٢ - أنَّ النَّحنحة في الصلاة لا تُبْطِلُهَا، ولو بأن منها حرفانم لأنَّها ليست من جنس الكلام.
٣ - أنَّه لا يجوزُ الدخولُ إلى بيت أحد إلأَ بإذنه، ولو كان أقربَ النَّاس إليه؛
لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٢٧)﴾ [النور: ٢٧].
٤ - الإذنُ بالدخول يكون لفظيًّا وعرفيًّا، فهو راجعٌ إلى العادة بينهما، وإلى ما تعارَفَا عليه، ويكفي فيها رغبةُ صاحب المنزل في الدخول.
٥ - استحبابُ التواصُلِ بين الأقارب والأصحاب، وذلك بالزيارات والاجتماع، وأن يكون للكبير وصاحب القَدْرِ الحَقُّ بأن يُؤتى إليه في منزله.
٦ - أن تكونَ الزيارةُ في أوقاتٍ معلومة، مناسبة لدخول المنازل والأنس والجلوس، فأمَّا أن تكون مفاجأة، أو في أوقاتٍ لا يرغب الدخول فيها والجلوس، فهي التي نهى الله عنها بقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ﴾ [الأحزاب: ٥٣]، وكما تقدم في آية سورة النور.
٧ - استحبابُ صلاة النافلة في البيت؛ فإنَّ الصلاة فيها نورة ولذا جاء في البخاري (٧٣١) ومسلم (٧٨١) قال ﷺ : "أيُّها النَّاس صَلُّوا في بيوتكم؛ فإنَّ أفضل صلاة المرء في بيته إلاَّ المكتوبة".
* * *
стр. 597
١٧٩ - وَعَنِ ابنِ عُمرَ ﵄ قَالَ: "قُلْتُ لِبلَالٍ: كيْفَ رَأيْتَ النَّبَيَّ ﷺ يَرُدَّ علَيهِمْ حِينَ يُسَلِّمُونَ عَلَيْهِ، وَهُوَ يُصَلِّي؟ قَالَ: يَقُولُ هَكذَا، وَبَسَطَ كَفَّهُ" أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ (١).
ــ
* درجة الحديث:
الحديث صحيح.
صححه الترمذي، وأخرجه أحمد (٢٣٣٦٩)، وابن ماجه (١٠١٧)، وقال الشوكاني: رجاله رجال الصحيح.
قال الساعاتي في بلوغ الأماني: الحديث رجالُهُ رجالُ التصحيح.
* مفردات الحديث:
- كيف: اسمٌ جامدٌ يأتي على وجهين، فيكون شرطًا، ويكون استفهامًا، وهنا للاستفهام.
- يقول هكذا: الأصل في القولِ هو النطقُ باللسان، إلاَّ أنَّه يعبَّر به عن الفعل. قال في محيط المحيط: ويستعمل القولُ لغير ذي اللفظ تجوُّزًا.
- بسط كفَّه: نَشَرَهَا، ضِدّ قبضها.
- كفه: الكف، هي راحةُ اليد مع الأصابع، مؤنَّث، جمعها كفوف وأكف.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - قصةُ الحديث: أنَّ النَّبيَّ ﷺ خَرَجَ إلى قباء ليصلِّي فيه، فجاء سُكَّانُ قباء من الأنصار يسلِّمون عليه، فأدركوه في الصلاة، فكانوا يسلِّمون، وكان يرد عليهم باسطًا كفه، يشير بها إلى ردِّ السلام.
стр. 598
٢ - يدل الحديثُ على أنَّ الإشارة في الصّلاة لا تُبْطِلُهَا، ولو كانت إشارةً مفهومة تكفي عن الكلام، سواءٌ أكانتْ بالرأس، أو باليد، أو بالعين، أو غيرها.
٣ - أنَّ الحركة إذا كانَتْ قليلةً لحاجة لا تُبْطِلُ الصلاة، فهذا النبيُّ ﷺ يبسط يده لكل مُسَلِّم عليه.
٤ - جوازُ السلام على المصلِّي، فإنَّ النَّبىَّ ﷺ لمَّا سلَّم من الصلاة، أقرَّهم، ولم ينههم عن ذلك.
٥ - قال في الإقناع وشرحه: المذهبُ لا يكره السّلام على المصلِّين؛ لأنَّه ﷺ حين سلَّم عليه أصحابه، لم ينكر ذلك. قال في الحاشية: وهو مذهبُ مالك والشّافعيّ. قال النووي: وهو الّذي تقتضيه الأحاديثُ الصحيحة.
٦ - قال في حاشية الروض: مذهبُ جمهور العلماء، ومنهم مالك والشافعي وأحمد: يستحبُّ رَدُّ السلام من المصلِّي بالإشارة؛ لحديث ابن عمر: "أنَّ النبَّيَّ ﷺ كان يشير في صلاته" [رواه الترمذي (٣٦٧) وصححه].
٧ - حُسْنُ خلق النبي ﷺ ؛ فإنَّه يأتي أبوابَ الخيرات بِحَسَبِ حاله فيها، وهو بهذه الأعمالِ يأتي فعلَ الخير، ويشرعه لأمته، ﵊.
٨ - وجوبُ رد السلام؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ [النساء: ٨٦]، والإشارة من المصلِّي هي أحسنُ ما يَقْدِرُ عليه في رد السلام.
٩ - استحبابُ زيارة مسجد قباء، والصلاةِ فيه لِمَنْ في المدينة، فهو المسجد الذي قال تعالى فيه: ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ﴾ [التوبة: ١٠٨].
١٠ - حِرْصُ ابن عمر ﵄ على سُنَّةِ النَّبِيِّ ﷺ وتتَبُّعِ آثاره، فما فاته من سنته يسألُ عنه من حضره؛ كبلالٍ، وأختِهِ، حفصة، وغيرهما؛ ولذا فإنَّه ﵁ جمع بين الرواية والدراية؛ فهو قدوة حسنة لشباب المسلمين في تلمُّسِ العلمَ النافع.
стр. 599
١٨٠ - وَعَنْ أَبي قتادَةَ ﵁ قَالَ: "كانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُصَلِّي وَهُوَ حامِلٌ أُمَامَةَ بِنْتَ زَيْنَبَ، فَإِذَا سَجَدَ وَضَعَهَا، وَإِذَا قَامَ حَمَلَهَا" مُتَّفَقٌ علَيْهِ.
وَلِمُسْلِمٍ: "وَهُوَ يَؤُمُّ النَّاسَ فِي المَسْجِدِ" (١).
ــ
* مفردات الحديث:
- أُمامة: بضم الهمزة وفتح الميم، هي: بنت زينب بنت رسول الله ﷺ ، ووالد أمامة هو أبو العاص بن الربيع، وزينت توفيت سنة (٨ من الهجرة)، وابنتها أمامة تزوجت بعلي بن أبي طالب، وقتل عنها، ثمّ تزوجت بعده المغيرة ابن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - جواز مثل هذه الحركة في الصلاة فرضًا أو نفلًا، من الإمام والمأموم والمنفرد، ولو بلا ضرورة إليها، وهو قول محققي العلماء، فالنبي ﷺ كان في تلك الصلاة إمامًا في فريضة، وهي أولى بالمحافظة عليها من الصلاة في حال الانفراد، أو التنفل.
٢ - جواز ملامسة وحمل من تُخشى نجاسته، تغليبًا للأصل، وهو الطهارة على غلبة الظن، فاليقين لا يزول بالشك، فاليقين هو أصل طهارة الأشياء، والشك هو مظنة نجاسة ثياب الأطفال وأبدانهم، وأمامة وقت حمله لها بنت ثلاث سنين.
٣ - تواضع النبي ﷺ ، وحسن خلقه، ورحمته بالكبير والصغير، فصلوات الله
стр. 600
وسلامه عليه، فهو ﷺ قدوة في حسن الخلق، وفي الرأفة، والرحمة، والحنان، ولا سيَّما على الصغار والضعفاء، كما أنَّ في الحديث بيان سماحة ويسر الشريعة.
٤ - جواز دخول الأطفال المساجد إذا لم يحصل منهم أذية للمصلين، وإشغال لهم عن صلاتهم، وحُفِظوا من توسيخ المسجد وتنجيسه.
