Полный текст (5 685 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
بابُ: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾.فَسَمَّاهُمُ المُؤْمِنِينَ.
٣٠ - حَدَّثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ المُبَارَكِ، حَدَّثنا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، حَدَّثنا أَيُّوبُ
ــ
فألقى أبو ذر نفسه إلى الأرض ثم وضع خده على التراب وقال والله لا أرفع خدي منها حتى بطأ بلال خدي بقدميه فوطئ خده بقدميه. النووي: وفيه أن الدواب ينبغي أن يحسن إليها ولا تكلف من العمل ما لا تطيق الدوام عليه وفيه النهي عن الترفع على المسلم وإن كان عبداً وفيه المحافظة على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وغير ذلك. قال البخاري ﵁:
(باب وأن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله الآية) الطائفة القطعة من الشيء والمراد بها هنا الفرقة وقد تطلق الطائفة على الواحد والاثنين قال تعالى (فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة) والفرقة ثلاثة فالطائفة واحد أو اثنان واحتج به في قبول خبر الواحد وعلى الثلاثة قال تعالى (فلتقم طائفة منهم معك) والمراد بها الثلاثة بقرينة الجمع في قوله: تعالى (وليأخذوا أسلحتهم) وأقله ثلاثة على المختار وعلى الأربعة قال تعالى (وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين) والمراد أربعة لأنها نصاب البينة في الزنا الذي هو سبب عذابهما. فإن قلت الضمير أيضاً جمع في آية الإنذار فأقله أيضاً ثلاثة قلت الجمع بالنظر إلى الطوائف التي تجتمع من الفرق وفي الآية دليل على جواز قتال أهل البغي. فإن قلت قال أولاً اقتتلوا بلفظ الجمع وثانياً بينهما بلفظ التثنية فما توجيهه. قلت نظر في الأول إلى المعنى وفي الثاني إلى اللفظ وذلك سائغ شائع قوله: (فسماهم المؤمنين) أي سمى الله أهل القتال مؤمنين فعلم أن صاحب الكبيرة لا يخرج عن الإيمان ووقع في كثير من نسخ البخاري هذه الآية وحديث الأحنف ثم حديث أبي ذر في باب واحد بعد قول الله تعالى (ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء) وفي بعضها على الترتيب الذي ذكرناه. قوله: (عبد الرحمن) أبو بكر ويقال أبو محمد بن المبارك بن عبد الله العيشي بالمثنة التحتانية والشين المنقوطة البصري توفي سنة ثمان أو تسع أو عشرين ومائتين. قوله: (حماد) ابن زيد بن أرقم الأزدي البصري أبو إسمعيل الأزرق إجماع الحفاظ انعقد على جلالته ولد سنة ثمان وتسعين وتوفي في رمضان بالبصرة سنة تسع وتسعين ومائة وصلى عليه إسحاق بن سليمان الهاشمي وإلى البصرة من قبل هرون أمير المؤمنين وحدث عنه أبو الهيثم والثوري وبين وفاتيهما مائة سنة فأكثر. قوله: (أيوب) هو الإمام أبو بكر السختياني البصري التابعي سيد الفقهاء وقد مر في باب حلاوة الإيمان. قوله:
стр. 142
وَيُونُسُ، عَنِ الحَسَنِ، عَنِ الأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ، قَالَ: ذَهَبْتُ لأَنْصُرَ هَذَا الرَّجُلَ، فَلَقِيَنِي أَبُو بَكْرَةَ فَقَالَ: أَيْنَ تُرِيدُ؟ قُلْتُ: أَنْصُرُ هَذَا الرَّجُلَ، قَالَ: ارْجِعْ، فَإِنِّي سَمِعْتُ
ــ
