تنوين، ومعناها: لا حركة ولا استطاعة إلاَّ بمشيئة الله، وهذا المعنَى هو المناسبُ في هذا المقام، وتسمَّى "الحوقلة"؛ فالحاء والواو من الحول، والقاف من القوَّة، والَّلام من اسم الله.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - استحبابُ إجابة المؤذِّن بمثل ما يقولُ في جُمَل الأذان، سوى الحيعلتين.
٢ - الإجابة في الحيعلتين تكونُ بـ "لا حول ولا قوَّة إلاَّ بالله".
٣ - الإجابةُ بهذه الطريقة في غاية الحسن والمناسبة؛ فألفاظُ الأذان بالذكر تكون من السامع والمجيبُ بالذكر مثلُ المؤذِّن، وأمَّا في النِّداء إلى حضور الصلاة بـ "حي على الصلاة، وحي على الفلاح"، فالمناسبُ التبرِّى من الحول والقوَّة على ذلك، والاستعانةُ بالله تعالى على المهمَّة التي يدعو إليها المؤذِّن ويناد لها.
٤ - حديثُ أبي سعيد أن القول مثلُ قول المؤذِّن في جميع جُمَل الأذان، وحديثُ عمر أنَّ السَّامع يقول عند "حي على الصلاة، وحي على الفلاح": "لا حول ولا قوَّة إلاَّ بالله":
فمَنْ ذهَبَ مذهبَ الترجيح، أخذ بعموم حديث أبي سعيد؛ لأنَّه أصح.
ومن ذهب مذهب الجمع، حَمَلَ العامَّ على الخاص، وعمل بالحديثين، وهو الاقتصارُ على الحيعلة، وهو مذهبُ جمهور العلماء، ومنهم المالكية والحنابلة، وهذا هو الأولى؛ عملاً بنصوص السنة كلِّها.
٥ - فضل الله تعالى ورحمته على عباده، فالأذان عبادةٌ جليلةٌ، ولن يدركها ويدرك فضلها كلُّ أحد، فعوِّض من لم يؤذِّن بالإجابة؛ ليحصُلَ على أجر الإجابة، وسيأتي بيانها، إنْ شاء الله تعالى.
٦ - قوله: "كلمةً كلمةً" فيه استحبابُ المتابعة، فيقولُ المجيبُ الجملةَ بعد المؤذِّن لا معه؛ فقد روى النسائي في الكبرى (٦/ ١٤) عن أمِّ سلمة: "أنَّه
стр. 527
- ﷺ كان يقول كما يقول المؤذِّن حين يسكت".
٧ - قال العلماء: لو لم يجاوبه حتَّى فرَغَ من الأذان، استُحِبَّ له التدارُكُ إنْ لم يَطُلِ الفصلُ، فإنْ طال، فإنَّها سنَّة فاتَ محلُّهَا.
٨ - جمهورُ العلماء على أنَّ إجابةَ المؤذِّن سنَّةٌ مستحبة، وليمست بواجبة؛ لما روى مسلم (٣٨٢) أنَّ النَّبي ﷺ سمع مؤذِّنًا، فلمَّا كبَّر، قال: "على الفطرة"، فلمَّا تشهَّد، قال: "خرجت من النَّار"؛ فلو كانت واجبة، لقال مثل ما يقول.
وذهب فريقٌ من الحنفية والظاهرية: إلى أنَّها واجبة، وفريقٌ آخر من الحنفية: لا يرون الوجوب بل الاستحباب؛ كقول الجمهور، وهو الرَّاجح من القولين، والله أعلم.
٩ - أمَّا إجابةُ المقيم بمثل ما يقول، فقد جاء فيه ما روى أبو داود (٥٢٨) عن بعض أصحاب النَّبي ﷺ ؛ أنَّ بلالاً أخذ في الإقامة، فلمَّا قال: قد قامت الصلاة، قال النَّبي ﷺ : "أقامها الله وأدامها"، وقال في سائر ألفاظ الإقامة كنحو حديثِ عمر في الأذان؛ ولكنَّه ضعيف.
١٠ - لا تكره متابعة المؤذِّن في حالي من الأحوال، ولا وَقْتٍ من الأوقات، إلاَّ في حالٍ نَهَى الشرعُ عن الذكر فيها.
***
стр. 528
١٥٣ - وَعَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي العَاصِ ﵁ قَالَ: "يَا رَسُوْلَ اللهِ! اجْعَلْنِي إِمَامَ قَوْمي، فَقَالَ: أنْتَ إِمَامُهُمْ، وَاقْتَدِ بِأَضْعَفِهِمْ، وَاتَّخِذْ مُؤَذِّنًا لاَ يأْخُذُ عَلَى أذَانِهِ أَجْرًا" أَخْرَجَهُ الْخَمْسَةُ، وَحَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ الحَاكِمُ (١).
ــ
* درجة الحديث:
الحديث صحيحٌ.
أخرجه الخمسة، وحسَّنَه الترمذي، وصحَّحه الحاكم وابن خزيمة.
قال الألباني: إسناده صحيح على شرط مسلم، وقد أخرجه مسلم في صحيحه من طريق أخرى، دون قوله: "واتخذ مؤذنًا لا يأخذ على أذانه أجرًا".
ولكن رواه بهذه الزيادة أبو عوانة في صحيحه، ولهذه الزيادة طريق ثالثة صحَّحها الترمذي.
* مفردات الحديث:
- اقتد بأضعفهم: أي: لاَحِظْ أضعفَهم في تخفيف الصلاة.
- أجرًا: يعني: أجرة دنيوية على أذانه.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - قَدِمَ عَلَى النَّبِي ﷺ في المدينة وَفْدُ ثَقيف، قادمين من الطَّائف سنةَ تسع من الهجرة، فضرَبَ لهم النَّبي ﷺ في قبَّهً في ناحية المسجد؛ ليسمعوا القرآن، وكان معهم عثمان بن أبي العاص الثقفي -وهو أصغرهم سنًّا- فكان في تلك
стр. 529
الفترة يلازم النَّبي ﷺ ويستقرئه القرآن، فحفظ شيئًا كثيرًا من القرآن، فكان أعلمَهُمْ بكتابِ الله وبسنَّة رسول الله ﷺ ، فلمَّا رأى النَّبيُّ ﷺ حرصه على الخير وصلاحه، جعله أميرًا عليهم وعلى الطائف.
٢ - طلب من النَّبي ﷺ أنْ يكونَ إمامًا لقومه في الصلاة، فجعله إمامًا، فقال: "أنت إمامهم، واقتد بأضعفهم".
٣ - هذا الطلبُ ليس مِنْ طلبِ الولاية المذموم، الَّذي يرادُ به الاستعلاءُ على النَّاس، وطَلَبُ الجاهِ والمنصب، وإنَّما طلب هذه الولاية ليحصُلَ له أجرها وثوابها؛ فبهذا يكون الطلَبُ وجيهًا محمودًا.
٤ - إذا كَانَ الإنسانُ يعلَمُ من نفسه الكفاءةَ والقُدْرَةَ على العمِل، وأنَّ غيره لا يقومُ مقامه ولا يَسُدُّ مكانه، فيتعيَّن عليه الطلب؛ لكونه فرْضَ عين عليه، ومن ذلك طَلَبُ يوسف ﵇ الولايةَ بقوله: ﴿قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ (٥٥)﴾ [يوسف]؛ فإنَّه رأى اقتصاد مصر مترديًا، ورأى في نفسه قوَّةً وقدرةً على إصلاحه وحفظه، فطلبه لهذه الغاية الشريفة.
٥ - يستحبُّ للإمامِ مراعاةُ حال الضعفاء والمسنِّين والعجزة؛ فلا يشقُّ عليهم بطولِ الصلاة، وطولِ الانتظار لها، وإنَّما يراعي حال الضَّعَفَة والعاجزين.
٦ - اختيار المؤذِّن الأمين، الَّذي يؤذِّن لوجه الله تعالى وطَلَب ثوابه، لا الرَّجل الَّذي لا يؤذِّن إلاَّ لأجل عرضٍ من الدنيا، فهذه عبادةٌ جَليلةٌ لا يفرّط في ثوابها لأجل الدنيا، أمَّا إذا أخذ الجُعَالةَ والرِّزْقَ من بيت المال، أو من الأوقاف الخيرية على العمل الديني، فلا بأس؛ لأنَّ مَنْ أراد القيامَ به لا يتمكَّن من ذلك إلاَّ بهذا المرتَّب؛ ليقومَ بنفقة نفسه، ونفقةِ مَنْ يعول، وهذا هو مذهب جمهور العلماء.