٥ - ترك مستحبات الصلاة عند الحاجة إلى تركها، فالحامل لهذه الطفلة لن يتمكن من وضع اليدين مقبوضتين على الصدر، ولا يتمكن من وضع الراحتين على الركبتين في الركوع، وغير ذلك من فضائل الصلاة.
٦ - يُحمل وجود "أُمَامَةَ" في قبلة المصلين، إما لأنَّ سترة الإمام سترة للمصلين خلفه، وإما أنَّ النَّهي هو عن المرور، لا عن الجلوس والاعتراض، كما كانت عائشة تعترض في قِبلة النبي ﷺ ، فإذا أراد السجود غمزها بيده، فكفت رجليها، وإما لأن المحمولة صغيرة دون البلوغ، كما سيأتي في الباب بعده.
* خلاف العلماء:
ذهب الإمام مالك وبعض العلماء إلى: أنَّ الحركة الكثيرة تبطل الصلاة، وجعلوا من الحركة الكثيرة حمل النبي ﷺ أمامة في صلاته، وتأولوا هذا الحديث إلى ثلاثة أوجه:
١ - روى ابن القاسم عن الإمام مالك: أنَّ هذا في النافلة، والنافلة يتسامح فيها ما لا يتسامح في الفريضة.
٢ - وروى أشهب عنه: أنَّ هذا للضرورة، وفسروها بانه لم يجد أحدًا يكفيه أمرها.
٣ - وروي عن مالك: أنَّ الحديث منسوخ، ونسخ بتحريم العمل والانشغال في الصلاة بغيرها.
стр. 601
والجواب:
أما الأول: فإنَّه مردود بالروايات الصحيحة، ومنها: "بينما نحن ننتظر رسول الله ﷺ في الظهر أو العصر، وقد دعاه بلال للصلاة، إذ خرج علينا وأمامة بنت أبي العاص على عنقه"، وبما أخرجه مسلم عن أبي قتادة قال: "رأيتُ رسول الله ﷺ يؤم الناس، وأمامة على عنقه".
واْما الثاني: وهي حالة الضرورة، فهي بعيدة جدًّا، فإنَّ الكافي له ﷺ عن حملها كثيرون، فالمنزل الذي خرج منه فيه أهله، وغيرهم من خدمه.
أما الثالث: وهي دعوى النسخ، فهي مردودة؛ بانَّ احتمال النسخ لا يعتمد عليه في إسقاط حكم ثابت، ثم إنَّ حديث: "إنَّ في الصلاة لشغلًا" قاله لابن مسعود حينما قدم من الحبشة قبل بدر، وزينب وابنتها لم يقدما المدينة إلاَّ بعد بدر بأيام.
قال النووي بعد أن ساق تأويلات رد الحديث: فكل ذلك دعاوى باطلة مردودة، لا دليل عليها.
والصحيح: جواز مثل هذه الحركة للحاجة، وقد جاء في السنة الثابتة مثلها؛ كفتحه ﵇ الباب لعائشة، وصعوده درجتي المنبر ليراه الناس، وكذلك إشارته بيده برد السلام وغير ذلك.
* فائدة:
قسَّم بعض العلماء -ومنهم الحنابلة- الحركة في الصلاة إلى أربعة أقسام حسب الاستقراء والتتبع من نصوص الشريعة:
الأول: يبطل الصلاة، وهو العمل الكثير المتوالي لغير ضرورة، ولغير مصلحة الصلاة.
الثاني: يكره في الصلاة ولا يبطلها، وهو اليسير لغير حاجة، مما ليس
стр. 602
لمصلحة الصلاة؛ كالعبث بالثياب والشعورة لأنَّه منافٍ للخشوع المطلوب، ولا تدعو إليه حاجة.
الثالث: الحركة المباحة، وهي اليسيرة المتفرقة غير المتوالية للحاجة؛ كحديث الباب.
الرابع: الحركة المشروعة، وهي التي تتعلق بها مصلحة الصلاة، أو تكون حركة لفعل محمود مأمور به؛ كتقدم المصلين وتأخرهم في صلاة الخوف، أو للضرورة؛ كإنقاذ غريق من هلكة.
***
стр. 603
١٨١ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "اقْتُلُوا الأسْوَدَيْنِ فِي الصَّلَاةِ: الحَيَّةَ والعَقْرَبَ". أَخْرَجَهُ الأرْبَعَةُ، وَصَحَّحَةُ ابنُ حِبَّانَ (١).
ــ
* درجة الحديث:
الحديث صحيحٌ، وله شواهد كثيرة، قال الترمذي: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ، وصحَّحه ابن حبَّان والحاكم، ووافقه الذَّهبي.
* مفردات الحديث:
- الأسودين: تثنية أسود، يطلق على الحيَّة والعقرب، على أي لون كانا، ولو لم يكونا أسودين.
- الحيَّة: -بفتح الحاء المهملة وفتح الياء المشددة-: هي الأفعى تكون للذكر والأنثى، وأنما دخلت الهاء؛ لأنَّه واحد من جنس، جمعها: حيَّات.
- العقرب: دويبة من فصيلة العنكبيات، ذات سم تلسع، تطلق على الذكر والأنثى، جمعه: عقارب.
- الحيَّة والعقرب: بدل من الأسودين.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - استحباب قتل الحيَّة والعقرب، ولو في الصلاة، ولو لم يكونا أسودين؛ فإنَّ هذه صفة غالبة.
٢ - أنَّ هذه حركة قليلة محمودة، فلا تبطل الصلاة ولا تنقصها، ولو لم تكن من
стр. 604
مصلحة الصلاة.
٣ - مشروعية قتل كل مؤذٍ من الهوام وغيرها، في الصلاة أو خارجها؛ فإنَّه إذا استحب قتل هذه الفواسق في الصلاة، فقتلها خارجها يكون أولى.
٤ - اغتفرت الحركة في الصلاة، لقتل هذه الهوام المؤذية، من أجل مبادرة الفرصة قبل فواتهاة كإنقاذ الغريق، وإطفاء الحريق، ودفع المعتدي؛ لأنَّ مثل هذا يفوت بفوات وقته، فسومح فيه حتى في أثناء أداء العبادة.
٥ - مشروعية قتل هذين الأسودين ليس لذاتهما، وإنما هو لطبعهما العدائي المؤذي، فيستحب قتل كل مؤذ، فمن آذى طبعًا قتل شرعًا.
***
стр. 605
بَابُ سُتْرَةِ المُصَلِّي
مقدمة
السُّتْرَة: -بضمٍّ فسكونٍ -: ما يُستر به كائنًا ما كان، وسترة المصلي هي: ما يجعله المصلي أمامه؛ لمنع المرور بين يديه.
فالمصلي واقف بين يدي ربه يناجيه ويناديه، فإذا مرَّ بين يديه في هذه الحالة مارٌّ، قطع هذه المناجاة، وشوَّش هذا الاتصال؛ لذا عظُم ذنب فاعله، وتعرض لعذاب، لو يعلمه لتمنى أن يقف أربعين سنة، ولا يمر بين يدي المصلي وبين سترته، وهذا وعيد شديد.
ولذا أبيح للمصلي قتال هذا المعتدي، ودفع هذا المفسد، وسماه النبي ﷺ شيطانًا.
ووضع السترة سنة، وليست واجبة بإجماع الفقهاء؛ لأنَّ الأمر باتخاذها للندب؛ إذ لا يلزم من عدمها بطلان الصلاة، ولأنَّ السلف الصالح لم يلتزموا وضعها، ولو كان واجبًا لالتزموه.
وقد جاء في صحيح البخاري (٤٩٣): "أنَّ النَّبيَّ ﷺ صلَّى في منى إلى غير جدار".
وللسترة فوائد هامة، منها:
١ - أنَّ اتخاذها هو سنة النبي ﷺ القولية والفعلية والتقريرية، وإحياء السنة واتباعها هو الصراط المستقيم.
стр. 606
٢ - أنَّها تقي الصلاة -القطع-؛ إن كان المارُّ مما يقطعها، عند من يقول بذلك، وتقيها النقص إن كان ينقصها.
٣ - إنَّها تحجب النظر عن الشخوص والروغان، لأنَّ صاحب السترة يضع نظره دون سترته غالبًا، فينحصر تفكيره في معاني الصلاة.
