* ما يؤخذ من الحديث:
١ - الحديث يدل على مشروعية تكبيرات الانتقالات بين الأركان، في هذه المواضع كلها، عدا التسميع عند الرفع من الركوع.
٢ - قوله: "سمع الله لمن حمده" معناه: استجاب الله لمن حمده، وهذه الجملة خاصة بالإمام والمنفرد دون المأموم، فليست مناسبة لحقه، لما جاء في البخاري (٧٩٦)، ومسلم (٤٠٩)؛ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: "إذا قال الإِمام: سمع الله لمن حمده، فقولوا: ربَّنا ولك الحمد"، والاقتصار على التحميد للمأموم هو قول جمهور العلماء.
٣ - قوله: "كان" يدل على أنَّ هذه سنته المستمرة في الصلاة؛ لما روى أحمد (٤٢١٢)، والترمذي (٢٥١)، والنسائي (١١٤٢) من حديث ابن مسعود قال: "رأيت رسول الله ﷺ يكبر في كل رفع، وخفض، وقيام، وقعود". وعليه عامَّة الصحابة والتابعين.
قال البغوي: اتَّفقت الأمة على هذه التكبيرات، وهذا عدا الرفع من الركوع.
٤ - قوله: "حين" دليل على أنَّ وقت التكبير مع الانتقال من ركن إلى ركن، فلا يتقدم عن البدء بالحركة ولا يتأخر؛ بحيث يصل الركن الثاني وهو لم ينته من التكبير، بل يكون موضعُ التكبير؛ الحركةَ التي بين الركنين.
قال الشيخ عبد الرحمن بن سعدي ﵀: تكبيرات الانتقال محلها بين ابتداء الانتقال والانتهاء؛ لأنَّها الذكر المشروع بين الأركان، ونفس الأركان مختصة بأذكارها المشروعة فيها، فهذا مأخذ الفقهاء لهذا التحديد.
وهذا كما ذكر المجد وغيره: أنَّه هو الأولى، ولكنه لا يجب؛ لعسر التحرز من ذلك، فمأخذ هذا القول الصحيح هو دفع المشقة والعسرة.
стр. 772
ولذا يُنَبَّهُ هنا إلى خطأ يفعله كثير من الأئمة في الصلاة؛ حيث لا يأتون بتكبيرات الانتقال إلاَّ بعد الانتهاء من الانتقال، فيأتون مثلًا بتكبيرة الانتقال من السجود إلى القيام، وهم قيام، فَلْيُنتبَهْ إلى ترك هذا، وفعل ما هو الأولى.
٥ - مشروعية التكبير في هذه الانتقالات، إلاَّ في الرفع من الركوع؛ فإنَّه يقول: "سمع الله لمن حمده" للإمام والمنفرد، وأما المأموم فيقول: "ربَّنا ولك الحمد".
٦ - التكبير هو شعار الصلاة، فمعنى "الله أكبر"؛ أي: من كل شيء.
* خلاف العلماء:
أجمع العلماء على مشروعية تكبيرات الانتقال بين الأركان في الصلاة، فرضها ونفلها؛ لأنَّه ﷺ كان يكبر ويداوم عليها، ويقول: "إذا كبر، فكبروا".
واختلفوا في وجوبها، فذهب الإِمام أحمد وجمهور أهل الحديث إلى وجوب التكبير للأمر بها: ولمداومته ﷺ عليه، وقوله ﷺ : "صلوا كما رأيتموني أصلي": [رواه البخاري (٦٠٥)].
وذهب الأئمة: أبو حنيفة، ومالك، والشافعي، إلى: أنَّها سنة، وليست بواجبة؛ لحديث المسيء في صلاته.
قال النووي وغيره: التكبير غير تكبيرة الإحرام سنة، وليس بواجب، فلو تركه صحت صلاته، لكن يكره تركه عمدًا.
قلتُ: والأحاديث الواردة محمولة على الاستحباب، جمعًا بين الأخبار، فهذا القول هو قول عامة العلماء، والقول الأوَّل أحوط.
***
стр. 773
٢٣٦ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁ قالَ: "كَانَ رسُولُ الله ﷺ إِذا رَفَعَ رَأسَهُ منَ الرُّكُوعِ، قَالَ: اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الحَمْدُ مِلْءَ السَّمَوَاتِ، وَمِلْءَ الأَرْضِ، وَمِلءَ مَا شِئتَ مِنْ شَيءٍ بعْدُ، أهْلَ الثَّنَاءِ وَالمَجْدِ، أحَقُّ مَا قَالَ العَبْدُ -وَكلُّنا لَكَ عَبْدٌ-: اللَّهُمَّ لاَ مَانِعَ لِمَا أعْطَيْتَ، وَلاَ مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلاَ يَنْفَعُ ذَا الجَدِّ مِنْكَ الجَدُّ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١).
ــ
* مفردات الحديث:
- ربَّنا لك الحمد: قال الكرماني: بدون الواو، وفي بعض الروايات بالواو، والأمران جائزان، بلا ترجيح لأحدهما على الآخر في المختار.
- ملء السموات والأرض: "ملءَ" منصوب على المصدرية، أو مرفوع على أنَّه خبر مبتدأ محذوف.
قال الخطابي: هو تمثيل وتقريب، فالكلام لا يقدر بالمكاييل، ولا تسعه الأوعية، والمراد: تكثير العدد، لو قدر ذلك أجسامًا، ملأ ذلك كله.
- بعد: ظَرْفٌ قُطِعَ عن الإضافة، مع إرادة المضاف إليه، فيكون مبنيًّا على الضم.
- من شيء: بيان لقوله: "ما شئت".
- أهل الثناء: بالنصب على الاختصاص، أو منادى حُذِفَ منه حرف النداء ويجوز رفعه على أنَّه خبر مبتدأ محذوف، تقديره: أنت أهل الثناء.
стр. 774
والثناء: هو المدح بالأوصاف الكاملة.
- المجد: المجد: هو غاية الشرف وكثرته، والرفعة.
- أحق ما قال العبد: "أحق" مبتدأ، وهو مضاف إلى "ما" المصدرية، وخبره قوله: "لا مانع لما أعطيت"، وما بينهما اعتراض، والألف واللام في "العبد" للتعريف، لا للعهد.
- وكلنا لك عبد: جملة معترضة بين المبتدأ والخبر.
- لا مانع لما أعطيت: "لا" نافية للجنس، و"مانع" اسمها مبني على الفتح؛ أي أردت إعطاءه.
- منك: أي: من مؤاخذتك.
- اللَّهمَّ ربَّنا: هكذا في أكثر الروايات، وبعضها بحذف "اللهمَّ"، والأُولى أوْلى؛ لأنَّ فيها تكرير النداء، فكأنَّه يقول: يا الله يا ربنا.
- ولا ينفع ذا الجدِّ منك الجدّ: "الجد" الثانية فاعل "ينفع"، بفتح الجيم، وهو الغنى؛ أي لا ينفع ذا الغنى عندك غناه، ولا حظه وبخته، وقيل: بكسر الجيم، ومعناه: لا ينفع صاحب الاجتهاد منك اجتهاده، إنَّما ينفعه رحمتك.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - مشروعية هذا الذكر في هذا الركن بعد الرفع من الركوع والتسميع، والواجب منه: "ربَّنا ولك الحمد"، وكلما زاد منه فهو أفضل حتى نهايته، وهو مشروع للإمام والمأموم والمنفرد، في الفرض والنفل، وهو إجابة للإمام حينما قال: "سمع الله لمن حمده"، فناسب حمد الله تعالى بهذا الذكر.
٢ - أما معاني الذكر فهي في الفقرات الآتيات:
(أ) "ربَّنا لك الحمد" قال في "شرح المهذب": ربَّنا أطعْنَا وحمدنا، ذلك الحمد، وقد ثبت بالأحاديث الصحيحة من روايات كثيرة: "ربَّنا ولك
стр. 775
الحمد" بالواو.
(ب) "ملء السموات والأرض" يراد بذلك تعظيم قدرها، وكثرة عددها، والمعنى: أنَّك يا ربَّنا مستحقٌّ لهذا الحمد، الذي لو كان أجسامًا، لملأ ذلك كله.
(ج) "وملء ما شئت من شيء" مما لا نعلمه من ملكوتك الواسع.
(د) "أهل الثناء والمجد" أي: أنت أهل الثناء، الذي تثني عليك جميع المخلوقات، والمجد: هو غاية الشرف وكثرته.
(هـ) "أحق ما قال العبد" أي: أنت أحق بما قال لك العبد، من المدح والثناء.