***
стр. 530
١٥٤ - وَعَنْ مَالِكِ بْنِ الحُوَيْرِثِ ﵁ قَالَ: قَالَ لَنَا النَّبِيُّ ﷺ : "إِذَا حَضَرَتِ الصَّلاةُ، فَلْيؤذِّنْ لَكُمْ أحَدُكمْ ... " الحَدِيْثَ. أَخْرَجَهُ السَّبْعَةُ (١).
ــ
* مفردات الحديث:
- حضرت الصلاة: يعني: دخل وقتها.
- فليؤذِّن: الَّلام لام الأمر، والفعل بعدها مجزوم بها.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - وجوبُ الأذان، وأنَّه من الفروضِ الواجبة على المسلمين؛ فهو من شعائر الدِّين الظاهرة، التي يُقَاتَلُ مَنْ تركها.
فقد روى البخاري عن أنسٍ قَالَ: "كان رسول الله ﷺ إذا غزا بنا قومًا، لم يكن يُغِيْرُ بنا حتَّى يصبح، وينظر، فإذا سمع أذانًا كفَّ عنهم، وإنْ لم يسمع أذانًا أغار عليهم"، فالأذان شعار الإسلام.
٢ - أنَّ الأذانَ فرضُ كفاية، إذا قام به مَنْ يكفي، سقط عن الباقين، وإلاَّ أثموا جميعًا، وهذه قاعدةُ فروضِ الكفايات كلِّها.
٣ - إطلاقُ الحديث بأذان أحد الحاضرين مقيَّدٌ بالنصوص الأُخر، من بيان الصفاتِ المطلوبة في المؤذِّن، منها:
(أ) قوله ﷺ لعبد الله بن زيد: "ألقه إلى بلال؛ فإنَّه أندى منك صوتًا" [رواه أبو داود (٤٩٩)].
стр. 531
(ب) وقوله ﷺ : "واتَّخِذْ مؤذِّنًا لا يأخذ على أذانه أجرًا" [رواه أبو داود (٥٣١)، والترمذي (١٥٥)].
(ج) وقوله ﷺ : "المؤذِّنُ مؤتَمَنٌ" [رواه أبوداود (٥١٧)، والنسائي (٢٠٧)].
(د) "أنَّ النبَّي ﷺ سَمِعَ أذانَ أبي محذورة، فاعجبَهُ صوتُهُ فعلَّمه الأذان" [رواه ابن خزيمة (٣٧٧)].
وهكذا من ذكر الصفات التي تُطْلَبُ في المؤذِّن.
٤ - اشتراطُ الإسلامِ في المؤذِّن، فلا يصحُّ من كافرة لقوله: "وليؤذِّن لكم أحدكم".
٥ - أنَّ الأذان لا يصحُّ إلاَّ إذا حضرتِ الصلاة بدخول وقتها، وتقدَّم استثناء صلاة الصبح بالأحاديث الصحيحة.
٦ - وجوبُ رفع الصوت في الأذان؛ لأنَّ المقصود إعلام النَّاس بدخول الوقت.
***
стр. 532
١٥٥ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ قَالَ لِبِلالٍ: "إِذَا أَذَّنْتَ فَتَرَسَّلْ، وَإِذَا أَقَمْتْ فَاحْدُرْ، وَاجْعَلْ بَيْنَ أَذَانِكَ وَإِقَامَتِكَ مِقْدَارَ مَا يَفْرُغُ الآكِلُ مِنْ أَكْلِهِ ... " الحَدِيْثَ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَضَعَّفَهُ (١).
ــ
*درجة الحديث:
الحديث ضعيفٌ.
قال الترمذي: لا نعرفه إلاَّ من حديث عبد المنعم، وهو إسناد مجهول، كما ضعَّفه البيهقي (١/ ٢٤٨) وابن عدي، وله شاهد من حديث أبي هريرة، وأخرجه أبو الشيخ من حديث سليمان، ومن حديث سليمان، ومن حديث أُبَيّ بن كعب عند عبد الله أبن الإمام أحمد، وكلها واهية.
لكن روي هذا المعنى من كلام عمر وابنه عبد الله ﵄ كما في مصنف أبن أبي شيبة
قال الصنعاني: إلاَّ أنَّه يقوِّي روايات هذا الحديث المعنى الَّذي شُرِعَ له الأذان.
* مفردات الحديث:
- ترسَّل: أي: تمهَّل، ورتِّل ألفاظَ الأذان، ولا تسردها.
- احْدُر: بالحاء والدَّال المهملتين، والدَّال المضمومة، فراء، والحَدْرُ: الإسراعِ فِي الإقامة.
- فرغ: فرَغ يَفْرُغُ -من باب قعد- فراغًا، يقال: فَرَغَ من الشيء: أتمَّه، والمراد
стр. 533
هنا: انتهى من كله.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - استحبابُ الترسُّل، والتمهُّل، والترتيل في أداء الأذان؛ ليسمع البعيد.
٢ - أمَّا الإقامة فالأفضلُ الحدر بها وإرسالُهَا مسرعًا بها؛ لأنَّها لإعلامِ الحاضرين بإقامة الصَّلاة، فلا يحتاجون ما يحتاجُ إليه البعيد.
٣ - الأذانُ هو إعلامُ النَّاس بدخول الصَّلاة، ودعوتُهُمْ إلى الحضورة فالأفضلُ أنْ يُجْعَلَ بين الأذانِ وإقامةِ الصلاةِ وقْتٌ يستعدُّون فيه للحضور، ويَفْرُغون من أعمالهم، التي بدأ الأذان وهم قائمون بها، من أكلٍ ولبسٍ وطهارةٍ ونحوها؛ لقوله ﷺ : "اجعل بين أذانك وإقامتك مقدار ما يَفْرُغُ الآكل من أكله".
٤ - كما أنَّ المستحبَّ أنْ لا يطيل الانتظار ما بين الأذان وقبل الصلاة، فيشق علي الحاضرين.
٥ - في البخاري (٦٠٣) ومسلم (٣٧٨): "أمِرَ بلالٌ أنْ يشفع الأذان، ويوتر الإقامة، إلاَّ قد قامت الصلاة".
قال الترمذي: هو قول أكثر العلماء.
وشَفْعُ الأذان، وإيتار الإقامة: هو المتواتر في الجملة، والحكمةُ في تكرير الأذان وإفراد الإقامة: أنَّ الأذان لإعلام الغائبين، فاحتيج إلى التكريرة بخلاف الإقامة: فإنَّها لإعلام الحاضرين؛ فلا حاجة إلى تكرير ألفاظها.
***
стр. 534
١٥٦ - وَلَهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "لاَ يُؤَذِّنُ إِلاَّ مُتَوَضِّىءٌ" وَضَعَّفَهُ أيضًا (١).
ــ
* درجة الحديث:
الحديث ضعيف.
ضُعَّفَ هذا الحديثُ بالانقطاع بين الزهري وأبي هريرة؛ كما أنَّ الراوي عن الزهري ضعيف، ورواه الترمذي، عن يونس، عن الزهري، عنه موقوفًا، وقال: هذا أصح.
* مفردات الحديث:
- إلاَّ متوضِّىء: يتعيَّن في "متوضِّىء" الرَّفع على أنَّه بَدَلٌ من المستثنى منه، وهو فاعل مقدَّر.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - ظاهرُ الحديثِ اشتراطُ الطهارة للأذان، لكنْ حمله الجمهور على الاستحباب، دون الوجوب.
٢ - الحكمة في مشروعية الطهارة للأذان أمران:
الأوَّل: لاتصاله بالصلاة؛ فإنَّ تمام الحديث عن ابن عبَّاس ﵄ أنَّ النَّبي ﷺ قال: "إنَّ الأذان متصلٌ بالصَّلاة؛ فلا يؤذِّن أحدكم إلاَّ وهو طاهر" من باب الاستعداد لها بشرطها.
الثَّانِي: أنَّ الأذان عبادةٌ ينبغي الإتيان بها على طهارة، لاسيَّما العبادة المتعلِّقة بالصَّلاة.
стр. 535
٣ - وإِذَا كان الأذان تشرع له الطهارة، فهي في الإقامة -الَّتي هي الإعلام للقيام إلى الصَّلاة- من باب أولى؛ ولذا قال العلماء: وتكره إقامةُ مُحْدِثٍ.
قال شيخ الإسلام: في صحة إقامة المُحْدِثِ خلافٌ.
