← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13604

توضيح الأحكام من بلوغ المرام

عبد الله البسام

Полный текст (4 050 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

٤ - قال الشيخ صديق حسن في تفسير قوله تعالى: ﴿فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ ...﴾ [التوبة: ٢٨]: عدم قربانهم الحرم متفرع عن نجاستهم، وإنما نهوا عن الاقتراب للمبالغة في المنع من دخول الحرم، ونهي المشركين أن يقربوا الحرم، راجع إلى نهي المسلمين عن تمكينهم من ذلك، والمراد بالمسجد الحرام: جميع الحرم. * خلاف العلماء: اختلف أهل العلم في دخول المشرك غير المسجد الحرام من المساجد: فذهب أهل المدينة إلى منع كل مشرك عن كل مسجد، وقال الشافعي: الآية عامَّةٌ في سائر المشركين، خاصة في المسجد الحرام، فلا يمنعون من دخول غيره من المساجد. أما مذهب الإِمام أحمد: فإنه لا يحل لأي كافر دخول حرم مكة، أما المساجد الأخر فليس له دخولها, ولو كانت مساجد الحل، إلاَّ لحاجة، كما لو استؤجر، لعمارتها وإصلاحها. قال الزركشي في "إعلام الساجد": يمكن الكافر من دخول المسجد واللبث فيه، فإن الكفار كانوا يدخلون مسجده ﷺ ، وقد ترجم البخاري: "باب دخول المشرك المسجد"، وأدخل حديث الأعرابي السائل عن الإِسلام، وحديث اليهود الذين ذكروا أنَّ امرأة ورجلاً زنيا، وغير ذلك. ***

стр. 667

٢٠٠ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁:- "أنَّ عُمَرَ ﵁ مَرَّ بِحَسَّانَ يُنْشِدُ فِي المَسْجِدِ، فَلَحَظَ إِلَيْهِ، فَقَالَ: قَدْ كنْتُ أُنْشِدُ، وَفِيهِ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنْكَ". مُتَّفَقٌ علَيْهِ (١). ــ * مفردات الحديث: - حسان: بتشديد السين، وهو ابن ثابت الأنصاري الخزرجي، شاعرُ رسول الله ﷺ . - ينشد: أنشد الشعر إنشادًا، يعني: يسمع الناس في المسجد شيئًا من الشعر، ويتغنى به. - لحظ إليه: قال في "المصباح": لَحَظته بالعين، ولحظتُ إليه: نظرتُ إليه بمؤخر العين، عن يمين ويسار، فاللِّحاظ -بالكسر- مؤخر العين مما يلي الصدغ، والمراد: نظر إليه نظر إنكار وعتب. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - جاء في "صحيح البخاري" أنَّ حسان أنشد في المسجد، ما أجاب به المشركين عن النبي ﷺ به فنظر إليه عمر ﵁ كالمنكِر عليه، فقال: "كنت أنشد فيه، وفيه من هو خير منك". ٢ - جاء في الترمذي وأبي داود من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: "نهى رسول الله ﷺ عن تناشد الأشعار في المسجد"، وقال الترمذي: حديث حسن. ٣ - جمع العلماء بين الحديثين؛ بأنَّ المنهي عنه في المسجد وغيره، الأشعار

стр. 668

التي فيها هجاء الأبرياء، أو الغزل المقصود، أو نحو ذلك من الكلام الباطل، أما المنافحة عن دين الله، ورد الباطل بالكلام الحق، ونظم الحِكم والمواعظ، مما له غرض صحيح -فلا مانع منه. فالشعر كلامٌ، قبيحه قبيح، ومليحه مليح، فقد قال في "شرح الإقناع": يجب صون المسجد عن إنشاد شعر محرم، ويباح فيه إنشاد الشعر المباح. ٤ - يقاس على الشعر كل كلام، فما كان منه خير ومصلحة للدين، فهو مرغوب فيه، وما لا فائدة منه، أو فيه مضرة، فإنَّ بيوت الله تنزه عن ذلك. ٥ - كما أنَّه لابد من مراعاة عدم إشغال المصلين، والذاكرين، والتالين كتاب الله تعالى، فتراعى حالهم، ولا يشوش عليهم، فإنَّ أصل بناء المساجد لإقامة الصلاة، وذِكر الله تعالى. ***

стр. 669

٢٠١ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ سَمِعَ رَجُلاً يَنْشُدُ ضَالَّةً فِي المسْجِدِ، فَلْتقُلْ: لاَ رَدَّهَا اللهُ عَلَيْكَ؛ فَإِنَّ المسَاجِدَ لَمْ تُبْنَ لِهَذَا" رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١). ــ * مفردات الحديث: - ينشد: -بفتح الياء المثناة التحتية، وسكون النون وضم الشين المعجمة- من باب نصر، من: نشد الضالة، إذا طلبها وسأل عنها، وكذا إذا عرَّفها. يقول أهل اللغة: نشدت الدابة إذا طلبتها، وأنشدتها إذا عرفتها، ورواية هذا الحديث: "ينشد" -بفتح الياء وضم الشين- إذا طلب، ومثله الرواية الأخرى. - ضالة: كل ما ضلَّ، -جمعه ضوال- قال في "المصباح": ضالة بالهاء، للذكر والأنثى، والجمع: الضوال، ويقال لغير الحيوان: ضائع ولقطة، فالضالة خاصة بالحيوان. - لا ردَّها الله عليك: دعاء عليه بنقيض قصده، وهو نوع من أنواع التعزير. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - أنَّ من سمع من ينشد ضالة في المسجد، فليدْعُ عليه جهرًا، بقوله: لا ردها الله عليك؛ فإنَّ المساجد لم تبن لهذا. ٢ - هذا الحكم عامٌّ؛ سواء كانت حيوانًا، أو متاعًا، أو نقدًا، أو غير ذلك؛ بجامع أنَّ المساجد لم تبن لهذا. ٣ - الحديث يدل على تحريم نشدان الضالة في المسجد، ووجوب الدعاء عليه

стр. 670

بهذا الدعاء، وإعلامه باستحقاقه الدعاء؛ حيث اتَّخذ المسجد لنشدان الضوال، وإشغال المصلين والمتعبدين، بأعمال الدنيا. ٤ - ظاهره أنَّه لو خرج عند باب المسجد فنشدها، فإنَّه لا يحرم؛ لأنَّه ليس من المسجد. ٥ - فيه بيان وظيفة المسجد، بأنَّها للصلاة وذكر الله وتلاوة كتابه، والمذاكرة في الخير، ونحو ذلك. ٦ - قال ابن كثير: المساجد أحب البقاع إلى الله تعالى في الأرض، وهي بيوته التي يعبد الله فيها، قال تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ [النور: ٣٦] أمر بتطهيرها من الدنس، واللغو، والأقوال، والأفعال، التي لا تليق بها. ٧ - جاء في الطبراني في الكبير (٨/ ١٣٢)، وابن ماجه (٧٥٠) من حديث وائلة؛ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "جنبوا مساجدكم مجانينكم، وصبيانكم، ورفع أصواتكم". لكن قال عبد الحق عن هذا الحديث: إنَّه لا أصل له، وقال ابن حجر: له طرق وأسانيد، كلها واهية. ٨ - كما يحرم على صاحب الضالة أن ينشد ضالته في المسجد، فإنَّه يحرم أيضًا على من وجد ضالة، أن ينشد في المسجد صاحبها؛ ذكر ذلك الفقهاء، ومنهم الحنابلة. ***

стр. 671

٢٠٢ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: "إِذَا رَأيْتُمْ مَنْ يَبِيعُ أوْ يَبْتَاعُ فِي المَسْجِدِ، فَقُولُوا لهُ: لاَ أرْبَحَ اللهُ تِجَارَتَكَ". رَوَاهُ النَّسَائيُّ، والتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ (١). ــ * درجة الحديث: الحديث صحيحٌ. قال الترمذي: حديث حسنٌ غريب، وصحَّحه السيوطي في الجامع الصغير, وصححه الحاكم (٢/ ٦٥)، ووافقه الذهبي، وقال الألباني: سنده صحيح على شرط مسلم. * مفردات الحديث: - أو يبتاع: أصله من: الباع، وهو ما بين الكفين إذا بسط بهما يمينًا وشمالاً، ولما كان المتبايعان يمدان باعيهما عند البيع، اشتق منه البيع، وابتاع بمعنى: اشترى. - تجارتك: التجارة بالكسر مصدر، سمي به حرفة البيع والشراء. - لا أربح الله تجارتك: أي: لا يجعلها نافعة ناجحة. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - ظاهر الحديث أنَّه يجب على من سمع من يبيع، أو يشتري في المسجد، أن يقول له جهرًا: لا أربح الله تجارتك؛ فإنَّ المساجد لم تبن للبيع والشراء. ٢ - تحريم البيع والشراء في المسجد، وهل ينعقد البيع والشراء مع التحريم، أم لا؟ ذهب الإِمام الشافعي، وكثير من العلماء إلى: انعقاده مع التحريم.

