← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13605

الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري

الكرماني، شمس الدين

Полный текст (5 685 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

وَلَا تَعْصُوا فِى مَعْرُوفٍ، فَمَنْ وَفَى مِنْكُمْ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ، وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ ــ أنه لو كان من باب المفهومات المعتبره المقبولة فلا حكم له هنا لان اعتبار جميع المفاهيم انما هو اذا لم يكن خارجا مخرج الأغلب وهنا هو كذلك لأنهم كانوا يقتلون الأولاد غالبا خشية لاملاق فحصص الأولاد بالذكر كرلأن الغالب كان ذلك. التيمى: خص القتل بالأولاد لمعنيين أحدهما: أن قتلهم هذا اكثر من قتل غيرهم وهو الواد وهو أشنع القتل. وثانيهما أنه قتل وقطيعة رحم فصرف العنابة له أكثر. قوله: (ولا تأتوا ببهتان) البهات الكذب الذى يبهت سامعه أى بدهشه لفظاته يقال بهته بهتانا اذا كذب عليه بما يهته من شدة نكره والافتراء الاختلاق والفرية الكذب. فان قلت مامعنى الاطناب حيث قال تأتوا ووصف البهتان بالفتراء والافتراء والبهتان من واد واحد وزيد عليه بين أيديكم وأرجلكم وهلا افتصر على ولا تبهتوا الناس قلت معناه زيد التقرير وتوير اشاعة هذا الفعل فا قلت فما معنى اضافته الى الأيدى والأرجل. قلت معناه لا تأتوا ببهتان من قبل أنفسكم واليد والرجل كنايتان عن الذت لان معظم الافعال تقع بهما وقد يعاقب الرجل بجناية قولية فيقال له هذا بما كسبت يداك أو معناه لا تنشو ممن ضمايركم لان المفترى اذا اراد اختلاق قول فانه يقدره ويقرره ولا فى ضميره ومنشأ ذلك مابين الايدى والارجل من الانسان وهو القل والاول كناية عن القاء البهتان من تلقاء أنفسهم والثانى عن انشاء البهتان من دخيلة قلوبهم مبينا علىلغش المبطن. الخطابى: معناه لا تبهتوا الناس بالمعايب كفاحا ومواجهة وهذا كما يقول الرجل فعلت هذا بين يديك أى بحضرتك التيمى: هذا غير صواب من حيث ان العرب وان قالت فعلته بين أيدى القوم أى بحضرتهم لم تقل فعلته بين أرجلهم ولم ينقل عنهم هذا البتة. وأقول هو صواب اذ ليس المذكور الارجل فقط بل المراد الأيدى وذكر الارجل تأكيدا له وتابعا لذلك فامخطئ مخطئ والله أعلم وهو كناية عن الوقاحة وخرق جلباب الحياء كما هو دأب السفلة من الناس ولذلك قيل هو أشد البهت وحاصل هذا هو النهى عن قذف أهل الاحصان ويدخل فيه الكذب على الناس والاغتياب لهم ورميهم بالعظائم وكل ما يلحق بهم العار وللفضيحة. قوله: (فى معروف) أى حسن وهو مالم ينه الشارع عنه أو مشهور أى ماعرف فعله من الشرع واشتهر منه. القاضى البيضاوى: ماعرف من الشارع حسنه وقال الزجاج أى المأمور به وقيل أى الطاعه وقال فى النهاية هو اسم جامع لكل ما عرف من طاعة الله والاحسان الى الناس وكل ما ندب الشرع اليه ونهى عنه من المحسنات والمقبحات. النووى: يحتمل فى معنى الحديث ولا تعصونى ولا أحدا ولى عليكم من أتباعى اذا امرتم بالمعروف فيكون التقييد بالمعروف عائدًا إلى

стр. 107

شَيْئاً فَعُوقِبَ فِى الدُّنْيَا فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ، وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئاً ثُمَّ سَتَرَهُ اللَّهُ ــ الأتباع ولهذا قال لا تعصوا ولم يقل لا تعصونى ويحتمل أنه ﷺ أراد نفسه فقط وقيد بالمعروف تطييبا لنفوسهم لانه ﵇ لا يأمر الا بالمعروف. الكشاف فى أية المبايات: فان قلت لو اقتصر على قوله: لا يعصينك فقد علم أن رسول الله ﷺ لا يأمر الا بالمعروف. قلت نبه بذلك على أن طاعة المخلوق فى معصية الخالق جديرة بغاية التوقى والاجتناب واعلم أنه ذكر الاعتقاديات والعمليات كليهما لكن اكتفى فى الاعتقادية بالتوحيد لانه هو الأصل والأساس. فان قلت فلم ما ذكر الاتيان بالواجبات واقتصر على ترك المنهيات. قلت لم يقتصر حيث قال ولا تعصوا فى معروف اذ العصايان مخالفة الأمر أو اقتصرلأن هذه المبايعة كانت فى أوائل البعثة ولم تشرع الأفعال بعد. فان قلت لم قدم ترك المنهيات على فعل المأمورات قلت لان التخلى عن الرذائل مقدم على التحلى بالفضائل. فان قلت فلم ترك سائر المنهيات ولم يقل مثلا ولا تقربوا مال اليتميم وغير ذلك قلت اما لانه فى ذلك الوقت لم يكن حرام أخرا واكتفى بالبعض ليقاس الباقى عليه أو لزيادة الاهتمام بالمذكورات. قوله: (فمن وفى) أى ثبت على ما بايع عليه يقال بتشديد الفاء وتخفيفها. قوله: (فأجره على الله) كلام على سبيل التفخيم نحو قوله: تعالى (فقد وقع أجره على الله) فان قلت لفظ الأجر مشعر بان الثواب انما هو مستحق كما هو مذهب المزلة لا مجرم فضل كما هو مذهبنا أعنى معاشر أهل السنة وكذا لفظ على الله ظاهر فى وجوب الأجر والثواب على الله تعالى كما هو معتقد أمل الاعزال القائلين بوجوب الثواب للمطيع قلت إطلاق الأجر لانه مشابه للأجر صورة لترتبه عليه ونحوه ولفظة على انما هو المبالغة فى تحقق وقوعه كالواجبات ومحصله أن اللفظين محمولان على خلاف الزاهر لان الدلائل المقالية والنصوص الشرعية دالة على أنه فضل وعلى أنه غير واجب على الله تعالى وأخر الحديث يدل عليه أيضا اذ قولة هو الى الله تعالى اشارة الى أنه لا يجب عليه عقاب عاص واذا لم يجب عليه هذا لم يجب عليه ثواب مطيع أيضا اذ لا قائل بالفصل. قوله: (ومن أصاب من ذلك شيئا) من للتبعيض وشيئا عام لانه نكرة فى سياق الشرط صرح ابن الحاجب بانه كالننى فى افادة العموم لنكرة وقعت فى سياقة وفية ارشاد الى أن الاجر انما ينال بالوفاء بالجيع والعقاب ينال بترك أى واحد كان من ذلك لان معنى الوفاء الاتيان بجميع ما التزمه من العهد فان قلت هذا لا يصح فى الشرك اذ لا يسقط العذاب فى الاخرة عنه بعقوبته عليه فى الدنيا بالقتل وغيره ولا يصير كفارة له ولا يصفو الله عنه قكعا ان مات على الشرك قلت عموم الحديث مخصوص بقوله: تعالى (ان الله لا يغفر أن يشرك به)

стр. 108

فَهُوَ إِلَى اللَّهِ إِنْ شَاءَ عَفَا عَنْهُ، وَإِنْ شَاءَ عَاقَبَهُ». فَبَايَعْنَاهُ عَلَى ذَلِكَ. بابٌ من الدّين الفرار من الفتن . ١٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ عَنْ ــ وبالإجماع أو لفظ ذلك اشارة الى غير الشرك بقرينة الستر فانه يستقيم فى الافعال التى يمكن اظهارها واخفاؤها وأما الشرك أى الكفر فهو من الامور الباطنه فانه ضد الايمان وهو التصديق القلبى على الأصح الطبى: قالوا المراد منه المؤمنون خاصة لانه معو على قوله: فمن وفى وهو خاص بهم لقوله: منكم تقديره ومن أصاب منكم أيها المؤمنون من ذلك شيئا فعوقب فى الدنيا أى أقيم الحد عليه لم يكن له عقوبة لأجل ذلك فى القيامة وهو ضعيف لأن الفاء فى فمن وفى لترتيب ما بعدها على ما قبلها والضمير فى منكم للعصابة المعهودة فكيف يخصص الشرك بالغير فالصحيح أن المراد بالشرك الرياء لأنه الشرك الخفى قال تعالى (ولا يشرك بعبادة ربه أحدا) ويدل عليه تنكير شيئا أى شركا أيا ما كان. وأقول عرف الشارع يقتضى أن لفظ الشرك عند الاطلاق يحمل على مقابل التوحيد سيما فى أوائل البعثة وكثرة عبدة الأصنام. قوله: (فهو) أى فالعقاب أى الحد كفارة له أى يسقط عنه الأم حتى لا يعاقب فى الأخرة ذهب أكثر العلماء الى أن الحدود كفارات استدلالا بهذا الحديث ومنهم من توقف لما روى أبو هريرة قد يكون قبل حديث عبادة فلم يعلم ثم علم بعد ذلك قاله النووى فى شرح مسلم. قوله: (فهو الى الله) أى حكمه من الأجر والعقاب مفوض الى الله. اعلم ان مذهب أهل السنه أن من ارتكب كبيرة ومات قبل التوبة ان شاء الله عفا عنه ويدخله الجنة أول مرة وان شاء عذبة فى النار ثم يدخلها الجنة وقالت المعتزلة صاحب الكبيرة اذ مات بغير التوبة لا يعنى عنه ويخلد فى النار وهذا دليل عليهم لأنهم يوجبون العقاب على الكباثر قبل التوبة والعفر عنها بعدها. الطبى: وفيه أيضا اشارة الى أنه لا تجوز الشهادة بالجنة ولا بالنار لأحد بعينه الا من ورد فيه النص كالعشرة المبشرة وغيرهم رضى الله عنهم قال البخارى رضى الله عنه (باب من الدين الفرار من الفتن) قوله: (من الدين) هذا حيث لم يقل من الايمان مع أن عقد الكتاب انما هو فى الايمان مشعر بأن الدين والايمان واحد كما أن الايمان والاسلام أيضا عنده واحد. الطبى: اصطلحوا على ترادف الايمان والاسلام والدين ولا مشاحة فى الاصطلاحات. قوله: (عبد الله بن مسلمة) بفتح الميم واللام وسكون السين المهملة ابن فعنب القعنى المدنى أبو عبدالرحمن سكن البصرة روى عنه الشيوخ الخمسة الترمذي

стр. 109

مَالِكٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِى صَعْصَعَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ أَنَّهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «يُوشِكُ أَنْ يَكُونَ خَيْرَ مَالِ الْمُسْلِمِ غَنَمٌ يَتْبَعُ بِهَا شَعَفَ الْجِبَالِ وَمَوَاقِعَ الْقَطْرِ، يَفِرُّ ــ والنسائى عن رجل عنه والثلاثة عنه أجمع العلماء على جلالته وعلمه وعمله روى أن رجلا جاء الى الامام مالك فقال قدم القعنبى فقال مالك قوموا بنا إلى خير أهل الأرض وقيل للقعنى حدثت ولم تكت تحدث فقال رأيت كأن القيامة قد قامت فصيح بأهل العلم فقاموا فقمت معهم فصيح بى أن اجلس فقلت الهى ألم أكن معهم أطلب قال بلى ولكنهم نشروا واخفيته فحدثت وقال عمرو بن على كان القعنى بجاب الدعوة ومات بمكة وكان مجاورا بها فى المحرم سنة احدى وعشرين ومائتين. قوله: (مالك) هو امام المسلمين امام دار الهجرة المستغنى عن التعريف وقد مر بعض فضائله التى لا تعد ولا تحد. وأما عبد الرحمن وأبوه عبد الله فهما أنصاريان مازنيان مدنيان. و (صعصعة) بفتح الصادين المهملتين وبالعينين المهملتين الاولى منهما ساكنة. قوله: (أبى سعيد) هو سعد بن مالك بن سنان الخزرجى الأنصارى الخدرى بضم الخاء المهجمة وسكون الدال المهملة منسوب الى خدرة أحد أجداده أو احدى جداته وخدرة بطن نت الأنصار استشهد أبوه يوم أحد وهو كان صغيرا وغزا بعد ذلك ثنى عشرة غزوة روى له عن رسول الله ﷺ ألف حديث ومائة وسبعون حديثا ذكر البخارى اثنين وستين منها. توفى بالمدينة سنة أربع وستين أو سبعين ودفن بالبقيع روى حنظلة بن أبى سفيان عن أشياخة قالوا لم يكن فى أحداث الصحابة أفقه من أبى سعيد وفى رواية أعلم وهذا الاسناد من المستظرفات لان الرواة كلهم مدنيون. قوله: (يوشك) هو يضم الياء وكسر الشين أى يقرب ويقال فى ماضيه أوشك وهو من أفعال المقاربة وقد وضع لدنو الخير اخذا فيه وهو مثل كا وعسى فى الاستعمال فيجوز أوشك زيد يجئ وأن يجئ وأوشك ان يجئ زيد على الأوجه الثلاثة. قوله: (يتبع) بتشديد التاء المفتوحة وجاء بسكونها. و (الشعف) بفتح الشين المهجمة والعين المهملة رءوس الجبال وأعاليها والواحدة شعفة (ومواقع القطر) يعنى الاودية والصحارى وفى بعض النسخ يتبع بها بزيادة بها والضمير راجع الى الغنم وهو اسم الجنس يجوزن تأنيثه باعتبار معنى الجمع ويجوز فى خير مال المسلم غنم وجهان نصب خبر ورفعه ونصبه هو الاشهر فى الرواية وهو خبر

стр. 110

بِدِينِهِ مِنَ الْفِتَنِ ــ يكون مقدما ولا يضر كون الاسم وهو غنم نكرة لانها موصوفة بقوله: يتبه بها وأما الرفع فبأن يقدر فى يكون ضمير الشان ويكون خير مال الملم غنم مبتدا وخبرا وقدروى غنما بالنصب وقيد بالغنم لان هذا النوع من المال نموه وزيادته أبعد من الشوائب المحرمه كالربا والشبهات المكروهة وخصت الغنم بذلك لما فيها من السكينة والبركة وقدر عاها الأنبياء ﵈ مع أنها سهة الانقياد خفيفة المؤنة كثيرة النفع وقيد الانباع بالمواضع الخالية من ازدحام الناس لأنه أسلم غالبا عن المقاولات المؤدية الى الكدورات وقال يقر بدينه اشعارا بأن هذا الاتباع ينبغى أن يكون استعصام للدين لا لا مر دعيوى كطلب كثرة الملف وقلة أطماع الناس فيه ولما كان الجمع بين الرفق والربح وصيانة الدين كان خير الاموال الذى يعتنى بها المسلم وفيه اخبار بانه يكون فى اخر الزمان فتن وفساد بين الناس وهو يكاد يكون من المعجزات. قوله: (يفر بدينه من الفتن) اما جملة حالية وذو الحال هو الضمير المستتر فى يتبع ويحتمل أن يكون هو السلم ويجوز الحال من المضاف اليه نحو (فاتبع ملة ابراهيم حنيفا) فان قلت انما يجعل حالا من المضاف اليه اذا كان المضاف جزءأ من المضاف اليه أو فى حكمه كما فى رأيت وجه هند ثائمة لا فى نحو رأيت غلام هند قائمة والمال ليس كذلك. قلت المال لشدة ملابسته بذى المال كأنه جزء منه وأما اتحاد الخير بالمال فظاهر أو جملة استئنافية على تقدير جواب سؤال يقتضيه المقام. قوله: (من الفتن) وهو جميع فتنة أى من فساد ذات البين وغيرها. فان قلت كيف يجمع بين مقتضى هذا الحديث من اختيار العزلة وبين ما ندب اليه الشارع من اختلاط أهل المحلة لإقامة الجماعة وأهل البلدة للجمعة وأهل السواد مع أهل البلدة للعيد وأهل الافاق لوقوف عرفة وفى الجملة اهتمام الشارع بالاجتماع معلوم ولهذا قال الفقهاء يجوز نقل اللقيط من البادية إلى القرية ومن القرية الى البلد لا عكسها ولا شك أن الإنسان مدنى بالطبع متاج إلى السواد الأعظم وكمال الانسانية لا يحصل الا بالتمدن قلت ذلك عند عدم الفتنة وعدم وقوعه فى المعاصي وعند الاجتماع بالجلساء الصلحاء وأما اتباع الشعف والمعاطن وطلب الخلوة والانقطاع إنما هو فى أضداد هذه الحالات النووي: وفى الحديث فوائد منها فضل العزلة فى أيام الفتن الا أن يكون الإنسان ممن له قدرة على إزالة الفتنة فانه يجب عليه السعي فى إزالتها إما فرض عين واما فرض كفاية بحسب الحال والامكان وأما في غير أيام الفتنة فاختلف العلماء فى العزلة والاختلاط أيهما أفضل مذهب الشافعى والأكثرين الى تفضيل الخلطة لما فيها من اكتساب الفوائد وشهود شعائر الإسلام وتكثير سواد المسلمين وايصال

