← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13604

توضيح الأحكام من بلوغ المرام

عبد الله البسام

Полный текст (4 050 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

١٨٩ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: "نَهَى رَسُولُ الله ﷺ أَنْ يُصَلِّيَ الرَّجُلُ مُخْتَصِرًا". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ (١)، وَمَعْنَاهُ: أَن يَجْعلَ يَدَهُ عَلَى خَاصِرَتهِ. وفِي البُخَارِيِّ عَنْ عَائِشَةَ: "أَنَّ ذلِكَ فِعْلُ اليَهُودِ فِي صَلَاتِهِمْ" (٢). ــ * مفردات الحديث: - مختصرًا: اسم فاعل من: الاختصار؛ يعني: واضعًا يده على خاصرته، اْو يديه على خاصرتيه، والخاصرة من الإنسان هي ما بين الوَرِك، وأسفل الأضلاع، وهما خاصرتان. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - النهي أن يصلي المصلِّي واضعًا يده على خاصرته، وهي ما بين رأس الوَرِك، وأسفل الأضلاع. ٢ - الحكمة في النّهي هو الابتعاد عن مُشابهة اليهود؛ فإنَّهم يضعون أيديهم على خواصرهم في الصلاة. ٣ - وقيل: الحكمة أنَّه فعل المتكبرين، ولا منافاة، فإنَّ من طبيعة اليهود الكبر، واحتقار الناس، ولا يرون شعبًا، ولا جنسًا أفضل منهم، فهم يقولون: إنَّهم شعب الله المختار. ٤ - المطلوب في الصلاة الخشوع والخضوع؛ لأنَّ المصلي واقف بين يدي الله تعالى، متذلِّلًا بعيدًا عن صفات المتكبرين وسيماهم.

стр. 632

٥ - الواجبُ البعد عن مشابهة أهل الضلال؛ سواء أكان هذا التشبه مما يُخرج من الملة، أو كان يفضي إلى المعصية؛ فإنَّ من تشبه بقوم، فهو منهم. ٦ - جمهور العلماء حملوا النهي على التنزيه، ومن هؤلاء الحنابلة، قالوا: لأنَّه لا يعود على الصلاة ببطلان. وهذا محمل وجيه، ما لم يقصد المختصر التشبه باليهود أو المتكبرين؛ فيكون حرامًا. * * *

стр. 633

١٩٠ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: "إِذَا قُدِّمَ العَشَاءُ، فَابْدَؤوا بِهِ قَبْلَ أَنْ تُصَلُّوا المغْرِبَ". مُتَّفَقٌ علَيْهِ (١). ــ *ما يؤخذ من الحديث: ١ - إذا كان وقت صلاة المغرب وقد قُدِّم طعام العشاء، والنفوس متشوقة إليه، فإنَّ الأفضل هو تقديم الطعام قبل أداء الصلاة. قال بعض المالكية: ينبغي أن يعمم هذا الحكم، ولا يخص صلاة دون صلاة، وأن ذلك قد ورد في صلاة المغرب، فليس فيه ما يقتضي الحصر فيها. ٢ - الحكمة في هذا: هو أنَّ المطلوب في الصلاة هو حضور القلب، والحاجة إِلى الطعام تشغل القلب، وتحول دون الخشوع في الصلاة، ففضِّلَ تقديم الأكل على دخول الصلاة، لتؤدَّى الصلاة براحة البال، وحضور القلب. ٣ - يؤخذ منه إبعاد كل ما يشغل النفس عن الصلاة، ويلهي القلب عن استحضار معاني الصلاة، من القراءة والأذكار، والتنقل فيها من ركن إلى ركن آخر. ٤ - جمهور العلماء حملوا تقديم الطعام على الصلاة؛ على الندب، وهو الراجح، أما الظاهرية: فحملوه على الوجوب، فلم يصححوا الصلاة في هذه الحال عملًا بالظاهر. ٥ - إذا ضاق وقت الصلاة المكتوبة؛ بحيث لو قُدِّم الطعام لخرج وقتها -فجمهور العلماء على تقديم الصلاة؛ محافظة على الوقت. أما الذين أوجبوا الخشوع في الصلاة: فإنَّهم أوجبوا تقديم الطعام على الصلاة.

стр. 634

٦ - هذا الخلاف فيما إذا كانت النفس محتاجة للطعام، ومتعلقة به، أما مع عدم الحاجة إليه، وإنما حان وقت وجبة عادية، فالصلاة والجماعة لها مقدمة على ذلك، على أنَّه لا ينبغي أن يجعل وقت طعامه، أو وقت منامه موعدًا لوقت الصلاة، ويفوِّت الصلاة أول وقتها؛ لأجل مواعيده الرتيبة في أكله ومنامه. ٧ - قال في "الروض" و"حاشيته": ويكره دخوله في الصلاة إذا كان بحضرة طعام يشتهيه، وظاهر عباراتهم إنَّ لم تتُق نفسه إليه، فإنَّه يبدأ بالصلاة من غير كراهة. * * *

стр. 635

١٩١ - وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "إِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ فِي الصَّلَاةِ، فَلَا يَمْسَحِ الحَصَى؛ فَإنَّ الرَّحْمَةَ تُوَاجِهُهُ". رَوَاهُ الخَمْسَةُ بِإسْنَادٍ صَحِيحٍ. وزَادَ أَحْمَدُ: "وَاحِدَةً، أَوْ دَعْ" (١) وفي الصَّحِيحِ عَنْ مُعَيْقِبٍ نَحْوُهُ بِغَيْرِ تَعْلِيلٍ (٢). ــ * درجة الحديث: قال المؤلف: إسناده صحيح، فقد رواه الخمسة بإسناد صحيح. وأما زيادة: "فإنَّ الرّحمة تواجهه"، ففي سندها: أبو الأحوص. قال الألباني: لم يوثقه سوى ابن حبان، فلم تثبت عدالته وحفظه. * مفردات الحديث: - المسح: هو أن يُمِرَّ يده على الشيء؛ لإذهاب ما عليه من أثر تراب، أو ماء ونحو ذلك، قال في "المصباح": مسحت الشيء مسحًا: أمررتُ عليه اليد. - الحصى: دقاق التراب العالق بمواضع سجوده، والتقييد بالحصى خرج مخرج الغالب؛ لكونه كان الغالب على موضع سجودهم من الأرض. - الرحمة: مصد: رحم يرحم رحمة ومرحمة، والرحمة: هي العفو والغفران. - فإنَّ الرحمة تواجهه: تعليل في النهي عن المسح؛ لئلا يشغل خاطره عن سبب الرحمة.

стр. 636

- تواجهه: تقابله، والمراد: أنَّ الرحمة تنزل عليه، وتُقْبِل إليه. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - يكره للمصلي أن يمسح الحصى العالق بمواضع السجود من بدنه. ٢ - كما يكره أن يمسح موضع سجوده من الأرض، فإن كان لابد من تسوية موضع سجوده، فليكن مرَّة واحدة. ٣ - الحكمة في هذا هو ما جاء في الحديث من أنَّ الرحمة تكون تلقاء وجهه، في هذه التربة، التي علقت بوجهه من أثر السجود، وتكون في موضع سجوده الذي ذكر الله تعالى فيه، وسبَّحه عنده. ٤ - وقيل: خشية العبث المفضي إلى الإخلال بالصلاة، والمنافي للخشوع والتواضع، وأنه يشغل المصلي، ولا مانع من إرادة الأمرين: المحافظة على الرحمة التي علقت به، والبعد عن العبث المنافي للخشوع. ٥ - يستحب لمريد الصلاة أن يسوِّيَ مكان صلاته وموضع سجوده؛ لئلا يحتاج إلى ذلك أثناء الصلاة، ولئلا ينشغل باله به في الصلاة. ٦ - جمهور العلماء حملوا ذلك على الكراهة، لا على التحريم؛ لأنَّ المخالفة ليست كبيرة، والحركة ليست كثيرة، فهو من مكروهات الصلاة. * * *