стр. 672

وذهب الإِمام أحمد إلى: أنَّه يحرم ولا ينعقد، قال ابن هبيرة: منع صحته وجوازه أحمد، قال في "الفروع": والإجارة كالبيع، قال في "الإقناع": ويحرم في المسجد البيع والشراء والإجارة، فإن فعل فباطل، ويسن أن يقال لمن باع أو اشترى: لا أربح الله تجارتك، ردعًا له. ٣ - المساجد إنما بنيت لطاعة الله وعبادته، فيجب أن تجتنب أحوال الدنيا، قال القرطبي: ومما تصان عنه المساجد، وتنزه عنه: الروائح الكريهة، والأقوال والأفعال السيئة، فذلك من تعظيمها، فإنَّ معنى قوله تعالى: ﴿أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ ...﴾ [النور: ٣٦] يعني: أمر وقضى أن تبنى وتعلى، وقد جاءت أحاديث كثيرة تحض علي بنيان المساجد، ومعنى "ترفع": تعظم ويرفع شأنها، وتطهَّر من الأنجاس والأقذار، قالت عائشة "أمرنا رسول الله ﷺ أن نتَّخذ المساجد في الدور، وأن تطهر وتطيب"، رواه أحمد (٥٨٥٤). ٤ - قال القرطبي: وتصان المساجد عن البيع والشراء وجميع الأشغال؛ لما روى مسلم (٥٦٩) من حدثني بريدة؛ أنَّ النَّبيَّ ﷺ لما صلى قام رجل فقال: من دعا إلى الجمل الأحمر، فقال النبي ﷺ : "لا وجدت؛ إنما بنيت المساجد لما بنيت له"، وهذا يدل على أنَّ الأصل ألا يعمل في المسجد غير الصلاة، والأذكار، وقراءة القرآن. ***

стр. 673

٢٠٣ - وَعَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ ﵁ قَال: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "لاَ تُقَامُ الحُدُودُ فِي المَسَاجِدِ، وَلاَ يُسْتَقَادُ فِيهَا. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ (١). ــ * درجة الحديث: الحديث حسنٌ لغيره. قال المؤلف في "التلخيص": لا بأس بإسناده، وصححه السيوطي في الجامع الصغير. والجملة الثانية داخلة في الجملة الأولى، والجملة الأولى لها شاهد من حديث ابن عباس عند الحاكم، فالحديث قوي. * مفردات الحديث: - لا تقام: من الإقامة؛ أي: لا تنفذ ولا تجري. - الحدود: هي العقوبات التي حدَّها الله تعالى، وسيأتى تعريفها في بابها إن شاء الله. - لا يستقاد: من: قاد قودًا، والقود بفتحتين: القصاص قال في "اللسان": القود: القصاص، وقتل القاتل بدل القتيل والمعنى: أي: لا يقام القود في المساجد. * ما يؤخد من الحديث: ١ - النَّهي عن إقامة الحدود وتنفيذها في المساجد، سواء أكان قتلًا، أو قطعًا، أو جلدًا.

стр. 674

٢ - الحكمة في هذا -والله أعلم:- أن إقامة الحدود يحصل فيها لَغَطٌ، وارتفاع أصوات، كما أنَّ الحد قد يلوث المسجد بالدم، أو غيره مما يخرُج ممن يقام عليه الحد. ٣ - الحديث يدل على تحريم إقامة الحدود في المسجد؛ لأنَّ النَّهي يقتضي التحريم، قال في "شرح المنتهى": ويحرم إقامة الحد بمسجد؛ لحديث حكيم بن حزام، ولأنَّه لا يُؤمَن من حدوث ما يلوث المسجد. فإن أقيم به لم يُعد؛ لحصول الزجر. ***

стр. 675

٢٠٤ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: "أُصِيبَ سَعْدٌ يَوْمَ الخَنْدَقِ، فَضَرَبَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ خَيْمَةً فِي المَسْجِدِ؛ لِيَعُودَهُ مِنْ قَرِيْبٍ". مُتَّفَقٌ علَيْهِ (١). ــ * مفردات الحديث: - الخندق: أخدود أحاطه النبي ﷺ على شمال المدينة، لما حاصرها المشركون، عام خمسة من الهجرة؛ ليمنع العدو من الهجوم المباغت على المدينة وأهلها. - سعد: هو: سعد بن معاذ، سيد قبيلة الأوس من الأنصار، من فضلاء الصحابة، ﵁. - خيمة: هو كل بيتٍ يقام من أعواد الشجر، أو يتخذ من الصوف، أو القطن، ويقام على أعواد، ويشد بأطناب، جمعه: خيمات وخيام. - ليعوده: "اللام" للتعليل، والفعل منصوب بها، وزيارة المريض تسمى: عيادة. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - سعد بن معاذ أحد سادات الأنصار، شهد بدرًا وأُحُدًا، وأصيبَ يوم الخندق في أكحله، فأصابه نزيف لم يرقأ، فجعله النبي ﷺ يُمَرَّض في خيمة في المسجد؛ ليعوده من قريب، ولتمرضه امرأة، يقال لها: "رفيدة" تعالج المرضى، وسأل ﵁ ربه ألا يميته، حتى يقر عينه بمعاقبة بني قريظة، الذين خانوا وصاروا مع الأحزاب، فاستجاب الله دعاءه، فلم يمت حتى قُتِلَ رجالُهم، وسُبِيَ نساؤُهم وأطفالُهم.

стр. 676

٢ - غزوة الخندق في شوال عام خمسة من الهجرة، حاصر المدينة فيها قريش، وبعضُ قبائل نجد، بمؤامرة وتدبير من يهود بني النضير الذين بقي منهم حيي بن أخطب اليهودي النضري، وامتد الحصار خمسة وعشرين يومًا، أما المسلمون فحفروا خندقًا شمال المدينة حين علموا بالمؤامرة وعلموا بزحف عدوهم إليهم: ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا (٢٥)﴾ [الأحزاب]. ٣ - وفي الحديث: دلالة على جواز النوم في المسجد، وبقاء المريض فيه، وإن كان جريحًا. ٤ - فيه: تقدير أهل الفضل، والسابقة في الإِسلام، وتنزيلهم منازلهم، من الشفقة والعناية والتكرمة. ٥ - فيه: هذه الفضيلة لسعد بن معاذ ﵁ لمواقفه الكريمة في الإِسلام، فقد أسلم بإسلامه قبيلته جميعًا، وهم بنو عبد الأشهل، وله كلام ومقام كريم يوم بدر، حينما استشار النبي ﷺ الصحابة في القتال، وله حكم فاصل في بني قريظة، ولذا جاء في فضله أحاديث كثيرة، ﵁. ٦ - في الحديث بيان دَور المسجد في صدر الإِسلام، وأنَّه ليس للصلاة فقط، وإنما تلقى فيه العلوم، وتُعقد فيه الرايات، وتفض فيه الخصومات، وتعقد فيه المشاورات، وتحكم فيه جميع الأمور. ***