٤ - الَّذي صَرَفَ العلماءَ عن الأخذ بظاهر الحديث -فلم يوجبوا الطهارةَ على المؤذِّن- هو أنَّ الحديثَ ضعيفٌ، لا تقومُ به حُجَّةٌ على إثبات حكم شرعي، فقد ضعَّفه الترمذيُّ، والحافظ ابن حجر بالانقطاع، والترمذي صحَّح وقفه على أبي هريرة.
***
стр. 536
١٥٧ - وَلَهُ عَنْ زِيَادِ بْنِ الحَارِثِ ﵁ قَال: قَال رَسُوْل اللهِ ﷺ : "وَمَنْ أذَّنَ فَهُوَ يُقِيمُ"، وَضَعَّفَهُ أَيْضًا (١).
ــ
درجة الحديث:
الحديث حسنٌ بشواهده.
رواه الترمذي، وقال: إنَّما نعرفه من حديث عبد الرحمن الإفريقي، وهو ضعيفٌ عند الجمهور؛ ولكنَّ العمَلَ عليه عند أكثر أهل العلم، قال أحمد: لا أكتب حديث الإفريقي.
قال في التلخيص: وقد ضعَّفه ابن القطان وغيره.
وله طريقٌ ثانية: أخرجها الطبراني والعقيلي، من حديث سعيد بن راشد، عن عطاء، عن ابن عمر، وفيه قصَّة، وسعيد ضعيف، وضعَّف حديثه هذا أبوحاتم الرَّازي وابن حبان.
وقد حسَّن الحديث الحازمي، وقواه العقيلي وابن الجوزي، وصحَّحه أحمد شاكر.
*ما يؤخذ من الحديث:
١ - روى الخمسة عن زياد بن الحارث الصُّدَائي، قال: قال رسول الله ﷺ : "يا أخا صُدَاءٍ أذِّن، قال: فأذنت، فأراد بلالٌ أنْ يقيم، فقال ﷺ : يقيم أخو صُداء؛ فإنَّ من أذَّن فهو يقيم".
٢ - الحديث دليلٌ على أنَّ الإقامة حقٌّ لمن أذَّن، قال الترمذي: العمَلُ على هذه عند أكثر أهل العلم، أنَّ من أذَّن فهو يقيم.
стр. 537
٣ - جمهور العلماء يُجَوِّزُن إقامَةَ مَنْ لم يؤذِّن؛ لعدم نهوضِ الدليل على المنع، ولِمَا يَدُلُّ عليه قول عبدالله بن زيد: أنا رأيت الأذان، وأنا أريده، قال: "فأقم أنت".
وسيأتي أنَّه حديثٌ ضعيفٌ.
٤ - استحقاقُ الأشياء العامَّة للنَّاس بالشروع فيها، والأخذ بأسباب استحقاقها، فالأذانُ هو النِّداء الأوَّل، والإقامة هي النِّداء الثاني، فاستَحَقَّ الثَّانيَ لقيامه بالأوَّل.
***
стр. 538
١٥٨ - وَلأبِي دَاوُدَ مِنْ حَدِيْثِ عَبْدِ اللهِ بْنِ زَيْدٍ ﵄ أَنَّه قَالَ: "أنَا رَأيْتُهُ -يَعْنِي الأَذَانَ- وَأنَا كُنْتُ أرِيْدُهُ، قَالَ: فَأَقِمْ أنْتَ" وَفِيْهِ ضَعْفٌ أَيْضًا (١).
ــ
*درجة الحديث:
الحديث حسنٌ.
الحديث في إسناده محمد بن عمر الواقفي، وهو ضعيفٌ، ضعَّفه ابن القطان، وابن معين، والبيهقي، وقال: وقع في سنده ومتنه اختلاف.
وله طريقٌ أخرى أخرجها أبو الشيخ عن ابن عبَّاس، وإسناده منقطع، لأنَّه من رواية الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس، وهذا من الأحاديث التي لم يسمعها الحكَمُ من مقسم.
لكن حسَّن الحديثَ ابنُ عبد البر؛ كما في التلخيص الحبير (١/ ٢٠٩)، وحسَّنه الحازمي؛ كما في الدراية لابن حجر، وحسَّنه ابن الملقِّن.
وروى البيهقي في الخلافيَّات عن عبد الله بن زيد: " ... فقال: "علمهن بلالاً"، قال: فتقدَّمت، فأمرني أنْ أُقيم، فأقمت" وإسناده صحيح؛ كما في الدراية للحافظ ابن حجر (١/ ١١٥).
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - عبد الله بن زيد الأنصاري هو الَّذي رأى الأذانَ في المنام، وأخبر به النَّبيَّ ﷺ ، فأقرَّه حكمًا شرعيًّا، وشعيرةً إسلامية كبرى.
٢ - النَّبيُّ ﷺ لم يَرُدَّ حجته بذلك ولم يَنْفِهَا، وإنَّما قال ﵊:
стр. 539
"يكفيك الإقامةُ، فأقم أنت".
٣ - النَّبيُّ ﷺ قدَّمَ المصلحةَ العامَّةَ على المصلحة الخاصَّة؛ فعبد الله بن زيد له حقٌّ في الأذان، وقيامه به مصلحةٌ خاصَّةٌ به، وقيامُ بلال به مصلحةٌ عامَّة لِحُسْنِ صوتِهِ ونداوته، فقدَّمها، ولهذا قال ﵊ لعبد الله ابن زيد: "قم مع بلال، فَأَلْقِ عليه ما رأيتَ فليؤذِّنْ به؛ فإنَّه أندى منك صوتًا" [رواه الترمذي (١٨٩)]، ففي هذا تقديمُ المصلحة العامة على المصلحة الخاصَّة، وأنَّه من السياسةِ الشرعيَّةِ الحكيمة.
٤ - جوازُ أنْ يقومَ بالأذان واحدٌ، ويقومَ بالإقامة آخَر، وهو مذهبُ الجمهور، كما تقدَّم.
٥ - حرص الصحابة ﵃ على فعل الخير، وتسابقهم إليه؛ فهم أوَّل من تناله هذا الآية: ﴿أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ (٦١)﴾ [المؤمنون].
٦ - فضلُ الأذانِ، وتنافُسُ الصحابة بالحصول على القيامِ به؛ فقد جاء في البخاري (٦١٥)، ومسلم (٤٣٧) أنَّ النَّبي ﷺ قَالَ: "لوْ يَعْلَمُ النَّاسُ ما في النِّداء والصف الأوَّل، ثمَّ لا يجدوا إلاَّ أنْ يَسْتَهِمُوا عليه، لاَسْتَهَمُوا عليه".
٧ - فيه مراعاةُ المصالح الخاصَّة إذا لم تُخِلَّ بالمصالح العامة؛ فإنَّ النَّبي ﷺ أَذِنَ له في الإقامة رعايةً لحقِّه، وقيامُهُ بها لا يُخِلُّ بمقصودِ الإقامة، فما هي إلاَّ إعلامٌ للحاضرين بقيامِ الصَّلاة، فلا تحتاجُ إلى صوتٍ عالٍ كالأذان.
стр. 540
١٥٩ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ : "المُؤَذِّنُ أمْلَكُ بِالأَذَانِ، وَالإِمَامُ أمْلَكُ بِالإِقَامَةِ" رَوَاهُ ابْنُ عَدِيٍّ وَضَعَّفَهُ (١).
ولِلْبَيْهَقِيِّ نَحْوهُ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ مِنْ قَوْلهِ (٢).
ــ
* درجة الحديث:
الحديث ضعيفٌ.
قال في التلخيص: تفرَّد به شَرِيك، قال البيهقي: وليس بمحفوظ، ورواه أبوالشيخ من طريق أبي الجوزاء، عن ابن عمر، وفيه مُعَارِكُ بن عباد، وهو ضعيف، ورواه البيهقي عن عليٍّ موقوفًا.
قلت: مُعَارِك: بضم الميم بعدها عين مهملة ثمَّ ألف ثمَّ راء وآخره كاف.
* مفردات الحديث:
- أملك بالأذان: فهو أحقُّ به، ووقته موكولٌ إليه؛ لأنَّه الأمينُ عليه.
- أملك بالإقامة: فالإمَامُ أحقُّ بها، فلا يقيمُ المؤذِّنُ إلاَّ بإشارته.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - المؤذِّنُ موكولٌ إليه تحرِّي دخول الوقت، فهو الأمينُ عليه، فمراقبته ودخوله منوطةٌ به، وراجعٌ أمرُهُ إليه.
٢ - أمَّا الإقامةُ فأمرها راجعٌ إلى الإمام، فلا يقيمُ المؤذِّنُ إلاَّ بعد إشارته.
