← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13604

توضيح الأحكام من بلوغ المرام

عبد الله البسام

Полный текст (4 050 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

لكن قال ابن الملقن في "شرح العمدة": قد يستدل بهذا الحديث من يرى وجوبها على العموم؛ لأنَّ صلاة المأموم صلاة، فتنتفي قراءتها، فإن وجد دليل يقضي تخصيصه من هذا العموم قدم، وإلاَّ فالأصل العمل به، بل صح ما يدل على عمومه؛ "فإنَّه ﵊ ثقلت عليه القراءة في صلاة الفجر، فلما فرغ قال: لعلكم تقرؤون خلف إمامكم قلنا: نعم، قال: لا تفعلوا إلاَّ بفاتحة الكتاب؛ فإنَّه لا صلاة لمن لم يقرأ بها". اهـ كلام ابن الملقن. ***

стр. 737

٢٢١ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁:- "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ، وَأَبَا بَكْرٍ، وعُمَرَ، كانُوا يَفْتَتِحُونَ الصَّلاَةَ بِـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾." متَّفقٌ عَلَيْهِ. زَادَ مُسْلِمٌ: "لاَ يَذْكُرُونَ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ فِيْ أوَّلِ قِرَاءَةٍ، وَلاَ في آخِرِهَا". وَفِي رِوَايَةٍ لأحْمَدَ وَالنَّسائيِّ وابن خُزَيْمَةَ: "لاَ يَجْهَرُونَ بِـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ". وَفِي أُخْرَى لابنُ خُزَيْمَةَ: "كَانُوا يُسِرُّونَ". وعلى هذا يُحْملَ النَّفْيُ في رِوَايَةِ مُسْلِمٍ، خِلافًا لِمَنْ أَعَلَّهَا (١). ــ * درجة الحديث: الحديث صحيح. وأعله بعضهم باضطراب رواياته، لكن قال الحافظ في "الفتح" (٢/ ٢٦٦): وقد اختلف الرواة عن شعبة في لفظ الحديث: فرواه جماعة من أصحابه عنه بلفظ: "كَانُوا يَفْتَتِحون بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ "، ورواه آخرون عنه بلفظ: "فلم أسمع أحدًا منهم يقرأ بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ". كذا أخرجه مسلم في رواية أبي داود الطيالسي ومحمَّد بن جعفر، وكذا أخرجه الخطيب من رواية أبي عمر الدوري شيخ البخاري فيه، وأخرجه ابن خزيمة من رواية محمَّد بن جعفر باللفظين، وهؤلاء من أثبت أصحاب شعبة، ولا يقال:

стр. 738

هذا اضطراب من شعبة، لأنَّا نقول: قد رواه جماعة من أصحاب قتادة عنه باللفظين، فأخرجه البخاري في "جزء القراءة"، وأبو داود وابن ماجه من طريق أيوب، وهؤلاء والترمذي من طريق أبي عوانة، والبخاري في "جزء القراءة" وأبو داود من طريق هشام الدستوائي، والبخاري فيه وابن حبان من طريق حماد ابن سلمة، والبخاري فيه والسراج من طريق همام كلهم عن قتادة باللفظ الأول، وأخرجه مسلم من طريق الأوزاعي عن قتادة؛ بلفظ: "لم يكونوا يذكرون ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ". وقد قدح بعضهم في صحته؛ يكون الأوزاعي رواه عن قتادة مكاتبة وفيه نظر؛ فإنَّ الأوزاعي لم يتفرد به، فقد رواه أبو يعلى عن أحمد الدورقي، والسراج عن يعقوب الدورقي، وعبد الله بن أحمد بن عبد الله السلمي ثلاثتهم عن أبي داود الطيالسي عن شعبة؛ بلفظ: "فلم يكونوا يفتتحون القراءة بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ " قال شعبة: قلت لقتادة: سمعته من أنس؟ قال: نحن سألناه، لكن هذا النفي محمول على ما قدمناه، أن المراد: أنه لم يسمع منهم البسملة، فيحتمل أن يكونوا يقرؤونها سرًّا، ويؤيده رواية من رواه عنه بلفظ: "فلم يكونوا يجهرون بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ "، كذا رواه سعيد بن أبي عروبة عن النسائي وابن حبان، وهمام عند الدارقطني، وشيبان عن الطحاوي وابن حبان، وشعبة أيضًا من طريق وكيع عنه عند أحمد، أربعتهم عن قتادة، ولا يقال: هذا اضطراب من قتادة؛ لأنا نقول: قد رواه جماعة من أصحاب أنس عنه كذلك، فرواه البخاري في "جزء القراءة" والسراج وأبو عوانة في صحيحه من طريق إسحاق بن أبي طلحة، والسراج من طريق ثابت البناني، والبخاري فيه من طريق مالك بن دينار، كلهم عن أنس باللفظ الأول، ورواه الطبراني في "الأوسط" من طريق أبي نعامة كلهم عن أنس باللفظ الثاني للجهر، فطريق الجمع بين هذه الألفاظ، حمل نفي القراءة على نفي السماع، ونفي السماع

стр. 739

على نفي الجهر، ويؤيده أنَّ لفظ رواية منصور بن زاذان: "فلم يسمعنا قراءة ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ "، وأصرح من ذلك رواية الحسن عن أنس عند ابن خزيمة؛ بلفظ: "كانوا يسرون بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ "، فاندفع بهذا تعليل من أعله بالاضطراب؛ كابن عبد البر؛ لأنَّ الجمع إذا أمكن، تعيَّن المصير إليه. اهـ. * مفردات الحديث: - بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾: أي: بهذا اللفظ، وتأويله على إرادة اسم السورة، التي كانت تسمى عندهم بهذه الجملة، والدال مِنْ "بالحمد" مضمومة على سبيل الحكاية. - ﴿بِسْمِ اللَّهِ﴾: الباء متعلقة بمحذوف تقديره: أبدأ، وتثبت الباء بغير ألف؛ لكثرة استعمالها هنا و"اسم" زائدة لإجلال ذكره تعالى. و"الاسم" مشتق، إما من السمو، وهو الرفعة والعلو، وإما من السمة، وهي العلامة؛ لأنَّ الاسم علامة لمن وضع له. و"الله" هو أجل أسمائه تعالى، ولا يسمى به غيره تعالى. قال بعض العلماء: إنَّه اسم الله الأعظم، وهو عَلَمٌ على الذات الجليلة. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - صفة قراءة النبي ﷺ وخلفائه الراشدين، أنَّهم كانوا يستفتحون قراءة الصلاة بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. ٢ - زيادة الإِمام مسلم أكدت أنَّهم لا يذكرون "البسملة"؛ لا في أول القراءة، ولا في آخرها. ٣ - يدل الحديث على أنَّ البسملة ليست من الفاتحة، فلا تتعيَّن قراءتها معها، وإنَّما تستحب كإحدى فواصل السور، وفيها خلاف، وسيأتي تحقيقه -إن شاء الله تعالى.

стр. 740

٤ - رواية أحمد والنسائي وابن خزيمة: أنَّهم لا يجهرون بالبسملة، وإنَّما يسرون بها. قال الحافظ: وعلى هذا يحمل النفي في رواية مسلم، وهو توجيه حسن. قال في "شرح الإقناع": ثم يقرأ البسملة سرًّا, وليست من الفاتحة، حكاه القاضي إجماعًا سابقًا. ٥ - ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾: تشتمل على اسم الجلالة العظيم، وصفات الرحمة والخير والبركة، فهي ألفاظٌ جليلةٌ يستحب الإتيان بها في أول كل عمل ذي بال، من أكلٍ وشربٍ، وجماعٍ، وغُسلٍ، ووضوءٍ، ودخولِ مسجدٍ، ومنزلٍ، وحمَّامٍ، فهي إما أن تَحْمِلَ بركة وخيرًا، وإما أن تدفع شرًّا وأذى، والبسملة عند فقهائنا الحنابلة قسمان: واجبة، ومستحبة: (أ) فتجب في الوضوء، والغسل، والتيمم، والتذكية، والصيد. (ب) تسن عند قراءة القرآن، والأكل، والشرب، والجماع، وعند دخول الخلاء. * خلاف العلماء: أجمع العلماء على: أنَّ البسملة بعض آية من سورة "النمل"، ثم اختلفوا في مشروعية قراءتها في الصلاة: فذهب الأئمة الثلاثة إلى ذلك، أما مالك: فإنَّه لا يرى مشروعية قراءتها في الصلاة المكتوبة؛ لا سرًّا، وجهرًا. ثم اختلفوا: هل هي واجبة في الصلاة، أو لا؟ فذهب أبو حنيفة وأحمد إلى: أنَّ قراءتها سنة لا تجب؛ وذلك أنَّها عندهم ليست آية من الفاتحة. وذهب الشافعي إلى: وجوبها. قال ابن رشد: وسبب الخلاف اختلاف الآثار في هذا الباب.

