← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13604

توضيح الأحكام من بلوغ المرام

عبد الله البسام

Полный текст (4 050 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

وأما رواية الحديث: فمجملة، فسَّرتها الروايات الآخر عند أبي داود (٨٥٦): "اقرأ بأم القرآن، وبما شاء الله" وقد سكت عنه، أبو داود، وما سكت عنه فهو صالح. ولابن حبان (٥/ ٨٨) في حديثه: "واقرأ بأم القرآن، وبما شئت". قال ابن الهمام: الأولى الحكم بأنَّه ﷺ قال للمسيء في صلاته ذلك كله. واختلف العلماء في قراءة الفاتحة؛ هل تكون في الركعتين الأوليين، أم في جميع الصلاة؟ فذهب بعض العلماء إلى: وجوب الفاتحة في الركعتين الأوليين دون غيرهما. وجمهور العلماء: يرون وجوبها في كل ركعة، ويدل عليه قوله: "ثم افعل ذلك في صلاتك كلها". قال الحافظ ابن حجر: وحديث أبي قتادة في البخاري، من كونه ﷺ كان يقرأ الفاتحة في كل ركعة، مع قوله: "صلوا كما رأيتموني أصلي" -دليل الوجوب. واختلف العلماء في وجوب الطمأنينة في الرفع من الركوع، وما بين السجدتين. فذهب الحنفية إلى: عدم وجوبها في الرفع من الركوع، وما بين السجدتين. وذهب جمهور العلماء من فقهاء المذاهب الأربعة إلى: وجوب الطمأنينة في الاعتدال بعد الركوع، والجلسة بعد السجود، كما هو محل اتفاق في بقية الأركان، وحجة الجمهور بعض روايات هذا الحديث التي أمرت بالطمانينة فيهما، وما جاء في البخاري (٧٥٩)، ومسلم (٤٧١)، من حديث البراء بن

стр. 702

عازب: "أنَّه رمق صلاة النبي ﷺ من حين قيامه، فركعته، فاعتداله بعد ركوعه، فسجدته، فجلسته ما بين التسليم والانصراف، قريبًا من السواء". * فائدة: قال ابن الملقن في "شرح العمدة": اعلم أن الواجبات في الصلاة على ضربين: متفق عليه، ومختلف فيه، وليس هذا الحديث موضوعًا لحصرها، بل لحصر ما أهمله هذا الرجل المصلي وجهله في صلاته، فقد استدل به الكثير من الفقهاء على أنَّ ما ذكر فيه فهو واجب، وما لم يذكر فليس بواجب؛ فليس الحديث موضوعًا لبيان سنن الصلاة اتفاقًا. ***

стр. 703

٢١٣ - عنْ أَبي حُمَيْدٍ السَّاعِديِّ ﵁ قَالَ: "رَأيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ إِذَا كَبَّرَ جَعَلَ يَدَيْهِ حَذْوَ مَنكِبيَه، وَإذَا رَكعَ أمْكَنَ يَدَيْهِ مِنْ رُكْبَتَيْهِ، ثُمَّ هَصَرَ ظَهْرَهُ، فَإذَا رَفَعَ رَأْسَهُ اسْتَوَى حَتَّى يَعُودَ كلُّ فَقَارٍ مَكَانَهُ، فَإذَا سَجَدَ وَضَعَ يَدَيْهِ غَيْرَ مُفْتَرِشٍ وَلاَ قَابِضِهِمَا، وَاسْتَقْبلَ بِأَطْرَافِ أصَابعِ رِجْلَيْهِ القِبْلَةِ، وإِذَا جَلَسَ في الرَّكْعَتَيْنِ جَلَسَ عَلَى رِجْلِهِ اليُسْرَى، وَنَصَبَ اليُمْنَى، وَإذَا جَلَسَ في الرَّكْعَةِ الأَخِيرَةِ، قَدَّمَ رِجْلَهُ اليُسْرَى، وَنَصَبَ الأُخرَى، وَقَعَدَ عَلَى مَقْعَدَتِهِ" أَخْرجَهُ البُخَارِيُّ (١). ــ * مفردات الحديث: - أمكن يديه: يقال: مكنه من الشيء، وأمكنه منه: أقدره عليه، وأمكن يديه من ركبتيه؛ أي: مكن اليد من الركبة في القبض عليها. - جعل يديه حذو منكبيه: "حذْوَ" بفتح الحاء وسكون الذال، يقال: حاذى الشيءُ الشيءَ محاذاة: صار بحذائه وإزائه؛ يعني: أنَّ المصلي يرفع يديه -عند تكبيرة الإحرام- حتى تحاذي منكبيه. - منكبيه: المنكب: -بفتح الميم وكسر الكاف-: هو مجتمع رأس العضد والكتف، مذكرًا. - هصر ظهره: بفتح الهاء فصادٌ مهملةٌ مفتوحة فراءٌ، أصل الهصر: أن يأخذ برأس العود، فيثنيه إليه ويعطفه. قال الخطابي: ثنى ظهره في استواء من غير تقويس، وفي رواية البخاري على الراجح: "حتى ظهره" بالحاء المهملة

стр. 704

والنون، والمعنى واحد. - فقار: بتقديم الفاء على القاف، وبفتح القاف المخففة، جمع "فقيرة"، وهي عظام فقرات الظهر المستقيمة من عظام الصلب، من لدن الكاهل إلى العجب، والجمع: فقر وفقار، قال ثعلب: فقار الإنسان سبع عشرة. - رُكبتيه: تثنية "ركبة"، جمعه "ركب"، مثل: غرفة وغرف، والركبة: موصل ما بين أسفل أطراف الفخذ وأعالي الساق. - مفترش ذراعيه: افتراش الذراعين: هو إلقاؤهما على الأرض. - حنى: بالحاء المهملة والنون، هو بمعنى الرواية الأخرى: "غير مقنع رأسه، ولا مصوِّبه". قال شيخ الإِسلام: الركوع في لغة العرب لا يكون إلاَّ إذا سكن حين انحنائه، وأما مجرد الخفض فلا يسمى ركوعًا. - مقعدته: المقعدة: هي السافلة من الشخص. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - وجوب تكبيرة الإحرام بقول: "الله أكبر"، ولا تنعقد الصلاة بدونها. ٢ - استحباب رفع اليدين حذو المنكبين مع تكبيرة الإحرام. قال في "شرح الإقناع": ويكون ابتداء الرفع مع ابتداء التكبير، ويسقط ندب رفع اليدين مع فراغ التكبير كله؛ لأنَّه سنة فات محلها. قال الحافظ: روى رفع اليدين في أول الصلاة خمسون صحابيًّا، منهم العشرة المبشرون بالجنة، وهو سنة عند الأئمة الأربعة. ٣ - استحباب تمكين يديه من ركبتيه أثناء الركوع، وتفريج أصابعه، وأحاديث وضع اليدين على الركبتين في الركوع -بلغت حد التواتر. ٤ - استحباب هصر المصلي ظهره أثناء الركوع؛ ليستوي مع رأسه، فيكون الرأس بإزاء الظهر، فلا يرفعه ولا يخفضه. ٥ - ثم يرفع رأسه، ويديه حتى يحاذي بهما منكبيه، ويقول الإِمام والمنفرد:

стр. 705

"سمع الله لمن حمده"، ويقول المأموم: "ربنا ولك الحمد"، ويبقى مستويًا مطمئنًا، راجعًا كل فقار من فقرات الظهر إلى مكانه. ٦ - ثم يسجد ويضع كفيه على الأرض، غير مفترش لذراعيه، موجهًا أصابع يديه إلى القبلة، غير قابض لهما. ٧ - يضع قدميه على الأرض، مستقبلًا بأطراف أصابعه القبلة. ٨ - إذا جلس في التشهد الأول فرش رجله اليسرى، وجلس عليها، ونصب اليمنى مستقبلاً بأصابعها القبلة. ٩ - إذا جلس في التَّشهد الأخير -للصلاة التي فيها تشهدان- جلس متورِّكًا، بأن يقدم رجله اليسرى ويخرجها من تحته، وينصب اليمنى، ويضع إليتيه على الأرض. ١٠ - قال الفقهاء: المرأة تفعل مثل ما يفعل الرجل في جميع ما تقدم، حتى رفع اليدين، لكن تضم نفسها في ركوع وسجود وغيرهما، فلا تتجافى، وتسدل رجليها في جانب يمينها في جلوسها، والتربع والسدل أفضل؛ لأنَّه أستر لها، قال في "الإنصاف": بلا نزاع. ***

стр. 706

٢١٤ - وَعَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ "كَانَ إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلاَةِ، قَالَ: وَجَّهْتُ وَجْهِيَ للَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ ... إِلى قَوْلِهِ: مِنَ المُسْلِمِيْنَ اللَّهُمَّ انْتَ المَلِكُ لاَ إِله إلاَّ أنْتَ، أنْتَ رَبَيِّ وَانا عَبْدُكَ ... إِلى آخرِهِ". رواهُ مُسْلِمٌ. وفي رِوَايَةٍ لهُ: "إنَّ ذَلكَ في صلاَةِ اللَّيْلِ" (١). ــ * درجةُ الحديث: قول المؤلف: وفي رواية لمسلم: "أنَّ ذلك في صلاة الليل" قال عنه في "تحفة الأحوذي": هذا الحديث روي في مسلم من وجهين، ليس في واحد منهما أنَّ ذلك في صلاة الليل، ورواه الترمذي من ثلاثة أوجه، ليس في واحد منها أنَّ ذلك في صلاة الليل، ورواه أبو داود من وجهين لم يقع في واحد منهما أنَّ ذلك في صلاة الليل؛ فهذا وهمٌ من المؤلف -رحمه الله تعالى- والله أعلم. وتمام دعاء الحديث: " ... حنيفًا مسلمًا، وما أنا من المشركين، إنَّ صلاتي ونُسْكِي ومحياي ومماتي لله ربِّ العالمين، لا شريك له، وبذلك أمرت وأنا من المسلمين". * مفردات الحديث: - وجَّهتُ وَجْهِي: أي: توجهت بالعبادة وأخلصتها للذي فطر السموات ... إلخ. - فاطر السموات والأرض: الفطر: الابتداء، وهو المراد هنا؛ أي: مبتدىء خلق السموات والأرض، ومخترعها على غير مثال سابق.