٤ - يعطي المصلي المجال للمارين، فلا يحوجهم إلى المرور أمامه، أو الوقوف حتى ينتهي من صلاته.
٥ - أنَّ السترة تكون وقاية للمار من إثم المرور، الذي يناله بسبب تنقيصه صلاة المصلي.
***
стр. 607
١٨٢ - عَنْ أَبِي جُهَيم بنِ الحارِثِ ﵁ قالَ: قال رسُولُ الله ﷺ : "لو يَعْلمُ المَارُّ بَيْنَ يَدَيِ المُصَلِّي مَاذَا علَيْهِ مِنَ الإثْمِ، لَكَانَ أَنْ يَقِفَ أرْبَعِينَ، خيرًا لَهُ مِنْ أَنْ يَمُرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ". مُتَّفقٌ علَيْهِ، واللَّفْظُ لِلبُخَارِيِّ، ووقَعَ فِي البَزَّارِ مِنْ وَجْهٍ آخر: "ارْبَعِينَ خَرِيفًا" (١).
ــ
* مفردات الحديث:
- لو: حرف شرط لما مضى، وتفيد امتناع شيء لامتناع غيره، ويسمى حرف امتناع لامتناع، ولها شرط وجواب، إلاَّ أنَّها لا تجزم.
- يعلم: فعل مضارع، وهو شرط "لو".
- لكان: جواب "لو".
- أن: مصدرية، والتقدير: لو يعلم المارُّ ماذا عليه من الإثم من مروره بين يدي المصلي، لكان وقوفه أربعين، خيرًا من أن يمر.
- ماذا عليه: كلمة "ما" استفهامية، ومحلها الرفع على الابتداء، و"ذا" اسمٌ موصولٌ، بمعنى "الذي"، ومحلها الجر بالإضافة، و"عليه" صلتها، ومتعلق الجار والمجرور خبر "ما".
- خيرًا: خبرًا لـ"كان"، واسم "كان" هو قوله: "أن يقف" مؤول بمصدر، بمعنى: "وقوفه".
- خريفًا: على أنَّه مجاز مرسل، قال في "المصباح": الخريف الفصل الذي تخترف فيه الثمار.
وهو أحد فصول السنة، وبروجه الثلاثة هي: الميزان والعقرب والقوس،
стр. 608
وهو بالأشهر الإفرنجية من (٢١ سبتمبر) إلى (٢١ ديسمبر)، سمي خريفًا لاجتناء الثمار فيه، والمراد هنا: السنة كلها، ولكن العرب تسمي الكل بالجزء.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - المصلي واقف بين يدي الله تعالى يناجيه، فقطع هذه المناجاة، وتشويش هذا الاتصال بالمرور بين المصلي، وبين قبلته -ذنب كبير على المار.
٢ - تحريم المرور بين يدي المصلي، إذا لم يكن له سترة، أو المرور بينه وبينها، إذا كان له سترة.
٣ - المشهور من مذهب أحمد: أنَّه يستحب للمصلي رد المار بين يديه، والرواية الأخرى أنَّ ذلك يجب؛ لظاهر الأخبار، وأما المار فالمشهور من المذهب: تحريم المرور، وحكى ابن حزم الإجماع على إثمه.
٤ - وجوب الابتعاد عن المرور بين يدي المصلي؛ خشية من هذا الوعيد الشديد.
٥ - الأوْلَى للمصلي أن يبتعد فلا يصلي في طرق النَّاس، وفي الأمكنة التي لابد لهم من المرور بها؛ لئلا يعرض صلاته للنقص أو القطع، ويعرض المارة للإثم، أو الحرج بالوقوف.
٦ - فسرت "الأربعين" الروايةُ الأخرى بأنَّها: "أربعون سنة"، وليس المراد الحصر، فمفهوم العدد غير مراد عند كثير من الأصولبين، وإنما المراد المبالغة في النهي؛ كقوله تعالى: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠].
٧ - هذا الحكم في عموم البقاع، عدا مكة المكرمة، ففيها خلاف سيأتي إن شاء الله تعالى.
٨ - ظاهر الخبر أنَّ الوعيد خاص بالمار، لا بالواقف والقاعد والمضطجع، وهذا قول الجمهور.
قال ابن القيم: ولا تبطل بالوقوف قدامه ولا الجلوس، ذكره المجد،
стр. 609
واختاره الشيخ تقي الدين.
أمّا الإمام مالك، فقال: لا يصلي إلى النائم، ولكن السنة ثابتة بجواز اعتراض النائم، ومنها قصة عائشة.
٩ - إذا لم يكن للمصلي سترة، فما مقدار ما يجب البعد عنه عند المرور؟
قالت الحنفية والمالكية: يحرم من موضع قدمه إلى موضع سجوده، وعند الشافعية والحنابلة: ثلاثة أذرع من قدم المصلي.
وقال الموفق: لا أعلم حد البعيد في ذلك ولا القريب، وقال: الصحيح تحديد ذلك بما إذا مشى إليه المصلي، ودفع المار بين يديه، فتقيد بدلالة الإجماع بما يقرب منه.
١٠ - سترة الإمام هي سترة لمن خلفه من المأمومين، بإجماع العلماء؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ صلَّى إلى سترة، ولم يأمر أصحابه باتخاذ سترة أخرى لهم، لما في البخاري (٧٦)، ومسلم (٥٠٤) من حديث ابن عباس قال: "أقبلت راكبًا على حمار أتان، والنبي ﷺ يصلي بالناس بمنىً إلى غير جدارٍ، فمررتُ بين يدي بعض أهل الصف، فنزلت وأرسلت الأتان ترتع، فدخلت في الصف، فلم ينكر عليَّ أحد".
١١ - المشهور من مذهب الإمام أحمد: أنَّه لا بأس أن يصلي بمكة، بل بالحرم كله إلى غير سترة؛ وذلك لما روى الإمام أحمد (٢٦٦٩٩)، وأبو داود (٢٠١٦)؛ والنسائي (٢٩٥٩)، وابن ماجه (٢٩٥٨) عن المطلب بن أبي وداعة: "أنَّه رأى النبي ﷺ يصلي مما يلي باب بني سهم، والناس يمرون بين يديه، وليس بينهما سترة".
والحديث في إسناده مجهول، وضعَّفه الألباني.
وقد جاء في الصحيحين: "أنَّ النَّبيَّ ﷺ صلَّى بمزدلفة إلى غير سترة"، ومحققو العلماء يرون جواز المرور، والحديث ليس معارضًا للأحاديث
стр. 610
الصحيحة في تحريم المرور، وإنّما هو مخصِّص لها.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: لو صلَّى المصلي في المسجد الحرام، والناس يطوفون أمامه، لم يكره؛ سواء مرَّ من أمامه رجل أو امرأة.
وقال الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ: كان ﷺ يصلي ويمر بين يديه الطائفون، وبقية الحرم كذلك عند الأصحاب، وأصل ذلك أنَّه من خصائص الحرم؛ لأنَّها بلد شأنها الازدحام، وجمع الخلق.
* فائدة:
استحب العلماء الدنو من السترة، بألا يزيد ما بين المصلي وبينها إلاَّ قدر مكان السجود؛ لما روى أبو داود (٦٩٥) عن سهل بن أبي حثمة الأنصاري أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "إذا صلَّى أحدكم إلى سترة، فليدن منها، لا يقطع الشيطان عليه صلاته".
وقد جاء في صحيح البخاري من حديث سهل بن سعد قال: "كان بين مصلى النبي ﷺ وبين الجدار ممر الشاة".
***
стр. 611
١٨٣ - وَعنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالتْ: "سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ عَنْ سُتْرَةِ المُصَلِّي فَقَالَ: مِثْلُ مُؤْخِرَةِ الرَّحْل". أَخرَجَهُ مُسْلِمٌ (١).
ــ
* مفردات الحديث:
- غزوة تبوك: تبوك إحدى مدن المقاطعة الشمالية للمملكة العربية السعودية، تبعد عن المدينة المنورة شمالًا بنحو (٦٨٠) كيلو متر، وغزوة تبوك في السنة التاسعة من الهجرة، ولم يلق فيها النبي ﷺ عدوًّا.