стр. 741

وما ذهب إليه الشافعي هو مذهب طائفة من الصحابة والتابعين، ودليلهم: ما روى النسائي وغيره عن أبي هريرة، أنَّه صلَّى فجهر في قراءته بالبسملة، وقال بعدما فرغ: "إني لأشبهكم صلاة برسول الله ﷺ ". وعدم الجهر بها هو مذهب جمهور العلماء، وهو مروي عن الخلفاء الراشدين، وطوائف من السلف الخلف، وهذا هو الراجح من هذه الأقوال. قال شيخ الإِسلام: المداومة على الجهر بها بدعة، مخالفة لسنة رسول الله ﷺ ، والأحاديث المصرحة في الجهر كلها موضوعة. وذكر ابن القيم: أنَّ الجهر بها تفرد به نعيم المجمر من بين أصحاب أبي هريرة، وهم ثمانية، ما بين صاحب وتابع. ومن أقوى الأدلة على عدم مشروعية الجهر بها: ما جاء في صحيح مسلم (٣٩٥) من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "قال الله ﵎: قسمتُ الصلاة بيني وبين عبدِي نِصفين، فإذا قال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، قال: حمدني عبدي، وإذا قال: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، قال: أثنى عليَّ عبدِي، وإذا قال: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾، قال: مجَّدني عبدي، وإذا قال: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، قال: هذا بيني وبين عبدي نصفين، ولِعَبْدي ما سأل، وإذا قال: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ...﴾ إلخ، قال: هذا لِعبدي ولعبدي ما سأل". فهذا دليلٌ صحيحٌ، على أنَّ البسملة ليست من الفاتحة، ولهذا لم تذكر، فهذا القول هو الراجح الصحيح، والله أعلم. ***

стр. 742

٢٢٢ - وعَنْ نُعَيْمٍ المُجْمِرِ قالَ: "صَلَّيْتُ وَرَاءَ أبي هُرَيْرَةَ ﵁ فقَرَأ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، ثمَّ قَرَأ بِأُمِّ القُرْآنِ، حَتَّى إذا بلَغَ ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾، قالَ: آمينَ، ويقُولُ كُلَّمَا سَجَدَ، وَإِذَا قَامَ مِنَ الجُلُوسِ: اللهُ أكبر، ثُمَّ يَقُولُ إذَا سَلَّمَ: والَّذي نَفْسِي بيَدِهِ إنِّي لأَشْبَهُكُمْ صَلاةً بِرَسُولِ اللهِ ﷺ ". رَواهُ النَّسَائِيُّ وَابْن خُزَيْمَةَ (١). ــ * درجة الحَديث: الحديث حسن، ومنهم من ضعفه. فقد ذكره البخاري تعليقًا، وقال ابن حجر في "الفتح": أخرجه ابن حبان، وابن خزيمَةَ، والنسائي، وهو أصح حديث وَرَدَ في البابِ، وأعلَّه الزيلعي، وأجاب ابن حجر عمن قال: إنَّ غير نُعيم رواه بدون ذكر البسملة، فالجواب: أنَّ نعيمًا ثقة، فتقبل زيادته، ونقل النووي في "المجموع" تصحيحه, وثبوته عن الدارقطني وابن خزيمة والحاكم والبيهقي. وسئل شيخ الإِسلام ابن تيمية عن هذا الحديث، فقال: اتَّفق أهل الحديث على أنَّه لم يثبت في الجهر بالفاتحة حديثِ صريح، وإنما يوجد صريحًا في أحاديث موضوعة. * مفردات الحديث: - ولا الضالين: الضلال في كلام العرب: هو الذهاب عن سنن القصد، وطريق الحق، والأصل: الضاللين، ثم أدغمت اللام في اللام.

стр. 743

* ما يؤخذ من الحديث: ١ - استحباب الجهر بالبسملة في أول القراءة في الصلاة. ٢ - قال في "شرح المغني": هو أصح حديث ورد، وقد بوَّب عليه النسائي في "سننه" فقال: "الجهر بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾. وقد سئل شيخ الإِسلام عن هذا الحديث، فقال: "اتَّفق أهل الحديث على أنَّه لم يثبت في الجهر بها حديث صريح، وإنما يوجد صريحًا في أحاديث موضوعة". وبهذا فلا حجة فيه على هذا الحكم، ولا يقاوم الأحاديث الصحيحة مما ذكر، وما لم يذكر. ٢ - استحباب قول: "آمين" للإمام، مادًّا بها صوته، ويؤيد هذا ما رواه الحاكم (١/ ٣٥٧)، والبيهقي (٢/ ٤٦)، وصححاه من حديث أبي هريرة قال: كان رسول الله ﷺ : "إذا بلغ ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ يقول: آمين، يمد بها صوته حتى يسمع أهل الصف الأول، فيرتج المسجد". ٤ - التأمين هو من طابع الدعاء؛ أي: يختم به الدعاء، ومعناه: "استجب"، ويقال التأمين بعد سكتة لطيفة بعد القراءة؛ لِيُعلم أنَّه ليس من القرآن. ٥ - في الحديث مشروعية تكبير الانتقال من ركن إلى ركن آخر، وسيأتي له تحقيق، إن شاء الله تعَالى. ***

стр. 744

٢٢٣ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إذا قَرَأتم الفَاتحَةَ، فَاقْرَؤوا ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾؛ فَإِنَّهَا إِحْدَى آيَاتِهَا". رَوَاهُ الدَّارقُطنِيُّ، وَصَوَّب وَقْفَهُ (١). ــ * درجة الحديث: الحديث موقوف. صَوَّب الدارقطني وقفه، قال في "التلخيص": صحح غير واحد من الأئمة وقفه، وقد أعلَّه ابن القطان بهذا التردد، أما ابن الملقن فقال: إسناده صحيح، وذكره ابن السكن في "صحيحه". * مفردات الحديث: - إذا قرأتم: يعني: إذا أردتم قراءة الفاتحة. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - الحديث يدل على مشروعية قراءة "البسملة" في الصلاة، عند إرادة قراءة الفاتحة، وذكر العلة في ذلك بأنَّها إحدى آيات الفاتحة، فهي منها. ٢ - الحديث معارض بأحاديث صحيحة لا يمكن قبوله معها، وقد صححه الأئمة موقوفًا, وللاجتهاد فيه مجال، فإذا صح فهو من كلام أبي هريرة واجتهاده ﵁ وتقدم كلام شيخ الإِسلام: اتَّفق أهل الحديث على أنَّه لم يثبت في الجهر بالبسملة حديث صحيح، وإنما يوجد صريحًا في أحاديث موضوعة. وقال الطحاوي: إن ترك الجهر بالبسملة في الصلاة تواتر عن النبي ﷺ وخلفائه.

стр. 745

٢٢٤ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: "كَانَ رَسُولُ الله إِذَا فَرَغَ مِنْ قِرَاءَةِ أُمِّ القُرْآنِ رَفَعَ صَوْتَهُ، وَقَالَ: آمِينَ". رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَحَسَّنَهُ، وَالحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ (١). ــ * درجة الحديث: الحديث حسن. قال في "التلخيص": قال الدارقطني: إسناده حسن، وقال الحاكم: صحيحٌ على شرط الشيخين، وقال البيهقي: حسن صحيحٌ. * مفردات الحديث: - آمين: قال القرطبي: معنى "آمين" عند أكثر أهل العلم: اللَّهمَّ استجيب لنا، وُضع موضع الدعاء، قال الزمخشري: "آمين": صوت سمي به الفعل، الذي هو: استجيب. وفي آمين لغتان: المد على وزن "فاعيل"، والقصر على وزن "يمين". قال الجوهري: وتشديد الميم خطأ. قال ابن جزي: "آمين" اسم فعل، معناه: اللَّهمَّ استجيب، فهو أمر بالتأمين عند خاتمة الفاتحة، للدعاء الذي فيها. قال النووي: الميم مخففة في الموضعين، وهو مبني على الفتح، مثل "أينَ" و"كيفَ"، لاجتماع الساكنين. قال العيني: التأمين على وزن "التفعيل" من: أَمَّن يُؤَمِّن، إذا قال: "آمين"، وهو بالمد والتخفيف في جميع الروايات، وعند جميع القراء، أما المد

стр. 746

والتشديد فلغة شاذَّةٌ مردودة، ومن لحن العوام، وهو خطأ في المذاهب الأربعة. وكلمة "آمين" من أسماء الأفعال؛ مثل: "صه" للسكوت، و"مه" يعني: اكفف، ومعناها: اللَّهمَّ استجيب، عند الجمهور، وتفتح في الوصل؛ لأنَّها مبنية بالاتفاق؛ مثل "كيف"، وإنَّما لم تكسر؛ لثقل الكسرة بعد الياء. ***