стр. 707

- حنيفًا: حال، ومعناه: مائل من الباطل إلى الدين الحق، وهو الإِسلام. - نُسُكِي: النسك: العبادة، وكل ما يتقرب به إلى الله، وعطفه على "الصلاة" من باب عطف العام على الخاص. - محيَايَ وَمَمَاتِي: أي: أعمالي في حين حياتي، وعند موتي، فهو المالك لهما المختص بهما، ويجوز فيهما فتح الياء وإسكانها, ولكن فتح الأول وإسكان الثاني أكثر. - لَبيْكَ وسَعْديك: أي أسعد بأمرك، وأتبعه إسعادًا متكررًا، وأجيبك إجابة بعد إجابة، يارب. - أَنَا بكَ وَإِليك: أي: التجائي وانتهائي إليك، وتوفيقي بك. - تباركت: أي: ثبت الخير عندك وكثر. - وجهت وجهي: بإسكان الياء عند الأكثرين وفتحها، أي: قصدت بعبادتي. - لله: متعلق بالجميع؛ أي: كل ما ذكر كائنٌ لله تعالى، وذلك في الصلاة والنسك بالإخلاص لوجهه تعالى، وفي الحياة والموت، بمعنى أنَّه خالقهما ومدبرهما، لا تصرف لغيره فيهما. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - استفتاح الصلاة فرضًا كانت أو نفلاً؛ سواء أكان ذكرًا أم دعاءً، يقال بعد تكبيرة الإحرام، وقبل التعوذ والقراءة، وهو في الركعة الأولى دون غيرها. ٢ - هو مندوب وليس بواجب؛ لحديث المسيء في صلاته المتقدم. ٣ - وقد ورد له عدة ألفاظ، والأفضل أن يأتي كل مرَّة بلفظ منها؛ ليعمل بجميع النصوص الواردة فيه، وإن اقتصر على بعضها جاز. قال شيخ الإِسلام: يستحب أن يأتي بالعبادات الواردة على وجوه متنوعة بكل نوع منها، فلا يجمع بينها, ولا يداوم على نوع منها. ٤ - قوله: "قام إلى الصلاة" يعني: إذا دخل فيها، قال هذا الذكر.

стр. 708

٥ - "وجهت وجهي" أي: قصدت بعبادتي، فينبغي أن يكون المصلي -حال قوله هذا الذكر- مقبلاً على مولاه، غير ملتفت بقلبه إلى سواه، فيكون على غاية الحضور والإخلاص، وإلاَّ كان كاذبًا، وأقبح الكذب أمام من لا تخفى عليه خافية. ٦ - "الذي فطر السموات والأرض": يعني: أوجدهما وأبدعهما على غير مثال سابق، ومَن أوجد مثل هذه المبدعات، التي هي غاية في الإبداع والإتقان، حقٌّ له أن تتوجه إليه الوجوه، وأن تعول عليه القلوب، فلا يلتفت إلى غيره، ولا يرجى أحد سواه. ٧ - "حنيفًا": مائلاً إلى الحق، مستقيمًا عليه. ٨ - "مسلمًا": مستسلمًا منقادًا لله تعالى، متوجهًا إليه. ٩ - "وما أنا من المشركين": حال مقررة لمضمون الجملة التي قبلها. ١٠ - "إنَّ صلاتي": العبادة المعروفة فرائضها ونوافلها. ١١ - "ونُسكي": ذبحي، الذي أتقرَّب به إلى الله تعالى. وخصَّ هاتين العبادتين الشَّريفتين؛ لمزيد فضلهما، ودلالتهما على محبَّة الله تعالى، وإخلاص الدين له، والتقرب إليه بالقلب واللسان والجوارح، هذا في الصلاة، وببذل ما تحبه النفس من المال في طاعة الله تعالى، وهو الذبح والتقرب إليه بإراقة الدماء. ١٢ - "محياي ومماتي": ما آتيه في حياتي من الأعمال، وما يقدره ويجريه الله تعالى عليَّ في مماتي. ١٣ - "لله ربِّ العالمين، لا شريك له" في العبادة، ولا في الملك، ولا في الصفات. ١٤ - "وأنا من المسلمين" هكذا رواه مسلم (٧٧١)، وأبو داود (٧٦٠)، والترمذي (٣٤٣٥)، والنسائي (٨٩٧)، وابن ماجه (٧٦٠)، وقد رواه

стр. 709

مسلم (٧٧١)، وأبو داود (٧٦٠)، من وجه آخر: "وأنا أول المسلمين"، فقد كان ﷺ هو أول المسلمين على الإطلاق، وبالنسبة لغيره فليقتصر على: "وأنا من المسلمين" لا غير، إلاَّ أن يقصد لفظ الآية، وحينئذٍ يفوته -إن اقتصر عليها- سنة دعاء الاستفتاح. ١٥ - قوله: "أنت الملك لا إله إلاَّ أنت": إثبات الإلهيَّة المطلقة لله تعالى -على سبيل الحصر- بعد إثبات الملك. ١٦ - "أنت ربي وأنا عبدك": أي: أنت مالكي، وموجدي، ومربيني بأنواع النعم والمنن، وأنا عبدك الذليل الخاضع لأمرك، الملتجىء لفضلك. ١٧ - "ظلمتُ نفسي": بالمخالفة، واعترفت بذنبي، وأنت الكريم الذي نطلب منه المغفرة. ١٨ - "واغفر لي ذنوبي جميعًا": أي: حتى الكبائر والتبعات. ١٩ - " لا يغفر الذنوب إلاَّ أنت": أي: صغائرها وكبائرها، حقيرها وجليلها. ٢٠ - "اهدني لأحسن الأخلاق": ارشدني للأخلاق الحسنة الظاهرة والباطنة، والخُلُق الحسن هيئة نفسانية، ينشأ عنها جميل الأفعال، وكمال الأحوال. ٢١ - "اصرف عني سيئها" أي: ارفع عني الأخلاق السيئة. ٢٢ - "لبيَّك وسعديك، والخير كله في يديك" أجيبك مرة بعد أخرى، وأحظى وأسعد بإقامتي على طاعتك، وكل فرد من أفراد الخير هو من طَوْلك وإفضالك. ٢٣ - "والشر ليس إليك": الأمور كلها بيد الله تعالى خيرها وشرها، ومعنى هذا أنَّ الشرَّ لا يتقرب به إليك، ولا يصعد إليك، ولا ينسب إليك. ٢٤ - "تباركت وتعاليت": تعاظمت وتمجدت، وأدرت البركة على خلقك، والبركة: هي الكثرة والاتساع. ٢٥ - "وتعاليت": ارتفعت شأنًا وقدرًا، أو تنزهت عمَّا لا يليق بك.

