← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13604

توضيح الأحكام من بلوغ المرام

عبد الله البسام

Полный текст (4 050 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

٢ - هذا الشفق الأحمر هو الَّذي يحدِّد نهاية وقت صلاة المغرب، وبداية صلاة العشاء، قال النووي: الصوابُ أنَّ المراد بالشفق هو الأحمر، ولا يجوز غيره. ٣ - يمتد وقتُ المغرب إلى غيبة هذا الشفق الأحمر، ثمَّ يبدأ وقت العشاء، وهذا مذهب الأئمة الثلاثة: أبي حنيفة والشَّافعي وأحمد. ***

стр. 492

١٣٨ - وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "الْفَجْرُ فَجْرَانِ: فَجْرٌ يُحَرِّمُ الطَّعَامَ وَتَحِلُّ فِيهِ الصَّلَاةُ, وَفَجْرٌ تَحْرُمُ فِيهِ الصَّلَاةُ -أَيْ: صَلَاةُ الصُّبْحِ- وَيَحِلَّ فِيهِ الطَّعَامُ" رَوَاهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَاهُ (١). وَلِلْحَاكِمِ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ نَحْوُهُ, وَزَادَ فِي الَّذِي يُحَرِّمُ الطَّعَامَ: "إِنَّهُ يَذْهَبُ مُسْتَطِيلًا فِي الْأُفُقِ"، وَفِي الْآخَرِ: "إِنَّهُ كَذَنَبِ السِّرْحَان" (٢). ــ * درجة الحديث: الحديث صحيح الإسناد، والرَّاجح وقفه. قال الدَّارقطني: لم يرفعه غير أبي أحمد الزبيري، عن الثوري، عن ابن جريج، ووقفه الفريابي وغيره عن الثوري، ووقفه أصحاب ابن جريج عنه أيضًا، لكنْ له شاهدٌ من رواية جابر عند الحاكم قال: قال رسول الله ﷺ : "الفجرِ فجران، فأمَّا الَّذي يكون كذنب السرحان فلا يُحِلُّ الصلاةَ، ولا يُحَرَّمُ الطعامَ، وأمَّا الَّذي يذهب مستطيلاً في الأفق فإنَّه يُحِلُّ الصلاة، ويحرَّم الطعامَ". قال البيهقي: روي موصولاً ومرسلًا، والمرسل أصح، وأخرجه الحاكم وصحَّحه. وفي الباب: عن سمرة رواه مسلم، وعن ابن مسعود متَّفقٌ عليه.

стр. 493

* مفردات الحديث: - مستطيلًا: استطال الشيء استطالة، بمعنى: طال وامتدَّ وارتفع، ومستطيلًا هنا: اسم فاعل. - الأفق: بضمتين، قال في المصباح: الناحيةُ مِنَ الأرض ومِنَ السماء، والجمع آفاق. - كَذَنَب السِّرْحان: بكسر السِّين المهملة، وسكون الرَّاء، فحاء مهملة، والسرَحان هو الذئب، وذنبه يمتدُّ مستطيلًا ممتدًا مرتفعًا؛ ففيه شَبَهٌ منه. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - أنَّ الفجر فجران: الأوَّل منهما: الفجر الكاذب، والثاني: الصادق، وأحكامهما وصفاتهما مختلفة. ٢ - صفة الأوَّل منهما أنْ يذهَبَ مستطيلًا في الأفق، وأنَّه كذنب الذئب من امتداده إلى أعلى الأفق، ومن حيثُ لونُهُ الأبيضُ الضارب إلى الزرقة. ٣ - صفة الفجر الثاني منهما أنَّه معترضٌ في الأفق، وأنَّ لونه أبيضُ ناصعُ البياض. ٤ - حكم الفجر الأوَّل أنَّ ظهوره لا يحرِّم الأكلَ على مَنْ أراد الصيام؛ لأنَّه لا يزال الليل باقيًا، وأنَّها لا تَحِلُّ فيه صلاة الصبح؛ لأنَّه لم يدخُلْ وقتها. ٥ - حكمُ الفجر الثاني يحرِّم على من أراد الصيامَ الأكلَ؛ لأنَّ ظهوره هو بدايةُ النهار، وتَحِلُّ فيه صلاةُ الصبح؛ لأنه قد دَخَلَ وقتها. ***

стр. 494

١٣٩ - وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ الصَّلَاةُ فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا" رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَاهُ، وَأَصْلُهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ (١). ــ * درجة الحديث: الحديث صحيح. صحَّحه الترمذي والحاكم، وقد أخرجه البخاري (٥٢٧)، ومسلم (٨٥) عن ابن مسعود بلفظ: "سألت رسول الله ﷺ أي العمل أحبُّ إلى الله؟ قالَ: الصَّلاَةُ لوقتها". * مفردات الحديث: - الأعمال: "أل" من أدوات العموم، وقد عورض بحديث: "أفضل الأعمال إيمانٌ بالله" فحمل هنا على الأعمال البدنية، فلا تتناول أعمال القلوب. - في أوَّل وقتها: رواية البخاري: "الصلاة لوقتها" بدون لفظ "أول" ووجه الجمع في رواية البخاري مثل الَّلام في قوله تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ أي: مستقبلاتٍ أوَّلَ عدتهنَّ. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - أنَّ أفضل الأعمال الصالحات هو أداء الصلاة المفروضة في أوَّل وقتها. ٢ - عِظَمُ الصلواتِ الخمس، وفضيلةُ الاهتمام بهنَّ، وأدائهنَّ في أوَّلِ وقتهنَّ. ٣ - يستثنى من ذلك الصلاةُ التي يستحبُّ أنْ تصلَّى في آخر وقتها المختار، وهي العشاءُ، فقد صلاَّها ﷺ حين ذهَبَ عامَّةُ الليل، وقال: "إنَّه لَوَقْتُها لولا أنْ أشُقَّ على أمتي" [رواه مسلم (٦٣٨)]، وكذلك فضيلة الإبراد في الظهر؛

стр. 495

فيخصَّص بهما حديث الباب. ٤ - قال فقهاؤنا: وتحصُلُ فضيلة التعجيل في أوَّل الوقت بالتأهُّب، والأخذ بأسبابها من طهارةٍ وسترة؛ لأنَّ مَنْ فَعَلَ ذلك وأخَذَ بفعل الأسباب لا يُعدُّ متوانيًا، بل مهتمًّا بها. ٥ - جاء في بعض الأحاديث أنَّ النَّبيَّ ﷺ سُئِلَ أي الأعمال أفضل؟ فقال: "إيمانٌ بالله "، وكما وردتْ أحاديث أخر في أنواع البر بأنَّ فعلها هو أفضل الأعمال. وأحسنُ جوابٍ على هذا بين شبه هذا التعارض، أنَّه ﷺ مِنْ حكمته يخاطبُ كلَّ واحد على حسب حاله، ويوجِّهه إلى ما هيأه الله له: فإنْ كَان قويَّ البدن شجاعًا، وَجَّهه إلى الجهاد، وإنْ كان ليس فيه لياقةٌ لذلك، وجَّهه إلى القيامِ بأداء الصلوات، وإنْ كان غنيًّا، وجَّهه إلى الصدقة؛ ليعمَلَ كلُّ إنسان بالَّذي يحسنه، ويستغلّ مواهبه التي منحه الله إيَّاها، فيما يُصْلِحُ نفسه، وينفع غيره، وكلٌّ ميسَّرٌ لِمَا خُلِقَ له، وهذه من حكمة اختلاف مواهب الخلق، وميولهم واستعداداتهم، والله أعلم. ٦ - قال ابن الملقن: الَّذي قيل في الجمع بين الأحاديث المتعارضة: أنَّها أجوبة مخصوصة، لمسائل مخصوص، بالنسبة إلى حاله أو وقته، أو بالنسبة إلى عموم ذلك الحال والوقت، أو بالنسبة إلى المخاطبين بذلك. ٧ - فيه السؤالُ عن العلم ومراتبه في الأفضلية، وتقديمُ الأهمِّ فالأهمِّ في الأعمال. ***

стр. 496

١٤٠ - وَعَنْ أَبِي مَحْذُوْرَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "أوَّلُ الْوَقْتِ رِضْوَانُ اللهِ، وَأوْسَطُهُ رَحْمَةُ اللهِ، وَاَخِرُهُ عَفْوُ اللهِ" أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ بِسَنَدٍ ضَعِيْفٍ جِدًّا (١)، وَلِلْتِّرْمِذِيِّ مِنْ حَدِيْثِ ابْنِ عُمَرَ نَحْوُهُ، دُوْنَ الأَوْسَطِ، وَهُوَ ضَعِيْفٌ أَيْضًا (٢). ــ * درجة الحديث: الحديث ضعيف جِدًّا. قال في التلخيص: لأنَّه من رواية يعقوب بن الوليد المدني، قال أحمد: كان من الكذَّابين الكبار، وكذَّبه ابن معين، وتركه النسائي، ونسبه ابن حِبَّان إلى الوضع. قال البيهقي: كذَّبه الحفَّاظ، ونسبوه إلى الوضع. قال أحمد: لا أعرف شيئًا يثبت فيه، يعني في هذا الباب. وكذلك رواية الترمذي من طريق يعقوب المذكور. وقال ابن الملقِّن: هذا الحديث لا يصح من جميع طرقه. * مفردات الحديث: - رضوان الله: بكسر الرَّاء: رضاء الله، منافٍ لسخطه، قال الألوسي: رضا الله لا يعادله شيء، ويستتبع ما لا يكادُ يَخْطُرُ على بال، فهو أعلى المراتب الثلاث. - رحمة الله: تفضُّله وإحسانه على عبده، فهي دون مرتبة الرضا.