(و) "وكلنا لك عبد" معناه ما في الآية الكريمة: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (٩٣)﴾ [مريم] يعني: أنَّ كل المخلوقات في السموات والأرض مقرة بالعبودية لله تعالى، آتية إليه خاضعة منقادة يوم القيامة.
(ز) "لا مانع لما أعطيت" أي: لا مانع لما أردت إعطاءه.
(ح) "ولا معطي لما منعت" أي: لا معطي من أردت حرمانه من العطاء بحكمتك وعدلك.
(ط) "ولا ينفع ذا الجد منك الجد" الجد هو الحظُّ والبخت؛ أي: لا ينفع ذا الغنى عندك غناه وحظه، فلا يعيذه من العذاب، ولا يفيده شيئًا من الثواب، وإنَّما النافع ما تعلَّقت به إرادتك فحسب.
قال النووي: فيه كمال التفويض إلى الله تعالى، والاعتراف بكمال قدرته وعظمته، وقهره وسلطانه، وانفراده بالوحدانية، وتدبير مخلوقاته.
***
стр. 776
٢٣٧ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁ قالَ: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أُمِرْتُ أنْ أَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أعْظُمٍ: علَى الجَبْهَةِ -وَأشَارَ بيَدِهِ إِلَى أَنْفِهِ- واليَدَيْنِ، وَالرُّكْبَتَيْنِ، وَأطْرَافِ القَدَمَيْنِ". متَّفَقٌ عَلَيْهِ (١).
ــ
* مفردات الحديث:
- أمرت: على صيغة المجهول، والآمر هو الله، وجاء في بعض روايات الصحيح: "أمرْنَا"؛ لتدل على صيغة العموم.
- اليدين: أي: الكفَّين، كما هو المراد عند الإطلاق، ولئلا يعارض حديث النهي عن الافتراش كافتراش السبع.
- وأشار بيده إلى أنفه: جملة معترضة بين المعطوف عليه، وهو "الجبهة"، والمعطوف، وهو "اليدان"، والغرض منها بيان أنَّهما عضو واحد.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - "أمرت"، وفي رواية "أُمرنا"، وفي رواية: "أمر النبي ﷺ "؛ والثلاث الروايات كلها للبخاري، والقاعدة الشرعية أنَّ ما أُمِرَ به النبي ﷺ فهو أمرٌ عامٌّ له ولأمته؛ كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١]، وقال تعالي: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١]، ولا يخرج من هذا العموم إلاَّ ما جاء النص بتخصيصه به ﷺ ؛ كقوله تعالى: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأحزاب: ٥٠].
٢ - فيه وجوب السجود في الصلاة على هذه الأعضاء السبعة: وهي الجبهة
стр. 777
ومعها الأنف، والكفان، والركبتان، والقدمان.
٣ - قوله: "وأشار بيده إلى أنفه" معناه: أنَّ الجبهة والأنف عضو واحد، وإلاَّ لكانت الأعضاء ثمانية.
٤ - السجود: هو الخضوع والتذلل لله ﵎، وهو فرض في الكتاب والسنة والإجماع، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ [الحج: ٧٧]، والأحاديث في هذا الباب كثيرة.
وقال الوزير: أجمع العلماء على مشروعيته.
٥ - الحديث ظاهر الدلالة على وجوب السجود على هذه الأعضاء السبعة؛ إذ هو غاية خشوع الظاهر، وأجمع العبودية لسائر الأعضاء.
٦ - ذهب جمهور العلماء إلى: أنَّه يجب أن يجمع بين الأنف والجبهة، وحكى ابن المنذر الإجماع على أنَّه لا يجزىء على الأنف وحده.
٧ - اليد إذا أطلقت فالمراد بها الكف فقط، ولما روى البخاري تعليقًا، ووصله ابن أبي شيبة (١/ ٢٣٨)، والبيهقي (٢/ ١٠٦) عن الحسن قال: "كان أصحاب رسول الله ﷺ يسجدون وأيديهم في ثيابهم".
٨ - يجزىء من كل عضو بعضه، جبهةً كانت أو غيرها؛ قال في "شرح الإقناع": ويجزىء في السجود بعض كل عضو من الأعضاء المذكورة، إذا سجد عليه؛ لأنَّه لم يقيد في الحديث.
٩ - ولو سجد على حائل متصل به من غير أعضاء سجوده، أجزأ.
قال في "شرح الإقناع": "ولا يجب على الساجد مباشرة المصلى بشيء من أعضاء السجود حتى الجبهة، فلو سجد على متصل به غير أعضاء السجود، ككور عمامته، وكُمِّه وذيله ونحوه، صحت صلاته، لكن يكره ترك المباشرة باليدين والجبهة، بلا عذر من حر وبرد، فلو سجد على متصل به ككور عمامته، لم يكره لعذر.
стр. 778
قال في "الحاشية": وحكمته: أنَّ القصد من السجود مباشرة أشرف الأعضاء؛ ليتم الخضوع والتواضع.
قال الشيخ عبد الرحمن بن سعدي: ومن الفروق الصحيحة الفرق بين الحائل في السجود، وهي ثلاثة:
(أ) إن كان من أعضاء السجود، فلا يجزىء.
(ب) إن كان حائلاً منفصلاً، فلا بأس به.
(ج) إن كان على حائل مما يتصل بالمصلي، فيكره إلاَّ لعذر من حرٍّ وشوكٍ ونحوهما.
١٠ - يشرع أن يسجد على ركبتيه، فيضعهما على الأرض قبل يديه.
١١ - السجود على هذه الأعضاء جاء بأمر الله تعالى، فهو دليل على أنَّه محبوب إلى الله تعالى، وما كان محبوبًا إلى الله تعالى فهو من أجل العبادات؛ ذلك أنَّ الإنسان يضع أشرف أعضائه على الأرض، ومِن كمال هذا السجود مباشرة المصلي لأديم الأرض بجبهته استكانةً وتواضعًا، والاعتماد على الأرض بحيث ينالها ثقل رأسه.
قال ابن القيم: كان ﷺ يسجد على جبهته وأنفه، دون كور عمامته، ولم يثبت عنه السجود على كور عمامته، في حديث صحيحٍ ولا حسنٍ.
١٢ - ثبت من طرق عدة: "ما من عبدٍ سجد للهِ سجدة، إلاَّ كتب الله له بها حسنةً، وحط عنه بها خطيئته"، وشرع تكرير السجود في كل ركعة؛ لأنَّه أبلغ ما يكون في التواضع.
١٣ - الحث على السجود وذكر فضله، وأما عظيم أجره فمعلوم من الدين بالضرورة، وهو سر الصلاة، وركنها الأعظم، والمصلي أقرب ما يكون إلى الله في حال سجوده.
١٤ - قال في "حاشية الروض": ولا يكره السجود على الصوف، واللبود،
стр. 779
والبسط، وجميع الأمتعة.
قال النووي: وهو قول جماهير العلماء.
١٥ - وقال شيخ الإِسلام: دلَّت الأحاديث والآثار على أنَّهم في حال الاختيار يباشرون الأرض بالجباه، وعند الحاجة -كالحر ونحوه- يتَّقون بما يتَّصل بهم من طرف ثوب وعمامة؛ ولهذا أعدل الأقوال في هذه المسألة أنَّه يكره ذلك، إلاَّ عند الحاجة.
***
стр. 780
٢٣٨ - وَعَنِ ابْنِ بُحَيْنَةَ ﵁: "أنَّ النَّبيَّ ﷺ كَانَ إِذَا صَلَّى وَسَجَدَ فرَّجَ بَيْنَ يَدَيْهِ، حَتَّى يبْدُوَ بيَاضُ إبْطَيْهِ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١).
ــ
* مفردات الحديث:
- فرَّج: بفتح الفاء وتشديد الراء آخره جيم؛ أي: باعد بينهما، فنحَّى كل يَدٍ عن الجانب الذي يليها.
- الإبط: فيه لغات، أفضلها كسر الباء، جمعه: آباط، يذكر ويؤنث، وهو باطن المنكب والجناح.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - سنة النبي ﷺ في السجود أن يفرج بين يديه تفريجًا بليغًا؛ بحيث يظهر بياض إبطيه.
٢ - استحباب السجود على هذه الكيفية؛ لأنَّها دليل النشاط والقوَّة، قال تعالى: ﴿خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ﴾ [البقرة: ٦٣].