стр. 541
٣ - قيام المأمومين إلى الصلاة، وَرَدَ فيه ما جاء في البخاري (٦٣٧) ومسلم (٦٠٤): "إذَا أُقيمت الصَّلاَة، فلا تقوموا حتَّى تروني".
٤ - أمَّا شروعُ المقيم في الإقامة، ففيه حديث جابر بن سمرة في مسلم (٦٠٦): "إنَّ بلالاً كان لا يقيم حتَّى يَخْرُجَ رسول الله ﷺ ".
٥ - ظاهرُ الحديث الأوَّل أنَّ المقيم يقيمُ، وإنْ لم يحضر النَّبيُّ ﷺ ، وظاهر الحديث الثاني أنَّه لا يَشْرَعُ في الإقامة حتَّى يخرُجَ من بيته ويراه، وجَمَعَ العلماءُ بين الحديثَيْن بأنَّ بلالاً يرقُبُ وقتَ خروجِ النَّبيِّ ﷺ ، فإذا رآه، شرع في الإقامة قبل أنْ يراه غالبُ النَّاس، ثمَّ إذا رأوه، قاموا إلى الصَّلاة.
*خلاف العلماء:
قال في المغني: يستحب أنْ يقومَ المأمومُ إلى الصَّلاة، عند قول المؤذِّن: قد قامت الصلاة.
قال ابن المنذر: أجمَعَ على هذا أهل الحرمَيْن.
وقال الشَّافعي: يقوم إذا فرَغَ المؤذِّن من الإقامة.
وقال أبو حنيفة: يقوم إذا قال: حَيَّ على الصلاة.
ولا يستحبُّ عندنا -الحنابلة- أنْ يكبِّر الإمام، إلاَّ بعد فراغ المقيم من الإقامة، وعلى هذا جُلّ الأئمة في الأمصار، وما نقل عن الإمام أبي حنيفة: أنَّه يكبِّر إذا قال المقيم: قد قامت الصَّلاة، فهو قول غير مصحَّح في المذهب، بل الصحيحُ والمفتَى به عندهم كرأي الجمهور.
وقال مالكٌ في الموطَّأ: لم أسمَعْ في قيام النَّاس حين تقامُ الصَّلاة حَدًّا محدودًا، إلاَّ أنِّي أرى ذلك على طاقة النَّاس؛ فإنَّ منهم الثقيل والخفيف.
وقد تقدَّم في حديث أبي قتادة: "إذا أقيمت الصلاة، فلا تقوموا حتَّى تروني"؛ فهو يفيد أنَّ قيام النَّاس إلى الصلاة، منوطٌ برؤية الإمام مقبلاً إليها.
***
стр. 542
١٦٠ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لاَ يُرَدُّ الدُّعَاءُ بيْنَ الأَذَانِ وَالإِقامَةِ" رَوَاهُ النَّسَائِيُّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ (١).
ــ
* درجة الحديث:
الحديث صحيحٌ.
رواه أحمد (١١٧٩٠)، وأبو داود (٥٢١)، والترمذي (٢١٢) وصححه؛ كما صححه ابن حبَّان (٤/ ٥٩٤)، والضياء.
قال الألباني: فيه زيدٌ العَمِّيُّ ضعيف، ولكن الحديث جاء من طريق أخرى صحيحة، ورجالها كلُّهم ثقات.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - أنَّ الدعاء بين الأذان والإقامة لا يرده الله تعالى، بل يقبلُهُ من فضله وكرمه.
٢ - استحبابُ الدعاء في هذا الوقت، واغتنامُ النفحةِ الإلهيَّة والكرمِ الرباني.
٣ - لعلَّ السبَبَ في قبول الدعاء في هذا الوقت الفاضل، أنَّ منتظرَ الصلاةِ في صلاة، فهو عند الله تعالى في صلاة، والدعاءُ في الصلاة لا يُرَدُّ.
فقد جاء في البخاري (٦٤٧) ومسلم (٣٦٢) من حديث أبي هريرة؛ أنَّ رسول الله ﷺ قال: "لا يزالُ أحدكم في صلاة ما دامَتِ الصلاةُ تحبسه، لا يمنعه أنْ يَنْقَلِبَ إلى أهلِهِ إلاَّ الصلاة".
٤ - استحبابُ التقدُّم إلى المسجد؛ لتحصيلِ هذا الوقت والاجتهاد فيه.
٥ - قيَّدت الأحاديثُ هذا الدعاء بأنَّه إذا كان بإثمٍ أو قطيعة رحمٍ، فهذا اعتداءٌ في
стр. 543
الدعاء، يأثم صاحبه، ولا يقبل دعاؤه.
٦ - قال ابن القيِّم فى الجواب الكافي: الدعاءُ مِنْ أقوى الأسباب، فليس شيءٌ أنفع منه، فمتى أُلْهِمَ العبدُ الدعاءَ، حصَلَتِ الإجابة.
وقال الشيخ تقي الدِّين: مِنْ أدبِ الدعاءِ الثناءُ على الله تعالى، والصَّلاةُ على رسوله ﷺ ؛ فالدعاءُ من أبلغِ الأسباب لجلب المنافع وَدَفْعِ المضارّ، ويستحبُّ إخفاءُ الدعاء؛ فهو أبلَغُ في التضرُّع، وأقربُ للإخلاص.
***
стр. 544
١٦١ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ قَالَ: "مَنْ قَالَ حِيْنَ يَسْمَعُ النِّدَاءَ: الَّلهُمَّ رَبَّ هَذِهِ الدَّعوة التَّامَّةِ، وَالصَّلاَةِ القَائِمَةِ، آتِ مُحَمَّدًا الْوَسِيْلَةَ وَالفَضِيْلَةَ، وَابْعَثْهُ مَقَامًا مَحْمُودًا الَّذِي وَعَدْتَهُ، حَلَّتْ لَهُ شَفَاعَتِي يَوْمَ القِيَامَة" أَخْرَجَهُ الأرْبَعَةُ (١).
ــ
*درجة الحديث:
الحديث صحيحٌ.
أخرجه البخاري (٦١٤) والأربعة، قال المجد ابن تيميَّة في المنتقى: رواه الجماعة إلاَّ مسلمًا، وكذا قال ابن دقيق العيد في الإلمام.
* مفردات الحديث:
- اللهم: يعني: "يا الله"، والميمُ عِوَضٌ عن ياء النَّداء، فلذلك لا يجتمعان، قال علماء اللغة: إنَّ "اللهم" في كلام العرب على ثلاثة أنحاء:
١ - أحدها للنِّداء المحض.
٢ - للإيذان بنُدْرةِ المستثنى؛ كقولك بعد كلام: اللهم إلاَّ إذا كان كذا.
٣ - ليدل على تيقُّن المجيب في الجواب المقترن هو به؛ كقوله لمن قال: أزيد؟: اللهم نعم، أو اللهم لا.
- رَبَّ: منصوبٌ على النِّداء، والربُّ: هو المربِّي المصلح للإنسان.
- الدعوة: بفتح الدَّال هي ألفاظُ الأذان المشتملة على التوحيد.
- التَّامَّة: صفةٌ للدعوة، وُصفت بالتَّمام؛ لأنَّ فيها أتمَّ القول، وهو لا إله إلاَّ
стр. 545
الله، ولأنَّها اشتملت على أصول الشريعة وفروعها.
- الصَّلاة القائمة: إمَّا أنْ يكونَ معناها التي ستقام، أو الدَّائمة، أي: التي لن تغيِّرها مِلَّةٌ ولا نسخ، فهي قائمةٌ دائمة، ما دامت السمواتُ والأرض.
- آتِ: أوَّله همزة ممدودة، فعلُ دعاءٍ مبنيٌّ على حذف حرف العلَّة، ومعناه: أَعْطِ، والفاعلُ ضميرٌ مستتر، تقديره: أنت.
- الوسيلة: على وزن فعيلة، وتُجْمَعُ على وسائل، وهي في اللغة: ما يتُقرَّب به إلى الغير، وهي المنزلة كما صرَّح بذلك ﷺ في حديثٍ آخر، فقال: "إنَّها منزلة في الجنَّة، لعبدٍ من عباد الله، وأرجو أنْ أكون أنَا هو" [رواه مسلم (٣٨٤)].
- الفضيلة: معطوفة على الوسيلة عَطْفَ بيان، وهي مرتَبَةٌ زائدة على سائر الخلق.