стр. 111

باب قَوْلِ النَّبِىِّ ﷺ «أَنَا أَعْلَمُكُمْ بِاللَّهِ» وَأَنَّ الْمَعْرِفَةَ فِعْلُ الْقَلْبِ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى (وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ) ١٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ قَالَ أَخْبَرَنَا عَبْدَةُ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ كَانَ ــ الخير اليهم ولو بعيادة المرضى وتشييع الجنائز وافشاء السلام والامر بالمعروف والنهى عن المنكر والتعاون على البر والتقوى واعانة المحتاج وضور جماعاتهم وغير ذلك مما يقدر عليه كل أحد وان كان صاحب علم أو زهد تأكد فضل اختلاطه وذهب أخرون الى تفضيل العزلة لما فيها من السلامة المحققه لكن بشرط أن يكون عارفا لوظائف العبادة التى تلزمه وبما يكلف به قال والمختار تفضيل الخلطة لمن لا يغلب على ظنه الوقوع فى المعاصى وأقول والمختار فى عهدنا تفضيل الانعزال لتدور خلو المحافل عن المعاصى والله أعلم قال وفى الاستدلال بهذا الحديث نظر لانه لا يلزم من لفظ الحديث عد القرار دينا وايمانا بل هو صيانة للدين فلعل البخارى نظر الى أنه صيانة له فترجم له هذه الترجمة وأقول لا نظر اذ كله من ابتدائة أى الفرار من الفتن منشؤه الدين والحديث يدل عليه لأن الباء للسببية وثم التقريب ظاهر. قال البخارى رضى الله عنه (باب قول النبى ﷺ لفظ هذا الباب متين أن يقرأ مضافا الى قول النبى ﷺ لا غير و (أنا أعلمكم بالله) مقول القول. قوله: (وأن المعرفة) هو بفتح الهمزة عطفا على القول لا على المقول والا لكان مكررا اذا لمقول وما عطف عليه حكمهما واحد وهو خلاف الرواية والدراية قوله: (بما كسبت قلوبكم) أى بما عزمت عليه قلوبكم وقصد تموه اذ كسب القلب عزمة ونيته وفى الآية دليل لما عليه الجمهور أن أفعال القلوب اذا استقرت يؤاخذ بها وقوله: ﷺ (ان الله تجاوز لأمتى ما حدثت به انفسها ما لم يتكلموا أو يعملوا به) محمول على ما اذا لم يستقر وذلك معفو عنه بلا شك لانه يمكن الانفكاك عنه بخلاف الاستقرار واعلم أن للعلماء أختلفوا فى محل العلم الحادث وهو غير متعين عند أمل الحق علاق بل يجوز أن يخلقه الله تعالى فى أى جوهر أراد لكن دل السمع على أنه القلب كقوله: تعالى (فتكون لهم قلوب يعقلون بها) ونحوه فا قلت هذا كتاب الايمان فما وجه تعلق هذه الترجمه بالايمان قلت العلم بالله وكذا المعرفة به من الايمان والايمان اما التصيق أو التصديق مع العمل فالمقصود يبان أن رسول الله ﷺ أشد ايمانا منهم ويبان ان الايمان هو أو بعضه فعل القلب ردا على الكرامية قوله: (محمدين سلام) بتخفيف اللام وهو الصحيح الذى عليه الاعتماد ولم يذكر جمهور المحققين غيره وذكر بعضهم أن التشديد لحن وادعى صاحب المطالع أن التشديد هو رواية الأكثر

стр. 112

رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا أَمَرَهُمْ أَمَرَهُمْ مِنَ الأَعْمَالِ بِمَا يُطِيقُونَ قَالُوا إِنَّا لَسْنَا كَهَيْئَتِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ اللَّهَ قَدْ غَفَرَ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ. فَيَغْضَبُ حَتَّى يُعْرَفَ الْغَضَبُ فِى وَجْهِهِ ثُمَّ يَقُولُ «إِنَّ أَتْقَاكُمْ ــ فقيل إنها مخالفة للمشهور الا أن يريد رواية أكثر شيوخه وكنيته أبو عبد الله بخارى بيكندى ياء موحدة مكسورة ومثناة تحتانية ساكنه وكاف مفتوحة ونون ساكنة فدال مهملة منسوب الى ييكند قرية بخارى توفى سنة خمس وعشرين ومائتين. قوله: (عبدة) بالمهملة فالموحدة الساكنة فالدال المهملة أبو محمدين سليمان بن الحاجب الكلابي الكوفي وقيل اسمه عبد الرحمن وعبدة لقبه قال الامام أحمد هو ثقة ثقة ثقة وزيادة مع صلاح وكان شديد الفقر توفى بالكوفة سنة ثمان وثمانين ومائة وأما (هشام) فهو أبو المنذر بن عروة المدني التابعي المتوفى ببغداد وهو يروى عن أبيه عروة بن الزبير الأسدي التابعي الجليل أحد الفقهاء السبعة وهو يروى عن خالته عائشة الصديقة بنت الصديق ﵃ وقدم ذكر الثلاثة في باب الوحي. قوله: (إذا أمرهم) أي إذا أمر الناس بعمل (أمرهم بما يطيقون) ظاهره انه كان يكلفهم بما يطلق فعله لكن السياق دل على أن المراد أنه يكلفهم بما يطاق الدوام على فعله. قوله: (كهيئتك) الهيئة الحالة والصورة وليس المراد نفى تشبيه ذواتهم بحالته ﷺ فلا بد من تأويل في أحد الطرفين فقيل المراد من كهيئتك كمثلك أي كذاتك أو كنفسك وزيد لفظ الهيئة للتأكيد نحو مثلك لا يبخل. و (لسنا) ليس حالنا فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه واتصل الفعل بالضمير فقيل لسنا وأراد بهذا الكلام طلب الإذن فى الزيادة من العبادة والرغبة في الخير يقولون أنت مغفور لا تحتاج إلى عمل ومع هذا أنت مواظب على الأعمال فكيف بنا وذنوبنا كثيرة فرد عليهم وقال أنا أولى بالعمل لأني أعلمكم وأخشاكم. قوله: (إن الله قد غفر لك) اقتباس بما قاله تعالى (ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر) فان قلت الأنبياء معصومون عن الكبائر مطلقا وعن الصغائر عمدا على الأصح وأما السهوية فلا مؤاخذة بها على مكلف أصلا فما ذنبه الذى غفر له قلت الذنب الذي قبل النبوة المتقدم بعضه على بعض أو ترك الأولى أو نسب إليه ذنب قومه قوله: (فغضب) أي رسول الله ﷺ وفى بعض النسخ فيغصب وهو وان كان يلفظ المضارع لكن المقصود حكاية الحال الماضية واستحضار تلك الصورة الواقعة للحاضرين. قوله: (حتى يعرف) النصب هو الرواية ويجو فيه الرفع و (ثم يقول) أيضا جاز فيه الرفع والنصب ولو

стр. 113

وَأَعْلَمَكُمْ بِاللَّهِ أنا ــ عطف على فيغضب تعين فيه الرفع والسر في المسئلة أن المنبتّ لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى فخير العمل مادام وإن قلّ فغذا تحمّلوا مالا يطيقون الدوام عليه تركوه او بعضه بعد ذلك وصاروا في صورة ناقض العهد واللائق بطالب الىخرة الترقي فإن لم يكن فالبقاء على حاله ولأنّه إذا اعتاد من الطاعة ما يمكنه الدوام عليه دخل فيها بانشراح واسلتذاذ ونشاط لا يلحقه ملل ولا سآمة والأحاديث بمثله كثيرة. قوله ((أتقاكم)) إشارة إلى كمال القوة العقلية ((وأعلمكم)) إلى كمال القوة العلمية والتقوى على ثلاث مراتب وقاية النفس عن الكفر وهي للعامة وعن المعاصي وهي للخاصة وعمّا سوى الله وهي لخواص الخواص والعلم بالله يتناول ما بصفاته وهو المسمى بأصول الدين وما باحكامه وهو فروع الدين وما بكلامه وهو القرآن وما يتعلق به وبأفعاه وهو معرفة حقائق اشياء العالم ولما كان رسول الله ﷺ جامعا لأنواع التقوى حاويا لأقسام العلوم ما خصص التقوى ولا العلم وأطلق وهذا قريب مما قال علماء المعاني قد يقصد بالحذف إفادة العموم والاستغراق ويعلم منه أن رسول الله ﷺ كما انه أفضل من كل واحد وأكرم عند الله واكمل لأن مال الإنسان منحصر في الحكمتين العلمية والعملية وهو الذي بلغ الدرجة العليا والمرتبة القصوى منهما يجوز أن يكون أفضل واكرم واكمل من الجميع أيضاحيث قال اتقاكم واعلمكم خطابا للجميع ﷺ . فإن قلت لا تعلق للحديث بالجزء الثاني من الترجمة وهو أن المعرفة فعل القلب ولا دلالة عليه لا دلالة وضعية ولا عقلية قلت يمكن أن يوجه وإن كان احتمالا بعيدا بأنه يدل عليه بحسب السياق ليتجاوب طرفا الكلامين أي لما ارادو أن يزيدوا اعمالهم على عمل رسول الله ٦ قال رسول الله٦ لهم لا يتهيأ لكم ذلك لأني أعلمكم والعلم من جملة الافعال بل اشرفها لانه عمل القلب وان يقال بأن غرضه أن يبين الشق الاول من الترجمة بالحديث والثاني بالقرآن وهنا ننبهك على قاعدة كلية فاعلمها وذلك أن البخاري ﵀ كثيرا ما يترجم الأبواب ولا يذكر في ذلك حديثا أصلا أو لا يذكر ما ترجم الباب عليه قال بعض شيوخنا من حفاظ الشام سببه أن البخاري بوب الأبواب وترجم التراجم أولا ثم كان يذكر بعده في كل باب الأحاديث المناسبة له بالتدريج فلم يتفق له إثبات الحديث لبعض التراجم حتى انتقل إلى دار الآخرة وقال بعض العراقيين عمل ذلك اختيارا وغرضه أن يبين أنه لم يثبت عنده بشرطه حديث في المعنى الذي ترجم عليه والله أعلم فيحتمل أن تكون الترجمة منها. النووي: وفي الحديث فوائد منها أن العبارة الاولى فيها القصد وملازمة ما يمكن الدوام عليه وان الرجل الصالح

стр. 114

بَابُ مَنْ كَرِهَ أَنْ يَعُودَ فِي الكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ مِنَ الإِيمَانِ ٢٠ - حَدَّثنا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَ: حَدَّثنا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ، ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ ــ ينبغي أن لا يترك الاجتهاد في العمل اعتماداً على صلاحه وأن له الأخبار بفضله فيه إذا دعت إلى ذلك حاجة وينبغي أن يحرص على كتمانها فإنه يخاف من إشاعتها زوالها وجواز الغضب عند رد أمر الشارع ونفوذ الحكم في حال الغضب والتغير وأن الصحابة ﵃ كانوا من الرغبة التامة في طاعة الله تعلى والازدياد من أفعال الخير وغير ذلك. قال البخاري ﵁ (باب من كره) يجوز في لفظ هذا الباب التنوين والوقف والإضافة إلى الجملة وعلى التقادير من كره مبتدأ وخبره من الإيمان أي كراهة من كره هو من الإيمان والكراهة ضد الإرادة والعود بمعنى الصيرورة وضمن معنى الاستقرار حتى عدي بفي ونحوه قوله: تعالى: "أو لتعودن في ملتنا" قوله: (سليمان) هو أبو أيوب بن حرب بالحاء والراء المهملتين وبالموحدة ابن بجيل بموحدة مفتوحة ثم جيم مكسورة فمثناة تحت ساكنة فلام الأزدي الواشحي بكسر الشين المنقوطة والحاء المهملة. واشح بطن من الأزد البصري نزل مكة وقلده المأمون الخليفة قضاءها ثم عزله فرجع إلى البصرة ومات بها سمع منه يحيى القطان والإمام أحمد وابن راهوية والذهلي والحجاج بن الشاعر وهؤلاء شيوخ البخاري وقد شاركهم في الرواية عن سليمان وهذا أحد ضروب علو روايته وأجمعوا على جلالة سليمان وإمامته وديانته وصيانته. قال أبو حاتم سليمان إمام من الأئمة كان لا يدلس ويتكلم في الرجال والفقه ولقد حضرت مجلسه ببغداد فحزروا من حضر مجلسه ألف رجل وكان مجلسه عند قصر المأمون والمأمون فوق قصره وقد فتح باب القصر وأرسل ستر شفاف وهو خلفه يكتب ما يمليه عليه قال البخاري ولد سنة أربعين ومائة وتوفي سنة أربع وعشرين ومائتين روى له الشيوخ الستة. قال الخطي بحدث عنه يحيى القطان وأبو خليفة وبين وفاتيهما مائة وسبع سنين توفي القطان سنة ثمان وتسعين ومائة وأبو خليفة سنة خمس وثلثمائة قوله: (شعبة) أي ابن الحجاج. و (قتادة) أي السدوسي. و (أنس) أي الصحابي الجليل القدر المشهور وقد تقدموا. قوله: (ثلاث) أي ثلاث خصال أو خلال. فإن قلت قد سبق هذا الحديث بعينه فما فائدة التكرار قلت لم يسبق بعينه بل بينهما تفاوت وهو أنه ذكر ثمة بلفظ المضارع في المواضع الثلاثة

стр. 115

حلاوة الإيمان من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما ومن أحب عبدا لا يحبه إلا لله ومن يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه الله كما يكره أن يلقى في النار. بابُ تَفَاضُلِ أَهْلِ الإِيمَانِ فِي الأَعْمَالِ . ٢١ - حَدَّثنا إِسْمَاعِيلُ، قَالَ: ــ وبلفظ المرء ويقذف وهنا بلفظ الماضي في الثلاثة وبلفظ عبداً ويلقى وبزيادة بعد إذ أنقذه الله فاختلف بعض الألفاظ مع اختلاف في الرواة أيضاً إذ شيخ البخاري ثمة محمد بن المثنى وههنا سليمان وهلم جرا وعلى تقدير عدم التفاوت في المتن والإسناد المقصود من إبراده ثمة بيان أن للإيمان حلاوة وههنا بيان أن كراهة العود في الكفر من الإيمان وكم بينهما وقد تقدم ما فيه من المسائل فلا يذكر هنا إلا ما يختص بهذه العبارة فنقول ثلاث مبتدأ والشرطية خبره وجاز ذلك لأن التقدير ثلاث خصال أو خصال ثلاث ويجوز أن تكون الجملة الشرطية صفة لثلاث والخبر من كان الله ونحوه وعلى التقديرين لابد من تقدير مضاف قبل لفظة من كان لأنه على الأول بدل عن ثلاث أو بيان وعلى الثاني خبر فيقدر قبل من الأولى والثانية لفظة محبة وقبل من الثالثة كراهة أي محبة من كان ومن أحب وكراهة من كره ولشدة اتصال المضاف بالمضاف إليه وغلبة المحبة والكراهة عليهم جاز حذف المضاف منها و (أنقذه الله) أي خاصة ونجاد وفي بعض النسخ ومن يكره أن يعود بلفظ المضارع قال البخاري ﵁ (باب تفاضل أهل الإيمان في الأعمال) لفظ تفاضل مجرور بإضافة الباب إليه وفي الأعمال متعلق بتفاضل أو متعلق بمقدر نحو الحاصل وكلمة في السببية كما في قوله: ﵇ "في النفس المؤمنة مائة من الإبل" أي التفاضل الحاصل بسبب الأعمال ويحتمل أن يكون تفاضل مبتدأ وفي الأعمال خبره والباب مضاف إلى الجملة لكنه احتمال بعيد. فإن قلت الحديث يدل على تفاضلهم في ثواب الأعمال لا في نفس الأعمال إذ المقصود منه بيان أن بعض المؤمنين يدخلون الجنة أول الأمر وبعضهم يدخلها آخراً قلت يدل على تفاوت الناس في الأعمال أيضاً إما بالتصديق وهو عمل القلب وإما التصديق مع العمل وعلى التقديرين قابل للتفاوت إذ مثقال الحبة إشارة إلى ما هو الأقل منه أو تفاوت الثواب مستلزم لتفاوت الأعمال شرعاً ويحتمل أن يراد من الأعمال ثواب الأعمال إما تجوزاً بإطلاق السبب وإرادة المسبب وإما إضماراً بتقدير لفظ الثواب مضافاً إليها. قوله: (إسمعيل) هو المشهور بإسمعيل