٣ - قال في: "الروض المربع وحاشيته": ويجافي الساجد عضديه عن جنبيه، وبطنه عن فخذيه، وهما عن ساقيه، ما لم يؤذ جاره؛ ليستقل كل عضو منه بالعبودية، مع مغايرته لهيئة الكسلان.
٤ - قال الأستاذ طبارة: الصلاة رياضة دينية إجبارية لكل مسلم، يؤديها خمس مرات بدون إجهاد ولا إرهاق، وإذا تأمَّلنا حركات الصلاة وجدنا شبهًا بينها وبين النظام السويدي في الرياضة، بل إنَّك ترى أنَّ حركة الجسم في أثناء الصلاة، أحكم وأصلح لكل سن وجنس.
стр. 781
٥ - فيه دليل على أنَّ الإبط ليس من العورة في الصلاة، وأنَّ ظهوره لا يخالف الآداب العامة بين الناس.
٦ - وفيه أنَّ كل عضو في الصلاة يأخذ نصيبه من العبادة، إذ لو اعتمد كل عضو على الآخر، لم يحصل هذا التوزيع بين الأعضاء، ولم تأخذ نصيبها من العبادة.
٧ - وقد ورد هذ المعنى صريحًا فيما أخرجه الطبراني وغيره من حديث ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تفترش افتراش السبع، واعتمد على راحتيك، وأبْدِ ضبعيك، فإذَا فعلتَ ذلك، سجد لك كل عضو منك".
٨ - هذه الكيفية تكون ما لم يؤذ المصلي من بجَانِبه في الصلاة، فإن آذاه واستولى على مكانه وزَحَمه، فلا ينبغى؛ فدرء المفاسد -بإشغال المصلين- أولى من جلب المصالح بهذه الصفة.
***
الأرض، والكفان هما عضوان من أعضاء السجود السبعة، المذكورة في حديث ابن عباس المتقدم.
٢ - هذا الحديث أيَّد الأصل، من أنَّ المراد باليدين هما: الكفان.
٣ - تقدَّم أنَّه يجزىء وضع أي جزء من اليدين على الأرض، وأما الأفضل فهو تمكين باطنهما منها، واستقبال القبلة بأصابعهما.
٤ - يدل الحديث على استحباب رفع الذراعين عن الأرض، وكراهة افتراشهما كما يفترش السبع ذراعيه.
٥ - أنَّ هذا فيه بُعدٌ عن مشابهة هذا الحيوان النجس لحالة الصلاة، التي هي مناجاة ودخول على الله ﵎، مع ما في رفعهما من دليل على النشاط والقوَّة، والرَّغبة في العبادة.
٦ - أما حديث وائل: ففيه دليلٌ على استحباب تمكين الراحتين من الركبتين، أثناء الركوع.
٧ - كما أنَّه يدل على استحباب تفريج أصابعه فوق الركبة؛ فإنَّ ذلك أمكَن من الركوع، وأثبت لحصول تسوية ظهره برأسه.
٨ - ويدل على ضم أصابع اليدين أثناء السجود؛ ليحصل بذلك كمال استقبال القبلة بها، وهو أعون على تحملها أثناء السجود.
٩ - ما تقدم من تفريج اليدين، وتجافي المرفقين عن الجنبين، والبطن عن الفخذين أثناء السجود -خاصٌّ بالرجل.
أما المرأة فقال الفقهاء: "والمرأة تضم نفسها في ركوع وسجود وغيرهما، فلا تتجافى، وتسدل رجليها في جانب يمينها في جلوسها؛ لأنَّ ذلك أستر لها؛ وذلك لما أخرجه أبو داود في "مراسيله" (ص ١١٨) عن يزيد ابن أبي حبيب: "أنَّ النبيَّ ﷺ مرَّ على امرأتين تصليان، فقال: إذا سجدتما، فَضُمَّا بعض اللَّحم إلى الأرض؛ فإنَّ المرأة في ذلك ليست كالرجل".
стр. 784
قال البيهقي (٢/ ٢٢٣): هذا المرسل أحب إليَّ من موصولين فيه.
١٠ - قال ﷺ : "وأما السجود، فأكثروا فيه من الدعاء؛ فقَمِن أن يستجاب لكم" [رواه مسلم (٤٧٩)]؛ والأمر بإكثار الدعاء في السجود، يشمل الحث على تكثير الطلب لكل حاجة، ويشمل التكرار للسؤال الواحد، كيف وقد خضع لربه، ووضع أشرف أعضائه على التراب.
١١ - هل طول السجود أفضل، أم طول القيام؟
صوَّب شيخ الإِسلام أنَّهما سواء؛ فإنَّ القيام أفضل بذكره وهو القراءة، والسجود أفضل بهيئته، وكان النبي ﷺ إذا أطال القيام أطال الركوع والسجود، وإذا خفَّف القيام خفَّف الركوع والسجود.
***
стр. 785
٢٤١ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: "رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ مُتَرَبِّعًا". رَوَاهُ النَّسَائيُّ، وَصَحَّحَهُ ابنُ خُزَيْمَةَ (١).
ــ
* درجة الحديث:
الحديث صحيحٌ؛ رَواه النسائي وابن خزيمة من: "أنَّه ﷺ كان يجلس متربعاً"، فأعله النسائي بتفرد أبي داود الحفري، وقال: لا أحسبه إلاَّ خطأ، لكن تابعه محمَّد بن سعيد ابن الأصبهاني عند البيهقي، وهو ثقة ثبت، وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي (١/ ٤١)، وصححه ابن خزيمة، وابن حبان (٦/ ٢٥٧)، والبيهقي (٢/ ٣٠٥)، وله شاهد عن عبد الله بن الزبير رواه البيهقي، وعن أنس رواه البيهقي أيضًا.
* مفردات الحديث:
- متربِّعًا: التربع هو أن يجلس قابضًا ساقيه، مخالفًا بين قدميه، جاعلاً ساقيه إحداهما فوق الأخرى، ويكون القدم اليمنى في مقبض فخذه اليسرى، والقدم اليسرى في مقبض فخذه اليمنى.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - التربع: هو أن يجعل باطن قدمه اليمنى تحت الفخذ اليسرى، وباطن اليسرى تحت الفخذ اليمنى، وقد فعل النبي ﷺ هذا لما سقط من فرسه، وانفكت قدمه.
٢ - الحديث دليل على كيفيَّة قعود العليل إذا صلى جالسًا.
٣ - التربع خاص بالجلسة التي هي مقابل قيام الصحيح، وليست في كل
стр. 786
جلسات الصلاة.
٤ - قال إمام الحرمين: الذي أراه في ضبط العَجْز أن يلحقه بالقيام مشقة تذهب خشوعه؛ لأنَّ الخشوع مقصود الصلاة.
٥ - قال النووي: أجمعت الأمة أنَّ من عجز عن القيام في الفريضة، صلاها قاعدًا, ولا إعادة عليه، ولا ينقص ثوابه؛ للخبر.
قال شيخ الإِسلام: من نوى الخير، وفعل ما قدر عليه، كان له كأجر الفاعل.
***
стр. 787
٢٤٢ - وَعَنِ ابنِ عبَّاسٍ ﵄: "أنَّ النبَّيَّ ﷺ كَانَ يَقُولُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي، وَارْحَمْنِي، وَاهْدِنِي، وَعَافِنِي، وَارْزُقْنِي" رَوَاهُ الأرْبَعَةُ إلاَّ النَّسَائِيَّ، واللَّفْظُ لأِبي دَاودَ، وَصَحَّحَهُ الحَاكِمُ (١).
ــ
* درجة الحديث:
الحديث حسنٌ؛ وله طرق متعددة، فقد أخرجه أبو داود والترمذي وابن ماجه والحاكم (١/ ٣٩٣)، والبيهقي (٢/ ١٢٢)، واللفظ لأبي داود، وليس فيه "واجبرني"، وهي عند الترمذي، ولم يقل: "وعافني"، وجمع ابن ماجه بين "ارحمني واجبرني"، وزاد: "وارفعني"، وليس عنده "اهدني، وعافني"، والحاكم جمع بين هذه الألفاظ كلها، إلاَّ لفظ "وعافني".
وطرق هذا الحديث فيها كلها كامل بن العلاء التميمي، طعن فيه بعض الأئمة، ووثَّقه بعضهم.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - الحديث يدل على مشروعية الطمأنينة في الجلسة التي بين السجدتين، كما ثبت ذلك.
٢ - فيه مشروعية الدعاء المذكور فيه في هذه الجلسة، ومذاهب الأئمة فيه الآتي:
(أ) الحنفية: لا يرون سنية الدعاء بين السجدتين، وإنَّما هو جائز عندهم.
