(أ) النِّقاب: جمعه نُقُبٌ، مثل كتاب وكُتُب، وهو خمارٌ يستُرُ وجه المرأة، وتجعَلُ القناعَ على مارن الأنف، فيبدو منه محجر العينين.
(ب) البُرْقُع: بضم الباء، وسكون الرَّاء، جمعه براقع، وهو الخمارُ يستُرُ الوجه، وفيه ثقبان بقدر العينين، فكأنَّ فتحته أضيقُ من النِّقاب.
(ج) اللثام: هو البرقع، إلاَّ أنَّه يكونُ على طرف الأنف، فهو أوسع فتحةً من النِّقاب.
* فائدة:
تفصيل العورة في الصلاة، في المشهور من مذهب الإمام أحمد وغيره:
١ - عورةُ الرجلِ البالغِ، وَمَنْ بَلَغَ عَشْرَ سنين، والبنت المراهقة: ما بين السرَّة والركبة.
٢ - عورة الصبيِّ من السَّابعة إلى العاشرة الفرجان فقطْ.
٣ - عورة المرأة البالغة الحرَّة كلُّ بدنها عدا وجهها، فليس بعورةٍ في الصلاة؛ على الرَّاجحِ من أقوال العلماء.
***
стр. 562
١٦٦ - وَعَنْ عَامِرِ بْن رَبِيعَةَ ﵁ قَالَ: "كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ في لَيْلَةٍ مُظْلِمَةٍ، فَأَشْكَلَتْ عَلَيْنَا القِبْلَةُ، فَصَلَّيْنَا، فَلَمَّا طَلَعَتِ الشَّمْسُ إِذَا نَحْنُ صَلَّيْنَا إِلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ، فَنَزَلَتْ: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ " أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَضَعَّفَهُ (١).
ــ
* درجة الحديث:
الحديث حسن.
وله شاهدٌ من حديث جابر عند الدَّراقطني (١/ ٢٧٢)، والحاكم (١/ ٣٢٤)، والبيهقي (٢/ ١٠)، وقال الحاكم: هذا حديث يحتج برواته كلهم، غير محمد بن سالم، فإنِّي لا أعرفه بعدالةٍ ولا جرح، وتعقَّبه الذهبي بقوله: هو أبو سهل، واهٍ.
قال الألباني: وللحديث متابعةٌ أخرى فيها ضعف.
وبالجملة، فالحديثُ بطرِقِهِ الثلاثِ يرتقي إلى درجة الحسن، إنْ شاء الله.
* مفردات الحديث:
- الفاء: الفاء في ﴿فَأَيْنَمَا﴾ للاستئناف.
- أين: اسمُ شرطٍ جازمٌ، في محلِّ نصب ظرف مكان، متعلِّق بما بعده.
- ما: زائدة.
- تولُّوا: فعل الشرط، مجزومٌ بحذف النون، والواو فاعل.
- فثمَّ: الفاءُ رابطةٌ لجواب الشرط. و"ثمَّ": ظرفُ مكان، مبنيٌّ على الفتح، في محل نصبٍ، متعلِّقٌ بمحذوفٍ، خبرٌ مقدَّم.
стр. 563
- أشكلت: أشكَلَ يُشْكِلُ إشكالاً، أي: التبَسَتْ علينا جهةُ القبلة، في تلك الليلة المظلمة.
*ما يؤخذ من الحديث:
١ - إذا أشْكَلَتْ جهةُ القبلة على المسافر، وصلَّى، ثمَّ تبيَّنَ له خطؤه، فصلاته صحيحة، سواءٌ علم بالخطأ في الوقت، أو بعده.
٢ - أنَّ استقبال القبلة شرطٌ من شرائط الصَّلاة، لا تصحُّ بدونه، سواءٌ أكانت الصَّلاة فرضًا أو نفلاً؛ لقوله تعالى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: ١٤٤].
٣ - قال الشيخ تقي الدِّين: استقبالُ القبلة في الصلاة من العلم العامِّ عند كل أحد، وأنَّه من شرائط صحَّة الصَّلاة.
قال ابن رشد: ما نُقِلَ بالتواتر، كاستقبال القبلة، وأنها الكعبة، لا يردُّه إلاَّ كافر.
٤ - قال العلماء: ومن قَرُبَ من الكعبة بأنْ أمْكَنَهُ معاينتها، ففرضهُ إصابةُ عينها، وأمَّا من بَعُدَ عنها، ففرضُهُ استقبالُ جهتها.
قال في الإنصاف: البعد هنا هو بحيثُ لا يقدرُ على المعاينة، ولا على من يخبرهِ بِعِلْمٍ، وليس المرادُ مسافةَ قصر ولا ما دونها.
٥ - تفسيرُ الايَة الكريمة، قال ابن جرير: نزلتْ هذه الآية في قوم عَمِّيَتْ عليهم القبلة، فصلَّوْا على أنحاء مختلفة؛ فقال تعالى: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّه﴾ [البقرة: ١١٥].
٦ - علماء السلف أثبتوا لله تعالى جهة علوِّ تليقُ بجلال الله وعظمته، ملاحظين في ذلك انتفاءَ إحاطةِ شيء به ؛ فهو جلَّ وعلا المحيطُ بكلِّ شيء.
***
стр. 564
١٦٧ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَا بيْنَ المَشْرِقِ وَالمَغْرِبِ قِبْلَةٌ" رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَوَّاهُ البُخَارِيُّ (١).
ــ
* درجة الحديث:
الحديث صحيحٌ.
أخرجه الترمذي، وابن ماجه، قال الترمذي: حديثٌ حسنٌ صحيح، وقد قوَّاه البخاري، ورجالُهُ كلُّهم ثقات.
* مفردات الحديث:
- بين: كلمةُ تنصيف وتشريك، وهي ظرفٌ بمعنى وسط، فإنْ أُضيفَتْ إلى ظرف الزمان، كانتْ ظرفَ زمان، كقولك: أتيتُكَ بين الظهر والعصر، وإذا أُضيفَتْ إلى ظرفِ المكان، كانت ظرفَ مكان، تقول: داري بين دارك ودار أخيك.
- القِبْلَة: بكسر القاف، وسكون الباء: هي الجهة، والمراد بها هنا: الكعبُة المُشَرَّفَة.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - الجهات الرئيسةُ الأفقيَّة أربعٌ: الشّمَالُ، ويقابله الجنوب، والشَّرْقُ، ويقابله الغرب، فما بين الشرق إلى الغرب (١٨٠) درجة، فهذه المسافة كلُّهَا قبلةٌ لمن لم يشاهد الكعبة، وكذلك قَدْرُهَا من غير جهتها.
٢ - الحديثُ دليلٌ على أنَّ الواجب على من لم يشاهد الكعبةَ استقبالُ الجهة، لا العين؛ فالحديثُ يدلُّ على أنَّ ما بين الجهتين قبلَةٌ، وأنَّ الجهة كافيةٌ في
стр. 565
الاستقبال.
٣ - أمَّا مشاهدُ الكعبة، فقال العلماء في حكمه: وفرضُ مَنْ عايَنَ الكعبةَ إصابةُ عينها، بحيثُ لا يخرُجُ شيءٌ منه عن الكعبة، قال في الإنصاف: بلا نزاع، وذلك كمَنْ في المسجد الحرام، أو كان خارجَهُ، وينظُرُ إليها.
٤ - قال ابن القيِّم: الصوابُ: أنَّه مع كثرة البعد يكثُرُ المحاذي للعين؛ فإنَّ الدائرة إذا عظصت اتسعَتْ جدًّا؛ فإنَّ التقوُّس لا يظهر في جوانب محيطها، إلاَّ خفيفًا، فيكون الخط الطويل متقوِّسًا نحو نظره، وهذا لا يظهر للحس.
٥ - ما ذكره الإمام ابن القيم مبنيٌّ على نظرية هندسية هي: "محيط الدائرة يتناسب تناسبًا طرديًّا، مع نصف القطر" يعني: أنَّه كلَّما بعدت المسافة عن الكعبة، زاد عدد المصلِّين القاصدين نفس جهة القبلة "الكعبة".
٦ - استقبالُ القبلة شرطٌ لصحة الصلاة؛ فقد قال تعالى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: ١٤٤]، لكن الاستقبال يسقط بأمورٍ، منها:
أوَّلاً: العجز: إذا عَجَزَ عن استقبال القبلة لمرضٍ أو ربطٍ، فيسقط عنه، ويصلِّي حيث توجَّه؛ لقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]، ومثل المريضِ والمربوطِ مَنْ كان في الطائرة، ولا يجدُ مكانًا يصلِّي فيه إلاَّ كرسيَّه المتَّجه إلى غير القبلة، صلَّى حيث اتجاهه.
ثانيًا: الخائف: فإذا قاتَلَ العدوَّ أو هرَبَ منه أو من سيل أو غير ذلك، ووجهتُهُ إلى غير القبلة، صلَّى حسب ما توجه؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ [البقرة: ٢٣٩]، والخائف سواءٌ أكان راجلاً أو راكبًا، سيتوجَّه حيث مأمنه.
ثالثًا: النَّافلة في السفر: فإذا كان الإنسان سائرًا راجلاً أو راكبًا، فإنَّه يصلِّي حيث توجَّه؛ لحديث عامر بن ربيعة قال: "رأيت النبَّي ﷺ يصلِّي على
стр. 566
راحلته حيث توجَّهَتْ به، ولم يصنعه في المكتوبة" [رواه البخاري (١٠٩٣) ومسلم (٧٠١)].