стр. 710

٢٦ - "أستغفرك وأتوب إليك" أطلب منك المغفرة، وأطلب منك التوبة. ٢٧ - "قال المؤلف: وفي رواية: "أنَّ ذلك في صلاة الليل"، قال المحدِّث الشيخ عبد الرحمن المباركفوري في كتابه "تحفة الأحوذي": قول المؤلف هذا فيه نظر؛ فإنَّ الحديث مروي في صحيح مسلم في باب صلاة الليل، بل وقع أحدهما "إذا قام إلى الصلاة المكتوبة"، ومثل ذلك في روَايتيْ أبي داود، ووقع في رواية الدارقطني: "إذا ابتدأ الصلاة المكتوبة، قال: وجَّهتُ وجهي ... إلخ". وقال الشوكاني في "النيل": وأخرجه ابن حبان وزاد: "إذا قام إلى الصلاة المكتوبة"، ولذلك رواه الشافعي وقيَّده أيضًا بالمكتوبة، فالقول بأنَّ هذا الدعاء مخصوص بصلاة التطوع، ولا يكون مشروعًا في المكتوبة -باطل جدًّا. اهـ كلامه. ***

стр. 711

٢١٥ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: "كَانَ رَسُولُ الله ﷺ إذَا كَبَّرَ للصَّلاَةِ، سَكَتَ هُنَيْهَةً قَبْلَ أنْ يَقْرَأَ، فسَأَلْتهُ، فَقَالَ: أَقُولُ: "اللَّهُمَّ بَاعِدْ بَيْنِي وَبَيْنَ خَطَايَايَ، كَمَا باعَدْتَ بَيْنَ المَشْرِقِ والمَغْرِب، اللَّهُمَّ نَقِّنِي مِنْ خَطَايَايَ، كمَا يُنَقَّى الثَّوْبُ الأَبْيَضُ مِنَ الدَّنَسِ، اللَّهُمَّ اغْسِلْنِي مِنْ خَطَايَايَ بِالمَاءِ والثَّلْجِ والبرَدِ" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). ــ * مفردات الحديث: - هنيهة: قال في: "القاموس": الهِنو -بالكسر-: الوقت، وهنيهة تصغير: هنية، ويراد بها: السكتة اللَّطيفة. - خطايا: جمع: "خطيئة"، وأصله: خطائي، بهمزة مكسورة بعد المد، يليها ياء متحركة هي لام الكلمة، ثم فتحت الهمزة في الجمع، وقلبت ألفًا لتحركها وانفتاح ما قبلها، فصار "خطاآ" فكرهوا اجتماع ألفين بينهما همزة، فقلبت ياءً فصارت "خطايا". - نقّني: بتشديد القاف، وهو أمر من نقَّى: ينقي تنقية، وهو مجاز عن إزالة الذنوب، ومحو أثرها. - كما باعدت: "ما" مصدرية، تقديره: كإبعادك بين المشرق والمغرب، ووجهه أنَّ التقاء المشرق والمغرب لما كان مستحيلاً، شبَه أن يكون اقترابه من الذنوب، كاقتراب المشرق والمغرب. - الأبيض: خصَّ الثوب الأبيض بالذكر؛ لأنَّ الدنس يظهر فيه، زيادة على ما

стр. 712

يظهر في سائر الألوان. - الدَّنس: -بفتح الدال والنون- هو الدرن والوسخ. - البَرد: -بفتح الباء والراء- حب الغمام. قال الخطابي: ذِكر الثلج والبرد تأكيد، وليس المراد بالغسل هنا على ظاهره، وإنَّما هو استعارة بديعة للطهارة العظيمة من الذنوب. قال شيخ الإِسلام: إنَّ الغسل بالماء الحار أبلغ في الإزالة، ولكن جيء هنا بالثلج والبرد؛ ليناسب حرارة الذنوب التي يراد إزالتها. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - استحباب الاستفتاح، ومكانه بعد تكبيرة الإحرام، وقبل التعوذ والقراءة، وهي السكتة اللطيفة التي أسرَّ بها النبي ﷺ . ٢ - أنَّ صفة الاستفتاح الإسرار به، إلاَّ إذا كان هناك حاجة إلى الجهر به، ليعلمه من خلفه من المصلين، كما فعله عمر ﵁. ٣ - أدب أهل العلم في حسن تلقينه، فالمتعلم يسأل، والمعلم يجيب في المسائل التي هم في حاجة إليها، وهم مشتغلون بالعمل بها, لا بأغلوطات المسائل الصورية. ٤ - سكتات الإِمام -عند فقهائنا الحنابلة- ثلاث: الأولى: قبل الفاتحة في الركعة الأولى. الثانية: بعد الفاتحة بقدرها، وهو مذهب الشافعي. قال ابن القيم عن السكتة الثانية: إنَّها لأجل قراءة المأموم، فعلى هذا ينبغي تطويلها، بقدر قراءة المأموم الفاتحة. والرواية الثانية عن الإِمام أحمد: لا يسكت، وفاقًا لأبي حنيفة ومالك، وهو المفتى به، والمعتمد في كتب المذهب.

стр. 713

الثالثة: سكتة يسيرة بعد القراءة كلها وقبل الركوع؛ ليرد إليه نفَسه. قال شيخ الإِسلام: إنَّ الأئمة الثلاثة: أبا حنيفة ومالكًا وأحمد، وجماهير العلماء لم يستحبوا أن يسكت الإِمام ليقرأ المأموم، فهي عندهم غير واجبة ولا مستحبة، بل منهيٌّ عنها، والسكتتان اللتان جاءت بهما السنة: الأولى: بعد تكبيرة الاستفتاح. الثانية: سكتة لطيفة بعد القراءة؛ للفصل، لا تسع لقراءة الفاتحة. وأما السكتة التي عند قوله: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾ هو فهي من جنس السكتات التي عند رؤوس الآي، ومثل هذا يسمى سكوتًا. ٥ - "اللَّهمَّ باعد بيني وبين خطاياي، كما باعدت بين المشرق والمغرب": معناه: إنَّه كما لا يجتمع المشرق والمغرب، لا يجتمع الداعي وخطاياه، فالمراد بهذه المباعدة: إما محو الخطايا السابقة، وترك المؤاخذة بها، وإما المنِع من الوقوع فيها، والعصمة منها، بالنسبة للآتية. ٦ - "اللَّهم نقني من خطاياي كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس": معناه: أزل عني الخطايا، وامحها عني كهذه التنقية، فإنَّ النقاء أظهر ما يكون في الثوب الأبيض، من غيره من الألوان. ٧ - "اللَّهمَّ اغسلني من خطاياي بالثلج والماء والبرد" الماء الساخن أبلغ في إزالة الأدران والأوساخ من الثلج والبَرد، ولذا كثر تلمس العلماء سببًا لهذا التعبير؛ وأحسن ما قيل فيه ما قاله شيخ الإِسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى- قال: لما كانت الذنوب لها حرارة ووهج، وهي سبب لحرارة العذاب، ناسب أن تغسل بما يبردها ويطفىء حرارتها، وهو الثلج والماء والبرد.

стр. 714

* فائدة: قال ابن الملقن في "شرح العمدة": ترقى ﷺ في هذا الدعاء، فطلب: (أ) ما يليق بالعبودة، وهو المباعدة. (ب) ثم ترقى فطلب التنقية. (ج) ثم ترقى فطلب الغسل؛ فإنه أبلغ منهما. ***

стр. 715

٢١٦ - وَعَنْ عُمَرَ ﵁ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: "سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، وَتَبارَكَ اسْمُكَ وَتَعَالَى جَدُكَ، وَلاَ إِلهَ إِلاَّ غَيْرُكَ". رواه مسُلمٌ بِسَنَدٍ مُنْقَطِعٍ، والدَّارقُطْنِيُّ مَوْصُولًا وهُوَ مَوْقُوفٌ (١). وَنَحْوُهُ عَنْ أَبِي سَعِيْدٍ الخُدْرِيِّ مَرْفُوعًا عِنْدَ الخَمْسَةِ، وَفِيهِ: وَكَانَ يَقُولُ بَعْدَ التَّكْبِيرِ: "أَعُوذُ بِالله السَّمِيعِ العَلِيمِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ؛ مِنْ هَمْزِهِ وَنَفْخِهِ وَنَفْثِهِ" (٢). ــ * درجة الحديث: الحديث صحيح؛ حيث رواه مسلم بسند منقطع، والدارقطني موصولاً، وهو موقوف. قال ابن القيم في "الهدي": قد صحَّ أنَّ عمر كان يستفتح به، ويجهر به، ويعلمه الناس، وهو بهذا في حكم المرفوع، كما أنَّ الدارقطني رواه موصولاً، وقد صححه الحاكم والذهبي، وصحَّ رفع الحديث من عدة طرق، فالحديث صحيح. وأما حديث أبي سعيد: فقال الترمذي: إنَّه أشهر حديث في الباب، وقال ابن خزيمة: لا نعلم في استفتاح "سبحانك اللَّهمَّ وبحمدك" خبرًا ثابتًا عند أهل المعرفة بالحديث، وأحسن أسانيده حديث أبي سعيد. وللحديث شاهد من حديث جبير بن مطعم، صححه ابن حبان، وشاهد