وما ورد فيه يحملونه على صلاة النفل، أو صلاة الوتر.
стр. 788
(ب) هذا الذكر مستحب عند بقية الأئمة الثلاثة.
(ج) وذهب الحنابلة إلى: أنَّ "رب اغفر لي" واجبة مرَّة واحدة، وأدنى الكمال فيها ثلاث، وما زاد عنها من الكلمات فهو سنة.
صيغة الدعاء عند المالكية والشافعية والحنابلة هو: "رب اغفر لي وارحمني، واجبرني، وارزقني، واهدني، وعافني".
٣ - قال ابن القيم: لما فصل بركن بين السجدتين، شرع فيه من دعاء ما يليق به ويناسبه، وهو سؤال المغفرة، والرحمة، والهداية، والعافية، والرزق.
٤ - قال الشيخ تقي الدين: الأفضل الدعاء بما ورد.
وقال الموفق: الكمال فيه كالكمال في تسبيح الركوع والسجود.
وقال شيخ الإِسلام: لا دليل على تقييده بعدد معلوم، وكان ﵊ يطيل فيه بمقدار السجود.
٥ - في صحيح مسلم (٢٦٩٧): "أنَّ رجلًا أتى النبيَّ ﷺ فقال: يا رسول الله، كيف أقول حين أسأل ربِّي؟ فقال: اللَّهمَّ اغفر لي وارحمني؛ فإنَّ هؤلاء تجمع لك دنياك وآخرتك".
* معاني الكلمات الخمس:
- اغفر لي: أي: استرني، مع التجاوز عن المؤاخذة.
- ارحمني: أي: هات لي من لدنك رحمة تشتمل على ستر الذنب وعدم المؤاخذة، مع الإفضال عليَّ من خيري الدنيا والآخرة.
- اهدني: الرحمة تشمل الهداية، فعُطِفَ عليه، من باب عطف الخاص على العام، والهداية نوعان:
أحدهما: التوفيق إلى العلم النافع، والعمل الصالح، والإيمان الثابت، وهي الهداية القلبية، وهذه لا يملكها إلاَّ الله.
الثاني: بمعنى الدلالة والإرشاد إلى طريق الحق والصواب.
стр. 789
- عافني: اعطني سلامة وعافية، في ديني من السيئات والشبهات، وفي بدني من الأمراض والأسقام، وفي عقلي من العته والجنون، وأعظم الأمراض هي أمراض القلب، إما بالشبهات المضلَّة، وإما بالشهوات المهلكة، فهذا النوع من المرض هو سبب الشقاوة الأبدية، والعياذ بالله.
ومع هذا، فالناس بغفلة يتزاحمون على المستشفيات والعيادات؛ لعلاج أمراض البدن، ولا يأتون العلماء، ومجالس الذكر، وأبواب المساجد؛ لعلاج أمراض القلوب.
وهذا مما يدل على ضعف في العقل، وضعف في اليقين، وانتكاس في التفكير، وعدم تمييز الحقائق.
- ارزقني: أي: اعطني رزقًا، يغنيني في هذه الحياة الدنيا عن الحاجة إلى خلقك، وأعطني رزقًا واسعًا في الآخرة، مثل ما أعددته لعبادك الذين أنعمت عليهم.
والرزق: عند أهل السنة والجماعة يشمل الحلال والحرام، ولكن موضع الدعاء هو طلب الرزق الحلال في الدنيا.
***
стр. 790
٢٤٣ - وَعَنْ مَالِكِ بْنِ الحُوَيْرِثِ ﵁: "أنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ ﷺ يُصَلِّي، فَإِذَا كَانَ فِي وِتْرٍ مِنْ صَلاَتِهِ، لَم يَنْهَضْ حَتَّى يَسْتَوَي قَاعِدًا". رواه البُخَارِيُّ (١).
ــ
* مفردات الحديث:
- وِتْر من صلاَتِهِ: هي عند النهوض إلى القيام إلى الثانية، وعند النهوض من الثالثة إلى الرابعة في الرباعية، وتسمى جِلسة الاستراحة.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - الحديث يدل على استحباب هذه الجِلسة، وهو أنَّ المصلي إذا قام في وتر من صلاته؛ بأن يقوم من الركعة الأولى، أو يقوم من الركعة الثالثة، فإنَّه يستوي جالسًا، فيما بين السجدة الأخيرة والقيام، ثم ينهض لأداء الركعة الثانية، أو الركعة الرابعة.
٢ - هذه الجلسة يسميها العلماء "جلسة الاستراحة"، والاستراحة: طلب الراحة؛ فكأنَّ المصلي حصل له إعياء، فيجلس ليزول عنه.
٣ - وهي جلسة خفيفة لطيفة عند من يرى استحبابها، قال النووي: جلسة الاستراحة جلسة لطيفة؛ بحيث تسكن حركتها سكونًا بينًا.
* خلاف العلماء:
ذهب الإِمام الشافعي في القول المشهور من مذهبه إلى: استحباب جلسة الاستراحة، وذهب الأئمة الثلاثة إلى عدم استحبابها.
ودليل الشافعي: هو حديث الباب الذي رواه البخاري وغيره من حديث
стр. 791
مالك بن الحويرث: "أنَّه رأى النبي ﷺ يصلي، فإذا كان في وتر من صلاته، لم ينهض حتى يستوي قاعدًا".
أما دليل الثلاثة في تركها فما روى الترمذي (٢٨٨) من حديث أبي هريرة: "أنَّ النبيَّ ﷺ كان ينهض على صدور قدميه".
قال الترمذي: وعليه العمل عند أهل العلم.
وقال أبو الزناد: تلك السنة.
وقال النعمان بن أبي عياش: أدركت غير واحد من أصحاب النبي ﷺ لا يجلس.
قال الإِمام أحمد: أكثر الأحاديث على هذا، وممن روي عنهم تركها: عمر، وعلي، وابن عمر، وابن مسعود، وابن عباس.
قال ابن القيم: اختلف الفقهاء في جلسة الاستراحة؛ هل هي من سنن الصلاة، أو ليست من السنن؟ وإنَّما يفعلها من يحتاج إليها؟ على قولين:
ففي حديثي أبي أمامة وابن عجلان ما يدل على: "أنَّه ﷺ نهض على صدور قدميه"، وقد روي عن عدة من أصحاب النبي ﷺ ، وسائر من وصف صلاته لم يذكر هذه الجلسة، وإنما ذكرت في حديث أبي حميد، ومالك بن الحويرث، ولو كان هديه ﷺ دائمًا لذكرها كل واصف لصلاته، ووجود فعلها لا يدل على أنَّها من سنن الصلاة، إلاَّ إذا عُلم أنه فعلها سنة، فيقتدى به فيها، وأما إذا قدر أنَّه فعلها للحاجة لم يدل على كونها سنة من سنن الصلاة، فهذا من تحقيق المناط في المسألة.
واختار الشيخ تقي الدين: أنه ﷺ جلس في آخر عمره عند كِبَره، جمعًا بين الأخبار.
وقال الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ: المشهور من المذهب أنَّها ليست مشروعة، وإنَّما هي من الأسباب العارضة، لا الراتبة، فيكون فعلها من
стр. 792
السنة العارضة، لا الراتبة، وبهذا تجتمع الأدلة.
وقال الشيخ عبد الرحمن بن سعدي: أصح الأقوال الثلاثة في جلسة الاستراحة: استحبابها, للحاجة إليها، واستحباب تركها، عند عدم الحاجة إليها. اهـ.
وهذا القول هو الراجح؛ ذلك أنَّ هذه الجلسة ليست مقصودة لذاتها، حتى تكون سنة راتبة، وليس لها ذكر يقال فيها، فعلم أنَّها مرادة عند الحاجة إليها، من عجز، ومرض، وشيخوخة، ونحو ذلك، فتفعل حينئذٍ.
قال في "المغني": وبهذا القول تجتمع الأدلة. والله أعلم.
ومسائل الخلاف في الفروع لا ينبغي أن تكون مثار فتنة، وشقاق، وتنازع، والأفضل بحث المسائل في جو ودّي علمي، فما وصل فيه أهل العلم إلى اتفاق فذاك، وما اختلفوا فيه فلا ينكِرُ بعضُهم على بعض، ويعادي بعضهم بعضًا، وإنَّما الواجب أن يعذر بعضهم بعضًا بما وصل إليه المخالف من الاجتهاد؛ فإنَّ العداوة والبغضاء هو سبب تفريق كلمة المسلمين، وتشتيت أمرهم، وضعف شأنهم، حتى أصبحوا ممزقين متفرقين، قد تسلط عليهم أعداؤهم، فاستباحوا بلادَهم، وأضعفوا كيانهم، وصار المسلمون لهم أتباعًا، وفيما بينهم أحزابًا، فإنَّا لله وإنا إليه راجعون.