стр. 637

١٩٢ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: "سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنِ الالْتِفَاتِ فِي الصَّلَاةِ؟ فَقَالَ: هُوَ اخْتِلَاسٌ يَختَلِسُهُ الشَّيْطَانُ مِنْ صَلَاةِ العَبْدِ". روَاهُ البُخَارِيُّ (١). ولِلْتِّرْمِذِيِّ عَنْ أَنَسٍ، وصَحَّحَهُ: "إِيَّاكَ وَالالْتِفَاتَ فِي الصَّلَاةِ؛ فَإِنَّهُ هَلَكَةٌ، فَإنْ كَانَ لَابُدَّ، فَفِي التَّطَوُّعِ" (٢). ــ * درجة الحديث: رواية الترمذي قال عنها في "نصب الراية": فيها علي بن زيد بن جدعان، وهو ضعيف، كما أنَّ فيها انقطاعًا بين سعيد بن المسيب وأنس. * مفردات الحديث: - اختلاس: بالخاء المعجمة فمثناة فوقية آخره سين مهملة؛ اختلس الشيء: استلبه نُهْزة ومخاتلة، فهو الأخذ على وجه الغفلة من المختلَس منه، والنَّهزة من المختلِس. - يختلسه: استعير لذهاب الخشوع في الصلاة بتصوير قبح تلك الفعلة، أو أنَّ المصلي مستغرِق في مناجاة ربه، والله تعالى مقبل عليه، والشيطان كالراصد منتظر فوات تلك الحالة عنه، فإذا التفت المصلي اغتنم الفرصة، فيختلسها منه. - إياك: "إيا" ضمير مبني في محل نصب مفعول به، لفعل محذوف تقديره "احذر"، و"الكاف" للخطاب.

стр. 638

- الالتفات: يقال: لتفت بوجهه يَمْنةً وَيَسْرة: صرفه إلى ذات اليمين أو الشمال، والالتفات منصوب على العطف على "إياك"، أو على التحذير بفعل محذوف تقديره: احذر الالتفات. - هلكة: بفتح الهاء واللام والكاف بعدها تاء، الهلاك: الموت، وسمي الالتفات: هَلَكَة؛ باعتبار كونه سببًا لنقصان الثواب الحاصل بالصلاة. - إياك: "إيا" ضمير مبني في محل نصب مفعول به، لفعل محذوف تقديره "احذر"، و"الكاف" للخطاب. - لابُدَّ: أي: لا محيص، ولا معدل، ولا مناص، وليس لك من ذلك بُدٌّ: يريدون به الإطلاق على أي وجه كان، و" بُدّ" لا يعرف استعمالها إلاَّ مقرونة بالنفي. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - كراهة الالتفات في الصلاة إلاَّ من حاجة. ٢ - فإن كان ثمَّ حاجة؛ كخوف وترقب عدو، لم يكره؛ لما روى أبو داود عن سهل بن الحنظلية قال: "ثُوِّب بصلاة الصبح، فجعل رسول الله ﷺ يصلي وهو يلتفت إلى الشِّعْب، وكان قد أرسل فارسًا من الليل يحرس". ٣ - كراهةُ الالتفات، إذا كان بالرأس والعنق فقط، أما إن استدار المصلي بجملته فاستدبر القبلة حرُم، وبطلت صلاته. قال ابن عبد البر: جمهور الفقهاء على أنَّ الالتفات اليسير لا يبطل الصلاة. ٤ - سبب الكراهة: أنَّه نقص في الصلاة أذهب الخشوع فيها، والإقبال على الله تعالى، وسبب الإعراض عن الله تعالى، وعن القبلة التي أُمر المصلي أن يتوجه إليها، ويصمد نحوها كل صلاته. ٥ - والالتفات من كيد الشيطان، فإنّه سرقة من صلاة العبد، أحدثت بالصلاة

стр. 639

نقصًا في قيمتها عند الله تعالى. ٦ - جاء في الرواية الأخرى التحذير من الالتفات في الصلاة، وبَيَّنَتْ أنه هلكة، وأي شيء أعظم من هلكة تصيب الإنسان في دينه، وفي أعظم شعيرة يؤديها، فقد جاء في الدُّعاء المأثور: "اللهمَّ لا تجعل مصيبتنا في ديننا". ٧ - سبب حمل العلماء الحديث على الكراهة: -أنَّه لا يبلغ بطلانها، وإنما هو نقصٌ فيها. ٨ - الصلوات المكتوبات أهمُّ الصلوات، ويجب أن تكون العناية والاهتمام بهن أكثر، ولذا فإنَّ وقوع الالتفات في الصلاة النافلة أخف منه في الفريضة، وهكذا سائر الأمور المكروهة في الصلاة، فوقوعها في النافلة أخف وأسهل من الفريضة. ٩ - سماه النبي ﷺ اختلاسًا، تصويرًا لقبح تلك الفعلة بالمختلس، فالمصلي مقبل على ربه يناجيه، والشيطان مترصِّد له يريد قطع تلك المناجاة عليه، فاذا التفت المصلي، فإنَّ الشيطان قد ظفر بمطلوبه من اختلاس أغلى ما بين يدي المصلي تلك الساعة. ١٠ - أجمع العلماء على كراهة الالتفات في الصلاة، وقال ابن هبيرة: جمهور الفقهاء على أنَّ الالتفات لا يفسد الصلاة ولا يبطلها، وإنما ينقصها. ١١ - قال الغزالي: إنما يقبل الله من صلاتك بقدر خشوعك وخضوعك، فاعبده في صلاتك كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنّه يراك، فإن لم يحضر قلبك ولم تسكن جوارحك، فهذا لقصور معرفتك بجلال الله تعالى، فعالج قلبك عساه أن يحضر معك في صلاتك، فإنَّه ليس لك من صلاتك إلاَّ ما عقلت منها. ***

стр. 640

١٩٣ - وَعَنْ أَنسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "إِذَا كَانَ أحَدُكُمْ فِي الصَّلَاةِ، فَإنَّهُ يُنَاجِي رَبَّهُ، فَلَا يَبْصُقَنَّ بَيْنَ يَدَيْهِ وَلَا عَنْ يَمِينِهِ، وَلكِنْ عَنْ شِمَالِهِ، تَحْتَ قَدَمِهِ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وفِي رِوَايَةٍ: "أوْ تَحْتَ قَدَمِهِ" (١). ــ * مفردات الحديث: - يناجي ربه: من: ناجاه مناجاة، فهو مناجٍ، وهو المخاطِبُ لغيره، والمحدِّث له، وأصل المناجاة: المسارَّة؛ قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلَا تَتَنَاجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المجادلة: ٩]، والمراد به هنا الإقبال على الله تعالى، وكما في الحديث: "لا يتناجى اثنان دون الثالث". - يبصقن: بالصاد أو السين أو الزاي، فالحروف الثلاثة متقاربة المخارج، وهي حروف الصفير، والفعل هنا مبنيٌّ على الفتح، في محل جزم؛ لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، والبصق، إخراج ماء الفم، وما دام فيه فهو ريق. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - الصلاة فرضًا أو نفلًا موطن مناجاة لله تعالى، واتصال العبد بربه، قال تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي (١٤)﴾ [طه] فلا يليق أن يبصق المصلي بين يديه، فإنَّ المناجاة تكون لمن هو أمامك، ولذا جاء في رواية أخرى للبخاري (٤١٧): "فإنَّ ربه بينه وبين القبلة"، وهذه معية خاصة من الله تعالى لعبده حال مناجاته، كما جاء في الحديث الآخر: "أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد"، وهو سبحانه على دنوه وقربه من عبده في علوه.