стр. 716

من حديث ابن مسعود. * مفردات الحديث: - سبحانك: منصوب على المصدر، وحُذف فعله، وهو "أُسَبِّح"، وهو علم للتسبيح، والعلم لا يضاف إلاَّ إذا نكر، ومعناه: التنزيه عن النقائص. - وبحمدك: الواو للحال أو لعطف الجملة؛ سواء قلنا: إضافة الحمد إلى الفاعل، والمراد من "الحمد" -حنيئذ- لازمه، أو إلى المفعول، ويكون معناه: سبحتُ متلبسًا بحمدي لك. ومعنى "وبحمدك ": أي: أنَّ ما قمت به من التسبيح، هو بتوفيقك وهدايتك، لا بحولي وقوتي. - تعالى: تعاظم، وارتفع، وتنزه عمَّا لا يليق بجلاله. - جدّك: بفتح الجيم وتشديد الدال، أي عظمتك وجلالك وسلطانك. - الرجيم: أي: المرجوم بالطرد، واللعن عن رحمة الله تعالى. - همْزه: هو الجنون والصرع، الذي يعتري الإنسان. - نَفْخه: بوسوسته بتعظيم نفسه، وتحقير غيره عنده، فيزدريه، ويتعاظم عليه. - نفْثه: قال ابن القيم: النفث: فعل السحر، والنَّفاثات هي: الأرواح والأنفس؛ لأنَّ تأثير السحر إنَّما هو من جهة الأنفس الخبيثة، والأرواح الشريرة، فإذا تكيف نفس الساحر بالخبث، والشر الذي يريده بالمسحور، نفخ في تلك العقد نفخًا معه ريق، فيخرج من نَفْسِه الخبيثة نَفَسٌ ممازجٌ للشر والأذى، مقترن بالريق الممازج لذلك، فيقع بإذن الله الكوني القدري، لا الأمري الشرعي. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - هذا أحد أنواع استفتاحات الصلاة، قال ابن القيم: صحَّ أنَّ عمر بن الخطاب ﵁ كان يستفتح به، ويجهر به؛ ليعلمه الناس، فهو

стр. 717

في حكم المرفوع، قال الألباني: إسناده صحيح. ٢ - سبحانك اللَّهمَّ: أنزهك عمَّا لا يليق بك، وبجلالك يا رب، وما تستحقه من التنزيه عن النقص والعيب، ونصب "سبحانك" على المصدر؛ أي: سبحتك تسبيحًا، فوضع "سبحانك" موضع التسبيح. ٣ - وبحمدك: هذا الجار والمجرور إما متَّصل بفعل مقدر، وتكون الباء للسببية، أو صفة لمصدر محذوف، والمعنى: أحمدك -يا رب- وأثني عليك بما تستحقه، من المحامد والثناء. ٤ - تبارك اسمك: كثر وكمل واتسع، وكثرت بركاته. ٥ - تعالى جدّك تعاظم شأنك، وارتفع قدرك. ٦ - لا إله إلاَّ غيرك: لا معبود بحق سواك، فأنت المستحق للعبادة، وحدك لا شريك لك، بما وصفت به نفسك من الصفات الحميدة، وبما أسديته من النعم الجسيمة. ٧ - قال الإِمام أحمد: أنا أذهب إلى هذا الاستفتاح، فلولا أنَّ النبيَّ ﷺ كان يقوله في الفريضة ما فعل ذلك عمر، وأقرَّه المسلمون. قال المجد وغيره: اختاره أبو بكر وابن مسعود، واختيارُ هؤلاء وجهر عمر به يدل على أنَّه الأفضل، وأنَّه الذي كان النبي ﷺ يداوم عليه غالبًا. ٨ - يجوز الاستفتاح بكل ما ورد وثبت، قال شيخ الإِسلام: الاستفتاحات الثابتة كلها سائغة باتِّفاق المسلمين، ولم يكن ﷺ يداوم على استفتاح واحد قطعًا، والأفضل أن يأتي بالعبادات المتنوعة على وجوه متنوعة، كل نوع منها على حدته، ولا يستحب الجمع بينها. ٩ - الاستعاذة بالله تعالى في الصلاة سنة مندوب إليها، عند الجمهور، قال النووي: اعلم أنَّ التعوذ بعد دعاء الاستفتاح سنة، وهو مقدمة للقراءة، قال تعالي: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (٩٨)﴾ [النحل] ومعناها

стр. 718

عند جماهير العلماء: إذا أردت القراءة فاستعذ بالله. قال الشيخ تقي الدين: التعوذ عند أول كل قراءة من الشيطان الرجيم. ١٠ - "أعوذ بالله": معناه: ألجأ إلى الله تعالى، وأعتصم به. ١١ - اللَّفظ المختار للتعوذ: "أعوذ بالله من الشيطان الرجيم"، وجاء "أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم"، ولا بأس به، لكن المشهور المختار الأول. ١٢ - "من الشيطان" المتمرد العاتي، من شياطين الجن والإنس. ١٣ - "الرجيم" المرجوم المطرود، والمبعد عن رحمة الله، فلا تسلطه علي بما يضرني، في ديني ودنياي، ولا يصدني عن فعل ما ينفعني، في أمر ديني ودنياي، فمن استعاذ بالله تعالى، فقد أوى إلى ركن شديد، واعتصم بحول الله وقوته، من عدوه الذي يريد قطعه عن ربه، وإسقاطه في مهاوي الشر والهلاك. ١٤ - من هَمْزه: نوع من الجنون والصرع يعتري الإنسان، فإذا أفاق عاد إليه عقله. ١٥ - نفثه: هو السحر المذموم، وقال ابن القيم عند قوله تعالى: ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ (٤)﴾ [الفلق] هو شر السحر، فإنَّ النفاثات في العقد هنَّ السواحر، اللاتي يعقدن الخيوط، وينفثن على كل عقدة، حتى ينعقد ما يردن من السحر. والنفث: هو النفخ مع ريق، وهو دون التفل، فهو مرتبة بين النفخ والتفل. ١٦ - نَفْخه: الكِبْر؛ لأنَّه ينفخ في الإنسان بوسوسته، فيعظم في عين نفسه، ويحقر غيره عنده، فتزداد عظمته وكبرياؤه. ***

стр. 719

٢١٧ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: "كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَسْتَفْتحُ الصَّلاَةَ بِالتَّكْبِيرِ، والقِرَاءَةَ بِـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، وَكَانَ إِذَا رَكَعَ لَمْ يُشْخِصْ رَأْسَهُ ولَمْ يُصَوِّبهُ، وَلكِنْ بَيْنَ ذلِكَ، وَكَانَ إِذَا رَفَعَ منَ الرُّكُوعِ لَمْ يَسْجُدْ حَتَّى يَسْتَوِيَ قَائِمًا، وإذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ السُّجُودِ لَمْ يَسْجُدْ حَتَّى يَسْتَوي جَالِسًا، وَكانَ يَقُولُ فِي كُلِّ رَكعَتَيْنِ التَّحيَّةَ، وَكانَ يَفْرِشُ رِجْلَهُ اليُسْرَى، وَيَنْصِبُ اليُمْنَى، وَكانَ يَنْهَى عنْ عُقْبَةِ الشَّيْطَانِ، وَيَنْهَى أنْ يَفْتَرِشَ الرَّجُلُ ذِرَاعَيْهِ افْتِرَاشَ السَّبُعِ، وَكانَ يَخْتِمُ الصَّلاَةَ بِالتَّسْلِيمِ". أخرَجَهُ مُسْلِمٌ، وَلَهُ عِلَّةٌ (١). ــ * درجة الحديث: الحديث صحيحٌ عند مسلم، أمَّا العلة التي أشار إليها المؤلف الحافظ: فإنَّ مسلمًا أخرجه من رواية أبي الجوزاء عن عائشة، وأبوالجوزاء لم يسمع من عائشة، ففيه انقطاعٌ، كما أنَّه أعِلَّ بأنَّ مسلمًا ﵀ أخرجه من طريق الأوزاعي مكاتبة لا سماعًا. * مفردات الحديث: - القراءة: معطوفة على الصلاة. - لم يُشْخِص: بضم الياء وسكون الشين المعجمة، وكسر الخاء المعجمة ثم صاد مهملة؛ من: شخصت كذا؛ أي: رفعته، فالشاخص من كل شيء: المرتفع، والمراد: لم يرفع رأسه.

стр. 720

- لم يصوِّبه: بضم الياء وفتح الصاد المهملة وكسر الواو المشددة، أصله من: التصويب؛ أي: لم يخفضه خفضًا أنزل من مستوى ظهره. - بين: ظرف، بمعنى الوسط، فإن أضيفت إلى ظرف الزمان، كانت ظرف زمان، وإن أُضيفت إلى ظرف المكان، كانت ظرف مكان. - عُقْبَة الشيطان: بضم العين وسكون القاف، فسَّره أبوعبيد بالإقعاء المنهي عنه؛ بأن يلصق أليتيه في الأرض، وينصب ساقيه وفخذيه. - يفرش: بضم الراء وكسرها، والضم أشهر. - افتراش السَّبعُ: السبع -بفتح السين المهملة، وضم الباء التحتية الموحدة ثم عين-: واحد السباع المفترسة، وافتراش السبع: هو أن يبسط الساجد ذراعيه في الأرض، فيشابه السبع في هيئة إقعائه، وافتراش ذراعيه. - التحية: يعني: التشهد الأول المعروف. - يختم الصلاة: ختم الشيء: أتمه وبلغ آخره، والمراد هنا: أتم الصلاة وأكملها. - التسليم: يعني: السلام عليكم، ورحمة الله. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - هذا الحديث فيه بيان صفة صلاة النبي ﷺ ، وقد قال ﷺ : "صلوا كما رأيتموني أصلي". [رواه البخاري]. ٢ - تُسْتَفْتَحُ الصلاة بتكبيرة الإحرام، فيجب على الإِمام والمأموم، والمنفرد أن يكبر بلفظ "الله أكبر"، فلا يجزىء غيرها، قال ﷺ : "تحريمها التكبير". [رواه أحمد وأبو داود وغيرهما]، فلا تنعقد الصلاة بدونها. ٣ - تُستفتح القراءة بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ مما يدل على أنَّ البسملة ليست من الفاتحة، وهذا مذهب الأئمة الثلاثة: أبي حنيفة ومالك وأحمد وغيرهم، وحجتهم هذا الحديث.