(يونس) هو أبو عبد الله بن عبيد بن دينار العبدي مولى عبد القيس التابعي البصري وأقوال العلماء في وصفه بحسن الحفظ وغزارة الفضل مشهورة قال محمد بن عبد الله الأنصاري رأيت سليمان وعبد الله ابني علي بن عبد الله بن عباس وجعفراً ومحمداً ابني سليمان بن علي يحملون جنازته على أعناقهم فقال عبد الله هذا هو الشرف توفي سنة تسع وثلاثين ومائة. قوله: (الحسن) هو أبو سعيد بن أبي الحسن الأنصاري مولاهم البصري وأمه اسمها خيرة بالخاء المعجمة والمثناة التحتانية مولاة لأم سلمة زوج النبي ﷺ ولد الحسن أواخر خلافة عمر في المدينة وقيل أن أمه ربما كانت تغيب فيبكي الحسن فتعطيه أم سلمة أم المؤمنين ثديها تعلله إلى أن تجيء أمه فيدر ثديها فيشر به فيرون تلك الفصاحة والحكمة من بركتها ونشأ الحسن بوادي القرى وقال الحسن غزونا خراسان ومعنا ثلثمائة من أصحاب رسول الله ﷺ وعن محمد بن سعد كان الحسن جامعاً عالماً فقيهاً ثقة عابداً كثير العلم فصيحاً أجمل أهل البصرة حتى سقط عن دابته فحدث بأنفه ما حدث قدم مكة فأجلسوه على سرير واجتمع الناس عليه فحدثهم فقالوا لم نر مثله قط أجمع الأمة على جلالته وعظم قدره علماً وزهداً وفصاحة وديناً ودعاء إلى الخير وغير ذلك توفي سنة عشر ومائة قوله: (الأحنف) بالحاء المهملة والنون هو أبو بحر بن قيس التميمي البصري التابعي قالوا اسمه الضحاك وقيل صخر والأحنف لقبه أدرك زمن النبي ﷺ وأسلم على عهده ولم يره وفد إلى عمر ﵁ وهو الذي افتتح مروروذ وكان الإمامان الحسن وابن سيرين في جيشه قال الأحنف بينما أنا أطوف في زمن عثمان إذ أخذ بيدي رجل من بني ليث يعني صحابياً فقال ألا أبشرك فقلت بلى قال أتذكر إذ بعثني رسول الله ﷺ إلى قومك بني سعد فجعلت أعرض عليهم الإسلام وأدعوهم إليه فقلت أنت أنه ليدعو إلى خير وما أسمع إلا حسناً وإني ذكرت ذلك لرسول الله ﷺ فقال اللهم اغفر للأحنف فلا شيء عندي أرجى من ذلك ولد الأحنف ملتزق الآليتين حتى شق ما بينهما وكان أعور توفي سنة سبع وستين بالكوفة. قوله: (هذا الرجل) يعني علي بن أبي طالب ﵁ وقيل يعني عثمان. قوله: (أبو بكرة) أي نفيع بصيغة المصغر من المنفعة ابن الحارث بن كلدة بالكاف واللام والدال المفتوحات الثقفي كني بأبي
стр. 143
رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: إِذَا التَقَى المُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا، فَالقَاتِلُ وَالمَقْتُولُ فِي النَّارِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، هَذَا القَاتِلُ فَمَا بَالُ المَقْتُولِ؟ قَالَ: إِنَّهُ كَانَ حَرِيصًا عَلَى قَتْلِ صَاحِبِهِ.
ــ
بكرة لأنه كان أسلم في حصن الطائف وعجز عن الخروج منه فتدلى في النزول إلى رسول الله ﷺ منه ببكرة روي له عن رسول الله ﷺ مائة واثنان وثلاثون حديثاً ذكر البخاري منها ثلاثة عشر وكان ممن اعتزل يوم الجمل من الفريقين توفي بالبصرة سنة إحدى وخمسين وفي هذا الإسناد لطيفتان إحداهما أن رجاله كلهم من البصرة والثانية أن فيهم ثلاثة تابعيين يروي بعضهم عن بعض وهم الأحنف والحسن وأيوب مع يونس. قوله:: (أنصر) فإن قلت السؤال عن المكان والجواب عن الفعل فلا تطبق بينهما قلت المراد أريد مكاناً أنصر. قوله: (فالقاتل والمقتول في النار) فإن قلت القاتل والمقتول من الصحابة في الجنة إذا كان قتالهم عن الاجتهاد الواجب إتباعه قلت ذاك عند عدم الاجتهاد وعدم ظن أن فيه الصلاح الديني أما إذا اجتهد وظن الصلاح فيه فهم مأجوران مثابان من أصاب فله أجران ومن أخطأ فله أجر وما وقع بين الصحابة رضي الله تعالى عنهم هو من هذا القسم فالحديث ليس عاماً. فإن قلت فلم