- مؤخرة الرَّحْل: -بضم الميم وسكون الهمزة وكسر الخاء المعجمة، ويقال: بفتح الخاء مع شدها وفتح الهمزة-: هي العود الذي يكون في آخر الرحل، يستند إليه الراكب، وهي نحو ثلثي الذراع.
- الرحل: -بفتح الراء وسكون الحاء المهملة-: هو ما يوضع على ظهر البعير للركوب، ويسمى: الكُوْر، بضم الكاف وسكون الواو.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - مشروعية السترة للمصلي؛ لما تقدم من فوائدها التي تعود على صيانة الصلاة وحفظها، وعلى الابتعاد عما ينقصها، وعلى درء الإثم عن المار، وعدم التسبب فيما يشق عليه ويحرجه.
٢ - أن تكون بقدر مؤخرة الرحل، في طولها وعرضها، إن أمكن.
٣ - إن لم يجد المصلي هذا، فتكون بعصا ونحوه.
٤ - فإن لم يوجد فبخطٍّ يكون أمامه؛ كما سيأتي في حديث أبي هريرة؛ فالقصد
стр. 612
أن يأتي المصلي بما يقدر عليه وما يستطيعه، فإنَّ الله تعالى لا يكلف نفسًا إِلَّا وسعها.
٥ - أنَّ مشروعية السترة تكون في الحضر والسفر، وفي الفضاء والبناء.
٦ - أنَّ مشروعية السترة متقررة لدى الصحابة ﵃ من قبل غزوة تبوك، في السنة التاسعة من الهجرة.
***
стр. 613
١٨٤ - وَعَنْ سَبْرَةَ بْنِ مَعْبَدٍ الجُهَنِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "لِيَسْتَتِرْ أَحَدُكُمْ فِي الصَّلَاةِ وَلَوْ بِسَهْمٍ". أَخْرَجهُ الحَاكِمُ (١).
ــ
* درجة الحديث:
الحديث صحيح؛ رواه الإمام أحمد في مسنده (١٤٩١٦)، قال الهيثمي: رجال أحمد رجال الصحيح، ورواه الحاكم، وقال: صحيح على شرط مسلم.
* مفردات الحديث:
- ليستتر: ليجعل له سترة حال صلاته.
- بسهم: -بفتح السين المهملة وسكون الهاء-: هو عود دقيق من الخشب يُجعل في طرفه نصل، يرمى به عن القوس.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - استحباب السترة أمام المصلي؛ لحفظ صلاته من النقصان، أو البطلان، والاستحباب هو مذهب الجمهور.
٢ - الأفضل في السترة أن تكون كمؤخرة الرَّحل -كما تقدم- فإن لم يجد ذلك ولا أقل منه، جعل ولو سهمًا، والسهم هو: عود دقيق من الخشب، يغرز في طرفه نصل يرمى به.
٣ - الحرص على وضع السترة، ولو من أدق الأشياء وأقلها، لأجل إشعار النفس بأنَّ أمام العينين حدًّا عن مجاوزة النظر، فلا يتبعه القلب بأفكاره ووساوسه، وليجعل بينه وبين المارين حدًّا، يميز به موضع حرم صلاته من مكان
стр. 614
مرورهم.
٤ - ظاهر الحديث أنَّه لا يعدل إلى السهم، إلاَّ بعد ألا يجد سترة كافية؛ كمؤخرة الرحل، أو ما هو دونها.
٥ - الأفضل الدنو من السترة، وأن تكون عند موضع سجوده؛ لتحد من تجاوُز نظره إلى ما وراء مكان السجود، ولئلا يحتجز مساحة أكبر من حاجته، فيضيق على المارين، ولئلا يعرض صلاته للنقص، أو القطع ممن يمر بينه وبينها.
***
стр. 615
١٨٥ - وَعَنْ أَبي ذَرٍّ الغِفَارِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "يَقْطَعُ صَلَاةَ الرَّجُلِ: المَرْأةٌ، والحِمَارُ، وَالكَلْبُ الأَسْوَدُ ... " الحديثَ، وفِيهِ: "الكَلْبُ الأسْوَدُ شَيْطَانٌ". أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ (١). ولَهُ عَنْ أِبي هُرَيْرَةَ نَحْوُهُ، دُونَ "الكَلْبِ" (٢)، وَلأبِي دَاوُدَ وَالنَّسَائِيِّ عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ نَحْوُهُ دُونَ آخرِهِ، وقَيَّدَ المَرْأَةَ بِالحَائِضِ (٣).
ــ
* درجة الحديث:
الحديث في أصله صحيح، إلاَّ أنَّ قول المؤلف في رواية أبي هريرة: "إنَّه في مسلم دون الكلب"، وهمٌ منه ﵀ فإنَّه موجود في مسلم بلفظ: "يقطع الصلاة: المرأة والحمار والكلب"، أما تقييد المرأة بالحائض، فرجَّح جمهور المحدثين أنَّها موقوفة على ابن عباسٍ، ولم يصح رفعها.
* مفردات الحديث:
- يقطع الصلاة: يبطلها.
- الحمار: حيوان داجن من الفصيلة الخيلية، يستخدم للحمل، والركوب، والأنثى حمارة، جمعه: حُمُرٌ وَحَمِيرٌ، وجمع الحمارة حمائر.
- الكلب: كل سبع عقور، وغلب على النابح حتى صار حقيقة لغوية، لا تحتمل غيره، وجمع الكلب: كُلُب وكِلَاب، والأنثى: كَلْبَة، وجمعها: كَلْبَات.
- المرأة: فاعل "يقطع"؛ أي: مرور المرأة ... إلخ.
стр. 616
والمرأة: بوزن "تمرة"، بفتح الميم وسكون الراء ثم همزة مفتوحة، تأنيث "المرء"، وهو الرجل، ويجوز نقل فتح الهمزة إلى الراء، ثم تحذف الهمزة إلى الراء، ثم تحذف الهمزة، فتصير "مَرَة" بوزن "سنة".
قال في اللسان: للعرب في المرأة ثلاث لغات: يقال: هي امرأته، ومرأته، ومرته والمراد بالمرأة هنا: البالغة.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - المصلي إذا لم يجعل له سترة لصلاته، يكون أعلاها بقدر مؤخرة الرحل، وأدناها كسهم واحد، أو خط في الأرض أمامه -فإنَّه يفسد صلاته، ويبطلها مرور واحد من ثلاثة أشياء: المرأة، والحمار، والكلب الأسود البهيم.
٢ - إِنْ وضع سترة في قِبلته فلا يضره مرور شيء من ورائها، ولو كان واحدًا من هذه الأشياء الثلاثة؛ لأنَّ السترة حددت مكان مصلاه، وجعلت لصلاته حِمًى، لا يضره من مرَّ وارءها.
٣ - زيادة أبي داود والنسائي عن ابن عباس، بتقييد المرأة بالحائض -غير صحيحة، ولو كانت هذه الزيادة صحيحة، لقيدت هذه الزيادة حديث مسلم المطلق بعموم المرأة، ولكن الزيادة ضعيفة، فيبقى الحديث على إطلاقه.
قال ابن العربي: إنَّه لا حجة لمن قيد الحكم بالحائض؛ لأنَّ الحديث ضعيف، وليست حيضة المرأة في يدها ولا رجلها.
٤ - خصَّ الكلب الأسود من بين سائر الكلاب؛ لأنَّه شيطان، فإنَّ راوي الحديث أبا ذر ﵁ سأل النبي ﷺ فقال: يا رسول الله: فما بال الأسود، من الأحمر، من الأصفر، من الأبيض؟ فقال: "الكلب الأسود شيطان".
٥ - مرور الشيطان يبطل الصلاة؛ لأنَّه علة القطع في الكلب الأسود.
٦ - الشياطين أعطاهم الله القدرة على التشكل والتكيف على الصورة التي
стр. 617
يريدونها، فيمكن حمل هذا الحديث على ظاهره، وأنَّ الشيطان يأتي بصورة هذا اللون من الكلاب؛ ليفسد على المسلم صلاته.
٧ - استحباب وضع السترة أمام المصلي؛ لتقي صلاته من النقص، أو من البطلان، فهي حصانة للصلاة، وسور لها من آفات نقصها وفسادها.
٨ - أنَّ أعلى السترة وأفضلها هي أن تكون بقدر مؤخرة الرحل، فإن لم يجد ذلك عرض ما استطاع عرضه، ولو بخط في الأرض، كما سيأتي إن شاء الله تعالى.