- مقامًا محمودًا: نصب مقامًا على الظرفية، ونُكِّرَ تفخيمًا، و"محمودًا" صفة له، والمقامُ المحمود يُطْلَقُ على كلِّ ما يجلب الحمد من أنواع الكرامات، والمراد هنا: الشفاعةُ العظمَى في فصل القضاء، حيث يحمده فيه الأوَّلون والآخرون.
- حلَّت له: من حَلَّ يَحِلّ، بكسر حاء المضارع منه، أي: وَجَبَتْ له، واستحَقَّ الشفاعة؛ فهي ثابتةٌ لابدَّ منها بالوعد الصَّادق، وهو جوابُ "مَنِ" الشرطية.
- شفاعتي يوم القيامة: الرَّاجحُ: أنَّ المراد بهذه الشفاعة العظمى، التي بها إراحة الخلائقِ مِنَ الموقف، ويحتملُ إرادةُ غيرها من شفاعاتِ النَّبىِّ ﷺ ؛ كالشفاعة بإدخالِ الجنَّة بغير حساب، وكرفعِ الدرجات، ليعطَى كل واحدٍ ما يناسبه، والله أعلم.
- يوم القيامة: القيامة في اللغة: اسمٌ لما يقوم، ودخلها التَّأنيثُ للمبالغة؛ لما يقوم فيها من الأمور العظام، التي منها قيامُ الخلائقِ مِنْ قبورهم، وقيامُ
стр. 546
الأشهادِ على العباد، وقيامُ النَّاس في الموقف، وغير ذلك.
وقد جاء لها أسماءُ كثيرة في الكتاب العزيز.
قال القرطبي: وكلَّما عَظُمَ شان شيء، تعدَّدت صفاته، وكثرت أحواله، وقد سمَّاها الله تعالى في كتابه بأسماءٍ عديدة، ووصفها بأوصافٍ كثيرة.
- الَّذي وعدتَه: عائدٌ إلى قوله "مقامًا محمودًا"، وأطلق عليه الوعد؛ لأنَّ "عسى" في الآية ليس على بابه، فهو في حقِّ الله واقعٌ.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - الحديث بهذا اللفظ الَّذي أورده المؤلَّف، سليمٌ من زيادات ضعيفة، أضيفت إليه.
٢ - فضيلةُ هذا الدعاءِ الجامع لهذه التوسُّلات العظيمة، والدرجات الرَّفيعة من نداء الله، والتضرُّع إليه بألوهيَّته وربوبيَّته، وبدعواتِهِ التَّامَّاتِ الكاملات، وبالمنازِلِ العالية، وبهذه الصَّلاةِ الدَّائمة القائمة، أنْ يُتمَّ على نبيِّنا محمَّد نعمته، ويعليَ شأنه، ويرفع مقامه بإعطائِهِ الشفاعة العظمى، والرتبةَ الكبرى، وأنَّ ينيله مقامَ الحَمْدِ والثناء الَّذي وعده إيَّاه، حين أكمَلَ رسالته، وأدَّى أمانته، ونصَحَ أمته، وأكمَلَ عبوديته، وتفطَّرَتْ قدماه متهجِّدًا بكتابه، ومطَّرِحًا بين يدي ربه.
٣ - مَنْ أجاب المؤذِّن، وصلَّى على نبيِّنا محمَّد -كما قيد بحديث آخر- فقد استحَقَّ أنْ يكون ممَّن يشفعُ فيهم النَّبيُّ ﷺ يوم القيامة، حينما يتأخَّرُ جميعُ الشفعاءِ، ويتصدَّى لها هو ﷺ .
٤ - أُلحق بهذا الدعاء جمل زائدة، ليسَتْ ثابتةً، منها:
- اللهم إنِّي أسالك بحَقِّ هذه الدعوة.
- والدرجةَ الرفيعة.
- إنَّك لا تُخْلِفُ الميعاد.
стр. 547
- يا أرحم الرَّاحمين.
فهذه الفقرات نقدها العلماء، وبينوا أنَّها غيرُ ثابتة، والواجبُ هو الاقتصارُ على ما صَحَّ عن رسول الله ﷺ .
٥ - هذا الحديثُ فيه زيادتان؛ لحصول فائدة هذا الدعاء:
الأولى: إجابةُ المؤذِّن بمثل ما يقول، عدا الحيعلتين؛ كما تقدَّم.
الثانية: الصَّلاةُ على النَّبي ﷺ ؛ فإنَّها مدخل الدعاء.
*فائدة:
جاء في صحيح مسلم (٣٨٤) من حديث عبدالله بن عمرو بن العاص؛ أنَّه سَمعَ رسولَ الله ﷺ يقول: "إذَا سمعتم المؤذِّن، فقولوا مثل ما يقول، ثمَّ صَلُّوا عليَّ، ثمَّ سَلُوا اللهَ لي الوسيلة، فمَنْ سال الله لي الوسيلةَ، حَلَّتْ عليه شفاعتي".
انتهى الجزء الأول
ويليه الجزء الثاني
وأوله "باب شروط الصلاة"
стр. 548
توضِيحُ الأحكَامِ مِن بُلوُغ المَرَام
تَأليف
رَاجي عَفو رَبّه
عَبْد الله بن عَبْد الرحمن البَسَّام
غفر الله له ولوالديه وللمسلمين
طبعَة مصحَّحَة ومحقّقة وَفيهَا زيَادَات هَامَّة
الجزء الثاني
مكتَبة الأسدي
مكّة المكرّمة
стр. 549
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
стр. 550
باب شروط الصلاة
مقدمة
الشروط: جمع شرط، وهو لغة: العلامة، سمي شرطًا، لأنَّه علامة على المشروط؛ قال تعالى عن علامات السَّاعة: ﴿فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا﴾ أي: علاماتها.
واصطلاحًا: ما يلزم من عدمه العَدَمُ، ولا يلزم من وجوده وجودٌ ولا عدمٌ لذاته.
وشروط الصَّلاة: هي ما يتوقَّف عليها صحتها، إلاَّ بعذر.
وقد أجمع الأئمة على أن للصلاة شرائط، لا تصح إلاَّ بها، إن لم يكن عذر، وهي التي تتقدَّمها، وشروط الصلاة ليست منها، وإنَّما تجب لها قبلها، إلاَّ النية: فالأفضل مقارنتها لتكبيرة الإحرام، وتستمر الشروط حتَّى نهاية الصَّلاة، وبهذا فارقت الأركان، الَّتي تنتهي شيئا فشيئًا.
وشروطُ الصَّلاة تسعة: الإسلام، والتمييز، والعقل، (وهي شروط لوجود كل عبادة بدنية عدا الحج والعمرة، فيصحَّان من الصغير، ولو دون التمييز)، والباقي من الشروط ستَّة هي:
- الوقت: قال عمر ﵁: الصلاة لها وقت، لا يقبلها الله إلاَّ به.
- الطهارة من الحدث.
- الطهارة من النَّجاسة في البدن والثوب والبقعة.
- ستر العورة، وتختلف باختلاف المصلين.
- استقبال القبلة.
- النية.
وستأتي مفصَّلة إنْ شاء الله تعالى.
стр. 551
١٦٢ - عَنْ عَلِيِّ بْنِ طَلْقٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِذَا فَسَا احَدُكُمْ فِي الصَّلاَةِ، فَلْيَنْصَرِفْ وَلْيَتوَضَّأْ، وَلْيُعِدِ الصَّلاَةَ" رَوَاهُ الخَمْسَةُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ (١).
ــ
* درجة الحديث:
الحديث حسنٌ.
قال الترمذي: "الحديث حسن"؛ ويشهد له ما رواه مسلم (٣٦٢) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا وجد أحدكم في بطنه شيئًا، فأشكَلَ عليه أخَرَجَ منه أمْ لا؟ فلا يخرجنَّ من المسجد، حتَّى يسعمع صوتًا، أو يجد ريحًا".
وقد حسَّن الحديثَ الإمامُ الترمذي، وصحَّحه كلٌّ من ابن حبان، وابن السكن.
* مفردات الحديث:
- علي بن طَلْق: بفتح فسكون، من بني حَنِيفة، صحابيٌّ.
- فسا: الفُسَاءُ بضم الفاء: خروج الرِّيح من الدبر بلا صوت.
- لِيُعِدِ الصَّلاَةَ: الَّلام لام الأمر، من الإعادة، وذلك باستئنافها.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - أنَّ خروج الرِّيح من الدبر ينقُضُ الوضوءَ، وتبطُلُ به الصلاة، وقد أجمع العلماء على هذا.
٢ - على المُحْدِثِ أنْ ينصرف من صلاته، ويتوضَّأ ويعيد الصَّلاة؛ لبطلان صلاته
стр. 552
بالحدث.