стр. 677

٢٠٥ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: "رَأيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ : يَسْتُرُنِي، وَأنَا أنْظُرُ إِلَى الحَبشَةِ، يَلْعَبُونَ في المسْجِدِ ... " الحديث. مُتَّفَقٌ علَيْهِ (١). ــ * مفردات الحديث: - الحبشة: جيل من الناس من السود في أفريقيا، وتسمى بلادهم الآن أثيوبيا، وعاصمتها "أديس أبابا" تحدها شمالاً أرتيريا، وشرقًا الصومال، وغربًا السودان، دخلها الإِسلام في القرن السابع. - يلعبون: يطلق اللعب على كل ما يلعب به، ورواية مسلم: "يلعبون في المسجد بحِرابهم". * ما يؤخذ من الحديث: ١ - الحبشة جُبِلُوا على حب اللعب والطرب؛ فالنبي ﷺ سمح لهم بإقامة غرضهم هذا في المسجد، مراعيًا في ذلك سياسية شرعية هامة، أشار إليها في بعض ألفاظ الحديث، وهي: (أ) إعلام الطوائف التي لم تدخل في الإِسلام -لخوفها من شدته وعنفه- أنَّ الإِسلام دين سماح، وانشراح، وسعة، لاسيما من تلك الطوائف، طائفة اليهود، الذين ينأون عنه وينهون عنه؛ ولذا جاء في بعض ألفاظ الحديث أنَّ عمر أنكر عليهم، فقال النبي ﷺ : "دعهم؛ لتعلم اليهود أنَّ في ديننا فسحة، وأني بعثتُ بالحنيفية السمحة".

стр. 678

(ب) أنَّ لعبهم كان في يوم عيد، والأعياد هي أيام فرح ومسرة، وتوسُّع في المباحات. (ج) أَنَّه لعب رجال فيه خشونة، وحماس، وشجاعة. ٢ - أنَّ لعبهم بحرابهم فيه تدريب على الشجاعة، والبسالة، والقتال، والاستعداد للعدو، وفيه مصلحة شرعية عامة. فسماحة الإِسلام ويسره مع تلك المبررات الهادفة، سوَّغت قيام مثل هذا في المسجد النبوي الشريف. ٣ - أما رد الخبر بأنه منسوخ، أو بأنَّ اللعب خارج المسجد ونحو ذلك -فتعسفات لا دليل عليها ولا سند لها. ولا يعارضه ما أخرجه ابن ماجه (٧٥٠)، والطبراني في الكبير (٨/ ١٣٢)، والبيهقي (١٠/ ١٠٣) عن وائلة بن عدي؛ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "جَنبِّوا مساجدكم صبيانكم، ومجانينكم" فهؤلاء ليسوا بصبيان، ولا بالمجانين، الذين يأتون بما يشغل المصلين وقت الصلاة. وأيضًا هذا الحديث ضعيفٌ جدًّا، قال ابن حجر: له طرق وأسانيد، كلها واهية. وقال عبد الحق: لا أصل له. ٤ - في الحديث دليلٌ على أنَّ المرأة تنظر إلى الرجال الأجانب، إذا لم يكن ذلك نظر شهوة. ٥ - وفي الحديث بيان يسر الشريعة وسماحتها، وأنَّ نهجها مخالف لما عليه كثير من المتشددين والمتنطعين، الذين يرون الدين شدةً وجفاءً، وغلطة وعنفًا؛ فقد جاء في صحيح البخاري (٣٩٣١): "أنَّ النَّبيَّ ﷺ "دَخَلَ عَلَى عائشة أيام مني، وعندها جاريتان تغنيان بغناء بُعاث، فاضطجع على فراشه وحوَّل وجهه، فدخل أبو بكر، فانتهرهما، فكشف عن وجهه، وقال: يا أبا بكر! دعهما؛ إنَّ لكل قوم عيدًا، وهذا عيدنا". فهذه سماحة الإِسلام وأحكامه.

стр. 679

٦ - أما استغلال هذه النصوص الشريفة وأمثالها، واستغلال سماحة الإِسلام لإفشاء الأغاني المحرمة، والمجالس الخليعة، والأصوات الفاتنة الرقيقة الرخيمة، والمناظر المخجلة -فهذا لا يجوز؛ فهذا شيء، وهذ شيء آخر، والإِسلام وسط بين الغالي والجافي، والله الهادي إلى سواء السبيل. ***

стр. 680

٢٠٦ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ "أنَّ وَلِيدَةً سَوْدَاءَ كَانَ لَهَا خِبَاءٌ فِي المَسْجِدِ، فَكَانَتْ تَأْتِينِي، فَتَحَدَّثُ عِنْدِي ... " الحَديث. مُتَّفَقٌ علَيْهِ (١). ــ * مفردات الحديث: - وليدة: الأمة الصبية إلى أن تبلغ، جمعها: ولائد. - خِباء: -بِكسر الخاء المعجمة ثم موحدة تحتية فهمزة ممدودة-: الخيمة تكون من وبر أو صوف، وقد تكون من شعر، جمعها أخبية، مثل كساء وأكسية، وتكون على عمودين أو ثلاثة، وما فوق ذلك فهو بيت. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - هذه الوليدة السوداء كانت لحي من العرب، فأعتقوها، فجاءت إلى النبي ﷺ فأسلمت، فكان لها خباء في المسجد النبوي، فكانت تأتي إلى عائشة فتتحدث عندها. ٢ - الحديث يدل على جواز الإقامة، والمنام في المسجد حتى من النساء، لاسيما لمن لم يكن له مأوى يقيم فيه، كما كان أهل الصُّفة ملازمين صفة في مسجده ﷺ . ٣ - جواز ضرب الخباء والخيمة في المسجد، للمقيم فيه والمعتكف، إذا لم يضيق على المصلين، فإن ضيَّق أزيل؛ لأنَّ حاجتهم العامة إلى العبادة مقدمة على حاجته الخاصة. ٤ - أصحاب الصفة -وهو مكان مظلَّل في المسجد النبوي- هم طائفة من فقراء

стр. 681

الصحابة منقطعين للعبادة، وفي نفس الأمر مستعدون للجهاد، ونصر دين الله وإعلاء كلمته، فهم حين يحصل النفير، أو الأمور الهامة للإسلام والمسلمين في مقدمة الصفوف، ولم ينقطعوا فيها، ويهملوا أمر المسلمين، كما يتذرع بذلك جهَّال المتصوفة إلى الانقطاع في الزوايا، والخلوات؛ ليتركوا الجهاد وأمور المسلمين، التي ورد الشرع بالقيام بها. فالإِسلام دين الفتوة والنشاط والحركة، وليس دين المسكنة، والانزواء، والانطواء، فالمؤمن القوي خير وأحب إلا الله من المؤمن الضعيف، فالانزواء والانطواء، والبعد عن أحوال المسلمين، ومهام أمورهم سلبية لا يرضاها الإِسلام. ***

стр. 682

٢٠٧ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "البُصَاقُ في المَسْجِدِ خَطِيْئَةٌ، وَكَفَّارَتُهَا دَفْنُهَا". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). ــ * مفردات الحديث: - البصاق: بضم الباء، وفيه ثلاث لغات: بالزاي والصاد والسين، والأوليان مشهوران، والبصاق: هو ماء الفم إذا خرج منه، وما دام فيه فهو ريق. - خطيئة: بوزن فعيلة، بالهمزة، ويجوز قلبها ياءً، والخطيئة: هي الإثم. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - البصاق -ومثله المخاط- في المسجد من الخطايا والذنوب؛ لأنَّ هذا يدل على أنَّ من فعل ذلك، فإنه لا يعظم المسجد، والله تعالى يقول: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ [الحج: ٣٠]. ٢ - يعارض هذا الحديث ما تقدم من حديث أنس في الصحيحين: "فليبصق عن يساره تحت قدمه". ووجه الجمع بينهما ما قاله الإِمام النووي: هما عمومان، لكن الإذن في البصق إذا لم يكن في المسجد، ويبقى عموم الخطيئة إذا كان في المسجد، من دون تخصيص. ٣ - المراد بالبصاق هنا: إذا وقع خطأً من غير إرادة، فهو خطيئة معفو عن إثمها، ويؤيد هذا التقييد: ما جاء في البخاري (٤١٤)، ومسلم (٥٤٨): "من أنَّه ﷺ رأى نخامة في جدار المسجد، فشق عليه، فقام فحكه بيده". وفي رواية النسائي (٢/ ٥٢): "فغضب حتى احمرَّ وجهه، فقامت امرأة من