стр. 747

٢٢٥ - وَلأبِي دَاوُدَ والتِّرمذِيِّ مَنْ حَدِيثِ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ نَحْوهُ (١) ــ * درجة الحديث: قال في "التلخيص": رواه الترمذي، وأبو داود، والدارقطني (١/ ٣٣٥)، وابن حبان (٥/ ١١١) من طريق الثوري عن سلمة بن كهيل عن حُجْر بن عنبس عن وائل بن حجر، وفي رواية أبي داود: "رفع بها صوته"، وسنده صحيح، وصححه الدارقطني، وأعله ابن القطان بحُجْر بن عنبس، وأنَّه لا يعرف، وأخطأ في ذلك، بل هو ثقة معروف، قيل: له صحبة، ووثقه ابن معين وغيره. * ما يؤخذ من الحديثين: ١ - الحديثان يدلان على مشروعية التأمين للإمام بعد قراءة الفاتحة، وأن يَمُدَّ بها صوته. فقد جاء في رواية الحاكم (١/ ٣٥٧)، والبيهقي (٢/ ٤٦) عن أبي هريرة؛ أنَّه كان يقول: "آمين" حتى يسمعها أهل الصف الأول، فيرتج المسجد. ٢ - فائدة: المؤلف -رحمه الله تعالى- لم يأت إلاَّ بما ورد بتأمين الإِمام، ولم يتعرَّض للمأموم؛ وقد جاء في البخاري (٧٨٠)، ومسلم (٤١٠) من حديث أبي هريرة؛ أنَّ رسول الله ﷺ قال: "إذا أمَّن الإِمام، فأمِّنوا؛ فإنَّ من وافقَ تأمينه تأمين الملائكة، غفر له ما تقدم من ذنبه". وفي رواية: "إذا قَالَ الإِمَامُ: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ فَقُولُوا: آمين، فإنَّ الملائكة تقول: آمين، وإنَّ الإِمام يقول: آمين، فمن وافق تأمينه تأمين

стр. 748

الملائكة، غفر له ما تقدم من ذنبه". وقد أجمع العلماء على: أنَّ التأمين للإمام، والمأموم، والمنفرد، والجمهور منهم على أنَّه مستحب، غير واجب. واختلفوا في الجهر به والإسرار: فذهب الحنفية والمالكية إلى استحباب الإسرار، به حتى في الصلاة الجهرية. وذهب الشافعية والحنابلة إلى: الجهر به في الجهرية، والإسرار به في السريَّة، وعلى استحباب مقارنة تأمين المأموم للإمام؛ لحديث: "إذا قال: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾، فقولوا: آمين" حتى يقع تأمينهم وتأمينه معًا. والصلاة الجهرية هي أوليات المغرب والعشاء، وصلاة الفجر، والجمعة، والعيدين، والاستسقاء، والكسوف، والتراويح، والوتر. ٣ - قوله في حديث أبي هريرة: "إذا أمَّن الإِمام، فأمنوا"؛ يعني: إذا شرع في التأمين فأمِّنوا؛ ليتوافق تأمين الإِمام والمأموم معًا، فقول جمهور العلماء على استحباب المقارنة؛ استدلالاً بحديث: "فإنَّه من وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له". [متفق عليه]. ***

стр. 749

٢٢٦ - وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْن أَبِي أَوْفَى ﵁ قالَ: "جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: إِنِّي لاَ أَسْتَطِيع أنْ آخُذَ مِنَ القُرْآنِ شَيئًا، فَعَلِّمْنِي مَا يُجْزِئنُي مِنْهُ، فَقَالَ: قُلْ: سُبْحانَ اللهِ، وَالحَمْدُ لله، وَلاَ إله إلاَّ اللهُ، وَاللهُ أَكبَرُ، وَلا حَوْلَ وَلاَ قُوَّة إِلاَّ بِاللهِ العَلِيِّ العَظِيْمِ" الحديث، رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاودَ وَالنَّسَائِيُّ، وَصَحَّحَهُ ابنُ حِبَّانَ وَالدَّارقُطْنِيُّ والحَاكِمُ (١). ــ * درجة الحديث: الحديث صحيحٌ على شرط مسلم. قال في "التلخيص": رواه أحمد وأبو داود، والنسائي وابن الجارود (٢/ ٥٧)، وابن حبان والحاكم، والدارقطني واللفظ له، من حديث عبد الله بن أبي أوفى، وصححه ابن السكن والحاكم، وقال: إنَّه على شرط البخاري، ووافقه ابن الملقن. * مفردات الحديث: - سبحان الله: التسبيح في اللغة: التنزيه، و"سبحان" اسمٌ منصوبٌ عَلَى أنَّه واقع موقع المصدر لفعل محذوفٍ تقديره: سبحت الله تسبيحًا، فالتسبيح مصدر، و"سبحان" واقع موقعه، ومعنى "سبحان الله": تنزيهه من النقائص، المتضمن للمحامد.

стр. 750

- الحمد لله: الحمد: هو الثناء على المحمود بجميل صفاته وأفعاله، ونقيض الحمد الذم، يقال: حمِده -بكسر الميم- يحمَدهُ بفتحها. قال الواحدي: الألف واللام في الحمد هنا للجنس؛ أي: جميع المحامد لله تعالى؛ لأنَّه الموصوف بصفات الكمال، في نعوته وأفعاله الحميدة. - لا إله إلاَّ الله: "لا" نافية لكل معبود بحقٍّ، "إلاَّ الله"، إثبات حصر الألوهية. - الله أكبر: إطلاقه يفيد العموم، فإنَّه أكبر من كل شيء. - لا حول: في إعرابها خمسة أوجه: أفضلها: أنَّ "لا" نافية للجنس، و"حول" اسمها مبني على الفتح، و"إلاَّ باللهِ" هو خبرها. ومعنى الحول: القدرةُ على التصرف، ومنه: لا تحول عن معصية الله إلى طاعته إلاَّ به. - لا قوَّة: إعرابه كسابقه، ومعنا القوة: الطاقة. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - تقدم أنَّ قراءة الفاتحة في كل ركعة من الصلاة ركنٌ، لا تصح الصلاة بدونه؛ لحديث المسيء في صلاته، إلاَّ أنَّ القاعدة الشرعية أنَّ الواجبات تسقط بالعجز عنها، إما إلى بدل، أو غير بدل، وهو مأخوذ من قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾، وقوله ﷺ : "إذا أمرتكم بأمر، فأتوا منه ما استطعتم". [رواه البخاري (٦٨٥٨)]. ٢ - الحديث يدل على أنَّ الذي لا يحسن الفاتحة ولا بعضها، فإنه يأتي بالذكر الوارد في الحديث، ويكفي عنها؛ تيسيرًا وتسهيلاً على العباد. ٣ - قال في "شرح الإقناع": فإن لم يقدر على تعلم الفاتحة، أو ضاق الوقت عنه -سقط، ولزمه قراءة غيرها من القرآن، كأن يحسن آية من الفاتحة، أو من غيرها كرر الآية بقدرها، فإن لم يحسن شيئًا من القرآن، لزمه أن يقول:

стр. 751

"سبحان الله والحمد لله، ولا إله إلاَّ الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوَّة إلاَّ بالله العلي العظيم" لحديث عبد الله بن أبي أوفى. ٤ - هذه الجمل الكريمة تشتمل على تنزيه الله تعالى عن النقائص والعيوب، وإثبات نقيضها من المحامد والكمال المطلق، ونفي الشريك له في ذاته، وصفاته، وأفعاله، وألوهيته، وربوبيته، وإثبات الكبرياء له، والجلال، والمجد، والعظمة، والاطراح بين يديه بنفي الحول والقوة من العبد، وحصرها فيه ﵎، فهو صاحب الحول، والطول، والقوة، والعظمة، والجلال، والكمال، المطلق. ٥ - فضل هذا الذكر الجليل؛ حيث قام مقام فاتحة الكتاب، التي هي أعظم سورة في القرآن، فقد قدِّم على سائر الأذكار في هذا المقام العظيم. ٦ - يسر الشريعة وسماحتها، فالمسلم لا يكلف أكثر مما لا يقدر عليه، وإذا عجز عن باب خير فتح الله تعالى له بابًا آخر؛ ليكمل ثوابه، ويصل إلى ما قدر الله له من منزلة. ***