منع أبوب كرة الأحنف منه وامتنع بنفسه منه قلت ذلك ايضاً اجتهادي فكان اجتهاده أدى إلى الامتناع والمنع فهو أيضاً يثاب في ذلك فإن قلت لفظة في النار مشعرة بحقيقة مذهب المعتزلة حيث قالوا بوجوب العقاب للعاصي قلت لا إذ معناه حقهما أن يكونا في النار وقد يعفو الله عنهما نحو قوله: تعالى (فجزاؤه جهنم) معناه هذا جزاؤه وليس بلازم أن يجازى بها. قوله: (هذا القاتل) هو مبتدأ وخبر أي هذا يستحق النار لأنه قاتل فالمقتول لم يستحقه وهو مظلوم. قوله: (كان حريصاً) فإن قلت قالوا في قوله: تعالى (وعليها ما اكتسبت) اختيار باب الافتعال للأشعار بأنه لابد في الشر من الاعتمال والمعالجة بخلاف الخير فإنه بالنية المجردة فيه ويثاب عليه فما وجه كون المقتول بمجرد القصد في النار قال ﷺ (إن الله تجاوز لأمتي ما حدثت به أنفسها ما لم يتكلموا أو يعملوا به) وفي الحديث الآخر (إذا هم عبدي بسيئة فلا تكتبوها عليه) قلت من عزم على المعصية بقلبه ووطن نفسه عليها أثم في اعتقاده وعزمه ولهذا جاء بلفظ الحرص فيما نحن فيه ويحمل ما وقع في هذه الظواهر وأمثالها على أن ذلك فيما لم يوطن نفسه عليهم
стр. 144
بَابُ ظُلْمٌ دُونَ ظُلْمٍ .
٣١ - حَدَّثنا أَبُو الوَلِيدِ، قَالَ: حَدَّثنا شُعْبَةُ (ح) قَالَ: وحَدَّثَنِي بِشْرُ، قَالَ: حَدَّثنا مُحَمَّدُ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ سُلَيْمَانَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ
ــ
وإنما مر ذلك بفكره من غير استقرار ويسمى هذا هماً ويفرق بين الهم والعزم وأن هذا العزم يكتب سيئة فإذا عملها كتبت معصية ثانية. فإن قلت فلم أدخل الحرص على القتل وهو صغيرة في سلك القتل وهو كبيرة قلت أدخلهما في سلك واحد في مجرد كونهما في النار فقط وإن تفاوتا صغراً وكبراً وغير ذلك. النووي: فإن قيل أنما سماهما الله تعالى في الآية مؤمنين وسماهما النبي ﷺ في الحديث مسلمين حال الالتقاء لا حال القتال وبعده فالجواب دلالة الآية ظاهرة فإن في قوله: تعالى (فأصلحوا بين أخويكم) سماهما الله تعالى أخوين وأمر بالإصلاح بينهما ولأنهما عاصيان قبل القتال وهو من حين سعيا إليه وقصداه. وأما الحديث فمحمول على معنى الآية. قال البخاري ﵁ (باب ظلم دون ظلم) دون أما بمعنى غير يعني أنواع الظلم مختلفة متغايرة وإما بمعنى الأدنى يعني بعضها أشد من بعض في الظلمية وسوء عاقبتها. قوله: (أبو الوليد) يعني هشام بن عبد الملك الطيالسي الباهلي البصري قال أحمد بن عبد الله هو بصري ثبت في الحديث روى عن سبعين امرأة وكانت الرحلة إليه بعد أبي داود الطيالسي توفي سنة سبع وعشرين ومائتين بالبصرة وأما (شعبة) فقد مر مراراً. قوله: (بشر) هو بالموحدة المكسورة والشين المعجمة أبو محمد بن خالد العسكري المعروف بالفرائضي توفي سنة ثلاث وخمسين ومائتين. اعلم أن البخاري قد تحول من إسناد إلى إسناد آخر يعني له طريقان إلى شعبة فالأول الواسطة بينه وبين شعبة رجل واحد والثاني الواسطة بينهما رجلان وفي بعض النسخ كتب قبل وحدثني بشر لفظة ح إشارة إلى التحويل حائلاً بين الإسنادين ومر تحقيقه وقال في الأول حدثنا إذ لم يكن البخاري منفرداً به عند تحديثه وفي الثاني حدثني إذ كان منفرداً عنده. قوله: (محمد بن جعفر) هو أبو عبد الله محمد الهزلي البصري المعروف بغندر بضم الغين المعجمة والنون الساكنة والدال المهملة المفتوحة هو المشهور وحكى الجوهري ضمها والغندرة التشغيب وأهل الحجاز يسمون المشغب غندرا وسبب تسميته به أن ابن جريج قدم البصرة فاجتمع الناس عليه فحدث بحديث عن الحسن وأنكر الناس عليه وكان محمد يكثر الشغب عليه فقال اسكت يا غندر وجالس شعبة عشرين سنة وكان شعبة زوج أمه توفي بالبصرة سنة اثنتين أو ثلاث أو أربع وتسعين ومائة. قوله: (سليمان) هو الإمام أبو محمد بن مهران الأسدي الكاهلي الكوفي التابعي الأعمش رأى بعض الصحابة ولم يثبت له منهم سماع قال يحيى القطان كان