стр. 683

الأنصار فحكتها، وجعلت مكانها خلوقًا، فقال ﷺ : ما أحسن هذا! ". ٤ - الممكن أن يقال: البصاق في المسجد خطيئة، عام خُصَّ منه المصلي حال الصلاة؛ لأنَّه مكفوف عن الحركة، ويبقى البصاق لمن في المسجد، وهو لا يصلي على الأصل في النهي المقتضي للتأثيم، الذي لا يحتمل منه إلاَّ بدفنها، وإنَّ قرينة حكة النخامة من جدار المسجد، ثم سياق الحديث -لتؤكد أنَّ المقصود ترخيص البصاق للمصلى، إذا كان تحت قدمه اليسرى في مسجد أو غيره، وهو ظاهر، والله أعلم. ٥ - وجوب العناية بالمساجد وتنظيفها واحترامها، قال تعالى: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ ...﴾ [الحج: ٢٦]، وقال تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ ...﴾ [النور: ٣٦]، وقالت عائشة: "إنَّ رسول الله ﷺ أمر ببناء المساجد في الدور، وأن تُنظف وتُطيب". ***

стр. 684

٢٠٨ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "لاَ تَقُومُ السَّاعَةُ، حَتَّى يَتَباهَى النَّاسُ فِي المَسَاجِدِ". أَخْرَجَهُ الخَمْسَةُ إِلاَّ التِّرْمِذِيَّ، وصَحَّحَهُ ابنُ خُزَيْمَةَ (١). ــ * درجة الحديث: الحديث صحيحٌ. صححه السيوطي في "الجامع الصغير"، ولم يتعقبه المناوي. وقال في "بلوغ الأماني": أخرجه الأربعة، وأورده البخاري تعليقًا عن أنسٍ، وصحَّحه ابن خزيمة، وابن حبان، وأخرجه أبو داود من طريق أبي قلابة بسند صحيح. * مفردات الحديث: - يتباهى: أي: يتفاخرون بالبناء المزخرف، فيقول بعضهم: مسجدي أحسن من مسجدك، علوًا وزينةً وزخرفةً. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - التباهي بالمساجد هو التفاخر بحسن بنائها وزخرفتها وتزويقها وعلوها وارتفاعها وارتفاع سقوفها؛ بأن يقول الرجل للآخر: مسجدي أحسن من مسجدك، وبنائي أحسن من بنائك في مسجدك. وقد تكون المباهاة بالفعل دون القول، كان يبالغ كل واحد في تزيين مسجده، ورفع بنائه، وغير ذلك؛ ليكون أبهى من الآخر، فالواجب ترك

стр. 685

الغلو فيها، والتزين، ويكتفي بقوة إنشائه وبساطته. ٢ - هذه الظاهرة من علامات الساعة، التي لا تقوم إلاَّ على تغير أحوال الناس، ونقص دينهم، وضعف إيمانهم، حينما تكون أعمالهم ليست لله تعالى، وإنما للرياء، والسمعة، والتباهي، والتفاخر. ٣ - دلَّ الحديث على تحريم هذا الأمر، وأنه عمل غير مقبول؛ لأنَّه لم يُعمل لله، وقد قال تعالى في الحديث القدسي: "من عمل عملًا أشرك معي فيه غيري، تركته وشركه". [رواه مسلم (٢١٨٥)]. قال الشيخ تقي الدين: ولا يظن المرائي أنَّه يكتفي بحبوط عمله، لا له ولا عليه، بل هو مستحق للذم والعقاب. ٤ - في الحديث أنَّ نقص الإيمان, وضعف الدين، والإقبال على زهرة الحياة الدنيا من أمارات الساعة وعلاماتها، وأنَّ على المرء الفَطِن الكَيِّس ألا تغره هذه المظاهر، ولا تخدعه تلك الزينات، فإنَّما هي زائلة، ولا ينفع إلاَّ الباقيات الصالحات. ٥ - فيه: أنَّ المسلم قد يقوم بالعمل الذي صورته الصلاح، ويظن أنَّه قام بعمل خيري، ولكنه لم يَحْتَطْ لنفسه، فيدخل عليه الشيطان من جانب آخر، فينخدع فيبطل أصل عمله، فعلى العامل لوجه الله أن يحتاط لدينه، ولذا قال تعالى في حق مثل هؤلاء: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (١٠٣) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (١٠٤)﴾ [الكهف]. ٦ - فيه: إثبات قيام الساعة وإثبات المعاد، وهو معلوم من الدين بالضرورة، ولله الحمد. ***

стр. 686

٢٠٩ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَا أُمِرْتُ بِتَشْيِيدِ المسَاجِدِ". أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَصَحَّحَهُ أبنُ حِبَّانَ (١). ــ * درجة الحديث: الحديث صحيحٌ. قال الحافظ: اختلف في وصله وإرساله، وقال الشوكاني: صححه ابن حبان، ورجاله رجال الصحيح. * مفردات الحديث: - بتشييد المساجد: يقال: شاد البناء يشيده: طَلاَه بالشيد -بالكسر- والشيد: كل ما طلي به البناء من جص أو نُورَةٍ أو رخام أو دهان، وتشييد البناء أيضًا بإعلائه وتطويله، ورفع سقوفه. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - قال ﷺ : "ما أمرت بتشييد المساجد" قال ابن عباس: لتزخرف كما زخرفت اليهود والنصارى معابدهم. وهذا الإدراج عن ابن عباس مهم، له حكم الأخبار النبوية؛ فإنَّ فيه من أنباء الغيب، فلا يكون بالرأي، وقد وقع هذا الأمر. ٢ - دلَّ ظاهر الحديث على تحريم الزخرفة والتزويق في المساجد؛ لأنَّه من عمل اليهود والنصارى، والتشبه بهم محرَّم، فمن تشبه بقوم فهو مثلهم. ٣ - زخرفة المساجد ليست من السنة، بل من البدع، على ما فيه من الإسراف في

стр. 687

النفقة، وهو محرَّم، مع ما في ذلك من إشغال القلوب، وإذهاب الخشوع الذي هو روح العبادة. ٤ - قوله ﵊: "ما أمرت" استفيد منه أنَّه لا يحسن ذلك، وأنَّه لو كان حسنًا وقُربة لأمر الله تعالى به، فالمساجد في الإِسلام ما أكنَّت من البرد والحر، وأذرت من المطر، وما زاد فهو مشغلة للقلب، ومضيعة للمال. ٥ - قال في "شرح الإقناع": ويكره أن يزخرف المسجد بنقش، وصبغ، وكتابة، وغير ذلك، مما يلهي المصلي عن صلاته. ٦ - كان مسجد النبي ﷺ باللَّبِن، وسقفه بالجريد، وعُمُده خشب النخيل، ولم يزد فيه أبو بكر ﵁ ولما نخرت خشبه وجريده زمن عمر بن الخطاب ﵁، أعاده علي بنائه الأول، وزاد فيه، ولما كان في عهد عثمان ﵁ زاد فيه زيادة كبيرة، وبنى جدرانه بالأحجار والجص، وجعل عُمُده من الحجارة، وسقفه الساج، فأدخل فيه ما يفيد القوة، ولا يقتضي الزخرفة. قال ابن بطال: وهذا يدل على أنَّ السنة في بنيان المساجد هو ترك الغلو في تحسينها، فقد كان عمر مع كثرة الفتوحات في أيامه، وكثرة المال عنده، لم يغير المسجد، كما كان عليه، وكذلك في زمن عثمان زاده، ولم يزخرفه. ***

стр. 688

٢١٠ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "عُرِضَتْ عَلَيَّ أُجُورُ أُمَّتِي، حَتَّى القَذَاهُّ يُخْرِجُهَا الرَّجُلُ مِنَ المَسْجِدِ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَاسْتَغْرَبَهُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ (١). ــ * درجة الحديث: الحديث ضعيف، لكن له شواهد. ورواه أبو داود، وقال الترمذي: هد ذا حديث غريب لا نعرفه إلاَّ من هذا الوجه، وقد ذاكرت به البخاري، فلم يعرفه واستغربه، وقال: لا أعرف للمطلب سماعًا من أنس. ونقل المناوي "في فتح القدير" عن الحافظ ابن حجر، قال: في إسناده ضعف، لكن له شواهد. * مفردات الحديث: - عُرضت: فعل ماضٍ، مبني للمجهول، وهو من: عرض يعرض عرضًا، من باب ضرب، وعرضت الشيء: أظهرته وأبرزته. - أجور: جمع أجر، وهو الثواب على الحسنات، وهو نائب الفاعل. - أمتي: أمة الرسول نوعان: أحدهما: أمة الدعوة، التي تشمل كل من دُعِي إلى الدين. والثاني: أمة الإجابة، وهم الذين اتَّبعوه، وهم المراد هنا. - القَذاة: بفتح القاف المثناة، وبعدها ذال معجمة مفتوحة، ثم ألف ثم تاء التأنيث، جمعها: قذًى بزنة حَصًى، والقذاة: ما يسقط في العين والشراب، والمراد هُنا: كِسَرُ الأخشاب.