стр. 752

٢٢٧ - وَعَنْ أَبِي قتادَةَ ﵁ قَالَ: "كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُصَلِّي بِنَا، فَيَقْرأُ فِي الظُّهْرِ وَالعَصْرِ فِي الرَّكْعَتَينِ الأُوليَيْنِ بفَاتِحَةِ الكِتَابِ وَسُورَتَيْنِ، ويُسْمِعُنَا الآيَةَ أَحْيَانًا، ويُطوِّلُ الرَّكْعَةَ الأُوْلى، ويَقْرَأُ فِي الأُخرَيَيْنِ بِفَاتِحَةِ الكِتَابِ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). ــ * مفردات الحديث: - كان رسول الله ﷺ : قال الكرماني: مثل هذا التركيب يفيد الاستمرار. أما العيني فقال: أكثر العلماء على أن "كان" لا تقتضي المداومة، والدليل على ذلك: ما رواه مسلم (٨٧٨): "كان رسول الله ﷺ في العيدين وفي الجمعة يقرأ بـ ﴿سبح﴾ و ﴿الغاشية﴾ "، وروى مسلم: (٨٧٧) من حديث أبي هريرة: "أنَّه ﷺ يقرأ يوم الجمعة بـ ﴿الجمعة﴾ و ﴿المنافقون﴾ ". - أحيانًا: جمع "حين"، مصدر، قال البخاري في "صحيحه": العين عند العرب: من ساعة إلى ما لا يحصى عدده وقال في "المصباح": العين: الزمان، قلَّ أو كثر. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - وجوب قراءة الفاتحة في ركعات الصلاة كلها، وتقدم أنَّه الصواب. ٢ - استحباب قراءة شيء من القرآن بعد الفاتحة، في الركعتين الأوليين من الظهر والعصر، ومثله المغرب والعشاء وصلاة الفجر، وقد أجمع عليه العلماء؛ حيث نقل نقلًا متواترًا. قال في "الروض المربع وحاشيته": ويكره الاقتصار على الفاتحة في الصلاة؛ فرضًا كانت أو نفلًا؛ لأَنَّه خلاف السنة.

стр. 753

٣ - استحباب تطويل الركعة الأولى على الثانية، في الظهر والعصر. قال شيخ الإِسلام: ويستحب أن يمد الأوليين، ويحذف في الأخريين؛ لهذا الخبر، وعامة فقهاء الحديث على هذا. ٤ - كون قراءة الظهر والعصر سرية، هو الأفضل. ٥ - أنَّه لا بأس من الجهر ببعض القراءة في السرية، لاسيَّما إذا تعلَّق بذلك مصلحة من تعليم أو تذكير؛ ذلك أنَّ النبيَّ ﷺ كان يجهر في بعض الآيات، ولعل الغرض من ذلك بيان الجواز. ٦ - استحباب الاقتصار على الفاتحة في الركعتين الأُخريين من صلاة العصر والظهر والعشاء، وثالثة المغرب، وسيأتي تحقيقه، إن شاء الله تعالى. ٧ - أنَّ ما ذكر في الحديث هو سُنَّة النبي ﷺ . ٨ - ظنَّ الصحابة أنَّ النبيَّ ﷺ طوَّل الأولى من الصلاة، يريد بذلك أن يدرك الناس الركعة الأولى؛ لما جاء عن راوي الحديث أبي قتادة ﵁ أنه قال: "كنَّا نرى أنَّه يفعل ذلك؛ ليتدارك الناس". [رواه ابن خزيمة وابن حبان]. ٩ - القراءة بعد الفاتحة ليست واجبة، فلو اقتصر على الفاتحة أجزأت الصلاة؛ باتفاق العلماء، ولكن يكره الاقتصار على الفاتحة في الصلاة، فرضًا كانت أو نفلاً؛ لأنَّه خلاف السنة. ١٠ - جاء في مسند الإِمام أحمد (١١٣٩٣)، وصحيح مسلم (٤٥٢): "أنَّ النبيَّ ﷺ كان يجعل الركعتين الأخريين أقصر من الأوليين قدر النصف". قال الألباني: ففيه دليل على أنَّ الزيادة على الفاتحة في الركعتين الأخريين سُنَّة، وعليه جمعٌ من الصحابة، منهم أبو بكر ﵁ وهو قولٌ للإمام الشافعي. قُلْتُ: ولعلَّ قراءة شيء من القرآن بعد الفاتحة يكون في بعض الأحوال.

стр. 754

٢٢٨ - وَعَنْ أَبي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: "كُنَّا نَحْزُرُ قِيَامَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي الظُّهْرِ والعَصْرِ، فَحَزَرْنَا قِيَامَهُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ مِنَ الظُّهْرِ قَدْرَ: ﴿الم (١) تَنْزِيلُ﴾ السَّجْدَةِ، وفِي الأُخرَيَيْنِ قَدْرَ النِّصْفِ مِنْ ذلِكَ، وَفِي الأولَيَيْنِ مِنَ العَصْرِ عَلَى قَدْرِ الأُخْرَيَيْنِ مِنَ الظُّهْرِ، وَالأُخْرَيَيْنِ عَلَى النِّصْفِ مِنْ ذلِكَ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١). ــ * مفردات الحديث: - نَحْزُر: بفتح النون وسكون الحاء المهملة وضم الزاي، من باب نصر؛ بمعنى: نخرص ونقدر ونقيس. قال في "المصباح": حرزت الشيء: قدرته، وحزرت النخل: إذا خرصته. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - كان قدر قيام النبي ﷺ في الأوليين من الظهر بقدر سورة ﴿الم (١) تَنْزِيلُ﴾ السجدة، وفي الأخريين قدر النصف من ذلك، وفي الأوليين من العصر على قدر الأخريين من الظهر، والأخريين على النصف من ذلك. ٢ - قوله: "فحرزنا قيامه في الركعتين الأوليين من الظهر قدر ﴿الم (١) تَنْزِيلُ﴾ " يقتضي أنَّ الركعة الأولى والثانية من الظهر كانتا سواء، بخلاف حديث أبي قتادة السابق، وإما أن يحمل ذلك؛ إما على اختلاف الأوقات وتعدد الواقعة، أو يقال: إنَّ الأولى طالت بدعاء الاستفتاح والتعوذ. والأولى في تخريج تعارض الحديثين -حديث أبي قتادة وحديث أبي

стр. 755

سعيد-: أن يقال: إنَّ حديث أبي قتادة على القاعدة في صلاة النبي ﷺ من أنَّه يجعل الركعة الأولى أطول من الثانية، وأما حديث أبي سعيد الخدري فجاء على مخالفة القاعدة في بعض الأحيان، فيكون جواز الأمرين، والعمل بالحديثين، إلاَّ أنَّ الأصل هو ما في حديث أبي قتادة، من تطويل الأولى على الثانية. كما أنَّ السنة الغالبة هي تطويل صلاة الظهر على العصر، في القراءة والأفعال. ٣ - استحباب تطويل صلاة الظهر وقراءتها، على صلاة العصر وقراءتها. ٤ - لعلَّ تطويل الظهر عن العصر راجع إلى الوقت، فالظهر وقتها يمتد، أما العصر فيقع بعده وقت الاصفرار، وهذا وقت الضرورة. ٥ - قال شيخ الإِسلام: يستحب إطالة الركعة الأولى من كل صلاةٍ على الثانية، ويستحب أن يمد في الأوليين، ويحذف في الأخريين، وعامة الفقهاء على هذا الحديث. ٦ - هذا الحديث يُؤيد ما جاء من أنَّه قد لا يقتصر المصلي على الفاتحة، في الأخريين من الظهر والعصر؛ حيث كانت الأخريان في الظهر على النصف من الأوليين منهما، مع أنه يقرأ بـ ﴿الم (١) تَنْزِيلُ﴾ السجدة، وقد دلت الروايات الصحيحة على الاقتصار على قراءة الفاتحة في الأخريين من الظهر والعصر، فيجمع بينهما بأنَّه ﷺ صنع هذا تارة، وذاك أخرى، فالكل جائز، وهذا كله يدل على أنَّه يقرأ فيهما غير الفاتحة، وقراءة شيء بعد الفاتحة في الأوليين من الظهر، والأوليين من العصر -معلومٌ، ومتفقٌ عليه. ***