والمشهور من مذهب الإمامِ أحمد: أنَّه يلزمه الاستقبالُ عند تكبيرة الإحرام بالدَّابَّة أو بنفسه؛ لحديث أنس الَّذي في أبي داود.
والرِّواية الأخرى عن الإمام أحمد: أنَّه لا يلزمه الاستقبالُ حتَّى عند تكبيرة الإحرام، وهو مذهبُ أبي حنيفة، ومالك؛ لإطلاقِ الأحاديث الصحيحة، أمَّا حديث أنس: فيحمل على الاستحباب.
قال ابن القيم: حديث أنس فيه نظر، فكلُّ من وصفوا صلاته ﷺ على راحلته، أطلقوا أنَّه كان يصلِّي عليها قِبَل أيِّ جهة توجَّهت به، ولم يستثنوا من ذلك تكبيرةَ الإحرامِ، ولا غيرها.
رابعًا: مذهبُ الإمامِ أحمد: جوازُ الصلاة على الرَّاحلة في السفر، ولو قصيرًا، قال في. المنتهى وشرحه: "وتجوز الصَّلاةُ على الراحلة إلى غير القبلة في النَّافلة، وفي السفر ولو كان قصيرًا، نصَّ عليه".
***
стр. 567
١٦٨ - وَعَنْ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ ﵁ قَالَ: "رأيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يُصَلِّي عَلَى رَاحِلَتِهِ حَيْثُ تَوَجَّهَتْ بهِ" متَّفقٌ عَلَيْهِ.
زَادَ البُخَارِيُّ: "يُومِىءُ بِرَأسِهِ وَلَمْ يَكُنْ يَصْنَعُهُ فِي المَكْتُوبةَ" (١).
وَلأَبِي دَاوُدَ مِنْ حَديثِ أَنَسٍ ﵁: "وَكَانَ إذَا سَافَرَ فَأَرَادَ أنْ يَتَطَوَّعَ، اسْتَقْبلَ بِناقَتِهِ القِبْلَةَ، فَكَبَّرَ ثُمَّ صَلَّى حَيْثُ كَانَ وَجْهُ رِكَابِهِ" وَإسْنَادُهُ حَسَنٌ (٢).
ــ
* درجة الحديث:
حديث أنس حسن، فقد حسَّنه ابن حجر، والنووي في المجموع، وصحَّحه ابن السكن وابن الملقِّن.
* مفردات الحديث:
- راحلته: يُقال: رَحَلَ يرحَلُ رحيلاً، من باب نفع، بمعنى: شَخُص وسار، والرَّاحلة من الإبل: ما يرحل، سواء كانت ذكرًا أو أُنثى، تسمى الرَّاحلة والرحول، والهاء فيه للمبالغة لا التأنيث، جمعها رواحل.
- حيث: ظرف مكان، وهي مبنيةٌ على الضم، وهي مُلاَزِمَةٌ للإضافة إلى جملة، اسمية كانت أو فعلية، والفعلية أكثر.
- حيث توجَّهت به: أي: إلى أي جهة وجِّهت الدَّابة، صلَّى إلى القبلة أو غيرها.
стр. 568
- يُومىء: ماضيه "أومأ"، وأصله: ومأ، أي: يشير.
- المكتوبة: المفروضة، وهي الصلواتُ الخمس.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - جوازُ صلاة النَّافلة على الرَّاحلة في السفر، ولو قصيرًا، ولو بلا عذر، والرَّاحلة سواءٌ أكانت ناقة أو غيرها؛ فقد جاء في مسلم (٧٠٠) "أنَّ النَّبي ﷺ صلَّى على حماره".
قال البغوي: يجوزُ أداءُ النَّافلة على الراحلة في السفر الطويل والقصير عند أكثر أهل العلم.
٢ - أنَّه لا يلزمُ المصلِّي على الرَّاحلة استقبالُ القبلة، بل يتوجَّه حيث جهةُ سيره.
٣ - أنَّه لا يلزمُ الركوعُ والسجود، بل يكفي الإيماءُ برأسه؛ إشارةً إلى الركوع وإلى السجود، ويكونُ السجود أخفَضَ من الركوع، كما في زيادة ابن خزيمة: "ولكنَّه يخفضُ السجدَتَيْن من الركعة".
٤ - أنَّ هذا لا يجوزُ في الفريضة، بل يجبُ أن يصلِّيها مستقرًّا في الأرض.
٥ - ظاهرُ حديث أنس أنَّه يجب عليه الاستقبال عند تكبيرة الإحرام، فإذا كبَّر للإحرام صلَّى متوجِّهًا جهة سيره، وتقدَّم ما هو الرَّاجحُ في الحديث الَّذي قبل هذا.
٦ - هذا كله بناءً على شدَّة الاهتمام بالفريضة، ووجوب أدائها على أكمل وجه؛ بخلاف النَّافلة: فإنَّ فيها تيسيرًا وتسهيلاً.
٧ - هذا التسهيلُ والتخفيف في النوافل ترغيبًا في الإكثار منها، وأنَّه لا يمنع من الإكثار منها أيُّ عذر.
٨ - المشهورُ من مذهب الحنابلة: أنَّ الصَّلاة المكتوبة لا تجوزُ على الرَّاحلة إلاَّ بعذر؛ لما روى أحمد، والترمذي، عن يعلى بن أمية "أنَّ النَّبي ﷺ انتهى إلى مَضِيقٍ هو وأصحابه، وهو على راحلته، والسماءُ مِن فوِقِهم، والبلة أسفل
стр. 569
منهم، فَحَضَرَتِ الصلاة، فأمر المؤذِّنَ، فأذَّنَ وأقام، ثمَّ تقدَّم رسولُ الله ﷺ على راحلته، فصلَّى بهم يومىء إيماءً، يجعَلُ السجودَ أخفَضَ من الركوع".
وتصحُّ في سفينة، ولو مع القدرة على الخروج منها، إذا أتى بما يعتبر لها من قيام، واستقبال قبلة، وغيرهما؛ لما روى الدَّارقطني والحاكم، عن ابن عمر قال: "سُئِل النبَّيُّ ﷺ كيف أُصلِّي في السفينة؟ قال: صَلِّ فيها قائمًا إلاَّ أنْ تخَافَ الغَرَقَ".
أخرجه الحاكم وصحَّحه، ووافقه الذهبي، لكنَّه قال: وهو شاذٌّ بمرَّة، وأخرجه الدَّارقطني وضعَّفَه.
٩ - مثل الباخرة السيَّارة، قال الشيخ صِدِّيق حسن: وأمَّا العجلة النَّارية، كالقطارات والسيَّارات والترامات ونحوها، فحُكْمُهَا عند الشَّافعيَّة حكمُ السفينة، وحكمها عند الأحناف حكمُ الرَّاحلة.
وأمَّا الطائرة: فتصح مع الإتيان بما يعتبر لها، وإلاَّ لم تصح، إلاَّ أنْ يخشى أنْ يخرُجَ الوقتُ عليه وهو فيها، فيصلِّي حسب حاله.
***
стр. 570
١٦٩ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "الأَرْضُ كُلُّهَا مَسْجِدٌ إِلاَّ المَقْبرَةَ وَالحَمَّامَ" رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَلَهُ عِلَّةٌ (١).
ــ
* درجة الحديث:
الحديث حسن.
أخرجه الشَّافعي (٢/ ٢٠)، وأحمد (١١٣٧٥)، وأبو داود (٤٩٢)، والترمذي (٣١٧)، وابن ماجه (٧٤٥)، وابن خزيمة (٢/ ٧)، وابن حِبَّان (٤/ ٤٩٨)، والحاكم (١/ ٣٨٠).
وقد اختُلِفَ في وصله وإرساله، فرواه حمَّاد موصولاً، ورواه الثوري مرسلاً، ورواية الثوريِّ أصحُّ وأثبت، قال: الدَّارقطني: المحفوظُ المرسل، ورجَّحه البيهقي، ونقل ابن حَجَرٍ في التلخيص عن صاحب "الإمام" قال: حاصل ما عُلِّل به الإرسال، وإِذا كانَ الواصلُ له ثقةً، فهو مقبول.
قال المناوي في فيض القدير: قال الترمذي: فيه اضطرابٌ، وتبعه عبدالحق، وضعَّفه جمع، وقال ابن حجر: حديث مضطرب.
وقال أيضًا: رجال ثقات، لكن اختلف في وصله وإرساله، وحكم مع ذلك بصحَّته الحاكم، ووافقه الذهبي، وصححه ابن حبان، وقال ابن حجر أيضًا في التلخيص: له شواهد.
وقال ابن تيمية: أسانيده جيدة، ومن تكلَّم فيه ما استوفى طرقه. وصحَّحه الألباني.
стр. 571
وأشار البخاري إلى صحَّته في جزء القراءة، وهو الأقرب.
* مفردات الحديث:
- إلاَّ المقبرة. المستثنى هنا يجبُ فيه النصب، ولا يجوز غيره؛ ذلك أنَّ المستثنى واقعٌ في كلامٍ تامٍّ موجب.
والمقبرة: مثلَّثة الباء، وهي موضعُ القبور.
- مسجد: بفتح الجيم وكسرها: الموضعُ الَّذي يُسْجَدُ فيه، وهو مشتقٌّ من سَجَدَ يَسْجُدُ سجودًا، أي: خضع وذلَّ، وكل موضع يتعبَّد فيه فهو مسجد.