٩ - الحكمة في قطع هذه الأشياء -والله أعلم- هي ما يأتي:
المرأة: موضع فتنة وانشغال قلب، بما يتنافى مع مكانة الصلاة ومقامها؛ ولذا جاء في صحيح مسلم (١٤٠٣) من حديث جابر بن عبد الله؛ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "إنَّ المرأة إذا أقبطت، أقبلت في صورة شيطان، فإذا رأى أحدُكم امرأةً، فأعجبته فليأتِ أهله؛ فإنَّ معها مثل الذي معها".
١٠ - قَرْنُ المرأة مع هذين الحيوانين النجسين ليس لخستها، وإنما هو لمعنى آخر، ترغب المرأة أن تكون متصفة به؛ لما فيها من الجاذبية، وميل القلوب إليها، ولكنه مُنَافٍ للعبادة.
١١ - الحمار: لعل له صلة بالشياطين؛ وأنها ترغب قربه، وتأتي أمكنته، ولذا جاء في البخاري (٢٣٠٣) من حديث أبي هريرة أنَّ النَّبي ﷺ قال: "إذا سمعتم نهاق الحمير، فتعوذوا بالله من الشيطان؛ فإنَّها رأت شيطانًا" وللحمار صوت منكر، قال تعالى: ﴿إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ (١٩)﴾ [لقمان: ١٩]، فالمصلي معرَّض لنهيقه المنكر، الذي قد يواصله المرة بعد الأخرى، حتى يسبب اختلال الصلاة.
١٢ - الكلب: إما أن يكون هو الشيطان جاء بصورة كلب، والشيطان قمة الشر والفساد، وإما أن يكون هلذا الحيوان النجس القذر، الذي لا يكفي في إزالة نجاسته إلاَّ تكرير الماء واستعمال التراب، وصاحب اللون الأسود
стр. 618
منها هو أشدها وأعتاها، فهو من الشياطين المتمردة، ولذا جاء الحديث الصحيح بقتله.
* خلاف العلماء:
ذهب الأئمة الثلاثة إلى: أنَّ المرور بين يدي المصلي لا يبطل الصلاة، ولو كان المارُّ امرأةً أو حمارًا أو كلبًا أسود؛ لما روى أبو داود (٧١٩) من حديث أبي سعيدة أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "لا يقطع الصلاة شيء، وادرؤوا ما استطعتم". وحملوا الحديث على أنَّ المراد نقص الأجر لا الإبطال، و"لأنَّ زينب بنت أبي سلمة مرت بين يدي النبي ﷺ فلم تقطع صلاته". [رواه أحمد (٢٥٩٨٤)، وابن ماجه (٩٤٨) بإسناد حسن].
ولما روى أحمد وأبو داود عن الفضل بن العباس قال: "أتانا رسول الله ﷺ -ونحن في بادية، فصلى في الصحراء ليس بين يديه سترة، وحمار لنا وكلبة يعبثان بين يديه، فما بالى بذلك".
ولأنَّ الشيطان عرض له ﷺ في قبلته.
قال النووي: جمهور العلماء من السلف والخلف، على أنَّه لا يبطل الصلاة مرور شيء، ولم يأمر النبي ﷺ أحدًا بإعادة الصلاة من أجل ذلك، وتأولوا أنَّ المراد نقص الصلاة، بشغل القلب بهذه الأشياء.
وهذه الرواية هي المشهورة من مذهب الحنابلة، عدا الكلب الأسود، جزم بها الخرقي، وصاحب "الوجيز"، قال في "المغني": هي المشهورة، وصححها في "تصحيح الفروع" وغيره، وجزم بها في "التنقيح" و"الإقناع" و"المنتهى" وغيرها.
أما الكلب الأسود: فإنَّه له يقطع الصلاة، رواية واحدة عند الحنابلة.
وذهب الإمام أحمد في إحدى الروايتين عنه، إلى: أنَّ المرأة والحمار أيضًا يقطعانها ويفسدانها، وهو مذهب الظاهرية في الثلاثة: المرأة، والحمار،
стр. 619
والكلب الأسود.
قال ابن حزم: ويقطع صلاة المصلي كونُ كلب بين يديه مارًّا أو غير مار، وكون الحمار بين يديه كذلك أيضًا، وكون المرأة بين يدي الرجل صغيرة أو كبيرة.
وممن اختار قطع الصلاة بهذه الأشياء الثلاثة شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم، وقال: قد صحَّ عنه ﷺ أنَّه يقطع الصلاة: المرأة، والحمار، والكلب الأسود، ثبت ذلك من رواية أبي ذر وأبي هريرة وابن عباس وعبد الله بن مغفل.
والذي عارض هذا الحديث قسمان: صحيح غير صريح، وصريح غير صحيح، فلا يترك لمعارض هذا شأنه.
وقال الشيخ: مذهب أحمد وجماعة من أصحابه قطع الصلاة بالمرأة، والحمار، والكلب الأسود، قال: والصواب أنَّ مرور المرأة، والحمار، والكلب الأسود، يقطع الصلاة. واختاره صاحب "المغني".
وقال الشيخ محمَّد بن إبراهيم آل الشيخ: تبطل الصلاة بمرور المرأة، والحمار، والكلب الأسود، إذا كان إمامًا أو منفردًا، في صلاة فرض أو نفل، هذا إذا كان المرور بين المصلي، وبين سترته إن كان له سترة، أو بين يديه بقدر ثلاثة أذرع من قدمه.
وحجة القائلين. ببطلان الصلاة من مرور الثلاثة: حديث الباب، وهو حجة قوية لا يدفعها شيء.
* فائدة:
النساء لا يقطع مرور بعضهن صلاة بعض، وهو صريح حديث أبي ذر: "يقطع صلاة الرجل المسلم" فالقطع خاص بالرجال، وهو مما يقوي المعنى الذي ذكرناه عن سبب قطع المرأة صلاة الرجل.
وقال في "الإنصاف": ظاهر كلام الأصحاب أنَّ الصغيرة التي لا يصدق عليها أنَّها امرأة، لا تبطل الصلاة بمرورها، وهو ظاهر الأخبار.
стр. 620
١٨٦ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رسُولُ الله ﷺ : "إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ إِلَى شيْءً يَسْتُرُهُ مِنَ النَّاسِ، فأَرَادَ أحَدٌ أن يَجْتَازَ بَيْنَ يَدَيْهِ فَلْيَدْفَعْهُ، فإن أبَى فَلْيُقَاتِلْهُ؛ فَإِنَّمَا هُوَ شَيْطَانٌ" مُتَّفَقٌ عليْهِ، وفِي رِوَايَةٍ: "فإنَّ معَهُ القَرِينَ" (١).
ــ
* مفردات الحديث:
- القرين: -بفتح القاف ثم راء مهملة مكسورة ثم ياء فنون-: هو المقارن المصاحب من شياطين الجن.
- يجتاز: بالجيم؛ من: الجواز، وهو المرور.
- شيطان: مشتقٌّ إمّا من: "شَطَن" إذا بعُد؛ لبعد الشيطان عن الحق، وعن رحمة الله، فتكون النون أصلية، وإما مشتق من: "شاط" إذا احترق، فوزنه: فعلان، وكل عاتٍ متمرد من الجن أو الإنس فهو شيطان، قال تعالى: ﴿شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ﴾ [الأنعام: ١١٢].
قال القرطبي: ويحتمل أن يكون معناه: الحامل له على ذلك الشيطان، لقوله ﷺ : "فإنَّ معه قرين".
-فإن أبى: "إنَّ" شرطية، وفعل الشرط "أبى".
- فليقاتله: الفاء رابطة للجزاء، و"اللام" الساكنة الجازمة، و"يقاتله" مجزوم بلام الأمر، فإنَّ هذه الرواية جاءت على صيغة الأمر للحاضر، وهي جواب وجزاء "إنْ" الشرطية.
- إنَّما هو شيطان: تعليل لمشروعية قتاله، والشيطان هو المارد، وإطلاقه على
стр. 621
الإنس شائع سائغ، قال تعالى: ﴿شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ﴾
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - استحباب وضع السترة بين يدي المصلي، فرضًا كانت الصلاة أو نفلًا، إمامًا أو منفردًا، أما المأموم فسترة الإمام سترة له؛ لِما روى البخاري (٢٧٩٧) ومسلم (١٨٤١) من حديث أبي هريرة؛ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "إنَّما الإمام جُنَّة".