стр. 756

٢٢٩ - وَعَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ ﵁ قَالَ: "كَانَ فُلاَنٌ يُطِيلَ الأُولَيَيْنِ مِنَ الظُّهْرِ، وَيُخَفِّفُ العَصْرَ، وَيَقْرَأُ في المَغْرِبِ بقِصَارِ المُفَصَّلِ، وفِي العِشَاءِ بوَسَطِهِ، وَفِي الصُّبح بِطِوَالِهِ، فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: مَا صَلَّيْتُ وَرَاءَ أحَدٍ أَشْبَهَ صَلاةٍ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ مِنْ هَذَا". أَخرجَهُ النَّسَائِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيْحٍ. (١) ــ * درجة الحديث: الحديث صحيح. قال المؤلف: أخرجه النسائي بإسنادٍ صحيح، وقال في "الفتح": صححه ابن خزيمة (١/ ٧٦١) وغيره، قال في "المحرر": إسناده صحيح. * مفردات الحديث: - المفصل: هو من الحجرات إلى آخر القرآن، سمي مفصلًا؛ لكثرة فواصله، ولقصر سوره. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - كان أحد أئمة المسجد النبوي وهو عمر بن سلمة يطيل الأوليين من الظهر عن الأخريين منهما، وكان يخفف صلاة العصر، وكان يقرأ في صلاة المغرب بقصار المفصل، وفي العشاء بوسطه، وفي صلاة الصبح بطواله، فقال أبوهريرة: "ما صليتُ وراء أحد أشبه صلاة برسول الله ﷺ من هذا". ففي هذا دليلٌ عليها مشروعية، واستحباب هذه الصفة، من التطويل فيما

стр. 757

يطول، والتخفيف فيما يخفف، وفي تجزئة القرآن، والصلاة بهذه التجزئة. ٢ - هدي النبي ﷺ عدم الاقتصار على قصار المفصل في صلاة المغرب، فالمداومة عليه خلاف السنة، والحق أنَّ القراءة في المغرب تكون بطوال المفصل وقصاره، وسائر السور سنة. قال ابن عبد البر: روي أنه قرأ بالأعراف، والصافات، والدخان، والطور، وسبح، والتين، والمرسلات، وكان يقرأ فيها بقصار المفصل، وكلها آثار صحاح مشهورة. ٣ - المفصل على الراجح يبتدىء من سورة الحجرات، وينتهي بآخر القرآن، فطوال المفصل من الحجرات إلى سورة النبأ، ووسطه من النبأ إلى الضحى، والقصار من الضحى إلى آخر القرآن، وسمي مفصلاً؛ لكثرة فواصله. ٤ - الحكمة في التطويل في صلاة الصبح: أنَّ ملائكة الليل وملائكة النهار يحضرونها؛ كما قال تعالى: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا (٧٨)﴾ [الإسراء]، ولأنَّه يقع في وقت غفلة بالنوم، فاحتاج إلى التطويل؛ ليدرك الناس الصلاة، وأما تقصير المغرب فلقصر وقتها، وبقي الظهر والعصر والعشاء على الأصل، في أنَّ الصلاة تكون وسطًا، فلا تخفف عن مستحبات الصلاة، ولا تثقل على العاجزين. وقصة معاذٍ، وإرشاد النبي ﷺ له كيف يصلي ويقرأ -هي الأصل في هذا الباب. وهذا بالنسبة للإمام الذي يؤم الناس، ويرتبط المصلون بصلاته، أما المنفرد فليصل ما شاء، وكيف شاء، ما دام لم يخرج عن العرف. ***

стр. 758

٢٣٠ - وَعَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ ﵁ قَالَ: "سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يقْرأُ في المَغْرِبِ بالطُّورِ". مُتَّفقٌ عَلَيْهِ (١). ــ * مفردات الحديث: - الطور: -بضم الطاء-: هو كل جبل ممتد، والمراد هنا: جبل سيناء، الذي كلَّم الله عليه موسى ﵇. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - الغالب في القراءة في صلاة المغرب أنَّها من قصار المفصل، لضيق وقتها، ولكن قد تُصلى بطواله، فلا تختص بالقصار، فقد قرأ النبي ﷺ بسورة ﴿الطور﴾، وهي من طوال المفصل. ٢ - ورد أنه ﷺ قرأ في المغرب بسورة ﴿الأعراف﴾، وقرأ بسورة ﴿الصافات﴾، وقر أبسورة ﴿الدخان﴾، وقر أبسورة ﴿المرسلات﴾، وقر أبسورة ﴿التين﴾، وقرأ بسورتي ﴿المعوذتين﴾؛ وكل هذه أحاديث صحيحة. وهذه قراءات متنوعة، فقرأ مرَّة ﴿الأعراف﴾، وهي من الحزب الأول، وقرأ بـ ﴿الصافات﴾ و ﴿الدخان﴾، وهما من الحزب الثاني عشر، وقرأ بـ ﴿الطور﴾ ﴿والمرسلات﴾، وهما من طوال المفصل، وقرأ بـ ﴿الأعلى﴾ وهي من الوسط، والباقي من قصاره، فَعَلَ هذا صلوات الله وسلامه عليه؛ لبيان الجواز في الكل. ٣ - قال العلماء: يجب كتابة المصحف على هذا الترتيب الموجود الآن، في ترتيب السورة لأنَّه جاء عن إجماع الصحابة، وإجماعهم حجة.

стр. 759

وأما في القراءة فقال النووي: الاختيار أن يقرأ على ترتيب المصحف؛ سواء قرأ في الصلاة، أو في غيرها، فإذا قرأ سورة قرأ التي تليها؛ ذلك أنَّ هذا الترتيب بين السور إنَّما جعل هكذا لحكمة، فينبغي أن يحافظ عليها، إلاَّ فيما ورد الشرع باستثنائه؛ كصلاة الصبح يوم الجمعة، فيقرأ في الأولى سورة ﴿الم السجدة﴾، وفي الثانية ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ﴾، وركعتي الفجر يقرأ في الأولى ﴿الكافرون﴾، والثانية ﴿الإخلاص﴾، ولو خالف هذه الموالاة، أو خالف هذا الترتيب جاز، فقد قرأ رسول الله ﷺ بسورة ﴿البقرة﴾ ثم ﴿النساء﴾ ثم ﴿آل عمران﴾. ٤ - جبير بن مطعم حينما سمع قراءة النبي ﷺ سورة ﴿الطور﴾ كان كافرًا، وبلَّغها وهو مسلم، وقد قال العلماء: العبرة بأداء الشهادة لا بتحملها، فمن تحمَّلها وهو كافر أو فاسق، ثم أداها مسلمًا أو عدلاً -قُبِلَتْ شهادته، والرواية مثل الشهادة. *خلاف العلماء: المشهور من مذهب الحنابلة: أنَّ الذي يحرم هو تنكيس كلمات القرآن، وأما تنكيس السوره والآيات فيكره. والرواية الأخرى، عن أحمد: أنَّه لا يكره تنكيس السورة لأنَّ النبيَّ ﷺ قرأ ﴿النساء﴾ قبل ﴿آل عمران﴾، واحتجَّ الإِمام أحمد: بأنَّ النبيَّ ﷺ تعلَّمه على ذلك، ولأنَّ ترتيبها بالاجتهاد في قول جمهور العلماء. واختار شيخ الإِسلام وغيره تحريم تنكيس الآيات؛ لأنَّه ﷺ وضعها هكذا, ولما فيه من مخالفة النص وتغيير المعنى، وقال: ترتيبها واجب؛ لأنَّ ترتيبها بالنص إجماعًا. والاحتجاج بتعليمه فيه نظر، فإنَّه كان للحاجة؛ لأنَّ القرآن نزل حسب الوقائع.

стр. 760

وقال القاضي عياض: إنَّ ترتيب السور اجتهاد من المسلمين حين كتبوا المصاحف، وأنَّه لم يكن من ترتيب النبي ﷺ ، وهذا قول مالك وجمهور العلماء، وهو أصح القولين. وأما ترتيب الآيات فلا خلاف أنَّ ترتيب آيات كل سورة بتوقيف من الله تعالى، على ما هي عليه الآن في المصحف، وهكذا نقلته الأمة عن نبيها ﷺ . اهـ من كلام القاضي عياض، ﵀. ***

стр. 761

٢٣١ - وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: "كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَقْرَأُ فِي صَلاَةِ الفَجْرِ يَوْمَ الجُمُعَةِ: ﴿الم (١) تَنْزِيلُ﴾ السجدة، و ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ﴾ " مُتَّفقٌ عَلَيْهِ. وَلِلطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "يُدِيمُ ذلِكَ" (١). ــ * درجة الحديث: حديث ابن مسعود رواه الطبراني بإسنادٍ ضعيفٍ، ورجَّح أبو حاتم في "العلل" (١/ ٢٠٤) إرساله. * مفردات الحديث: - كان: تفيد الداوم والاستمرار غالبًا، فإنَّه قد يتخلف، فقد قال العيني: إنَّها لا تقتضي المداومة. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - استحباب قراءة سورة ﴿الم (١) السجدة﴾ في الركعة الأولى، من صلاة الفجر يوم الجمعة، وسورة ﴿الإنسان﴾ في الركعة الثانية منها، فقراءتها في هذه الصلاة من سنته ﷺ الثابتة. ٢ - قوله: "كان"، ورواية الطبراني "يديم ذلك" -دليلٌ على أنه كان مديمًا على قراءة هاتين السورتين، في صلاة صبح الجمعة، وأنه لا يدعهما. ٣ - قال ابن القيم في "زاد المعاد": كان ﷺ يقرأ في فجر الجمعة بسورتي ﴿الم (١) تَنْزِيلُ﴾، و ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ﴾، وسمعت شيخ الإِسلام ابن تيمية يقول: إنَّما كان ﷺ يقرأ هاتين السورتين في فجر الجمعة؛ لأنَّهما تضمنتا ما