стр. 689

* ما يؤخذ من الحديث: ١ - عرضت على النبي ﷺ ثواب أعمال أمته، كبيرها وصغيرها، حتى ثواب القذاة، التي يخرجها الرجل من المسجد. ٢ - فيه: دليل على أنَّ الأعمال تحصى كلها، الكبير منها والحقير، وتُوفَّى أصحابها؛ كما قال تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)﴾ [الزلزلة]. ٣ - الظاهر أنَّ أعمال أمته عرضت عليه ليلة عرج به، فاطَّلع على أعمال أمته، وثوابهم عليها. ٤ - فيه: دليل على تعظيم المساجد واحترامها، ومشروعية تنظيفها وتطييبها، كما جاء في مسند أحمد (٢٥٨٥٤) عن عائشة قالت: "أمر رسول الله ﷺ ببناء المساجد، وأن تُنظف وتطيب" فتعظيمها من تعظيم حرمات الله. ٥ - المنقبة الكبيرة لنبينا ﵊ حيث أراه الله تعالى من آياته، وأطلعه على شيء من غيبه؛ ليزداد بصيرة ويقيناً، مما يزيده نشاطًا في دعوته، وحماسًا في رسالته، فعين اليقين أرسخ من علم اليقين، ولذا قال تعالى عن خليله إبراهيم: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: ٢٦٠] فأراه الله تعالى ما طمأن قلبه، وزاد في إيمانه. ٦ - في الحديث أنَّ المسلم لا يَحْقِر من الأعمال شيئًا؛ سواء أكانت حسنة أم سيئة، فيأتي الحسنات كبرت أو صغرت، ويتجنب السيئات كبيرها وصغيرها، فالكل محصى في كتاب مبين. ***

стр. 690

٢١١ - وَعَنْ أَبِي قتادَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِذَا دَخَلَ أحَدُكُمُ المَسْجِدَ فَلاَ يَجْلِسْ حَتَّى يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ" مُتَّفَقٌ علَيْهِ (١). ــ * مفردات الحديث: - إذا دخل: "إذا" شرطية، وفعلها "دخل". - فلا يجلس: "لا" ناهية، والفعل بعدها مجزوم، وهو جزاء الشرط. - ركعتين: أطلق الجزء وأراد الكل، وهذا كثير، والغالب أنَّ الجزء المذكور لم يعين إلاَّ لأهميته. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - نُهِيَ داخل المسجد أن يجلس حتى يصلي ركعتين، تسميان تحية المسجد. ٢ - ظاهر الحديث الأمر بهما للوجوب، وحمله جمهور العلماء على الندب والاستحباب؛ لقوله ﷺ للذي يتخطى رقاب الناس: "اجلس، فقد آذيت"، ولم يأمره بالصلاة. ولقوله ﷺ لمن علَّمه أركان الإِسلام، وفيها الصلوات الخمس، دون تحية المسجد. ٣ - ظاهر الحديث أنَّهما تصليان في أي وقت، سواء أكان وقت نهي أم لا، وفي ذلك خلاف سيأتي إن شاء الله تعالى. ٤ - ظاهر الحديث أنَّ الداخل إذا جلس فاتتا عليه، ولكن قال جمع من أهل العلم: إذا لم يطل الوقت، فإنَّهما تستدركان، فيصليهما؛ لما روى ابن حبان

стр. 691

في صحيحه (٢/ ٧٦) من حديث أبي ذر: "أنَّه دخل المسجد، فقال له النبي ﷺ : ركعتَ ركعتين؟ قال: لا، قال: قُمْ فاركعهما". ٥ - قال الشيخ عثمان بن قائد النجدي: الطواف تحية الكعبة، وتحية المسجد الحرام الصلاة، وتجزيء عنها الركعتان بعد الطواف. وهذا لا ينافي أنَّ تحية المسجد الحرام الطواف؛ لأنَّه مجمل وذا تفصيل، ذكر معناه في الإقناع. قال في "سبل السلام": لو دخل المسجد الحرام، وأراد القعود قبل الطواف، أو لم يرد الطواف، فإنَّه يشرع له التحية، كغيره من المساجد. ٦ - إذا دخل المسجد وهم في المكتوبة، وهو يريد الصلاة معهم، فإنَّه يجب عليه أن يدخل معهم، ولا يجوز له الانشغال بصلاة غير المكتوبة؛ لما في صحيح مسلم (٧١٠): "إذا أقيمت الصلاة، فلا صلاة إلاَّ المكتوبة". وتجزيء عن تحية المسجد، فإنه إذا اجتمع عبادتان من جنس واحد، دخلت إحداهما في الأخرى. * خلاف العلماء: اختلف العلماء في الصلوات ذوات الأسباب؛ كتحية المسجد، وركعتي الوضوء، وصلاة الكسوف، هل تصلى وقت النَّهي أم لا؟: فذهب الحنفية والمالكية والحنابلة إلى أنَّ جميع التطوعات لا تصلى في وقت النهي عدا ركعتي الطواف، وعند الحنفية: حتى ركعتا الطواف، لا يصليها في أوقات النَّهي، مستدلين بعموم أحاديث النَّهي. وذهب الشافعية وإحدى الروايتين في مذهب أحمد إلى: أنَّ النَّهي خاص بالنفل المطلق عن السبب، أما الصلوات ذوات الأسباب فجائزة عند وجود سببها.

стр. 692

واستدلوا بالأحاديث الخاصة بهذه الصلوات؛ فإنَّها مخصِّصة لأحاديث النَّهي العامة. واختار هذه الرواية شيخ الإِسلام ابن تيمية، وغيره من أصحاب الإِمام أحمد. قال المجوزون: إنَّه بهذا تجتمع الأدلة كلها، ويعمل بأحاديث الجانبين كلها. ***

стр. 693

باب صفة الصلاة مقدمة صفة الصلاة هي: الهيئة الحاصلة في الصلاة، بما لها من الأركان والواجبات والسنن, وهي تبرىء الذمة وتسقط الواجب، إذا أداها العبد بشروطها وأركانها وواجباتها فقط. وهي أعظم العبادات وسيلة إلى مرضاة الله تعالى، وحصول ثوابه، إذا صاحب أداءَ الواجبات الخشوعُ، والخضوع، والطمأنينة، وجمع؛ القلب على الله تعالى، بحيث يؤديها بحال المراقبة لله تعالى، والتفكر والتدبر لما يقول من القراءة، والذكر، والدعاء، ولما يفعل من هيئات القيام، والركوع، والسجود، والقعود. قال الغزالي: لن تصل أيها المسلم إلا القيام بأوامر الله تعالى، إلاَّ بمراقبة قلبك وجوارحك، في لحظاتك وأنفاسك، من حين تصبح إلا حين تمسي، فاعلم أنَّ الله مطلع على ضميرك، ومشرف على ظاهرك وباطنك، ومحيط بجميع خطواتك وخطراتك، وسائر سكناتك وحركاتك، فتأدب في حضرة الملك الجبار، واجتهد ألا يراك حيث نهاك، ولا يفقدكَ حيث أمرك. واعلم أنَّ الله مطلعٌ على سريرتك، وناظر إلى قلبك، فإنَّما يتقبَّل من صلاتك بقدر خشوعك وخضوعك، فاعبده في صلاتك كأنَّك تراه، فإن لم تكن تراه فإنَّه يراك، فإن لم يحضر قلبك، ولم تسكن جوارحك، فهذا لقصور معرفتك بجلال الله تعالى، فعالج قلبك، عساه أن يحضر معك صلاتك، فإنَّه ليس لك من صلاتك إلاَّ ما عَقلتَ منها. اهـ كلامه، رحمه الله تعالى.

