيَّتهم الإسلامية.
***
стр. 488
١٣٦ - وَعَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ, لَا تَمْنَعُوا أَحَدًا طَافَ بِهَذَا الْبَيْتِ وَصَلَّى، أَيَّةَ سَاعَةٍ شَاءَ، مِنْ لَيْلٍ أوْ نَهَارٍ" رَوَاهُ الْخَمْسَةُ, وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ (١).
ــ
* درجة الحديث:
الحديث صحيح.
أخرجه أحمد، والترمذي، والنسائي، والدَّارمي (٢/ ٩٦)، وابن ماجه، والدَّارقطني (١/ ٤٢٤)، والحاكم، والبيهقي (٥/ ٩٢)، وقال الترمذي: حسنٌ صحيح، وقال الحاكم: صحيحٌ على شرط مسلم، ووافقه الذهبي.
* مفردات الحديث:
- عبد مناف: ابن قُصَيٍّ، هو الأب الرَّابعُ للنَّبي ﷺ ، وذريته هم أعزُّ بيتٍ في قريش، قال الزركلي: وكان له أمرُ قريشٍ بعد أبيه.
- أية ساعة: "أي" اسم موصول، والتَّاء للتَّأنيث جاءتْ للمطابقة؛ لأنَّ "أيًّا" الموصولة تجوزُ فيها المطابقة.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - عبد مناف هو الأبُ الرَّابع للنَّبي ﷺ ، وكانت ذريته فيهم سقايةُ الحجيج والرفادة، وهم قِمَّةُ الشرف في قريش، وراوي الحديث جبير بن مطعم من زعماء بني عبد مناف؛ فإنَّ أباه الرَّابع عبدُ مناف.
٢ - تحريمُ منع المتعبِّدين في المسجد الحرام في أي ساعة من ساعات الليل
стр. 489
والنَّهار، سواءٌ كان وقت نهي أو لا.
وقال بعضهم: إن المراد به ركعتا الطواف؛ بدليل قَرْنِ الصلاة بالطواف.
وقال بعضهم: إن الحديث لا يعطي شيئًا من هذين المعنيين، وإنما هو خطابٌ موجَّه إلى ولاة البيت، بأن لا يمنعوا منه أحدًا في أي وقت، أما مسألة "أن الوقت للصلاة أو عدمه"، فأمرٌ مرجعه إلى نصوصِ الشرع، وهذا توجيهٌ حسنٌ.
٣ - ظاهرُ الحديث: جوازُ الصلاة في المسجدِ الحرامِ في أية ساعة من الليل والنَّهار.
٤ - إقرارُ ولاية البيت في يد مَنْ ولاَّه اللهُ تعالى أَمْرَ المسلمين، في مكَّة المكرمة وما حولها.
٥ - الحديثُ دليلٌ على صِحَّة قول من يرى أنَّ الصلواتِ ذوات الأسباب تُصلَّى في أوقات النَّهي؛ لأنَّه خصَّص أحاديثَ النَّهي العامَّة.
٦ - فيه فضيلةٌ ومنقبةٌ كبيرة لقريشِ وُلاَةِ هذا البيت، ولبني عبد مناف منهم خاصَّة، وفضيلةٌ لمن جاء بعدهم ممَّن شرَّفه الله بخدمة هذا البيت المبارك، الَّذي قال الله فيه: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ (٩٦)﴾ [آل عمران]، وقال: ﴿أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا﴾ [القصص: ٥٧].
***
стр. 490
١٣٧ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "الشَّفَقُ الْحُمْرَةُ" رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، وَصَحَّحَ ابْنُ خُزَيْمَةَ وَغَيْرُهُ وَقْفَهُ عَلَى ابْنِ عُمَرَ (١).
ــ
* درجة الحديث:
الحديث صحيح السند، ولكنَّه موقوف.
أخرجه ابن خزيمة، من حديث ابن عمر مرفوعًا، والبيهقي (١/ ٣٧٣)، وصوَّبا وقفه، وقال: روي هذا الحديث عن عليٍّ، وابن عمر، وابن عبَّاس، وعبادة بن الصامت، وشدَّاد بن أوس، وأبي هريرة، ولا يصح فيه شيء.
* مفردات الحديث:
- الشفق: قال ابن بَطَّال في شرح المهذَّب: الشفق: هو بقيَّةُ ضوء الشمس وحمرتها في أوَّل الليل، يرى في المغرب إلى صلاة العشاء.