стр. 762

كان ويكون في يومها، فإنَّهما اشتملتا على خلق آدم ﵇، وعلى ذكر المعاد والحشر للعباد، وذلك يكون يوم الجمعة، وكأن في قراءتهما في هذا اليوم تذكيرًا للأمة بما كان فيه ويكون؛ ليعتبروا بما كان، ويستعدوا لما يكون، والسجدة جاءت تبعًا ليست مقصودة، حتى يقصد المصلي قراءتها، حيث اتَّفقت. ثم قال -رحمه الله تعالى-: ويظن كثير -ممن لا علم عنده- أنَّ المراد تخصيص هذه الصلاة بسجدة زائدة، ويسمونها سجدة الجمعة، ولذاكره بعض الأئمة المداومة على قراءة هذه السورة في فجر الجمعة؛ دفعًا لتوهم الجاهلين. ٤ - بعض أئمة المساجد يأتون -في صلاة فجر يوم الجمعة- بما يخالف السنة، ويظنون أنَّه بهذا يحسنون: (أ) فبعضهم يقرأ جزءًا من سورة ﴿السجدة﴾ في الركعة الأولى، وجزءًا من سورة ﴿الإنسان﴾ في الركعة الثانية. (ب) وبعضهم يقرأ السجدة في صلاة فجر الجمعة، وفي صلاة فجر الجمعة الثانية يقرأ سورة ﴿الإنسان﴾. (ج) وبعضهم يقرأ سورة ﴿الجمعة﴾ و ﴿المنافقين﴾، تذكيرًا للناس بيوم الجمعة. (د) وبعضهم يقرأ في فجر الجمعة شيئًا من سورة ﴿الكهف﴾، يذكر الناس بقراءتها ذلك اليوم. وهذا كله من تلقاء أنفسهم، والواجب الاتباع، وترك ما عداه. ٥ - يُؤخذ من هذا أنه على الخطيب، والواعظ، والمرشد، ونحوهم أن يتحرَّوا المناسبات في تذكير الناس ووعظهم وتوجيههم، فكل وقت له مناسبته، وكل حالة لها ظرفها، كذلك المخاطبون يلقى عليهم ما يناسب حالهم، ويتفق مع مداركهم، ويحرص على الأشياء التي هم واقعون فيها، فتعالج بالحكمة والموعظة الحسنة، ويكون هذا أدعى للقبول، وأقبل للعقول، وأحرى أن يستجاب لهم.

стр. 763

٢٣٢ - وَعَنْ حُذَيْفَةَ ﵁ قَالَ: "صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فمَا مَرَّتْ بِهِ آيَةُ رَحْمَةٍ إلاَّ وَقَفَ عِنْدَها يَسْأَلُ، وَلاَ آيَةُ عَذَابٍ إلاَّ تَعَوَّذَ مِنْهَا" أَخْرَجَهُ الخَمْسَةُ، وَحسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ (١). ــ * درجة الحديث: الحديث حسن؛ فَطرقُ إسناده جيدة، ورواه مسلم (٧٧٢)، بلفظ آخر عن حذيفة، وأخرجه الخمسة، وحسَّنه الترمذي. وقال في "التلخيص": وروى نحوه البيهقي (٢/ ٣١٠) من حديث عائشة. * مفردات الحديث: - آية رحمة: مما فيه وعد وبشارة بالجنة، ونعيمها، ورضوان الله فيها. - آية عذاب: مما فيه وعيد، وتخويف من عذاب الله، وغضبه. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - استحباب تدبر القرآن وتفهم معانيه؛ سواء كان قارئًا أو مستمعًا، فهذه هي القراءة المفيدة النافعة؛ قال تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٢٩)﴾ [ص] سواء كان في الصلاة أو في غيرها. ٢ - استحباب التعوذ بالله تعالى حينما يمر بآية عذاب، أو وعيد، أو نحو ذلك، وسؤال الرحمة حينما يمر بآية رحمة، فهو دعاء مناسب للموضوع. ٣ - بعض العلماء قصر هذا الاستحباب على صلاة النافلة، ولكن لا مانع أن

стр. 764

يشمل الفريضة، فما ثبت لصلاة ثبت لأخرى. ومما ورد فيه: ما رواه أحمد (١٨٥٧٦)، وابن ماجه (١٣٥٢)، عن محمَّد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن أبيه قال: "سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقرأ في صلاةٍ ليست بفريضة، فمرَّ بذكر الجنة والنار، فقال: أعوذ بالله من النار وويل لأهل النار"؛ وابن أبي ليلى متكلمٌ فيه. وما رواه أحمد (٢٤٠٨٨)، عن عائشة قالت: "قمتُ مع رسول الله ﷺ ليلة القيام، فكان يقرأ بالبقرة والنساء وآل عمران، ولا يمر بآية فيها استبشار، إلاَّ دعا الله ورغب إليه". فهذا كله في النافلة، ولكن لا مانع من شمول ذلك للفريضة، فإنَّ ما ثبت لصلاة ثبت لأخرى، هذا هو الضابط عند الفقهاء، وهو ضابط جيد، ينطبق على أحكام الصلاة بنوعيها, ولا يخرج عن عموم النصوص إلاَّ ما خصص. ٤ - قال ابن القيم ﵀ في كتابه "الفوائد": إذا أردت الانتفاع بالقرآن، فأجمع عند تلاوته وسماعه قلبك، وألق سمعك، واحضر حضور من يخاطب به من تكلَّم به سبحانه منه إليه؛ فإنه خطاب منه لك على لسان رسوله، قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ﴾، فهذا هو المحل القابل، والمراد به: القلب الحي الذي يعقل عن الله، ﴿أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ﴾ أي وجَّه سمعه، وأصغى بحاسة سمعه، ﴿وَهُوَ شَهِيدٌ (٣٧)﴾ [ق] أي: شاهد القلب، ليس بغافل ولا ساهٍ، فإذا حصل المؤثر وهو القرآن، والمحل القابل الحي، ووجد الشرط، وهو إصغاءٌ، وانتفى المانع -حصل الانتفاع. ***

стр. 765

٢٣٣ - وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "ألاَ وَإنِّي نُهِيْتُ أنْ أقْرَأ القُرْآنَ رَاكِعًا أوْ سَاجِدًا، فَأَمَّا الرُّكُوعُ فَعَظِّمُوا فِيهِ الرَّبَّ، وَأَمَّا السُّجُودُ فَاجْتَهِدُوا فِي الدُّعَاءِ؛ فَقَمِنٌ أنْ يُسْتَجَابَ لَكُمْ". روَاهُ مُسْلِمٌ (١). ــ * مفردات الحديث: - فعظِّموا فيه الرَّب: العظيم: وَصْفُهُ تعالى بصفات العظمة، والإجلال، والكبرياء، والمراد هنا قول: "سبحان ربي العظيم". - فاجتهدوا: الجهد بالضم والفتح: الوسع والطاقة، وهو مصدر من: جهد في الأمر جهدًا، من باب نفع، إذا طلب حتى بلغ غايته في الطلب. - فقَمِنٌ: بفتح القاف المثناة، وكسر الميم بعدها نون. قال ابن رسلان: هو بفتح الميم مصدر، لا يثنى ولا يجمع ولا يؤنث، وأما بالكسر فهو وصف شيء، يجمع، ويثنى، ويؤنث. أي: حقيق، وجدير، وخليق، أن يستجاب لكم دعاؤكم. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - النهي عن قراءة القرآن في حالة الركوع والسجود، في الصلاة الفريضة والنافلة، والنهي من الرب ﵎، فإنَّ المنهي هو الرسول ﷺ ، وما نهي عنه فالأصل أنَّ أمَّته منهية عنه أيضًا. ٢ - الحديث يقتضي تحريم المنهي عنه، فتكون قراءة القرآن محرَّمة في الركوع والسجود، إلاَّ أنَّ أكثر العلماء حملوا النَّهي على الكراهة فقط، دون