стр. 116

حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى المَازِنِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: يَدْخُلُ أَهْلُ الجَنَّةِ الجَنَّةَ، وَأَهْلُ النَّارِ النَّارَ، ثُمَّ يَقُولُ اللهُ تَعَالَى: أَخْرِجُوا مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ، فَيُخْرَجُونَ مِنْهَا قَدِ اسْوَدُّوا، فَيُلْقَوْنَ فِي نَهَرِ الحَيَا، أَوِ الحَيَاةِ، شَكَّ مَالِكٌ، فَيَنْبُتُونَ كَمَا تَنْبُتُ الحِبَّةُ فِي جَانِبِ السَّيْلِ، أَلَمْ تَرَ أَنَّهَا تَخْرُجُ صَفْرَاءَ ــ ابن أبي أويس وهو إسمعيل بن عبد الله بن عبد الله بن أبي أويس بن عامر الأصبحي وهو ابن أخت مالك بن أنس الإمام فهو ههنا روى عن خاله توفي سنة ست أو سبع وعشرين ومائتين. قوله: (عمرو) بالواو هو ابن يحيى بن عمارة بن أبي حسن الأنصاري المازني المدني روى له الشيوخ الستة وهو يروى عن أبيه يحيى المذكور واعلم أن رجال هذا الحديث كلهم مدنيون إذ تقدم أن مالكاً وأبا سعيد كليهما مدنيان أيضاً. قوله: (أخرجوا) من الإخراج خطاباً للملائكة ويجوز من الخروج وحينئذٍ يكون من كان منادى أي يا من كان وفي بعض النسخ وجد بعض لفظ أخرجوا لفظ من النار. قوله: (مثقال) هو كالمقدار لفظاً ومعنى وهو مفعال من الثقل وهو في غير هذا الموضع العظيم الثقل الكبيرة وفي الفقه المثقال من الذهب عبارة عن اثنين وسبعين شعيرة و (الحبة) بفتح الحاء واحدة الحب المأكول من الحنطة ونحوها. و (الخردل) نبات معروف يشبه الشئ القليل البليغ في القلة بذلك يعني يدخل الجنة من كان في قلبه أقل قدر من الإيمان. فإن قلت هل يجوز أن يتعلق بفعل واحد حرفاً جر من جنس واحد وهو الكلمة الابتدائية يعني من خردل ومن إيمان قلت لا يجوز ومن خردل متعلق بحاصلة أي حبة حاصلة من خردل ومن إيمان متعلق بحاصل آخر أو بقوله: من كان وإنما نكر الإيمان لأن المقام مقتض للتقليل ولو عرف لم يفد ذلك. فإن قلت فيكفيه الإيمان ببعض ما يجب الإيمان به لأنه إيمان ما قلت لا يكفيه لأنه علم من عرف الشرع أن المراد من الإيمان هو الحقيقة المعهودة عرف أو نكر. قوله: (اسودوا) أي صاروا سوداً كالحمم من تأثير النار (فيلقون) بفتح القاف و (النهر) بفتح الهاء وسكونها والفتح أفصح قوله: (الحيا) بفتح الحاء والقطر المطر ونهر الحياة معناه الماء الذي يحيا به من انغمس فيه قوله: (شك مالك) يعني التردد بين الحيا والحياة إنما هو وقع من مالك وهو الذي شك فيه. قوله: (كما تنبت الحبة) بكسر الحاء وشدة الباء بزر العشب جمعه حبب كقربة وقرب ويحتمل أن

стр. 117

مُلْتَوِيَةً. قَالَ وُهَيْبٌ: حَدَّثنا عَمْرٌو: الحَيَاةِ، وَقَالَ: خَرْدَلٍ مِنْ خَيْرٍ. ٢٢ - حَدَّثنا مُحَمَّدُ بْنُ ــ تكون اللام للعهد ويراد به حبة بقلة الحمقاء لأن شأنه أن ينبت سريعاً على جانب السيل فيتلفه السيل ثم ينبت فيتلفه ولهذا سميت بالحمقاء لأنه لا تمييز لها في اختيار المنبت. الجوهري: الحبة بالكسر بزور الصحراء مما ليس بقوت وفي الحديث "ينبتون كما تنبت الحبة في جميل السيل" وتسمى الرجلة بكسر الراء وبالجيم بقلة الحمقاء لأنها لا تنبت إلا في السيل. الكسائي هي حب الرياحين وفي بعض الروايات في حميل السيل وهو ما يحمله السيل من طين ونحوه قيل فإذا اتفق فيه الحبة واستقرت على شط مجرى السيل نبتت في يوم وليلة وهي أسرع نابتة نباتاً. ذكره في شرح السنة محيي السنة واعلم أن لفظ في جانب السيل مشعر بأن وجه التشبيه سرعة الإنبات. قوله: (صفراء) الاصفرار من أحسن ألوان الريحان ولهذا يسر الناظرين وسيد رياحين الجنة الحناء وهو أصفر و (ملتوية) أي منعطفة منثنية وذلك أيضاً يزيد الريحان حسناً يعني اهتزازه وتمايله أي الذي في قلبه مثقال حبة من الإيمان يخرج من ذلك الماء نضراً حسناً منتشطاً متبختراً لخروج هذه الريحانة من جانب السيل صفراء متميلة وهذا يؤكد كون اللام في الحبة للجنس لأن بقلة الحمقاء ليست صفراء إلا أن يقصد به مجرد الحسن والطراوة. النووي: التشبيه وقع من حيث الإسراع ومن حيث ضعف النبات ومن حيث الطراوة والحسن. وأقول فوجه الشبه متعدد ويسمى هؤلاء بعتقاء الله تعالى والحديث حجة لأهل السنة على المرجئة حيث علم منه دخول طائفة من عصاة الأمة النار إذ مذهبهم أنه لا يضر مع الإيمان معصية فلا يدخل العاصي النار وحجة على المعتزلة أيضاً حيث دل على عدم وجوب تخليد العاصي في النار. الخطابي: الحبة من الخردل مثل ليكون عياراً في المعرفة وليس بعيار في الوزن لأن الإيمان ليس بجسم يحصره الوزن والكيل ولكن ما يشكل من المعقول قد يرد إلى عيار المحسوس ليفهم ويشبه به ليعلم. قوله: (وهيب) هو ابن خالد بن عجلان أبو بكر الباهلي البصري وقد سجن فذهب بصره وكان يملي من حفظه وقال ابن مهدي كان من أبصر أصحابه بالحديث والرجال روى له الجماعة مات سنة خمس وستين ومائة وهو في درجة مالك في أنهما يرويان عن عمرو ذكره البخاري على سبيل التعليق لأنه لم يدركه ومعناه قال وهيب حدثنا عمرو عن أبيه عن أبي سعيد بهذا الحديث وقال فيه نهر الحياة بالهاء ولم يشك كما شك مالك وقال بدل من إيمان من خير والمراد من الخير الإيمان إذ هو أصل الخيور ولا خير أعظم منه ويجوز أن يقرأ الحياة بالجر على الحكاية عن لفظ الحديث. النووي: قال العلماء المراد بحبة الخردل زيادة على أصل التوحيد وقد جاء في الصحيح بيان ذلك ففي رواية أخرجوا من قال لا إله إلا الله وعمل من خير ما يزن كذا ثم بعد هذا يخرج منها من لم

стр. 118

عُبَيْدِ اللهِ، قَالَ: حَدَّثنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ الخُدْرِيَّ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ، رَأَيْتُ النَّاسَ يُعْرَضُونَ عَلَيَّ وَعَلَيْهِمْ قُمُصٌ، مِنْهَا مَا يَبْلُغُ الثُّدِيَّ، وَمِنْهَا مَا ــ يعمل خيراً قط غير التوحيد فإن قيل كيف يعملون ما كان ف يقلوبهم في الدنيا من الإيمان ومقداره قلنا يجعل الله لهم علامات يعرفون ذلك بها كما يعلمون كونهم من أهل التوحيد قال وفيه أن الأعمال من الإيمان لقوله: ﷺ خردل من إيمان والمراد ما زاد على أصل التوحيد. قال البخاري ﵁ (حدثنا محمد بن عبيد الله) أي ابن محمد بن زيد بن أبي زيد أبو ثابت مولى عثمان بن عفان ﵁ القرشي الأموي المدني. قوله: (إبراهيم بن سعد) أي ابن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف أبو إسحاق القرشي الزهري المدني ولد سنة عشر ومائة وقدم بغداد على هارون الرشيد فأكرمه وولاه بيت المال ومات بها سنة ثلاث وثمانين ومائة ودفن في مقابر باب التبن سمع ابن شهاب لكن روى هذا الحديث عن صالح عن ابن شهاب. قوله: (صالح) أي ابن كيسان أبو محمد الغفاري المدني التابعي لقي صالح جماعة من الصحابة ثم تلمذ بعد ذلك الزهري وتلقن منه العلم وابتدأ بالتعلم وهو ابن تسعين سنة ومات وهو ابن مائة وستين سنة. قوله: (أبو أمامة) بضم الهمزة أسعد بن سهل بن حنيف بضم الحاء ابن واهب الأنصاري الأوسي المدني الصحابي سماه النبي ﷺ أسعد وكناه أبا أمامة باسم جده لأمه وكنيته روى له النسائي عن النبي ﷺ والبخاري عن الصحابي عن النبي ﷺ مات سنة مائة. واعلم أن هذا الإسناد كالذي قبله في أن رجالهما كلهم مدنيون وهذا في غاية الاستظراف إذاً اقتران إسنادين مدنيين قليل جداً. قوله: (بينا) أصله بين أشبعت الفتحة فصارت ألفاً. قال: فبينا نحن نرقبه أتانا. أي بين أوقات رقبتنا إياه والجمل مما يضاف إليها أسماء الزمان نحو أتيتك زمن الحجاج أمير ثم حذف المضاف الذي هو أوقات وولى الظرف الذي هو بين الجملة التي أقيمت مقام المضاف إليها والأصمعي يستفصح طرح إذا وإذ من جوابه والآخرون يقولون: بينا أنا قائم إذ جاء أو إذا جاء فلان. قوله: (رأيت) مشتق من الرؤية بمعنى الإبصار أو من الرؤيا بمعنى العلم فهو مفعول ثان والأول هو الظاهر ويحتمل رفع الناس نحو قوله:

стр. 119

دُونَ ذَلِكَ، وَعُرِضَ عَلَيَّ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ وَعَلَيْهِ قَمِيصٌ يَجُرُّهُ، قَالُوا: فَمَا أَوَّلْتَ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: الدِّينَ. ــ رأيت الناس ينتجعون غيثاً ... فقلت لصيدح انتجعي بلالا والصيدح علم ناقة الشاعر. و (يعرضون علي) أي يظهرون لي يقال عرض الشئ إذا أبداه وأظهره قوله: (قمص) جمع القميص نحو رغيف ورغف ويجمع أيضاً على قمصان وأقمصة و (الثدي) بضم الثاء وكسر الدال وتشديد الياء جمع الثدي نحو فلس وفلوس وهي للمرأة والرجل أيضاً ويجمع على أثد وثدي بكسر الثاء والدال. قوله: (ما دون ذلك) أي أقصر فيكون فوق الثدي أي لم ينزل إليه ولم يصل به لقلته. قوله: (أولت) التأويل تفسير ما يؤول إليه الشئ والمراد هنا التعبير وفي اصطلاح الأصوليين التأويل تفسير الشئ بالوجه المرجوح وقيل هو حمل الظاهر على المحتمل المرجوح بدليل يصيره راجحاً وهذا أخص منه. قوله: (الدين) بالنصب أي أولت الدين والدين للإنسان كالقميص له في أنه يستره من النار ويحجبه عن كل مكروه كما أن القميص يستر عورة الإنسان ولعله ﷺ إنما أوله الدين بهذا الاعتبار والله أعلم. النووي: في الحديث فوائد منها أن الأعمال من الإيمان وأن الإيمان والدين بمعنى واحد وفيه تفاضل أهل الإيمان وفيه بيان عظيم لفضل عمر ﵁ وفيه تعبير الرؤيا وسؤال العالم عنها وفيه إشاعة العالم الثناء على الفاضل من أصحابه إذا لم يخش فتنة بإعجاب ونحوه فيكون الغرض التنبيه على فضله لتعلم منزلته ويعامل بمقتضاها ويرغب في الاقتداء به والتخلق بأخلاقه وقال أهل العبارة القميص في النوم معناه الدين وجره يدل على بقاء آثاره الجميلة وسنته الحسنة في المسلمين بعد وفاته ليقتدي به تم كلامه. روى البخاري في كتاب المناقب هذا الحديث وفيه بدل يعرضون عرضوا وبدل يجره اجتره وبدل ومنها ما دون ذلك ومنها ما يبلغ دون ذلك وفي كتاب التعبير يجتره. فإن قلت يلزم من الحديث أن يكون عمر أفضل من أبي بكر لأن المراد بالأفضل الأكثر ثواباً والأعمال علامات للثواب فمن كان دينه أكثر فثوابه أكثر وهو خلاف الإجماع قلت لا يلزم إذ القسمة غير حاصرة لجواز قسم رابع سلمنا انحصار القسمة لكن ما خصص القسم الثالث بعمر ولم يحصره عليه سلمنا بالتخصيص به لكنه معارض بالأحاديث الدالة على أفضلية الصديق بحيث تواتر القدر المشترك منها ومثله يسمى بالمتواتر من جهة المعنى فدليلكم آحاد ودليلنا متواتر. سلمنا التساوي بين الدليلين لكن الإجماع منعقد على أفضليته وهو دليل قطعي وهذا دليل ظني والظن لا يعارض القطع وهذا الجواب يستفاد من نفس تقدير الدليل وهذه قاعدة كلية عند أهل المناظرة في أمثال هذه الإيرادات

стр. 120

بَابُ الحَيَاءُ مِنَ الإِيمَانِ . ٢٣ - حَدَّثنا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: أَخبَرَنا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ مَرَّ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الأَنْصَارِ وَهُوَ يَعِظُ أَخَاهُ فِي الحَيَاءِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : دَعْهُ، فَإِنَّ الحَيَاءَ مِنَ الإِيمَانِ. ــ بأن يقال ما أوردته إما مجمع عليه أولاً فإن كان فالدليل مخصوص بالإجماع وإلا فلا يتم الإيراد إذ لا إلزام إلا بالمجمع عليه والله أعلم. قال البخاري ﵁ (باب الحياء من الإيمان) هو برفع الحياء سواء أضفت إليه الباب أم لا لأنه مبتدأ ومن الإيمان خبره والحياء بالمد وتعريفه واشتقاقه بمعنى قوة الحياء أو ضعفها في الحي ووجه كونها من الإيمان وسائر مباحثه تقدم في باب أمور الإيمان. قوله: (عبد الله بن يوسف) هو التنيسي الدمشقي. و (مالك) هو الإمام المشهور. و (ابن شهاب) هو الزهري وقد سبق فضائل الثلاث وما يتعلق بهم. قوله: (سالم) هو أبو عمرو سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب القرشي العدوي التابعي الجليل أحد الفقهاء السبعة بالمدينة على أحد الأقوال. قال ابن المسيب: كان سالم أشبه ولد عبد الله بعبد الله وعبد الله أشبه ولد عمر بعمر. وقال مالك: لم يكن في زمن سالم أشبه بمن مضى من الصالحين في الزهد منه كان يلبس الثوب بدرهمين وقال ابن راهوية أصح الأسانيد كلها الزهري عن سالم عن أبيه وكان أبوه يُلام في إفراط حب سالم وكان يقبله ويقول ألا تعجبون من شيخ يقبل شيخاً- مات رضي الله تعالى عنه بالمدينة وصلى عليه هشام بن عبد الملك سنة ست أو خمس أو ثمان ومائة. قوله: (مر علي رجل) مر عليه ومر به بمعنى واحد أي اجتاز والأنصار جمع الناصر أو النصير واللام للعهد أي أنصار رسول الله ﷺ الذين آووا ونصروا من أهل المدينة قوله: (وهو يعظ أخاه) أي ينصح أخاه والوعظ النصح والتذكير بالعواقب قال ابن فارس هو التخويف والإنذار وقال الخليل هو التذكير بالخير فيما يرق القلب و (أخاه) الظاهر أنه أراد الأخ في القرابة هو حقيقة ويحتمل أن يراد الأخ في الإسلام على ما هو عرف الشارع فهو مجاز لغوي أو حقيقة عرفية قوله: (في الحياء) أي في شأن الحياء وفي حقه ومعناه أنه ينهاه عنه ويخوفه منه. قوله: (فزجره النبي ﷺ عن وعظه (وقال دعه) أي اتركه وهو أمر لا ماضي له قالوا أماتوا ماضي دع وذر. قوله: (فإن الحياء) فإن قلت كلمة أن لا تدخل إلا على كلام يكون المخاطب به شاكاً فيه أو مكراً