قال ابن عبد البر: لا خلاف بين العلماء أنَّ المأموم لا يضره من مرَّ بين يديه.
قال الشيخ عثمان بن قائد النجدي: إنَّ سترة الإمام تقوم مقام سترة المأموم في الأمور الثلاثة، التي تفيدها السترة، وهي:
(أ) عدم البطلان بمرور الكلب الأسود ونحوه.
(ب) وعدم استحباب رد المار بين يدي المصلي.
(ج) وعدم الإثم على المار بينه وبين قبلته، وهو ظاهر الأخبار.
٢ - إذا وضع المصلي أمامه سترة تحفظ صلاته، واحتاط لها، فإن اعتدى أحد بعد ذلك، فاراد أن يجتاز بين يديه فليدفعه، فإن أبى فليقاتله، فإنَّما هو شيطان، فإن لم يضع بين يديه سترة، فليس له دفعه؛ لأنَّ التفريط منه بتركها.
٣ - جواز مقاتلة من أراد المرور بين المصلي وسترته؛ لأنَّه صائل ومعتدٍ.
٤ - المقاتلة هنا تحمل على منعه من المرور، فإن أبى الرجوع فله قتاله.
قال القرطبي: يدفعه بالإشارة ولطيف المنع، فإن لم يمتنع دفعه دفعًا أشد من الأول، وأجمعوا على أنَّه لا يقاتله بالسلاح.
٥ - قال الشيخ المباركفوري: الحكمة في مشروعية السترة: أنَّ العبد إذا قام يصلي فإنَّ الرحمة تواجهه؛ لما روى أحمد (٢٠٨٢٣) وأبو داود، (٩٤٥) والترمذي (٣٧٩) بإسناد جيد من حديث أبي ذر قال: قال رسول الله ﷺ :
стр. 622
"إذا قام أحدكم في الصلاة، فلا يمسح الحصى؛ فإنَّ الرحمة تواجهه".
وفي البخاري (١١٢٩)، ومسلم (٥٤٦): "إنَّ كنتَ فاعلًا، فواحدة".
واتَّفق أهل العلم على كراهته، فإذا وضع المصلي أمامه السترة، فمرَّ أحدٌ من ورائها، فإنَّ الرحمة لا تزاحم، فلا يقع خلل ونقص لصلاته.
٦ - حكى ابن حامد الإجماع على استحباب السترة؛ واستحباب الدنو منها، قال البغوي: استحب أهل العلم الدنو من السترة، بحيث يكون بينه وبينها قدر إمكان السجود، وكذلك بين الصفوف.
٧ - قال في "شرح الزاد" وغيره: ويستحب انحرافه عن السترة قليلاً، ويجعلها على حاجبه الأيمن أو الأيسر، ولا يصمد لها صمدًا؛ لِما روى أبو داود عن المقداد: "ما رأيته صلَّى إلى عود أو عُمُد أو شجرة، إلاَّ جعله على حاجبه الأيمن أو الأيسر". وسدًّا لذريعة التشبه بالسجود لغير الله تعالى.
٨ - هذا الحديث دليل على عظم إثم المار وجرمه، حتى إنَّ بعض العلماء ومنهم ابن القيم عد ذلك من الكبائر.
٩ - كما أنَّه دليل على استحباب صيانة الصلاة مما ينقصها، ويذهب بكمالها.
١٠ - المارّ هذا هو من شياطين الإنس، الذين يفسدون على الناس صلاتهم وعباداتهم، أو أنَّ الشيطان الذي هو صاحبه وقرينه، يقويه ويحضه على أذية الناس، وفساد عباداتهم.
١١ - أنَّ مدافعة المار تكون بالأسهل، فيكون بالمنع، فإن لم يُفِدْ فليدفعه، فإن لم يُفِدْ فبالمقاتلة اليدوية، ولا ينتقل إلى العنف إلاَّ بعد نفاد وسائل اللين، وهذا عام في جميع مدافعة الصائل، ما لم يخش المباغتة، فيستعمل أحسن وسائل الوقاية.
١٢ - قال النووي: لا أعلم أحدًا من الفقهاء قال بوجوب هذا الدفع، بل صرَّحوا بأنَّه مندوب.
стр. 623
١٨٧ - وَعَنْ أبِي هُريْرَة ﵁ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: "إذَ صَلَّى أَحَدُكُمْ، فَلْيَجْعَلْ تِلْقَاءَ وَجْهِهِ شيْئًا، فإنْ لَمْ يَجِدْ فَلْيَنْصِبْ عَصًا، فَإَنْ لَم يَكُنْ فَلْيَخُطَّ خَطًّا، ثُمَّ لا يَضُرُّهُ مَنْ مَرَّ بَيْنَ يَديْهِ". أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ، وَصَحَّحَهُ ابنُ حِبَّانَ، ولَمْ يُصِبْ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ مُضْطَرِبٌ، بَلْ هُوَ حَسَنٌ (١).
ــ
* درجة الحديث:
الحديث حسن.
قال الحافظ: الحديث حسن، وصححه ابن حبان، وصححه الإمام أحمد وابن المديني، كما صححه الدارقطني، وقال البيهقي: لا بأس بالعمل به إن شاء الله تعالى.
قال ابن عبد البر: أشار إلى ضعفه سفيان بن عيينة والشافعي والبغوي وغيرهم، وردَّ ذلك الحافظ ابن حجر، وقال: إنَّه حسن.
* مفردات الحديث:
- فَلْيَنْصِب: بكسر الصاد؛ أي: يرفع ويقيم.
- عصا: مقصورة، مؤنثة، والتثنية: عصوان، مما يدل على أنَّ أصله الواو.
- تلقاء: بكسر التاء وسكون اللام آخره مد.
قال في "محيط المحيط": اسم من: اللقاء، ويُتَوسع فيه فيُستعمل ظرفًا لمكان اللقاء والمقابلة، فينصب على الظرفية.
стр. 624
قلتُ: كما في هذا الحديث.
- فليخطّ: يقال: خطَّ يخطُّ خَطًّا؛ أي: رسم علامةً، وجمع الخط: خطوط.
قال في "المصباح": خطَّ على الأرض: أَعْلَمَ عَلامةً، وهو المراد هنا من الخط أمام المصلي؛ ليكون سترة له.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - استحباب السترة بين يدي المصلي وتأكدها؛ لكثرة الأمر فيها.
٢ - أنَّ السترة تكون بأي شيء بارز، يكون تلقاء وجه المصلي، يمنع المارين من المرور في قِبْلته، ومكان سجوده.
٣ - فإن لم يجد شيئًا بارزًا، يكون بقدر مؤخرة رحل الراكب، فوق قتب البعير، إن لم يجد هذا، انتقل إلى ما دونه.
٤ - إن لم يجد شيئًا، فلينصب عصا؛ فقد جاء في البخاري (٤٧٣) ومسلم (٥٠٣) من حديث أبي جحيفة: "أنَّ النَّبيَّ ﷺ صلَّى بهم بالبطحاء، وبين يديه عنزة". والعنزة عصا في طرفها حديدة دقيقة، ويجوز وضع العصا في الأرض، والأفضل أن يكون عرضًا، حتى يحيط بمكان المصلي، ويستر جميع جهته القبلية.
٥ - إن لم يجد العصا خطَّ خطًّا، ويكون عرضًا، والأفضل أن يكون مقوسًا؛ كالمحراب.
قال أبو داود: سمعت أحمد يقول عن الخط: مثل الهلال.
٦ - أنَّ المصلي إذا وضع السترة من أي نوع من هذه الأنواع، فإنَّه لا يضر صلاته شيء، ولا ينقصها، ولا يبطلها من مرَّ بين يديه من ورائها.
٧ - أما المفهوم: فإنَّه إذا لم يضع سترة، فإنَّ صلاته تنقص، أو تبطل بمرور المار بالقرب منه.
٨ - صريح الحديث: أنَّه لا يضع السترة الدنيا حتى لا يجد التي أعلى منها، وأنَّها
стр. 625
مبنية على الحديث الشريف: "إذا أمرتكم بأمرٍ، فأتوا منه ما استطعتم". [رواه البخاري (٧٢٨٨)].