стр. 766

التحريم، فقد وجدوا المقام لا يقتضيه. قال في "شرح الإقناع": وتكره القراءة في الركوع والسجودة لنهيه ﷺ ، ولأنَّها حال ذلٍّ وانخفاضٍ، والقرآن أشرف الكلام. ٣ - وجوب تعظيم الرب جلَّ وعلا في حالة الركوع، ويكون التعظيم بالصيغة الواردة، فقد جاء في مسند أحمد (١٦٩٦١)، وسنن أبي داود (٨٦٩) من حديث عقبة بن عامر قال: لما نزلت: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (٩٦)﴾ [الواقعة]، قال النبي ﷺ : "اجعلوها في ركوعكم". ٤ - وجوب تنزيه الرب جلَّ وعلا في حالة السجود، ويكون بالصيغة الواردة، فقد روى الإِمام أحمد وأبو داود عن عقبة بن عامر قال: لما نزلت ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١)﴾ [الأعلى]، قال: "اجعلوها في سجودكم". ٥ - تسبيحات الركوع والسجود الواجب منها مرَّة واحدة "سبحان ربي العظيم" في الركوع، و"سبحان ربي الأعلى" في السجود، وأدنى الكمال ثلاث مرات، وأعلاه للإمام عشر تسبيحات، والاقتصار عليها أفضل من الإتيان بذكر معها، ما لم يطل السجود. ٦ - "سبحان ربي العظيم" واجبة في الركوع، و"سبحان ربي الأعلى" واجبة في السجود، والواجب يسقط بالسهو، ويجبره سجود السهو، كما سيأتي إن شاء الله. ٧ - الأفضل الإطالة والاجتهاد في الدعاء، فهو حريٌّ أن يستجاب للداعي، وقد جاء في الحديث: "أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد" [رواه مسلم (٤٨٢)]، وهذه الإطالة ما لم يكن فيها إثقال على المصلين، فمنهم العاجز وصاحب الحاجة. ٨ - قال شيخ الإِسلام: قراءة القرآن أفضل من الذكر، والذكر أفضل من الدعاء، وقد يكون الشخص يصلح دينه على العمل المفضول دون الأفضل، فيكون

стр. 767

في حقه أفضل. ٩ - ذهب الإِمام أحمد إلى: أنَّ التسبيح في الركوع والسجود من واجبات الصلاة، والواجب تسبيحة واحدة، وما زاد فهو سنة، ودليل الوجوب ما رواه مسلم (٧٧٢) عن حذيفة قال: "كان رسول الله ﷺ يقول في ركوعه: سبحان ربي العظيم، وفي سجوده: سبحان ربي الأعلى"، وما رواه أحمد (١٦٩٦١) وأبو داود (٨٦٩)، عن عقبة بن عامر قال: "لما نزلت: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (٩٦)﴾، قال اجعلوها في ركوعكم، ولما نزلت: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١)﴾، قال: اجعلوها في سجودكم". أما الأئمة الثلاثة: فيرون أنَّ ذلك مستحبٌّ، ليس بواجب. قال النووي: تسبيح الركوع والسجود، وسؤال المغفرة سنة، وليس بواجب، وهو مذهب أبي حنيفة ومالك والشافعي. والراجح الوجوب للأمر به. ***

стр. 768

٢٣٤ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: "كَانَ رسُولُ اللهِ ﷺ يَقُولُ فِي رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ: سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَبِحَمْدِكَ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي". مُتَّفَقٌ علَيْهِ (١). ــ * مفردات الحديث: - سبحانكَ اللَّهمَّ وبِحمدك: الباء في "بحمدك" متعلقة بـ"سبحانك" أي: وبحمدك سبحتك، ومعناه: بتوفيقك، وهدايتك، وفضلك، لا بحولي وبقوتي. - وبحمدك: الجار والمجرور؛ إما حال من فاعل الفعل، الذي أنيب المصدر منابه، وتكون "اللَّهمَّ ربَّنا" معترضة، وإما أن يكون من باب عطف جملة على جملة، وعلى هذا ما جاء في الذكر المشهور: "سبحان الله وبحمده". - اللَّهم: هي بمعنى "يا الله" فالميم عوض عن ياء النداء. * ما يؤخذ من هذ الحديث: ١ - روى الإِمام أحمد (٣٦٧٤) بسنده إلى ابن مسعود قال: "لما نزلت على رسول الله ﷺ : ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١)﴾ [النصر]، كان يكثر أن يقول إذا ركع: سبحانك اللَّهمَّ ربَّنا وبحمدك، اللَّهمَّ اغفر لي" ثلاثًا. ٢ - هذا الذكر مستحب أن يقال في الركوع والسجود، مع "سبحان ربي العظيم" في الركوع، و"سبحان ربي الأعلى" في السجود. وهذا الذكر يقوله ﷺ متأولًا للآية الكريمة: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا (٣)﴾ [النصر]، ولذا فإنَّ عائشة ﵂ تقول: "إنَّه يتأول القرآن". متفق عليه.

стр. 769

٣ - الذكر في غاية المناسبة، لما فيه من التذلل، والتضرع لله تعالى، وتنزيهه تعالى عن النقائص والعيوب، وإثبات المحامد له، ثم بعد هذا كله سؤاله المغفرة، هذا والعبد في غاية الذل والخضوع لله تعالى راكعًا وساجدًا. ٤ - الذكر المذكور مندوب إليه، وليس بواجب، وإنَّما المشروع بالإجماع هو "سبحان ربي العظيم" في الركوع، و"سبحان ربي الأعلى" في السجود، لما في مسلم والسنن من حديث حذيفة قال: "إنَّه صلَّى مع النبي ﷺ ، فكان ﷺ يقول في ركوعه: سبحان ربي العظيم، وفي سجوده: سبحان ربي الأعلى". ٥ - وهذا الخبر يعود إلى صفات الله تعالى ذي القوَّة والملك والعظمة، وهذه الصفات من شأنها أن ترجع العبد إلى كمال التوكل، والاعتماد عليه، فلا يلتجىء إلى غيره، ولا يلتفت إلى سواه، ولا يعظم غيره، بل يهون عليه كل أمر، لأَنَّه ينظر إلى قدرة قادر عظيم، يستمد منه العون والتوفيق، ويعتمد عليه في تحقيق ما يرجوه، من خير، وقوَّة، وسعادة. ***

стр. 770

٢٣٥ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: "كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا قَامَ إِلى الصَّلاَةِ، يُكَبِّرُ حِيْنَ يَقُومُ، ثُمَّ يُكَبِّرُ حِيْنَ يَرْكعُ، ثمَّ يَقُولُ: سَمعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، حِيْنَ يَرْفَعُ صُلْبَهُ مِنَ الرُّكُوعِ، ثُمَّ يَقُولُ وَهُوَ قَائِمٌ: رَبَّنَا وَلَكَ الحَمْدُ، ثُمَّ يُكَبِّرُ حِيْنَ يَهْوِي سَاجِدًا، ثمَّ يُكَبِّرُ حِيْنَ يَرْفَعُ رَأْسَهُ، ثُمَّ يُكَبِّرُ حِيْنَ يَسْجُدُ، ثُمَّ يُكَبِّرُ حِيْنَ يَرْفَعُ، ثُمَّ يَفْعَلُ ذلِكَ فِي الصَّلاَةِ كُلِّهَا، وَيُكَبِّرُ حِيْنَ يَقُومُ مِنَ اثْنينِ بَعْدَ الجُلُوسِ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). ــ * مفردات الحديث: - سمع الله: أي: أجاب الله من حمده، متعرضًا لثوابه، والدليل على صحة هذا المعنى: الإتيان باللام في قوله: "لِمَن حمده"، ولو كان السماع على بابه، لقَالَ: "سمع الله من حمده". - صُلبه: الصلب فيه أربع لغات: إحداها: ضم الصاد وسكون اللام، والمراد به: الظهر. قال في "المصباح": الصلب: كل ظهر له فقار. - ربَّنا ولك الحمد: بهذه الصيغة اجتمع معنيان: الدعاء والاعتراف، ربَّنا استجيب لنا, ولك الحمد على هدايتك. - يهوي: قال في "المصباح": هوى -بالفتح يهوي- من باب ضرب -هُوِيًّا- بضم الهاء وفتحها: -إذا هبط وانحط من أعلى إلى أسفل.