- الحَمَّام: بفتح الحاء، وتشديد الميم، جمعه حمَّامات، هو المغتسل، مذكَّر، وقد يؤنث.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - الأرضُ كلُّها مسجد، فأي بقعةٍ من الأرض حضَرَتِ المسلمَ فيها الصلاةُ صلَّى فيها، وهذا ما يفيده أحاديث كثيرة، منها: حديث: "أُعطيت خمسًا لم يعطهنَّ أحدٌ من قبلي: جعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا".
٢ - لا تصحُّ الصلاة في المقبرة التي هي مدفن الموتى؛ لما روى مسلم (٩٧٢) أنَّ النَّبي ﷺ قال: "لا تصلُّوا إلى القبور، ولا تجلسوا عليها".
قال ابن حزم: أحاديثُ النَّهي عن الصَّلاة في المقبرة متواترة، لا يسع أحدًا تَركُهَا. وجزَمَ غيرُ واحدٍ من المحقِّقين بأنَّ العلَّة سَدُّ الذريعة عن عبادة أربابها.
قال ابن القيم: تعظيمُ القبور أعظمُ مكائد الشيطان، التي كاد بها أكثَرَ النَّاس، وما نجا منها إلاَّ مَنْ لم يُرِدِ الله له الفتنة.
قال الشيخ تقي الدِّين: عمومُ كلامهم يوجبُ منعَ الصَّلاة عند قبرٍ واحدٍ، وهو الصوابُ، واستثني صلاة الجنازة بالمقبرة؛ لفعله ﷺ ، فخصَّ النَّهي بذلك؛ لأنَّها دعاء للميت، لا تشمل ركوعًا ولا سجودًا، ولا خفضًا ولا رفعًا.
стр. 572
٣ - يستفاد من النَّهي عن الصلاة في المقبرة، النَّهيُ عن كلِّ مكانٍ فيه أشياء يخشى أنَّ تعظيمَهَا يؤدِّي إلى عبادتهاة كالصَّلاة عند التماثيل، والصور، والكنائس.
٤ - لا تصحُّ الصَّلاة في الحَمَّام، وهو الموضعُ الَّذي يُغْتَسَلُ فيه بالماء الحميم، والعلَّةُ في المنعِ ما جاء مرفوعًا: "الحَمَّام بيت الشيطان"، فهو من الأماكن التي تكشف فيه العورات، ويوجدُ فيه الاختلاط؛ فصار من مواطن الشيطان التي نادَى إليها.
٥ - يستفاد من النَّهْي عن الحَمَّام، النَّهْيُ عَمَّا شابهه من مواطن الشياطين؛ كمجالس اللهو المحرَّم منَ الأفلام الخليعة، والأغاني الماجنة، والألعاب المحرَّمة، ومجالس المجون، ونحو ذلك، فكلُّها مواطن شياطين، تتنزَّه عنها طاعة الله وعبادته.
قال شيخ الإسلام: تكره الصَّلاة في كلِّ مكانٍ فيه تصاوير، وهو أحقُّ بالكراهة من الصلاة في الحَمَّام؛ لأنَّ كراهة الصَّلاة في الحمام: إمَّا لكونه مظنَّة النَّجاسة، وإمَّا لكونه بيت الشيطان، وهو الصحيح، وأمَّا محل الصور فَمَظِنَّةُ الشرك.
وقال النووي: الصَّلاَةُ في مأوى الشيطان مكروهٌ بالاتفاق، وذلك مثل مواضع الخمر، والحَانَةِ، ومواضعِ المُكُوس، ونحوها من المعاصي الفاحشة، والكنائس، والبِيَعَ، والحشوش، ونحو ذلك.
***
стр. 573
١٧٠ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄: "أنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى أنْ يُصَلَّى فِي سَبْعِ مَوَاطِنَ: المَزْبلَةِ، وَالمَجْزَرَةِ، وَالْمَقْبرَةِ، وَقَارِعَةِ الطَّرِيقِ، وَالحَمَّام، ومَعَاطِنِ الإِبِل، وَفَوْقَ ظَهْرِ بيتِ اللهِ تَعَالى" رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَضَعَّفَهُ (١).
ــ
درجة الحديث:
الحديث ضعيف.
رواه الترمذي، وابن ماجه (٧٤٦)، والطحاوي، والبيهقي (٢/ ٣٢٩) عن زيد بن جبيرة، عن داود بن الحصين، عن نافع، عن ابن عمر.
قال البيهقي: تفرَّد به زيد بن جبيرة، قال البخاري: منكر الحديث جدًّا.
وقال الترمذي: ليس بالقوي، قال ابن عبد البر: أجمعوا على ضعفه، قال الحافظ: متروك.
قال الحافظ في التلخيص الحبير: "في سند ابن ماجة عبد الله بن عمر العمري، وهو ضعيف".
* مفردات الحديث:
- المَزْبَلَة: بفتح الميم والباء على الأصح، وهي مكان إلقاء الزبل، وهو السرجين (كلمة أعجمية ومعناها السماد) والقمامة.
- المَجزرة: بفتح الميم، المكان الَّذي تجزر فيه المواشي، أي تذبح أو تنحر.
- المقبرة: مثلثة الباء، موضع القبور.
- قارعة الطريق: ما تقرعه الأقدام بالمرور، والمراد به: الجادَّة، والطريق الواسعة.
стр. 574
- الحمَّام: بفتح الحاء، وتشديد الميم، ثمَّ ألف، وآخرُهُ ميم: هو المكان المُعَدُّ بمائه الحميم للاغتسالِ، جمعه حَمَّامَات.
- مَعَاطِن الابلَ: بفتح الميم، وعين مهملة، وكسر الطاء المهملة، فنون، واحدها عَطَن، بفتح العين والطاء، هي مَبَارِكُ الإبل عند الماء، وما تقيمُ فيه وتأوي.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - الحديثُ فيه النَّهي عن الصَّلاة في سبعة مواطن، وعدَّدها.
٢ - الحديثُ ضعيفٌ لا تقومُ به حجَّة على حكمٍ شرعي؛ لأنَّ فيه زيدَ بنَ جبيرة، قال ابن عبد البر: أجمعوا على ضعفه، وقال الحافظ: متروك.
٣ - فبناءً عليه: فالمواطنُ السبعة بعضُهَا ثبت النَّهي عن الصَّلاة فيه من طرق أخر، فهذه يكون منهيًّا عنها، ومكتسب النَّهي والتحريم من غير هذا الدليل، وأمَّا الَّتي لا يوجد لها دليلٌ غير هذا الحديث، فهي تبقى على أصل الإباحة والطهارة؛ لعموم قوله ﷺ : "جُعِلَتْ لي الأرض مسجدًا وطَهُورًا" [رواه البخاري (٣٢٨)، ومسلم (٥٢١)].
٤ - أمَّا أدلَّة المواطن المحرَّمة، فهي:
(أ) المقبرة والحمام: تقدَّم دليلُ المنع فيهما في الحديث الَّذي قبل هذا.
(ب) أعطانُ الإبل: لما روى أحمد (١٦٩٠٠)، والترمذي (٣٤٨)، وغيرهما، أنَّ النَّبي ﷺ قال:"لا تُصلُّوا في أعطان الإبل".
(ج) الحُشَّ: قال ابن عباس: "لا يصلِّيَنَّ أحدكم في حُشٍّ، ولا في الحمام"، قال ابن حزم: لا نعلم لابن عبَّاسٍ مخالفًا من الصحابة.
والحُشّ: هو مأوى الأرواح الخبيثة؛ ولذا يستحبُّ لداخله أنْ يستعيذ بالله تعالى من الشيطان، فيقول: "أعوذ بالله من الخبث، والخبائث".
(د) المجزرة: هي موضعُ نجاسةٍ؛ لما يراقُ فيها من الدماء المسفوحة
стр. 575
النجسة؛ ولذا تحرم فيها الصلاة.
(هـ) المزبلة: هي ملقى الكناسة، والقمامة، والفضلات، والسرجين؛ فتحرم فيها الصلاة.
(و) أمَّا قارعة الطريق: فهي الطريقُ العامَّة وأرصفتها، فالمشهورُ من مذهبنا: منْعُ الصَّلاة فيها؛ لهذا الحديث، ولكثرة المرور فيها، وانشغال القلب في المارِّين.
والرِّواية الأخرى: صحةُ الصلاة فيها، وهو مذهبُ جمهور العلماء، ومنهم الأئمة الثلاثة: أبو حنيفة ومالك والشافعي؛ فهي باقيةٌ على أصل الجواز.
(ز) فوق الكعبة لهذا الحديث، وهو المشهور من المذهب.
والقولُ الثاني: جوازُ الصلاة عليها فرضًا أو نفلاً، وهو قول جمهور العلم.
قال الموفَّق: الصحيحُ جوازُ الصَّلاة فيها؛ لعموم: "جعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا".
* خلاف العلماء:
المشهور من مذهب الإمام أحمد وأتباعه: النَّهْيُ عن الصلاة في المواطن السبعة، وهو من المفردات، ودليلُ الحنابلة حديثُ الباب، وهو غيرُ عمدة.
وذهب الأئمة الثلاثة: إلى أنَّها تصحُّ الصَّلاة فيها، إلاَّ المقبرةَ، ومعاطنَ الإبل، والحُشَّ.
ودليل الجمهور على طهارتها، وجواز الصَّلاة فيها: عمومُ قوله ﷺ : "جعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا"، واستثنى منه المقبرة، والحمَّام، ومعاطن الإبل، بأحاديث صحيحة.
قال الموفَّق: الصحيحُ جوازُ الصَّلاة فيها، وهو قولُ أكثر أهل العلم.
стр. 576
وأمَّا الحديث: فضعيف لا تقوم به حجَّة.