***
стр. 793
٢٤٤ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁: "أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَنَتَ شَهْرًا بَعْدَ الرُّكوعِ، يَدْعُو عَلَى أحْيَاءٍ مِنْ أحْيَاءِ العَرَبِ، ثمَّ ترَكَهُ" مُتَّفقٌ عَلَيْهِ.
ولأحمدَ والدَّارقطنِيِّ، نَحْوُهُ مِنْ وَجْهٍ آخرَ، وَزَادَ: "وَأَمَّا فِي الصُّبْحِ، فَلَمْ يَزَلْ يَقْنُتُ حَتَّى فَارَقَ الدُّنْيَا" (١).
ــ
* درجة الحديث:
زيادة أحمد والدارقطني صححها الحاكم، ومال ابن دقيق العيد إلى تصحيحها, ولكن في سندها عيسى بن ماهان؛ وهو سيء الحفظ، والربيع بن أنس؛ وله أوهام، والمعول في الجمع بين أحاديث القنوت هو ما سيأتي عن ابن القيم، ﵀.
* مفردات الحديث:
- قنت: ذكر العلماء أنَّ للقنوت عشرة معانٍ، والمراد هنا: هو الدعاء في الصلاة بعد الرفع من الركوع الأخير من الوتر، وبعد الرفع من الركوع في الثانية من صلاة الفجر، عند من يرى ذلك.
- على: تكون للضرر، فيقال: دعا عليه.
- أحياء من العرب: جمع "حيٍّ"، قال في "المصباح": الحي القبيلة من العرب، والمراد بهم هنا: رِعِل، وَعُصَيَّة، وَذَكْوَان، وبنو لِحْيَان.
...
стр. 794
٢٤٥ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁: "أنَّ النَّبيَّ ﷺ كَانَ لاَ يَقْنُتُ إِلاَّ إِذَا دَعَا لِقَوْمٍ، أَوْ دَعَا عَلَى قَوْمٍ" صحَّحَهُ ابنُ خُزَيْمَةَ (١).
ــ
* درجة الحديث:
الحديث صحيح.
قال ابن القيم في "زاد المعاد": أحاديث أنس في القنوت كلها صحاح، يصدق بعضها بعضًا، والقنوت الذي ذكره قبل الركوع غير الذي ذكره بعده، والذي وقَّته غير الذي أطلقه، فالذي ذكره قبل الركوع هو إطالة القيام للقراءة، والذي ذكره بعده هو إطالة القيام للدعاء، ففعله شهرًا يدعو لقوم، ثم استمرَّ تطويل هذا الركن للدعاء والثناء، إلى أن فارق الدنيا، والذي تركه هو الدعاء على أقوام من العرب، وكان بعد الركوع.
...
стр. 795
٢٤٦ - وَعَنْ سَعْدِ بْنِ طَارِقٍ الأَشْجَعِيِّ ﵁ قَالَ: "قُلْتُ لأَبي: يَا أبَتِ، إِنَّك قَدْ صَلَّيْتَ خَلْفَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَأَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَعُثْمَانَ، وَعلِيٍّ؛ أفَكَانُوا يَقْنتُونَ فِي الفَجْرِ؟ قَالَ: أيْ بُنَيَّ؛ مُحْدَثٌ" رَوَاهُ الخَمْسَةُ إِلاَّ أَبَا دَاوُدَ (١).
ــ
* درجة الحديث:
الحديث حسن.
قال في "التلخيص": رواه الترمذي، وقال: حديث حسنٌ صحيحٌ، والنسائي وابن ماجه من حديث أبي مالك الأشجعى عن أبيه، وإسناده حسن.
قلتُ: وصححه أيضًا ابن حبان.
* مفردات الحديث:
- مُحْدَث: أي: أمر مخترعٌ ومبتدعٌ في الدين، لم يرد في الشرع.
- أي -بفتح الهمزة وسكون الياء-: أداة نداء للقريب.
- قنوت الوتر: القنوت ورد لمعانٍ كثيرة، والمراد هناك: الدعاء؛ إما مطلقًا، أو مقيدًا بالأذكار المشهورة الواردة.
* ما يؤخذ من الأحاديث الثلاثة:
١ - القنوت هنا: هو الدعاء بعد الركوع من الركعة الأخيرة في الصلوات الخمس، والوتر.
٢ - أجمع العلماء على أنَّ فعله، أو تركه لا يبطل الصلاة، وإنَّما الخلاف في استحباب تركه، أو التفصيل في ذلك.
стр. 796
٣ - حديث أنس: (٢٤٤) "أنَّ النبيَّ ﷺ قَنَتَ في الصَّلَوات الخمس كلها شهرًا، يدعو على أحياء من العرب" -ورد تعيينهم بأنَّهم: رِعِل وعُصَيَّة وبَنُو لِحْيَان؛ هذه الرواية في الصحيحين.
٤ - زيادة الدارقطني: "أنَّه ما زال يقنت، حتى فارق الحياة الدنيا" -معارِضة لرواية الصحيحين.
٥ - حديث أنس (٢٤٥): "أنَّه ﷺ كان لا يقنت إلاَّ إذا دعا لقوم , أو دعا على قوم"؛ كأن يدعو للمستضعفين، كما يدعو على القبائل التي مرَّ ذكرهم، وعلى غيرهم من صناديد قريش الذين آذوا المستضعفين.
٦ - حديث طارق الأشجعي (٢٤٦): "أنَّه صلَّى مع النبي ﷺ والخلفاء الراشدين الأربعة، وما كانوا يقنتون في صلاة الفجر، بل هو محدث".
* خلاف العلماء:
أجمع العلماء على استحباب القنوت في الجملة، ولكن اختلفوا في تحديد الصلاة التي يقنت فيها على مذاهب:
ذهب الحنفية إلى: وجوب القنوت في صلاة الوتر.
وذهب الحنابلة إلى استحباب القنوت في صلاة الوتر.
وذهب المالكية والشافعية إلى استحبابه في صلاة الصبح.
وذهب الشافعية والحنفية والحنابلة إلى استحبابه في الفرائض إذا نزل بالمسلمين نازلة، لكن خصَّه الحنفية بالصلاة الجهرية.
أما دليل الحنفية والحنابلة في قنوت الوتر: فما رواه الخمسة عن الحسن بن علي ﵄ أنَّه قال: "علَّمني رسول الله ﷺ كلمات أقولهنَّ في صلاة الوتر"، وسياتي الحديث قريبًا إن شاء الله تعالى.
وأما دليل المالكية والشافعية: فما رواه الدارقطني عن أنس: "أنَّ النبيَّ ﷺ لم يزل يقنت في الصبح، حتى فارق الحياة".
стр. 797
وأما دليل الحنفية والشافعية والحنابلة على استحبابه عند النوازل: فما رواه ابن خزيمة (١/ ٣١٤)، عن أنس عن النبي ﷺ : "كان لا يقنت إلاَّ إذا دعا لقوم، أو دعا على قوم". قال الشيخ تقي الدين: للعلماء في القنوت ثلاثة أقوال: أصحها: أنه يسن عند الحاجة.
قال الشيخ المباركفوري: هذا القنوت يسمى بقنوت النوازل، ولم يرد في الصلاة المكتوبة قنوت غيره، هذا وهو مخصوص بأيام المهام والوقائع والنوازل؛ لأنَّ النبي ﷺ كان لا يقنت إلاَّ إذا دعا لقوم مسلمين، أو دعا على الكافرين، وهذا القنوت لا يختص بصلاة دون صلاة، بل ينبغي الإتيان به في جميع الصلوات.
وأما الزيادة التي تدل على مواظبته ﷺ على القنوت في صلاة الفجر -فهي لا تصلح للاحتجاج، ومع ذلك تعارض حديث أنس.
وقال ابن القيم في "زاد المعاد": أحاديث أنس في القنوت كلها صحاح، يصدق بعضها بعضًا، ولا تناقض فيها، والقنوت الذي ذكره قبل الركوع غير الذي ذكره بعده، والذي وقَّته غير الذي أطلقه، فالذي ذكره قبل الركوع هو إطالة القيام للقراءة، والذي ذكره بعده هو إطالة القيام للدعاء، فعله شهرًا، يدعو على قوم، ويدعو لقوم، ثم استمر تطويل هذا الركن للدعاء والثناء إلى أن فارق الدنيا، أما الذي تركه فهو الدعاء على أقوام من العرب، وكان بعد الركوع، فزاد أنس القنوت قبل الركوع وبعده، الذي أخبر أنَّه ما زال عليه هو إطالة القيام في هذين المحلين، بقراءة القرآن وبالدعاء.