стр. 641

٢ - ولا يبصق عن يمينه؛ فقد جاء في التصحيح: "فإنَّ عن يمينه ملكًا"، ولابن أبي شيبة "فإنَّ عن يمينه كاتب الحسنات". ٣ - وكذلك عن شماله ملك كريم؛ فقد قال تعالى: ﴿إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ (١٧)﴾ [ق] وقد أخرج البغوي في تفسيره من حديث أبي أمامة قال: قال رسول الله ﷺ : "كاتب الحسنات أمير على كاتب السيئات". فإذا قيل: كيف يبصق عن شماله وفيه الملك؟ فالجواب والله أعلم هو ما يأتي: (أ) أنَّ المصلي لا يبصق في الصلاة، إلاَّ في حال الحاجة، والحاجة تبيح المكروهات. (ب) جهة اليمين أشرف من جهة الشمال، فيجعل اليمين للمستطابات، والشمال للمستقذرات. (ج) المَلَك المقيم في جهة اليمين، أشرف من المَلَك المقيم في جهة الشمال. (د) أرشد الشارع المصلي أن يبصق تحت قدمه الشمال، فهو لم يبصق جهة المَلَك، وإنما أسفل منه وتحت القدم، والمسلم يتقي الله تعالى ما استطاع. ٤ - العلو ثابت لله تعالى بالكتاب والسنة وإجماع أهل السنة والجماعة، ممن يقتفون الآثار، ويعنون بالأخبار، فالعلو المطلق ثابت لله تعالى على الوجه اللائق بجلاله وعظمته، فهو مُسْتَوٍ على عرشه، بائِنٌ من خلقه، محيط بكل شيء، وإثبات الجهة لله تعالى ليس معناه أنَّ الجهة تحيط به وتحصره، فالله تعالى أعظم وأجل وأوسع من ذلك، فقد وسع كرسيه السموات والأرض. ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾. ٥ - المنفي عن الله تعالى جهة السفل؛ فلا يجوز إثباتها له تعالى، فله العلو

стр. 642

المطلق بذاته، وصفاته، وقدره، وقهره. ٦ - وينفى عنه تعالى الحلول، فهو مع خلقه بعلمه وإحاطته التامة، وهو مع المؤمنين والمحسنين بحفظه ورعايته الخاصة، وهو مع العابدين الساجدين والداعين بسمعه وإجابته، وإعطائه وتفضله. ٧ - قال الإمام الجويني: العبد إذا أيقن أنَّ الله تعالى فوق السماء، عال على عرشه بلا حصر ولا كيفية، صار لقلبه قِبلة في صلاته وتوجهه ودعائه، ومن لا يعرف ربه بأنَّه فوق سماواته على عرشه، فإنَّه يبقى حائرًا لا يعرف جهة معبوده، فإذا دخل في الصلاة وكبَّر توجه قلبه إلى جهة العرش، منزِّهًا ربه تعالى عن الحصر، معتقدًا أنَّه في علوه قريب من خلقه، وهو معهم بعلمه وسمعه وبصره، وإحاطته وقدرته ومشيئته، وذاته فوق الأشياء، حتى إذا شعر قلبه بذلك في الصلاة، أو التوجه إليه، أشرق قلبه واستنار بالإيمان، وعكست أشعة العظمة على عقله، وروحه ونفسه، فانشرح لذلك صدره، وقوي إيمانه، ونزَّه ربه عن صفات خلقه من الحصر والحلول، وذاق حينئذٍ شيئًا من أذواق السابقين المقربين. وقال الشيخ ناصر الدين الألباني: ربُّنا تعالى على عرشه، فوق مخلوقاته كلها، كما تواترت فيه نصوص الكتاب والسنة، وآثار الصحابة والسلف الصالح، فإنَّه مع ذلك محيط بالعالم كله، وقد أخبر أنَّه حيثما توجه العبد، فإنَّه مستقبل وجهه . ٨ - جاء في بعض ألفاظ الحديث: "قِبلَ وجهه"؛ قال الحافِظُ وغيره: وهذا التعليل يدل على أنَّ البصاق إلى القبلة حرام؛ سواء كان في المسجد، أو لا، ولا سيَّما المصلي. ٩ - جاء في البخاري (٤١٥) ومسلم (٥٥٢)، من حديث أنس؛ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قَالَ: "البصاق في المسجد خطيئة، وكفارتها دفنها".

стр. 643

قال النووي: إذا بصق في المسجد، فقد ارتكب الحرام، وعليه أن يدفنه، ويجب الإنكار على من رأى من يبصق في المسجد. ١٠ - الإسلام يدعو إلى النظافة والطهارة والنزاهة، وَيُنَفِّرُ من القذارة والوساخة، فالأفضل للمسلم أن يصحب معه "مناديل" يزيل بها الأقذار والأذى، ويلقيها في أواني، الزبالة وأماكنها. ***

стр. 644

١٩٤ - وَعَنْ أَنسٍ ﵁ قَالَ: "كَانَ قِرَامٌ لِعَائشِةَ ﵂ سَتَرَتْ بِهِ جَانِبَ بَيْتِهَا، فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ ﷺ : أَمِيطِي عَنَّا قِرَامَكِ هَذَا؛ فَإنَّهُ لَا تَزَالُ تَصَاوِيرُهُ تَعْرِضُ لِي فِي صَلَاتِي". رَوَاهُ البُخَارِيُّ (١)، وَاتَّفَقَا عَلَى حَدِيثِهَا فِي قِصَّةِ أَنْبِجَانِيَّةِ أَبِي جَهْمٍ، وَفِيهِ: "فَإِنَّهَا ألْهَتْنِي عَنْ صَلَاتِي" (٢). ــ * مفردات الحديث: - قِرَام: -بكسر القاف المثناة وفتح الراء المخفَّفة ثم ألف فآخره ميم-: هو ستر رقيق من صوف ذي ألوان، ويتَّخذ سترًا وفراشًا في الهودج. - أمِيطي: أَمرٌ من: أَماط يميط، أي: أزيلي، قال ابن سيده: ويقال: ماط عنِّي ميطًا ومياطًا، وأماطه: نحَّاه ودفعه. - تصاويره: ألوانه، وزخارفه، ونقوشه. - تعرض: بفتح التاء وكسر الراء؛ أي: تلوح وتظهر، وفي رواية: بفتح العين وتشديد الراء، وأصله: "تتعرض" فحذفت إحدى التاءين. - أَنْبِجَانِيَّة: -بفتح الهمزة وسكون النون، وكسر الباء الموحدة وتخفيف الجيم، ثم ألف ثم نون مكسورة، بعدها ياء النسبة ثم تاء التأنيث-: هي كساء غليظ له أعلام منسوبة إلى بلد تسمى "أنبيجان" من كور "قنسرين". - أبي جهم: بفتح الجيم وسكون الهاء، كذا في رواية الأكثرين، وفي رواية القلة: "أبو جُهيم" بالتصغير، وهو عامر بن حذيفة القرشي العدوي.

стр. 645

- ألهتني: من: الإلهاء، لهي الرجل عن الشيء يلهى عنه، إذا غفل، من باب علم، ومعنى ألهتني: أشغلتني، وأما لهى يلهو، إذا لعب، فمن باب نصر ينصر. - عن صلاتي: عن كمال الحضور، وتدبر أركانها وأذكارها. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - استحباب إبعاد كل ما يشغل المصلي، من ألوان وزخارف تكون في قِبلته، وصيانة الصلاة عن كل ما يلهي المصلي، وهو إجماع. ٢ - الأفضل للمصلي أن يقصد الأماكن التي لا يكون بها ما يلهيه، أو يشغله عن صلاته، وحضور قلبه فيها. ٣ - لب الصلاة وروحها حضور القلب والخشوع، فليحرص المصلي على استجلاب دواعي ذلك؛ لتتم صلاته وتكمل عبادته، قال الإِمام أحمد: كانوا يكرهون أن يجعلوا في القِبلة شيئًا، حتى المصحف. ٤ - القيام بالأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر؛ بإزالة ما قدر على إزالته، من الأمور المنافية للشرع، والمبادرة إلى ذلك. ٥ - أنَّ النَّبيَّ ﷺ يعرض له ما يعرض لغيره -من البشر- من الخواطر، إلاَّ أنَّها لا تتمكن منه، كما هي إلاَّ خطرات بسيطة، حتى يعود إلى مناجاة الله تعالى، والاتصال بربه. ٦ - كراهة زخرفة المساجد وتزويقها، وجعل الكتابات والنقوش فيها، مما يلهي المصلين، ويشغلهم عن تدبر صلاتهم، بتتبع هذه النقوش والزخارف، وكذلك الصلاة على المفارش المنقوشة المزخرفة. ٧ - جواز ستر الجدر بالستائر، فالنبي ﷺ ما أمر بإزالتها إلاَّ من أجل تصاويرها، التي عرضت له أثناء صلاته، والأفضل تركه؛ لما في صحيح مسلم (٢١٠٦)، عن عائشة؛ أنَّه ﷺ قال: "ما أمرت أن أكسو الحجارة والطين".