стр. 145
عَنْ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾
ــ
الأعمش من النساك وكان علامة الإسلام وقال عيسى بن يونس لم نر نحن ولا القرن الذي قبلنا مثل الأعمش وما رأيت السلاطين عند أحد أحقر منهم عند الأعمش مع فقره وحاجته. قال وكيع راح الأعمش إلى الجمعة وقد قلب الفروة جلدها على جلده وصوفها إلى خارج وعلى كتفه منديل الخوان مكان الرداء وقال يحيى بن معين كان جرير إذا حدث عن الأعمش قال هذا الديباج الخسرواني وكان شعبة إذا ذكر الأعمش قال المصحف المصحف سماه المصحف لصدقه وكان أبوه من سبي الديلم وكان فيه تشيع وكان يسمى بسيد المحدثين توفي سنة ثمان وأربعين ومائة. قوله: (إبراهيم) هو إمام أهل الكوفة أبو عمران بن يزيد بن قيس بن الأسود بن عمرو بن ربيعة بن ذهل بن سعد بن مالك بن النخع النخعي الكوفي التابعي المجمع على إمامته وجلالته علماً وعملاً رأى عائشة ﵂ ولم يثبت له منها سماع وكان أعور وحمل عنه العلم وهو ابن ثمان عشرة سنة قال الشعبي حين توفي النخعي ما ترك أحداً أعلم أو أفقه منه قالوا ولا الحسن ولا ابن سيرين قال ولا الحسن ولا ابن سيرين ولا من أهل البصرة والكوفة والحجاز وفي رواية ولا بالشام قال الأعمش كان إبراهيم صيرفي الحديث مات وهو مختف من الحجاج ولم يحضر جنازته إلا سبعة أنفس سنة ست وتسعين. قوله: (علقمة) هو ابن قيس بن عبد الله النخعي الكوفي عم والدة إبراهيم النخعي يكني أبا شبل ولم يولد له قط اتفق العلماء على عظم محله ورفعة قدره وكمال منزلته قال النخعي كان علقمة يشبه بعبد الله بن مسعود وقال بعضهم كان علقمة من الربانيين توفي سنة اثنتين وستين أو سبعين. قوله: (عبد الله) هو أبو عبد الرحمن بن مسعود ابن غافل بالغين المعجمة وبالفاء الكوفي الهذلي الصحابي الكبير الجليل أسلم بمكة قديماً وهاجر الهجرتين وشهد المشاهد وتقدم ذكره أول كتاب الإيمان ومناقبه لا تعد لكثرتها وفي الإسناد ثلاثة تابعيون كوفيون يروي بعضهم عن بعض الأعمش وإبراهيم وعلقمة والثلاثة حفاظ متقنون أئمة جلة فقهاء في نهاية من الجلالة. قوله: (لما نزلت) أي هذه الآية وتمامها (أولئك لهم الأمن وهم مهتدون) (ولم يلبسوا إيمانهم) أي لم يخلطوا. و (يظلم) في بعض النسخ وجد بعده لفظة نفسه أي الصحابة فهموا الظلم على الإطلاق فشق عليهم فبين الله أن المراد الظلم المقيد وهو الظلم الذي لا ظلم بعده. فإن قلت من أين لزم أن من لبس الإيمان بظلم لا يكون آمناً ولا مهتدياً حتى شق عليهم قلت من تقديم لهم على الأمن أي لهم الأمن لا لغيرهم ومن تقديم هم على مهتدون. قال الزمخشري في قوله: تعالى (كلمة هو قائلها) أنه للتخصيص أي هو قائلها لا غيره. فإن قلت لا يلزم من قوله:
стр. 146
قَالَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ ﷺ : أَيُّنَا لَمْ يَظْلِمْ؟ فَأَنْزَلَ اللهُ: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾.