وقال شيخ الإسلام: لا يقنت في غير الوتر، الاَّ أن تنزل بالمسلمين نازلة، فيقنت كل مصلٍّ في جميع الصلوات، لكنه في الفجر والمغرب آكد بما يناسب تلك النازلة، ومن تدبر السنة، علم علمًا قطعيًّا أنَّ النبيَّ ﷺ لم يقنت دائمًا في شيء من الصلوات.
стр. 798
٢٤٧ - وَعَنِ الحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ ﵄ أَنَّهُ قَالَ: "عَلَّمَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ كَلِمَاتٍ أَقُولُهُنَّ فِي قُنُوتِ الوِتْرِ: اللَّهُمَّ اهْدِنِي فِيمَنْ هَدَيتَ، وَعَافِنِي فِيْمَنْ عَافَيْتَ، وَتَوَلَّنِيْ فِيْمَنْ تَوَلَّيْتَ، وَبَارِكْ لِيْ فِيْمَا أعْطَيْتَ، وَقِنِي شَرَّ مَا قَضَيْتَ؛ فَإِنَّكَ تَقْضِي وَلاَ يُقْضَى عَلَيْكَ، وَإنَّهُ لاَ يَذِلُّ مَنْ وَالَيْتَ، تَبَارَكْتَ رَبَّنَا وَتَعَالَيْتَ". روَاهُ الخَمْسَةُ.
وَزَادَ الطَّبَرَانِيُّ وَالبَيْهَقِيُّ: "وَلاَ يَعِزُّ مَنْ عَادَيْتَ".
وزَادَ النَّسَائِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخرَ فِي آخِرِهِ: "وَصَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَى النَّبِيِّ" (١).
ولِلْبَيْهَقِيِّ عَنِ ابْنِ عَبَاسٍ قَالَ: "كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يعَلِّمُنَا دُعَاءً نَدْعُو بِهِ فِي القُنُوتِ مِنْ صَلاَةِ الصُّبحِ". وَفِي سَنَدِهِ ضَعْفٌ (٢).
ــ
* درجة الحديث:
الحديث صحيح؛ قَال النَّووي في "المجموع" و"كتاب الأذكار": رواه أبو داود والترمذي والنسائي وغيرهم بإسناد صحيح. وصححه الحاكم وابن الملقن، وقال الألباني: إسناده صحيح، وأما زيادة الطبراني والبيهقي: "لا يعز من عاديت" -فضعفها النووي، لكن قواها ابن حجر، وابن الملقن.
وأما زيادة النسائي: "وصلى الله تعالى على النَّبي" -فإسنادها حسن، كما
стр. 799
قال النووي في الأذكار، وحسنها ابن الملقن، لكن ابن حجر أعلها بالانقطاع بين عبد الله بن علي وبين الحسن بن علي.
وأما رواية البيهقي عن ابن عباس: "في القنوت من صلاة الصبح" -فقال الحافظ: سندها ضعيف.
* مفردات الحديث:
- فيمن هديت: من النبيين، والصديقين، والشهداء، والصالحين، قيل: "في" في هذه الفقرة والتي بعدها بمعنى "مع".
- عافني: عن كل نقص ظاهر، أو باطن في الدنيا والآخرة، واجعلني مندرجًا فيمن عافيت.
- تولني: بحفظك عن كل مخالفة، ونظر إلى غيرك، واجعلني مندرجًا فيمن توليت، والموالاة ضد المعاداة.
- بارك لي: أَنْزِل عَليَّ بركتك العظمى، من التشريف والكرامة، وزدني من فضلك.
- فيما أعطيت: "في" للظرفية متعلقة بالفعل المذكور قبلها.
- قني: اجعل لي وقايةً من عندك، تقيني شر ما خلقته ودبرته.
- ما قضيت: "ما" اسم موصول، بمعنى "الذي".
- إنَّك تقضي: تعليل لما قبله؛ إذ لا يعطي تلك الأمور المهمة العظام إلاَّ من كملت قدرته وقضاؤه، ولم يوجد منها شيء في غيره.
- لا يذِل: بفتح الياء وكسر الذال المعجمة؛ أي: لا يضعف ولا يهون من واليت، والذل ضد العز.
- لا يَعِز: بفتح الياء وكسر العين؛ أي: لا ينتصر من عاديت، فهو ضد الذل.
قال السيوطي: لا خلاف بين علماء الحديث واللغة والصرف أن "يعز" بكسر العين وفتح الياء.
стр. 800
- تباركت: تعاظمت وتزايد برك وإحسانك، وكثر خيرك.
- تعاليت: تنزهًا عما لا يليق بك.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - مشروعية القنوت في صلاة الوتر، واستحبابه فيها.
٢ - استحباب هذا الدعاء الجامع لخيري الدنيا والآخرة، والمأثور عن النبي ﷺ ؛ فيكون من أفضل الأدعية.
٣ - ليس في الحديث بيان محل هذا الدعاء، ولكن الحاكم في "المستدرك" (٣/ ١٨٨) زاد، فقال: "علمني رسول الله ﷺ في وتري إذا رفعت رأسي، ولم يبق إلاَّ السجود".
٤ - قال العراقي: جاء قنوت الوتر من طرق تدل على مشروعيته، منها ما هو حسن، ومنها ما هو صحيح، وجاءت السنة بالقنوت قبل الركوع وبعده، وأكثر الصحابة والتابعين وفقهاء الحديث؛ كأحمد وغيره، يختارون القنوت بعد الركوع.
قال الشيخ تقي الدين: لأنَّه أكثر وأقيس.
٥ - استحب الجمهور رفع اليدين حال الدعاء، وفي الحديث: "إنَّ الله يستحي أن يبسط العبد يديه يسأله فيهما خيرًا، فيردهما خائبتين" [رواه الترمذي (٣٥٧١) وابن ماجه (٣٨٦٧)]. والأحاديث في هذا كثيرة.
* معاني الكلمات الواردة في دعاء القنوت بتوسع:
- اللَّهمَّ اهدني فيمن هديت: الهداية من الله تعالى، هي: التوفيق والإلهام إلى ما يوصل إلى المطلوب، وهذه الهداية لا تكون إلاَّ من الله تعالى، كما قال تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص: ٥٦] والهداية الأخرى هداية الدلالة والإرشاد، وهذه هي وظيفة الرسل؛ قال تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٢)﴾ [الشورى] ومثل الرسل دعاة الخير.
стр. 801
- وعافني فيمن عافيت: أي: عافني من الأسقام والبلايا في جملة من عافيته منها، وعافني أيضًا في ديني من أمراض الشبهات والشهوات.
- وتولني فيمن توليت: فتولَّ أمري كله، ولاية عامَّة، في ضمن خلقك، وتولَّني ولاية خاصَّةً، لأكون من أوليائك وحزبك المفلحين، فتولَّ أمري كله، ولا تكلني إلى نفسي، ولا أحدٍ غيرك.
- وبارك لي فيما أعطيت: البركة هي الخير الكثير، فهي النماء والزيادة؛ أي: وضع لي البركة فيما وهبت لي من العمر، والمال، والولد، والعلم، والعمل.
- وقني شرَّ ما قضيت: تقدَّم أنَّ "ما" اسم موصول بمعنى "الذي"، والمعنى: وقني الشر الذي في مخلوقاتك؛ فإنَّ الشر لا يكون في فعل الله تعالى، وإنَّما يكون فيما خلق؛ ولذا جاء في الحديث: "الخير بيديك، والشر ليس إليك"، وقال تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (١) مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ (٢)﴾ [الفلق]، فمخلوقات الله تعالى قد يكون فيها شرٌّ وضرر، والشر -الذي جعله الله في مخلوقاته- ما هو إلاَّ لحكمة ومصلحة عظيمة.
- إنَّك تقضي: تحكم، وتقدر ما تريد.
- لا يُقضى عليك: لا يقع حكم عليك، ولا معقب لحكمك، تفعل ماتشاء، وتحكم ما تريد: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ (٢٣)﴾ [الأنبياء] والله جلَّ وعلا يقضي على نفسه ويحكم، قال تعالى: ﴿كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام: ١٢] , وفي الحديث القدسي: "إني حرَّمت الظلم على نفسي".