стр. 646

٨ - أنَّ الخواطر التي تعرض للمصلي لا تبطل صلاته، وإنما عليه إبعادها، وإزالة دواعيها إليه. ٩ - قال في "الروض وحاشيته": ويكره أن يصحب ما فيه صورة من فص، ودنانير ودراهم، وثوب فيه صورة، فيكره اتفاقًا؛ لتشبهه بعباد الأوثان. ١٠ - قال الطيبي: فيه إيذان بأنَّ للصور والأشياء الظاهرة، تأثيرًا في القلوب والنفوس الزكية، فضلا عمَّا دونها. ١١ - قال شيخ الإِسلام: المذهب الذي نصَّ عليه الأصحاب وغيرهم: كراهة دخول الكنيسة التي فيها الصور، فالصلاة فيها، وفي كل مكان فيه تصاوير أشد كراهة، هذا هو الصواب الذي لا ريب فيه. ١٢ - واتَّفق أهل العلم على كراهة استقبال ما يلهي المصلي من صورة، أو نار، أو سراج، أو قنديل، أو شمعة؛ لأنَّه يذهب الخشوع، ولما فيه من التشبه بالمجوس في عباداتهم النيران، والصلاة مستقبلًا لها تشبه الصلاة لأجلها. ١٣ - دلت النصوص على أنَّ الأجر والثواب مشروطٌ بحضور القلب، وخضوعُ القلب فراغه من غير ما هو ملابس له، وإذا دفع الخواطر ولم يسترسل معها لم تضره، وعلى العبد الاجتهاد في دفع ما يشغل القلب، من تفكر فيما لا يعنيه، ودفع الجواذب التي تجذب القلب عن مقصود الصلاة، ولا ريب أنَّ العبد كلما أراد توجهًا إلا الله بقلبه، جاءه من الوسواس أمور أخر، فالشيطان بمنزلة قاطع الطريق وعلى العبد الاجتهاد في أن يعقل ما يقوله ويفعله فيتدبر القرآن والذكر والدعاء، ويستحضر أنه يناجي الله كأنَّه يراه. * خلاف العلماء: اختلف العلماء في تصوير، واقتناء الصور التي لها روح، وقد أطال العلماء الجدال في ذلك، حتى صَنَّفُوا فيها بعض الرسائل الصغار، ولكننا نأتي بخلاصة صغيرة هنا:

стр. 647

أولًا: أجمع العلماء على تحريم الصور المجسِّمة، لذوات الأرواح؛ للنصوص الصحيحة الصريحة في ذلك، لما فيها من المضاهاة الظاهرة لخلق الله تعالى، ويشتد التحريم والخطورة إذا كانت لعلماء ورجال صالحين؛ لأنَّها وسيلة لأكبر ذنب، وأعظم معصية، وهو الشرك بالله تعالى. ثانيًا: جمهور العلماء يخصصون من عموم النصوص لُعَب الأطفال. لما جاء في البخاري (٦١٣٠) ومسلم (٢٤٤٠) عن عائشة ﵂ قالت: "كنتُ ألعب بالبنات عند النبي ﷺ ، وكان لي صواحب يلعبن معي" ومثل هذه الصورة بعيدة عن المحظور والغلو بالتماثيل، ولما فيهنَّ من حاجة البنات الصغار إلى تدريبهن على أولادهن، ولكن على ألاَّ يُتوسَّع في هذه اللعب، ويتفنن في صُنعها حتى تصبح كالتماثيل، كما هو حال غالبها اليوم. ثالثًا: اختلفوا في الصور الشمسية غير ذات الظل: فذهب بعضهم إلى حل مثل هذه الصور، وأنها هي ظل الشخص، حبسته مواد معروفة، وإلاَّ لنُهي عن الصورة التي تظهر في المرآة، والماء الصافي ونحو ذلك، والله أعلم. ***

стр. 648

١٩٥ - وَعَنْ جَابِرَ بْنِ سَمُرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "لَيَنْتَهِيَنَّ أقْوَامٌ يَرْفَعُونَ أبْصَارَهُمْ إِلى السَّماءِ في الصَّلاَةِ، أوْ لاَ تَرْجِعُ إلَيْهِمْ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١). ولَهُ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "لاَ صَلاَةَ بِحَضْرَةِ طعامٍ وَلاَ وَهُوَ يُدَافِعُهُ الأَخْبثَانِ" (٢). ــ * مفردات الحديث: - لينتهينَّ: من الانتهاء، و"اللام" جواب قسم محذوف، والنون المشددة آخره للتوكيد، وهو خبر بمعنى الأمر. - أو لا ترجع: "أو" هنا للتخيير، الذي قصد به التهديد، وهو خبر في معنى الأمر، والمعنى: ليكونن منهم الانتهاء عن رفع الأبصار، أو خطفها عند الرفع من الله تعالى، فلا تعود إليهم أبصارهم. - يدافعه: لفظ المدافعة إشارة إلى شدة الاحتياج لقضائهما، فكأنَّهما يدفعان المصلي إلى قضائهما، والمصلي يدفعهما حتى يؤدي الصلاة. - الأخبثان: هما البول والغائط، فمن احتبس بوله فهو حاقن، ومن احتبس غائطه فهو حاقب، قال أهل اللغة: الحاقن: مدافع البول، والحاقب: مدافع الغائط، والحازق: مدافع الريح، والحاقم: مدافع البول والغائط. - والأخبثان: مثنى "أخبث"؛ وهو الذي صار ذا خبث.

стр. 649

* ما يؤخذ من الحديثين: ١ - الخشوع هو لب الصلاة وروحها، ويكون بالقلب والجوارح، والذي يرفع بصره إلى السماء، ويجيل نظره هاهنا، وهاهنا، لم يخشع قلبه ولا جوارحه؛ ذلك أنَّ القلب بفكره يتبع النظر، ولذا رأى سعيد بن المسيب رجلًا يعبث بلحيته وثيابه، فقال: "لو خشع قلب هذا، لخشعت جوارحه". ٢ - النَّهي الأكيد، والوعيد الشديد على من رفع بصره إلى السماء في الصلاة؛ فقد روى الإِمام أحمد (٢٠٩٩٧)، وأبو داود (٩٠٩)، والنسائي (١١٩٥)، من حديث أبي ذر قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يزال الله مقبلاً على العبد في صلاته ما لم يلتفت، فإذا صرف وجهه، انصرف عنه" ٣ - النبي ﷺ توعد من رفع بصره إلى السماء في الصلاة، بخطف بصره، ومع ذلك يوجد كثير ممن يرفعون أبصارهم، ولم يُعرف أنَّ أحدًا رفع بصره إلى السماء، ثم خطفت، فلم يرجع إليه نظره، وأصبح لا يبصر. والجواب: أنَّ تخلف الوعيد -كرمًا ولطفًا- لا يعني أنَّه لن يقع الأمر. الأمر الثاني: أنه قد لا يخطف حسًّا, ولكنه خطف معنى، وهذا أعظم، فإنَّ الأول عقوبة في الدنيا، والثاني عقوبة في الدنيا والآخرة، فإنَّ الإنسان إذا كان لا يستفيد من نظره فيما يعود عليه بإصلاح أمره، فقد خطفت فائدة بصره، ولذا قال تعالى: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ (٤٦)﴾ [الحج]، وقال تعالى: ﴿وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٧٩]. ٤ - هذا الوعيد يدل على تحريم رفع البصر إلى السماء في الصلاة. قال النووي: أجمع العلماء على تحريمه. قلتُ: يريد إجماع جمهور العلماء؛ فإنَّ مذهب الإِمام أحمد أنَّ رفع البصر مكروه فقط، قال في "الإنصاف": وعليه الأصحاب.