ذهب بعض العلماء: إلى أنَّ العلَّة في النَّهي عن الصَّلاة في معاطن الإبل، وعدم صحتها فيها، هي نجاسَتُهَا، وهي مبنيةٌ على القول بأنَّ جميعَ أرواثِ وأبوال الحيوان نجسة، سواءٌ منها الحلالُ المأكول، أو محَرَّمُ الأكل.
وهذا قولٌ ضعيفٌ، مخالفٌ للأدلة الصحيحة، فإنَّ ما يؤكل لحمه، طاهرُ الفضلات، وقد أمر النَّبيُّ ﷺ العُرَنيِّين أنْ يَشْرَبُوا أبوال الإبل، ولو كانت نجسةً لم يُبِحْهَا، ولو أباحتها الضرورةُ لأمَرَ النَّبيُّ بالتحرُّز منها، وغَسْل نجاستها من أفواهَهم وثيابهم وأوانيهم وغير ذلك، وتأخيرُ البيان عن وقت الحاجَة لا يجوز.
وذهب بعضهم: إلى أنَّ العلَّة تعبُّدية، فلا نعقلُ حكمتها ولا سرَّها، وما علينا إلاَّ أنْ نقولَ: سمعنا وأطعنا، والعلَّةُ والحكمةُ هي ما أَمَرَ الشرعُ أو نهى عنه، وذلك كافٍ للمؤمن؛ قال تعالي: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٦]؛ فالواجب: التسليمُ والانقيادُ والإيمانُ الصَّادق بأنَّ الله تعالى لم يشرع شيئًا إلاَّ وله مصلحةٌ، ومنفعةٌ وحكمة، قد تظهر وقد تخفى.
وذهب بعض أهل العلم: إلى أنَّ العلَّة في الصَّلاة في معاطن الإبل، هي العلَّةُ بالأمر بالوضوء من لحومها، وذلك أنَّ الإبلَ لها قُرَنَاءُ من الشياطين، تأوي معها إلى معاطنها، ولذا يعرف رعاة الإبل والَّذين يسوسونها بالكبرياء والتعظُّم، تأثُّرًا بمعاشرتها.
وبهذا: فالصَّلاة لا تصحُّ في الأمكنة التي تأوي إليها الشياطين، والله أعلم.
***
стр. 577
١٧١ - وَعَنْ أَبِي مَرْثَدٍ الغَنَوِيِّ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "لاَ تُصَلُّوا إِلَى القُبُورِ، وَلاَ تَجْلِسُوا عَلَيْهَا" رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١).
ــ
* مفردات الحديث:
- أبي مَرْثَد: بفتح الميم، وسكون الرَّاء، ثمَّ ثاء مثلَّثة، ثمَّ دال.
- الغنوي: بفتح الغين المعجمة، نسبةً إلى قبيلة غَنِيِّ بنِ أعصر، إحدى القبائل العدنانية، اسمُهُ: كِنَازُ بن حُصَيْن، صحابيٌّ، حليف بني هاشم.
- القبور: جمع قبر، والمقبرة بضم الباء وفتحها: موضع القبور، والجمع مقابر، وَقَبَرْتُ الميتَ: دفنته، وأقبرته: أمرتُ بدفنه، ومنه: ﴿ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ (٢١)﴾ [عبس].
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - النهي عن الصلاة إلى القبور، بأنْ تكون المقبرةُ في جهة المُصَلِّى.
٢ - النَّهي يقتضي الفسادة فتكونُ الصَّلاة باطلةً.
٣ - حكمة النَّهْي هو خشيةُ تعظيمها، الَّذي قد يؤُولُ إلى عبادةِ أصحابها.
قال ابن القيم: من أعظم مكائد الشيطان التي كاد بها، أكثرُ ما أوحاه قديمًا وحديثًا إلى حزبِهِ وأوليائِهِ من الفتنة في القبور، حتَّى آل الأمرُ فيها إلى أنْ عُبِدَ أربابُهَا من دون الله، أو عُبِدَتْ قبورهم، ووإن أوَّلُ هذا الدَّاءِ العظيمِ في قوم نوح.
قال ابن حزم: أحاديثُ النَّهي عن الصَّلاة في المقبرة متواترةٌ، ولا يَسَعُ
стр. 578
أحدًا ترْكُهَا.
٤ - قال فقهاء الحنابلة: ولا يضر قبر وقبران؛ لأنَّها لا تسمَّى مقبرةً حتَّى يكون فيها ثلاثة قبور فأكثر، ولأنَّ العلَّة عند هؤلاء الفقهاء لم تعقل.
قال الشيخ تقي الدِّين: العلَّة هي ما يُفْضِي إليه ذلك من الشرك، ثمَّ قال: عمومُ كلامهم وتعليلهم واستدلالهم يوجبُ مَنْعَ الصَّلاة عند قبرٍ واحدٍ، وهو الصواب.
٥ - وبهذا فإنَّ الصَّلاة لا تصحُّ في مسجد فيه قبر، ولو كان واحدًا، أو كان القبر في مؤخَّر المسجد ما دام أنَّه داخلٌ في المسجد.
٦ - النَّهْيُ عن الجلوس على القبور؛ لأنَّ ذلك إهانةٌ لأصحابها؛ فقد جاء في صحيح مسلم، عن أبي هريرة؛ أنَّ النَّبي ﷺ قال: "لأنْ يَجْلسَ أحدُكُمْ على جمرةٍ، فتحرقَ ثيابه، فتخلُصَ إلى جلده، خيرٌ من أنْ يجلس على قبر"، فيكون تحريمُ الوطء عليه أولَى؛ لما في ذلك من الاستخفاف بحق المسلم؛ لأنَّ القبر بيته، وحرمتُهُ ميتًا كحرمته حيًّا.
والنَّهج الصحيح: أنَّ المسلم لا يكون غاليًا ولا جافيًا؛ فلا تعظيم للقبر، يجُرُّ إلى الفتنة، ولا استخفافَ بالقبورِ وأصحابها، تذهَبُ بحرمتهم، وخيرُ الأمور الوسط، والله الموفِّق.
***
стр. 579
١٧٢ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِذَا جَاءَ أحَدُكُمْ الْمَسْجِدَ، فَلْيَنْظُرْ: فَإِنْ رَأى فِي نَعْلَيْهِ أذًى أوْ قَذَرًا، فَلْيَمْسَحهُ، وَلْيُصَلِّ فِيهِمَا" أَخْرَجَهُ أَبُودَاوُدَ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ (١).
ــ
* درجة الحديث:
الحديث صحيح.
صحَّحه ابن خزيمة، وابن حبان (٥/ ٥٦٠)، والحاكم (١/ ٢٣٥)، ووافقه الذَّهبي، وقال النووي في المجموع: حديثٌ حسن رواه أبو داود بإسنادٍ صحيح، واعتمد الألباني في إرواء الغليل تصحيحه، وكذلك في صحيح أبي داود.
* مفردات الحديث:
- أذًى: الأذى يأتي بمعنى القَوْلِ المكروه؛ كقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى﴾ [البقرة: ٢٦٤]، وقوله: ﴿وَدَعْ أَذَاهُمْ﴾ [الأحزاب: ٤٨].
ويأتي بمعنى القذر؛ كقوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى﴾ [البقرة: ٢٢٢]، والمراد هنا: القذر.
- قذر: مصدر قَذِرَ الشيءُ فهو قَذِرٌ، من باب تعب، وهو الوسخ.
- أذى، أو قذر: الشك من الرَّاوي.
стр. 580
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - يدل الحديثُ على جواز الصَّلاة في النعلَيْن، إذا كانا طاهرَيْن، وأنَّ الصَّلاة فيهما من السنَّة.
٢ - منعُ الدخولِ بهما المسجد، إذا كان فيهما أذًى، أو قذرٌ، أو نجاسة.
٣ - إذا أراد دخولَ المسجد بهما والصَّلاةَ فيهما، فيجبُ عليه النَظَرُ إليهما: فإن رأى فيهما قذرًا، أو أذًى، مسحَهُ بالأرض أو بغيرها، ثمَّ دَخَلَ بهما، وصلَّى بهما إنْ شاء ذلك.
٤ - المشهور من مذهب الإمام أحمد: أنَّه لو صلَّى جاهلاً، أو ناسيًا أنَّ في بدنه أو ثوبه، أو نعله نجاسةً، فإنَّ صلاته غير صحيحة، وعليه إعادتها.
والرواية الأُخرى عنه: أنَّ صلاته صحيحةٌ، ولا يعيد.
اختار هذه الرِّواية الأخيرةَ الموفَّق ابن قدامة، والمجد، وشيخ الإسلام، وابن القيم، وغيرهم؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ صلَّى في نعليهِ، فلمَّا كان في أثناء الصَّلاة خلعهما، بعد أنْ أخبره جبريل أنَّ فيهما نجاسةً، ثمَّ بنى على ما مَضَى من صلاته، ولأنَّ الصَّلاة بالنَّجاسة من باب فِعْلِ المحظور، وما كان مِنْ فعل المحظور، فإنَّ الإنسانَ إذا فعله ناسيًا، أو جَاهلاً، فلا شيء عليه؛ لقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]؛ بخلاف ترك المأمور: فلا يُعْذَرُ بجهله، ولا نسيانه، فلابُدَّ من الإتيانِ به، فقد أمر النبيُّ ﷺ المسيءَ في صلاته أن يعيدها، حتَّى أتى بها على الوجه الصحيح.