стр. 121

بَابُ ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾. ٢٤ - حَدَّثنا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ المُسْنَدِيُّ، قَالَ: حَدَّثنا أَبُو رَوْحٍ الحَرَمِيُّ بْنُ عُمَارَةَ، قَالَ: حَدَّثنا شُعْبَةُ، عَنْ وَاقِدِ بْنِ مُحَمَّدٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي يُحَدِّثُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ ــ له فأين الشك أو الإنكار منه قلت المخاطب كان شاكاً بل منكراً له لأنه كان يمنعه منه فلو كان معترفاً أنه من الإيمان لما منعه من ذلك سلمنا أنه ما كان منكراً له لكنه جعله كالمكر لظهور أمارات الإنكار عليه سلمنا أنه ليس كالمنكر لكن ربما يكون التأكيد لدفع إنكار غير المخاطب من النظارة ونحوهم سلمنا أنه لا إنكار منهم أيضاً لكن قد يكون التأكيد من جهة أن القصة في نفسها مما يجب أن يهتم بها ويؤكد عليها. التيمي: الحياء الاستحياء وهو ترك الشئ لدهشة تلحقك عنده قال تعالى: (ويستحيون نساءكم) أي يتركون قال وأظن الحياة منه لأنه انتعاش الشخص والوعظ الزجر يعني يزجره من الحياء ويقول له لا تستح فقال رسول الله ﷺ (دعه) يستحي (فإن الحياء من الإيمان) إذ الشخص يكف عن أشياء من مناهي الشرع للحياء ويكثر مثل هذا في زماننا وأقول ليس هو ترك الشئ بل هو دهشة تكون سبباً لترك الشئ. فإ ن قلت قد علم مما تقدم أن الحياء شعبة من الإيمان فما فائدة التكرار. قلت كان المقصود ثمة بيان أمور الإيمان وأنه من جملتها فذكر ذلك بالتبعية وبالعرض وهنا ذكره بالقصد وبالذات. فإن قلت فإذا كان الحياء بعض الإيمان فإذا انتفى الحياء انتفى بعض الإيمان وإذا انتفى بعض الإيمان انتفى حقيقة الإيمان فيلزم أن الشخص إذا لم يستح يكون كافراً قلت المراد من الإيمان هو الإيمان الكامل والتقريب ظاهر. نعم لو قيل الأعمال داخلة في حقيقة الإيمان لكان مشكلاً. قال البخاري ﵁ (باب فإن تابوا) أي عن الشرك ليوافق الحديث الوارد فيه حيث قال "حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله" قوله: (عبد الله بن محمد المسندي) بضم الميم وفتح النون وأحد أجداده هو مولى أجداد البخاري وقد سمي بالكنز أي كنز الحديث وقد تقدم ذكره. قوله: (أبو روح) بفتح الراء وبالحاء المهملة كنيته واسمه ثابت. و (الحرمي) بالحاء المهملة المفتوحة والراء المفتوحة والياء المشددة نسبته وهو ابن عمارة بالعين المهملة المضمومة والميم المخففة ابن أبي حفصة العتكي البصري روى عنه الجماعة إلا الثوري. قوله: (واقد) بالقاف وليس في الصحيح وافد بالفاء ابن محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵁. قوله: (أبي) أي محمد المذكور (وهو يحدث عن

стр. 122

اللهِ ﷺ قَالَ: أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَاّ اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ، وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ، فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ ــ ابن عمر) أي جده. قوله: (أمرت) بضم الهمزة وأصح التعاريف للأمر هو القول الطالب للفعل والمفهوم منه أن الله تعالى هو الآمر له وكذا إذا قال الصحابي أمرنا بكذا فهم منه أن الرسول ﷺ هو الآمر له فإن من اشتهر بطاعة رئيس إذا قال ذلك فهم منه أن الرئيس أمره به وفائدة العدول عن التصريح دعوى اليقين والتعويل على شهادة العقل. قوله: (أن أقاتل الناس) أي بأن أقاتل وحذف الجار من أن كثير شائع مطرد والناس قالوا أريد به عبدة الأوثان دون أهل الكتاب لأن القتال يسقط عنهم بقبول الجزية. فإن قلت فلم خصصوا بالعبدة قلت لأن الأدلة الخارجية مثل "حتى يعطوا الجزية" دلت عليه. الطيبي: هو من العام الذي خص منه البعض لأن القصد الأول من هذا الأمر حصول هذا المطلوب لقوله: تعالى: (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون) فإذا تخلف منه أحد في بعض الصور لعارض لا يقدح في عمومه ألا ترى أن عبدة الأوثان إذا وقعت المهادنة معهم تسقط المقاتلة وتثبت العصمة قال ويجوز أن يعبر بمجموع الشهادتين وفعل الصلاة والزكاة عن إعلاء كلمة الله وإذعان المخالفين فيحصل في بعضهم بذلك وفي البعض بالجزية وفي الآخرين بالمهادنة وقال وأيضاً الاحتمال قائم في أن ضرب الجزية كان بعد هذا القول. وأقول الغرض من ضرب الجزية اضطرارهم إلى الإسلام وسبب السبب سبب فكأنه قال حتى يسلموا أو يعطوا الجزية فاكتفى بما هو المقصود الأصلي من خلق الخلائق أما المقصود من القتال هو وما يقوم مقامه نحو أخذ الجزية أو من الإسلام هو وما يقوم مقامه نحو إعطاء الجزية وكل هذه التأويلات لما ثبت بالإجماع أن الجزية مسقطة للمقاتلة فاحفظ التوجيهات وعددها. و (حتى) هي غاية للقتال ويحتمل أن تكون غاية للأمر به. فإن قلت إذا شهد وأقام وآتى فمقتضى الحديث أن يترك القتال وإن كفر بسائل ما جاء به النبي ﷺ لكنه ليس كذلك. قلت الشهادة برسالته تتضمن التصديق بما جاء به مع أنه يحتمل أنه ما جاء بسائر الأشياء إلا بعد صدور هذا الحديث أو علم ذلك من دليل آخر خارجي كما جاء في الرواية الأخرى ويؤمنوا بي وبما جئت به. قوله: (ويقيموا) معنى إقامة الصلاة إما تعديل أركانها وحفظها من أن يقع زيغ في فرائضها وسننها وآدابها من أقام العود إذا قومه وإما الدوام عليها من قامت السوق إذا نفقت وإما التجلد والتشمر في أدائها من قام الحرب على سافها وإما أداؤها تعبيراً عن الأداء بالإقامة لأن القيام بعض أركانها والصلاة هي العبادة المفتتحة بالتكبير المختتمة بالتسليم

стр. 123

عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلَاّ بِحَقِّ الإِسْلَامِ، وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللهِ. ــ والزكاة هي القدر المخرج من النصاب للمستحق. فإن قلت تارك الصلاة يقتل ويقاتل كما ذكر في الفقهيات فما حكم تارك الزكاة قلت حكم الزكاة حكمها ولهذا قاتل الصديق مانعي الزكاة. فإن قلت فهل يختص بالصلاة والزكاة أم هو حكم جميع الواجبات قلت ذكر النووي وجوب قتال من منع واجباً من واجبات الإسلام وإنما خص الصلاة والزكاة بالذكر من بين سائر الواجبات لأنهما أما العبادات البدنية والمالية والعنوان لهما. ولذلك سمي الصلاة عماد الدين والزكاة قنطرة الإسلام. فإن قلت إذا شهدوا عصموا وإن لم يقيموا ولم يؤتوا إذ بعد الشهادة لابد من الانكفاف عن القتال في الحال ولا تنتظر الإقامة ولا الإيتاء ولا غيرهما وكان حق الظاهر أن يكتفي بقوله: ألا بحق الإسلام فإن الإقامة والإيتاء من حقه قلت ذكرهما تعظيماً لهما واهتماماً بشأنهما وإشعاراً بأنهما في حكم الشهادة أو المراد ترك القتال مطلقاً مستمراً لا ترك القتال في الحال الممكن إعادته بترك الصلاة والزكاة وذلك لا يحصل إلا بالشهادة وإتيان الواجبات كلها. الطيبي: ألا بحق الإسلام استثناء مفرغ والمستثنى منه أعم عام الجار والمجرور والعصمة متضمنة لمعنى النفي حتى يصح تفريغ الاستثناء إذ هو شرطه أي لا يجوز إهدار دمائهم واستباحة أموالهم بسبب من الأسباب ألا بحق الإسلام من قتل النفس وترك الصلاة ومنع الزكاة وأما تقديم قوله: ويقيموا ويؤتوا وإزالتهما عن مقرهما هذا وعطفهما على الشهادة فللدلالة على أنهما بمنزلتها في كونهما غاية للمقاتلة إيذاناً بأنهما أما العبادات ويؤيد هذا التأويل رواية أبي هريرة فإنه لم يذكر فيها الصلاة والزكاة. قوله: (فإذا فعلوا ذلك) فإن قلت المشار إليه بعض قول فكيف إطلاق الفعل عليه قلت إما باعتبار أنه عمل باللسان وإما أنه على سبيل التغليب للاثنين على الواحد. و (عصموا) أي حفظوا وحقنوا والدماء جمع الدم نحو جمال جمع الجمل إذ أصل الدم دمو و (بحق الإسلام) الإضافة فيه إما بمعنى اللام أو بمعنى من أو بمعنى في والحق الذي يتعلق بالدم هو كالقصاص وبالمال كالضمان. قوله: (على الله) لفظ على الله مشعر بالإيجاب في عرف الاستعمال فهو على سبيل التشبيه أي هو كالواجب على الله تعالى في تحقق الوقوع وإلا فالأصل فيه أن يقال حسابهم لله أو إلى الله أو هو واجب عليه شرعاً بحسب وعده وأما عند المعتزلة فهو ظاهر لأنهم يقولون بوجوب الحساب عقلاً ومعناه هو أن أمور سرائرهم إلى الله وأما نحن فنحكم بالظاهر فنعاملهم بمقتضى ظاهر أقوالهم وأفعالهم أو معناه هذا القتال وهذه العصمة إنما هو من الأحكام الدنيوية وهو ما يتعلق بنا وأما الأمور الأخروية من دخول الجنة والنار والثواب والعقاب وكميتها وكيفيتها

стр. 124

بَابُ مَنْ قَالَ إِنَّ الإِيمَانَ هُوَ العَمَلُ . لِقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَتِلْكَ الجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾. وَقَالَ عِدَّةٌ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ فِي قوله: تَعَالَى ــ فهو مفوض إلى الله تعالى لا دخل لنا فيه وأما تعلق هذا الباب بكتاب الإيمان فهو أن يعلم منه أن من آمن صار معصوماً ويحتمل أن يكون من جهة أن يعلم أن الإقامة والإيتاء من جملة الإيمان. النووي: في الحديث فوائد منها وجوب قتال الكفار إذا أطلقه المسلمون وقتال مانعي الصلاة والزكاة أو غيرهما من واجبات الإسلام قليلاً كان أو كثيراً ومنها أن تارك الصلاة عمداً معتقداً وجوبها يقتل وعليه الجمهور واختلفوا هل يقتل على الفور أم يمهل ثلاثة أيام الأصح الأول والصحيح أنه يقتل بترك صلاة واحدة إذا خرج وقت الضرورة لها وأنه يقتل بالسيف وهو مقتول حداً وقال الإمام أحمد يكفر وقال أبو حنيفة يحبس ولا يقتل ولا يكفر أما الصوم فلو تركه حبس ومنع من الطعام والشراب لأن الظاهر أنه ينويه لأنه معتقد لوجوبه وأما الزكاة فتؤخذ منه قهراً ومنها أن من أظهر الإسلام وفعل الأركان كففنا عنه وفيه قبول توبة الزنديق أي الذي ينكر الشرع جملة وأن تكرر منه الارتداد وهو الصحيح وفيه خلاف مشهور للعلماء سيأتي وفيه اشتراط التلفظ بكلمة الشهادة في الحكم بالإسلام وأنه لا يكف عن قتالهم إلا بالنطق بهما. قال البخاري ﵁ (باب من قال) لا يجوز في هذا الباب إلا الإضافة إلى ما بعده. قوله: (الإيمان هو العمل) فإن قلت العمل إما أن يراد به عمل القلب أي التصديق فلا يطابقه الاستشهاد بقول العدة لأنه قول أو عمل للسان أو يراد به عمل الجوارح أو عمل اللسان أو مجموع الأعمال فلا يناسب الحديث إذ الإيمان بالله تعالى هو عمل القلب فقط بقرينة ذكر الجهاد والحج بعده قلت المراد به المجموع والاستدلال عليه بمجموع الآيات والحديث إذ يدل كل واحد من القرآن والسنة على بعض الدعوى بحيث يدل الكل على الكل قوله: (أورثتموها) فإن قلت معنى الإيراث إبقاء المال بعد الموت لبني نوعه وحقيقته ممتنعة على الله تعالى فما معنى الإيراث هنا قلت إما أن يكون المورث هو الكافر يعني لولا كفره لكان له نصيب منها فانتقل منه بسبب كفره الذي هو موت الأرواح إلى المؤمن وإما أن يكون هو الله تعالى فهو مجاز عن الإعطاء على سبيل التشبيه لهذا الإعطاء بالإيراث أو عن مجرد الإبقاء على طريقة إطلاق الكل وإرادة الجزء. قوله: (بما كنتم تعملون) ما إما مصدرية أو موصولة فمعناه بعملكم أو بالذي كنتم تعملونه وإنما قاله اقتباساً من قول المفسرين إن قوله: تعالى تعملون معناه تؤمنون. فإن قلت

стр. 125

﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ عَنْ قَوْلِ: لَا إِلَهَ إِلَاّ اللهُ، وَقَالَ: ﴿لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ العَامِلُونَ﴾. ٢٥ - حَدَّثنا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، وَمُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، قَالَا: حَدَّثنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: حَدَّثنا ابْنُ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي ــ كيف الجمع بين هذه الآية وحديث "لن يدخل أحدكم الجنة بعمله" قلت الباء في بما كنتم ليست للسببية بل للملابسة أي أورثتموها ملابسة لأعمالكم أي لثواب أعمالكم أو للمقابلة نحو أعطيت الشاة بالدرهم أو أن الجنة في تلك الجنة جنة خاصة أي تلك الخاصة الرفيعة العالية بسبب الأعمال وأما أصل الدخول فبرحمة الله تعالى لا بالأعمال وملخصه أن أصل الجنة بالفضل والدرجات بالأعمال أو أن الدخول ليس بالعمل والإدخال المستفاد من الأبواب بالعمل. النووي: الجواب أن دخول الجنة بسبب العمل والعمل برحمة الله تعالى. وأقول المقدمة الأولى خلاف صريح الحديث فلا يلتفت إليها. قوله: (عدة) بكسر العين وشدة الدال هي المعدودة قال أهل اللغة العدة الجماعة قلت أو كثرت. قوله: (عن قول) متعلق بلنسألنهم أي لنسألنهم عن كلمة الشهادة التي هي عنوان الإيمان. فإن قلت هذه الآية أثبتت السؤال على سبيل التوكيد القسمي وفي آية أخرى قال (فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جان) فنفت السؤال. قلت إن في القيامة مواقف مختلفة وأزمنة متطاولة ففي موقف أو زمان يسألون وفي آخر لا يسألون أو لا يسئلون سؤال استخبار بل سؤال توبيخ أو لا يسئل عن ذنبه إنس ولا جان نحو (ولا تزر وازرة وزر أخرى) النووي: الظاهر أن المراد لنسألنهم عن أعمالهم كلها أي الأعمال التي يتعلق بها التكليف والتخصيص بقول لا إله إلا الله دعوى لا دليل عليها. قوله: (لمثل هذا) الفوز العظيم (فليعمل العاملون) فأطلق العمل وأراد الإيمان. قوله: (أحمد بن يونس) هو أحمد بن عبد الله بن يونس اليربوعي التميمي الكوفي المكني بأبي عبد الله فاشتهر بأحمد بن يونس منسوباً إلى الجد محذوفاً من بينهما اسم عبد الله تخفيفاً وقال رجل للإمام أحمد عمن ترى أن نكتب الحديث فقال اخرج إلى أحمد بن يونس فإنه شيخ الإسلام توفي سنة تسع وعشرين ومائتين بالكوفة. قوله: (موسى بن إسمعيل) هو المنقري بكسر الميم وسكون النون وفتح القاف البصري وقد تقدم قبيل قصة هرقل. و (إبراهيم بن سعد) هو سبط عبد الرحمن بن عوف المتوفى ببغداد و (ابن شهاب) هو الزهري و (أبو هريرة) سبق ذكرهم أيضاً. قوله: (سعيد بن المسيب) بفتح الياء على