стр. 650

٥ - رفع البصر مُنَاف لأدب الصلاة ومقامها؛ فإنَّ المصلي يناجي الله تعالى، وهو تجاهه في قِبلته، فرفع البصر وروغانه عمن يراه بقلبه، إساءة أدب، تدل على أنه لا يحس أنه يعبد إلهًا يراه، وأقرب إليه من حبل الوريد. ٦ - قال فقهاؤنا: يكره تغميض عينيه؛ لأنَّه فعل اليهود، ولأنَّه مظنة النعاس، إلاَّ إن احتاج إليه، فتزول كراهته. قال ابن القيم: لم يكن من هديه تغميض عينيه، ثم قال: الصواب: أن يقال: إن كان فتحهما لا يخل بالخشوع فهو أفضل، وإن كان يحول بينه وبين الخشوع، لما في قِبلته من زخرف وتزويق، أو غيره مما يشوش قلبه، فهناك لا يكره التغميض قطعًا، والقول باستحبابه في هذه الحال أقرب إلى أصول الشرع ومقاصده، من القول بالكراهة. ٧ - أما حديث عائشة فيدل على كراهة الصلاة في حال مدافعة الأخبثين، وهما: البول والغائط، ويرى شيخ الإسلام: أنَّ الحاقن أو الحاقب أفضل له أن يقضي حاجته، ولو لم يكن عنده ماء، ويصلي بالتيمم، ويقول: إنَّ الصلاة بالتيمم وهو طهارة شرعية، أفضل من الصلاة بالماء، في حال تشوش المصلي وانشغال باله. ٨ - مثل مدافعة الأخبثين كل ما يشغل باله من ريح في جوفه، أو حر أو برد شديدين، أو جوع أو عطش مفرط، أو غير ذلك مما يذهب عنه الخشوع وحضور القلب؛ فإنَّ حضور القلب هو لب الصلاة، فإذا لم يوجد فهي أفعال وحركات تجزىء صاحبها, ولكنها لم تُنِلْه مقام المؤمنين المفلحين، الذين هم في صلاتهم خاشعون. ٩ - في صلاة مدافع الأخبثين خلافٌ، ولكن الجمهور على صحتها، ويؤولون ظاهر الحديث بأنَّه لا صلاة كاملة، أما الظاهرية فلا يرون صحة الصلاة عملًا بظاهر الحديث، وقول الجمهور هو الصواب إن شاء الله.

стр. 651

١٠ - قال القاضي عياض: كل العلماء مجمعون على أنَّه إن بلغ به ما لا يعقل به صلاته، ولا يضبط حدودها، فإنه لا يجوز له الدخول فيها، وأنه يقطع إن أصابه ذلك فيها. ١١ - قال ابن الملقن في "شرح العمدة": نلخص أن مدافعة الأخبثين أربعة أحوال: أحدها: أن يكون بحيث لا يعقل منهما الصلاة، فلا تحل له الصلاة، ولا الدخول فيها إجماعًا. ثانيها: أن يكره بحيث يفعلها مع ذهاب خشوعه بالكلية، فحكمه حكم من صلَّى بغير خشوع، والمذهب أنَّ ذلك لا يبطل الصلاة. ثالثها: بحيث يؤدي إلى الإخلال بركنٍ أو شرطٍ، فهذا يمنع عليه الدخول، ويفسد صلاته باختلالهما. رابعهما: بحيث يؤدي إلى الشك في شيء من الأركان، فحكمه حكم من شكَّ في ذلك بغير هذا السبب، وهو البناء على اليقين. ***

стр. 652

١٩٦ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ النَّبيَّ ﷺ قَالَ: "التَّثَاؤُبُ مِنَ الشَّيْطَانِ، فَإِذَا تَثَاءَبَ أحَدُكمْ، فَلْيَكْظِمْ مَا اسْتَطَاعَ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ، وزادَ: "في الصَّلاَةِ" (١). ــ *مفردات الحديث: - من الشيطان: لأنَّ التَّثاؤب ينشأ من امتلاء المعدة، وثقل البدن، وركود الحواس، التي تسبب النوم والكسل. - تثاءب: بوزن "تقاتل"، قال في: "المصباح": تثاؤب عامي بالهمزة، أصابته الثوباء، وهي حركة للفم ليست إرادية لرفع البخارات المحتقنة في عضلات القلب، تكون هذه الحركة من كسل أو نوم. - فلْيَكْظِم: بفتح ياء المضارعة وكسر الظاء، مجزوم بلام الأمر، والكَظْم: سد الفم بطباق الشفتين، وكظم يكظم من باب ضرب. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - التثاؤب: حركة للفم ليست إرادية، وإنَّما تأتي من هجوم كسل أو نوم، وهذه الحركة تسبب له فتح فيه. ٢ - ما دام أنَّ التثاؤب نتيجة الكسل والفتور، فإنَّ هذا من تسليط الشيطان، الذي يثبط المسلم عن القيام بواجباته الدينية، ومكملاته الخُلُقِيَّة. ٣ - منظر الفم مفتوحًا أثناء التثاؤب منظر كريه؛ لذا ندب للمتثائب أن يكظمه بطباق أسنانه وشفتيه ما استطاع، فإن لم يستطع، فيضع على فيه ما يستره عن نظر الحاضرين.

стр. 653

وذلك لما روى مسلم (٢٩٩٥) من حديث أبي سعيدٍ الخدري؛ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "إذا تثاءب أحدكم، فليمسك بيده على فمه؛ فإن الشَّيطان يدخل". ٤ - هذا من أدب المجالسة، ومن احترامك الحاضرين أن يكون الجليس على أحسن حال، وأجمل مظهر. ٥ - كما أن إطباق الفم أثناء التثاؤب، فيه إغاظة ومكايدة للشيطان، الذي سلط الكسل والعجز على المسلم؛ ليحرمه من النشاط في طاعة الله تعالى. ٦ - أنَّ الله ﵎ يريد من المسلم القوة والنشاط في العبادة، فالمؤمن القوي خير من المؤمن الضعيف، ولذا كانت الصلاة تباعد الأعضاء بعضها عن بعض، في الركوع والسجود، وهذا يدل على الرغبة في النشاط والقوة، أما الكسل والفتور فهي من صفات المنافقين، الذين يثقلون عند العبادة. ***

стр. 654

* فائدة: أهمل المؤلف ﵀ ذكر النية، وهي من شروط الصلاة، وتتميمًا للفائدة، فإنَّنا نلحق هذين الحديثين العظيمين اللذين هما من قواعد الإِسلام ومبانيه العظام: عن أمير المؤمنين أبي حفص عمر بن الخطاب ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إنَّما الأعمال بالنيات، وإنَّما لكل امرىء ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها، أو امرأةٍ ينكحها، فهجرته إلى ما هاجر إليه" متفق عليه (١). * مفردات الحديث: - إنما الأعمال بالنيات: كلمة "إنَّما" تفيد الحصر، فهو هنا قصر موصوف على صفة، وهو إثبات حكم الأعمال بالنيات، فهو في قوة: "ما الأعمال إلاَّ بالنيات"، وينفي الحكم عمَّا عداه. - النية: لغة: القصد، ووقع بالإفراد في أكثر الروايات، مال البيضاوي: النية عبارة عن انبعاث القلب نحو ما يراه موافقًا لغرضٍ، من جلب نفع، أو دفع ضر. اهـ. وشرعًا: العزم على فعل العبادات تقربًا إلى الله تعالى. - فمن كانت هجرته: جملة شرطية. - فهجرته إلى الله ورسوله: جواب الشرط، واتحد الشرط والجواب؛ لأَنَّهما على تقدير: من كانت هجرته إلى الله ورسوله نية وقصدًا، فهجرته إلى الله ورسوله ثوابًا وأجرًا.

стр. 655

النية نوعان: أحدهما: يُقْصَد بها تمييز العادة عن العبادة، وتمييز العبادات بعضها عن بعض، هذا النوع يتكلم عنه الفقهاء في كتب الأحكام الفرعية. الثاني: قصد المعبود بالعبادة، وهذا هو سر العبادة وروحها، قال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: ٥] وهذه النية أهم الأمرين، ذلك أنَّ إخلاص النية للمعبود هو الأصل، فالعبادة التامة هي ما توفر لها خمسة مقامات: ١ - نية العمل، فالعمل الذي يؤتى به ولَمْ يُنوَ، ليس بعبادة، وفاعله ليس متقربًا إلى الله تعالى. ٢ - نية المعبود، بأن يكون القائم لم يقم بها إلاَّ مخلصًا بها لوجه الله تعالى. ٣ - أن يقوم مستحضرًا عن القيام بها امتثال أمر الله تعالى بها ورسوله. ٤ - أن يستحضر عند القيام بالعبادة، أنَّه يعبد الله تعالى بالإيقان بها. ٥ - أن يستحضر وهو يفعلها الاقتداء برسول الله ﷺ . فهذه العبادة الكاملة التامة، التي يحصل صاحبها على كامل ثوابها، أما مجرَّد نية العمل، فهو يبرىء الذمة من الواجب، بدون الثواب الكبير. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - أنَّ مدار الأعمال على النيات، صحةً وفسادًا، وكمالًا ونقصًا، وطاعةً ومعصيةً، فمن قصد بعمله الرياء فقد فسد عمله، ومن قصد بالجهاد -مثلًا- إعلاء كلمة الله فقط، كَمُلَ ثوابه، ومن قصد ذلك والغنيمة معه، نقص ثوابه، ومن قصد الغنيمة وحدها, لم يأثم, ولكنه لا يعطى أجر المجاهد، فالحديث مسوق لبيان أنَّ كل عمل طاعةً كان في الصورة أو معصيةً، يختلف باختلاف النيات. ٢ - أنَّ النيَّة شرط أساسي في العمل، ولكن الغلو في استحضارها، يفسد على