٩ - الصلاة عبادة جليلة، وهي الصلة بين العبد وربه، فإذا وقف المصلي فإنه يناجي الله تعالى، والمرور أمامه يخل بهلذه المناجاة، ويقطع هذا الاتصال الإلهي بانشغال القلب، فاحتيط للصلاة بهذه الوقاية.
* فائدة:
هذا إذا كان المصلي إمامًا أو منفردًا، أما المأموم فسترة الإمام سترة له؛ لأنَّه ﷺ كان يصلي إلى سترة دون أصحابه، واتَّفق المصلون خلفه على أنَّهم مصلون إلى سترة، فلا يضرهم مرور شيء بين أيديهم؛ ففي البخاري (٤٩٣) ومسلم (٥٠٤) عن ابن عباس قال: "أقبلت على حمار أتان، ورسول الله ﷺ يصلي بالناس، فمررت بين يدي بعض الصف، فلم ينكر ذلك علي أحد".
قال ابن عبد البر: لا خلاف بين العلماء أنَّ المأموم لا يضره من مر بين يديه.
* * *
стр. 626
١٨٨ - وَعنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "لَا يَقْطَعُ الصَّلَاةَ شَيْءٌ، وَادْرَؤوا مَا اسْتَطَعْتُمْ". أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَفِي سنَدِهِ ضَعْفٌ (١).
ــ
* درجة الحديث:
الحديث حسن.
وبعضهم ضعَّفه؛ لأنَّ فيه مجالد بن سعيد، وهو سيء الحفظ، وقد اضطرب فيه، فمرَّة رفعه، ومرَّة أوقفه، والموقوف أشبه بالصواب، ثم إنَّ شطره الأول مع ضعْفه يعارض الحديث الصحيح، في أنَّ المرأة وما ذكر معها تقطع الصلاة، وأما الشطر الثاني منه فصحيح المعنى، يشهد له حديث أبي سعيد في الصحيحين: "إذا صلَّى أحدكم إلى شيء يستره من الناس، فأراد أحد أن يجتاز بين يديه فليدفعه، فإن أبى فليقاتله؛ فإنَّما هو شيطان". وهذا لفظ البخاري.
والحديث له طرق وشواهد موقوفة أيضًا عن عثمان وعلي وابن عمر وعائشة وجابر، ومن الشواهد ما هو إسناده صحيح، ومنها ما هو حسن، كما بيَّنه ابن حجر في "الدراية"، وتقدم قبل عدة صفحات بحث المسألة، وذكر فيها أدلة من قال بأنه لا يقطع الصلاة شيء، وذكر هناك شواهد لهذا الحديث، مما تقويه وتجعله محتجًّا به، ولهذا قال ابن الهمام في "فتح القدير": له طرق لا ينزل بها عن رتبة الحسن، بل حديث عائشة في الصحيحين في صلاته ﷺ وهي معترضة، يعارض حديثهم في إبطال الصلاة.
стр. 627
* مفردات الحديث:
- لا يقطعُ الصلاةَ شيء: هذا عامٌّ مخصوصٌ بالأمور الثلاثة التي مرَّت في حديث أبي ذر، والتخصيص اصطلاحًا: هو إخراج بعض أفراد العام.
- ادرؤوا ما استطعتم: يقال: درأه يدرؤه، إذا دفعه، والمعنى: ادفعوا المار أمام قبلتكم قدر استطاعتكم، وليكن الدفعُ بأسهل ما يغلب على الظن دفعه به.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - ظاهر هذا الحديث أنَّ الصلاة لا يقطعها أيُّ مار أمام المصلي، ولو لم يكن للمصلي سترة.
٢ - أمر الشارع بدرء المار أمام المصلي بقدر استطاعته.
٣ - الحديث معارِض لحديث أبي ذر، الذي فيه أنَّ الصلاة يقطعها: المرأة والحمار والكلب الأسود، فأوَّل جمهور العلماء حديث أبى ذر على نقص الصلاة، بشغل القلب بمرور الثلاثة المذكورة أمام المصلي.
وأما هذا الحديث: فظاهره عدم بطلان الصلاة، وإن نقص ثوابها بالمرور.
٤ - أما على القول الصحيح الذي تقدم من أنَّ الثلاثة تبطل الصلاة، فيكون حديث أبي ذر مخصِّصًا لهذا الحديث، فإن لم يكن التخصيص، عدلنا إلى ترجيح حديث أبي ذر في مسلم على هذا الحديث الضعيف، الذي لا تقوم به حجة لو سلم من المعارِض، فكيف وقد عارضه حديث في صحيح مسلم؟! والله أعلم.
* فائدة:
السترة: مشروعة للمصلي، وكره العلماء استقبال: نارٍ، وسراجٍ، وصورةٍ، ونجاسةٍ، وبابٍ مفتوحٍ، ونائمٍ، وكافرٍ، وغير ذلك.
* * *
стр. 628
باب الحث على الخشوع في الصلاة
مقدمة
الخشوع: قال جماعة من السلف: الخشوع في الصلاة: السكون فيها.
وقال البغوي: الخشوع في البدن والبصر والصوت.
وقال أبو الشيماء: هو التذلل والتواضع لله بالقلب والجوارح.
وقال ابن القيم: جماع الخشوع: هو التذلل للآمر، والاستسلام للحكم، والانصياع للحق، فيتلقى الأمر بقبول وانقياد، ويستسلم للحكم بلا معارضة ولا رأي، ويتضع قلبه وينكسر، لنظر الرب إلى قلبه وجوارحه.
وعلى ضوء هذه التعريفات، نشأ خلاف أهل العلم، هل الخشوع من أعمال القلب، أو من أعمال الجوارح كالسكون، أو هو من مجموع الأمرين؟
قال الرازي: القول الثالث: أنَّه عام للقلب والجوارح، ودليله ما صحَّ من كلام سعيد ابن المسيب: "لو خشع قلب هذا، لخشعت جوارحه"، فهو يدل على صحة المعنى اللغوي الشرعي، من أنَّ الخشوع يكون للقلب والجوارح، فأفضله إذن أن يتواطأ القلب والجوارح عليه، فالقلب بحضوره وانكساره بين يدي الله تعالى، والجوارح بسكونها وسكوتها ذليلة بين يدي الله تعالى، وكل هذا راجعٌ إلى مراقبة الله تعالى.
قال ابن القيم: اعلم أنَّ نمو الخشوع إنما يكون بترقب من آفات النفس والعمل، فإنَّ انتظار ظهور نقائص نفسك وعملك وعيوبها لك، تجعل القلب خاشعًا لا محالة، لمطالعة عيوب النفس وأعماله ونقائصها من الكِبر والعُجب
стр. 629
والرياء، وضعف الصدق، وقلة اليقين، وتشتت العزيمة، وعدم تجرد الباعث من الهوى النفساني، وعدم إيقاع العمل على الوجه الذي ترضاه لربك، وغير ذلك من عيوب النفس، ومفسدات الأعمال.
ويكمل الخشوع بتصفية القلب من مراءاة الخلق، وتجريد رؤية الفضل، فيخفي أحواله عن الخلق جهده، والمعصوم من عصمه الله، فلا شيء أنفع للصادق من التحقق بالمسكنة، والفاقة، والذل، وقد شاهدت من شيخ الإسلام في ذلك ما لم أشاهده من غيره، قدس الله روحه.
قال محرره: أما الخشوع في الصلاة فهو روحها، ويكثر ثوابها أو يقل، حسبما عقله المصلي منها، وقد أثنى الله تعالى على الخاشعين، فقال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (٢)﴾ [المؤمنون].