стр. 497

- عفو الله: معناه: محو الذنب، ولا يكون المحو إلاَّ من تقصير، والتقصير هنا بالنسبة لِسَبْقِ مَنْ أدَّى الصلاةَ في أوَّل وقتها. قال الإمام الشافعي: رضوانُ الله أحبُّ إلينا من عفوه، فالعفو يشبه أنْ يكون للمقصِّرين. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - استحبابُ أداء الصلاة المفروضة في أوَّل وقتها؛ طلبًا لرضوان الله تعالى. ٢ - إِنْ لمْ يَكنْ ذلك فلتؤدَّ في وسطه؛ لنيل رحمة الله تعالى. ٣ - أمَّا أداؤها في آخر الوقت، ففيه تكاسُلٌ وتثاقُلٌ عن الطاعة، فمن أخَّرها إلى آخر وقتها، فإنَّ الله تعالى يعفو عنه، ويسامحه على تكاسُلِهِ وعدمِ مبادرته. ٤ - أنَّ أفضل الثلاثة رضوان الله، ثمَّ رحمة الله، ثمَّ عفو الله، والعفو لا يكون إلاَّ بعد شيءٍ من التقصير. ٥ - فضيلةُ النشاط في العبادة، والمبادرةِ إليها، والإتيانِ إليها برغبة؛ قال تعالى: ﴿يَايَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ﴾ [مريم: ١٢]، وقال تعالى: ﴿خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ﴾ [الأعراف: ١٧١]، وذم المنافقين بقوله: ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا (١٤٢)﴾ [النساء]. ***

стр. 498

١٤١ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ قَالَ: "لاَ صَلاَةَ بَعْدَ الفَجْرِ إلاَّ سَجْدَتَيْنِ" أَخْرَجَهُ الْخَمْسَةُ إِلاَّ النَّسَائِيَّ. وَفِي رِوَايَةِ عَبْدِالرَّزَّاقِ: "لاَ صَلاَةَ بَعْدَ طُلُوعِ الفَجْرِ إلاَّ رَكْعَتَيِ الفَجْرِ" (١)، وَمِثْلُهُ لِلدَّارَقُطْنِيِّ عَنِ ابْنِ عَمْرِو بْنِ العَاصِ (٢). ــ * درجة الحديث: الحديث ضعيفٌ؛ كما مال لذلك ابن حجر، ومنهم من صحَّحه. فقد أخرجه الإمام أحمد، وأبو داود، والترمذي، والدَّارقطني، والبيهقي من عدَّة طرقٍ، كلُّها عن قدامة بن موسى بسنده إلى ابن عمر. قال الترمذي: غريبٌ لا نعرفه إلاَّ من حديث قدامة بن موسى، عن محمد ابن الحصين، وقُدَامَةُ ثقةٌ احتَجَّ به مسلم، وثَّقه ابن معين، وأبو زرعة، وغيرهما، ولكن شيخه -وهو محمَّد بن الحصين- مجهول، ويعضُدُ الحديثَ شواهدُهُ، ممَّا روي عن أبي هريرة، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وغيرهم. قال ابن الملقِّن: أعلَّه ابن القطَّان بما ليس بعلَّة. قال الألباني: الحديثُ صحيحٌ بالنظر إلى مجموعِ طرقه، التي خلت من متهمٍ، أو راوٍ واهٍ جدًّا. لكنْ كلام ابن حجر في التلخيص الحبير يفيد ضعفه، وينظر كذلك نصب الراية.

стр. 499

مفردات الحديث: - لا صلاة: كلمة "لا" نافية، ولكنَّه نَفْيٌ بمعنى النَّهْي، والتقدير: لا تصلُّوا. - سجدتين: أي: ركعتين كاملتين، وهذا من إطلاقه الجزء وإرادة الكل؛ كما فسَّرتها الرواية الثانية. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - النفي المتضمِّن للنهي عن الصلاة النَّافلة بعد طلوع الفجر، إلاَّ ركعتي الفجر، وهما راتبة صلاة الفجر. ٢ - جواز ركعتَي الفجر بعد طلوع الفجر، وأنَّهما في وقتهما، وهذا الحديث معارَضٌ بما هو أصحُّ منه؛ وهو ما جاء في البخاري (١٩٩٥)، ومسلم (٨٢٧) من حديث أبي سعيدٍ الخدري؛ أنَّ النَّبي ﷺ قال: "لا صَلاَةَ بَعْدَ صلاَةِ الفجر حتَّى تَطْلُعَ الشمس". وَبِمَا روى البخاري (٥٨١) أنَّ النَّبي ﷺ "نَهَى عن الصلاة بعد صلاة الصبح حتَّى تَطْلُعَ الشمس". قال المجد في المنتقى: وهذه النصوصُ الصحيحةُ تدُلُّ على أنَّ النَّهي في الفجر لا يتعلَّق بطلوعه. ٣ - يحتمل أنَّ المؤلِّفَ أورَدَ هذا الحديث لبيان جوازِ قضاء ركعتَيِ الفجر، بعد أداءِ فَرْضِها في وقت النَّهي. ***

стр. 500

١٤٢ - وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ قَالَتْ: صَلَّى رَسُوْلُ اللهِ ﷺ الْعَصْرَ، ثُمَّ دَخَلَ بَيْتِي فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، فَسَأَلْتُهُ؟ فَقَالَ: "شُغِلْتُ عَنْ رَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الظُّهْرِ، فَصَلَّيْتُهُمَا الآنَ، فَقُلْتُ: أفَنَقْضِيْهِمَا إذَا فَاتَتَا؟ قَالَ: لاَ" أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ (١). وَلأبِي دَاوُدَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ بِمَعْنَاهُ (٢). ــ * درجة الحديث: الحديث صحيح. حديثُ أمِّ سَلَمة رواه أحمد، والنسائي (٥٧٩) والسراج، من طريق أبي سلمة بن عبدالرحمن، عن أمِّ سلمة، قالت: "دخل عليَّ رسولُ الله ﷺ فصلَّى بعد العصر ركعتَيْن، فقلت: ما هذه الصلاة؟ فما كنْتَ تصلِّيها، فقال: قَدِمَ وفد بني تميم، فشغلوني عن ركعتين، كنت أركعها بعد الظهر". إسناده صحيح، وأصله في الصحيحين، إلاَّ قولها: "أفنقضيهما ... "؛ فقد ضعَّفها البيهقي، وابن حجر في الفتح، وصحَّحها ابن حبان، وقال ابن رجب في شرح البخاري: إسنادها جيد، وكذلك قال ابن باز. * مفردات الحديث: - شغلت: مبني للمجهول، وهو من باب نفع، والمصدر: الشُّغْل بضم الشين، وأمَّا الغين، فيجوز ضمها وسكونها، وشغلت عن كذا أُلْهِيتُ عنه، قال ابن

стр. 501

فارس: ولا يكادون يقولون: "اشتَغَلَ" بالبناء للفاعل، وهو جائز. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - يدلُّ الحديث على أنَّ النَّبي ﷺ شُغِلَ عن الرَّاتبة التي بعد الظهر، فصلاَّها بعد صلاة العصر قضاءً. ٢ - أم سلمة ﵂ سألته هل نفعلُ ذلك، بأنْ نقضي هاتين الركعتين هذا الوقت إذا فاتتا؟ فنفى ذلك، وقال: لا تقضوهما في هذا الوقت. ٣ - دلَّ هذا الحديث على أنَّ قضاءَ راتبة الظهر -التي بعدها- بعد صلاة العصر من خصائصِهِ ﷺ ، فَمَهَامُّهُ كثيرة وكبيرة، والله تعالى أعطاه ذلك لتكميل ثوابِهِ وأعماله، ما لم يُعْطَ غيره مِنْ نوافل العبادات، وهي كالوصالِ، ووجوب صلاة الليل، ممَّا هو مذكورٌ في كتب الخصائص. ***