стр. 656

المتعبد عبادته، فإنَّ مجرد قصد العمل يكون نية له، بدون تكلف استحضارها وتحقيقها. ٣ - أنَّ النيَّة محلها القلب، واللفظ بها بدعة. ٤ - وجوب الحذر من الرياء والسمعة والعمل لأجل الدنيا، ما دام أنَّ شيئًا من ذلك يفسد العبادة. ٥ - وجوب الاعتناء بأعمال القلوب، ومراقبتها. ٦ - أنَّ الهجرة من بلاد الشرك إلى بلاد الإِسلام من أفضل العبادات إذا قصد بها وجه الله تعالى. * فائدة: ذكر ابن رجب أنَّ العمل لغير الله على أقسام: فتارة يكون رياءً محضًا، لا يقصد به إلاَّ مراءاة المخلوقين، لتحصيل غرض دنيوي، وهذا لا يكاد يصدر عن مؤمن، ولا شكَّ في أنَّه يحبط العمل، وأنَّ صاحبه يستحق المقت من الله والعقوبة. وتارةً يكون العمل لله، ويشاركه الرياء، فإن شاركه من أصله، فإنَّ النصوص الصحيحة تدل على بطلانه، وإن كان أصل العمل لله، ثم طرأ عليه نية الرياء ودفعه صاحبه، فإنَّ ذلك لا يضره بغير خلاف، وقد اختلف العلماء من السلف في الاسترسال في الرياء الطارىء، هل يحبط العمل أو لا يضر فاعله، ويجازى على أصل نيته؟ اهـ بتصرف. ***

стр. 657

الفائدة الثانية: عن أبي هريرة ﵁ قَالَ: قال رسول الله ﷺ : "لا يَقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ" [رواه البخاري (٦٩٥٤)، ومسلم (٢٥٥)]. * مفردات الحديث: - لا يقبل الله: بصيغة النفي، وهو أبلغ من النهي؛ لأَنَّه يتضمن النهي، وزيادة نفي حقيقة الشيء. - أحدث: أي: حصل منه الحدث، وهو الخارج من أحد السبيلين، أو غيره من نواقض الوضوء، وفي الأصل: الحدث: الإيذاء. - الحدث: وصف حكمي يقوم بالبدن، يمنع وجوده من صحة العبادة المشروط لها الطهارة. * المعنى الإجمالي: الشارع الحكيم أرشد من أراد الصلاة ألا يدخل فيها إلاَّ على حال حسنة وهيئة جميلة؛ لأنَّها الصلة الوثيقة بين الرب وعبده، وهي الطريق إلى مناجاته، لذا أمره بالوضوء والطهارة فيها، وأخبره أنَّها مردودة غير مقبولة بغير ذلك. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - أنَّ صلاة المحدِث لا تقبل، حتى يتطهر من الحدثين: الأكبر، والأصغر. ٢ - أنَّ المراد بعدم القبول هنا: عدم صحة الصلاة، وعدم إجزائها. ٣ - أنَّ الحدث ناقض للوضوء، ومبطل للصلاة إن كان فيها. ٤ - الحديث يدل على أنَّ الطهارة شرط لصحة الصلاة. ***

стр. 658

باب المساجد مقدمة المساجد: جمع مسجد، والمسجد لغة: بفتح الميم وكسر الجيم، اسم مكان السجود. قال الصقلي: ويقال مسيد، بفتح الميم، حكاه غير واحد. وأما شرعًا: فكل موضع في الأرض فإنَّه مسجد. وهذا من خصائص هذه الأمة؛ لقوله ﷺ : "جُعِلَتْ لي الأرض مسجدًا" [رواه البخاري (٣٣٥)، ومسلم (٥٢١)]. قال القرطبي: هذا ما خصَّ الله به نبيه، وكانت الأنبياء قبله إنَّما أبيحت لهم الصلوات في مواضع مخصوصة، ولما كان السجود أشرف أفعال الصلاة، لقرب العبد من ربه فيه، اشتق منه اسم مكان، فقيل: مسجد. وللمساجد أحكام ذكرها الفقهاء في "باب الاعتكاف"، وأفرد بعض العلماء كتبًا مستقلة بأحكام المساجد، من أهمها: "إعلام الساجد بأحكام المساجد" للزركشي الشافعي. وكانت المساجد -زمن عز الإِسلام وقوته- منارة العلم ومثابة العلماء، فيها تزدحم الحلقات، وتلقى المحاضرات، وتعقد الندوات، وتسمع المناظرات، والمساجلات، فكان المسجد هو الأساس في الإِسلام، فقد كان من رسالته: أولًا: إنه مكان للعبادات وإقامة الشعائر، فكان المسلمون يلتقون فيه،

стр. 659

يجتمع قويهم بضعيفهم، وغنيهم بفقيرهم، وعالمهم بجاهلهم، فكان المحرومون من هذه المواهب يتلقونها، ويأخذونها ممن منَّ الله عليهم بها، من إخوانهم العلماء، والأقوياء، والأغنياء، والعقلاء. ثانيًا: كان المسجد هو الجامعة العلمية التي تلقى فيها الدروس، وتعقد فيها الحلقات، فتجد علماء الشريعة وعلماء اللغة، وعلماء الاجتماع، وتجد الوعاظ والمرشدين والموجهين، فيخرج التلميذ من المسجد عالمًا تقيًّا زكيًّا، حمل العلم الشرعي، وتحلَّى بالسلوك الإِسلامي، فأخذ العلم، شريعة وحقيقة وطريقة. ثالثًا: كانت تعقد في المسجد رايات الجهاد، ويُعيَّن فيه القوَّاد، وتُجهَّز الجيوش، وتتلقى أخبار الفتوح والانتصارات، فتبلغ المسلمين من أعواد منابر المساجد. رابعًا: كان المسجد كل شيء في حياة المسلمين، ذلك أنَّ أساس حياتهم كانت قائمة على الدين، وكانت أمورهم تسير وفق أحكام الإِسلام، ولما فصلوا الإِسلام عن الحياة، وقصروه على العبادات، وأبعدوه عن مجال الحياة والسياسة، ضعف أمر المسجد وهان شأنه، واستخفَّ بمقامه، وصار لا يتمسك به إلاَّ الطبقة المحرومة من الجاه والمال، والثقافة العصرية، التي صار لها الشأن الأكبر في الأوساط العلمية، فهانوا وضعفوا. فانصراف المسلمين عن المسجد، وبُعدهم عنه، واستخفافهم بأمره، وبعدهم عن القيام برسالته، والتخلي عن دوره -هو الذي حط من قدرهم، وهو الذي قلل من شأنهم، وهو الذي فرَّقهم فأضعفهم، فإذا كانوا يريدون العزة، وإذا كانوا يرجون السيادة، فليعيدوا إلى المسجد رسالته، وليهتموا بأمره، فلن يصلح آخر هذه الأمة إلاَّ بما صلح به أولها، والله من وراء القصد، وهو المستعان.

стр. 660

١٩٧ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: "أَمَرَ رَسُولُ الله ﷺ بِبِنَاءِ المسَاجِدِ فِي الدُّورِ، وَأنْ تُنَظَّفَ وَتُطَيَّبَ". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ، وصَحَّحَ إِرْسَالَهُ (١). ــ * درجة الحديث: الحديث صحيحٌ. قال ابن عبد الهادي في "المحرر": إسناد بعضهم على شرط الصحيحين، وصححه ابن حبان، وقال الساعاتي: سنده صحيح، إلاَّ أنَّ الترمذي رجَّح إرساله. * مفردات الحديث: - الدور: بضم الدال ثم بعدها واو ثم راء، جمع؛ "دار"، وهي مؤنثة، يحتمل أنَّ المراد بها البيوت، ويحتمل إرادة الأحياء، فيُبنى في كل حي مسجدٌ، والمعنى الأخير أجود وأقرب. - تطيب: يجعل فيها الطيب، وتطييبها يكون بالبخور ونحوه. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - الدور هنا تحتمل معنيين: إما أن يراد بها أحياء القبائل، فيستحب بناء المساجد في الأحياء المسكونة؛ ليجتمع أهل الحي للصلوات فيها, ولا شكَّ في عِظم أجر ذلك؛ لما جاء في البخاري (٤٥٠)، ومسلم (٥٣٣)، عن عثمان ﵁ قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "من بني مسجدًا، بني الله له مثله في الجنة".