стр. 694

٢١٢ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ "أنَّ النبيَّ ﷺ قال: إِذَا قُمتَ إِلى الصَّلاةِ فَأسْبغِ الوُضُوءَ، ثُمَّ اسْتَقْبِلِ القِبْلَةَ، فَكَبِّرْ، ثُمِّ اقْرَأ مَا تَيَسَّرَ مَعَكَ مِنَ القُرْآنِ، ثُمَّ ارْكَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ رَاكِعًا، ثُمَّ ارْفعْ حَتَّى تَعْتَدِل قَائِمًا، ثُمَّ اسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِدًا، ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تطْمَئِنَّ جَالِسًا، ثُمَّ اسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِدًا، ثُمَّ افْعَلْ ذلك في صلاَتِكَ كُلِّهَا". أَخْرَجَهُ السَّبعةُ، واللَّفظُ للبُخَارِيِّ. ولابن ماجهُ بإسْنَادِ مسُلمٍ: "حتَّى تطْمَئِنَّ قَائِمًا" (١). ومِثله في حَدِيثِ رِفَاعَةَ بنِ رَافِعٍ عِنْدَ أَحْمَدَ وَابْنِ حِبَّانَ: "حَتَّى تَطْمَئِنَّ قَائِمًا". ولأحْمَدَ: "فَأَقِمْ صُلْبكَ حَتَّى تَرْجِعَ العِظَامُ". وَللنَّسَائِيِّ وَأبي داودَ مِنْ حَديث رِفَاعَةَ بنِ رَافِعٍ: "إنَّها لَنْ تَتِمَّ صَلاَة أَحَدِكُمْ حَتَّى يُسْبغَ الوُضُوءَ، كَمَا أمَرَهُ اللهُ تَعَالى، ثُمَّ يُكَبِّرَ الله تَعالى، ويَحْمَدَهُ وَيثْنِيَ عَلَيْهِ". وفِيها: "فَإنْ كانَ مَعَكَ قُرْآنٌ فَاقْرَأ، وإلاَّ فَاحْمَدِ الله، وَكبِّرْهُ، وَهَلِّلْهُ". ولأبِي دَاودَ: "ثُمَّ اقْرَأ بِأُمِّ الكِتَابِ، وَبِمَا شَاءَ اللهُ".

стр. 695

ولابنِ حِبَّانَ: "ثُمَّ بِمَا شِئْتَ" (١) ــ * مفردات الحديث: - أسبغَ: يقال: سبع يسبغ سبوغًا، من باب قعد: تمَّ وكَمُلَ، ويتعدى بالهمزة، فيقال: أسبغت الوضوء: أتممته؛ أي: أبلغته مواضعه، ووفَّيت كل عضو حقه. - أم الكتاب: هي الفاتحة، سميت بذلك؛ لجمعها المعاني العظيمة التي اشتمل عليها القرآن، ولأنَّها فاتحته في التلاوة والكتاب. - ما تيسر من القرآن: ما سهل عليك معرفته من القرآن، والمراد بذلك سورة الفاتحة؛ لأنَّها أيسر سورة تحفظ من القرآن، ولما جاء في أبي داود: "فاقرأ بأم الكتاب". - راكعًا: الركوع: حني الظهر حتى تمس اليدين الركبتين، وكماله حتى يستوي الرأس بالظهر. - حتى تطمئن راكعًا: جاء في تفسير الطمأنينة في بعض روايات الحديث، بقوله: "حتى تطمئن مفاصلك، وتسترخي"، و"حتى تستوي جالسًا"، "فأقم صلبك حتى ترجع العظام"، و"يسجد حتى يمكن وجهه وجبهته"، فهذه تفاسير الطمأنينة في هذه الأركان ونحوها، و"حتى" في هذه المواضع لغاية ما يقع به الركن، فدلت "حتى" على أنَّ الطمأنينة داخلة فيه. - راكعًا: منصوبَة على أنَّها حال مؤكدة. - أقم صلبك: بضم الصاد وسكون اللام، وقد تضم اللام للاتباع، وهو فقار الظَّهر، قال تعالي: ﴿يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ (٧)﴾ [الطارق].

стр. 696

ويجمع على: أصلاب وأصلب. - كبره وهلله: كلمتان منحوتتان من "الله أكبر" و"لا إله إلاَّ الله"، والنحت: هو جمع حروف الكلمة وتركيبها، من كلمتين أو كلمات. - فكبر: يعني: قل: "الله أكبر" لا يقوم غيرها مقامها، وتكون همزة "الله" مقصورة، فإن مدها, لم تنعقد صلاته؛ لأنَّها صارت همزة استفهام. ومثلها في القصر همزة "أكبر" فهي بالمد تكون استفهامًا، وإن قال: "أكبَار" لم تنعقد صلاته؛ لأنه جمع "كَبَر"، والكبر: الطبل، فيكون "أكبار" بمعنى: طبول. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - هذا حديثٌ عظيمٌ جليلٌ يسميه العلماء "حديث المسيء في صلاته". ٢ - قصة الحديث أنَّ رجلًا من الصَّحابة، اسمه: "خلاد بن رافع"، دخل المسجد فصلى صلاة غير مجزئة، والنبي ﷺ ينظر إليه، فلما فرغ من صلاته، جاء إلى النبي ﷺ فسلم عليه، فردَّ ﵇، ثم قال: "ارجع فصل؛ فإنَّك لم تصلِّ"، فرجع وعمل في صلاته الثانية، كما عمل في صلاته الأولى، ثم جاء إلى النبي ﷺ ، فقال له: "ارجع فصل؛ فإنَّك لم تصل" ثلاث مرات، فأقسم الرجل أنَّه لا يُحسن من الصلاة إلاَّ ما فعل، فعندما اشتاق إلى العلم، وتهيَّأ لقبوله، علَّمه النبي ﷺ كيف يصلي، كما جاء في الحديث. وذلك بأن يكبر تكبيرة الإحرام، ثم يقرأ الفاتحة، ثم يركع حتى يطمئن راكعًا، ثم يعتدل من الركوع ويطمئن، ثم يسجد فيطمئن، ثم يجلس بعد السجود ويطمئن، ثم يسجد أخرى ويطمئن، ثم يفعل هكذا في صلاته كلها، ما عدا تكبيرة الإحرام، الخاصة بالركعة الأولى. ٣ - ما ذُكر في هذا الحديث -من الأقوال والأفعال- هو مما يجب في الصلاة، وما لم يذكر فيه يدل على عدم وجوبه، ما لم يثبت بدليلٍ آخر؛ ذلك أنَّ ما