стр. 126

هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ سُئِلَ: أَيُّ العَمَلِ أَفْضَلُ؟ فَقَالَ: إِيمَانٌ بِاللهِ وَرَسُولِهِ، قِيلَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: الجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ، قِيلَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: حَجٌّ مَبْرُورٌ. ــ المشهور وقيل بالكسر وكان يكره فتحها ابن حزن بفتح الحاء المهملة والزاي الساكنة هو أبو محمد القرشي المخزومي المدني أمام التابعين ختن أبي هريرة ببنته ولد لسنتين مضتا من خلافة عمر بن الخطاب ﵁ قبل كان هو رأس من بالمدينة في دهره المتقدم عليهم في الفتوى ويقال له فقيه الفقهاء قال أحمد بن حنبل سعيد أفضل التابعين فقيل له فسعيد عن عمر حجة قال هو حجة قد سمع من عمر فإذا لم يقبل سعيد عن عمر فمن يقبل وقال أبو حاتم ليس في التابعين أنبل من ابن المسيب وهو أثبتهم وأبوه وجده صاحبيان أسلما يوم الفتح وقال سليمان بن موسى كان هو أفقه التابعين وقال ابن المديني هو أجل التابعين وقال أحمد بن عبد الله كان صالحاً فقيهاً من الفقهاء السبعة بالمدينة حج أربعين حجة لا يأخذ العصا وكان له بضاعة أربعمائة دينار يتجر بها في الزيت وكان أعور وقال قتيبة كان أبوه حزن أتى النبي ﷺ فقال له أنت سهل فقال بل أنا حزن ثلاثاً قال سعيد فما زلنا نعرف تلك الحزونة فينا وكان جابر بن الأسود على المدينة فدعا سعيداً إلى البيعة لابن الزبير فأبي نضر به ستين سوطاً وطاف به في المدينة وقيل ضربه هشام بن إسماعيل إيضاحين امتنع من البيعة للوليد وحبسه وحلقه ومات سنة ثلاث أو أربع أو خمس وتسعين في خلافة الوليد بن عبد الملك بالمدينة قال النووي في تهذيب الأسماء وأما قوله: م أنه أفضل التابعين فمرادهم أنه أفضل في علوم الشرع وإلا ففي صحيح مسلم عن عمر بن الخطاب قال سمعت رسول الله ﷺ يقول خير التابعين رجل يقال له أو بس وبه بياض فمروه فليستغفر لكم. قوله: (أفضل) أي الأكثر ثواباً عند الله وأفعل التفضيل لابد أن يستعمل بأحد الأوجه الثلاثة ولا يجوز زيد أفضل إلا أن يكون معلوماً نحو الله أكبر. قوله: (الجهاد) أي القتال مع الكفار لإعلاء كلمة الله وإنما جعله أفضل من غيره لأنه بذل النفس في سبيل الله تعالى. والجود بالنفس أقصى غاية الجود والجهاد إما مبتدأ محذوف الخبر أو خبر محذوف المبتدأ وكذا أخواه ثم الأفضل بعده هو الحج لأنه عبادة مركبة من العبادة المالية والبدنية. قوله: (حج مبرور) الحج قصد الكعبة لأجل النسك بملابسة الوقوف بعرفة والمبرور هو الذي لا يخالطه إثم ومنه برت يمينه إذا سلم من الحنث وقيل هو المقبول ومن علامة القبول أنه إذا رجع يكون حاله خيراً من الحال الذي قبله وقيل الذي لا رياء فيه وقيل هو الذي لا يعقبه بمعصية وهما داخلان فيما قبلهما والبر الطاعة والقبول. يقال هو

стр. 127

حجك بفتح الباء وضمها لازمين وبر الله حجك وأبر الله حجك أي قبله فله أربع استعمالات. فإن قلت فلم عرف الجهاد ونكر الإيمان والحج. قلت لا فرق بين مؤدى المعرفة بالتعريف الجنسي ومؤدى النكرة ولقرب المسافة بين أن يعرف الاسم بهذا التعريف وبين أن يترك غير معرف به يعامل معرفه معاملة غير المعرف قال: ولقد أمر علي اللئيم يسبني والمعنى ولقد أمر علي لئيم يسبني ولذلك يقدر يسبني وصفاً لا حالاً هذا من جهة النحو وأما من جهة المعاني فهو أن الإيمان والحج لا يتكرر وجوبه بخلاف الجهاد فإنه قد يتكرر فالتنوين للأفراد الشخصي والتعريف للكمال إذ الجهاد لو أتى به مرة مع الاحتياج إلى التكرار لما كان أفضل والله أعلم. النووي: الأفضل في هذا الحديث بعد الإيمان الجهاد وفي حديث ابن مسعود بدأ بالصلاة لتقدمتها وفي حديث أبي ذر لم يذكر الحج وفي الحديث الآخر (أي الإسلام أفضل قال من سلم المسلمون من لسانه ويده) وفي الآخر (أي الإسلام خير قال أن تطعم الطعام) قال العلماء اختلاف الأجوبة في هذه الأحاديث لاختلاف الأحوال فأعلم كل قوم بما بهم الحاجة إليه دون ما لم تدع حاجتهم إليه أو ذكر ما لم يعلمه السائل وأهل المجلس وترك ما علموه ولهذا أسقط ذكر الصلاة والزكاة والصيام في حديث الباب ولاشك أن الثلاث مقدمات على الحج والجهاد. فإن قيل كيف قدم الجهاد على الحج مع أن الحج من أركان الإسلام والجهاد فرض كفاية فالجواب أن الجهاد قد يتعين كسائر الكفايات وإذا لم يتعين لم يقع إلا فرض كفاية وأما الحج فالواجب منه حجة واحدة وما زاد نفل فإن قابلت واجب الحج بمتعين الجهاد كان الجهاد أفضل لهذا الحديث ولأنه شارك الحج في الفرضية وزاد بكونه نفعاً متعدياً إلى سائر الأمة ولكونه ذبا عن بيضة الإسلام أو لكونه كان في أول الإسلام ومحاربة أعدائه وقد قيل ثم هنا للترتيب في الذكر كقوله: تعالى (ثم كان من الذين آمنوا) وقيل ثم لا تقتضي ترتيباً وإن قابلت نفل الحج بغير متعين الجهاد كان الجهاد أفضل لما أنه يقع فرض كفاية وهو أفضل من النفل بلا شك بل قال إمام الحرمين في كتابه الغياثي فرض الكفاية عندي أفضل من فرض العين من حيث أن فعله مسقط للحرج عن الأمة بأسرها وبتركه يعصي المتمكنون منه كلهم ولاشك في عظم وقع ما هذه صفته. القفال: وجه الجمع أن ذلك اختلاف جواب جرى على حسب اختلاف الأحوال فإنه يقال خير الأشياء كذا ولا يراد أنه خير من جميع الوجوه في جميع الأحوال والأشخاص بل في حال دون حال ونحوه أو أن المراد من أفضل كذا أو من خيرها أو من خيركم فحذفت من وهي مرادة كما يقال فلان أعقل الناس أي من أعقلهم ومن جملتهم ومنه قوله: ﷺ (خيركم خيركم

стр. 128

بَابُ إِذَا لَمْ يَكُنِ الإِسْلَامُ عَلَى الحَقِيقَةِ وَكَانَ عَلَى الاِسْتِسْلَامِ أَوِ الخَوْفِ مِنَ القَتْلِ لِقوله: تَعَالَى: ﴿قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾.فَإِذَا كَانَ عَلَى الحَقِيقَةِ فَهُوَ عَلَى قوله: جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللهِ الإِسْلَامُ﴾. ٢٦ - حَدَّثنا أَبُو اليَمَانِ، قَالَ: أَخبَرَنا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَامِرُ بْنُ سَعْدِ بْنِ ــ لأهله) ومعلوم أنه لا يصير بذلك خير الناس مطلقاً. قال البخاري ﵁ (باب إذا لم يكن) لفظة إذا للظرفية المحضة أي باب حين عدم كون الإسلام على الحقيقة فلفظة الباب مضافة إليها ويحتمل أن تكون متضمنة لمعنى الشرط والجزاء محذوف أي نحو لا يعتد به ولا ينجيه فيجوز في الباب غير الإضافة. فإن قلت إذا للاستقبال ولم لقلب المضارع ماضياً فكيف اجتماعهما. قلت إذا هنا لمجرد الوقت ويحتمل أن يقال لم لنفي الكون المقلوب ماضياً وإذا لاستقبال ذلك النفي. قوله: (على الاستسلام) أي الانقياد الظاهر فقط والدخول في السلم. و (أسلمنا) أي دخلنا في السلم وانقدنا وليس إسلامنا على الحقيقة وإلا لما صح نفي الإيمان عنهم لأن الإيمان والإسلام الشرعي واحد عند البخاري وكذا عند غيره لأن الإيمان شرط صحة الإسلام عندهم. الجوهري: في الصحاح أسلم أي دخل في السلم وهو الاستسلام. قوله: (على قوله:) أي فهو وارد على مقتضى الآية أو الآيتين كما في بعض النسخ قوله: (أبو اليمان) هو الحكم بن نافع الحمصي. و (شعيب) وهو ابن أبي حمزة الأموي. و (الزهري) هو ابن شهاب وقد مر ذكرهم. قوله: (عامر) روى له الجماعة توفي بالمدينة زمن الوليد بن عبد الملك سنة ثلاث أو أربع ومائة. قوله: (سعد) هو أبو إسحق بن أبي وقاص بالقاف المشددة من الوقص وهو الكسر مالك بن وهب بن عبد مناف بن زهرة القرشي الزهري أحد العشرة المبشرة بالجنة وأحد الستة أصحاب الشورى الذين جعل عمر ﵁ أمر الخلافة إليهم. أسلم وهو ابن تسع عشرة سنة سابع سبعة بل هو ثلث الإسلام كما في الصحيح وهاجر إلى المدينة قبل قدوم رسول الله ﷺ إليها وهو من المهاجرين الأولين شهد المشاهد كلها وكان مجاب الدعوة لدعاء رسول الله ﷺ له بذلك قال ﷺ اللهم استجب دعوته وسدد رميته. وحديثه في دعائه على الرجل الكاذب عليه من أهل الكوفة وهو أبو سعدة وأجيبت دعوته فيه في ثلاثة أشياء

стр. 129

أَبِي وَقَّاصٍ، عَنْ سَعْدٍ، ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَعْطَى رَهْطًا، وَسَعْدٌ جَالِسٌ، فَتَرَكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ رَجُلاً هُوَ أَعْجَبُهُمْ إِلَيَّ ــ مشهور في الصحيح وهو أول من رمى سهماً في سبيل الله وأول من أراق دماً في سبيل الله وكان يقال له فارس الإسلام استعمله عمر ﵁ على الجيوش التي بعثها لقتال الفرس وهو كان أميراً على الجيش الذين هزموا الفرس بالقادسية وحينئذ قال القائل: ألم تر أن الله أظهر دينه ... وسعد بباب القادسية معصم فأبنا وقد آمت نساء كثيرة ... ونسوة سعد ليس فيهن أيم فقال سعد اللهم اكفنا يده ولسانه فأصابته رمية فخرس لسانه ويبست يده وسعد هو الذي فتح مدائن كسرى وبنى الكوفة وولاه عمر العراق وقال الزهري رمى سعد يوم أحد ألف سهم وفي الصحيح عن علي ﵁ ما سمعت رسول الله ﷺ جمع أبويه لأحد إلا لسعد فإني سمعته يقول له يوم أحد ارم فداك أبي وأمي وروى أنه قال ﷺ له هذا حالي فليأت كل أحد بخاله ونقل عنه عن رسول الله ﷺ مائتا حديث وسبعون حديثاً ذكر البخاري عشرين منها توفي بقصره بالعقيق على عشرة أميال من المدينة وحمل على رقاب الرجال إلى المدينة وصلى عليه مروان بن الحكم ودفن بالبقيع سنة إحدى أو خمس أو ست أو سبع أو ثمان وخمسين وهو آخر العشرة موتاً فلما حضرته الوفاة دعا بخلق له جبة من صوف فقال كفنوني فيها فإني كنت لقيت المشركين فيها يوم بدر وإنما كنت أخبؤها لذلك ﵁. وفي هذا الإسناد لطيفة وهي أنه جمع بين ثلاثة زهريين مدنيين. قوله: (رهطا) أي جماعة وأصله الجماعة دون العشرة من الرجال لا يكون فيهم امرأة وقيل دون الأربعين والجمع أرهاط وأرهط وتقدير الكلام قال أنه أعطى فحذف لفظ قال. قوله: (أعجبهم إلى) أي أفضلهم وأصلحهم في اعتقادي. فإن قلت السياق يقتضي أن يقال أعجبهم إليه حيث قال وسعد جالس ولم يقل وأنا جالس. قلت هذا التفات من الغيبة إلى التكلم. فإن قلت فهل في قوله: وسعد جالس التفات حيث لم يقل وأنا. قلت فيه خلاف عند علماء المعاني من قال الانتقال من التكلم والخطاب والغيبة لابد أن يكون محققاً فلا التفات عنده فيه إذ لا نقل حقيقة ومن قال الانتقال فيه أعم من أن يكون محققاً أو مقدراً كما هو مذهب صاحب المفتاح ففيه أيضاً التفاتمن التكلم الذي هو مقتضى

стр. 130

فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا لَكَ عَنْ فُلَانٍ، فَوَاللهِ إِنِّي لأَرَاهُ مُؤْمِنًا، فَقَالَ: أَوْ مُسْلِمًا، فَسَكَتُّ قَلِيلاً، ثُمَّ غَلَبَنِي مَا أَعْلَمُ مِنْهُ، فَعُدْتُ لِمَقَالَتِي، فَقُلْتُ: مَا لَكَ عَنْ فُلَانٍ؟ فَوَاللهِ إِنِّي لأَرَاهُ مُؤْمِنًا، فَقَالَ: أَوْ مُسْلِمًا، ثُمَّ غَلَبَنِي مَا أَعْلَمُ مِنْهُ، فَعُدْتُ لِمَقَالَتِي، وَعَادَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، ثُمَّ قَالَ: يَا سَعْدُ، إِنِّي لأُعْطِي الرَّجُلَ، وَغَيْرُهُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْهُ، ــ المقام إلى الغيبة. قوله: (مالك عن فلان) أي أي شيء حصل لك أعرضت عن فلان أو عداك عن فلان أو من جهة فلان بأن لم تعطه ولفظة فلان كناية عن اسم سمي به المحدث عنه الخاص وفي رواية صحيح مسلم فقمت إلى رسول الله ﷺ فساررته فقلت مالك عن فلان. قوله: (لأراه مؤمناً) النووي: هو يقرأ بفتح الهمزة أي أعلمه ولا يجوز ضمها على أن يجعل بمعنى أظنه لأنه قال ثم غلبني ما أعلم منه ولأنه راجع النبي ﷺ مراراً فلم يكن جازماً باعتقاده لما كرر المراجعة. وأقول ويجوز الضم كما في بعض الروايات ويكون أعلم بمعنى أظن كما أن في قوله: تعالى (فإن علمتموهن مؤمنات) بمعنى ظننتموهن والرجوع مراراً لا يستلزم الجزم لأن الظن يلزم متابعته اتفاقاً. قوله:: (أو مسلماً) بسكون الواو ومعناه أن لفظ الإسلام أولى أن تقولها لأنها معلومة بحكم الظاهر وأما الإيمان فباطن لا يعلمه إلا الله. قال صاحب التحرير في شرح مسلم: هذا حكم على فلان بأنه غير مؤمن وقال النووي ليس فيه إنكار كونه مؤمناً بل معناه النهي عن القطع بالإيمان لعدم موجب القطع وقد غلط من توهم كونه حكماً بعدم الإيمان بل في الحديث إشارة إلى إيمانه وهو قوله: (لأعطى الرجل وغيره أحب إلي منه" وأقول فعلى هذا التقدير لا يكون الحديث دالاً على ما عقد له الباب وأيضاً لا يكون لرد رسول الله ﷺ على سعد فائدة ولئن سلمنا أن فيه إشارة إليه فذاك حصل بعد تكرار سعد إخباره بإيمانه وجاز أن ينكر أولاً ثم يسلم آخر الحصول أمر يفيد العلم به. قوله: (فعدت لمقالتي) يقال عاد لكذا إذا رجع إليه والمقالة والمقال بمعنى القول قوله: (وغيره) مبتدأ. و (أحب) خبره والجملة حالية. و (خشية) منصوب بأنه مفعول له لأعطى سواء فيه رواية التنوين مع تنكيره وتقدير لفظة من أي خشية من أن يكبه الله ورواية الإضافة مع تعريفه لأنه مضاف إلى أن مع الفعل وأن مع الفعل معرفة ويجوز في المفعول لأجله التعريف والتنكير