стр. 661

ويحتمل أنَّ المراد بها: البيوت، فإنَّه يستحب تعيين مكان للصلوات النوافل، أو الفرائض، ممن لا تجب عليهم في المسجد؛ لما جاء في البخاري (٤٢٤)، ومسلم (٢٦٣)، وغيرهما عن عتبان بن مالك أنَّه قال: "يا رسول الله، إنَّ البيوت تحول بيني وبين مسجد قومي، فأحب أن تأتيني فتصلي في مكانٍ من بيتي أتَّخذه مسجدًا، فقال: سنفعل، فلما دخل قال: أيَّ مكان تريد؟ فأشرتُ له إلى ناحية من البيت، فقام رسول الله ﷺ ، وصففنا خلفه، فصلَّى بنا ركعتين". ٣ - استحباب تنظيف المساجد وتطييبها، قال تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾ [النور: ٣٦]، وقال تعالى: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ ....﴾ [الحج: ٢٦]. ٤ - احترام شعائر الله تعالى ومواطن عبادته، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ [الحج: ٣٠]، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ (٣٢)﴾ [الحج]. ٥ - قال في "شرح الإقناع": ويسن أن يُصان المسجد عن رائحة كريهة، من بصل وثوم وكراث ونحوها، وإن لم يكن فيه أحد؛ لقوله ﷺ : "إنَّ الملائكة تتأذى مما يتأذى منه الناس" [رواه ابن ماجه (٣٣٦٧)]. ٦ - استحباب صلوات النوافل في البيوت، حتى ممن تجب عليه الجماعة، جاء في البخاري (٧٣١)، ومسلم (٧٨١)، عن زيد بن ثابت؛ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "أفضل صلاة المرء في بيته، إلاَّ المكتوبة". ***

стр. 662

١٩٨ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قالَ رَسُولُ الله ﷺ : "قَاتَلَ اللهُ اليَهُودَ؛ اتَّخذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ". مُتَّفَق علَيْهِ، وَزَادَ مُسْلِمٌ: "وَالنَّصَارَى" (١). ولَهُمَا مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ: "كَانُوا إِذَا مَاتَ فِيهِمُ الرَّجُلُ الصَّالحُ، بنَوْا عَلَى قَبْرِهِ مَسْجِدًا"، وفِيهِ: "أُولَئِكِ شِرَارُ الخَلْقِ" (٢). ــ * مفردات الحديث: - قاتل الله اليهود: لعنهم الله وأبعدهم من رحمته، وقد جاء في حديث عائشة في البخاري (٤٣٥)، ومسلم (٥٢٩)؛ أنَّه ﷺ قال: "لعن الله اليهود والنصارى؛ اتَّخذوا قبور أنبيائهم مساجد". قال ابن عباس: كل شيء في القرآن "قتل" فهو لعن، وقال ابن عطية: قاتلهم الله: دعاء عليهم عام لأنواع الشر، ومن قاتله الله فهو المغلوب. - أوْلئكِ: بكسر الكاف، خطابٌ للأنثى. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - الرواية الأولى قالها النبي ﷺ في سياق الموت؛ قالت عائشة: لما نزل برسول الله ﷺ قال: "لعن الله اليهود والنصارى، اتَّخذوا قبور أنبيائهم مساجد" يحذر مما صنعوا. ٢ - الرواية الثانية: عن عائشة قالت: إنَّ أمَّ حبيبة وأم سلمة ذكرتا لرسول الله ﷺ كنيسة رأتاها في الحبشة، فيها تصاوير، فقال: "إنَّ أولئك إذا كان فيهم

стр. 663

الرجل الصالح، فمات، بنَوْا على قبره مسجدًا فيه تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة". ٣ - في الحديث تحريم التصاوير في المساجد، لاسيما للرجال الصالحين، فالفتنة فيهم أكبر وأعظم، وإذا كانت الصورة تماثيل مجسمة، كان الإثم أكبر، والفتنة أعظم. ٤ - في الحديث تحريم بناء المساجد على القبور، أو دفن الموتى في المساجد؛ للعلة التي سنذكرها إن شاء الله تعالى. ٥ - في الحديث عدم صحة الصلاة في تلك المساجد التي فيها القبور، أو فيها التماثيل؛ لمشابهة ذلك بعبادة الأصنام، وكما جاء النهي عن الصلاة في المقابر. ٦ - وفيه: أنَّ من بني مسجدًا على قبر، أو دفن ميتًا في مسجد، ووضع الصور والتماثيل في المسجد، -فهو من شرار الخلق؛ لما يحدث بسبب فعله من الفتنة الكبيرة، وهي الشرك بالله تعالى. ٧ - وفيه: أنَّ بناء المساجد على القبور، ونصب الصور في المسجد -هو عمل اليهود والنصارى، وأنَّ من فعل هذا، فقد شابههم واستحق العذاب الذي يستحقونه. ٨ - قال شيخ الإِسلام: العلة التي لأجلها نهى الشارع ﷺ عن اتخاذ المساجد على القبور -هي التي أوقعت كثيرًا من الأمم: إما في الشرك الأكبر، أو فيما دونه من الشرك، فإنَّ الشرك بالرجل الذي يعتقد صلاحه، أقرب إلى النفوس من الشرك بخشبة أو حجر، ولهذا تجد أهل الشرك يتضرعون عندها، ويخشعون، ويخضعون، ويعبدونها بقلوبهم، عبادة لا يفعلونها في بيوت الله، ولا وقت السحر، وأكثرهم يرجون من بركة الصلاة عندها، والدعاء، ما لا يرجونه في المساجد؛ فلأجل هذه المفسدة حسم النبي ﷺ مادتها،

стр. 664

حتى نهى عن الصلاة في المقبرة مطلقاً، وإن لم يقصد المصلي بركة البقعة بصلاته. وأما إذا قصد الرجل الصلاة عند القبور، تبركاً بالصلاة في تلك البقعة، فهذا عين المحادة لله ورسوله، والمخالفة لدينه، وابتداع دين لم يأذن به الله تعالى. ٩ - قال ابن القيم: وبالجملة فمن له معرفة بالشرك وأسبابه وذرائعه، جزم بما لا يحتمل الشك أنَّ هذه المبالغة، واللعن والنهي، ليس لأجل نجاسة الأرض من رفات الأموات، وإنما خشية من التدرج عندها إلى عبادتها، أو عبادة أهلها، فإنَّه -لعمر الله- من هذا الباب دخل الشيطان على عُبَّاد يغوث ويعوق ونسر، ودخل على عبَّاد الأصنام، منذ كانوا إلى يوم القيامة. ١٠ - قال الشيخ عبد العزيز بن باز: وضع الزهور على قبر الجندي المجهول بدعة، وغلو في الأجداث، وهو شبيه بعمل أولئك في صالحيهم من جهة التعليم، واتخاذ شعار لهم، ويخشى منه أن يكون ذريعة -على مدى الأيام- إلى بناء القباب عليهم، والتبرك بهم، واتخاذهم أولياء من دون الله. ***

стр. 665

١٩٩ - وَعنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: "بَعَثَ النَّبِيُّ ﷺ خَيْلاً، فَجَاءَتْ بِرَجُلٍ فَرَبَطُوهُ بِسَارِيةٍ مِنْ سَوَارِي المَسْجِدِ ... " الحدِيث، مُتَّفَقٌ علَيْهِ (١). ــ * مفردات الحديث: - برجل: جاء في الصحيحين وغيرهما: أنَّ الرجل: ثمامة بن أثال الحنفي، من سادات بني حنيفة، أسلم بعد ذلك. - خيلًا: قال القرطبي: الخيل مؤنثة، والمراد بالخيل: راكبوها من الفرسان، وواحد الخيل: خائل، وقيل: لا واحد له من لفظه، وسميت خيلاً؛ لاختيالها في المِشْيَة. - بسارية من سواري المسجد: السارية مفرد، والجمع: سواري، مثل: جارية وجواري، وهي الأسطوانة. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - ثمامة بن أثال من سادات بني حنيفة، أَسَرَتْهُ خيل المسلمين، فربطه النبي ﷺ في المسجد، فكان يمر من عنده النبيُّ ﷺ فيقول: "ما عندك يا ثمامة؟! " ثلاثة أيام. ٢ - فيه: جواز ربط الأسير في المسجد، وإن كان كافرًا. ٣ - فيه: دليلٌ على جواز دخول المشركين والكتابيين المسجد للحاجة؛ كأعمال تتعلق بالمسجد هم أقدر من غيرهم عليها، ونحو ذلك، فقد كان الكفار يدخلون عليه مسجده، ويطيلون الجلوس.