وقال الشيخ الحداد: ومن المحافظة على الصلاة والإقامة لها، حُسن الخشوع فيها، وحضور القلب، وتدبر القراءة، وفهم معانيها، واستشعار الخضوع والتواضع لله عند الركوع والسجود، وامتلاء القلب بتعظيم الله وتقديسه عند التكبير والتسبيح وفي سائر أجزاء الصلاة، ومجانبة الأفكار والخواطر الدنيوية والإعراض عن حديث النفس في ذلك، بل يكون الهَمُّ مقصورًا على إقامتها، وتأديتها كما أمر الله، فإنَّ الصلاة مع الغفلة، وعدم الخشوع والخضوع -لا حاصل لها، ولا نفع فيها- ولذا جاء في الحديث التصحيح: "ليس للعبد من صلاته إلاَّ ما عقل منها، وأنَّ المصلي قد يصلي الصلاة، فلا يكتب له منها إلاَّ سدسها وإلاَّ عشرها". [رواه أحمد (١٨٤١٥)، وأبو داود (٧٩٦)]، أعني: أنَّه يكتب له منها القدر الذي كان فيه حاضرًا مع الله خاشعًا، وقد يقل ذلك، وقد يكثر بحسب الغفلة والانتباه.
فالحاضر الخاشع في جميعها له الصلاة كلها، والغافل اللاهي في جميع صلاته لايكتب له شيء منها. اهـ كلامه.
стр. 630
ولإحضار القلب في الصلاة أسباب منها:
١ - الاستعاذة بالله تعالى من الشيطان الرجيم.
٢ - تدبر القراءة في الصلاة، وأنواع الذكر فيها.
٣ - استحضار عظمة الله تعالى، وأنَّ المصلي يناجيه متوجهًا إليه.
٤ - معرفة ضعف الإنسان وفقره في حال ركوعه وسجوده لجلال الله تعالى وعظمته.
٥ - حصر نظره في موضع سجوده؛ فإنَّ النظر إذا تفرق، تبعه القلب.
٦ - ألا يدخل الصلاة وهو في انشغال بال، من أجل شهوة أكل أو شرب، أو من أجل مدافعة أحد الأخبثين.
ذهب جمهور العلماء إلى صحة الصلاة وإجزائها، ولو غلبت عليها الوساوس، وذلك مع نقص ثوابها وأجرها.
* * *
стр. 631
١٨٩ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: "نَهَى رَسُولُ الله ﷺ أَنْ يُصَلِّيَ الرَّجُلُ مُخْتَصِرًا". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ (١)، وَمَعْنَاهُ: أَن يَجْعلَ يَدَهُ عَلَى خَاصِرَتهِ.
وفِي البُخَارِيِّ عَنْ عَائِشَةَ: "أَنَّ ذلِكَ فِعْلُ اليَهُودِ فِي صَلَاتِهِمْ" (٢).
ــ
* مفردات الحديث:
- مختصرًا: اسم فاعل من: الاختصار؛ يعني: واضعًا يده على خاصرته، اْو يديه على خاصرتيه، والخاصرة من الإنسان هي ما بين الوَرِك، وأسفل الأضلاع، وهما خاصرتان.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - النهي أن يصلي المصلِّي واضعًا يده على خاصرته، وهي ما بين رأس الوَرِك، وأسفل الأضلاع.
٢ - الحكمة في النّهي هو الابتعاد عن مُشابهة اليهود؛ فإنَّهم يضعون أيديهم على خواصرهم في الصلاة.
٣ - وقيل: الحكمة أنَّه فعل المتكبرين، ولا منافاة، فإنَّ من طبيعة اليهود الكبر، واحتقار الناس، ولا يرون شعبًا، ولا جنسًا أفضل منهم، فهم يقولون: إنَّهم شعب الله المختار.
٤ - المطلوب في الصلاة الخشوع والخضوع؛ لأنَّ المصلي واقف بين يدي الله تعالى، متذلِّلًا بعيدًا عن صفات المتكبرين وسيماهم.
стр. 632
٥ - الواجبُ البعد عن مشابهة أهل الضلال؛ سواء أكان هذا التشبه مما يُخرج من الملة، أو كان يفضي إلى المعصية؛ فإنَّ من تشبه بقوم، فهو منهم.
٦ - جمهور العلماء حملوا النهي على التنزيه، ومن هؤلاء الحنابلة، قالوا: لأنَّه لا يعود على الصلاة ببطلان.
وهذا محمل وجيه، ما لم يقصد المختصر التشبه باليهود أو المتكبرين؛ فيكون حرامًا.
* * *
стр. 633
١٩٠ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: "إِذَا قُدِّمَ العَشَاءُ، فَابْدَؤوا بِهِ قَبْلَ أَنْ تُصَلُّوا المغْرِبَ". مُتَّفَقٌ علَيْهِ (١).
ــ
*ما يؤخذ من الحديث:
١ - إذا كان وقت صلاة المغرب وقد قُدِّم طعام العشاء، والنفوس متشوقة إليه، فإنَّ الأفضل هو تقديم الطعام قبل أداء الصلاة.
قال بعض المالكية: ينبغي أن يعمم هذا الحكم، ولا يخص صلاة دون صلاة، وأن ذلك قد ورد في صلاة المغرب، فليس فيه ما يقتضي الحصر فيها.
٢ - الحكمة في هذا: هو أنَّ المطلوب في الصلاة هو حضور القلب، والحاجة إِلى الطعام تشغل القلب، وتحول دون الخشوع في الصلاة، ففضِّلَ تقديم الأكل على دخول الصلاة، لتؤدَّى الصلاة براحة البال، وحضور القلب.
٣ - يؤخذ منه إبعاد كل ما يشغل النفس عن الصلاة، ويلهي القلب عن استحضار معاني الصلاة، من القراءة والأذكار، والتنقل فيها من ركن إلى ركن آخر.
٤ - جمهور العلماء حملوا تقديم الطعام على الصلاة؛ على الندب، وهو الراجح، أما الظاهرية: فحملوه على الوجوب، فلم يصححوا الصلاة في هذه الحال عملًا بالظاهر.
٥ - إذا ضاق وقت الصلاة المكتوبة؛ بحيث لو قُدِّم الطعام لخرج وقتها -فجمهور العلماء على تقديم الصلاة؛ محافظة على الوقت.
أما الذين أوجبوا الخشوع في الصلاة: فإنَّهم أوجبوا تقديم الطعام على الصلاة.
стр. 634
٦ - هذا الخلاف فيما إذا كانت النفس محتاجة للطعام، ومتعلقة به، أما مع عدم الحاجة إليه، وإنما حان وقت وجبة عادية، فالصلاة والجماعة لها مقدمة على ذلك، على أنَّه لا ينبغي أن يجعل وقت طعامه، أو وقت منامه موعدًا لوقت الصلاة، ويفوِّت الصلاة أول وقتها؛ لأجل مواعيده الرتيبة في أكله ومنامه.
٧ - قال في "الروض" و"حاشيته": ويكره دخوله في الصلاة إذا كان بحضرة طعام يشتهيه، وظاهر عباراتهم إنَّ لم تتُق نفسه إليه، فإنَّه يبدأ بالصلاة من غير كراهة.
* * *
стр. 635
١٩١ - وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "إِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ فِي الصَّلَاةِ، فَلَا يَمْسَحِ الحَصَى؛ فَإنَّ الرَّحْمَةَ تُوَاجِهُهُ". رَوَاهُ الخَمْسَةُ بِإسْنَادٍ صَحِيحٍ.
وزَادَ أَحْمَدُ: "وَاحِدَةً، أَوْ دَعْ" (١) وفي الصَّحِيحِ عَنْ مُعَيْقِبٍ نَحْوُهُ بِغَيْرِ تَعْلِيلٍ (٢).
ــ
* درجة الحديث:
قال المؤلف: إسناده صحيح، فقد رواه الخمسة بإسناد صحيح.
وأما زيادة: "فإنَّ الرّحمة تواجهه"، ففي سندها: أبو الأحوص.
قال الألباني: لم يوثقه سوى ابن حبان، فلم تثبت عدالته وحفظه.
* مفردات الحديث:
- المسح: هو أن يُمِرَّ يده على الشيء؛ لإذهاب ما عليه من أثر تراب، أو ماء ونحو ذلك، قال في "المصباح": مسحت الشيء مسحًا: أمررتُ عليه اليد.
- الحصى: دقاق التراب العالق بمواضع سجوده، والتقييد بالحصى خرج مخرج الغالب؛ لكونه كان الغالب على موضع سجودهم من الأرض.
- الرحمة: مصد: رحم يرحم رحمة ومرحمة، والرحمة: هي العفو والغفران.
- فإنَّ الرحمة تواجهه: تعليل في النهي عن المسح؛ لئلا يشغل خاطره عن سبب الرحمة.