стр. 721

٤ - كان ﷺ إذا ركع لم يُشْخِص رأسه؛ بأن يرفعه عن مساواة ظهره. ٥ - ولم يصوِّبه؛ بأن يخفضه، فينزل به عن مساواة ظهره، ولكن بين ذلك، فيجعله كما روى ابن ماجه عن وابصة بن معبد قال: "رأيت النبيَّ ﷺ يصلي، وكان إذا ركع سوَّى ظهره، حتى لو صُبَّ عليه الماء لاستقر". ٦ - كان ﷺ إذا رفع من الركوع، لم يسجد حتى يستوي قائمًا، وكان يقول: "لا تجزىء صلاة لا يقيم فيها الرجل صُلبه في الركوع والسجود". [رواه الخمسة، وقال الترمذي: حسن صحيح]، والعمل على هذا عند أهل العلم، من أصحاب النبي ﷺ من بعده. ٧ - إذا رفع من السجود، لم يسجد حتى يستوي جالسًا، وكان يأمر بهذا، كما تقدم في قوله: "لا تُجْزىء صلاة لا يقيم فيها الرجل صلبه، في الركوع والسجود". ٨ - كان ﷺ يجلس بعد كل ركعتين، فيقرأ في جلسته: "التحيات لله"، وهو التشهد الذي ورد فيه، وأحسنه ما جاء في الصحيحين عن ابن مسعود قال: التفت إلينا النبي ﷺ فقال: "إذا صلى أحدكم، فليقل: التَّحيَّات لله والصلوات والطيبات، السلام عليك أيُّها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا، وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلاَّ الله، وأشهد أنَّ محمَّدًا عبده ورسوله" وسيأتي شرحه إن شاء الله تعالى في حديث رقم (٢٥٠). ٩ - وكان ﷺ في جلوسه بين السجدتين، وللتشهد الأول من الصلاة ذات التشهدين، يفرش رجله اليسرى ويجلس عليها، وينصب اليمنى، ويوجه أصابعه إلى القبلة. ١٠ - وكان ﷺ ينهى عن عُقْبة الشيطان؛ وذلك بأن ينصب ساقيه وفخذيه، ويضع أليتيه بينهما على الأرض، فهذا هو إقعاء الكلب، الذي يحض الشيطان على مشابهته؛ ليذهب ببهاء الصلاة وهيئتها الجميلة.

стр. 722

١١ - وكان ينهى ﷺ عن أن يفترش المصلي ذراعيه؛ بأن يضعهما على الأرض، لما في هذه الهيئة من مشابهة للسبع المؤذي المفترس، حينما يبسط ذراعيه على الأرض، إما مُسْتَجْدِيًا للآكلين، وإما متربصًا متوثبًا بالغافلين. ١٢ - وكان ﷺ يختم الصلاة بالتسليم؛ بأن يقول ناويًا الحاضرين من المصلين والملائكة المقربين: "السَّلام عليكم ورحمة الله" مرَّة عن يمينه، وأخرى عن يساره؛ ليعم الحاضرين بهذا الدعاء الكريم المناسب. والسلام هو ختام الصلاة؛ لما روى أحمد وأبو داود أنَّ النبيَّ ﷺ قال: "وختامها التسليم". ١٣ - أم المؤمنين عائشة ﵂ روت هذه الصفة الكاملة من صلاة النبي ﷺ ؛ لتعلم أمته أن يصلوا مثل هذه الصلاة، عملًا بقوله ﷺ : "صلوا كما رأيتموني أصلي". [رواه البخاري]. ***

стр. 723

٢١٨ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ "أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ إِذَا افْتَتَحَ الصَّلاَةَ، وَإِذَا كَبَّرَ لِلرُّكُوعِ، وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الوُّكُوعِ". مُتَّفَقٌ عَليْهِ (١). وَفِي حَدِيثِ أَبِي حُمَيْدٍ عِنْدَ أَبي دَاوُدَ: "يَرْفَعُ يَدَيْهِ حَتَّى يُحَاذَي بِهِمَا مَنْكَبيْهِ، ثُمَّ يُكَبِّرُ" (٢). وَلمُسلمٍ عَنْ مَالِكِ بْنِ الحُوَيْرِثِ ﵁ نَحْوُ حَدِيث ابْنِ عُمَرَ، لكِنْ قَالَ: "حَتَّى يُحَاذِيَ بِهِمَا فُرُوعَ أُذُنَيْهِ" (٣). ــ * درجة الحَديث: حديث أبي حميد صحيحٌ، فأصلُه عند البخاري، وقد صححه ابن خزيمة وابن حبان وابن القيم. وأعله الطحاوي بأنَّ محمَّد بن عمرو لم يَلْقَ أبا قتادة، فقد رواه عطاف بن خالد عن محمَّد بن عمرو قال: حدثني رجل أنَّه وجد عشرة من أصحاب النبي ﷺ . قال الحافظ: والتحقيق عندي: أنَّ محمَّد بن عمرو الذي رواه عطاف بن خالد عنه، هو محمَّد بن عمرو بن علقمة الليثي، وهو لم يَلْقَ أبا قتادة، ولا قارب ذلك، إنَّما يروي عن أبي سلمة، وغيره من كبار التابعين. وأما محمَّد بن عمرو الذي رواه عبد الحميد بن جعفر عنه، فهو محمَّد بن عمرو بن عطاء تابعي كبير، جزم البخاري بأنَّه سمع من أبي حميد وغيره،

стр. 724

وأخرج الحديث من طريقه، وللحديث طرق عن أبي حميد سمي في بعضها من العشرة: محمَّد بن مسلمة، وأبو أسيد، وسهل بن سعد, وهذه رواية ابن ماجه من حديث عباس بن سهل بن سعد عن أبيه. * مفردات الحديث: - حذو: بفتح الحاء المهملة وسكون الذال المعجمة؛ أي: إزاء ومقابل منكبيه. - منكبيه: تثنية "منكب"، وجمعه: "مناكب"، وهو مجتمع رأس العضد والكتف، مذكر. - فروع أذنيه: عوالي أذنيه. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - استحباب رفع اليدين حتى تحاذي المنكبين، عند افتتاح الصلاة بتكبيرة الإحرام، وكذلك عند تكبيرة الركوع، وعند رفع رأسه من الركوع، فهذه ثلاثة مواضع يستحب فيها رفع اليدين حذو المنكبين. ٢ - قال محمد بن نصر المروزي: أجمع علماء الأمصار على ذلك، إلاَّ أهل الكوفة فقد خالفت الحنفية فيما عدا الرفع عند تكبيرة الإحرام، مستدلين بما أخرجه أبو داود عن ابن مسعود؛ بأنَّه رأى النبي ﷺ "يرفع يديه عند إلافتتاح، ثم لا يعود". والجواب: أنَّ الرفع في غير تكبيرة الإحرام قد ثبت، والمثبت مقدم على النافي، وحديث ابن مسعود لم يثبت، كما قال الشافعي، وعلى فرض ثبوته، فإن تركه له يكون مبينًا لجوازه. وقد نقل البخاري عن الحسن البصري، وحميد بن هلال؛ أنَّ الرفع هو عمل الصحابة، ولذا قال علي بن المديني: حقٌّ على المسلمين أن يرفعوا أيديَهم عند الركوع، والرفع منه. قال شيخ الإِسلام: رفع الأيدي عند الركوع والرفع منه، بمثل رفعهما

стр. 725

عند الاستفتاح- مشروع باتفاق المسلمين. قلت: تقدم خلاف أهل الكوفة. قال شيخ الإِسلام: هم معذرون قبل أن تبلغهم سنة رسول الله ﷺ . ٣ - الرواية الأخرى: "أن يرفع يديه حتى يحاذي بهما فروع أذنيه"، وأحسن جمع بين الروايتين أن يحمل على التوسع، واختلاف الأحوال، فالوجهان سنة. ٤ - قال في "شرح الإقناع": ويكون رفع اليدين مع ابتداء الركوع استحبابًا؛ لقوله في الحديث: "وإذا كبر للركوع". ٥ - والرفع في المواطن كلها من مستحبات الصلاة، قال ابن القيم: روى رفع اليدين عنه -في هذه المواطن الثلاثة- نحو ثلاثين صحابيًّا، واتَّفق على روايتها العشرة، ولم يثبت عنه خلاف ذلك. وقال في "شرح الإقناع": "رفع اليدين في موضعه من تمام الصلاة وسننها، فمن رفع يديه في موضعه، فهو أتم صلاة ممن لم يرفع يديه؛ للأخبار". ٦ - اختلفت آراء العلماء في الحكمة في رفع اليدين، فقالوا في تكبيرة الإحرام: رفع حجاب الغفلة عن الله، والدخول عليه، وفي غيرها: إعظامًا لله. وقال بعضهم: إنَّها استسلام وانقياد؛ كالأسير المستسلم. وقال بعضهم: زينة للصلاة، ويروى هذا عن ابن عمر، وعلى كلٍّ فهو اتباع لسنة ثابتة عن رسول الله ﷺ . * فائدة: ورد موضع رابع يشرع رفع اليدين فيه؛ وذلك حينما يقوم من التشهد الأول في الصلاة ذات التشهدين، فقد جاء في صحيح البخاري (٧٣٦)، من حديث ابن عمر قال: كان رسول الله ﷺ : "إذا قام من الركعتين، رفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه، كما كان يصنع عند افتتاح الصلاة". كما جاء أيضًا في سنن أبي داود (٧٢١)، والترمذي (٢١٨)، وابن حبان