стр. 666

٤ - قال الشيخ صديق حسن في تفسير قوله تعالى: ﴿فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ ...﴾ [التوبة: ٢٨]: عدم قربانهم الحرم متفرع عن نجاستهم، وإنما نهوا عن الاقتراب للمبالغة في المنع من دخول الحرم، ونهي المشركين أن يقربوا الحرم، راجع إلى نهي المسلمين عن تمكينهم من ذلك، والمراد بالمسجد الحرام: جميع الحرم. * خلاف العلماء: اختلف أهل العلم في دخول المشرك غير المسجد الحرام من المساجد: فذهب أهل المدينة إلى منع كل مشرك عن كل مسجد، وقال الشافعي: الآية عامَّةٌ في سائر المشركين، خاصة في المسجد الحرام، فلا يمنعون من دخول غيره من المساجد. أما مذهب الإِمام أحمد: فإنه لا يحل لأي كافر دخول حرم مكة، أما المساجد الأخر فليس له دخولها, ولو كانت مساجد الحل، إلاَّ لحاجة، كما لو استؤجر، لعمارتها وإصلاحها. قال الزركشي في "إعلام الساجد": يمكن الكافر من دخول المسجد واللبث فيه، فإن الكفار كانوا يدخلون مسجده ﷺ ، وقد ترجم البخاري: "باب دخول المشرك المسجد"، وأدخل حديث الأعرابي السائل عن الإِسلام، وحديث اليهود الذين ذكروا أنَّ امرأة ورجلاً زنيا، وغير ذلك. ***

стр. 667

٢٠٠ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁:- "أنَّ عُمَرَ ﵁ مَرَّ بِحَسَّانَ يُنْشِدُ فِي المَسْجِدِ، فَلَحَظَ إِلَيْهِ، فَقَالَ: قَدْ كنْتُ أُنْشِدُ، وَفِيهِ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنْكَ". مُتَّفَقٌ علَيْهِ (١). ــ * مفردات الحديث: - حسان: بتشديد السين، وهو ابن ثابت الأنصاري الخزرجي، شاعرُ رسول الله ﷺ . - ينشد: أنشد الشعر إنشادًا، يعني: يسمع الناس في المسجد شيئًا من الشعر، ويتغنى به. - لحظ إليه: قال في "المصباح": لَحَظته بالعين، ولحظتُ إليه: نظرتُ إليه بمؤخر العين، عن يمين ويسار، فاللِّحاظ -بالكسر- مؤخر العين مما يلي الصدغ، والمراد: نظر إليه نظر إنكار وعتب. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - جاء في "صحيح البخاري" أنَّ حسان أنشد في المسجد، ما أجاب به المشركين عن النبي ﷺ به فنظر إليه عمر ﵁ كالمنكِر عليه، فقال: "كنت أنشد فيه، وفيه من هو خير منك". ٢ - جاء في الترمذي وأبي داود من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: "نهى رسول الله ﷺ عن تناشد الأشعار في المسجد"، وقال الترمذي: حديث حسن. ٣ - جمع العلماء بين الحديثين؛ بأنَّ المنهي عنه في المسجد وغيره، الأشعار

стр. 668

التي فيها هجاء الأبرياء، أو الغزل المقصود، أو نحو ذلك من الكلام الباطل، أما المنافحة عن دين الله، ورد الباطل بالكلام الحق، ونظم الحِكم والمواعظ، مما له غرض صحيح -فلا مانع منه. فالشعر كلامٌ، قبيحه قبيح، ومليحه مليح، فقد قال في "شرح الإقناع": يجب صون المسجد عن إنشاد شعر محرم، ويباح فيه إنشاد الشعر المباح. ٤ - يقاس على الشعر كل كلام، فما كان منه خير ومصلحة للدين، فهو مرغوب فيه، وما لا فائدة منه، أو فيه مضرة، فإنَّ بيوت الله تنزه عن ذلك. ٥ - كما أنَّه لابد من مراعاة عدم إشغال المصلين، والذاكرين، والتالين كتاب الله تعالى، فتراعى حالهم، ولا يشوش عليهم، فإنَّ أصل بناء المساجد لإقامة الصلاة، وذِكر الله تعالى. ***

стр. 669

٢٠١ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ سَمِعَ رَجُلاً يَنْشُدُ ضَالَّةً فِي المسْجِدِ، فَلْتقُلْ: لاَ رَدَّهَا اللهُ عَلَيْكَ؛ فَإِنَّ المسَاجِدَ لَمْ تُبْنَ لِهَذَا" رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١). ــ * مفردات الحديث: - ينشد: -بفتح الياء المثناة التحتية، وسكون النون وضم الشين المعجمة- من باب نصر، من: نشد الضالة، إذا طلبها وسأل عنها، وكذا إذا عرَّفها. يقول أهل اللغة: نشدت الدابة إذا طلبتها، وأنشدتها إذا عرفتها، ورواية هذا الحديث: "ينشد" -بفتح الياء وضم الشين- إذا طلب، ومثله الرواية الأخرى. - ضالة: كل ما ضلَّ، -جمعه ضوال- قال في "المصباح": ضالة بالهاء، للذكر والأنثى، والجمع: الضوال، ويقال لغير الحيوان: ضائع ولقطة، فالضالة خاصة بالحيوان. - لا ردَّها الله عليك: دعاء عليه بنقيض قصده، وهو نوع من أنواع التعزير. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - أنَّ من سمع من ينشد ضالة في المسجد، فليدْعُ عليه جهرًا، بقوله: لا ردها الله عليك؛ فإنَّ المساجد لم تبن لهذا. ٢ - هذا الحكم عامٌّ؛ سواء كانت حيوانًا، أو متاعًا، أو نقدًا، أو غير ذلك؛ بجامع أنَّ المساجد لم تبن لهذا. ٣ - الحديث يدل على تحريم نشدان الضالة في المسجد، ووجوب الدعاء عليه

стр. 670

بهذا الدعاء، وإعلامه باستحقاقه الدعاء؛ حيث اتَّخذ المسجد لنشدان الضوال، وإشغال المصلين والمتعبدين، بأعمال الدنيا. ٤ - ظاهره أنَّه لو خرج عند باب المسجد فنشدها، فإنَّه لا يحرم؛ لأنَّه ليس من المسجد. ٥ - فيه بيان وظيفة المسجد، بأنَّها للصلاة وذكر الله وتلاوة كتابه، والمذاكرة في الخير، ونحو ذلك. ٦ - قال ابن كثير: المساجد أحب البقاع إلى الله تعالى في الأرض، وهي بيوته التي يعبد الله فيها، قال تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ [النور: ٣٦] أمر بتطهيرها من الدنس، واللغو، والأقوال، والأفعال، التي لا تليق بها. ٧ - جاء في الطبراني في الكبير (٨/ ١٣٢)، وابن ماجه (٧٥٠) من حديث وائلة؛ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "جنبوا مساجدكم مجانينكم، وصبيانكم، ورفع أصواتكم". لكن قال عبد الحق عن هذا الحديث: إنَّه لا أصل له، وقال ابن حجر: له طرق وأسانيد، كلها واهية. ٨ - كما يحرم على صاحب الضالة أن ينشد ضالته في المسجد، فإنَّه يحرم أيضًا على من وجد ضالة، أن ينشد في المسجد صاحبها؛ ذكر ذلك الفقهاء، ومنهم الحنابلة. ***
следующие страницы →