стр. 502

باب الأذان والإقامة مقدمة الأذان لغةً: مِنْ أذَّن يؤذِّنُ تأذينًا وأذانًا، فالأذان: اسم المصدر القياسي، وهو لغةً: الإعلام؛ قال تعالى: ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [التوبة: ٣] أي: إعلامٌ منهما إلى النَّاس. والأذان شرعًا: إعلامٌ بدخول وقت الصلاة، بألفاظٍ مخصوصة. والإقامة شرعًا: إعلامٌ بالقيام إلى الصلاة، بذكرٍ مخصوص. الأدلة على مشروعيتهما: وهما مشروعان بالكتاب، والسنَّة، وإجماع الأُمَّة: قال تعالى: ﴿وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ [المائدة: ٥٨]، وفيما رواه مسلم (٣٨٧) وغيره من حديث معاوية أنَّ النَّبي ﷺ قال: "المؤذِّنون أطولُ النَّاس أعناقًا يوم القيامة". قال ابن رشد: والأمر بالأذان منقولٌ بالتواتر، والعلمُ به حاصلٌ ضرورة، وأجمعتِ الأمَّة على مشروعيته. حكمهما: وهما: فرض كفاية، فليس لأهل مدينةٍ، ولا قريةٍ، أنْ يَدَعُوهما؛ لأنَّهما من الشعائر الظاهرة. قال الشيخ تقي الدِّين: هما فرضا كفاية، وكثيرٌ من العلماء يُطْلِقُ السُّنَّة على ما يثابُ عليه شرعًا، ويعاقب تاركه شرعًا؛ فالنِّزاعُ إذًا لفظي. وفرض الكفاية: هو ما يَلْزَمُ جميعَ المسلمين إقامتُهُ، وإذا قام به من يكفي، سقطت الفرضيَّة عن الجميع، وإلاَّ أثموا. والأذان: جامعٌ لعقيدة الإيمان؛ فأوَّله: إثبات الذَّات والإجلال والتعظيم

стр. 503

لله تعالى، ثمَّ إثباتُ الوحدانية له، ونَفْيُ ضدِّها من الشرك بالله تعالى، ثمَّ إثباتُ رسالة محمد ﷺ ، ثمَّ دعوةٌ إلى الصلاة، الَّتي هي عمودُ الإسلامِ، ثمَّ دعوةٌ إلى الفلاح، الَّذي هو الفوزُ والبقاء في النَّعيمِ المقيم، ثمَّ التذكيرُ بإقامة الصلاة. فهذه المعاني العظيمةُ الجليلة محتوياتُ الأذان والإقامة. ويجب الأذانُ والإقامةُ على الرِّجَال؛ لما روى البيهقيُّ (١/ ٤٠٨) وضعَّفه عن أسماء بنت يزيدَ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قَالَ: "ليس على النِّساءِ أذَانٌ ولاَ إقَامَةٌ". وصَحَّ عن ابن عمر موقوفًا عند البيهقي (١/ ٤٥٨)، كما قال ابن الملقِّن في "خلاصة البدر" (١/ ١٠٦). قال الوزير: أجمعوا على أنَّهما لا يُشْرَعان لهنَّ ولا يسنَّان، ويجبان -على الصحيح- حضرًا وسفرًا؛ فلم يكن ﷺ يَدَعُهُمَا حضرًا ولا سفرًا. قال النووي: لا يشرعان لغير المكتوباتِ الخمس عند جمهور العلماء من السلف والخلف. جمل الأذان: والأذان المختارُ خمسَ عشرةَ جملةً. قال الشيخ: مذهبُ أهلِ الحديث هو تسويغُ كلِّ ما ثبت عن النَّبي ﷺ ، ولا يكرهون شيئًا من ذلك. حكم استبدال الأذان بالإسطوانات: قال الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ: إنَّنا ننكر استبدالَ الأذان بالإسطوانات؛ فإنَّ ذلك يفتح على النَّاسِ بابَ التلاعُبِ بالدِّين. ولا بأس باستعمال رافعِ الصوت في الأذان وخُطْبةِ الجمعة والعيدين ونحو ذلك؛ ليحصُلَ به إسماعُ الأذان في مسافاتٍ بعيدة. وليس هذا من البدع؛ فإنَّ البدعة هي الطريقة المحدثة في الدِّين، مضاهاةً للشريعة، والميكروفون لا يقصد باستعماله إلاَّ رَفْعُ الصوت فقطْ، فهو وسيلةُ تبليغٍ، وهي ترجعُ إلى العادات، والله أعلم.

стр. 504

١٤٣ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَبْدِ رَبِّهِ ﵁ قَالَ: "طَافَ بِي وأنَا نَائِمٌ رَجُلٌ فَقَالَ: تَقُوْلُ: اللهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ، فَذَكرَ الأَذَانَ بِتَرْبِيعِ التَّكبِيرِ، بِغَيْرِ تَرْجِيْعٍ، وَالإِقَامَةَ فُرَادَى، إِلاَّ "قَدْ قَامَتِ الصَّلاَةُ"، قَالَ: فَلَمَّا أصْبَحْتُ أتيْتُ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ ، فَقَالَ: "إِنَّهَا لَرؤْيَا حَقٍّ .. " الْحَدِيثَ، أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ خُزَيْمَةَ. وَزَادَ أَحْمَدُ في آخِرِهِ قِصَّةَ قَوْلَ بِلاَلِ ﵁ فِي أَذَانِ الفَجْرِ: "الصَّلاَةُ خَيْرٌ مِنَ النَّوْمِ". وَلاِبْنِ خُزَيْمَةَ عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: "مِنَ السُّنَّةِ إِذَا قَالَ المُؤَذِّنُ في الفَجْرِ: حَيَّ عَلَى الفَلاَحِ، قَالَ: الصَّلاةُ خَيْرٌ من النَّوْمِ" (١). ــ * درجة الحديث: الحديث صحيح. رواه الإمام أحمد، وأبو داود، والدارمي (١/ ٢٨٦)، وابن الجارود (٢/ ٤٩)، والدَّارقطني (١/ ٢٤١)، والبيهقي (١/ ٤١٥). وسنده حسن. وقد صحَّحه جماعةٌ من الأئمة؛ كالبخاري والنووي والذَّهبي وغيرهم. وأمَّا زيادة أحمد: فقال سعيد بن المسيب: "أُدْخِلَتْ هذه الكلمةُ في التأذين لصلاة الفجر".

стр. 505

قال في سبل السلام: "وصحَّح الزيادةَ ابنُ خزيمة وابنُ السكن". قال ابن حزم: "وإسنادُهُ صحيح، والأحاديثُ لم تَرِدْ بإثباتها إلاَّ في صلاة الصبح". قال ابن عبد البر: "روى قصَّةَ عبد الله بن زيد هذه جماعةٌ من الصحابة بألفاظٍ مختلفة، ومعانٍ متقاربة؛ فالأسانيدُ في ذلك متواترةٌ من وجوهٍ حسان". وقال ابن رشد: "إنَّها منقولةٌ بالتواتر، وإنَّ العلم بها حاصلٌ بالضرورة". * مفردات الحديث: - طَافَ بِي: طَافَ يَطِيفُ طَيْفًا، من باب باع. قال في المصباح: "أصله الواو فهو يَطُوفُ؛ لكن قُلِبَتْ واوه ياءً؛ إمَّا للتخفيفِ، وإمَّا لغة؛ فالطائف: ما ألَمَّ بالإنسان". وقال في المحيط: "طاف بالشيء: دَارَ حوله، وطاف الخيالُ: جاء في النوم". - بتربيع التكبير: تكريره أربع مرَّاتٍ. - ترجيع: رجَّع -بالتشديد- المؤذِّنُ في أذانه تَرْجِيعًا، بمعنى: أنْ يأتيَ بكلٍّ من الشَّهادتينِ مرَّتَيْنِ خافِضًا بهما صوتَهُ، ومرَّتين رافعًا بهما صوته. - الإِقَامَة: يُقال: قام يقوم قومًا وقيامًا، ويتعدَّى بالهمزة، فيُقال: أقام الصلاة إقامة: نادى لها. - رُؤيا: يقال: رأى يَرَى رؤية. قال في المحيط: "الرؤيا كالرؤية، غير أنَّها مختصَّةٌ بما يكونُ في النوم، فرقًا بينهما، فالرؤيا: ما رأيته في منامك، جمعها رُؤًى". - حي: بتشديد الياء، بمعنى: هَلُمَّ وأَقْبِلْ، وهو اسم فعلٍ بمعنى الأمر، مبنيٌّ على الفتح، فقول المؤذِّنين: "حي على الصلاة" يعني هلم وأقبل إلى الصلاة. - فرادى: قال في المصباح: "فرادى: جمع فرد على غير قياس"، ومعناه: لا