٣ - يحرُمُ على من أحدَثَ في الصلاة أنْ يستمرَّ فيها ويتمَّها، ولو صوريًّا؛ فكل حدثٍ مَنَعَ ابتداء الصلاة، يمنع الاستمرار فيها؛ فإنَّ صلاته بلا وضوء استهزاءٌ بالدِّين، وتلاعُبٌ بالشعائر الدينية.
٤ - جميع الأحداث النَّاقضة للوضوء، حكمها كَحُكْمِ خروج الرِّيح، فيما ذُكِرَ من الأحكام.
٥ - هذا الحديث معارَضٌ بما تقدَّم من حديث عائشة، من أنَّ مَنْ أصابه قيءٌ أو رعافٌ أو مذيٌ في صلاته، فإنَّه ينصرف ويتوضَّأ، ويبني على صلاته حيث لم يتكلَّم، ولا وجه للمعارضة، فحديثُ الباب أصحُّ منه، أمَّا حديث عائشة فمُتكلَّم فيه.
***
стр. 553
١٦٣ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: "لاَ يَقْبلُ اللهُ صَلاَةَ حَائِضٍ إِلاَّ بِخِمَارٍ" رَوَاهُ الخَمْسَةُ إِلاَّ النَّسَائِيَّ، وَصَحَّحَه ابْنُ خُزَيْمَةَ (١).
ــ
* درجة الحديث:
الحديث صحيحٌ.
رواه أحمد، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه، والحاكم، والبيهقي.
قال الترمذي: حديث حسن، وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم، ووافقه الذهبي.
وصحَّحه ابن خزيمة، وأحمد شاكر، والألباني.
* مفردات الحديث:
- حائض: يُقال: حاضت المرأة حيضًا، فهي حائض؛ لأنَّه وصفٌ خاصٌّ بها، وجاء: حائضةٌ، وجمعها حائضاتٌ، وجمع الحائض: حُيَّض.
وقوله في الحديث: "الحائض" ليس المراد من هي حائض حالة التلبُّس بالصَّلاَة، بل المراد: البالغة.
- بخِمَار: جمعه خُمُر، وهو بكسر الخاء وفتح الميم، يُقال: خمَّر الشيء غَطَّاه، فالتخمير التغطية؛ ومنه خمار المرأة، الَّذي تُغَطِّي به رأسها وعنقها.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - الحائض لا تُصلِّي ولا تصحُّ منها الصَّلاة حال حيضها، وإنَّما المراد بقوله:
стр. 554
"الحائض" يعني: المكلَّفة، التي بلغَتْ سنَّ الحيض.
٢ - ليس المراد من الحديث البالغة بالحيض فقط، وإنَّما المرادُ البالغة بأية علامة من علامات البلوغ، وهي: الحيضُ، أو نزولُ المنيِّ، أو نباتُ شعر العانة، أو بلوغُ خمسة عشر عاماً، ولكنَّه عبَّر بما يخصُّ النساء، وهو الحيض.
٣ - أنَّ ابتداء الحيض للأُنثى من علامات بلوغها، ولو أنَّ سنَّها أقلُّ من خمسة عشر عامًا.
٤ - أنَّ الجارية إذا بلغَتْ، كلِّفت بالأحكام الشرعية كلِّها.
٥ - أنَّهُ يجبُ على المرأة أنْ تَسْتُرَ في صلاتها -فيما تستُرُ من مدنها- رأسَها وعنقها، بخمارٍ يُغطِّي ذلك كله.
٦ - أنَّ ستر العورة في الصلاة شرطٌ لصحَّتها، والعورةُ في الصَّلاة تختلفُ باختلاف المصلِّين، من حيث الجِنسُ، ومن حيث السنُّ، وسيأتي بيانه، إنْ شاء الله تعالى.
٧ - مفهومُ الحديث أنَّ البنت التي دون البلوغِ تَصِحُّ صلاتها، ولو لم تغطِّ رأسها بخمار، فعورتها أخفُّ من عورة البالغة.
٨ - نفي قبول الصلاة ممَّن لم تخمِّر رأسَهَا في الصلاة، المرادُ به نفىُ حقيقة الصلاة، فلا تجزىُء ولا تَصِحُّ، لا مجرَّدُ عدَمِ حُصُولِ الثواب.
стр. 555
١٦٤ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لَهُ: "إِنْ كانَ الثَّوْبُ وَاسِعًا، فَالْتَحِفْ بِهِ، يَعْنِي فِي الصَّلاَةِ".
وَلِمُسْلِمٍ: "فَخَالِفْ بَيْنَ طَرَفَيْهِ، وَإِنْ كانَ ضَيِّقًا فَاتَّزِرْ بِهِ" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١).
وَلَهُمَا مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: "لاَ يُصَلِّي أحَدُكُمْ فِي الثَّوْبِ الوَاحِدِ، لَيْسَ عَلَى عَاتِقِهِ مِنْهُ شَيْءٌ" (٢).
ــ
* مفردات الحديث:
- لا يصلِّي: نص ابن الأثير على إثبات الياء في روايات الصحيح، ورواه الدَّارقطني بحذفها، على أنَّ كلمة "لا" ناهية، وأمَّا بقية الروايات، فهي فيه نافية، لكن بمعنى النَّهي.
- الثوب: مذكَّر، وجمعه أثوابٌ وثياب، وهو ما يلبسه النَّاسُ من كتان، وقطن، وصوف، ونحوها.
واللباسُ الكاملُ يكون من قطعتَيْنِ:
إحداهما: الرداء، وهو ما ستر أعلى البدن.
والأخرى: الإزار، وهو ما ستَرَ أسفلَ البدن.
وليس الثوبُ ما يُفَصَّل ويُخاطُ على هيئة البدن، فهذا يسمَّى قميصًا.
- التحف به: يُقال: لَحَفَهُ يَلْحَفُهُ لَحْفا: غطَّاه باللحاف، واللِّحافُ: كل ثوبٍ
стр. 556
يلتحفُ به، فيغطِّي به بدنه، وجمعه لُحُف.
- عاتقه: العاتق: هو ما بين المنكب والعنق، وهو موضعُ الرداء، ويذكَّر ويؤنَّث، والجمع عواتق.
- فخالف بين طرفيه: أي: خالَفَ ما بين طرفي الثوب، والمخالفةُ بين طرفيه تكون بإلقاء طرفه الأيمَنِ على عاتقه الأيسر، وطرفه الأيسر على عاتقه الأيمن، ليستُرَ بذلك صدره، ولكنْ وَسَطُ الثوب على ظهره ليستُرَ أعلى البدن، هذا إذا كان الثوب واسعًا، أمَّا إذا كان ضيقًاَ، فيأتزر به؛ ليستر عورة الصلاة.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - الثوب المرادُ به الإزارُ الَّذي يكسو أسفل جسم الإنسان، والرداءُ الَّذي يكسو أعلاه، وليس المرادُ به القميص؛ فإنَّ القميص الَّذي فُصِّل وخُيِّط على هيئة البدن، قائم مقام الثوبين، لأنَّه مغط لأعلى البدن وأسفله.
٢ - إنْ كان الثوبُ واسعًا، فعلى المصلِّي أنْ يلتحف به، فيغطِّي به من المنكبين إلى ما تحت الركبتين؛ لأنَّه وجد سترة كاملة لما يجب، ويستحب أنْ يستره في الصلاة.
٣ - إنْ كان الثوبُ ضيِّقًا لا يكفي كلَّ البدن، فليستُرْ به العورة الواجبَ سترها، وهي للرجل من السُّرَّة إلى الركبة، فيجعله إزارًا له، ولو كشف عن المنكبين، وأعلى الجسم.
٤ - استحباب ستر أحد العاتقَيْنِ في الصلاة، لمن وجَدَ سترةً كافيةً له وللعورة، فإن لم تَكْفِ إلاَّ العورةَ فقطْ، قدَّم سترها على ستر العاتقين أو أحدهما؛ لأنَّها أهم.
٥ - الحديثُ يدلُّ على أنَّ المسلم يتقي الله ما استطاع، فما يَقْدِرُ على القيام به من الواجبات، يقوم به، وما عجَزَ عنه سَقَطَ عنه، والله غفورٌ رحيم.
стр. 557
٦ - يدلُّ الحديث على القاعدة الشرعية: "تقديم الأهم فالأهم"؛ فإنَّ التكاليف إذا تزاحمَتْ، ولم يمكن القيامُ بها كلِّهَا، قُدِّم أهمها.