- إنَّه لا يذل من واليت: أي: لا يصير ذليلاً مَنْ كنتَ وليه وناصره؛ فلا يلحقه ذلٌّ، ولا هزيمة. ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا﴾ [فاطر: ١٠]، ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي﴾ [المجادلة].
- تباركت ربَّنا: كثر خيرك، واتَّسع لخلقك، وعم فضلك جميع خلقك،
стр. 802
"ربنا" يعني: يا ربنا.
- تعاليت: علو الله تعالى صفةٌ أزليةٌ ثابتةٌ بالنصوص الكثيرة من الكتاب والسنة، فله العلو، هو وصفٌ ثابتٌ لله أزليٌّ أبديٌّ، وهو علو ذاته، فهو عال على جميع خلقه، بائنٌ منهم، وعلو صفاته، فلا يشبهه ولا يماثله أحد في صفاته: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ [الشورى]، وعلو على خلقه بقهره، قال تعالى: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٨]، أما استواؤه جل وعلا على عرشه فهو وصفٌ فعليٌّ يتعلق بمشيئته تعالى، فالعرش خلق من مخلوقات الله تعالى، وهو تعالى غنيٌّ عن جميع المخلوقات.
واستواؤه على عرشه حقٌّ ثابتٌ، ولكنه استواءٌ يليق بجلاله وعظمته. وهذا هو مذهب أهل السنة والجماعة الذين بَعدوا عن التعطيل، وتنزَّهوا عن التشبيه والتمثيل.
قال في "شرح الإقناع": ولا بأس أن يدعو في قنوت وتر بما شاء، والمأموم يؤمن على الدعاء بلا قنوت إن سمع، وإن لم يسمع دعا، وإذا كان واحدًا أفرد الضمير، فيقول: "اللهم اهدني"، وإذا سلم من الوتر، سُنَّ أن يقول: "سبحان الملك القدوس ثلاثًا، ويرفع صوته في الثالثة" [رواه أحمد (٣٣/ ١٤٩) والنسائي (٢/ ١٧٣)].
- أقولهن في قنوت الوتر: هذا يدل على أنَّه يجوز أن يزيد الإنسان في دعاء قنوت الوتر على هذه الكلمات.
وهو -أيضًا- لم يقل ﷺ للحسن: لا تقل غيرهن، وإنَّما علَّمه إياهن؛ ليكن مما يقول.
قال شيخ الإسلام: يخير في دعاء القنوت بين فعله وتركه، ويفضل أن يختمه بالصلاة على النبي ﷺ ؛ لما روى الترمذي (٤٨٦) عن عمر ﵁: "الدعاء موقوف بين السماء والأرض، لا يصعد منه شيء حتى تصلي
стр. 803
على نبيك".
وشرعت الصلاة على النبي ﷺ في أول الدعاء وأوسطه وآخره.
وقال بعضهم: ينبغي أن يمسح وجهه بيديه بعد الفراغ منه.
قال الشيخ: جاء في ذلك أحاديث لا تقوم بها حجة.
***
стр. 804
٢٤٨ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إذَا سَجَدَ أحَدُكْم، فَلا يَبْرُكْ كمَا يَبْرُكُ البَعِيْرُ، وَلْيَضَعْ يَدَيْهِ قَبْلَ رُكْبَتَيْهِ". أخْرَجَهُ الثَّلاَثَةُ (١).
وَهُوَ أَقْوَى من حَدِيْثِ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ: "رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ إِذَا سَجَدَ، وَضَعَ رُكْبَتَيْهِ قَبْلَ يَدَيْهِ". أَخْرَجَهُ الأرْبَعَة (٢).
فَإِنَّ لِلأَوَّلِ شَاهِدًا مِنْ حَدِيْثِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ صَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ، وَذَكَرَهُ البُخَارِيُّ مُعَلَّقًا مَوْقُوفًا. (٣)
ــ
* درجة الحديث:
حديث أبي هريرة أخرجه أحمد (٢/ ٣٨١)، وأبو داود (٨٤٠)، والترمذي (٢٦٩)، والنسائي (١٠٩١)، والبخاري في "التاريخ الكبير" من حديث محمَّد بن عبد الله بن الحسن عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة، قال البخاري عن محمَّد بن عبد الله بن الحسن: لايتابع عليه، ولا أدري سمع عن أبي الزناد أم لا.
وقال حمزة الكناني: هذا حديث منكر.
وقال ابن سيِّد الناس: ينبغي أن يكون حديث أبي هريرة داخلاً في الحسن على رسم الترمذي؛ لسلامة رواته من الجرح.
стр. 805
وقد رواه السرقسطي في "غريب الحديث" (٢/ ٧٠) عن أبى هريرة موقوفًا؛ بلفظ: "لا يبرك أحدكم بروك البعير الشارد".
وأما حديث وائل بن حجر: فأخرجه أبو داود (٧٢٦)، والترمذي (٢٦٨)، والنسائي (١٠٨٩)، وابن ماجه (٨٨٢)، من حديث شريك النخعي عن عاصم بن كليب عن أبيه عن وائل بن حجر.
قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب لا نعرف أحداً رواه مثل هذا غير شريك، وقال الدارقطني: تفرد به شريك، وشريك ليس بالقوي فيما تفرد به.
وقال البيهقي: إسناده ضعيف، وله طرق أخرى، ولذا قال الخطابي: حديث وائل أصح من حديث أبي هريرة.
وأمَّا حديث ابن عمر: فعلَّقه البخاري (٢/ ٢٩٠ فتح)، ووصله ابن خزيمة (١/ ٣١٨)، وأبو داود والطحاوي والدارقطني من طريق الدَّرَاوَردي عن عبيد الله ابن عمر عن نافع عن ابن عمر.
وقد تكلَّم الإمامان: أحمد والنسائي في رواية الدراوردي عن عبيد الله، وخالفه أيوب السختياني، فرواه عن نافع عن ابن عمر يرفعه قال: "إنَّ اليدين تسجدان كما يسجد الوجه، فإذا وضع أحدكم وجهه فليضع يديه، وإذا رفعه فليرفعهما".
قال الأوزاعي: أدركت الناس يضعون أيديهم قبل ركبهم.
وصحَّ عن عمر ﵁ موقوفًا: "أنَّه كان يقع على ركبتيه". رواه ابن أبي شيبة.
* مفردات الحديث:
- فلا يبرك: يقال: برك البعير بركًا: وقع على بركه، والبَرَك: ما يلي الأرض من صدر البعير.
стр. 806
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - لدينا ثلاثة أحاديث في صفة الهوي إلى السجود:
(أ) حديث أبي هريرة: "إذا سجد أحدكم، فلا يبرك كما يبرك البعير، وليضع يديه قبل ركبتيه" مرفوعًا.
(ب) حديث ابن عمر: قال نافع: "كان ابن عمر يضع يديه قبل ركبتيه". رواه البخاري معلقًا موقوفًا.
(ج) حديث وائل بن حجر: "إذَا سجد، وضع ركبتيه قبل يديه" مرفوعًا.
٢ - فأما "حديث أبي هريرة"، و"حديث ابن عمر" -فمتفقان على أنَّ الأفضل هو وصول اليدين قبل الركبتين إلى الأرض، وحديث وائل بن حجر مخالف لهما ففيه أنَّ الأفضل هو وصول الركبتين قبل اليدين.
٣ - بعض العلماء رجحوا حديثي أبي هريرة وابن عمر، على حديث وائل بن حجر، وقالوا: إنَّ ركبتي البعير في يديه، وهما أول ما ينزل إلى الأرض، والإنسان ركبتاه في رجليه، فلا ينبغي أن تصلا قبل يديه، فالنهي منصب على الركبتين، بألا يتقدما في النزول إلى الأرض، وإن اختلف مكانهما من الإنسان ومن البعير، فما دام أنَّ أول ما يصل إلا الأرض هما ركبتا البعير اللتان في يديه، فينبغي أنَّ أوَّل ما يصل إلى الأرض من الإنسان يداه، على ظاهر حديث أبي هريرة وابن عمر.