стр. 726

(٥/ ١٨٧)، من حديث أبي حميد الساعدي في عشرة من أصحاب النبي ﷺ ، في صفة صلاة النبي ﷺ ، رووا أنَّه إذا قام من الركعتين كبر، ورفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه. قال الخطابي: هو حديث صحيح، وقد قال به جماعة من أهل الحديث، والقول به لازم على أصل قبول الزيادات، والزيادة من الثقة مقبولة. وقال ابن دقيق في "شرح العمدة": ثبت الرفع عند القيام من الركعتين. وقال البيهقي: هو مذهب الشافعي؛ لقوله: إذا صحَّ الحديث فهو مذهبي، ولذلك حكاه النووي عن نص الشافعي، وقال: إنَّه في الصحيح، وأطنب في ذلك في "شرح المهذب". وقال شيخ الإِسلام: رفع اليدين في هذا الموضع مندوب إليه عند محققي العلماء العاملين بالسنة، وقد ثبتت في الصحاح والسنن, ولا معارض لها ولا مقاوم، واختاره الشيخ وجده وصاحب "الفائق"، واستظهره في "الفروع" و"المبدع"، وصوَّبه في "الإنصاف"، وهو أصح الروايتين عن أحمد. ***

стр. 727

٢١٩ - وَعَنْ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ ﵁ قَالَ: "صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فوَضَعَ يَدَهُ اليُمْنَى عَلى يَدِهِ اليُسْرَى، علَى صَدْرِهِ". أخرجه ابن خُزَيْمَةَ (١). ــ * درجة الحديث: الحديث صحيح، رواه أحمد (١٨٣٧٥)، ورواه مسلم (٤٠١)، بدون "على صدره" وله طريق أخرى عند أحمد وأبي داود والنسائي في "الكبرى" (١/ ٣١٠)، والدارمي (١/ ٣١٢)، وابن الجارود، والبيهقي (٢/ ٢٨)، بإسناد صحيح على شرط مسلم، وصححه ابن خزيمة وابن حبان، والنووي في "المجموع"، وابن القيم في "زاد المعاد". * مفردات الحديث: - يده: إذا أطلقت اليد، فالمراد بها: الكف، قال تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨] فالمراد باليد هنا: الكف. - صدره: بفتح فسكون، والصدر لغة: مقدم كل شيء، ومنه: صدر الإنسان، وهو الجزء الممتد من أسفل العنق إلى فضاء الجوف. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - الحديث يدل على مشروعية وضع اليد اليمنى على اليد اليسرى، على صدره في الصلاة، أثناء القيام للقراءة. ٢ - وهو من مستحبات الصلاة وفضائلها, وليس بواجب فيها. ٣ - وضع اليد على الأخرى وضمها على الصدر، هي وقفة الخاضع الخاشع

стр. 728

المتواضع الذليل بين يدي ربه تعالى. وينبغي أن يلاحظ المصلي هذه المعاني في نفسه. ٤ - حديث الباب صحيح، رواه الإِمام أحمد وصححه النووي، وابن القيم، وجاء فيما رواه أحمد (٢٢٣٤٢)، والبخاري (٧٠٧)، عن سهل بن سعد قال: "كان الناس يؤمرون أن يضع الرجل اليد اليمنى على ذراعه اليسرى، في الصلاة". قال أبو حاتم: ولا أعلمه إلاَّ ينمى ذلك إلى النبي ﷺ . قال الحافظ: حديث سهلٍ له حكم الرفع؛ لأنَّه محمول على أنَّ الآمر لهم بذلك هو رسول الله ﷺ . ٥ - هذا معارض بما رواه أحمد (٨٧٧)، وأبو داود (٧٥٦)، عن علي قال: "من السنة وضع الكف على الكف تحت السرة"، ولكن قال العلماء عن هذا الأثر: إنَّه حديث ضعيف؛ لأنَّ مدار طرق أسانيده على عبد الرحمن الواسطي. قال أحمد: منكر الحديث، وقال ابن حصين: ليس بشيء، وقال ابن معين: ليس بشيء، وقال البخاري: فيه نظر، وقال البيهقي: هو متروك، وقال النووي: هو ضعيف بالاتفاق. وقالوا: أصح شيء في هذا الباب حديث وائل بن حجر. ومع ضعف هذا الحديث، فإنَّ العمل عليه عند الحنفية والحنابلة، أما الشافعية فقال النووي: يجعل تحت صدره فوق سرته، هذا مذهبنا المشهور، وبه قال الجمهور. قلتُ: لكن الصحيح من حيث الدليل وضع اليدين على الصدر؛ لصحة أحاديثه، وعليه العمل عند أهل الحديث.

стр. 729

* خلاف العلماء: جمهور العلماء على استحباب وضع اليد اليمنى على اليد اليسرى، ووضعهما إما على الصدر، أو تحت السرة على الخلاف المتقدم، ولكنَّهم اختلفوا في هذا القبض حال الاعتدال من الركوع: فذهب بعضهم إلى: استحباب قبضهما، ووضعهما على الصدر، كما كان الحال في القيام قبل الركوع. وذهب جمهور العلماء -ومنهم الأئمة الأربعة وأتباعهم- إلى: إرسالهما إلى الجانبين، وأنَّه لا يسن قبضهما، ووضعهما على الصدر، أو تحت السرة، فهذا خاص بالقيام قبل الركوع. استدلَّ الأولون: بما رواه البخاري (٧٠٧) عن سهل بن سعد قال: "كان الناس يؤمرون أن يضع الرجل اليد اليمنى على ذراعه اليسرى في الصلاة". كما استدلو بما رواه أبو داود والنسائي وابن خزيمة، وصححه من حديث وائل بن حجر قال: "صليت مع النبي ﷺ فوضع يده اليمنى على يده اليسرى على صدره"، وأصل الحديث في مسلم بدون "على صدره". فهذان الحديثان الصحيحان عامان في القيام، سواء أكان قبل الركوع أم بعده، ومن فرَّق بين القيامين فعليه الدليل. وهذه الحال هي وقفة وهيئة السائل الذليل، الخاشع بين يدي الله تعالى، فينبغي الاتصاف بها في الصلاة. أما الجمهور -وهم الذين لا يرون استحباب هذه الهيئة بعد الرفع من الركوع- فإنَّهم يقولون: إنَّ هذين الحديثين وردا في القيام قبل الركوع، أما بعد الركوع، فإنَّه لم يرد فيه شيء مطلقًا, ولو كان له أصل لنقل إلينا, ولو من طريق واحد، فهذا السكوت من واصفي صلاة النبي ﷺ ، يدل على أنَّ وضع اليد على اليد على الصدر، لا يوجد لا في أثر صحيح، ولا ضعيف.

стр. 730

كما أنه لم يعرف القبض عن أحد من السلف، ولا أنَّ أحدًا من الأئمة فعله، وأسرف الشيخ ناصر الدين الألباني، فجعل قبض اليدين، ووضعهما على الصدر بعد الركوع "بدعة ضلالة". والمسألة للاجتهاد فيها مساغ، ولذا ذهب الإمام أحمد إلى التخيير بين فعله وتركه، والتخيير راجع إلى ما وصل إليه فهم المجتهد واجتهاده، والله أعلم. ***

стр. 731

٢٢٠ - وَعَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ﵁ قَالَ: قال رَسُولُ الله ﷺ : "لاَ صَلاَةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأ بِأُمِّ القُرْآنِ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَفِي رِوَايَةٍ لابْنِ حِبَّانَ والدَّارَقُطْنِيِّ: "لاَ تُجْزِىءُ صَلاَةٌ لاَ يُقْرَأُ فِيهَا بفَاتِحَةِ الكِتَابِ". وَفِي أُخْرَى لأحْمَدَ وَأَبِي دَاودَ والتِّرْمذِيِّ وَابْن حِبَّانَ: "لَعَلَّكُمْ تَقْرَؤونَ خَلْفَ إِمَامِكُمْ؟ قُلْنَا: نَعَمْ، قالَ: لاَ تَفْعَلُوا إِلاَّ بِفَاتِحَةِ الكِتَابِ، فَإنَّهُ لاَ صَلاَةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأ بِهَا" (١). ــ * درجة الحديث: الحديث أصله في الصحيحين. وأما رواية ابن حبان والدارقطني: فقد أخرجها ابن خزيمة في صحيحه, وصححها ابن القطان. وأما رواية أحمد: فقال الحافظ: رواه أحمد، والبخاري في جزء القراءة وصححه. قُلْتُ: وحسَّنه الترمذي، وقال عن رواية الصحيحين: "وهذا أصح"، ومن شواهده: ما رواه أحمد من طريق خالد الحذاء عن أبي قلابة عن محمَّد بن أبي عائشة عن رجل من أصحاب النبي ﷺ ، قال الحافظ: إسناده حسن.