قال الخليلُ: الشفق: الحمرة من غروب الشمس إلى وقت العشاء الأخيرة، فإذا ذَهَبَ، قيل: غاب الشفق.
- الحمرة: بضم الحاء، وسكون الميم، هي مؤنَّث اللون الأحمر.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - تعيُّن تفسير الشفق أنَّه الحمرة التي تكونُ إثْرَ شعاع الشمس بعد مغيبها؛ وهذا التفسير مرفوعٌ إلى النَّبى ﷺ ، وتمام الحديث: "فإذا غاب الشفق، وجبت الصلاة".
стр. 491
٢ - هذا الشفق الأحمر هو الَّذي يحدِّد نهاية وقت صلاة المغرب، وبداية صلاة العشاء، قال النووي: الصوابُ أنَّ المراد بالشفق هو الأحمر، ولا يجوز غيره.
٣ - يمتد وقتُ المغرب إلى غيبة هذا الشفق الأحمر، ثمَّ يبدأ وقت العشاء، وهذا مذهب الأئمة الثلاثة: أبي حنيفة والشَّافعي وأحمد.
***
стр. 492
١٣٨ - وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "الْفَجْرُ فَجْرَانِ: فَجْرٌ يُحَرِّمُ الطَّعَامَ وَتَحِلُّ فِيهِ الصَّلَاةُ, وَفَجْرٌ تَحْرُمُ فِيهِ الصَّلَاةُ -أَيْ: صَلَاةُ الصُّبْحِ- وَيَحِلَّ فِيهِ الطَّعَامُ" رَوَاهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَاهُ (١).
وَلِلْحَاكِمِ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ نَحْوُهُ, وَزَادَ فِي الَّذِي يُحَرِّمُ الطَّعَامَ: "إِنَّهُ يَذْهَبُ مُسْتَطِيلًا فِي الْأُفُقِ"، وَفِي الْآخَرِ: "إِنَّهُ كَذَنَبِ السِّرْحَان" (٢).
ــ
* درجة الحديث:
الحديث صحيح الإسناد، والرَّاجح وقفه.
قال الدَّارقطني: لم يرفعه غير أبي أحمد الزبيري، عن الثوري، عن ابن جريج، ووقفه الفريابي وغيره عن الثوري، ووقفه أصحاب ابن جريج عنه أيضًا، لكنْ له شاهدٌ من رواية جابر عند الحاكم قال: قال رسول الله ﷺ : "الفجرِ فجران، فأمَّا الَّذي يكون كذنب السرحان فلا يُحِلُّ الصلاةَ، ولا يُحَرَّمُ الطعامَ، وأمَّا الَّذي يذهب مستطيلاً في الأفق فإنَّه يُحِلُّ الصلاة، ويحرَّم الطعامَ".
قال البيهقي: روي موصولاً ومرسلًا، والمرسل أصح، وأخرجه الحاكم وصحَّحه.
وفي الباب: عن سمرة رواه مسلم، وعن ابن مسعود متَّفقٌ عليه.
стр. 493
* مفردات الحديث:
- مستطيلًا: استطال الشيء استطالة، بمعنى: طال وامتدَّ وارتفع، ومستطيلًا هنا: اسم فاعل.
- الأفق: بضمتين، قال في المصباح: الناحيةُ مِنَ الأرض ومِنَ السماء، والجمع آفاق.
- كَذَنَب السِّرْحان: بكسر السِّين المهملة، وسكون الرَّاء، فحاء مهملة، والسرَحان هو الذئب، وذنبه يمتدُّ مستطيلًا ممتدًا مرتفعًا؛ ففيه شَبَهٌ منه.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - أنَّ الفجر فجران: الأوَّل منهما: الفجر الكاذب، والثاني: الصادق، وأحكامهما وصفاتهما مختلفة.
٢ - صفة الأوَّل منهما أنْ يذهَبَ مستطيلًا في الأفق، وأنَّه كذنب الذئب من امتداده إلى أعلى الأفق، ومن حيثُ لونُهُ الأبيضُ الضارب إلى الزرقة.
٣ - صفة الفجر الثاني منهما أنَّه معترضٌ في الأفق، وأنَّ لونه أبيضُ ناصعُ البياض.