بَابُ عَلَامَةِ المُنَافِقِ .
٣٢ - حَدَّثنا سُلَيْمَانُ أَبُو الرَّبِيعِ، قَالَ: حَدَّثنا إِسْمَاعِيلُ
ــ
تعالى (إن الشرك لظلم عظيم) أي غير الشرك لا يكون ظلماً. قلت التنوين في بظلم للتعظيم فكأنه قال لم يلبسوا إيمانهم بظلم عظيم فلما تبين أن الشرك ظلم عظيم علم أن المراد لم يلبسوا إيمانهم بشرك. فإن قلت لم ينحصر الظلم العظيم على الشرك. قلت عظمة هذا الظلم معلومة بنص الشارع وعظمة غيره غير معلومة والأصل عدمها. فإن قلت كيف دل القصة على الترجمة. قلت لما علم أن بعض أنواع الظلم كفر وبعضها ليس بكفر فبعضها دون بعض ضرورة. النووي: روى البخاري هذا الحديث هنا وفي كتاب التفسير هكذا ورواه مسلم في صحيحه فقال فيه (قالوا أينا لم يظلم نفسه فقال ﷺ ليس هو كما تظنون إنما هو كما قال لقمان لابنه يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم) فهاتان الروايتان تفسر إحداهما الأخرى ومعناه أنه لما شقت عليهم ذلك أنزل الله تعالى (إن الشرك لظلم عظيم) فقال رسول الله ﷺ بعد ذلك ليس الظن الذي وقع لكم كما تظنون إنما المراد بالظلم كما قال لقمان قال وفي الحديث دلالة على أن المعاصي لا تكون كفراً وأن الظلم على ضربين كما ترجم له وأن تأخير البيان جائز إلى وقت الحاجة. الخطابي: إنما شق عليهم لأن ظاهر الظلم الأفتيات بحقوق الناس والإفتيات السبق إلى الشيء وما ظلموا به أنفسهم من ارتكاب المعاصي فظنوا أن المراد ههنا معناه الظاهر فأنزل الله تعالى الآية وأصل الظلم وضع الشيء في غير موضعه ومن جعل العبادة وأثبت الربوبية لغير الله فهو ظالم بل أظلم الظالمين. التيمي: معنى الآية لم يفسدوا إيمانهم ويبطلوه بكفر لأن الخلط بينهما لا يتصور أي لم يخلطوا صفة الكفر بصفة الإيمان فتحصل لهم الصفتان إيمان متقدم وكفر متأخر بأن كفروا بعد إيمانهم ويجوز أن يكون معناه ينافقوا فيجمعوا بينهما ظاهراً وباطناً وإن كانا لا يجتمعان قال ابن بطال مقصود الباب أن تمام الإيمان بالعمل وأن المعاصي ينقص بها الإيمان وأن لا يخرج صاحبها إلى الكفر والناس مختلفون فيه على قدر صغر المعاصي وكبرها وفيه من الفقه أن المفسر يقضي على المجمل وقد احتج بالحديث من قال الكلام حكمه العموم حتى يأتي دليل الخصوص قال البخاري ﵁ (باب علامات المنافق) المنافق هو المظهر لما يبطن خلافه وفي الاصطلاح
стр. 147
ابْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ: حَدَّثنا نَافِعُ بْنُ مَالِكِ بْنِ أَبِي عَامِرٍ أَبُو سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: آيَةُ المُنَافِقِ ثَلَاثٌ: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ.