٥ - احترامُ المساجد، وتطهيرُهَا عن الأذى والقذر؛ لأنَّها موضعُ عبادة، فيجب أنْ تكون طاهرةً نظيفة؛ قال تعالى: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (٢٦)﴾ [الحج: ٢٦].
***
стр. 581
١٧٣ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إذَا وَطِىءَ أَحَدُكُم الأَذَى بِخُفَّيْهِ، فَطَهُورُهُمَا التُّرَابُ" أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ (١).
ــ
* درجة الحديث:
الحديث ضعيف؛ لكنْ له طرقٌ يشد بعضها بعضًا، تجعله محتجًّا به.
وقد أخرجه ابن السكن، والحاكم (١/ ٢٧١)، والبيهقي (٢/ ٤٣٠) من حديث أبي هريرة، وسنده ضعيف، وفي الباب غير هذا، بأسانيدَ لا تخلو من ضعف، إلاَّ أنَّه يشُدُّ بعضها بعضًا.
قال الشوكاني: وهذه الروايات يقوِّي بعضها بعضًا، فتنهضُ للاحتجاج بها على طهارة النَّعل بدلكه في الأرض، رطبًا أو يابسًا.
* مفردات الحديث:
- وطىء: من باب سمع، ومعناه: داس.
- بِخُفَّيهِ: تثنية خف، وهو ما يُلْبَسُ في الرِّجْل من جلدٍ رقيق.
- طهورهما: بفتح الطاء: الشيء الَّذي يتطهَّر به.
- التراب: بضم التاء المثناة الفوقية ما نَعُمَ من أديم الأرض.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - الأذى -هنا- النجاسةُ، كما تشمَلُ أيضًا ما يستقذرُ من غير النجاسة، ودليل إرادة النجاسة قولُهُ: "فطهورهما التراب"، فالطهورُ لا يكون شرْعًا إلاَّ من نجاسة.
стр. 582
٢ - أنَّ نجاسة الخف يكفي في تطهيرها مَسْحُهَا بالتراب وَدَلْكُهَا به، دون الماء.
٣ - هذا راجعٌ لسماحة الشريعة ويسرها، فالخُفُّ كثيرًا ماَ يصاب بالأذى والنجاسة، من أجل مباشرته الأرض، فلو لم يَكْفِ في تطهيره إلاَّ الماء، لَشَقَّ ذلك، ولأدَّى أيضًا إلى إتلافه بالماء بتكرُّره عليه.
٤ - المشهور من مذهب الإمام أحمد: أنَّه لا يطهر شيء بغير الماء، فلا يطهر الخُفُّ بمسحه في الأرض، ولا تطهيره بالتراب، ذلك أنَّ الماء تَعَيَّنَ لإزالة النجاسات، فلا يقوم غيره مقامه.
والرِّواية الأخرى عن الإمام أحمد: يطهر الخفُّ بالدلك في الأرض؛ اختارها الموفَّق، والشَّارحُ، وتقي الدِّين، وجماعة.
قال في الفروع: وهي أظهر، وهذا هو الرَّاجح دليلاً وتعليلاً؛ فقد جاء في سنن أبي داود (٣٨٥) من غير وجه؛ أنَّ النَّبي ﷺ قال: "فليدلكهما بالتراب؛ فإنَّ التراب لهما طهور".
٥ - قال شيخ الإسلام: لم يأمر النَّبي ﷺ أمرًا عامًّا بأنْ تزال النجاسات بالماء، وقد أذن بإزالتها بغير الماء في مواضع: الاستجمار، والنعلين، وذيل المرأة.
وهذا القول هو الصواب.
***
стр. 583
١٧٤ - وَعَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ الحَكَم ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِنَّ هَذهِ الصَّلاَةَ لاَ يَصْلحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلاَم النَّاسِ؛ إنَّمَا هُوَ التَّسْبِيحُ، والتَّكبِيرُ، وَقِرَاءَةٌ القُرآنِ" رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١).
ــ
* مفردات الحديث:
- لا يصلح: "لا": نافية؛ ولذا فالفعل المضارع بعدها مرفوع، ولام "يصلُحُ" تكون بالضم والفتح.
- التسبيح: مصدر سبَّح، والتسبيحُ بمعنى التنزيه والتقديس، ويكونُ بمعنى ذكر الله تعالى، يُقال: فلان يسبِّح الله، أي: يذكُرُهُ بأسمائه.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - سببُ الحديث أنَّ رجلًا عَطَسَ في الصَّلاة، فشمَّته معاويةُ بن الحكم، وهو في الصَّلاة، فأنكر المصلُّون من الصحابة، بما أفهَمَهُ ذلك، وبعد الصَّلاة علَّمه النَّبيٌّ ﷺ ، فقال: "إنَّ هذه الصَّلاة لا يصلُحُ فيها شيءٌ من كلام النَّاس إنَّما هو التسبيح، والتكبير، وقراءة القرآن".
٢ - أنَّ مخاطبة النَّاس في الصَّلاة -ولو بالدعاء- عمدًا يُبْطِلُ الصَّلاة؛ ولذا قال فقهاؤنا: وتبطُلُ الصَّلاة بـ"كاف الخطاب"، إلاَّ لله تعالى، ولرسوله محمد ﷺ .
٣ - أنَّ مخاطبة الناس في الصَّلاة إعراضٌ عن مناجاة الله تعالى؛ فقد جاء في البخاري (٤١٧) ومسلم (٥٥١) من حديث أنس وغيره، أنَّ النَّبي ﷺ قَالَ: "إذَا قال أحدكم في صلاته، فإنَّه يناجي ربَّه".
стр. 584
٤ - يستحب للمصلِّي ويتأكَّد عليه حضورُ قلبه في الصَّلاة، فلا يلهيه عن معانيها وأحوالها مُلْهٍ، بل يُفْرِغُ قلبه ويستجمعه، لاستحضار ما يقولُ فيها ويفعل؛ فقد جاء في البخاري (١١٩٩) ومسلم (٥٣٨) عن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : "إنَّ في الصلاةِ لَشُغْلاً".
٥ - قد يُظَنُّ أن بين هذا الحديث، وبين حديث "المسيء صلاته"، أنَّ بينهما تعارضًا؛ ذلك أنَّ النَّبي ﷺ أمر المسيء في صلاته أنْ يعيد الصلاة -ثلاث مرَّات- حتَّى أتى بها على الوجه الصحيح؛ أمَّا معاويةُ بن الحكم فلم يأمُرْهُ بالإعادة، مع أنَّه تكلَّمَ في الصَّلاة عمدًا.
ووجه الجمع بين الحديثَيْن من أحد وجوهٍ ثلاثةٍ:
أحدها: أنَّ المسيء في صلاته تَرَكَ ما هو واجبٌ في الصَّلاة، وأمَّا معاوية. فقد فَعَلَ مَا نُهِيَ عنه فيها، وَتَرْكُ المأمور أعظَمُ من فعل المحظورة ولذا فإنْ تارك المامور لا يُعْذَرُ بجهلٍ ولا نسيان؛ بخلاف فاعل المنهيِّ عنه: فهو معذور في حال الجهل والنسيان.
الثاني: أنَّ المسيء تَرَكَ ما تقَرَّرَ ثبوتُ أصله؛ بخلاف معاوية: فهو بانٍ أصل إباحة الكلام في الصلاة، ويدل على ذلك حديث زيد بن أرقم الآتي.
الثالث: جاء في حديث معاوية قوله: "إنِّي حديثُ عهدٍ بجاهليةٍ"، والشرائع لا تلزم المسلمَ إلاَّ بعد بلوغها إيَّاها.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى-: "الشرائعُ لا تَلْزَمُ إلاَّ بعد العِلْمِ بها، فلا يقضي ما لم يعلم وجوبها.
٦ - الصَّلاةَ أقيمتْ لذكر الله تعالى؛ كما قال تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي (١٤)﴾ [طه].
فالمصلِّي مشغولٌ فيها بذكر الله تعالى، ومتنقِّلٌ من قراءة كتاب الله إلى ذكر الله تعالى، بتسبيحه، وتعظيمه، وتمجيده، وتحميده، وتكبيره،
стр. 585
وتهليله، فكلُّ خفضٍ ورفعٍ له تكبيرٌ، وكلُّ ركوعٍ وسجودٍ وقيامٍ وقعودٍ له ذكرٌ، فالمصلِّي مستغرقٌ في أذكار الله المنوَّعة، فالموفَّقُ مَنْ راقب قلبه، وأحضَرَهُ ليفهم هذه الأصول، ويتدبَّر تلك الأقوالَ والأحوال، والمحرومُ من أدَّاها بقلبٍ غافلٍ، وألفاظٍ جوفاء، وحركاتٍ صُورية خالية من معانيها، ومقاماتها العالية.
٧ - حُسْنُ تعليم النَّبيِّ ﷺ ، وحسنُ دعوته وإرشاده، فمعاويةُ بن الحكم لم يتكلَّم عالمًا، وإنَّما تكلَّم جاهلاً؛ ولذا لم يعنِّفه ولم يوبِّخه، وإنَّما علَّمه وأرشده -بحكمةٍ ولين- إلى أنَّ الصَّلاة مناجاة مع الله تعالى، فلا يصلح فيها شيءٌ من كلام النَّاس؛ كما أرشد الأعرابي الَّذي بال في المسجد، وكما سكت عن التائب المنيب الَّذي جامَعَ في نهار رمضان، فما زاد ﷺ على أنْ أفتاه؛ فالقسوة والشدَّةُ والغِلْظةُ هي لمرتكب المحرَّم عمدًا، المُصِرِّ على فعله؛ فلكل مقامٍ مقالٌ وحال.