٤ - حكم الفجر الأوَّل أنَّ ظهوره لا يحرِّم الأكلَ على مَنْ أراد الصيام؛ لأنَّه لا يزال الليل باقيًا، وأنَّها لا تَحِلُّ فيه صلاة الصبح؛ لأنَّه لم يدخُلْ وقتها.
٥ - حكمُ الفجر الثاني يحرِّم على من أراد الصيامَ الأكلَ؛ لأنَّ ظهوره هو بدايةُ النهار، وتَحِلُّ فيه صلاةُ الصبح؛ لأنه قد دَخَلَ وقتها.
***
стр. 494
١٣٩ - وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ الصَّلَاةُ فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا" رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَاهُ، وَأَصْلُهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ (١).
ــ
* درجة الحديث:
الحديث صحيح. صحَّحه الترمذي والحاكم، وقد أخرجه البخاري (٥٢٧)، ومسلم (٨٥) عن ابن مسعود بلفظ: "سألت رسول الله ﷺ أي العمل أحبُّ إلى الله؟ قالَ: الصَّلاَةُ لوقتها".
* مفردات الحديث:
- الأعمال: "أل" من أدوات العموم، وقد عورض بحديث: "أفضل الأعمال إيمانٌ بالله" فحمل هنا على الأعمال البدنية، فلا تتناول أعمال القلوب.
- في أوَّل وقتها: رواية البخاري: "الصلاة لوقتها" بدون لفظ "أول" ووجه الجمع في رواية البخاري مثل الَّلام في قوله تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ أي: مستقبلاتٍ أوَّلَ عدتهنَّ.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - أنَّ أفضل الأعمال الصالحات هو أداء الصلاة المفروضة في أوَّل وقتها.
٢ - عِظَمُ الصلواتِ الخمس، وفضيلةُ الاهتمام بهنَّ، وأدائهنَّ في أوَّلِ وقتهنَّ.
٣ - يستثنى من ذلك الصلاةُ التي يستحبُّ أنْ تصلَّى في آخر وقتها المختار، وهي العشاءُ، فقد صلاَّها ﷺ حين ذهَبَ عامَّةُ الليل، وقال: "إنَّه لَوَقْتُها لولا أنْ أشُقَّ على أمتي" [رواه مسلم (٦٣٨)]، وكذلك فضيلة الإبراد في الظهر؛
стр. 495
فيخصَّص بهما حديث الباب.
٤ - قال فقهاؤنا: وتحصُلُ فضيلة التعجيل في أوَّل الوقت بالتأهُّب، والأخذ بأسبابها من طهارةٍ وسترة؛ لأنَّ مَنْ فَعَلَ ذلك وأخَذَ بفعل الأسباب لا يُعدُّ متوانيًا، بل مهتمًّا بها.
٥ - جاء في بعض الأحاديث أنَّ النَّبيَّ ﷺ سُئِلَ أي الأعمال أفضل؟ فقال: "إيمانٌ بالله "، وكما وردتْ أحاديث أخر في أنواع البر بأنَّ فعلها هو أفضل الأعمال.
وأحسنُ جوابٍ على هذا بين شبه هذا التعارض، أنَّه ﷺ مِنْ حكمته يخاطبُ كلَّ واحد على حسب حاله، ويوجِّهه إلى ما هيأه الله له:
فإنْ كَان قويَّ البدن شجاعًا، وَجَّهه إلى الجهاد، وإنْ كان ليس فيه لياقةٌ لذلك، وجَّهه إلى القيامِ بأداء الصلوات، وإنْ كان غنيًّا، وجَّهه إلى الصدقة؛ ليعمَلَ كلُّ إنسان بالَّذي يحسنه، ويستغلّ مواهبه التي منحه الله إيَّاها، فيما يُصْلِحُ نفسه، وينفع غيره، وكلٌّ ميسَّرٌ لِمَا خُلِقَ له، وهذه من حكمة اختلاف مواهب الخلق، وميولهم واستعداداتهم، والله أعلم.
٦ - قال ابن الملقن: الَّذي قيل في الجمع بين الأحاديث المتعارضة: أنَّها أجوبة مخصوصة، لمسائل مخصوص، بالنسبة إلى حاله أو وقته، أو بالنسبة إلى عموم ذلك الحال والوقت، أو بالنسبة إلى المخاطبين بذلك.
٧ - فيه السؤالُ عن العلم ومراتبه في الأفضلية، وتقديمُ الأهمِّ فالأهمِّ في الأعمال.
***