٣٣ - حَدَّثنا قَبِيصَةُ بْنُ عُقْبَةَ، قَالَ
ــ
المتقدم هو الذي يظهر الإسلام ويبطن الكفر وسمى المنافق به لأنه يستر كفره فشبه بالذي يدخل النفق وهو السرب الذي في الأرض وله مخلص إلى مكان آخر فيستتر به وقيل هو من نافقاء اليربوع فإن إحدى جحريه يقال لها النافقاء وهو موضع يرققه بحيث إذا ضرب رأسه عليه ينشق وهو يكتمها ويظهر غيرها فإذا أتى الصائد إليه من قبل القاصعاء وهو جحره الظاهر الذي يقصع فيه أي يدخل فيه ضرب النافقاء برأسه فانتفق أي خرج فكما أن اليربوع يكتم النافقاء ويظهر القاصعاء كذلك المنافق يكتم الكفر ويظهر الإيمان أو يدخل في الشرع من باب ويخرج من آخر ويناسبه من وجه آخر وهو أن النافقاء ظاهره يرى كالأرض وباطنه حفر فيها فكذا المنافق. قوله: (سليمان) هو ابن أبي داود الزهراني العتكي المكني بأبي الربيع سكن بغداد وانتقل إلى البصرة وتوفي بها سنة أربع وثلاثين ومائتين. قوله: (إسمعيل) هو ابن إبراهيم بن جعفر بن أبي كثير الأنصاري المدني قارئ أهل مدينة رسول الله ﷺ وكان مؤذناً ببغداد لعلي بن المهدي وتوفي بها عام ثمانين ومائة. قوله: (نافع) هو أبو سهيل عم مالك بن أنس الإمام المشهور. قوله: (عن أبيه) أي مالك بن أبي عامر وهو ابن أنس الأصبحي المدني التابعي جد الإمام مالك المذكور توفي سنة اثنتي عشرة ومائة وأما أبو هريرة فقد تقدم ورجال الإسناد كلهم مدنيون إلا أبا الربيع. قوله: (آية المنافق) أي علامته وسميت آية القرآن آية لأنها علامة انقطاع كلام عن كلام. فإن قلت الآية مفردة والظاهر يقتضي أن يقال الآيات ثلاث. قلت إما أن يقال كل من الثلاث آية حتى لو وجدت خصلة واحدة يكون صاحبها منافقاً أو أن يقال كل الثلاث معاً آية حتى إذا اجتمعت تكون آية واحدة فعلى الأول المراد منها جنس الآية وعلى الثاني معناه الآية اجتماع هذه الثلاث. قوله: (كذب) الكذب هو الإخبار على خلاف الواقع (والوعد) الإخبار بإيصال الخير في المستقبل (والإخلاف) جعل الوعد خلافاً وقيل هو عدم الوفاء به والائتمان جعل الشخص أميناً و (ائتمن) بصيغة المجهول وفي بعض الروايات بتشديد التاء وهو بقلب الهمزة الثانية منه واواً وإبدال الواو تاء وإدغام التاء في التاء (والخيانة) التصرف
стр. 148
في الأمانة على خلاف الشرع. فإن قلت الجمل الشرطية بيان لثلاث أو بدل لكن لا يصح أن يقال الآية إذا حدث كذب فما وجهه. قلت معناه آية المنافق كذبه عند تحديثه وذلك مثل قوله: تعالى (فيه آيات بينات مقام إبراهيم ومن دخله كان آمناً) على أحد التوجيهات. فإن قلت الوعد تحديث خاص فما معنى عطفه على التحديث والخاص إذا عطف على العام لا يخرج من تحت العام فالآية اثنتان لا ثلاث. قلت لما كان لازم الوعد الإخلاف الذي قد يكون فعلاً وهو غير الكذب الذي لازم التحديث وهو لا يكون فعلاً جعلاً متغايرين نظراً إلى اعتبار تغاير لازميهما أو جعل الوعد حقيقة أخرى غير داخلة تحت حقيقة التحديث على سبيل الادعاء لزيادة قبحه كما يدعي أن جبريل ﵇ نوع آخر غير الملائكة لزيادة شرفه. قال الشاعر:
فإن تفق الأنام وأنت منهم فإن المسك بعض دم الغزال