***
стр. 586
١٧٥ - وَعَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: "إِنْ كُنَّا لنَتَكَلَّمُ فِي الصَّلاَةِ عَلَى عَهدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، يُكَلِّمُ أحَدُنَا صَاحِبهُ بِحَاجَتِهِ، حَتَّى نَزَلَتْ: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ (٢٣٨)﴾ [البقرة]؛ فَأُمِرْنَا بِالسُّكُوتِ، ونُهِينا عَنِ الكَلاَمِ " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ (١).
ــ
* مفردات الحديث:
- إنْ كُنَّا لنتكلَّم: "إنْ" مخفَّفةٌ من الثقيلة، واسمُهَا محذوف، و"الَّلام" للتَّأكيد.
- يكلِّم أحدنا: جملة استئنافية كأنَّها جوابٌ عن قول القائل: كيف كنتم تتكلَّمون؟.
- حافظوا: أي: واظبوا، وداوموا.
- الوسطى: الفضلى، بألف التأنيث المقصورة، أي: الصلاة الفضلى، وهي صلاةُ العصر على الرَّاجح.
- قانتين: نُصِبَ على الحال من الضمير الَّذي في "قوموا"، واشتقاقُهُ من القنوت، والقنوتُ له معان كثيرةٌ، والمراد به هنا: السكوت.
- أُمرنا ونُهينا: مبنيَّان للمجهول، والآمرُ والنَّاهي هو النَّبِيِّ ﷺ .
*ما يؤخذ من الحديث:
١ - كان المسلمون أوَّلَ الأمر يتكلَّمون في الصَّلاة، يُكلِّم الرَّجلُ صاحبَهُ بالكلام اليسير، الَّذي لابد منه؛ فانزل الله. ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ (٢٣٨)﴾ [البقرة]، فأُمِرُوا بالسُّكوت ونُهُوا عن الكلام، وهذا
стр. 587
صريحٌ في إباحة الكلام في أوَّلِ الإسلام، ثُمَّ نسخ بقوله تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ (٢٣٨)﴾ والمراد به: السكوتُ في الصَّلاة.
٢ - قال ابن كثير: هذا الأمر يستلزمُ تركَ الكلامِ في الصَّلاة لمنافاته إياها؛ فإنَّ القنوتَ المأمورَ به هو السكوتُ، فالكلامُ ينافيه".
وهذا كما فهمه الصَّحابة، وعملوا بمقتضاه في زمن النَّبي ﷺ .
قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أنَّ مَنْ تكلَّم في الصَّلاة عامدًا لغير مصلحتها، فإنَّ صلاته فاسدة.
قال شيخ الإسلام: هذا ممَّا اتفَقَ عليه المسلمون، والعامدُ هو من يَعْلَمُ أنَّه في صلاة.
٣ - الحديث يدُلُّ على عِظَمِ الصَّلاة وأهميَّتها، وأنَّ الدخولَ بها هو انصرافٌ وانشغالٌ عن جميع ما في الحياة، وأنَّ المحافظةَ عليها بما يُكَمِّلُهَا في أركانها وشروطها، وواجباتها ومستحباتها، هو المحافظةُ عليها، التي أشار إليها بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (٩)﴾ [المؤمنون].
٤ - قال النووي: في الحديث دليلٌ على تحريمِ أنواعِ كلام الآدميين، وقد أجمع. العلماء على أنَّ المتكلِّم فيها عامدًا عالمًا بتحريمه، وتكلَّم لغير مصلحتها -تبْطُلُ صلاته.
٥ - الآمر بالسكوت، والنَّاهي عن الكلام، هو النَّبي ﷺ ؛ فالحديثُ له حكم الرفع.
٦ - أنَّ الكلام مع تحويمه، فهو مفسدٌ للصلاة؛ لأنَّ النَّهي يقتضي الفساد.
٧ - أنَّ المعنى الذي حُرَّمَ من أجله الكلام، هو طَلَبُ الإقبالِ على الله في هذه العبادة، والتَّلذُّذِ بمناجاته؛ فليحرصِ المصلِّي على هذا المعنى السَّامِي.
* خلاف العلماء:
أجمع العلماءُ على بطلانِ صلاة من تكلَّم فيها عامدًا، لغير مصلحتها، عالمًا بالتحريم.
стр. 588
واختلفوا في السَّاهي، والجاهل، والمكرَه، والنَّائم، ومحذِّر الضرير والمتكلِّم لمصلحتها:
فذهب الحنفية والحنابلة: إلى بطلان الصَّلاة في كلِّ هذا؛ عملاً بهذا الحديث الَّذي معنا، وبحديث: قال الصحابة للنَّبي ﷺ : كُنَّا نسلِّم عليك في الصَّلاة فترُدُّ علينا، قال ﵊: "إنَّ في الصَّلاة لشغلاً" متفق عليه، وغيرهما من الأدلة.
وذهب الإمامان: مالك والشَّافعي: إلى صحَّة صلاة المتكلِّم، جاهلاً، أو ناسيًا أنَّه في الصَّلاة، أو ظانًا أنَّ صلاته تمَّت، فسلَّم وتكلَّم، سواءٌ كان الكلام في شأن الصلاة، أو لم يكن في شأنها، سواءٌ أكان إمامًا أو مأمومًا؛ فإنَّ الصَّلاة عندهما تامَّة، يبنى آخرها على أوَّلها، وهذا القولُ روايةٌ عن الإمام أحمد، اختارها شيخُ الإسلام، وكثيرٌ من المحقِّقين، وأدلتهم:
(أ) حديث ذي اليدين، وسيأتي في سجود السهو.
(ب) حديثُ "عُفِيَ لأُمَّتي الخطأ، والنِّسيان، وما استكرهوا عليه".
وحديثُ الباب محمولٌ على العالم المتعمِّد.
واختلفوا في النفخ، والنحنحة، والأنين، والتأوه، والانتحاب، ونحو ذلك.
فذهب الحنفية والشَّافعية والحنابلة: إلى أنَّها تبطل الصَّلاة، إذا انتظم منها حرفان، وإنْ لم ينتظم منها حرفان، أو كان الانتحاب من خشية الله، أو التنحنح لحاجة -فلا تبطل.
واختار الشيخ تقي الدِّين أنَّها لا تبطُلُ الصلاة، ولو انتَظَمَ منها حرفان، وقال: إنَّ هذا ليس مِنْ جنس الكلام، فلا يمكنُ قياسُهُ على الكلام.
والخلاصة:
أنَّ الكلمات ثلاثة أنول:
١ - كلمات تَدُلُّ على معنًى في نفسها؛ مثل: "يد" و"فم" و"سن" وغير ذلك.
стр. 589
٢ - كلمات تدُلُّ على معنًى في غيرها؛ مثل "عن" وَ"مِنْ" وَ"في" ونحوها.
فهذان النوعان يدلان على معنًى بالوضع، وهذه قد أجمَعَ العلماء أنَّها تفسد الصَّلاة، إنْ لم يكن عذرٌ شرعيٌّ يَمْنَعُ القولَ بالإبطال.
٣ - كلماتٌ ليس لها معنى بالوضع، كالتأوُّه، والبكاء، والأنين، فالرَّاجحُ أنَّه لا يُبْطِلُ الصَّلاة، لأنَّه ليس كلامًا في اللغة، فقد كان علي ﵁ يستأذن على النَّبي ﷺ وهو يصلي، فيتنَحْنَحُ له.
* فائدة:
قال شيخ الإسلام: الأظهر أنَّ الصَّلاة تبطُلُ بالقهقهة؛ لما فيها من الاستخفاف والتَّلاعب المنافي مقصود العبادة.
وقال ابن المنذر: أجمعوا على أنَّ الضحك يفسد الصَّلاة.
واختلف العلماء في تعيين الصلاة الوسطى، التي حثَّ الله تعالى عليها بقوله: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة: ٢٣٨] على أقوالٍ كثيرة، وأوصلها العلماء إلى سبعة عشر قولاً، والرَّاجح أنَّها "صلاة العصر"، وما عدا هذا القول، فهو ضعيفُ الدلالة.
فقد جاء في البخاري (٢٩٣١) ومسلم (٦٢٧) من حديث علي ﵁ أنَّ النَّبي ﷺ قال يوم الأحزاب: "ملأَ الله قبورهم وبيوتهم نارًا، كما شغلونا عن صلاة الوسطى حتَّى غابت الشمس"؛ فهذا تبيينُ النَّبي ﷺ لها، وليس مع بيانه بيان.
قال الترمذي: هو قول أكثر علماء الصحابة.
وقال الماوردي: وهو قول جمهور التَّابعين، وقال ابن عبد البر: هو قول أكثر أهل الأثر، وهو مذهب الإمامين أبي حنيفة وأحمد، وصار إليه معظم الشَّافعية، وبه قال ابن حبيب، وابن العربي، وابن عطية من المالكية".
***
стр. 590
١٧٦ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "التَّسْبِيحُ لِلرِّجَالِ، وَالتَّصْفِيقُ لِلنِّسَاءِ" مُتَّفَق عَلَيْهِ.
زَادَ مُسْلِم: "فِي الصَّلاَةِ" (١).
ــ
* مفردات الحديث:
- التصفيق: مصدر صفَّق بالتشديد بيديه، معناه: أنْ تضرب المرأةُ براحة يدها اليمنى على ظهر اليسرى؛ للتنبيه على شيء نابها في الصَّلاة.