стр. 771

* ما يؤخذ من الحديث: ١ - الحديث يدل على مشروعية تكبيرات الانتقالات بين الأركان، في هذه المواضع كلها، عدا التسميع عند الرفع من الركوع. ٢ - قوله: "سمع الله لمن حمده" معناه: استجاب الله لمن حمده، وهذه الجملة خاصة بالإمام والمنفرد دون المأموم، فليست مناسبة لحقه، لما جاء في البخاري (٧٩٦)، ومسلم (٤٠٩)؛ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: "إذا قال الإِمام: سمع الله لمن حمده، فقولوا: ربَّنا ولك الحمد"، والاقتصار على التحميد للمأموم هو قول جمهور العلماء. ٣ - قوله: "كان" يدل على أنَّ هذه سنته المستمرة في الصلاة؛ لما روى أحمد (٤٢١٢)، والترمذي (٢٥١)، والنسائي (١١٤٢) من حديث ابن مسعود قال: "رأيت رسول الله ﷺ يكبر في كل رفع، وخفض، وقيام، وقعود". وعليه عامَّة الصحابة والتابعين. قال البغوي: اتَّفقت الأمة على هذه التكبيرات، وهذا عدا الرفع من الركوع. ٤ - قوله: "حين" دليل على أنَّ وقت التكبير مع الانتقال من ركن إلى ركن، فلا يتقدم عن البدء بالحركة ولا يتأخر؛ بحيث يصل الركن الثاني وهو لم ينته من التكبير، بل يكون موضعُ التكبير؛ الحركةَ التي بين الركنين. قال الشيخ عبد الرحمن بن سعدي ﵀: تكبيرات الانتقال محلها بين ابتداء الانتقال والانتهاء؛ لأنَّها الذكر المشروع بين الأركان، ونفس الأركان مختصة بأذكارها المشروعة فيها، فهذا مأخذ الفقهاء لهذا التحديد. وهذا كما ذكر المجد وغيره: أنَّه هو الأولى، ولكنه لا يجب؛ لعسر التحرز من ذلك، فمأخذ هذا القول الصحيح هو دفع المشقة والعسرة.

стр. 772

ولذا يُنَبَّهُ هنا إلى خطأ يفعله كثير من الأئمة في الصلاة؛ حيث لا يأتون بتكبيرات الانتقال إلاَّ بعد الانتهاء من الانتقال، فيأتون مثلًا بتكبيرة الانتقال من السجود إلى القيام، وهم قيام، فَلْيُنتبَهْ إلى ترك هذا، وفعل ما هو الأولى. ٥ - مشروعية التكبير في هذه الانتقالات، إلاَّ في الرفع من الركوع؛ فإنَّه يقول: "سمع الله لمن حمده" للإمام والمنفرد، وأما المأموم فيقول: "ربَّنا ولك الحمد". ٦ - التكبير هو شعار الصلاة، فمعنى "الله أكبر"؛ أي: من كل شيء. * خلاف العلماء: أجمع العلماء على مشروعية تكبيرات الانتقال بين الأركان في الصلاة، فرضها ونفلها؛ لأنَّه ﷺ كان يكبر ويداوم عليها، ويقول: "إذا كبر، فكبروا". واختلفوا في وجوبها، فذهب الإِمام أحمد وجمهور أهل الحديث إلى وجوب التكبير للأمر بها: ولمداومته ﷺ عليه، وقوله ﷺ : "صلوا كما رأيتموني أصلي": [رواه البخاري (٦٠٥)]. وذهب الأئمة: أبو حنيفة، ومالك، والشافعي، إلى: أنَّها سنة، وليست بواجبة؛ لحديث المسيء في صلاته. قال النووي وغيره: التكبير غير تكبيرة الإحرام سنة، وليس بواجب، فلو تركه صحت صلاته، لكن يكره تركه عمدًا. قلتُ: والأحاديث الواردة محمولة على الاستحباب، جمعًا بين الأخبار، فهذا القول هو قول عامة العلماء، والقول الأوَّل أحوط. ***

стр. 773

٢٣٦ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁ قالَ: "كَانَ رسُولُ الله ﷺ إِذا رَفَعَ رَأسَهُ منَ الرُّكُوعِ، قَالَ: اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الحَمْدُ مِلْءَ السَّمَوَاتِ، وَمِلْءَ الأَرْضِ، وَمِلءَ مَا شِئتَ مِنْ شَيءٍ بعْدُ، أهْلَ الثَّنَاءِ وَالمَجْدِ، أحَقُّ مَا قَالَ العَبْدُ -وَكلُّنا لَكَ عَبْدٌ-: اللَّهُمَّ لاَ مَانِعَ لِمَا أعْطَيْتَ، وَلاَ مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلاَ يَنْفَعُ ذَا الجَدِّ مِنْكَ الجَدُّ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١). ــ * مفردات الحديث: - ربَّنا لك الحمد: قال الكرماني: بدون الواو، وفي بعض الروايات بالواو، والأمران جائزان، بلا ترجيح لأحدهما على الآخر في المختار. - ملء السموات والأرض: "ملءَ" منصوب على المصدرية، أو مرفوع على أنَّه خبر مبتدأ محذوف. قال الخطابي: هو تمثيل وتقريب، فالكلام لا يقدر بالمكاييل، ولا تسعه الأوعية، والمراد: تكثير العدد، لو قدر ذلك أجسامًا، ملأ ذلك كله. - بعد: ظَرْفٌ قُطِعَ عن الإضافة، مع إرادة المضاف إليه، فيكون مبنيًّا على الضم. - من شيء: بيان لقوله: "ما شئت". - أهل الثناء: بالنصب على الاختصاص، أو منادى حُذِفَ منه حرف النداء ويجوز رفعه على أنَّه خبر مبتدأ محذوف، تقديره: أنت أهل الثناء.

стр. 774

والثناء: هو المدح بالأوصاف الكاملة. - المجد: المجد: هو غاية الشرف وكثرته، والرفعة. - أحق ما قال العبد: "أحق" مبتدأ، وهو مضاف إلى "ما" المصدرية، وخبره قوله: "لا مانع لما أعطيت"، وما بينهما اعتراض، والألف واللام في "العبد" للتعريف، لا للعهد. - وكلنا لك عبد: جملة معترضة بين المبتدأ والخبر. - لا مانع لما أعطيت: "لا" نافية للجنس، و"مانع" اسمها مبني على الفتح؛ أي أردت إعطاءه. - منك: أي: من مؤاخذتك. - اللَّهمَّ ربَّنا: هكذا في أكثر الروايات، وبعضها بحذف "اللهمَّ"، والأُولى أوْلى؛ لأنَّ فيها تكرير النداء، فكأنَّه يقول: يا الله يا ربنا. - ولا ينفع ذا الجدِّ منك الجدّ: "الجد" الثانية فاعل "ينفع"، بفتح الجيم، وهو الغنى؛ أي لا ينفع ذا الغنى عندك غناه، ولا حظه وبخته، وقيل: بكسر الجيم، ومعناه: لا ينفع صاحب الاجتهاد منك اجتهاده، إنَّما ينفعه رحمتك. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - مشروعية هذا الذكر في هذا الركن بعد الرفع من الركوع والتسميع، والواجب منه: "ربَّنا ولك الحمد"، وكلما زاد منه فهو أفضل حتى نهايته، وهو مشروع للإمام والمأموم والمنفرد، في الفرض والنفل، وهو إجابة للإمام حينما قال: "سمع الله لمن حمده"، فناسب حمد الله تعالى بهذا الذكر. ٢ - أما معاني الذكر فهي في الفقرات الآتيات: (أ) "ربَّنا لك الحمد" قال في "شرح المهذب": ربَّنا أطعْنَا وحمدنا، ذلك الحمد، وقد ثبت بالأحاديث الصحيحة من روايات كثيرة: "ربَّنا ولك

стр. 775

الحمد" بالواو. (ب) "ملء السموات والأرض" يراد بذلك تعظيم قدرها، وكثرة عددها، والمعنى: أنَّك يا ربَّنا مستحقٌّ لهذا الحمد، الذي لو كان أجسامًا، لملأ ذلك كله. (ج) "وملء ما شئت من شيء" مما لا نعلمه من ملكوتك الواسع. (د) "أهل الثناء والمجد" أي: أنت أهل الثناء، الذي تثني عليك جميع المخلوقات، والمجد: هو غاية الشرف وكثرته. (هـ) "أحق ما قال العبد" أي: أنت أحق بما قال لك العبد، من المدح والثناء. (و) "وكلنا لك عبد" معناه ما في الآية الكريمة: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (٩٣)﴾ [مريم] يعني: أنَّ كل المخلوقات في السموات والأرض مقرة بالعبودية لله تعالى، آتية إليه خاضعة منقادة يوم القيامة. (ز) "لا مانع لما أعطيت" أي: لا مانع لما أردت إعطاءه. (ح) "ولا معطي لما منعت" أي: لا معطي من أردت حرمانه من العطاء بحكمتك وعدلك. (ط) "ولا ينفع ذا الجد منك الجد" الجد هو الحظُّ والبخت؛ أي: لا ينفع ذا الغنى عندك غناه وحظه، فلا يعيذه من العذاب، ولا يفيده شيئًا من الثواب، وإنَّما النافع ما تعلَّقت به إرادتك فحسب. قال النووي: فيه كمال التفويض إلى الله تعالى، والاعتراف بكمال قدرته وعظمته، وقهره وسلطانه، وانفراده بالوحدانية، وتدبير مخلوقاته. ***
следующие страницы →