وإنما خصص الثلاث بالذكر لأنها مشتملة على المخالفة التي عليها مبنى النفاق من مخالفة السر العلن واعلم أن جماعة من العلماء عدوا هذا الحديث مشكلاً من حيث أن هذه الخصال قد توجد في المسلم المصدق بقلبه ولسانه مع أن الإجماع حاصل على أنه لا يحكم بكفره ولا بنفاق يجعله في الدرك الأسفل من النار. النووي: ليس في الحديث أشكال إذ معناه أن هذه خصال نفاق وصاحبها شبيه بالمنافق في هذه ومتخلق بأخلاقهم إذ النفاق إظهار ما يبطن خلافه وهو موجود في صاحب هذه الخصال ويكون نفاقه خاصاً في حق من حدثه ووعده وائتمنه لا أنه منافق في الإسلام مبطن للكفر وقال بعض العلماء هذا فيمن كانت هذه الخصال غالبة عليه فأما من ندر فيه ذلك فليس داخلاً فيه. الطيبي: الإتيان بالجملة الشرطية مقارنة بإذا الدالة على تحقق الوقوع يدل على أن هذه عادتهم وقال الخطابي كلمة إذا تقتضي تكرار الفعل وأقول وفي كون إذا دليلاً على أنها عادتهم أو أنها تقتضي تكرار الفعل تطويل الأولى أن يقال حذف المفعول من حدث ونحوه دليل على العموم أو الإطلاق فكأنه قال إذا حدث في كل شيء كذب فيه أو إذا أوجد ماهية التحديث كذب ولاشك أن مثله منافق في الدين وقال جماعة المراد به المنافقون الذين كانوا في زمن النبي ﷺ فحدثوا بإيمانهم فكذبوا ووعدوا في نصر الدين فأخلفوا وائتمنوا في دنياهم فخانوا وقال الخطابي معناه أن الإنذار للمسلم والتحذير له أن لا يعتاد هذه الخصال خوفاً أن يفضي بها إلى النفاق وقال النفاق ضربان أحدهما أن يظهر صاحبه الدين وهو مبطن للكفر وعليه كانوا في عهد رسول الله ﷺ والآخر ترك المحافظة على أمور الدين سراً ومراعاتها علناً وهذا أيضاً يسمى نفاقاً كما جاء (سباب المسلم فسق وقتاله كفر) وإنما هو كفر دون كفر وفسق دون فسق كذلك هو نفاق دون نفاق وقال بعضهم ورد الحديث في رجل بعينه منافق وكان رسول الله ﷺ لا يواجههم بصريح القول
стр. 149
فيقول فلان منافق بل يشير إشارة كقوله: ﷺ ما بال أقوام يفعلون كذا فههنا إشارة بالآية إليه حتى يعرف ذلك الشخص بها. أقول فلدفع الأشكال خمسة أوجه لأن اللام إما للجنس فهو إما على سبيل التشبيه أو أن المراد الاعتياد أو معناه الإنذار وإما للعهد إما من منافقي زمن رسول الله ﷺ وإما منافق خاص بشخص بعينه وههنا وجه سادس للدفع وهو أن المراد بالنفاق النفاق العملي لا النفاق الإيماني إذ النفاق نوعان كما يستفاد من كلام الخطابي وأحسن الوجوه وهو السابع بأن يقال النفاق شرعي وهو ما يبطن الكفر ويظهر الإسلام وعرفي وهو ما يكون سره خلاف علنه وهذا هو المراد إن شاء الله تعالى. يحكى أن رجلاً من البصرة قدم مكة حاجا فجلس في مجلس عطاء بن أبي رباح فقال سمعت الحسن يقول من كان فيه ثلاث خصال لم أتحرج أن أقول أنه منافق فقال له عطاء إذا رجعت إلى الحسن فقل له إن عطاء يقرئك السلام ويقول لك ما تقول في بني يعقوب ﵇ أخوة يوسف إذ حدثوا فكذبوا ووعدوا فأخلفوا وائتمنوا فخانوا أفكانوا منافقين فلما قال هذا للحسن سر الحسن به وقال جزاك الله خيراً ثم قال لأصحابه إذا سمعتم مني حديثاً فاصنعوا مثل ما صنع أخوكم حدثوا به العلماء فما كان منه صواباً فحسن وإن كان غير ذلك ردوا على جوابه وعن مقاتل بن حيان أنه سأل سعيد بن جبير عن هذا الحديث وقال هذه مسألة قد أفسدت علي معيشتي لأني أظن أني لا أسلم من هذه الثلاث أو من بعضها فضحك سعيد وقال أهمني ما أهمك فأتيت ابن عمر وابن عباس فقصصت عليهما فضحكا وقالا أهمنا والله يا ابن أخي مثل الذي أهمك من هذا الحديث فسألنا النبي ﷺ عنه فضحك وقال مالكم ولهن أما قولي إذا حدث كذب فذلك فيما أنزل الله على (والله يشهد أن المنافقين لكاذبون) وأما