стр. 131

خَشْيَةَ أَنْ يَكُبَّهُ اللهُ فِي النَّارِ. وَرَوَاهُ يُونُسُ، وَصَالِحٌ، وَمَعْمَرٌ، وَابْنُ أَخِي ــ والمفعول الثاني من باب أعطيت محذوف والحذف إما للتعميم أي أعطيت أي شيء كان أو يجعل المتعدي إلى اثنين كالمتعدي إلى واحد أي أوجد هذه الحقيقة يعني إعطاء الرجل والفائدة فيهما المبالغة قوله: (يكبه) بفتح أوله وضم الكاف أي يلقيه منكوساً وهذا من النوادر على عكس القاعدة المشهورة فإن المعروف أن يكون الفعل اللازم بغير الهمزة والمتعدي بالهمزة فإن أكب لازم وكب متعد ونحوه أحجم وحجم والضمير في يكبه للرجل أي أتألف قلبه بالإعطاء مخافة من كفره ونحوه إذا لم يعط والتقدير أنا أعطي من في إيمانه ضعف لأني أخشى عليه لو لم أعطه أن يعرض له اعتقاد يكفر به فيكبه الله تعالى في النار كأنه أشار إلى المؤلفة أو إلى من إذا منع نسب رسول الله ﷺ إلى البخل وأما من قوي إيمانه فهو أحب إلي فأكله إلى إيمانه ولا أخشى عليه رجوعاً عن دينه ولا سوء اعتقاد ولا ضرر فيما لا يحصل له من الدنيا ولا يلزم من هذا التقدير أن يكون ذلك الرجل ممن قوي في الإيمان لاحتمال أن يكون المراد منه غيره تعريضاً بنحو سعد نفسه. فإن قلت هذا النوع من الكلام أهو مجاز أم كناية. قلت الكب في النار لازم الكفر فأطلق اللازم وأراد الملزوم فهو كناية فإن قلت لم لا يكون مجازاً من باب إطلاق الملزوم وإرادة اللازم إذ الملازمة في الكناية لابد أن تكون مساوية. وإن اعترضت بأن الكب قد يكون للمعصية فلا يستلزم الكفر أجيب بأن المراد من الكب كب مخصوص لا يكون إلا للكافر وإلا فلا تصح الكناية أيضاً. قلت شرط المجاز امتناع اجتماع معنى المجاز والحقيقة وههنا لا امتناع في اجتماع الكفر والكب فهو كناية لا غير. النووي: في الحديث جواز الشفاعة إلى ولاة الأمر وغيرهم وفيه مراجعة المشفوع إليه في الأمر الواحد مراراً إذا لم يؤد إلى مفسدة وفيه الأمر بالتثبت وترك القطع بما لا يعلم وفيه أن الإمام يصرف الأموال في مصالح المسلمين الأهم فالأهم وفيه أن المشفوع إليه لا عيب عليه إذا رد الشفاعة إذا كانت خلاف المصلحة وفيه أنه ينبغي أن يتعذر إلى الشافع ويبين له عذره في ردها وفيه أن المفضول ينبه الفاضل على ما يراه من المصلحة لينظر فيه الفاضل وفيه أنه لا يقطع لأحد على التعيين بالجنة إلا من ثبت فيه كالعشرة المبشرة وفيه أن الإقرار باللسان لا ينفع إلا إذا اقترن به الاعتقاد بالقلب وعليه الإجماع ولهذا كفر المنافقون واستدل به جماعة على جواز قول المسلم أنا مؤمن مطلقاً من غير تقييد بقوله: إن شاء الله وأما الفرق بين الإيمان والإسلام فقال الخطابي هما يجتمعان في مواضع فيقال للمسلم مؤمن وبالعكس ويفترقان في مواضع فكل مؤمن مسلم دون العكس فما يتفقان فيه هو أن يستوي الظاهر والباطن

стр. 132

الزُّهْرِيِّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ. بَابُ إِفْشَاءُ السَّلَامِ مِنَ الإِسْلَامِ . وقَالَ عَمَّارٌ: ثَلَاثٌ مَنْ جَمَعَهُنَّ فَقَدْ ــ وما يفترقان فيه هو أن لا يستويا ويقال له عند ذلك مسلم بمعنى أنه مستسلم وهو بمعنى ما جاء في الحديث أو مسلماً وفي الآية (قولوا أسلمنا) أي استسلمنا. قوله: (يونس) هو أبو يزيد القرشي. و (صالح) هو ابن كيسان المدني وروايته عن الزهري من رواية الأكابر عن الأصاغر لأنه أسن من الزهري و (معمر) هو ابن راشد البصري قد تقدم ذكرهم في صدر الكتاب. و (ابن أخي الزهري) هو محمد بن عبد الله بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب الزهري كان كثير الحديث صالحاً قتله غلمانه سنة اثنتين وخمسين ومائة ومعناه أن هذه الأربعة تابعوا شعيباً في رواية هذا الحديث عن الزهري ووافقوه فيها النووي: قول البخاري رواه فلان وفلان فيه ثالث فوائد الأولى بيان كثرة طرقه ليزيد الحديث قوة وصحة والثانية أن يعلم رواته ليتبع رواياتهم ومسانيدهم من رغب في شيء من جمع الطرق أو غيره لمعرفة متابعة أو استشهاد وغيرهما الثالثة أن يعرف أن هؤلاء المذكورين رووه فقد يتوهم من لا خبرة له أنه لم يروه غير المذكور في الإسناد فربما رآه في كتاب آخر من غيره فتوهمه غلطاً فإذا قيل رواه فلان أيضاً زال ذلك الوهم وأقول والفائدة الرابعة الوفاء بشرطه صريحاً إذ شرطه على ما قال بعضهم أن يكون لكل حديث راويان فأكثر والخامسة أن يصير الحديث مستفيضاً فيكون حجة عند المجتهدين الذين اشترطوا كون الحديث مشهوراً في تخصيص القرآن ونحوه والمستفيض أيا لمشهور ما زاد نقلته على الثلاث. قال البخاري ﵁ (باب السلام من الإسلام) برفع السلام. قوله: (عمار) هو أبو اليقظان بالمعجمة ابن ياسر بن عامر بن مالك المخزومي العنسي بالنون اليمني ثم الشامي وعنس هو رهط الأسود المتنبي الكذاب وياسر رهن في القمار هو ووالده وولده فقمروهم فصاروا بذلك عبيداً للقامر فأعزهم الله تعالى بالإسلام فأسلم عمار وأمه سمية بصيغة التصغير من السمو وأبوه ياسر ثلاثتهم قديماً وكانوا يعذبون بمكة في الله فيمر بهم رسول الله ﷺ وهم يعذبون فيقول صبراً آل ياسر فإن موعدكم الجنة وقتل أبو جهل سمية ﵂ وكانت أول شهيدة في الإسلام وأعطاهم عمار ما أرادوا بلسانه واطمأن قلبه بالإيمان فنزلت (إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان) وهاجر إلى الحبشة ثم إلى المدينة وصلى إلى القبلتين وشهد بدرا والمشاهد كلها وهو أول من بنى مسجد الله في الإسلام بني مسجد قباء روى له عن رسول الله ﷺ اثنان وستون حديثاً ذكر البخاري منها خمسة وشهد

стр. 133

جَمَعَ الإِيمَانَ: الإِنْصَافُ مِنْ نَفْسِكَ، وَبَذْلُ السَّلَامِ لِلْعَالَمِ، وَالإِنْفَاقُ مِنَ الإِقْتَارِ. ٢٧ - حَدَّثنا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثنا اللَّيْثُ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ أَبِي الخَيْرِ ــ قتال اليمامة في زمن الصديق ﵁ فأشرف على صخرة ونادى يا معشر المسلمين من الجنة تفرون إلي أنا عمار بن ياسر وقطعت أذنه وهو يقاتل أشد القتال وقال رسول الله ﷺ ملئ عمار إيماناً إلى أخمص قدميه وقال له أيضاً مرحباً بالطيب المطيب وقال أيضاً اهتدوا بهدى عمار وشهد صفين يذب عن أمير المؤمنين علي ﵁ وكانت الصحابة يومئذ يتبعونه حيث توجه لعلمهم بأنه مع الفئة العادلة لما قال النبي ﷺ له (تقتلك الفئة الباغية) وقتل بصفين ودفنه علي ﵁ بثيابه حسبما أوصاه به ثمة ولم يغسله. قال صاحب الاستيعاب وروى أهل الكوفة أنه صلى عليه وهو مذهبهم في الشهداء أنهم لا يغسلونهم ولكن يصلى عليهم وذلك سنة سبع وثلاثين وهو ابن ثلاث وتسعين سنة. قوله: (ثلاث) أي ثلاث خصال من جمعهن فقد جمع خصال الإيمان وإعرابه كما في قوله: ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان. قوله: (الإنصاف) أي العدل يقال أنصفه من نفسه وانتصفت أنا منه و (للعالم) بفتح اللام أي لكل الناس من عرفت ومن لم تعرف. و (الإقتار) الافتقار يقال أقتر الرجل أي افتقر قال أبو الزناد جمع عمار في هذه الألفاظ الخير كله لأنك إذا أنصفت من نفسك فقد بلغت الغاية بينك وبين خالقك وبينك وبين الناس ولم تضيع شيئاً مما لله وللناس عليك وأما بذل السلام للعالم فهو لقوله: ﷺ (وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف) وهذا حض على مكارم الأخلاق واستئلاف النفوس وأما (الإنفاق من الإقتار) فهو الغاية في الكرم وقد مدح الله من هذه صفته بقوله: (ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة) وهذا عام في نفقة الرجل على عياله وأضيافه وكل نفقة في طاعة الله تعالى وفيه أن نفقة المعسر على عياله أعظم أجراً من نفقة الموسر وأقول هذه الكلمات جامعة لخصال الإيمان كلها لأنها إما مالية أو بدنية والإنفاق إشارة إلى المالية المتضمنة للوثوق بالله تعالى والزهادة في الدنيا. والبدنية أما مع الله تعالى أي التعظيم لأمر الله وهو الاتصاف أو مع الناس أي الشفقة على خلق الله تعالى وهو بذل السلام. قوله: (قتيبة) على صيغة مصغر القتبة هو أبو رجاء بن سعيد بن جميل البغلاني منسوب إلى بغلان بفتح الموحدة وسكون الغين المعجمة قرية من قرى بلخ قيل أن جده كان مولى الحجاج بن يوسف فهو الثقفي مولاهم وقال ابن عدي اسمه يحيى وقتيبة لقب غلب عليه وقال ابن منده اسمه على روى له أصحاب الكتب السبعة أحمد والبخاري ومسلم والترمذي وأبو داود والنسائي وابن ماجة

стр. 134

عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو، أَنَّ رَجُلاً سَأَلَ رَسُولَ اللهِ ﷺ : أَيُّ الإِسْلَامِ خَيْرٌ؟ قَالَ: تُطْعِمُ الطَّعَامَ، وَتَقْرَأُ السَّلَامَ عَلَى مَنْ عَرَفْتَ وَمَنْ لَمْ تَعْرِفْ. بَابُ كُفْرَانِ العَشِيرِ، وَكُفْرٍ دُونَ كُفْرٍ . فِيهِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ــ وغيرهم وكان كثير المال كما كان كثير الحديث توفي سنة أربعين ومائتين. وقال علي بن محمد السمار سمعته يقول ولدت ببلخ يوم الجمعة حين تعالى النهار لست مضين من رجب سنة ثمان وأربعين ومائة قوله: (الليث) هو ابن سعد. و (يزيد بن أبي حبيب) بفتح الحاء المهملة. و (أبي الخير) هو مرثد بالميم المفتوحة والراء والثاء المثلثة. و (عبد الله بن عمرو) ابن العاصي الصحابي المصريون كلهم تقدم ذكرهم قوله: (أي الإسلام) أي أي خصلة من خصال الإسلام. و (تطعم) أي أن تطعم فحذف أن وذلك على تمام المباحث التي في الحديث قد سبق في باب إطعام الطعام من الإسلام. فإن قلت الحديث بعينه هو المتقدم فلم ذكره مكرراً. قلت ذكره ثمة للاستدلال على أن الإطعام من الإسلام وههنا للاستدلال على أن السلام منه. فإن قلت كان يكفيه أن يقول ثمة أو ههنا باب الإطعام والسلام من الإسلام بأن يدخلهما في سلك واحد ويتم المطلوب. قلت لعل عمرو بن خالد ذكره في معرض بيان أن الإطعام منه وقتيبة في بيان أن السلام منه فلذلك ميزهما مضيفاً إلى كل راو ما قصده في روايته والله أعلم. التيمي السلام مأخوذ من السلامة فإذا سلم الرجل فكأنه قال للسلم عليه أنت سالم مني وهو في أسماء الله تعالى منها أيضاً لأن معناه ذو السلامة مما يلحق المخلوقين من النقص ومنه الجنة دار السلام لأن الصائر إليها يسلم من الآفات والسلم الصلح لأنهم يتسالمون به ويقال سلام عليكم بالتنوين والسلام عليكم باللام وهما سواء وأما في التحيات فاختيار الشافعي سلام لحديث ابن عباس ويرجحه على حديث ابن مسعود لأنه من متأخري الصحابة واختيار جماعة السلام ويرجحونه بأن فيه زيادة حرفين. قال البخاري ﵁ (باب كفران العشير وكفر دون كفر) وفي بعض الروايات وكفر بعد كفر الكفر ضد الإيمان والكفر أيضاً جحود النعمة وغمطها وهو ضد الشكر وكذا الكفران لكن الكفر في الدين والكفران في النعمة أكثر استعمالاً والكفر بالفتح التغطية فكل شيء غطى شيئاً فقد كفره ومنه الكافر لأنه يستر توحيد الله أو نعمة الله ويقال للزارع الكافر لأنه يغطي البذر تحت التراب و (العشير) بمعنى المعاشر كالأكيل بمعنى المؤاكل والمعاشرة المخالطة وقيل الملازمة. قوله: (فيه عن أبي سعيد)

стр. 135

عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . ٢٨ - حَدَّثنا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : أُرِيتُ النَّارَ فَإِذَا أَكْثَرُ أَهْلِهَا النِّسَاءُ، يَكْفُرْنَ قِيلَ: أَيَكْفُرْنَ بِاللهِ؟ قَالَ: يَكْفُرْنَ ــ أي الخدري الصحابي المشهور وقد مر ومعناه أن أبا سعيد أيضاً قد روى في كفران العشير شيئاً وخرج البخاري حديث أبي سعيد في هذا المعنى في باب الحيض حيث قال (فقال النبي ﷺ يا معشر النساء تصدقن فأني أريتكن أكثر أهل النار قلن ولم يا رسول الله قال تكثرن اللعن وتكفرن العشير) وفي باب الزكاة أيضاً كذلك. قوله: (عبد الله بن مسلمة٩ بفتح الميم واللام وتسكين المهملة وهو القعنبي المدني. و (مالك) هو المشهور إمام دار الهجرة تقدم ذكرهما. قوله: (زيد) هو أبو أسامة ابن أسلم بصيغة أفعل التفضيل من السلامة القرشي المدني التابعي مولى عمر بن الخطاب ﵁ روى عن أنس وابن عمر وجابر وغيرهم أجمع على جلالته وكان له حلقة في مسجد رسول الله ﷺ وكان ثقة كثير الحديث وكان علي بن الحسين ﵄ يجلس إلى زيد فقيل له تتخطى مجالس قومك على عبد عمر بن الخطاب فقال إنما يجلس الرجل إلى من ينفعه في دينه توفي بالمدينة سنة ثلاث أو ست وثلاثين ومائة أوائل الدولة العباسية وكان أبو حاتم يقول لا يريني الله يوم موت زيد أنه لم يبق أحد أرضاه لنفسي وديني غيره فأتاه نعى زيد فعقر فما قام بعده. قوله: (عطاء) هو أبو محمد بن يسار بالمثناة التحتانية والمهملة القاص المدني الهلالي مولى ميمونة أم المؤمنين توفي سنة أربع وتسعين وقيل سنة أربع أو ثلاث ومائة وهذا الإسناد رجاله مدنيون إلا ابن عباس لكنه أقام بالمدينة. قوله: (أريت) بضم الهمزة والتاء وهو بمعنى التبصير والضمير هو القائم مقام المفعول الأول والنار التي أكثر أهلها النساء هو المفعول الثاني والموصول بصلته صفة لازمة للنار لا صفة مخصصة إذ ليس المراد تخصيص نار بهن و (يكفرن) استئناف كلام كأنه جواب سؤال سائل سأل يا رسول الله لم وفي بعض الروايات أريت النار فرأيت أكثر أهلها النساء بزيادة فرأيت وفي بعضها أريت النار أكثر أهلها النساء بدون فرأيت وهو بفتح أكثر والنساء فيكون أكثر بدل النار والنساء هو المفعول الثالث وأريت بمعنى أعلمت وبضمها فيكون أكثر مبتدأ والنساء خبره والجملة الاسمية حال بدون الواو نحو قوله: تعالى (اهبطوا بعضكم لبعض عدو) وفي بعضها بكفرهن والباء للسببية وهي متعلقة بأكثر أو بفعل الرؤية المقيدة. قوله: (أيكفرن بالله)