٧ - قال شيخ الإسلام: الأفضلُ مع القميص السروالُ من غير حاجة إلى الإزار والرِّداء، وقال القاضي: يستحبُّ لبس القميص، ولا يكره في ثوبٍ يستُرُ ما يجب ستره؛ لما في الصحيحين لمَّا سُئِلَ ﷺ عن الصلاة في الثوب الواحد؟ قال: "أوَ لكلٍّ منكم ثوبان".
٨ - قال النووي: لا خلافَ في جَوَازِ الصلاةِ في الثوب الواحد، وأجمعوا على أنَّ الصَّلاة في الثوبين أفضل.
والله تعالى أمر بقدرٍ زائدٍ على ستر العورة في الصلاة، وهو أخذُ الزينةِ في قوله تعالى: ﴿يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١]؛ إيذانًا بأنَّ العبدَ ينبغأنه أنْ يلبَسَ أزيَنَ ثيابه، وأجمَلَهَا فى الصلاة، للوقوفِ بين يدي ربِّه ﵎.
* خلاف العلماء:
أجمع العلماء على مشروعية سَتْرِ الرجلِ عاتقَهُ في الصلاة، واختلفوا في الوجوب:
فذهب الإمام أحمد في المشهور من مذهبه: إلى وجوب ستر أحد العاتقين، في الصلاة المفروضة، إذا كان قادرًا على ذلك.
قال في الإنصاف: الصحيحُ من المذهب أنَّ ستر أحد المَنْكِبَيْنِ شرطٌ في صحَّةِ صلاةِ الفرض، وعليه جماهير الأصحاب.
قال بعضهم: في ذلك كمالُ أَخْذِ الزينة، وَحُسْنِ الأدب، والحياءُ بين يدي الله تعالى.
وذهب أكثر العلماء -ومنهم الأئمة الثلاثة:- إلى عدم الوجوب، وأنَّه لا يجبُ إلاَّ ستر العورة، والعاتقان ليسا من العورة، أشبها بقية البدن.
стр. 558
استدلَّ الإمامُ أحمد بحديث أبي هريرة في الصحيحين؛ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "لا يصلِّي أحدكم في الثوب الواحد، ليس على عاتِقِهِ منه شيء".
أمَّا الجمهور: فيحملون النَّهْيَ في الحديث على التنزيه، وبأنَّ النَّبي ﷺ صلَّى في ثوب واحدٍ، كان أحد طرَفَيْهِ على بعض نسائه، وهي نائمةٌ، والله أعلم.
* تنبيه:
المشمهور من مذهب الإمام أحمد: أنَّ الصَّلاة التي يجبُ فيها سترُ أحد العاتقين هي الفريضةُ فقط، أمَّا النَّافلة فيجزىء سَتْرُ العورة، وَيُسَنُّ ستر العاتقين أو أحدهما.
ووجه الفرق بين الصلاتين الفريضة والنَّافلة: أنَّ النَّافلة مبنية على التخفيف؛ فإنَّه يسامح فيها بترك القيام، وترك استقبال القبلة في السفر إذا صلَّى على الرَّاحلة، فصارتْ أحكامها أخفَّ من الفريضة.
والرِّواية الأُخرى عن الأمَام أحمد: أنَّ النَّفل كالفرض.
قال في الشرح الكبير: ظاهرُ كلامِ الإمام أحمد التسويةُ بينهما؛ لأنَّ ما اشتُرِطَ للفرض اشترط للنَّفل، ولأنَّ الخبر عامٌّ فيهما؛ وهذا ظاهر كلام شيخنا ﵀.
وممَّن اختار ذلك شيخنا عبد الرحمن السعدي، فقال: الصحيحُ أنَّ ستر المنكب يستوي فيه الفرضُ والنَّفل، وأنَّه سنَّةٌ فيهما؛ فيو من كمال السترة.
стр. 559
١٦٥ - وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ "أنَّهَا سَأَلَتِ النَّبِيَّ ﷺ أَتُصَلِّي الْمَرْأةُ فِي دِرْعٍ وَخِمَارٍ بِغَيْرِ إزَارٍ؟ قَالَ: إِذَا كانَ الدِّرْعُ سَابِغًا، يُغَطِّي ظُهُورَ قَدَمَيْهَا" أخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَصَحَّحَ الأئِمَّةُ وَقْفَهُ (١).
ــ
* درجة الحديث:
الحديث ضعيف.
أخرجه أبو داود، والحاكم (٣/ ٧١٩) والبيهقي (٢/ ٢٣٣) بسندهم إلى أُمِّ سَلَمَة، وفيه أم محمد بنت زيد، وهي مجهولة، وفي الحديث علَّةٌ أُخرى، وهي تفرُّد ابن دينار بروايته، وهو ضعيف مِنْ قبل حفظه.
وصحَّح وقفه المؤلِّفُ في التلخيص الحبير، بينما رجَّح ابن الملقِّن والشوكاني رفعه.
* مفردات الحديث:
- دِرْع: بكسر الدَّالِ المهملة، وسكون الرَّاء المهملة، ثمَّ عينٍ مهملة، والمراد به هنا: قميص المرأة، فلذا جاء مطلقًا، فلو أُريد به درع الحرب، لقيَّده بالحديد، كما في البخاري: "أنَّ النَّبي ﷺ رَهَنَ درعًا من حديد"، قال ابن فارس: درع الحديد مؤنَّثة، ودرع المرأة: قميصُهَا، مذكَّر.
- سابغًا: بفتح السين المهملة، وكسر الباء الموحَّدة، ثمَّ غين معجمة، أي: واسعًا، ساترًا لظهور قدميها.
- إِزَار: الإزار: ثوبٌ يحيطُ بالنصف الأسفل من البدن، يذكَّر ويؤنَّث، يُقال: ائتزر واتَّزر، أي: لبس الإزار.
стр. 560
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - الدرع: هو قميصُ المرأة، الَّذي يستُرُ جسمها من عاتقها، حتَّى يغطِّي قدميها.
٢ - أمَّا الخمار فيغطِّي رأسها وعنقها.
٣ - فإذا غطَّتِ المرأةُ بدرعها السَّابغِ قدَمَيْهَا، وغطَّتْ بخمارها الضَّافي رأسها وشعرها وعنقها، فقد سَتَرَتْ عورتها في الصَّلاة، فتصلِّي، ولو لم يكن عليها إزارٌ، أو سروالٌ تحت الدرع.
٤ - أنَّ قدمَي المرأةِ: مِنْ عورتها في الصلاة، فيجبُ سترهما، فإنْ بَدَيَا أو أحدهما وهي قادرةٌ على سترهما، لم تَصِحَّ صلاتها، وسيأتي ذكره الخلاف في ذلك.
٥ - وجهُ المرأة: ليس بعورة في الصَّلاة، فإذا لم يكنْ حولها رجال أجانب، فلها كشفُهُ، وصلاتها صحيحة.
قال ابن عبد البر: أجمعوا على أنَّ للمرأة أنْ تَكْشِفَ وجهها في الصَّلاة.
قال الشَّارح: لا نعلم فيه خلافًا.
وقال القاضي: هو إجماع.
والمراد: حيث يراها أجنبي.
وأمَّا كفَّاها: فجمهور العلماء أنَّهما ليسا بعورةٍ في الصَّلاة.
واختار المجد، والشيخ تقي الدِّين، وغيرهما: أنَّ قدميها ليسا بعورة، وجزم به الموفَّق في العمدة، وصوَّبه في الإنصاف، وهو مذهب أبي حنيفة.
وما عدا ذلك: فهو عورةٌ إجماعًا.
هذا كله في الصلاة.
وأمَّا خارج الصلاة، فعورةٌ باعتبار النظر، كبقية بدنها.
٦ - المرأة لها نقابٌ، وبرقع ولثام، وهي كما يلي:
стр. 561
(أ) النِّقاب: جمعه نُقُبٌ، مثل كتاب وكُتُب، وهو خمارٌ يستُرُ وجه المرأة، وتجعَلُ القناعَ على مارن الأنف، فيبدو منه محجر العينين.
(ب) البُرْقُع: بضم الباء، وسكون الرَّاء، جمعه براقع، وهو الخمارُ يستُرُ الوجه، وفيه ثقبان بقدر العينين، فكأنَّ فتحته أضيقُ من النِّقاب.
(ج) اللثام: هو البرقع، إلاَّ أنَّه يكونُ على طرف الأنف، فهو أوسع فتحةً من النِّقاب.
* فائدة:
تفصيل العورة في الصلاة، في المشهور من مذهب الإمام أحمد وغيره:
١ - عورةُ الرجلِ البالغِ، وَمَنْ بَلَغَ عَشْرَ سنين، والبنت المراهقة: ما بين السرَّة والركبة.