стр. 697

ذكر فيه قد سُبق بلفظ الأمر، بعد قوله: "ارجع فصل؛ فإنك لم تصل"، كما أنَّه سيق مساق الاستقصاء، في تعلم ما يجب في الصلاة. وأما الاستدلال به على أنَّ كل ما لم يذكر فيه لا يجب، فلأنَّه مقام تعليم جاهل لواجبات الصلاة، فلو ترك بعض ما يجب، لكان منه تأخيرٌ للبيان عن وقت الحاجة، وهو لا يجوز بالإجماع. ٤ - طريق الاستدلال بهذا الحديث على ما يجب، وما لا يجب من أقوال الصلاة وأفعالها، هو أن تُحْصَى ألفاظ الحديث الصحيحة, وكل موضع اختلف الفقهاء في وجوبه، وكان مذكورًا في الاستدلال على هذا الحديث، فإنَّنا نتمسك بوجوبه، ما لم يأت دليل معارض أقوى منه. وكل موضع اختلف الفقهاء في وجوبه، ولم يكن مذكورًا في هذا الحديث الذي سيق مساق التعليم، وإن جاءت صيغة أمر بشيء لم يذكر في هذا الحديث، احتمل أن يكون هذا الحديث قرينة على حمل الصيغة على الندب، واحتمل البقاء على الظاهر، فيحتاج إلى مرجع للعمل به. ٥ - يدل الحديث على وجوب الأعمال المذكورة في هذا الحديث؛ بحيث لا تسقط سهوًا ولا جهلًا، وهي: (أ) تكبيرة الإحرام: وهي ركن من أركان الصلاة في الركعة الأولى فقط. قال الغزالي: التكبير معناه: تعظيم الباري جلَّ وعلا، بأنَّه أكبر من كل شيء وأعظم، وهو متضمن تنزيهه عن كل عيبٍ ونقصٍ، وحكمة الاستفتاح به استحضار عظمة من يقف بين يديه، وأنَّه أكبر شيء يخطر بباله، ليصيب الخشوع والحياء من يشتغل فكره بغيره، ولهذ أجمع العلماء على أنَّه ليس للعبد من صلاته إلاَّ ما عقل منها. (ب) قراءة الفاتحة في كل ركعة، ثم الركوع، والاعتدال منه، ثم السجود، والاعتدال منه، والطمأنينة في كل هذه الأفعال، حتى في الرفع

стр. 698

من الركوع والسجود، خلافًا لمن لم يوجبْها في هذين الركنين. (ج) أما بقية الأركان -كالتشهد، والصلاة على النبي ﷺ ، والتسليم- فقال البغوي: إنَّها معلومة لدى السائل. ٦ - يفعل هذه الأركان في كل ركعة من أركان الصلاة، عدا تكبيرة الإحرام، فهي في الركعة الأولى دون غيرها. ٧ - جاء في صفة الاعتدال بعد الركوع في هذا الحديث، لفظ: "حتى تطمئن قائمًا"، وجاء فيه: "فأقم صلبك حتى ترجع العظام"؛ والعلماء أمام هذا التغاير بين ألفاظ الحديث، يذهبون مذهب التعارض، ولكن هذا المخرج قد لا يمكن في بعض الأحاديث، والأفضل حينئذ هو الجمع بين النصين، ما أمكن الجمع، فإن لم يمكن فإننا ندع الشاذ، ونأخذ بالمحفوظ والراجح. ففي هذا الحديث نأخذ بقوله: "حتى تطمئن قائمًا"، فإنَّه أبلغ من "حتى ترجع العظام"؛ لأنَّ الطمأنينة رجوع العظام وزيادة. ٨ - الطمأنينة: قال فقهاؤنا: هي الركن التاسع من أركان الصلاة، في الركوع، والاعتدال منه، والسجدة، والجلوس بين السجدتين، وفي قدرها وجهان: أحدهما: أنها السكون وإن قلّ، وهي المذهب. الثاني: أنَّها بقدر الذكر الواجب، قال المجد وغيره: وهذا هو الأقوى. قال في "الإنصاف": وفائدة الوجهين إذا نسي التسبيح في ركوعه أو سجوده، أو التحميد في اعتداله، أو سؤال المغفرة في جلوسه، فصلاته صحيحة على الوجه الأول، ولا تصح على الثاني. والوجه الثاني هو القول الصحيح في قدر الطمأنينة. ٩ - وجوب الطمأنينة في الرفع من الركوع، والرفع من السجود، وسيأتي بيانه إن شاء الله. ١٠ - وجوب الوضوء وإسباغه للصلاة، وأنَّ ذلك شرط.

стр. 699

١١ - وجوب استقبال القبلة للصلاة، وأنَّ ذلك شرط. ١٢ - وجوب الترتيب بين الأركان؛ لأنَّه ورد بلفظ "ثم"، كما أنَّه مقام تعليم جاهل بالأحكام. ١٣ - أنَّ هذه الأركان لا تسقط جهلًا ولا سهوًا، بدليل أمر المصلي بالإعادة، ولم يكتف ﷺ بتعليمه، ولأنَّها من باب المأمورات التي لا يعذر تاركها بجهل ولا نسيان. ١٤ - أنَّ صلاة المسيء بالكيفية التي صلاها غير صحيحة، ولا مجزئة، ولولا ذلك لم يؤمر بإعادتها, وليكن في ذلك عبرة وعظة لمن ينقرون صلاتهم، ولا يتمونها, وليعلموا أنَّها صلاة غير مجزئة. قال شيخ الإِسلام: قوله: "فإنَّك لم تصل" نفى أن يكون عملُه صلاةً، والعمل لا يكون منفيًا إلاَّ إذا انتفى شيء من واجباته، فلا يصح نفيه لانتفاء شيء من المستحبات. وقال الصنعاني: لا يتم حمل النفي على نفي الكمال، فإنَّ كلمات النفي موضوعة لنفي الحقيقة. ١٥ - أنَّ من أتى بعبادة على وجه غير صحيح جهلًا، ومضى زمنها، فإنَّه لا يطلب منه إعادتها؛ بناءً على القاعدة الشرعية التي ذكرها شيخ الإِسلام ابن تيمية، بقوله: "أوامر الشرع لا تلزم المكلف إلاَّ بعد عليه بها، وكذلك من ترك واجبًا قبل بلوغ الشرع، كمن لم يتيمم لعدم الماء؛ لظنه عدم الصحة، أو لم يترك الأكل حتى يتبيّن له الخيط الأبيض من الخيط الأسود". ١٦ - مشروعية حسن التعليم، وطريقة الأمر بالمعروف؛ بأن يكون بطريقة سهلة ميسرة، حتى لا ينفره، فيرفض المتعلم إذا عُلِّم بطريق العنف والشدة والغلظة. ١٧ - يستحب للمسؤول أن يزيد في الجواب إذا اقتضت المصلحة، ذلك كأن تكون قرينة الحال تدل على جهل السائل، ببعض الأحكام التي يحتاجها.

стр. 700

١٨ - أنَّ الاستفتاح، والتعوذ، والبسملة، ورفع اليدين، وجعلهما على الصدر، وهيئات الركوع، والسجود، والجلوس، وغير ذلك -كلها مستحبة. ١٩ - قوله: "ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن"، القرآن: هو كلام الله تعالى حقًّا؛ قال تعالى: ﴿فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦] فليس هو عبارة عن كلام الله، كما تقوله الأشاعرة، ولا حكايه عن كلام الله، كما تقوله الكرامية، ولا مخلوقًا، كما تقوله المعتزلة، ولكنه كلامه هو، كما قاله هو جلَّ وعلا، وبلَّغه رسوله ﷺ ، واعتقده الصحابة والتابعون، وأتباعهم من أئمة السلف الصالح، وبهذا يعرف فضل هذا القرآن، وأنَّه أشرف الكلام، وأصدقه، وأعدله، وأفصحه، وأبلغه. ٢٠ - أنَّ المعلِّم يبدأ في تعليمه بالأهم فالأهم، وتقديم الفروض على المستحبات. *خلاف العلماء: ذهب الحنفية إلى: صحة الصلاة بقراءة أي شيء من القرآن، حتى من قادر على الفاتحة عالم بها، مستدلين بقوله تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ [المزمل: ٢٠] واستدلُّوا أيضًا بإحدى روايات هذا الحديث "ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن". وذهب الجمهور إلى: عدم صحة الصلاة بدون الفاتحة لمن يحسنها، مستدلين بما في الصحيحين من حديث عبادة بن الصامت؛ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: "لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب"، وهذا نفي لحقيقة الصلاة، لا لكمالها. وأجابوا عن الآية: بأنَّها جاءت لبيان ما يقرأ في صلاة الليل، بعد الأمر في أول السورة بقوله: ﴿قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (٢) نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (٣) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا (٤)﴾ [المزمل] فخففت القراءة والصلاة إلى المتيسر من ذلك.