стр. 136

العَشِيرَ، وَيَكْفُرْنَ الإِحْسَانَ، لَوْ أَحْسَنْتَ إِلَى إِحْدَاهُنَّ الدَّهْرَ، ثُمَّ رَأَتْ مِنْكَ ــ هذا السؤال دليل على أن الفكر لفظ مجمل بين الكفر بالله والكفر بالله والكفر الذي للعشير ونحوه إذ الاستفسار دليل الإجمال. قوله: (يكفرن العشير) لم يعد كفران العشير بالباء كما عدى الكفر بالله لأنه ليس متضمناً معنى الاعتراف بخلافه ويكفرن الإحسان لأنه بيان لقوله: يكفرن العشير إذ المقصود كفران إحسان العشير لا كفران ذاته والعشير المراد به هنا الزوج لأنه يعاشرها وتعاشره أكثر من غيرها ولأن قرينة السياق تدل عليه وكفرانهن سترهن نعمة الأزواج عليهن وغمطها ولا يمتنع حمله على جنس المعاشرة وعلى عمومه فاللام أما للعهد وأما للجنس وأما للاستغراق. فإن قلت أيهما الأصل في اللام. قلت الجنس وهو الحقيقة فيحمل عليها إلا إذا دلت قرينة على التخصيص أو التعميم فتتبع القرينة حينئذ وهذا حكم عام لهذه اللام في جميع المواضع. قوله: (إن أحسنت) وفي بعضها لو أحسنت. فإن قلت لو لامتناع الشيء لامتناع غيره فكيف صح هنا هذا المعنى. قلت هو هنا بمعنى إن أي لمجرد الشرطية ومثله كثير ويحتمل أن يكون من قبيل (نعم العبد صهيب لو لم يخف الله لم يعصه) بأن يكون الحكم ثابتاً على النقيضين والطرف المسكوت عنه أولى من المذكور. و (الدهر) منصوب على الظرفية وهو بمعنى الأبد والمراد منه دهر الرجل أي مدة عمره ويحتمل أيضاً مدة بقاء الدهر مطلقاً على سبيل الفرض مبالغة في كفرانهن وسوء مزاجهن وليس المراد بهذا الحديث مخاطباً خاصاً بل كل من يتأتى منه أن يكون مخاطباً به وهذا على سبيل التجوز إذ أصل وضع الضمير أن يكون مستعملاً لمعين مشخص. فإن قلت لو لم يكن عاماً لما جاز استعماله في كل مخاطب كزيد مثلاً حقيقة قلت عام باعتبار أمر عام لمعنى خاص بخلاف العلم فإنه خاص بالاعتبارين وههنا قاعدة كثيرة النفع غزيرة الفوائد وهي أن اللفظ قد يوضع وضعاً عاماً لأمور مخصوصة كاسم الإشارة فإنه وضع باعتبار المعنى العام الذي هو الإشارة الحسية للخصوصيات التي تحته أي التي لكل واحد مما يشار إليه ولا يراد به عند الاستعمال العموم على سبيل الحقيقة وقد يوضع وضعاً عاماً لموضوع له عام نحو الرجل فلا يراد به خاص حقيقة وهو عكس الأول وقد يوضع وضعا ًخاصاً لموضوع له خاص نحو العلم وملخصه أن للواضع ثلاثة أقسام من الموضوعات وضع باعتبار عام لموضوع له عام نحو الرجل ووضع باعتبار عامل موضوع خاص نحو اسم الإشارة ووضع باعتبار خاص لموضوع خاص نحو زيد والمضمرات من القسم الأوسط فإذا أريد عند الاستعمال بالضمير الذي أحسنت مخاطب معين كان حقيقة لأنه على وفق وضعه وإذا أريد به كل من يصح منه كونه محسناً كان مجازاً ومثله قوله: تعالى (ولو ترى

стр. 137

شَيْئًا، قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ مِنْكَ خَيْرًا قَطُّ. بَابُ المَعَاصِي مِنْ أَمْرِ الجَاهِلِيَّةِ . وَلَا يُكَفَّرُ صَاحِبُهَا بِارْتِكَابِهَا إِلَاّ ــ إذ المجرمون ناكسوا رءوسهم) قوله: (شيئاً) التنوين للتحقير أو للتقليل أو لهما أي شيئاً حقير أو قليلاً لا يوافق مزاجها قال بعض العلماء الكفر أربعة أنواع كفر إنكار وكفر جحود وكفر معاندة وكفر نفاق وهذه الأربعة من لقي الله بواحدة منها لم يغفر له. فكفر الإنكار أن يكفر بقلبه ولسانه وأن لا يعرف ما يذكر له من التوحيد وكفر الجحود أن يعرف بقلبه ولا يقر بلسانه ككفر إبليس وكفر المعاندة أن يعرف بقلبه ويقر بلسانه ويأبى أن يقبل الإيمان بالتوحيد ككفر أبي طالب وكفر النفاق ظاهر. النووي: واعلم أن الشرع أطلق الكفر على ما سوى الأربعة وهو كفران الحقوق والنعم فمن ذلك الحديث الذي في هذا الباب وحديث (لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض) وأشباهه وهذا مراد البخاري بقوله: (وكفر دون كفر) قال وفي الحديث أنواع من العلم منها ما ترجم له وهو أن الكفر قدي طلق على غير الكفر بالله وفيه وعظ الرئيس المرءوس وتحريضه على الطاعة وفيه مراجعة المتعلم العالم والتابع المتبوع فيما قاله إذا لم يظهر له معناه وفيه تحريم كفران الحقوق والنعم إذ لا يدخل النار إلا بارتكاب حرام. وأقول فيه أن النار أي جهنم التي هي عقاب دار الآخرة مخلوقة اليوم وهو مذهب أهل السنة وفيه أن من عرف الكبيرة بأنها ما توعد الشارع بخصوصه عليه يكون كفران العشير عنده كبيرة قال ابن بطال الكفر ههنا هو كفر النعمة وقد أمر الله تعالى رسوله بشكر النعم وكفر نعمة الزوج هو من باب كفر نعمة الله تعالى لأن كل نعمة يصل بها العشير هي نعمة الله أجراها على يديه ومعنى هذا الباب أن المعاصي تنقص الإيمان وبين رسول اللهصلى الله عليه وسلم أنه أراد كفرانهن حق أزواجهن وذلك ينقص من إيمانهن ودل بذلك أن إيمانهن يزيد بشكرهن العشير وبأفعال البر كلها فثبت أن الأعمال من الإيمان وأنه قول وعمل إذ بالعمل الصالح يزيد وبالعمل السيئ ينقص وفيه دليل على أن المرء يعذب على جحد الإحسان وقيل شكر المنعم فريضة. وأقول فهذا فيه وجه آخر لمناسبة الحديث لترجمة الباب غير ما ذكره الشارح الآخر ولكل وجهة هو موليها. قال البخاري شكر الله سعيه (باب المعاصي) وهي جمع المعصية وهي مخالفة الشارع بترك واجب أو فعل محرم أعم من الكبائر والصغائر. و (الجاهلية) زمان الفترة قبل الإسلام سميت بذلك لكثرة جهالانهم. قوله: (لا يكفر صاحبها) هذا هو مذهب الجماعة وأما عند الخوارج فالكبيرة موجبة للكفر وعند المعتزلة موجبة للمنزلة بين المنزلتين وصاحبها

стр. 138

بِالشِّرْكِ، لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : إِنَّكَ امْرُؤٌ فِيكَ جَاهِلِيَّةٌ. وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾. ٢٩ - حَدَّثنا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَ: حَدَّثنا شُعْبَةُ، عَنْ وَاصِلٍ الأَحْدَبِ، عَنِ المَعْرُورِ، قَالَ: لَقِيتُ أَبَا ذَرٍّ بِالرَّبَذَةِ، وَعَلَيْهِ حُلَّةٌ، وَعَلَى غُلَامِهِ حُلَّةٌ، فَسَأَلْتُهُ عَنْ ذَلِكَ ــ لا مؤمن ولا كافر. قوله: (إلا بالشرك) أي إلا بارتكاب الشرك حتى يصح الاستثناء من الارتكاب والارتكاب مجاز عن الإتيان بها. النووي: قال بارتكابها احترازاً من اعتقادها لأنه لو اعتقد حل بعض المحرمات المعلومة عن الدين بالضرورة كالخمر كفر بلا خلاف. قوله: (امرؤ) هو من نوادر الكلمات غذ حركة عين كلمته تابعة للامها في الأحوال الثلاث ومعناه رجل. قوله: (أن يشرك به) فإن قلت المفهوم من الآية أن مرتكب الشرك لا يغفر له لا أنه يكفر والترجمة إنما هي في الكفر لا في الغفر قلت الكفر وعدم الغفر عندنا متلازمان نعم عند المعتزلة صاحب الكبيرة الذي لم يتب عنها غير مغفول بل يخلد في النار وفي الكلام لف ونشر. قوله: (سليمان) هو أبو أيوب بن حرب بالباء الموحدة الأزدي البصري القاضي بمكة. و (شعبة) هو الإمام العلم أمير المؤمنين في الحديث وقد تقدم. قوله: (واصل) هو ابن حيان بالحاء المهملة والياء المثناة الأسدي الكوفي الأحدب بالموحدة توفي سنة عشرين ومائة. فإن قلت حيان ينصرف أم لا قلت إن أخذته من الحين ينصرف ومن الحياة فلا ينصرف. قوله: (المعرور) بالعين المهملة والراء المكررة أبو أمية بن سويد على صيغة المصغر الكوفي الأسدي قال الأعمش رايته وهو ابن مائة وعشرين سنة أسود الرأس واللحية روى له جماعة قوله: (أبا ذر) بتشديد الراء ويقال أبا الذر أيضاً هو جندب بضم الجيم وبضم الدال وفتحها ابن جنادة بضم الجيم وبالنون ابن سفيان الغفاري وغفار بكسر الغين المعجمة قبيلة من كنانة الصحابي الكبير أسلم قديماً كان رابع أربعة أو خامس خمسة أسلم بمكة ثم رجع إلى بلاده بإذن النبي ﷺ ثم قدم المدينة على رسول الله ﷺ وصحبه حتى توفى رسول الله ﷺ وحديث إسلامه وإقامته عند زمزم مشهور سيأتي في إسلام الصحابة وفضائلهم ﵃ روى له عن رسول الله ﷺ مائتا حديث وأحد وثمانون حديثاً ذكر البخاري منها أربعة عشر. سيرة عثمان ﵁ إلى الربذة وتوفي بها سنة اثنتين وثلاثين وصلى عليه ابن مسعود

стр. 139

فَقَالَ: إِنِّي سَابَبْتُ رَجُلاً فَعَيَّرْتُهُ بِأُمِّهِ، فَقَالَ لِي النَّبِيُّ ﷺ : يَا أَبَا ذَرٍّ، أَعَيَّرْتَهُ بِأُمِّهِ؟ إِنَّكَ امْرُؤٌ فِيكَ جَاهِلِيَّةٌ، إِخْوَانُكُمْ خَوَلُكُمْ، جَعَلَهُمُ اللهُ تَحْتَ أَيْدِيكُمْ، فَمَنْ كَانَ أَخُوهُ تَحْتَ يَدِهِ، فَلْيُطْعِمْهُ مِمَّا يَاكُلُ، وَلْيُلْبِسْهُ مِمَّا يَلْبَسُ ــ ودفنه بها ثم قدم ابن مسعود المدينة فأقام عشرة أيام وتوفي أيضاً والربذة براء ثم باء موحدة ثم ذال معجمة مفتوحات موضع قريب من المدينة منزل من منازل حاج العراق وكان مذهب أبي ذر أنه يحرم على الإنسان ادخار ما زاد على حاجته ﵁. قوله: (حلة) بضم الحاء ازار ورداء ولا يسمى حلة حتى يكون ثوبين وذلك إشارة إلى تساو بهما في لبس الحلة وإنما سأله لأن عادة العرب وغيرهم أن يكون ثياب المملوك دون سيده. قوله: (ساببت) أي شاتمت أو يكون بمعنى شتمت. و (رجلاً) كان عبداً لأن السياق يدل عليه. قوله: (فغيرته) أي نسبته إلى العار أي عيبته ويقال عيرته بكذا وعيرته كذا. فإن قلت هذا التعبير كان هو نفس السبب ذكر البخاري في كتاب الأدب أنه قال كان بيني وبين رجل كلام وكانت أمه أعجمية فنلت منها فكيف يضع الفاء بينهما وشرط المعطوفين مغايرتهما. قلت هما متغايران بحسب المفهوم من اللفظ ومثل هذه الفاء تسمى بالفاء التفسيرية وذلك نحو قوله: تعالى (فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم) حيث قالوا القتل هو نفس التوبة. قوله: (يا باذر) أصله يا أبا ذر فحذفت الهمزة للعلم بها تخفيفاً والاستفهام في أعيرته للتقرير أو للإنكار التوبيخي. قوله: (فيك جاهلية) معناه أنك في تعيير أمه فيك خلق من أخلاق الجاهلية وليس جاهلاً محضاً قيل أنه عير الرجل بسواد أمه كأن قال يا ابن السوداء. قوله: (خولكم) بفتح الواو وخول الرجل حشمه الواحد خايل وقد يكون الخول واحداً وهو اسم جمع يقع على العبد والأمة قال الفراء هو جمع خايل وهو الراعي وقال غيره هو مأخوذ من التخويل وهو التمليك وقيل الخول الخدم وسمواً به لأنهم يتخولون الأمور أي يصلحونها. فإن قلت أصل الكلام أن يقال خولكم إخوانكم لأن المقصود هو الحكم على الخول بالأخوة. قلت التقديم إما للاهتمام ببيان الأخوة وإما لحصر الخول على الإخوان أي ليسوا إلا إخوانا وقال بعض علماء المعاني المبتدأ والخبر إذا كانا معرفتين أي تعريف كان يفيد التركيب الحصر وإما أنه من باب القلب المورث لملاحة الكلام نحو: نم وإن لم أنم كراي كراكا * شاهدي الدمع إن ذاك كذاكا التيمي: كأنه قال هم إخوانكم ثم أراد إظهار هؤلاء الإخوان فقال خولكم. قوله: (تحت أيديكم) مجاز عن القدرة أو عن الملك والأخوة أيضاً ههنا مجاز عن مطلق القرابة لأن الكل أولاد

стр. 140

وَلَا تُكَلِّفُوهُمْ مَا يَغْلِبُهُمْ، فَإِنْ كَلَّفْتُمُوهُمْ فَأَعِينُوهُمْ. ــ آدم أو عن أخوة الإسلام والمماليك الكفرة إما أن تجعلهم في هذا الحكم تابعين للمماليك المؤمنة أو تخصص هذا الحكم بالمؤمنة. قوله: (فليطعمه) بضم الياء وكذا ليلبسه وأما يلبس فهو بالفتح فإن قلت ما الفائدة في العدول عن المطابقة حيث لم يقل مما يطعم كما قال مما يلبس قلت الطعم جاء بمعنى الذوق. الجوهري: يقال طعم يطعم طعماً إذا ذاق أو أكل. قال تعالى (ومن لم يطعمه فإنه مني) أي من لم يذقه فلو قال مما يطعم لتوهم أنه يجب الإذاقة مما يذوق وذلك غير واجب. فإن قلت هذه الأوامر الثلاثة هل هي للوجوب أم لا وكذا النهي هل هو للتحريم أم لا قلت اختلف العلماء في الأوامر والظاهر الوجوب لكن الأكثر على أنه للاستحباب وأما النهي فهو للتحريم اتفاقاً. قوله: (ولا تكلفوهم) التكليف تحميل الشخص شيئاً معه كلفة وقيل هو الأمر بما يشق. و (ما يغلبهم) أي ما يصير قدرتهم فيه مغلوبة أي ما يعجزون عنه لعظمه أو صعوبته أي لا يكلف ما لا يطيق أو يقرب منه وحذف المفعول الثاني من كلفتموهم وهو ما يغلبهم. قال ابن بطال: يريد أنك في تعييره بأمه على خلق من أخلاق الجاهلية لأنهم كانوا يتفاخرون بالأنساب فجهلت وعصيت الله تعالى في ذلك ولم يستحق بهذا الفعل أني كون كأهل الجاهلية في كفرهم بالله تعالى. وأقول فبين بهذا التقرير أن الحديث يعلم منه الأمران المذكوران في الترجمة قال وغرض البخاري فيه الرد على الخوارج في قوله: م المذنب من المؤمنين لا يخلد في النار كما دل عليه الآية (ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء) والمراد به من مات على الذنوب ولو كان المراد من تاب قبل الموت لم يكن للتفرقة بين الشرك وغيره معنى إذ التائب من الشرك قبل الموت مغفور له. أقول وفي ثبوت غرض البخاري من الرد عليهم دغدغة إذ لا نزاع في أن الصغيرة لا يكفر صاحبها والتعيير بنحو يا ابن السوداء صغيرة قال وفي الحديث النهي عن سب العبيد وتعييرهم بآبائهم والحض على الإحسان إليهم وإلى كل من يوافقهم في المعنى ممن جعله الله تحت يد ابن آدم كالأجير والخادم فلا يجوز لأحد أن يعير عبده بشيء من المكروه يعرفه في أصوله وخاصة نفسه إذ لا فضل لأحد على غيره إلا بالإسلام والتقى وروى أنه قال لأبي ذر أعيرته بأمه ارفع رأسك ما أنت بأفضل ممن ترى من الأحمر والأسود إلا أن تفضل في دين وقد روى أن بلالاً كان الذي عيره أبو ذر بأمه أي بسوادها فانطلق بلال إلى رسول الله ﷺ فشكى إليه تعييره بذلك فأمره رسول الله ﷺ أن يدعوه فملا جاء أبو ذر قال له رسول الله ﷺ شتمت بلالاً وعيرته بسواد أمه قال نعم قال له رسول الله ﷺ ما كنت أحسب أنه بقي في صدرك من كبر الجاهلية شيء