стр. 506

تكرير في شيءٍ من ألفاظها، إلاَّ "قد قامت الصلاة"، فإنَّها المقصودة من الإقامة. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - استشار النَّبيُّ ﷺ أصحابه بوسيلةٍ يعلمون بها دخول وقت الصلاة المفروضة، فتفرَّقوا قبل أنْ يَصِلُوا إلى حَلًّ. ٢ - رأى عبد الله بن زيد في منامه رجلاً يَحْمِلُ ناقوسًا، فقال: أتبيعُ النَّاقوس؟ فقال الهاتف: وما تصنع به؟ قال: ندعو به إلى الصلاة، قال: أفلا أدلك على ما هو خير؟ قَالَ: بلى، قال: تقول: الله أكبر، الله أكبر ... إلى آخر الأذان، فاخبر به النَّبيَّ ﷺ ، فقال: "إنَّها لرؤيا حقٍّ"، وأمر بالعمل بها. ٣ - دلَّ الحديثُ على مشروعيَّة الأذان لدعاء الغائبين إلى الصلاة في المساجد. ٤ - مشروعيَّةُ الشفع في الأذان، بأنْ يأتيَ بجُمَلِهِ مَثْنَى، أو رُبَاعَ، كالتكبير في أوَّله، ويكون بخمسَ عشرةَ جملةً، كلُّها مشفوعةٌ إلاَّ الجملةَ الأخيرة؛ فهذا أذان عبد الله بن زيدٍ المختار. ٥ - مشروعية إفراد الإقامة إلاَّ التكبيرَ في أوَّلها، و"قد قامت الصلاة"، فهي مشفوعة، وظاهر الحديث: إفراد التكبير في أوَّله، ولكن جمهور العلماء على أنَّ التكبير في أوَّلها مرَّتان. ٦ - الأفضلُ تركُ الترجيع، الَّذي هو الإتيانُ بالشهادتين بصوتٍ منخفضٍ، ثمَّ إعادَتُهُمَا بصوتٍ عال. ٧ - استحبابُ أنْ يقولَ المؤذِّن في صلاة الصبح، بعد "حي على الفلاح": "الصلاة خيرٌ من النوم" مرَّتين. ٨ - مناسبةُ هذه الجملة لهذا الوقت؛ لأنَّ الناس غالبًا في منامهم، فيحتاجون إلى هذا التذكير. ٩ - الحكمةُ في تكرير الأذان، وإفرادِ الإقامة: هي أنَّ الأذان لإعلام الغائبين؛

стр. 507

فاحتيج إلى التكرير ورفع الصوت، وأنْ يكونَ على مرتَفَعٍ؛ بخلاف الإقامة: فإنَّها لإعلام الحاضرين، وإنَّما كرِّرت "قد قامت الصلاة"؛ لأنَّها مقصود الإقامة. ١٠ - قال ابن الملقِّن: ذكر العلماء في حكمة الأذان أربعة أشياء: (أ) إظهارُ شعار الإسلام. (ب) كلمةُ التوحيد. (ج) الإعلامُ بدخول وقت الصلاة، ومكانها. (د) الدعاءُ إلى الجماعة. ١١ - ذكر العلماءُ أغلاطَ المؤذِّنين، التي منها: (أ) مَدُّ الهمزة في "أشهد"؛ ليخرج إلى الاستفهام. (ب) مَدُّ الباء من "أكبر"؛ فينقلب المعنى إلى جمع "كَبَر" وهو الطبل. (ج) الوقف على "إله"، ويبتدىء "إلاَّ الله". (د) إدغام الدَّال في الرَّاء، من "محمدًا رسول الله". (هـ) أنْ لا ينطق بالهاء من "الصلاة"، فيبقى دعاء إلى النَّار. (و) الوقوفُ على آخرِ الكلمة بحركة. ***

стр. 508

١٤٤ - وَعَنْ أَبِي مَحْذُوْرَةَ ﵁ "أَنَّ النَّبيَّ ﷺ عَلَّمَهُ الأَذَانَ فَذَكَرَ فِيْهِ التَّرْجِيع" أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، وَلكِنْ ذَكَرَ التَّكْبِيرَ فِي أَوَّلِهِ مَرَّتَيْنِ فَقَطْ، وَرَوَاهُ الخَمْسَةُ فَذَكَرُوهُ مُرَبَّعًا (١). ــ * درجة الحديث: الحديث شاذٌّ بذكر التكبير في أوَّل الأذان مرَّتين. فقد رواه الإمام أحمد وأصحاب السنن الأربعة أربع تكبيرات. قال ابن عبد البر: "التكبير أربع مرَّات في أوَّل الأذان هو المحفوظُ من رواية الثقات، من حديث أبي محذورة، ومن حديث عبدالله بن زيد". قال في التلخيص: حديث عبد الله بن زيد بتربيع التكبير في أوَّله هي قصَّة مشهورة، رواه أبوداود، وصحَّحه ابن خزيمة وابن حبَّان. والتربيع عمل أهل مكَّة، وهي مَجْمَع المسلمين في المواسم، ولم ينكر ذلك أحد من الصحابة. قال النووي: يقولُ المؤذِّن كلَّ تكبيرتين، بنَفَسٍ واحد. * مفردات الحديث: - فيه الترجيع: رجَّعت الكلام وغيره، أي: ردَّدته، والترجيعُ في الأذان، معناه: ترديد الشهادتين مرَّتين، الأُولَى بخفض الصوتِ، والثانية برفعه. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - أنَّ أبا محذورة هو أحدُ مؤذِّنِي رسولِ الله ﷺ لأهل مكَّة المشرَّفة. ٢ - مشروعيةُ تعليمِ الأذان للجاهل به.

стр. 509

٣ - الترجيعُ وَرَدَ في حديث أذانِ أبي محذورة، ولم يَرِدْ في أذانَيْ بلال وعبد الله ابن أم مكتوم، وفي مثل هذا يستحبُّ أنْ يؤتَى به أحيانًا، ففي ذلك إعمالُ السنَّة كلِّها. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: مذهبُ أهل الحديث وَمَنْ وافقهم هو تسويغُ كلِّ ما يثبُتُ عن النَّبي ﷺ ، فلا يكرهون شيئًا من ذلك إذا تنوَّعت صفته، كالأذان، والإقامة، والتشهُّدات، والقراءات، فمِنْ تمام اتباعِ السُّنَّة أنْ يفعل هذا تارة، وهذا تارة، فهذا أصل للإمام أحمد مستمرٌّ في جميع صفات العبادات أقوالها وأفعالها. ٤ - استحبابُ أنْ يكون المؤذِّن حسَنَ الصوت، جميل الأداء. ٥ - مشروعية الترجيع، وذلك بالإتيانِ بالشهادتَيْن خافضًا بهما صوته، ثمَّ إعادتهما بصوتٍ مرتفع. ٦ - التكبيرُ مرَّتان في أوَّلِ الأذان في أذان أبي محذورة، أمَّا في أذان بلال فأربع، وهو الَّذي تلقَّاه عبد الله بن زيد في منامه. ٧ - يختلف أذان أبي محذورة عن أذان بلال، بعدد جُمَلِهِ. ٨ - أبو محذورة من بني جُمَح من قريش، كان بعد الفتح مع صِبْيَانِ مكَّة، يحكون الأذانَ استهزاءً، فسمعه النَّبيُّ ﷺ فأعجبه صوته، فدعاه وعلَّمه الأذان، فكان مؤذِّنَ أهلِ مكَّة، وبلالٌ مؤذِّنَ أهلِ المدينة. ***

стр. 510

١٤٥ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: "أُمِرَ بِلالٌ أنْ يَشْفَعَ الأَذَانَ وَيُوترَ الإِقَامَةَ إِلاَّ الإِقَامَةَ، يَعْنِي: إِلأَ قَدْ قَامَتِ الصَّلاَةُ" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، ولَمْ يَذْكُرْ مُسْلِمٌ الاِسْتِثْنَاءَ. وَلِلنَّسائِيِّ: "أمَرَ النَّبَيُّ ﷺ بلاَلاً" (١). ــ * مفردات الحديث: - أُمِرَ بلال: بضم الهمزة على صيغة المجهول، والرَّاجحُ عند الأصوليين: أنَّ الآمر هو الرَّسولُ ﷺ ، قال الكرماني: الصوابُ أنَّه مرفوع. - يشفع: يُقال: شفَعَ العددَ يشفعُهُ شَفْعًا، أي: صيَّره شفعًا، أي: زوجًا، والمعنى: أضافَ إلى الواحد آخر، وإلى الركعة أخرَى؛ فصار شفعًا. - يوتر: يُقال: أوتَرَ يُوتِرُ إيتارًا: جعل الشفع وترًا، وأوتر الإقامةَ: جعَلَ جملها وترًا، والوتر الفَرْد. - يوتر الإقامة إلاَّ الإقامة: المراد من "الإقامة" الأولى: جميعُ جملِ الإقامة، والمراد من "الإقامة" الثانية: جملة "قد قامت الصلاة". * ما يؤخذ من الحديث: ١ - الحديثُ مرفوع إلى النَّبي ﷺ ؛ فهذا التعبير عن الصحابة في حكم الرفع؛ لأنَّ الآمر والنَّاهي هو النبي ﷺ . ٢ - استحبابُ شَفْعِ جميعِ الأذان، وذلك لأجلِ أنْ تكرَّر جُمَلُهُ، فيسمعها البعيدون؛ لإعلامهم بدخول وقت الصلاة.