стр. 732

* مفردات الحديث: - بأم القرآن: الفعل متعدٍّ بنفسه، وإنما عدِّي بحرف الجر على معنى: لم يبدأ القراءة إلاَّ بها. - لا صلاة: "لا" تأتي بعدة أوجه، أحدها: أن تكون نافية للجنس، كما هي هنا. قال ابن دقيق العيد: صيغة النفي إذا دخلت على الفعل في ألفاظ الشارع، فالأولى حملها على نفي الفعل الشرعي؛ فيكون قوله: "لا صلاة" نفيًا للصلاة الشرعية؛ لأنا إذا حملناه على نفي الفعل الجنسي -وهو غير منتفٍ- احتجنا إلى إضمارٍ؛ لتصحيح اللفظ، فحينئذٍ يضمر بعضهم "الصحة"، وبعضهم "الكمال". - أم القرآن: قال البخاري: سميت "أم الكتاب"؛ لأنه يبتدأ بكتابتها في المصاحف، ويبدأ بقراءتها في الصلاة. وقال القرطبي: لأنها متضمنة لجميع علوم القرآن. - فاتحة الكتاب: قال القرطبي: سميت بذلك؛ لأنه لا تفتح قراءة القرآن إلاَّ بها لفظًا، وتفتح بها الكتابة في المصحف خطًّا، وتفتح بها الصلوات. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - أم القرآن، وفاتحة الكتاب من أسماء سورة ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، فهي أم القرآن؛ لرجوع معاني القرآن كله إلى ما تضمنته، وهي فاتحة الكتاب؛ لأنَّه يفتتح بها القرآن، ولأنَّ الصحابة افتتحوا كتابة المصحف الأم بها. ولها عدة أسماء، كلها تشير إلى فضلها وأهميتها، فقد جاء في صحيح البخاري (٤٤٧٤)؛ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: "أعظم سورة في القرآن: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، وهي السبع المثاني".

стр. 733

٢ - يدل الحديث على وجوب قراءة الفاتحة في الصلاة، وأنَّها ركن لا تصح الصلاة بدونها، والصحيح أنَّها تجب في كل ركعة؛ لحديث المسيء في صلاته، "ثم افعل ذلك في صلاتك كلها". [رواه البخاري (٧٢٤) ومسلم (٣٩٧)]. ٣ - لا صلاة: "لا" النافية تكون لنفي الذات، وهو معناها الحقيقي، ولا تكون لنفي الصفات إلاَّ إذا تعذر نفي الذات، ونفي الذات ليس هنا بمتعذر؛ لأنَّ الصلاة معنى شرعي مركب من الأقوال والأفعال، مُنْتَفٍ بانتفاء بعضها، أو كلها. ويؤيد هذا المعنى قوله: "لا تجزىء صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب". ٤ - قال ابن القيم في تفسيره القيم: اشتملت الفاتحة على أمهات المطالب العالية أتم اشتمال، وتضمنتها أكمل تضمن، فاشتملت على التعريف بالمعبود ﵎ بثلاثة أسماء، هي مرجع الأسماء الحسنى والصفات العلى، وهي: "الله، الرب، الرحمن"، وبنيت السورة على الإلهية في: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾، وعلى الربوبية في: ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، وطلب الهداية، وتضمنت التصديق بالرسالة، وإثبات المعاد في: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾، وتضمنت إثبات النبوات من جهات عديدة. قال ابن كثير: وأما "الصراط المستقيم" فهو الطريق الواضح الذي لا اعوجاج فيه، ثم اختلفت فيه عبارات المفسرين، وذلك أنه قيل: هو كتاب الله، وقيل: الحق، وقيل: النبي ﷺ ، وكل هذه الأقوال صحيحة متلازمة، وحاصلها واحد، وهو المتابعة للرسول ﷺ ، فمن فاز بمعانيها فقد فاز من كماله بأوفر نصيب. ٥ - قال شيخ الإِسلام: والعبد مضطر دائمًا إلى أن يهديه الله الصراط المستقيم، فهو مضطر إلى مقصود هذا الدعاء؛ فإنَّه لا نجاة من العذاب، ولا وصول

стр. 734

إلى السعادة إلاَّ بهذه الهداية، فمن فاتته فهو إما من المغضوب عليهم، وإما من الضالين. وقال ابن القيم: ولما كان سؤال الهداية إلى الصراط المستقيم أجلَّ المطالب، ونيله أشرف المواهب -علَّم الله عبادَه كيفية سؤاله، وأمرهم أن يقدموا بين يديه حمده، والثناء عليه، وتمجيده، ثم ذكر عبوديتهم وتوحيدهم، فهاتان وسيلتان إلى مطلوبهم لا يكاد يرد معهما الدعاء. * خلاف العلماء: أجمع الأئمة الأربعة وأتباعهم على وجوب قراءة الفاتحة، للإمام والمنفرد، وأنَّ الصلاة لا تصح بدونها، عدا الحنفية في إجزاء الصلاة، وتقدم خلافهم. واختلفوا في وجوب قراءتها على المأموم: فذهب الإِمام الشافعي وأهل الحديث إلى: أنَّها تجب على المأموم في الصلاة السرية والجهرية، مع الإمكان، ويستثنى من القول بوجوب قراءة الفاتحة إذا أدرك الإِمام راكعًا، فيكبر ويرفع مع الإِمام، ويكون مدركًا للركعة، فتسقط عنه الفاتحة حينئذٍ، وكذا لو أدرك الإِمام ولم يتمكن من إكمال الفاتحة، فإنه يركع وتسقط عنه في هذه الحال. ويدل لذلك حديث أبي بكرة في الصحيحين، ووجه من النظر -مع الأثر- أنَّ هذا الرجل لم يدرك القيام، الذي هو محل قراءة الفاتحة، فسقط عنه الذكر لسقوط محله، كما يسقط غسل اليدين في الوضوء إذا قطعت. كما استدل الجمهور -وهم المانعون من قراءة المأموم خلف الإِمام:- بما جاء في صحيح مسلم (٤٠٤) أنَّ النبيَّ ﷺ قال: "وإذا قرأَ فأنصتوا"، وجاء في مسند الإِمام أحمد (١٤٢٣٣)، وغيره بإسناده صحيح متصل، رجاله كلهم ثقات؛ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: "من كان له إمام فقراءته قراءة له".

стр. 735

وثبت النهي عن القراءة خلف الإِمام عن عشرة من الصحابة. قال الشعبي: أدركت سبعين بدريًّا، كلهم يمنعون المأموم من القراءة خلف الإِمام. واستدلَّ الشافعية ومن وافقهم: بحديث عبادة بن الصامت الذي معنا، وأجابوا عن حديث: "من صلي خلف الإِمام، فقراءته قراءة له" بما قاله ابن حجر من أنَّ طرقه كلها معلولة، لا تقوم بها حجة، وأما الآية والحديث: "وإذا قرأ فأنصتوا" -فهي عمومات تصدق على أي قراءة، وحديث عبادة خاصٌّ بالفاتحة، والدليل الخاص يقضي على الدليل العام. أما الإِمام مالك -فيرى وجوب قراءة الفاتحة في السرية، وعدم مشروعيتها في الجهرية، ويرى أنَّ هذا القول تجتمع فيه أدلة الفريقين. فإذا كانت الصلاة جهرية، فإنَّ قراءة الإِمام له قراءة، بما يحصل له من أجر السماع والإنصات، وفائدة فهم المعنى من التدبر والتفكر، ولذا رجحه الإِمام المحقق شيخ الإِسلام ابن تيمية، وهو قول أكثر السلف؛ أنَّه إذا سمع قراءة الإِمام أنصت، فإنَّ استماعه لقراءة الإِمام خير من قراءته، فإنَّ الإنصاف إلى قراءة الإِمام من تمام الائتمام به، فإنَّ من قرأ على قومٍ لا يستمعون لقراءته، لم يكونوا مؤتمين به، وهذا مما يبين حكمة سقوط القراءة عن المأموم، فإنَّ متابعته لإمامه مقدمة على غيرها، حتى في الأفعال. وقال في موضع آخر: القراءة مع جهر الإِمام منكر، مخالف للكتاب والسنة، وما عليه الصحابة. وممن مال إلى هذا التفصيل الذي يراه الإِمام مالك، ورجَّحه الشيخ تقي الدين -كثير من علماء الدعوة، منهم الشيخ عبد الله بن محمَّد، والشيخ محمَّد ابن إبراهيم، والشيخ عبد الرحمن بن سعدي، رحمهم الله تعالى.