- التَّسبيح: مصدر سبَّح بالتشديد، والمراد هنا قولُ المصلِّي: سُبحان الله.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - قصَّةُ الحديث: أنَّهُ حَصَلَ بين بني عمرو بن عوف فتنةٌ، فأتاهم النَّبيُّ ﷺ في منازلهم في قُبَاء ليصلحَ بينهم، فكانتِ الصَّلاة، فجاء بلالٌ إلى أبي بكر، فقال له: أتُصلِّي للنَّاس؟ فقال: نعم، فصلَّى أبو بكر، فجاء النَّبيُّ ﷺ والنَّاس في الصَّلاة، فتخلَّص حتَّى وقَفَ في الصفِّ الأوَّل، فصفَّق النَّاس، فالتَفَتَ أبو بكر، فرأى النَّبيَّ ﷺ ، فأشار إليه أنِ امكثْ في مكانك، فَرَفَعَ أبو بكر يديه، وَحَمِدَ الله، ثمَّ استأخَرَ حتَّى استوى في الصف، وتقدَّم رسول الله ﷺ فصلَّى بالنَّاس، فلمَّا انصَرَفَ، قال: "مالي رأيتكم أكثرتم التصفيق، مَنْ نَابه شيء في صلاته فليسبِّح، إنَّما التسبيحُ للرِّجال، والتصفيق للنِّساء".
٢ - استحبابُ التسبيح في حقِّ الرِّجال، إذا نابهم شيءٌ في صلاتهم، وذلك يقول: سبحان الله.
٣ - استحبابُ التصفيق للنِّساء، إذا نابهنَّ شيءٌ في صلاتهن؛ وذلك أستر لهنَّ،
стр. 591
لاسيَّمَا وهنَّ في عبادة.
٤ - كل هذا إبعاد للصَّلاة عمَّا ليس منها مِنَ الأقوال؛ لأنَّهَا موضعُ مناجاة مع الله ، فلمَّا دعت الحاجةُ إلى الكلام، شُرِعَ ما هو مِنْ جِنْسِ ما شرع فيها، وهو التسبيح.
* خلاف العلماء:
ذهب جمهور العلماء، ومنهم الأئمة الثلاثة مالك والشَّافعي وأحمد، وإسحاق، وأبو يوسف، والأوزاعي، وغيرهم: إلى ما دلَّ عليه الحديث، مِنْ أنَّهُ إِذَا ناب المصلِّي شيء في صلاته، يقتضي إعلامَ غيره بشيء، مِنْ تنبيه إمامه على خَلَلٍ في الصَّلاة، أو رؤية أعمى يقع في بئر، أو استئذان داخل، أو كون المصلِّي يريد إعلامَ غيره بأمر -فإنَّهُ في هذه الأحوال وأمثالها يسبِّح، فيقول: "سبحان الله"؛ لإفهام ما يريدُ التنبيهَ عليه.
واستدلُّوا على ذلك بما في صحيح مسلم (٤٢١) عن أبي هريرة قال: قال رَسُول الله ﷺ : "التسبيح للرِّجال، والتصفيق للنِّساء في الصلاة".
وقوله:"في الصَّلاة" زيادةٌ عند مسلم على ما عند البخاري، إلاَّ أنَّها ثابتة.
وذهب أبو حنيفة، وتلميذه محمد بن الحسن: إلى أنَّه متى قصد بالذِّكر جوابًا، بطلت صلاته، وأمَّا إنْ قصد به الإعلام بأنَّه في الصَّلاة، لم تَبْطُلْ.
وَحَمَلاَ التسبيحَ المذكور في هذا الحديث على ما كان القصدُ به الإعلامَ بأنَّه في الصَّلاة.
وهما على هذا التَّأويل محتاجان لدليلٍ على ذلك، والأصلُ عدمُ هذا التخصيص؛ لأنَّه عامٌّ، وتخصيصه من غير دليل لا يمكنُ المصير إليه؛ ولذا فالصحيح ما ذهب إليه الجمهور.
وذهب الشَّافعي وأحمد وأتباعهما، وجمهور العلماء: إلى أنَّ المرأة إذا نابها شيءٌ، فينبغي لها أنْ تُصفِّق ببطن اليد اليُمنى على ظهر اليد اليُسرى.
стр. 592
وذهب مالك: إلى تسوية المرأة والرَّجُلِ بالتسبيح، وحرَّم التصفيق للرِّجال والنِّساء؛ مستدلاًّ بعموم حديث سهل بن سعدَ: "من نابه شيءٌ في صلاته فليسبِّح" [رواه البخاري (١٢٣٤) ومسلم (٤٢١)]. وهذا عامٌّ في حقِّ الرِّجال والنِّساء، أمَّا قوله: "إنَّما التصفيق للنِّساء" فَعَلَى جهة الذم.
وجواب الجمهور: أنَّ مثل هذه التأويلاتِ لا تقاومُ النصوصَ الصحيحة الصريحة؛ فقد جاء في صحيح البخاري (١٢٣٤) "إذَا نابكم شيءٌ في الصَّلاة، فليسبَحّ الرِّجال وليصفق النساء"، ولما نقل ابن الولي مذهب مالك، قال: ليس بصحيح، وقال القرطبي المالكي: وقول الجمهور هو الصحيح، خبرًا ونظرًا.
***
стр. 593
١٧٧ - وَعَنْ مُطَرِّفِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الشِّخِّيرِ عَنْ أِبيهِ قَالَ: "رَأيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يُصَلِّي، وَفِي صَدْرِهِ أزِيزٌ كَأَزِيزِ الْمِرْجَلِ مِنَ الْبُكَاءِ" أخْرَجَهُ الخَمْسَةُ إِلاَّ ابْنَ مَاجَهْ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ (١).
ــ
درجة الحديث:
الحديث صحيح.
صحَّحه ابن حبَّان، وابن خزيمة، والحاكم، ورواه الإمام أحمد بإسنادٍ صحيح.
وقال الحافظ في الفتح: إسناده قوي.
* مفردات الحديث:
- أزيز: الأزِيز، بفتح الهمزة، بعدها زاي معجمة، فياء، ثمَّ زاي أخرى معجمة، صوت غليان القِدْر.
- المِرْجَل: بكسر الميم، فسكون الرَّاء المهملة، ففتح الجيم فلام: هو القِدر الَّذي يُطْبَخُ به.
- من البكاء: البكاء إذا مددتَّ أردتَّ به الصوتَ الَّذي يكونُ معه، وإذا قصرت أردتَّ خروجَ الدمع، قاله العيني في شرح البخاري، وهاهنا المراد به: المعنى الأوَّل.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - استحبَابُ الخشوع في الصَّلاة، والانطراحِ فيها بين يدي الله تعالى.
стр. 594
٢ - أنَّ النَّحيب في الصَّلاة لا يُبْطِلُهَا، إذا كان مِنْ خشية الله، هذا المذهبُ، وإنْ كان مِنْ غَيْرِ خشية الله تعالى، فبان حرفان، بَطَلَتْ، وتقدَّم أنَّ الصحيح: أنَّ مثل هذا الصوتِ لا يُبْطِلُهَا ولو بان منه حرفان.
٣ - حالة النَّبي ﷺ مع ربِّه وهو الذي غَفَرَ اللهُ له ما تقدَّم من ذنبه وما تأخَّر، ولكنَّه مع هذا هو أخشَى النَّاسِ وأتقاهم، وأخوفُهُمْ من الله تعالى لكمالِ معرفته بربِّه.
٤ - إنَّ الصَّلاةَ موطنُ تضرُّعٍ، وخشوعٍ، ودعاءٍ؛ لأنَّها الصلةُ بين العبد وربه، وكلما قَرُبَ العبد من ربِّه، ازدادتْ رغبته ورهبته.
***
стр. 595
١٧٨ - وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: "كَانَ لِي مِنْ رَسُولِ الله ﷺ مَدْخَلَانِ، فَكُنْتُ إِذَا أَتَيْتُهُ وَهُوَ يُصَلِّي، تَنَحْنَحَ لِي" روَاهُ النَّسَائِيُّ وابنُ مَاجَهْ (١).
ــ
* درجة الحديث:
الحديث مختلفٌ فيه، فمنهم مَنْ حسَّنه، ومنهم من ضعَّفه، وقد صحَّحه ابن السكن، وابن حبان، وقال البيهقي (٢/ ٢٤٧): مختلفٌ في إسناده ومتنه، فقيل: سبَّح، وقيل: تنحنَحَ، ومداره على عبد الله بن نجي، واختلف عليه، فقيل: عنه، عن علي، وقيل: عنه، عن أبيه، عن علي، قال ابن معين: لم يسمعه من علي، وبينه وبين علي أبوه، وقد ضعَّفه النووي في المجموع، وقال: لِضعْفِ سندِهِ واضطرابِ راويه ومتنه.
* مفردات الحديث:
- مدخلان: بفتح الميم، فسكون الدال، فخاء معجمة: تثنية مدخل، والمراد: زمان دخول.
- تَنَحْنَحَ: بفتح التاء المثناة الفوقية، فنون مفتوحة، فحاء، فنون، وآخره حاء، أي: ردَّد في جوفه صوتًا، كالسُّعَال.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - صلة علي بن أبي طالب ﵁ بالنبي ﷺ قويَّةٌ، فهو ابن عمه، وزوجُ ابنته، وَمِنْ أخصِّ أصحابه وأقربهم إليه؛ لذا فله وقتان، يأتي فيهما النبي ﷺ في مسكنه.
стр. 596
٢ - أنَّ النَّحنحة في الصلاة لا تُبْطِلُهَا، ولو بأن منها حرفانم لأنَّها ليست من جنس الكلام.