стр. 511

٣ - استحبابُ وِتْرِ الإقامة، والإتيانِ بجملها مفردةً؛ لأنَّها لإعلامِ الحاضرين بإقامة الصلاة؛ فلا تحتاجُ إلى التكرير. ٤ - استحبابُ تكرير "قد قامت الصلاة" في الإقامة؛ لأنَّها المقصودُ من الإقامة؛ فصار لهذه الجملة مزيدُ عناية واهتمام. ٥ - يؤخذُ من الحديث استحبابُ تكرير الأشياء الهامَّة على النَّاس، إذا لم يسمعوها في الأول؛ ليعوها ويستوعبوها، سواءٌ في الخُطَبِ، أو الدرس، أو غير ذلك مِنْ مواطن الإرشاد والتعليم. فقد جاء في صحيح البخاري من حديث أنسٍ قال: "كان رسول الله ﷺ يعيدُ الكلمةَ ثلاثًا؛ لِتُعْقَلَ عنه". ٦ - أحسنُ استدلالٍ على جواز تفاوت جُمَلِ الأذان -ما بين أذانِ بلالٍ وأذانِ أبي محذورة- هو أنَّ هذا الأذانَ ينادَى به كلَّ يومٍ خمس مرَّاتٍ على أعلى مكانٍ، ويجيبُ المؤذِّنَ المسلمون كلُّهم، زمن الصحابة، ثمَّ التابعين، ومع هذا لم يذكر اختلاف بينهم في جواز الأمرين. ***

стр. 512

١٤٦ - وعَنْ أَبي جُحَيْفَةَ ﵁ قَالَ: "رَأَيْتُ بِلاَلاً يُؤَذِّنُ وَاتَتَبَّعُ فَاهُ هَهُنَا وَهَهُنَا وَإِصْبَعَاهُ فِي أُذُنَيْهِ" رَوَاهُ أَحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ. وَلاِبْنِ مَاجَهْ: "وَجَعَلَ إِصْبَعَيْهِ في أُذُنَيْهِ". وَلأِبِي دَاوُدَ: "لَوَى عُنمهُ لَمَّا بلَغَ حَيَّ عَلَى الصَّلاَةِ يَمِيْنًا وَشِمَالاً، وَلَمْ يَسْتَدِرْ" (١) وأَصْلُهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ (٢). ــ * درجة الحديث: الحديث صحيح. رواه أحمد، والترمذي، والحاكم (١/ ٣٩٩) قال الترمذي: حسنٌ صحيح، وقال الحاكم: صحيحٌ على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي. وصحَّح هذه الرواية -أيضًا- ابن خزيمة، وأبو عوانة. وأمَّا رواية ابن ماجه: ففيها الحجاج بن أرطاة، وهو غير محتجٍّ به. وأمَّا قوله: "لم يستدر" فقد قال عنها البيهقي: إنَّها لم ترد من طريق صحيح، لأنَّ مدارها على سفيان الثوري، وهو لم يسمعه من عون، إنَّما رواه عن رجلٍ عنه، والرَّجل يتوهَّم أنَّه الحجَّاج، والحجَّاج غير محتجٍّ به. * مفردات الحديث: - فاه: هو الفم، جمعه: أفواه، و"فو" من الأسماء الخمسة التي ترفع بالواو،

стр. 513

وتنصب بالألف، وتجر بالياء. - هاهنا وهاهنا: "هنا" اسم إشارة للقريب، و"ها" للتنبيه، تدخل على أربعة مواضع، أحدها: الإشارة غير المختصَّة بالبعيد، كهذا الحديث. - إصبعاه: مجازٌ عن الأنملة، من باب إطلاق الكُلِّ وإرادة الجزء. - لوى عنقه: التفَتَ برأسه فقط. - لم يستدر: استدار، بمعنى: دار، ومعنى لم يستدر: أن جسمه ثابتٌ تجاه القبلة ويلوي عنقه يمينًا بِـ"حي على الصلاة"، وشمالاً بِـ"حيَّ على الفلاح". * ما يؤخذ من الحديث: ١ - مشروعيَّة الأذان، وقد تقدَّم أنَّه من شعائر الدِّين الظاهرة، وأنْ يضع المؤذِّنُ أعلى سبَّابتيه في أذنيه؛ لأنَّه أرفع لصوته، وإذا رآه البعيد، عَلِمَ أَنَّه يؤذِّن. ٢ - استحباب استقبال القبلة في الأذان، وأنْ لا ينصرف عنها بجملته إلى الجهتين في الحَيْعَلَتَيْنِ، وفي رواية عن أحمد وغيره: أنَّه لا يدورُ إلاَّ إذا كان على منارة، قَصْدَ الإسماع. ٣ - يلتفتُ ويلوي عنقه يمينًا، عند قوله: "حي على الصلاة"، ويلوي عنقه شمالاً عند قوله: "حي على الفلاح"؛ لأنَّ هَاتَيْنِ الجملتَيْنِ هما اللتان فيهما التصريحُ بمناداةِ النَّاسِ؛ ليحضروا للصلاة، وما عداهما من جمل الأذان، فَذِكرٌ. ٤ - أمَّا بقيَّة جسده فيبقى مستقبلَ القبلة، لا يلتفت به، ولا يستدبر به القبلة. ٥ - استحبابُ إبلاغِ الأذان للنَّاسِ وإسماعهم إِيَّاه بأيِّ وسيلة مباحة، كمكبِّرات الصوت الحديثة الآن، فهي مستحبَّة لما فيها من الفائدة الكبيرة، وليستْ من البدع؛ فإنَّ البدعة في الدِّين: هي طريقةٌ في الدِّين مخترعة، تضاهي العبادة الشرعية، يُقْصَدُ بالسلوك عليها المبالغةُ في التعبُّد لله تعالى، وهذه الأجهزةُ لا يقصد باستعمالها العبادة، وإنَّما يُقْصَدُ بها رفعُ الصوت، فهي وسيلة تبليغ، فمرجعُهَا إلى العادات، والله أعلم.

стр. 514

١٤٧ - وَعَنْ أَبِي مَحْذُوْرَةَ ﵁ "أَنَّ النَّبيَّ ﷺ أَعْجَبَهُ صَوْتُهُ، فَعَلَّمَهُ الأَذَانَ" رَوَاهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ (١). ــ * درجة الحديث: الحديث حسن. أخرجه الدَّارمي (١/ ٢٩١)، وأبو الشيخ بإسناد متصل إلى أبي محذورة، وأخرجه أيضًا ابن حبان (٥/ ٥٧٤) من طريق أخرى، ورواه ابن خزيمة في صحيحه، وصَحَّحه ابن السكن، وابن حزم، وابن دقيق العيد. * مفردات الحديث: - أبو مَحْذورة: بفتح الميم، وسكون الحاء: مؤذِّن رسول الله ﷺ لأهل مكَّة، اختُلِفَ في اسمه، وأشهرها أنَّه: أوس بن معير بن محيريز، قرشي من بني جُمَح. - أعجبه صوته: عَجِبْتُ من الشيء عَجَبًا، من باب تعب، ومعناها: استحسانُ الشيء والرضا به. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - استحبابُ كون المؤذِّن رفيعَ الصوت، حَسَنَ الأداء، شجيَّ النداء. ٢ - استحبابُ تعليمِ الأذان لمن أراد أنْ يَقُومَ به. ٣ - استحبابُ تحسينِ الصوتِ بالأذان وتلاوةِ القرآن؛ لأنَّ هذا أدعَى للخشوع، والإقبالِ على السماع. ...

стр. 515

١٤٨ - وَعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ ﵁ قَالَ: "صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ العِيْدَيْنِ غَيْرَ مَرَّةٍ وَلاَ مَرَّتَيْنِ بِغَيْرِ أذَانٍ وَلاَ إِقَامَةٍ" رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١) وَنَحْوُهُ فِي المُتَّفَقِ عَلَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ وَغَيْرهِ (٢). ــ * مفردات الحديث: - سَمُرة: بفتح السين، وضم الميم، ابن جُنْدُب، وجابرٌ: صحابيٌّ جليلٌ حليفٌ للأنصار. - غير مرَّة ولا مرَّتين: التحديد بالمرَّة والمرَّتين غير مرادٍ: وإنَّما المراد أنَّ ذلك كثير. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - أنَّ صلاة العيد، سواء الفطر أو الأضحى، لا يشرَعُ لها أذانٌ ولا إقامة، وهو كالإجماع بين العلماء. ٢ - قال ابن القيِّم في الهدي: "كانَ ﷺ إذا انتهى إلى المصلَّى في صلاة العيد، صلَّى من غير أذانٍ ولا إقامةٍ، ولا قولِ: "الصلاة جامعة"، فالسنَّةُ أَنْ لا يُفْعَلَ شيءٌ من ذلك". ٣ - الحكمةُ في عدم الأذان للعيدَيْن -والله أعلم- أنَّ دخولَ وقتهما يشتهرُ بثبوتِ دخولهما، وأنَّ وقتهما محدَّدٌ ومعلوم. والأذانُ الغرضُ منه الإعلامُ بدخول الوقت، وهنا النَّاسُ ليسوا بحاجةٍ

стр. 516

إلى الإعلام بدخول الوقت، وليسوا في حالِ غفلةٍ عن الصلاةِ ووقتها. ٤ - الأذانُ والإقامةُ لا يشرعان لغير الصلوات الخَمْس المكتوبة، فلا يشرعان لا لنافلة، ولا جنازة، ولا عيد، ولا استسقاء، ولا كسوف. قال النووي: لا يشرعان لغير المكتوباتِ الخمس، وبه قال جمهور العلماء من السلف والخلف. ***