стр. 701

وأما رواية الحديث: فمجملة، فسَّرتها الروايات الآخر عند أبي داود (٨٥٦): "اقرأ بأم القرآن، وبما شاء الله" وقد سكت عنه، أبو داود، وما سكت عنه فهو صالح. ولابن حبان (٥/ ٨٨) في حديثه: "واقرأ بأم القرآن، وبما شئت". قال ابن الهمام: الأولى الحكم بأنَّه ﷺ قال للمسيء في صلاته ذلك كله. واختلف العلماء في قراءة الفاتحة؛ هل تكون في الركعتين الأوليين، أم في جميع الصلاة؟ فذهب بعض العلماء إلى: وجوب الفاتحة في الركعتين الأوليين دون غيرهما. وجمهور العلماء: يرون وجوبها في كل ركعة، ويدل عليه قوله: "ثم افعل ذلك في صلاتك كلها". قال الحافظ ابن حجر: وحديث أبي قتادة في البخاري، من كونه ﷺ كان يقرأ الفاتحة في كل ركعة، مع قوله: "صلوا كما رأيتموني أصلي" -دليل الوجوب. واختلف العلماء في وجوب الطمأنينة في الرفع من الركوع، وما بين السجدتين. فذهب الحنفية إلى: عدم وجوبها في الرفع من الركوع، وما بين السجدتين. وذهب جمهور العلماء من فقهاء المذاهب الأربعة إلى: وجوب الطمأنينة في الاعتدال بعد الركوع، والجلسة بعد السجود، كما هو محل اتفاق في بقية الأركان، وحجة الجمهور بعض روايات هذا الحديث التي أمرت بالطمانينة فيهما، وما جاء في البخاري (٧٥٩)، ومسلم (٤٧١)، من حديث البراء بن

стр. 702

عازب: "أنَّه رمق صلاة النبي ﷺ من حين قيامه، فركعته، فاعتداله بعد ركوعه، فسجدته، فجلسته ما بين التسليم والانصراف، قريبًا من السواء". * فائدة: قال ابن الملقن في "شرح العمدة": اعلم أن الواجبات في الصلاة على ضربين: متفق عليه، ومختلف فيه، وليس هذا الحديث موضوعًا لحصرها، بل لحصر ما أهمله هذا الرجل المصلي وجهله في صلاته، فقد استدل به الكثير من الفقهاء على أنَّ ما ذكر فيه فهو واجب، وما لم يذكر فليس بواجب؛ فليس الحديث موضوعًا لبيان سنن الصلاة اتفاقًا. ***

стр. 703

٢١٣ - عنْ أَبي حُمَيْدٍ السَّاعِديِّ ﵁ قَالَ: "رَأيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ إِذَا كَبَّرَ جَعَلَ يَدَيْهِ حَذْوَ مَنكِبيَه، وَإذَا رَكعَ أمْكَنَ يَدَيْهِ مِنْ رُكْبَتَيْهِ، ثُمَّ هَصَرَ ظَهْرَهُ، فَإذَا رَفَعَ رَأْسَهُ اسْتَوَى حَتَّى يَعُودَ كلُّ فَقَارٍ مَكَانَهُ، فَإذَا سَجَدَ وَضَعَ يَدَيْهِ غَيْرَ مُفْتَرِشٍ وَلاَ قَابِضِهِمَا، وَاسْتَقْبلَ بِأَطْرَافِ أصَابعِ رِجْلَيْهِ القِبْلَةِ، وإِذَا جَلَسَ في الرَّكْعَتَيْنِ جَلَسَ عَلَى رِجْلِهِ اليُسْرَى، وَنَصَبَ اليُمْنَى، وَإذَا جَلَسَ في الرَّكْعَةِ الأَخِيرَةِ، قَدَّمَ رِجْلَهُ اليُسْرَى، وَنَصَبَ الأُخرَى، وَقَعَدَ عَلَى مَقْعَدَتِهِ" أَخْرجَهُ البُخَارِيُّ (١). ــ * مفردات الحديث: - أمكن يديه: يقال: مكنه من الشيء، وأمكنه منه: أقدره عليه، وأمكن يديه من ركبتيه؛ أي: مكن اليد من الركبة في القبض عليها. - جعل يديه حذو منكبيه: "حذْوَ" بفتح الحاء وسكون الذال، يقال: حاذى الشيءُ الشيءَ محاذاة: صار بحذائه وإزائه؛ يعني: أنَّ المصلي يرفع يديه -عند تكبيرة الإحرام- حتى تحاذي منكبيه. - منكبيه: المنكب: -بفتح الميم وكسر الكاف-: هو مجتمع رأس العضد والكتف، مذكرًا. - هصر ظهره: بفتح الهاء فصادٌ مهملةٌ مفتوحة فراءٌ، أصل الهصر: أن يأخذ برأس العود، فيثنيه إليه ويعطفه. قال الخطابي: ثنى ظهره في استواء من غير تقويس، وفي رواية البخاري على الراجح: "حتى ظهره" بالحاء المهملة

стр. 704

والنون، والمعنى واحد. - فقار: بتقديم الفاء على القاف، وبفتح القاف المخففة، جمع "فقيرة"، وهي عظام فقرات الظهر المستقيمة من عظام الصلب، من لدن الكاهل إلى العجب، والجمع: فقر وفقار، قال ثعلب: فقار الإنسان سبع عشرة. - رُكبتيه: تثنية "ركبة"، جمعه "ركب"، مثل: غرفة وغرف، والركبة: موصل ما بين أسفل أطراف الفخذ وأعالي الساق. - مفترش ذراعيه: افتراش الذراعين: هو إلقاؤهما على الأرض. - حنى: بالحاء المهملة والنون، هو بمعنى الرواية الأخرى: "غير مقنع رأسه، ولا مصوِّبه". قال شيخ الإِسلام: الركوع في لغة العرب لا يكون إلاَّ إذا سكن حين انحنائه، وأما مجرد الخفض فلا يسمى ركوعًا. - مقعدته: المقعدة: هي السافلة من الشخص. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - وجوب تكبيرة الإحرام بقول: "الله أكبر"، ولا تنعقد الصلاة بدونها. ٢ - استحباب رفع اليدين حذو المنكبين مع تكبيرة الإحرام. قال في "شرح الإقناع": ويكون ابتداء الرفع مع ابتداء التكبير، ويسقط ندب رفع اليدين مع فراغ التكبير كله؛ لأنَّه سنة فات محلها. قال الحافظ: روى رفع اليدين في أول الصلاة خمسون صحابيًّا، منهم العشرة المبشرون بالجنة، وهو سنة عند الأئمة الأربعة. ٣ - استحباب تمكين يديه من ركبتيه أثناء الركوع، وتفريج أصابعه، وأحاديث وضع اليدين على الركبتين في الركوع -بلغت حد التواتر. ٤ - استحباب هصر المصلي ظهره أثناء الركوع؛ ليستوي مع رأسه، فيكون الرأس بإزاء الظهر، فلا يرفعه ولا يخفضه. ٥ - ثم يرفع رأسه، ويديه حتى يحاذي بهما منكبيه، ويقول الإِمام والمنفرد:

стр. 705

"سمع الله لمن حمده"، ويقول المأموم: "ربنا ولك الحمد"، ويبقى مستويًا مطمئنًا، راجعًا كل فقار من فقرات الظهر إلى مكانه. ٦ - ثم يسجد ويضع كفيه على الأرض، غير مفترش لذراعيه، موجهًا أصابع يديه إلى القبلة، غير قابض لهما. ٧ - يضع قدميه على الأرض، مستقبلًا بأطراف أصابعه القبلة. ٨ - إذا جلس في التشهد الأول فرش رجله اليسرى، وجلس عليها، ونصب اليمنى مستقبلاً بأصابعها القبلة. ٩ - إذا جلس في التَّشهد الأخير -للصلاة التي فيها تشهدان- جلس متورِّكًا، بأن يقدم رجله اليسرى ويخرجها من تحته، وينصب اليمنى، ويضع إليتيه على الأرض. ١٠ - قال الفقهاء: المرأة تفعل مثل ما يفعل الرجل في جميع ما تقدم، حتى رفع اليدين، لكن تضم نفسها في ركوع وسجود وغيرهما، فلا تتجافى، وتسدل رجليها في جانب يمينها في جلوسها، والتربع والسدل أفضل؛ لأنَّه أستر لها، قال في "الإنصاف": بلا نزاع. ***
следующие страницы →