стр. 141

بابُ: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾.فَسَمَّاهُمُ المُؤْمِنِينَ. ٣٠ - حَدَّثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ المُبَارَكِ، حَدَّثنا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، حَدَّثنا أَيُّوبُ ــ فألقى أبو ذر نفسه إلى الأرض ثم وضع خده على التراب وقال والله لا أرفع خدي منها حتى بطأ بلال خدي بقدميه فوطئ خده بقدميه. النووي: وفيه أن الدواب ينبغي أن يحسن إليها ولا تكلف من العمل ما لا تطيق الدوام عليه وفيه النهي عن الترفع على المسلم وإن كان عبداً وفيه المحافظة على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وغير ذلك. قال البخاري ﵁: (باب وأن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله الآية) الطائفة القطعة من الشيء والمراد بها هنا الفرقة وقد تطلق الطائفة على الواحد والاثنين قال تعالى (فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة) والفرقة ثلاثة فالطائفة واحد أو اثنان واحتج به في قبول خبر الواحد وعلى الثلاثة قال تعالى (فلتقم طائفة منهم معك) والمراد بها الثلاثة بقرينة الجمع في قوله: تعالى (وليأخذوا أسلحتهم) وأقله ثلاثة على المختار وعلى الأربعة قال تعالى (وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين) والمراد أربعة لأنها نصاب البينة في الزنا الذي هو سبب عذابهما. فإن قلت الضمير أيضاً جمع في آية الإنذار فأقله أيضاً ثلاثة قلت الجمع بالنظر إلى الطوائف التي تجتمع من الفرق وفي الآية دليل على جواز قتال أهل البغي. فإن قلت قال أولاً اقتتلوا بلفظ الجمع وثانياً بينهما بلفظ التثنية فما توجيهه. قلت نظر في الأول إلى المعنى وفي الثاني إلى اللفظ وذلك سائغ شائع قوله: (فسماهم المؤمنين) أي سمى الله أهل القتال مؤمنين فعلم أن صاحب الكبيرة لا يخرج عن الإيمان ووقع في كثير من نسخ البخاري هذه الآية وحديث الأحنف ثم حديث أبي ذر في باب واحد بعد قول الله تعالى (ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء) وفي بعضها على الترتيب الذي ذكرناه. قوله: (عبد الرحمن) أبو بكر ويقال أبو محمد بن المبارك بن عبد الله العيشي بالمثنة التحتانية والشين المنقوطة البصري توفي سنة ثمان أو تسع أو عشرين ومائتين. قوله: (حماد) ابن زيد بن أرقم الأزدي البصري أبو إسمعيل الأزرق إجماع الحفاظ انعقد على جلالته ولد سنة ثمان وتسعين وتوفي في رمضان بالبصرة سنة تسع وتسعين ومائة وصلى عليه إسحاق بن سليمان الهاشمي وإلى البصرة من قبل هرون أمير المؤمنين وحدث عنه أبو الهيثم والثوري وبين وفاتيهما مائة سنة فأكثر. قوله: (أيوب) هو الإمام أبو بكر السختياني البصري التابعي سيد الفقهاء وقد مر في باب حلاوة الإيمان. قوله:

стр. 142

وَيُونُسُ، عَنِ الحَسَنِ، عَنِ الأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ، قَالَ: ذَهَبْتُ لأَنْصُرَ هَذَا الرَّجُلَ، فَلَقِيَنِي أَبُو بَكْرَةَ فَقَالَ: أَيْنَ تُرِيدُ؟ قُلْتُ: أَنْصُرُ هَذَا الرَّجُلَ، قَالَ: ارْجِعْ، فَإِنِّي سَمِعْتُ ــ (يونس) هو أبو عبد الله بن عبيد بن دينار العبدي مولى عبد القيس التابعي البصري وأقوال العلماء في وصفه بحسن الحفظ وغزارة الفضل مشهورة قال محمد بن عبد الله الأنصاري رأيت سليمان وعبد الله ابني علي بن عبد الله بن عباس وجعفراً ومحمداً ابني سليمان بن علي يحملون جنازته على أعناقهم فقال عبد الله هذا هو الشرف توفي سنة تسع وثلاثين ومائة. قوله: (الحسن) هو أبو سعيد بن أبي الحسن الأنصاري مولاهم البصري وأمه اسمها خيرة بالخاء المعجمة والمثناة التحتانية مولاة لأم سلمة زوج النبي ﷺ ولد الحسن أواخر خلافة عمر في المدينة وقيل أن أمه ربما كانت تغيب فيبكي الحسن فتعطيه أم سلمة أم المؤمنين ثديها تعلله إلى أن تجيء أمه فيدر ثديها فيشر به فيرون تلك الفصاحة والحكمة من بركتها ونشأ الحسن بوادي القرى وقال الحسن غزونا خراسان ومعنا ثلثمائة من أصحاب رسول الله ﷺ وعن محمد بن سعد كان الحسن جامعاً عالماً فقيهاً ثقة عابداً كثير العلم فصيحاً أجمل أهل البصرة حتى سقط عن دابته فحدث بأنفه ما حدث قدم مكة فأجلسوه على سرير واجتمع الناس عليه فحدثهم فقالوا لم نر مثله قط أجمع الأمة على جلالته وعظم قدره علماً وزهداً وفصاحة وديناً ودعاء إلى الخير وغير ذلك توفي سنة عشر ومائة قوله: (الأحنف) بالحاء المهملة والنون هو أبو بحر بن قيس التميمي البصري التابعي قالوا اسمه الضحاك وقيل صخر والأحنف لقبه أدرك زمن النبي ﷺ وأسلم على عهده ولم يره وفد إلى عمر ﵁ وهو الذي افتتح مروروذ وكان الإمامان الحسن وابن سيرين في جيشه قال الأحنف بينما أنا أطوف في زمن عثمان إذ أخذ بيدي رجل من بني ليث يعني صحابياً فقال ألا أبشرك فقلت بلى قال أتذكر إذ بعثني رسول الله ﷺ إلى قومك بني سعد فجعلت أعرض عليهم الإسلام وأدعوهم إليه فقلت أنت أنه ليدعو إلى خير وما أسمع إلا حسناً وإني ذكرت ذلك لرسول الله ﷺ فقال اللهم اغفر للأحنف فلا شيء عندي أرجى من ذلك ولد الأحنف ملتزق الآليتين حتى شق ما بينهما وكان أعور توفي سنة سبع وستين بالكوفة. قوله: (هذا الرجل) يعني علي بن أبي طالب ﵁ وقيل يعني عثمان. قوله: (أبو بكرة) أي نفيع بصيغة المصغر من المنفعة ابن الحارث بن كلدة بالكاف واللام والدال المفتوحات الثقفي كني بأبي

стр. 143

رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: إِذَا التَقَى المُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا، فَالقَاتِلُ وَالمَقْتُولُ فِي النَّارِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، هَذَا القَاتِلُ فَمَا بَالُ المَقْتُولِ؟ قَالَ: إِنَّهُ كَانَ حَرِيصًا عَلَى قَتْلِ صَاحِبِهِ. ــ بكرة لأنه كان أسلم في حصن الطائف وعجز عن الخروج منه فتدلى في النزول إلى رسول الله ﷺ منه ببكرة روي له عن رسول الله ﷺ مائة واثنان وثلاثون حديثاً ذكر البخاري منها ثلاثة عشر وكان ممن اعتزل يوم الجمل من الفريقين توفي بالبصرة سنة إحدى وخمسين وفي هذا الإسناد لطيفتان إحداهما أن رجاله كلهم من البصرة والثانية أن فيهم ثلاثة تابعيين يروي بعضهم عن بعض وهم الأحنف والحسن وأيوب مع يونس. قوله:: (أنصر) فإن قلت السؤال عن المكان والجواب عن الفعل فلا تطبق بينهما قلت المراد أريد مكاناً أنصر. قوله: (فالقاتل والمقتول في النار) فإن قلت القاتل والمقتول من الصحابة في الجنة إذا كان قتالهم عن الاجتهاد الواجب إتباعه قلت ذاك عند عدم الاجتهاد وعدم ظن أن فيه الصلاح الديني أما إذا اجتهد وظن الصلاح فيه فهم مأجوران مثابان من أصاب فله أجران ومن أخطأ فله أجر وما وقع بين الصحابة رضي الله تعالى عنهم هو من هذا القسم فالحديث ليس عاماً. فإن قلت فلم منع أبوب كرة الأحنف منه وامتنع بنفسه منه قلت ذلك ايضاً اجتهادي فكان اجتهاده أدى إلى الامتناع والمنع فهو أيضاً يثاب في ذلك فإن قلت لفظة في النار مشعرة بحقيقة مذهب المعتزلة حيث قالوا بوجوب العقاب للعاصي قلت لا إذ معناه حقهما أن يكونا في النار وقد يعفو الله عنهما نحو قوله: تعالى (فجزاؤه جهنم) معناه هذا جزاؤه وليس بلازم أن يجازى بها. قوله: (هذا القاتل) هو مبتدأ وخبر أي هذا يستحق النار لأنه قاتل فالمقتول لم يستحقه وهو مظلوم. قوله: (كان حريصاً) فإن قلت قالوا في قوله: تعالى (وعليها ما اكتسبت) اختيار باب الافتعال للأشعار بأنه لابد في الشر من الاعتمال والمعالجة بخلاف الخير فإنه بالنية المجردة فيه ويثاب عليه فما وجه كون المقتول بمجرد القصد في النار قال ﷺ (إن الله تجاوز لأمتي ما حدثت به أنفسها ما لم يتكلموا أو يعملوا به) وفي الحديث الآخر (إذا هم عبدي بسيئة فلا تكتبوها عليه) قلت من عزم على المعصية بقلبه ووطن نفسه عليها أثم في اعتقاده وعزمه ولهذا جاء بلفظ الحرص فيما نحن فيه ويحمل ما وقع في هذه الظواهر وأمثالها على أن ذلك فيما لم يوطن نفسه عليهم

стр. 144

بَابُ ظُلْمٌ دُونَ ظُلْمٍ . ٣١ - حَدَّثنا أَبُو الوَلِيدِ، قَالَ: حَدَّثنا شُعْبَةُ (ح) قَالَ: وحَدَّثَنِي بِشْرُ، قَالَ: حَدَّثنا مُحَمَّدُ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ سُلَيْمَانَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ ــ وإنما مر ذلك بفكره من غير استقرار ويسمى هذا هماً ويفرق بين الهم والعزم وأن هذا العزم يكتب سيئة فإذا عملها كتبت معصية ثانية. فإن قلت فلم أدخل الحرص على القتل وهو صغيرة في سلك القتل وهو كبيرة قلت أدخلهما في سلك واحد في مجرد كونهما في النار فقط وإن تفاوتا صغراً وكبراً وغير ذلك. النووي: فإن قيل أنما سماهما الله تعالى في الآية مؤمنين وسماهما النبي ﷺ في الحديث مسلمين حال الالتقاء لا حال القتال وبعده فالجواب دلالة الآية ظاهرة فإن في قوله: تعالى (فأصلحوا بين أخويكم) سماهما الله تعالى أخوين وأمر بالإصلاح بينهما ولأنهما عاصيان قبل القتال وهو من حين سعيا إليه وقصداه. وأما الحديث فمحمول على معنى الآية. قال البخاري ﵁ (باب ظلم دون ظلم) دون أما بمعنى غير يعني أنواع الظلم مختلفة متغايرة وإما بمعنى الأدنى يعني بعضها أشد من بعض في الظلمية وسوء عاقبتها. قوله: (أبو الوليد) يعني هشام بن عبد الملك الطيالسي الباهلي البصري قال أحمد بن عبد الله هو بصري ثبت في الحديث روى عن سبعين امرأة وكانت الرحلة إليه بعد أبي داود الطيالسي توفي سنة سبع وعشرين ومائتين بالبصرة وأما (شعبة) فقد مر مراراً. قوله: (بشر) هو بالموحدة المكسورة والشين المعجمة أبو محمد بن خالد العسكري المعروف بالفرائضي توفي سنة ثلاث وخمسين ومائتين. اعلم أن البخاري قد تحول من إسناد إلى إسناد آخر يعني له طريقان إلى شعبة فالأول الواسطة بينه وبين شعبة رجل واحد والثاني الواسطة بينهما رجلان وفي بعض النسخ كتب قبل وحدثني بشر لفظة ح إشارة إلى التحويل حائلاً بين الإسنادين ومر تحقيقه وقال في الأول حدثنا إذ لم يكن البخاري منفرداً به عند تحديثه وفي الثاني حدثني إذ كان منفرداً عنده. قوله: (محمد بن جعفر) هو أبو عبد الله محمد الهزلي البصري المعروف بغندر بضم الغين المعجمة والنون الساكنة والدال المهملة المفتوحة هو المشهور وحكى الجوهري ضمها والغندرة التشغيب وأهل الحجاز يسمون المشغب غندرا وسبب تسميته به أن ابن جريج قدم البصرة فاجتمع الناس عليه فحدث بحديث عن الحسن وأنكر الناس عليه وكان محمد يكثر الشغب عليه فقال اسكت يا غندر وجالس شعبة عشرين سنة وكان شعبة زوج أمه توفي بالبصرة سنة اثنتين أو ثلاث أو أربع وتسعين ومائة. قوله: (سليمان) هو الإمام أبو محمد بن مهران الأسدي الكاهلي الكوفي التابعي الأعمش رأى بعض الصحابة ولم يثبت له منهم سماع قال يحيى القطان كان

стр. 145

عَنْ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ ــ الأعمش من النساك وكان علامة الإسلام وقال عيسى بن يونس لم نر نحن ولا القرن الذي قبلنا مثل الأعمش وما رأيت السلاطين عند أحد أحقر منهم عند الأعمش مع فقره وحاجته. قال وكيع راح الأعمش إلى الجمعة وقد قلب الفروة جلدها على جلده وصوفها إلى خارج وعلى كتفه منديل الخوان مكان الرداء وقال يحيى بن معين كان جرير إذا حدث عن الأعمش قال هذا الديباج الخسرواني وكان شعبة إذا ذكر الأعمش قال المصحف المصحف سماه المصحف لصدقه وكان أبوه من سبي الديلم وكان فيه تشيع وكان يسمى بسيد المحدثين توفي سنة ثمان وأربعين ومائة. قوله: (إبراهيم) هو إمام أهل الكوفة أبو عمران بن يزيد بن قيس بن الأسود بن عمرو بن ربيعة بن ذهل بن سعد بن مالك بن النخع النخعي الكوفي التابعي المجمع على إمامته وجلالته علماً وعملاً رأى عائشة ﵂ ولم يثبت له منها سماع وكان أعور وحمل عنه العلم وهو ابن ثمان عشرة سنة قال الشعبي حين توفي النخعي ما ترك أحداً أعلم أو أفقه منه قالوا ولا الحسن ولا ابن سيرين قال ولا الحسن ولا ابن سيرين ولا من أهل البصرة والكوفة والحجاز وفي رواية ولا بالشام قال الأعمش كان إبراهيم صيرفي الحديث مات وهو مختف من الحجاج ولم يحضر جنازته إلا سبعة أنفس سنة ست وتسعين. قوله: (علقمة) هو ابن قيس بن عبد الله النخعي الكوفي عم والدة إبراهيم النخعي يكني أبا شبل ولم يولد له قط اتفق العلماء على عظم محله ورفعة قدره وكمال منزلته قال النخعي كان علقمة يشبه بعبد الله بن مسعود وقال بعضهم كان علقمة من الربانيين توفي سنة اثنتين وستين أو سبعين. قوله: (عبد الله) هو أبو عبد الرحمن بن مسعود ابن غافل بالغين المعجمة وبالفاء الكوفي الهذلي الصحابي الكبير الجليل أسلم بمكة قديماً وهاجر الهجرتين وشهد المشاهد وتقدم ذكره أول كتاب الإيمان ومناقبه لا تعد لكثرتها وفي الإسناد ثلاثة تابعيون كوفيون يروي بعضهم عن بعض الأعمش وإبراهيم وعلقمة والثلاثة حفاظ متقنون أئمة جلة فقهاء في نهاية من الجلالة. قوله: (لما نزلت) أي هذه الآية وتمامها (أولئك لهم الأمن وهم مهتدون) (ولم يلبسوا إيمانهم) أي لم يخلطوا. و (يظلم) في بعض النسخ وجد بعده لفظة نفسه أي الصحابة فهموا الظلم على الإطلاق فشق عليهم فبين الله أن المراد الظلم المقيد وهو الظلم الذي لا ظلم بعده. فإن قلت من أين لزم أن من لبس الإيمان بظلم لا يكون آمناً ولا مهتدياً حتى شق عليهم قلت من تقديم لهم على الأمن أي لهم الأمن لا لغيرهم ومن تقديم هم على مهتدون. قال الزمخشري في قوله: تعالى (كلمة هو قائلها) أنه للتخصيص أي هو قائلها لا غيره. فإن قلت لا يلزم من قوله:
следующие страницы →