стр. 517

١٤٩ - وَعَنْ أَبِي قتادَةَ ﵁ في الحَدِيْثِ الطَّوِيْلِ فِي نَوْمِهِمْ عَنِ الصَّلاَةِ: "ثُمَّ أذَّنَ بِلالٌ فَصَلَّى النَّبيُّ ﷺ كَمَا كانَ يَصْنعُ كُلَّ يَوْمٍ" رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١). ولهُ عَنْ جَابِر ﵁ "أنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَتَى المُزْدَلِفَةَ فَصَلَّى بِهَا المَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ بِأَذَانٍ وَاحِدٍ وإقَامَتَيْنِ" (٢). وَلَهُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄: "جَمَعَ النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَ المَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ بإقَامَةٍ وَاحِدةٍ"، وَزَادَ أَبُو دَاوُدَ: "لِكُلِّ صَلاَةٍ"، وفي روايةٍ لَهُ: "وَلَمْ يُنادَ فِي وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا" (٣). ــ * مفردات الحديث: - في نومهم عن الصلاة: هي صلاةُ الفجر، حين رجوعهم من غزوة خيبر. - المزدلفة: هي إحدَى مشاعر الحج، وهي واقعةٌ بين وادي محسِّر ومأزمي عرفة، فوادي محسِّر غربها، والمأزمان شرقها، سمِّيت مزدلفة؛ لازدلاف الحجاج بها من عرفات إلى منى، وهي مبيت الحجاج ليلة عيد النحر. وسيأتي بيانها في الحج، إنْ شاء الله تعالى. - ولم يناد: النِّداء -هنا- يراد به: الأذان الشرعي.

стр. 518

* ما يؤخذ من الحديث: ١ - مشروعية الأذان والإقامة للصلاة الفائتة بنَوْمٍ، ومثلها المنسيَّة، فيؤذَّن لها ويُقام؛ لأنَّها ليست قضاء، وإنَّما هي أداءٌ؛ لحديث: "من نام عِن صلاةً أو نسيها، فليصلِّها إذا ذكرها، لا كفَّارة لها إلاَّ ذلك" [رواه البخاري (٥٩٧)، ومسلم (٦٨٤)]، ولمسلم (٦٨٤) من حديث أبي هريرة، عن النَّبي ﷺ قال: "من نسيَ صلاةً فليصلِّها إذا ذكرها؛ فإنَّ الله قال: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي (١٤)﴾ ". ٢ - في حديث جابرٍ دليلٌ على أنَّ الصلاتَيْن المجموعتَيْن في وقتٍ واحدٍ لهما أذانٌ واحدٌ وإقامتان، لكلِّ صلاةٍ إقامةٌ، هذا هو الرَّاجحُ من الروايات، وسيأتي الخلاف. ٣ - فيه دليلٌ على أنَّ صلاة الليل إذا قُضِيَتْ في النَّهار أنْ يجهر فيها بالقراءة؛ فإنَّ القضاء يحكي الأداء في أغلبِ صوره، ولقوله في الحديث: "فصلَّى النَّبي ﷺ كما كان يصنع كلَّ يوم". ومثله صلاةُ النهار تصلَّى بالليل، كما تصلَّى بالنهار. ٤ - وفيه دليلٌ على أنَّ النائم عن الصلاة معذورٌ، ما لم يتخذ النومَ عادةً له، يفوِّت عليه الصلاة في وقتها. ٥ - وفيه دليلٌ على أنَّ الصلاة المقضيَّة، تشرعُ لها الجماعة؛ كالمؤدَّاة. * خلاف العلماء: اختلف العلماء في الأذانِ والإقامةِ لصلاتَي المغرب والعشاء، المجموعتَيْنِ ليلة المزدلفة: فذهب الحنفية: إلى أنَّهما تصلَّيان بأذانٍ واحدٍ، وإقامةٍ واحدة. وذهب بعضهم، ومنهم سفيان الثوري: إلى أنَّهما تصليان بإقامةٍ واحدة بدون أذان.

стр. 519

وذهب بعضهم، ومنهم مالك: إلى أنَّهما تصليان بأذانين، وإقامتين. وذهب بعضهم، ومنهم إسحاق بن راهويه: إلى أنَّهما تصلَّيان بإقامتين، بدون أذان. وذهب بعضهم، ومنهم الشافعي وأحمد: إلى أنَّهما تصلَّيان بأذانٍ واحدٍ، وإقامتين. وسبب الاختلاف: تعدُّد الروايات، وبما أنَّه خلافٌ على واقعة واحدة، فإنَّ ابن القيِّم وأمثاله من المحقِّقين حكموا على متون هذه الروايات بالاضطراب، وصحَّحوا رواية جابر الَّذي تتبَّع حجَّة النَّبي ﷺ من أوَّلها إلى آخرها، ورواية جابر هو أنَّه ﷺ صلاَّهما بأذانٍ واحدٍ وإقامتين، وهذا هو مذهب الإِمامين الشَّافعي وأحمد، رحمهما الله تعالى. واختلفوا في حكم الجمع إذا وصَلَ مزدلفة قبل دخول العشاء: فالمشهورُ من مذهب الإمام أحمد: أنَّه يصلِّي كلَّ صلاةٍ في وقتها؛ لأنَّ عذره في الجمع زال. وذهب بعضهم: إلى أنَّه يؤخِّر المغرب حتَّى يدخُلَ وقت العشاء؛ ليجمع بينهما، تحقيقًا للجمع المشروع في هذه الليلة. وذهب بعضهم: إلى أنَّه يصلِّيهما جمعًا متى وصل، سواءٌ في وقت المغرب أو بعد دخول وقت العشاء، وهذا هو الأرجحُ؛ لأنَّه حصَلَ الجمعُ المراد، وحصَلَ به الصلاةُ من حين الوصول. ***

стр. 520

١٥٠ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ وَعَائِشَةَ ﵄ قَالاَ: قَالَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ : "إنَّ بِلاَلاً يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ، فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُنَادِيَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُوْمٍ، وَكانَ رَجُلاً أعْمَى لاَ يُنَادِي حَتَّى يُقَالَ لَهُ: أصْبَحْتَ، أصْبَحْتَ" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَفِي آخِرِهِ إِدْراجٌ (١). ــ * مفردات الحديث: - فكلوا واشربوا: أي: السحور، إنْ أردتم الصيام. - ينادي: أي: يؤذِّن، كما في رواية الطحاوي، ومعناهما واحد، فالأذان: هو النِّداء؛ قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾ [الجمعة: ٩]. قال في المصباح: النِّداء، بكسر النون أكثر من ضمِّها، وبالمد فيهما أكثر من القصر. - بليل: الباء للظرفية، أي: في ليل، والمرادُ به قبيل الفجرة حيثُ بيَّنته رواية البخاري: "لم يكنْ بينهما إلاَّ أنْ يَرْقَى هذا، وينزل هذا". - أصبحت أصبحت: أي: دخلْتَ في وقت الصباح؛ فقد جاء في رواية البيهقي: "ولم يكن يؤذِّن حتَّى ينظر النَّاس إلى بزوغِ الفجر". واختلف في اسم ابن أمِّ مكتوم، والأكثر: أنَّه عمرو، وهو قرشيٌّ عامريٌّ، وأُمُّه من بني مخزوم، وهو من المهاجرين الأوَّلين، وهو الَّذي نزل في قصَّته أوَّل سورة عبس.

стр. 521

* ما يؤخذ من الحديث: ١ - جواز اتخاذ مُؤَذِّنَيْنِ لمسجدٍ واحدٍ، ويستحبُّ تعاقبهما في الأذان. ٢ - مشروعية أنْ يؤذِّن كل واحدٍ منهما في وقتٍ خاصٍّ معلوم؛ ليعلم وقت أذان هذا من أذان الآخر. ٣ - استحبابُ أنْ يكونَ الأذانُ على مكانٍ عالٍ؛ لقوله في بعض ألفاظ الحديث: "فما كان بينهما إلاَّ أنْ يصعد هذا، وينزل هذا". ٤ - جوازُ أذان الأعمَى، إذا وُجِدَ مَنْ يُخْبِره بدخول وقت الأذان. ٥ - جوازُ الأذانِ لصلاة الصبحَ قبل وقتها، فأصحابنا الحنابلةُ أجازوه من بعد نصف الليل، ولكن رواية البخاري (١٩١٩) لهذا الحديثِ لا تُثْبتُ ذلك؛ فإنَّ نص الرِّواية: "ولم يَكنْ بينهما إلاَّ أنْ يرقى هذا، وينزل هذا". وعند الطحاوي بلفظ: "إلاَّ أنْ يصعد هذا، وينزل هذا". وللعلماء في دخول وقت الأذان للصبح من الليل ستَّة أقوال، والأفضل: الاقتصار على الوارد أو قربه بقليل؛ فيكون في السحر قبيل طلوع الفجر، وعليه يدل الحديث، واختاره من الشَّافعية البغوي، ومال إليه من الحنابلة الموفَّق ابن قدامة. ٦ - جوازُ الأكل والشرب لمريدِ الصيامِ حتَّى يتبيَّن الصبح؛ فإنَّ أذان بلال الَّذي يتقدَّم الصبح بقليل، لم يكن أذانه مُحَرِّمًا للطعام على الصائم؛ قال تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة: ١٨٧]. ٧ - وفيه دليلٌ على أنَّ مريد الصومِ لو أكلَ ظانًّا بقاءَ الليل، ثمَّ تبيَّن أنَّه أكلَ بعد طلوعِ الفجر: لا قضاءَ عليه، ولا إِثْمَ عليه؛ لأنَّه مأذونٌ له، وما ترتَّب على المأذون جائزٌ. ٨ - إذا كان للمسجدِ الواحدِ مؤذِّنان، وأذَّنا للصبح، فالواجبُ أنْ يكون أذان