стр. 736

لكن قال ابن الملقن في "شرح العمدة": قد يستدل بهذا الحديث من يرى وجوبها على العموم؛ لأنَّ صلاة المأموم صلاة، فتنتفي قراءتها، فإن وجد دليل يقضي تخصيصه من هذا العموم قدم، وإلاَّ فالأصل العمل به، بل صح ما يدل على عمومه؛ "فإنَّه ﵊ ثقلت عليه القراءة في صلاة الفجر، فلما فرغ قال: لعلكم تقرؤون خلف إمامكم قلنا: نعم، قال: لا تفعلوا إلاَّ بفاتحة الكتاب؛ فإنَّه لا صلاة لمن لم يقرأ بها". اهـ كلام ابن الملقن. ***

стр. 737

٢٢١ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁:- "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ، وَأَبَا بَكْرٍ، وعُمَرَ، كانُوا يَفْتَتِحُونَ الصَّلاَةَ بِـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾." متَّفقٌ عَلَيْهِ. زَادَ مُسْلِمٌ: "لاَ يَذْكُرُونَ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ فِيْ أوَّلِ قِرَاءَةٍ، وَلاَ في آخِرِهَا". وَفِي رِوَايَةٍ لأحْمَدَ وَالنَّسائيِّ وابن خُزَيْمَةَ: "لاَ يَجْهَرُونَ بِـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ". وَفِي أُخْرَى لابنُ خُزَيْمَةَ: "كَانُوا يُسِرُّونَ". وعلى هذا يُحْملَ النَّفْيُ في رِوَايَةِ مُسْلِمٍ، خِلافًا لِمَنْ أَعَلَّهَا (١). ــ * درجة الحديث: الحديث صحيح. وأعله بعضهم باضطراب رواياته، لكن قال الحافظ في "الفتح" (٢/ ٢٦٦): وقد اختلف الرواة عن شعبة في لفظ الحديث: فرواه جماعة من أصحابه عنه بلفظ: "كَانُوا يَفْتَتِحون بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ "، ورواه آخرون عنه بلفظ: "فلم أسمع أحدًا منهم يقرأ بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ". كذا أخرجه مسلم في رواية أبي داود الطيالسي ومحمَّد بن جعفر، وكذا أخرجه الخطيب من رواية أبي عمر الدوري شيخ البخاري فيه، وأخرجه ابن خزيمة من رواية محمَّد بن جعفر باللفظين، وهؤلاء من أثبت أصحاب شعبة، ولا يقال:

стр. 738

هذا اضطراب من شعبة، لأنَّا نقول: قد رواه جماعة من أصحاب قتادة عنه باللفظين، فأخرجه البخاري في "جزء القراءة"، وأبو داود وابن ماجه من طريق أيوب، وهؤلاء والترمذي من طريق أبي عوانة، والبخاري في "جزء القراءة" وأبو داود من طريق هشام الدستوائي، والبخاري فيه وابن حبان من طريق حماد ابن سلمة، والبخاري فيه والسراج من طريق همام كلهم عن قتادة باللفظ الأول، وأخرجه مسلم من طريق الأوزاعي عن قتادة؛ بلفظ: "لم يكونوا يذكرون ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ". وقد قدح بعضهم في صحته؛ يكون الأوزاعي رواه عن قتادة مكاتبة وفيه نظر؛ فإنَّ الأوزاعي لم يتفرد به، فقد رواه أبو يعلى عن أحمد الدورقي، والسراج عن يعقوب الدورقي، وعبد الله بن أحمد بن عبد الله السلمي ثلاثتهم عن أبي داود الطيالسي عن شعبة؛ بلفظ: "فلم يكونوا يفتتحون القراءة بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ " قال شعبة: قلت لقتادة: سمعته من أنس؟ قال: نحن سألناه، لكن هذا النفي محمول على ما قدمناه، أن المراد: أنه لم يسمع منهم البسملة، فيحتمل أن يكونوا يقرؤونها سرًّا، ويؤيده رواية من رواه عنه بلفظ: "فلم يكونوا يجهرون بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ "، كذا رواه سعيد بن أبي عروبة عن النسائي وابن حبان، وهمام عند الدارقطني، وشيبان عن الطحاوي وابن حبان، وشعبة أيضًا من طريق وكيع عنه عند أحمد، أربعتهم عن قتادة، ولا يقال: هذا اضطراب من قتادة؛ لأنا نقول: قد رواه جماعة من أصحاب أنس عنه كذلك، فرواه البخاري في "جزء القراءة" والسراج وأبو عوانة في صحيحه من طريق إسحاق بن أبي طلحة، والسراج من طريق ثابت البناني، والبخاري فيه من طريق مالك بن دينار، كلهم عن أنس باللفظ الأول، ورواه الطبراني في "الأوسط" من طريق أبي نعامة كلهم عن أنس باللفظ الثاني للجهر، فطريق الجمع بين هذه الألفاظ، حمل نفي القراءة على نفي السماع، ونفي السماع

стр. 739

على نفي الجهر، ويؤيده أنَّ لفظ رواية منصور بن زاذان: "فلم يسمعنا قراءة ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ "، وأصرح من ذلك رواية الحسن عن أنس عند ابن خزيمة؛ بلفظ: "كانوا يسرون بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ "، فاندفع بهذا تعليل من أعله بالاضطراب؛ كابن عبد البر؛ لأنَّ الجمع إذا أمكن، تعيَّن المصير إليه. اهـ. * مفردات الحديث: - بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾: أي: بهذا اللفظ، وتأويله على إرادة اسم السورة، التي كانت تسمى عندهم بهذه الجملة، والدال مِنْ "بالحمد" مضمومة على سبيل الحكاية. - ﴿بِسْمِ اللَّهِ﴾: الباء متعلقة بمحذوف تقديره: أبدأ، وتثبت الباء بغير ألف؛ لكثرة استعمالها هنا و"اسم" زائدة لإجلال ذكره تعالى. و"الاسم" مشتق، إما من السمو، وهو الرفعة والعلو، وإما من السمة، وهي العلامة؛ لأنَّ الاسم علامة لمن وضع له. و"الله" هو أجل أسمائه تعالى، ولا يسمى به غيره تعالى. قال بعض العلماء: إنَّه اسم الله الأعظم، وهو عَلَمٌ على الذات الجليلة. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - صفة قراءة النبي ﷺ وخلفائه الراشدين، أنَّهم كانوا يستفتحون قراءة الصلاة بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. ٢ - زيادة الإِمام مسلم أكدت أنَّهم لا يذكرون "البسملة"؛ لا في أول القراءة، ولا في آخرها. ٣ - يدل الحديث على أنَّ البسملة ليست من الفاتحة، فلا تتعيَّن قراءتها معها، وإنَّما تستحب كإحدى فواصل السور، وفيها خلاف، وسيأتي تحقيقه -إن شاء الله تعالى.

стр. 740

٤ - رواية أحمد والنسائي وابن خزيمة: أنَّهم لا يجهرون بالبسملة، وإنَّما يسرون بها. قال الحافظ: وعلى هذا يحمل النفي في رواية مسلم، وهو توجيه حسن. قال في "شرح الإقناع": ثم يقرأ البسملة سرًّا, وليست من الفاتحة، حكاه القاضي إجماعًا سابقًا. ٥ - ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾: تشتمل على اسم الجلالة العظيم، وصفات الرحمة والخير والبركة، فهي ألفاظٌ جليلةٌ يستحب الإتيان بها في أول كل عمل ذي بال، من أكلٍ وشربٍ، وجماعٍ، وغُسلٍ، ووضوءٍ، ودخولِ مسجدٍ، ومنزلٍ، وحمَّامٍ، فهي إما أن تَحْمِلَ بركة وخيرًا، وإما أن تدفع شرًّا وأذى، والبسملة عند فقهائنا الحنابلة قسمان: واجبة، ومستحبة: (أ) فتجب في الوضوء، والغسل، والتيمم، والتذكية، والصيد. (ب) تسن عند قراءة القرآن، والأكل، والشرب، والجماع، وعند دخول الخلاء. * خلاف العلماء: أجمع العلماء على: أنَّ البسملة بعض آية من سورة "النمل"، ثم اختلفوا في مشروعية قراءتها في الصلاة: فذهب الأئمة الثلاثة إلى ذلك، أما مالك: فإنَّه لا يرى مشروعية قراءتها في الصلاة المكتوبة؛ لا سرًّا، وجهرًا. ثم اختلفوا: هل هي واجبة في الصلاة، أو لا؟ فذهب أبو حنيفة وأحمد إلى: أنَّ قراءتها سنة لا تجب؛ وذلك أنَّها عندهم ليست آية من الفاتحة. وذهب الشافعي إلى: وجوبها. قال ابن رشد: وسبب الخلاف اختلاف الآثار في هذا الباب.
следующие страницы →