٣ - أنَّه لا يجوزُ الدخولُ إلى بيت أحد إلأَ بإذنه، ولو كان أقربَ النَّاس إليه؛
لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٢٧)﴾ [النور: ٢٧].
٤ - الإذنُ بالدخول يكون لفظيًّا وعرفيًّا، فهو راجعٌ إلى العادة بينهما، وإلى ما تعارَفَا عليه، ويكفي فيها رغبةُ صاحب المنزل في الدخول.
٥ - استحبابُ التواصُلِ بين الأقارب والأصحاب، وذلك بالزيارات والاجتماع، وأن يكون للكبير وصاحب القَدْرِ الحَقُّ بأن يُؤتى إليه في منزله.
٦ - أن تكونَ الزيارةُ في أوقاتٍ معلومة، مناسبة لدخول المنازل والأنس والجلوس، فأمَّا أن تكون مفاجأة، أو في أوقاتٍ لا يرغب الدخول فيها والجلوس، فهي التي نهى الله عنها بقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ﴾ [الأحزاب: ٥٣]، وكما تقدم في آية سورة النور.
٧ - استحبابُ صلاة النافلة في البيت؛ فإنَّ الصلاة فيها نورة ولذا جاء في البخاري (٧٣١) ومسلم (٧٨١) قال ﷺ : "أيُّها النَّاس صَلُّوا في بيوتكم؛ فإنَّ أفضل صلاة المرء في بيته إلاَّ المكتوبة".
* * *
стр. 597
١٧٩ - وَعَنِ ابنِ عُمرَ ﵄ قَالَ: "قُلْتُ لِبلَالٍ: كيْفَ رَأيْتَ النَّبَيَّ ﷺ يَرُدَّ علَيهِمْ حِينَ يُسَلِّمُونَ عَلَيْهِ، وَهُوَ يُصَلِّي؟ قَالَ: يَقُولُ هَكذَا، وَبَسَطَ كَفَّهُ" أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ (١).
ــ
* درجة الحديث:
الحديث صحيح.
صححه الترمذي، وأخرجه أحمد (٢٣٣٦٩)، وابن ماجه (١٠١٧)، وقال الشوكاني: رجاله رجال الصحيح.
قال الساعاتي في بلوغ الأماني: الحديث رجالُهُ رجالُ التصحيح.
* مفردات الحديث:
- كيف: اسمٌ جامدٌ يأتي على وجهين، فيكون شرطًا، ويكون استفهامًا، وهنا للاستفهام.
- يقول هكذا: الأصل في القولِ هو النطقُ باللسان، إلاَّ أنَّه يعبَّر به عن الفعل. قال في محيط المحيط: ويستعمل القولُ لغير ذي اللفظ تجوُّزًا.
- بسط كفَّه: نَشَرَهَا، ضِدّ قبضها.
- كفه: الكف، هي راحةُ اليد مع الأصابع، مؤنَّث، جمعها كفوف وأكف.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - قصةُ الحديث: أنَّ النَّبيَّ ﷺ خَرَجَ إلى قباء ليصلِّي فيه، فجاء سُكَّانُ قباء من الأنصار يسلِّمون عليه، فأدركوه في الصلاة، فكانوا يسلِّمون، وكان يرد عليهم باسطًا كفه، يشير بها إلى ردِّ السلام.
стр. 598
٢ - يدل الحديثُ على أنَّ الإشارة في الصّلاة لا تُبْطِلُهَا، ولو كانت إشارةً مفهومة تكفي عن الكلام، سواءٌ أكانتْ بالرأس، أو باليد، أو بالعين، أو غيرها.
٣ - أنَّ الحركة إذا كانَتْ قليلةً لحاجة لا تُبْطِلُ الصلاة، فهذا النبيُّ ﷺ يبسط يده لكل مُسَلِّم عليه.
٤ - جوازُ السلام على المصلِّي، فإنَّ النَّبىَّ ﷺ لمَّا سلَّم من الصلاة، أقرَّهم، ولم ينههم عن ذلك.
٥ - قال في الإقناع وشرحه: المذهبُ لا يكره السّلام على المصلِّين؛ لأنَّه ﷺ حين سلَّم عليه أصحابه، لم ينكر ذلك. قال في الحاشية: وهو مذهبُ مالك والشّافعيّ. قال النووي: وهو الّذي تقتضيه الأحاديثُ الصحيحة.
٦ - قال في حاشية الروض: مذهبُ جمهور العلماء، ومنهم مالك والشافعي وأحمد: يستحبُّ رَدُّ السلام من المصلِّي بالإشارة؛ لحديث ابن عمر: "أنَّ النبَّيَّ ﷺ كان يشير في صلاته" [رواه الترمذي (٣٦٧) وصححه].
٧ - حُسْنُ خلق النبي ﷺ ؛ فإنَّه يأتي أبوابَ الخيرات بِحَسَبِ حاله فيها، وهو بهذه الأعمالِ يأتي فعلَ الخير، ويشرعه لأمته، ﵊.
٨ - وجوبُ رد السلام؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ [النساء: ٨٦]، والإشارة من المصلِّي هي أحسنُ ما يَقْدِرُ عليه في رد السلام.
٩ - استحبابُ زيارة مسجد قباء، والصلاةِ فيه لِمَنْ في المدينة، فهو المسجد الذي قال تعالى فيه: ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ﴾ [التوبة: ١٠٨].
١٠ - حِرْصُ ابن عمر ﵄ على سُنَّةِ النَّبِيِّ ﷺ وتتَبُّعِ آثاره، فما فاته من سنته يسألُ عنه من حضره؛ كبلالٍ، وأختِهِ، حفصة، وغيرهما؛ ولذا فإنَّه ﵁ جمع بين الرواية والدراية؛ فهو قدوة حسنة لشباب المسلمين في تلمُّسِ العلمَ النافع.
стр. 599
١٨٠ - وَعَنْ أَبي قتادَةَ ﵁ قَالَ: "كانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُصَلِّي وَهُوَ حامِلٌ أُمَامَةَ بِنْتَ زَيْنَبَ، فَإِذَا سَجَدَ وَضَعَهَا، وَإِذَا قَامَ حَمَلَهَا" مُتَّفَقٌ علَيْهِ.
وَلِمُسْلِمٍ: "وَهُوَ يَؤُمُّ النَّاسَ فِي المَسْجِدِ" (١).
ــ
* مفردات الحديث:
- أُمامة: بضم الهمزة وفتح الميم، هي: بنت زينب بنت رسول الله ﷺ ، ووالد أمامة هو أبو العاص بن الربيع، وزينت توفيت سنة (٨ من الهجرة)، وابنتها أمامة تزوجت بعلي بن أبي طالب، وقتل عنها، ثمّ تزوجت بعده المغيرة ابن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - جواز مثل هذه الحركة في الصلاة فرضًا أو نفلًا، من الإمام والمأموم والمنفرد، ولو بلا ضرورة إليها، وهو قول محققي العلماء، فالنبي ﷺ كان في تلك الصلاة إمامًا في فريضة، وهي أولى بالمحافظة عليها من الصلاة في حال الانفراد، أو التنفل.
٢ - جواز ملامسة وحمل من تُخشى نجاسته، تغليبًا للأصل، وهو الطهارة على غلبة الظن، فاليقين لا يزول بالشك، فاليقين هو أصل طهارة الأشياء، والشك هو مظنة نجاسة ثياب الأطفال وأبدانهم، وأمامة وقت حمله لها بنت ثلاث سنين.
٣ - تواضع النبي ﷺ ، وحسن خلقه، ورحمته بالكبير والصغير، فصلوات الله
стр. 600
وسلامه عليه، فهو ﷺ قدوة في حسن الخلق، وفي الرأفة، والرحمة، والحنان، ولا سيَّما على الصغار والضعفاء، كما أنَّ في الحديث بيان سماحة ويسر الشريعة.
٤ - جواز دخول الأطفال المساجد إذا لم يحصل منهم أذية للمصلين، وإشغال لهم عن صلاتهم، وحُفِظوا من توسيخ المسجد وتنجيسه.
٥ - ترك مستحبات الصلاة عند الحاجة إلى تركها، فالحامل لهذه الطفلة لن يتمكن من وضع اليدين مقبوضتين على الصدر، ولا يتمكن من وضع الراحتين على الركبتين في الركوع، وغير ذلك من فضائل الصلاة.
٦ - يُحمل وجود "أُمَامَةَ" في قبلة المصلين، إما لأنَّ سترة الإمام سترة للمصلين خلفه، وإما أنَّ النَّهي هو عن المرور، لا عن الجلوس والاعتراض، كما كانت عائشة تعترض في قِبلة النبي ﷺ ، فإذا أراد السجود غمزها بيده، فكفت رجليها، وإما لأن المحمولة صغيرة دون البلوغ، كما سيأتي في الباب بعده.
* خلاف العلماء:
ذهب الإمام مالك وبعض العلماء إلى: أنَّ الحركة الكثيرة تبطل الصلاة، وجعلوا من الحركة الكثيرة حمل النبي ﷺ أمامة في صلاته، وتأولوا هذا الحديث إلى ثلاثة أوجه:
١ - روى ابن القاسم عن الإمام مالك: أنَّ هذا في النافلة، والنافلة يتسامح فيها ما لا يتسامح في الفريضة.
٢ - وروى أشهب عنه: أنَّ هذا للضرورة، وفسروها بانه لم يجد أحدًا يكفيه أمرها.
٣ - وروي عن مالك: أنَّ الحديث منسوخ، ونسخ بتحريم العمل والانشغال في الصلاة بغيرها.