٤ - أما ابن القيم: فإنَّه يقول: إنَّ في حديث أبي هريرة قلبًا من الراوي؛ حيث قال: "وليضع يديه قبل ركبتيه"، وأنَّ أصله: "وليضع ركبتيه قبل يديه"، ويدل عليه أوَّل الحديث، وهو قوله: "فلا يبرك كما يبرك البعير"؛ فإنَّ المعروف من بروك البعير هو تقديم اليدين على الرجلين، فينهى الإنسان أن يكون أول ما يصل إلى الأرض هو مقدم جسمه، كما هو الحال في البعير، وعليه أن يخالف البعير؛ وذلك بأن ينزل أول ما ينزل من جسمه ركبتاه اللتان
стр. 807
في رجليه، ثم يداه، ثم جبهته وأنفه؛ هذا هو الصحيح مما يفهم من الأحاديث، ويزول ما يوهم من التعارض بينها.
وكما أنَّ هذا هو مقتضى الأثر، فإنَّه مقتضى الطبيعة، وخلقة الإنسان؛ فإنَّ المصلي ينزِّل جسمه من العلو تنزيلاً، فيكون أول ما يصل إلى الأرض من جسمه أقربها إلى الأرض، وهما ركبتاه، ثم يداه، ثم جبهته مع أنفه.
٥ - قال محرره عفا الله عنه: لا شكَّ أنَّ ركبتي البعير في يديه لا في رجليه، وإنَّما الذي في الرجلين عرقوباه، ولا شكَّ أنَّ أوَّل ما يصل إلى الأرض من البعير -عند البروك- ركبتاه اللتان في يديه، والحديث ينهى عن مشابهة بروك البعير في الهيئة التي ينحط بها إلى الأرض من وصول مقدم البعير الذي فيه يداه، عن وصول آخره الذي فيه ركبتاه، ويكون في حديث أبي هريرة قلبٌ، كما قال ذلك ابن القيم ﵀ وإنَّما الذي وهم فيه ابن القيم ظنه أنَّ ركبتي البعير في رجليه لا في يديه، فركبتا البعير لغة وعرفًا في يديه، كما قال المثل العربي: "فلان وفلان في الشرف كركبتي البعير".
وقد ذهب أكثر أهل العلم إلى أنَّ الأفضل للساجد أن يضع ركبتيه، ثم يديه؛ لحديث وائل بن حجر.
***
стр. 808
٢٤٩ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄: "أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ كَانَ إِذَا قَعَدَ للتَّشَهُّدِ، وَضَعَ يَدَهُ اليُسْرَى عَلَى رُكْبتَهِ اليُسْرَى، وَاليُمْنَى عَلَى اليُمْنَى، وَعَقَدَ ثَلاَثًا وَخَمْسِيْنَ، وأشَارَ بِأَصْبُعِهِ السَّبَّابَهِ". رواهُ مُسْلِمٌ.
وفي رِوَايَةٍ لَهُ: "وَقَبَضَ أَصَابِعَهُ كُلَّهَا، وأَشَارَ بِالَّتي تَلِي الإبْهَام" (١).
ــ
* مفردات الحديث:
- للتشهد: أي في زمنه، وسمي الذكر المخصوص: تشهدًا؛ لاشتماله على كلمتي الشهادة، كما أنَّ فيه دعاء يدعوه؛ فإنَّ قوله: "السلام عليك، السلام علينا"، دعاء عبر عنه بلفظ الإخبار، لمزيد التأكيد.
- عقد ثلاثًا وخمسين: إشارة إلى طريقة حسابية كانت معروفة عند العرب، وصورتها: أنَّ الثلاثة لها حلقة بين الإبهام والوسطى، وللخمسين يقبض الخنصر والبنصر، ويشير بالسبابة عند ذكر الله تعالى.
- السبابة: مؤنثة، يقال: سَبَّهُ سبًّا فهو سبَّاب، بمعنى: شتمه، وسميت الأصبع التي تلي الإبهام: سبابة؛ لأنَّه يشار بها عند السب.
-قبض: يقبض قبضًا، من باب ضرب: ضمَّ أصابعه، فقبض اليد خلاف بسطها.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - مشروعية القعود للتشهد في الصلاة الثنائية التي ليس فيها إلاَّ تشهد واحد، وأما الصلاة الثلاثية والرباعية ففيهما تشهدان.
٢ - استحباب وضع اليدين أثناء التشهد على الفخذين.
٣ - أما صفة اليدين أثناء التشهد: فاليسرى يبسطها على فخذه اليسرى، وأما اليد
стр. 809
اليمنى فيقبض الخنصر والبنصر، ويحلق الوسط مع الإبهام، ويدع السبابة على وضعها، مستعدةً للإشارة بالتوحيد والعلو، وهذه الصفة تسمى اصْطلاحًا حسابيًّا قديمًا: "ثلاثًا وخمسين".
٤ - الرواية الأخرى في الحديث: أنَّ المستحب هو قبض الأصابع الأربعة كلها لليد اليمنى، والإشارة بالسبابة.
فهاتان صفتان مشروعتان لوضع الكفين أثناء التشهدين، كما جاء في هذا الحديث.
٥ - جاء في بعض روايات حديث ابن عمر في مسلم (٥٨٠) قال: "كان رسول الله ﷺ إذا جلس في الصلاة، وضع كفه اليمنى على فخذه اليمنى، وقبض أصابعه كلها، وأشار بإصبعه التي تلي الإبهام".
ولكن هذه الرواية المطلقة تحمل على الروايات المقيدة حسب القاعدة الأصولية؛ لما يلي:
أولاً: أنَّها خالفت العديد من الروايات من قبض اليد اليمنى حال التشهد، ففي حديث ابن عمر: "إذا قعد للتشهد، وضع يده اليسرى على ركبته اليسرى، واليمنى على اليمنى، وعقد ثلاثًا وخمسين".
وحديث مقسم مولى عبدالله الحارثي: "إنَّما كان رسول الله ﷺ يصنع ذلك، يوحد بها ربَّه " [رواه البيهقي (٢/ ١٣٣)]، والتوحيد في التشهد.
وحديث عبد الله بن الزبير: "إذا جلس في التشهد، وضع يده اليمنى، وأشار بالسبابة"؛ وغير ذلك من الروايات المقيدة.
ثانيًا: جلوس الصلاة يراد به الجلوس للتشهد، أما الجلسة التي بين السجدتين، فهي تعرف وتقيد بهذا اللفظ: الجلسة بين السجدتين.
ثالثًا: أنَّ الرواية المطلقة تدل على أنَّ ذلك في التشهد؛ فقد روى مسلم (٥٨٥)
стр. 810
وغيره عن علي المعادي قال: "رآني ابن عمر وأنا أعبث بالحصى في الصلاة. . ." الحديث.
والعبث في الحصى لا يكون إلاَّ في الجلسة الطويلة؛ وهي التشهد.
رابعًا: إنَّني لا أعلم أحدًا قال بهذا القول، والسنة المحمَّدية اتباع سبيل المؤمنين وجمهورهم، وعدم الخروج عنهم في الأقوال والأعمال.
* خلاف العلماء:
ذهب الحنفية إلى: أنَّ المستحب هو وضع يده اليمنى على فخذه اليمنى، ويده اليسرى على فخذه اليسرى، جاعلاً أطراف أصابعه عند حرف ركبته الأعلى، باسطًا أصابعه كلها، فلا يقبض شيئًا منها؛ وذلك لما روى مسلم (٥١٩) من حديث عبدالله بن الزبير بلفظ: "كان رسولُ الله ﷺ إذا قعد يدعو، وضع يده اليمنى على فخذه اليمنى، ويده اليسرى على فخذه اليسرى، وأشار بأصبعه السبابة، ووضع إبهامه على إصبعه الوسطى، ويلقم كفه اليسرى ركبتيه". وهناك صفاتٌ أخرى عند الحنفية في قبض الأصابع الثلاثة، مذكورة في الكتب المبسوطة عندهم.
وذهب المالكية إلى: بسط اليسرى على الفخذ اليسرى، وتحليق الأصابع الثلاثة من اليمنى، وهي الخنصر والبنصر والوسطى، فيحلق هذه الثلاثة مع حرف اليد إلى الجانب الذي يلي البنصر، ويمد أصبعه السبابة كالمشير بها، ويترك الإبهام على طبيعته، وهذه الصفة تشبه اصطلاحًا حسابيًّا قديمًا: "تسعة وعشرين".
وذهب الشافعية والحنابلة إلى: أنَّ المستحب وضع اليسرى على الفخذ اليسرى مبسوطةَ الأصابع مضمومة، وتكون أطرافها دون الركبة، مستقبلاً بجميع أطرافها القبلة، أمَّا اليمنى فيضعها علي فخذه اليمنى، قابضًا منها الخنصر والبنصر والوسطى عند الشافعية، ومحلِّقًا بين الوسطى والإبهام عند