стр. 522

الأخير منهما مع طلوع الفجرة حتَّى يكون في أذانه الإعلامُ بالكفِّ عن المفطِّرات لمريد الصيام، والإعلام بدخولِ وقت الصلاة. ٩ - الحديثُ فيه إدراج، وهو من قوله: "وكان رجلاً ... إلخ" قيل: من كلام ابن عمر، وقيل: من كلام الزهري. ١٠ - قوله: "إنَّ بلالاً يؤذِّن بليل" يقتضي أنَّ هذه كانتْ طريقتَهُ وعادتَهُ دائمًا. ١١ - الأذان للصبح قبل الوقت مناسب؛ ذلك لأنَّ النَّاس في حالة نوم، ولو لم يؤذَّن إلاَّ بعد أنْ يطلع الفجر، لَمَا تمكَّنوا من الاجتماع في المسجد للصلاة، إلاَّ بعد فوات أوَّلِ الوقت، فَشُرِعَ الأذانُ ليلاً لهذه الغاية. ١٢ - فيه دليلٌ على صحَّة العمل بِخَبَرِ الواحد. ***

стр. 523

١٥١ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ "أنَّ بِلاَلاً أَذَّنَ قَبْل الْفَجْرِ، فَأَمَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ أنْ يَرْجِعَ فَيُنَادِيَ: أَلا إِنَّ العَبْدَ نَامَ" رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَضَعَّفَهُ (١). ــ * درجة الحديث: الحديث ضعيفٌ، وله روايتان: إحداهما: الَّتي ساقها المؤلِّف من أنَّ الَّذي أذَّن قبل الفجر هو بلال، مؤذِّنُ رسول الله ﷺ . رواه أبو داود، والترمذي، وابن المديني، وقد ضعفوها. الثانية: أنَّ الَّذي بادَرَ بالأذان هو مسروح، مؤذَّن عمر، ورجَّحَهَا أبوداود؛ وهو الصواب. * مفردات الحديث: - ألاَ: يؤتَى بها لاستفتاحِ الكلام، ويُراد بها -في مثل هذا- تنبيهُ السَّامع إلى ما يُلْقَى إليه من الكلام، كما هو المراد هنا. - إنَّ العبد نام: أي: غَفَلَ عن الوقت بسبب النعاس، والمقصودُ: إعلام النَّاس بالخطأ، وبلال ﵁ أصله مولًى لأبي بكر الصديق وأعتقه، فكان عمر بن الخطاب يقول: أبو بكر سَيِّدُنا، وأعتق سَيِّدَنا، يعني: بلالاً. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - يدلُّ الحديثُ على أنَّ الأذان لصلاة الصبح لا يصحُّ إلاَّ بعد طلوع الفجر، وأنَّ المؤذِّن إِذَا أخطأ فأذَّن قبل الصبح، عليه أنْ يعود فينبِّه النَّاس إلى خطئه؛

стр. 524

وهكذا وقع لبلال لمَّا أذَّن قبل الصبح. ٢ - هذا الحديثُ هو دليلُ الحنفية في أنَّ الأذانَ لا يصحُّ إلاَّ بعد دخول الوقت، ومن ذلك صلاةُ الصبح؛ فلا يؤذَّن لها قبل وقتها بطلوع الفجر. ٣ - جمهور العلماء -ومنهم الأئمة الثلاثة- أجازوا الأذانَ لصلاةِ الصبح قبل طلوع الفجر، وَحَمَلُوا هذا الحديثَ على أنَّه وَقَعَ قبل أنْ يشرع الأذان الأوَّل لصلاة الصبح. ٤ - إذا لم يمكنْ حملُ هذا الحديث على أحد المحامل الوجيهة، فإنَّه لا يقاوم الأحاديثَ الصحيحةَ التي تجيزُ الأذانَ لصلاةِ الصبح من الليل، ومنها: (أ): ما جاء في البخاري (٦٢١) ومسلم (١٠٩٣) من حديث ابن مسعود؛ أنَّ النَّبي ﷺ قال: "لا يمنعنَّ أحدَكُمْ أذانُ بلال من سحوره؛ فإنَّه يؤذِّن بليل". (ب): ما في البخاري (٦٢٣) ومسلم (١٠٩٢) من حديث عائشة ﵂ أنَّ النَّبي ﷺ قال: "إنَّ بلالاً يؤذِّن بليل، فكُلُوا واشربوا حتَّى يؤذِّن ابن أُمِّ مكتوم". وحديث الباب إنْ صحَّ، فهو موقوفٌ على عمر بن الخطاب، فهو الَّذي وقع له ذلك مع مؤذِّنه، وأنَّ حمَّادًا انفرد به. قال ذلك حفَّاظ الحديث وأئمة المسلمين؛ أمثال أحمد بن حنبل، والبخاري، والترمذي، وأبي حاتم، والذهلي، وغيرهم. قال البيهقي: الأذان للصبح بالليل ثابت عند أهل العلم بالحديث، والأحاديثُ الصحاحُ أولَى بالقبول من هذا الحديث. ***

стр. 525

١٥٢ - وَعَنْ أَبِي سَعِيْدٍ الخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ : "إِذَا سَمِعْتُمُ النِّدَاءَ: فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُوْلُ المُؤَذِّنُ" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). وَلِلْبُخَارِيِّ عَنْ مُعَاوِيَةَ ﵁ مِثْلُهُ (٢). وَلِمُسْلِمٍ عَنْ عُمَرَ ﵁ فِي فَضْلِ القَوْلِ كَمَا يَقُوْلُ المُؤَذِّنُ كَلِمَةً كَلِمَةً سِوَى الحَيْعَلَتَيْنِ، فَيَقُوْلُ: "لاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِاللهِ" (٣). ــ * مفردات الحديث: - الحيعلتين: تثنية حَيْعَلَة، وهي كلمةٌ منحوتة من "حي على الصلاة" و"حي على الفلاح" ونَحْتُ الكلمة: أخذها وتركيبها من كلمتَيْن أو كلمات، كما يُقال: بَسْمَلَ من "باسم الله"، وَحَمْدَلَ من "الحمد لله"، وهكذا. - مثل ما يقول المؤذِّن: "مثل" منصوبٌ على أنَّه صفة لمصدرٍ محذوف، أي: قولوا قولاً مِثْلَ ما يقول المؤذِّن، وكلمة "ما" موصولة، والمِثْلُ هو النظير. - حول: الحول: القدرة على التصرُّف، والمعنى: لا تحوُّل عن معصية الله إلى طاعته إلاَّ به. - قوَّة: أي: طاقة. - لا حول ولا قوَّة إلاَّ بالله: يجوز في إعرابها خمسة أوجه، أفضلها فتحهما بلا

стр. 526

تنوين، ومعناها: لا حركة ولا استطاعة إلاَّ بمشيئة الله، وهذا المعنَى هو المناسبُ في هذا المقام، وتسمَّى "الحوقلة"؛ فالحاء والواو من الحول، والقاف من القوَّة، والَّلام من اسم الله. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - استحبابُ إجابة المؤذِّن بمثل ما يقولُ في جُمَل الأذان، سوى الحيعلتين. ٢ - الإجابة في الحيعلتين تكونُ بـ "لا حول ولا قوَّة إلاَّ بالله". ٣ - الإجابةُ بهذه الطريقة في غاية الحسن والمناسبة؛ فألفاظُ الأذان بالذكر تكون من السامع والمجيبُ بالذكر مثلُ المؤذِّن، وأمَّا في النِّداء إلى حضور الصلاة بـ "حي على الصلاة، وحي على الفلاح"، فالمناسبُ التبرِّى من الحول والقوَّة على ذلك، والاستعانةُ بالله تعالى على المهمَّة التي يدعو إليها المؤذِّن ويناد لها. ٤ - حديثُ أبي سعيد أن القول مثلُ قول المؤذِّن في جميع جُمَل الأذان، وحديثُ عمر أنَّ السَّامع يقول عند "حي على الصلاة، وحي على الفلاح": "لا حول ولا قوَّة إلاَّ بالله": فمَنْ ذهَبَ مذهبَ الترجيح، أخذ بعموم حديث أبي سعيد؛ لأنَّه أصح. ومن ذهب مذهب الجمع، حَمَلَ العامَّ على الخاص، وعمل بالحديثين، وهو الاقتصارُ على الحيعلة، وهو مذهبُ جمهور العلماء، ومنهم المالكية والحنابلة، وهذا هو الأولى؛ عملاً بنصوص السنة كلِّها. ٥ - فضل الله تعالى ورحمته على عباده، فالأذان عبادةٌ جليلةٌ، ولن يدركها ويدرك فضلها كلُّ أحد، فعوِّض من لم يؤذِّن بالإجابة؛ ليحصُلَ على أجر الإجابة، وسيأتي بيانها، إنْ شاء الله تعالى. ٦ - قوله: "كلمةً كلمةً" فيه استحبابُ المتابعة، فيقولُ المجيبُ الجملةَ بعد المؤذِّن لا معه؛ فقد روى النسائي في الكبرى (٦/ ١٤) عن أمِّ سلمة: "أنَّه