٢ - عورة الصبيِّ من السَّابعة إلى العاشرة الفرجان فقطْ.
٣ - عورة المرأة البالغة الحرَّة كلُّ بدنها عدا وجهها، فليس بعورةٍ في الصلاة؛ على الرَّاجحِ من أقوال العلماء.
***
стр. 562
١٦٦ - وَعَنْ عَامِرِ بْن رَبِيعَةَ ﵁ قَالَ: "كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ في لَيْلَةٍ مُظْلِمَةٍ، فَأَشْكَلَتْ عَلَيْنَا القِبْلَةُ، فَصَلَّيْنَا، فَلَمَّا طَلَعَتِ الشَّمْسُ إِذَا نَحْنُ صَلَّيْنَا إِلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ، فَنَزَلَتْ: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ " أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَضَعَّفَهُ (١).
ــ
* درجة الحديث:
الحديث حسن.
وله شاهدٌ من حديث جابر عند الدَّراقطني (١/ ٢٧٢)، والحاكم (١/ ٣٢٤)، والبيهقي (٢/ ١٠)، وقال الحاكم: هذا حديث يحتج برواته كلهم، غير محمد بن سالم، فإنِّي لا أعرفه بعدالةٍ ولا جرح، وتعقَّبه الذهبي بقوله: هو أبو سهل، واهٍ.
قال الألباني: وللحديث متابعةٌ أخرى فيها ضعف.
وبالجملة، فالحديثُ بطرِقِهِ الثلاثِ يرتقي إلى درجة الحسن، إنْ شاء الله.
* مفردات الحديث:
- الفاء: الفاء في ﴿فَأَيْنَمَا﴾ للاستئناف.
- أين: اسمُ شرطٍ جازمٌ، في محلِّ نصب ظرف مكان، متعلِّق بما بعده.
- ما: زائدة.
- تولُّوا: فعل الشرط، مجزومٌ بحذف النون، والواو فاعل.
- فثمَّ: الفاءُ رابطةٌ لجواب الشرط. و"ثمَّ": ظرفُ مكان، مبنيٌّ على الفتح، في محل نصبٍ، متعلِّقٌ بمحذوفٍ، خبرٌ مقدَّم.
стр. 563
- أشكلت: أشكَلَ يُشْكِلُ إشكالاً، أي: التبَسَتْ علينا جهةُ القبلة، في تلك الليلة المظلمة.
*ما يؤخذ من الحديث:
١ - إذا أشْكَلَتْ جهةُ القبلة على المسافر، وصلَّى، ثمَّ تبيَّنَ له خطؤه، فصلاته صحيحة، سواءٌ علم بالخطأ في الوقت، أو بعده.
٢ - أنَّ استقبال القبلة شرطٌ من شرائط الصَّلاة، لا تصحُّ بدونه، سواءٌ أكانت الصَّلاة فرضًا أو نفلاً؛ لقوله تعالى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: ١٤٤].
٣ - قال الشيخ تقي الدِّين: استقبالُ القبلة في الصلاة من العلم العامِّ عند كل أحد، وأنَّه من شرائط صحَّة الصَّلاة.
قال ابن رشد: ما نُقِلَ بالتواتر، كاستقبال القبلة، وأنها الكعبة، لا يردُّه إلاَّ كافر.
٤ - قال العلماء: ومن قَرُبَ من الكعبة بأنْ أمْكَنَهُ معاينتها، ففرضهُ إصابةُ عينها، وأمَّا من بَعُدَ عنها، ففرضُهُ استقبالُ جهتها.
قال في الإنصاف: البعد هنا هو بحيثُ لا يقدرُ على المعاينة، ولا على من يخبرهِ بِعِلْمٍ، وليس المرادُ مسافةَ قصر ولا ما دونها.
٥ - تفسيرُ الايَة الكريمة، قال ابن جرير: نزلتْ هذه الآية في قوم عَمِّيَتْ عليهم القبلة، فصلَّوْا على أنحاء مختلفة؛ فقال تعالى: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّه﴾ [البقرة: ١١٥].
٦ - علماء السلف أثبتوا لله تعالى جهة علوِّ تليقُ بجلال الله وعظمته، ملاحظين في ذلك انتفاءَ إحاطةِ شيء به ؛ فهو جلَّ وعلا المحيطُ بكلِّ شيء.
***
стр. 564
١٦٧ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَا بيْنَ المَشْرِقِ وَالمَغْرِبِ قِبْلَةٌ" رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَوَّاهُ البُخَارِيُّ (١).
ــ
* درجة الحديث:
الحديث صحيحٌ.
أخرجه الترمذي، وابن ماجه، قال الترمذي: حديثٌ حسنٌ صحيح، وقد قوَّاه البخاري، ورجالُهُ كلُّهم ثقات.
* مفردات الحديث:
- بين: كلمةُ تنصيف وتشريك، وهي ظرفٌ بمعنى وسط، فإنْ أُضيفَتْ إلى ظرف الزمان، كانتْ ظرفَ زمان، كقولك: أتيتُكَ بين الظهر والعصر، وإذا أُضيفَتْ إلى ظرفِ المكان، كانت ظرفَ مكان، تقول: داري بين دارك ودار أخيك.
- القِبْلَة: بكسر القاف، وسكون الباء: هي الجهة، والمراد بها هنا: الكعبُة المُشَرَّفَة.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - الجهات الرئيسةُ الأفقيَّة أربعٌ: الشّمَالُ، ويقابله الجنوب، والشَّرْقُ، ويقابله الغرب، فما بين الشرق إلى الغرب (١٨٠) درجة، فهذه المسافة كلُّهَا قبلةٌ لمن لم يشاهد الكعبة، وكذلك قَدْرُهَا من غير جهتها.
٢ - الحديثُ دليلٌ على أنَّ الواجب على من لم يشاهد الكعبةَ استقبالُ الجهة، لا العين؛ فالحديثُ يدلُّ على أنَّ ما بين الجهتين قبلَةٌ، وأنَّ الجهة كافيةٌ في
стр. 565
الاستقبال.
٣ - أمَّا مشاهدُ الكعبة، فقال العلماء في حكمه: وفرضُ مَنْ عايَنَ الكعبةَ إصابةُ عينها، بحيثُ لا يخرُجُ شيءٌ منه عن الكعبة، قال في الإنصاف: بلا نزاع، وذلك كمَنْ في المسجد الحرام، أو كان خارجَهُ، وينظُرُ إليها.
٤ - قال ابن القيِّم: الصوابُ: أنَّه مع كثرة البعد يكثُرُ المحاذي للعين؛ فإنَّ الدائرة إذا عظصت اتسعَتْ جدًّا؛ فإنَّ التقوُّس لا يظهر في جوانب محيطها، إلاَّ خفيفًا، فيكون الخط الطويل متقوِّسًا نحو نظره، وهذا لا يظهر للحس.
٥ - ما ذكره الإمام ابن القيم مبنيٌّ على نظرية هندسية هي: "محيط الدائرة يتناسب تناسبًا طرديًّا، مع نصف القطر" يعني: أنَّه كلَّما بعدت المسافة عن الكعبة، زاد عدد المصلِّين القاصدين نفس جهة القبلة "الكعبة".
٦ - استقبالُ القبلة شرطٌ لصحة الصلاة؛ فقد قال تعالى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: ١٤٤]، لكن الاستقبال يسقط بأمورٍ، منها:
أوَّلاً: العجز: إذا عَجَزَ عن استقبال القبلة لمرضٍ أو ربطٍ، فيسقط عنه، ويصلِّي حيث توجَّه؛ لقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]، ومثل المريضِ والمربوطِ مَنْ كان في الطائرة، ولا يجدُ مكانًا يصلِّي فيه إلاَّ كرسيَّه المتَّجه إلى غير القبلة، صلَّى حيث اتجاهه.
ثانيًا: الخائف: فإذا قاتَلَ العدوَّ أو هرَبَ منه أو من سيل أو غير ذلك، ووجهتُهُ إلى غير القبلة، صلَّى حسب ما توجه؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ [البقرة: ٢٣٩]، والخائف سواءٌ أكان راجلاً أو راكبًا، سيتوجَّه حيث مأمنه.
ثالثًا: النَّافلة في السفر: فإذا كان الإنسان سائرًا راجلاً أو راكبًا، فإنَّه يصلِّي حيث توجَّه؛ لحديث عامر بن ربيعة قال: "رأيت النبَّي ﷺ يصلِّي على