стр. 527

- ﷺ كان يقول كما يقول المؤذِّن حين يسكت". ٧ - قال العلماء: لو لم يجاوبه حتَّى فرَغَ من الأذان، استُحِبَّ له التدارُكُ إنْ لم يَطُلِ الفصلُ، فإنْ طال، فإنَّها سنَّة فاتَ محلُّهَا. ٨ - جمهورُ العلماء على أنَّ إجابةَ المؤذِّن سنَّةٌ مستحبة، وليمست بواجبة؛ لما روى مسلم (٣٨٢) أنَّ النَّبي ﷺ سمع مؤذِّنًا، فلمَّا كبَّر، قال: "على الفطرة"، فلمَّا تشهَّد، قال: "خرجت من النَّار"؛ فلو كانت واجبة، لقال مثل ما يقول. وذهب فريقٌ من الحنفية والظاهرية: إلى أنَّها واجبة، وفريقٌ آخر من الحنفية: لا يرون الوجوب بل الاستحباب؛ كقول الجمهور، وهو الرَّاجح من القولين، والله أعلم. ٩ - أمَّا إجابةُ المقيم بمثل ما يقول، فقد جاء فيه ما روى أبو داود (٥٢٨) عن بعض أصحاب النَّبي ﷺ ؛ أنَّ بلالاً أخذ في الإقامة، فلمَّا قال: قد قامت الصلاة، قال النَّبي ﷺ : "أقامها الله وأدامها"، وقال في سائر ألفاظ الإقامة كنحو حديثِ عمر في الأذان؛ ولكنَّه ضعيف. ١٠ - لا تكره متابعة المؤذِّن في حالي من الأحوال، ولا وَقْتٍ من الأوقات، إلاَّ في حالٍ نَهَى الشرعُ عن الذكر فيها. ***

стр. 528

١٥٣ - وَعَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي العَاصِ ﵁ قَالَ: "يَا رَسُوْلَ اللهِ! اجْعَلْنِي إِمَامَ قَوْمي، فَقَالَ: أنْتَ إِمَامُهُمْ، وَاقْتَدِ بِأَضْعَفِهِمْ، وَاتَّخِذْ مُؤَذِّنًا لاَ يأْخُذُ عَلَى أذَانِهِ أَجْرًا" أَخْرَجَهُ الْخَمْسَةُ، وَحَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ الحَاكِمُ (١). ــ * درجة الحديث: الحديث صحيحٌ. أخرجه الخمسة، وحسَّنَه الترمذي، وصحَّحه الحاكم وابن خزيمة. قال الألباني: إسناده صحيح على شرط مسلم، وقد أخرجه مسلم في صحيحه من طريق أخرى، دون قوله: "واتخذ مؤذنًا لا يأخذ على أذانه أجرًا". ولكن رواه بهذه الزيادة أبو عوانة في صحيحه، ولهذه الزيادة طريق ثالثة صحَّحها الترمذي. * مفردات الحديث: - اقتد بأضعفهم: أي: لاَحِظْ أضعفَهم في تخفيف الصلاة. - أجرًا: يعني: أجرة دنيوية على أذانه. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - قَدِمَ عَلَى النَّبِي ﷺ في المدينة وَفْدُ ثَقيف، قادمين من الطَّائف سنةَ تسع من الهجرة، فضرَبَ لهم النَّبي ﷺ في قبَّهً في ناحية المسجد؛ ليسمعوا القرآن، وكان معهم عثمان بن أبي العاص الثقفي -وهو أصغرهم سنًّا- فكان في تلك

стр. 529

الفترة يلازم النَّبي ﷺ ويستقرئه القرآن، فحفظ شيئًا كثيرًا من القرآن، فكان أعلمَهُمْ بكتابِ الله وبسنَّة رسول الله ﷺ ، فلمَّا رأى النَّبيُّ ﷺ حرصه على الخير وصلاحه، جعله أميرًا عليهم وعلى الطائف. ٢ - طلب من النَّبي ﷺ أنْ يكونَ إمامًا لقومه في الصلاة، فجعله إمامًا، فقال: "أنت إمامهم، واقتد بأضعفهم". ٣ - هذا الطلبُ ليس مِنْ طلبِ الولاية المذموم، الَّذي يرادُ به الاستعلاءُ على النَّاس، وطَلَبُ الجاهِ والمنصب، وإنَّما طلب هذه الولاية ليحصُلَ له أجرها وثوابها؛ فبهذا يكون الطلَبُ وجيهًا محمودًا. ٤ - إذا كَانَ الإنسانُ يعلَمُ من نفسه الكفاءةَ والقُدْرَةَ على العمِل، وأنَّ غيره لا يقومُ مقامه ولا يَسُدُّ مكانه، فيتعيَّن عليه الطلب؛ لكونه فرْضَ عين عليه، ومن ذلك طَلَبُ يوسف ﵇ الولايةَ بقوله: ﴿قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ (٥٥)﴾ [يوسف]؛ فإنَّه رأى اقتصاد مصر مترديًا، ورأى في نفسه قوَّةً وقدرةً على إصلاحه وحفظه، فطلبه لهذه الغاية الشريفة. ٥ - يستحبُّ للإمامِ مراعاةُ حال الضعفاء والمسنِّين والعجزة؛ فلا يشقُّ عليهم بطولِ الصلاة، وطولِ الانتظار لها، وإنَّما يراعي حال الضَّعَفَة والعاجزين. ٦ - اختيار المؤذِّن الأمين، الَّذي يؤذِّن لوجه الله تعالى وطَلَب ثوابه، لا الرَّجل الَّذي لا يؤذِّن إلاَّ لأجل عرضٍ من الدنيا، فهذه عبادةٌ جَليلةٌ لا يفرّط في ثوابها لأجل الدنيا، أمَّا إذا أخذ الجُعَالةَ والرِّزْقَ من بيت المال، أو من الأوقاف الخيرية على العمل الديني، فلا بأس؛ لأنَّ مَنْ أراد القيامَ به لا يتمكَّن من ذلك إلاَّ بهذا المرتَّب؛ ليقومَ بنفقة نفسه، ونفقةِ مَنْ يعول، وهذا هو مذهب جمهور العلماء. ***

стр. 530

١٥٤ - وَعَنْ مَالِكِ بْنِ الحُوَيْرِثِ ﵁ قَالَ: قَالَ لَنَا النَّبِيُّ ﷺ : "إِذَا حَضَرَتِ الصَّلاةُ، فَلْيؤذِّنْ لَكُمْ أحَدُكمْ ... " الحَدِيْثَ. أَخْرَجَهُ السَّبْعَةُ (١). ــ * مفردات الحديث: - حضرت الصلاة: يعني: دخل وقتها. - فليؤذِّن: الَّلام لام الأمر، والفعل بعدها مجزوم بها. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - وجوبُ الأذان، وأنَّه من الفروضِ الواجبة على المسلمين؛ فهو من شعائر الدِّين الظاهرة، التي يُقَاتَلُ مَنْ تركها. فقد روى البخاري عن أنسٍ قَالَ: "كان رسول الله ﷺ إذا غزا بنا قومًا، لم يكن يُغِيْرُ بنا حتَّى يصبح، وينظر، فإذا سمع أذانًا كفَّ عنهم، وإنْ لم يسمع أذانًا أغار عليهم"، فالأذان شعار الإسلام. ٢ - أنَّ الأذانَ فرضُ كفاية، إذا قام به مَنْ يكفي، سقط عن الباقين، وإلاَّ أثموا جميعًا، وهذه قاعدةُ فروضِ الكفايات كلِّها. ٣ - إطلاقُ الحديث بأذان أحد الحاضرين مقيَّدٌ بالنصوص الأُخر، من بيان الصفاتِ المطلوبة في المؤذِّن، منها: (أ) قوله ﷺ لعبد الله بن زيد: "ألقه إلى بلال؛ فإنَّه أندى منك صوتًا" [رواه أبو داود (٤٩٩)].
следующие страницы →