إذا وعد أخلف فذلك في قوله: تعالى (فأعقبهم نفاقاً في قلوبهم على يوم يلقونه بما أخلفوا الله ما وعدوه) وأما إذا ائتمن خان فذلك فيما أنزل الله تعالى (إنا عرضنا الأمانة) وأنتم براء من ذلك. قوله: (حدثنا قبيصة) بفتح القاف والموحدة المكسورة والصاد المهملة (ابن عقبة) بالمهملة المضمومة والقاف الساكنة هو أبو عامر السوائي بضم السين المهملة وتخفيف الواو وكسر الهمزة بعد الألف الكوفي من بني عامر بن صعصعة وكان من عباد الله الصالحين قالوا سمع من سفيان صغيراً فلم يضبط منه كما هو حقه فهو حجة إلا فيما روي عن سفيان. قال النووي: ويكفي في جلالته احتجاج البخاري به في مواضع غير هذا وأما هذا الموضع فقد يقال إنما ذكره متابعة لا متأصلاً وأقول ليس ذكره في هذا الموضع على طريق المتابعة لمخالفة هذا الحديث ما تقدم لفظاً ومعنى من جهات كالاختلاف في ثلاث وأربع وكزيادة لفظ خالصاً وقال جعفر بن حمدويه: كنا على باب قبيصة ومعنا ابن مالك الجبل ومعه
стр. 150
حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُرَّةَ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ
ــ
الخدم فدق الباب على قبيصة فأبطأ بالخروج فعاوده الخدم وقالوا ابن مالك الجبل على الباب ومعه الخدم وأنت لا تخرج إليه قال فخرج وفي طرف إزاره كسيرات من الخبز فقال رجل رضي من الدنيا بهذه ما يصنع بابن مالك الجبل والله لا أحدثه أبداً فلم يحدثه توفي سنة خمس عشرة ومائتين. قوله: (سفيان) بالحركات الثلاث في سينه هو الإمام الكبير والعالم الرباني أحد أصحاب المذاهب الستة المتبوعة المتفق على ارتفاع منزلته وكثرة علومه وصلابة دينه القائم بالحق غير خائف في الله لومة لائم أبو عبد الله ابن سعيد الثوري منسوباً إلى أحد أجداده المسمى بثور الكوفي وهو من تابعي التابعين قال ابن عاصم سفيان أمير المؤمنين في الحديث وقال ابن المبارك كتبت عن ألف شيخ ومائة ما كتبت عن أفضل من الثوري وقال ابن معين كل من خالف الثوري فالقول قول الثوري وقال ابن عيينة أنا من غلمان الثوري وكان وهيب يقدم سفيان في الحفظ على مالك روى أن أبا جعفر الخليفة بعث الخشابين أمامه حين خرج إلى مكة وقال إذا رأيتم سفيان فاصلبوه فوصل النجارون إلى مكة ونصبوا الخشب فنودي سفيان فإذا رأسه في حجر الفضل بن عياض ورجله في حجر ابن عيينة فقالوا يا أبا عبد الله لا تشمت بنا الأعداء فتقدم إلى أستار الكعبة فأخذها وقال برئت منها إن دخل أبو جعفر فمات أبو جعفر قبل أن يدخل مكة وانتقل سفيان إلى البصرة فمات فيها متوارياً من سلطانها ودفن عشاء سنة ستين ومائة. قوله: (الأعمش) هو سليمان ابن مهران بكسر الميم الكوفي التابعي وقد مر في باب ظلم دون ظلم وكان في عينه ضعف. الجوهري: العمش ضعف الرؤية مع سيلان دمعها. قوله: (عبد الله بن مرة) بضم الميم والدال المشددة الهمداني بسكون الميم الكوفي أيضاً التابعي الخارفي بالمعجمة وبالراء وبالفاء مات سنة مائة روى له الجماعة. قوله: (مسروق) هو ابن عائشة بن الأجدع بالجيم والمهملتين الهمداني التابعي الكوفي قيل ما ولدت همدانية مثل مسروق وسمي به لأنه سرق في صغره ثم وجدوه فغلب عليه ذلك وقال له عمر ﵁ ما اسمك فقال قلت مسروق بن الأجدع فقال سمعت النبي ﷺ يقول الأجدع شيطان أنت مسروق ابن عبد الرحمن فأثبت اسمه في الديوان بابن عبد الرحمن والأجدع كان أفرس فارس باليمن وهو ابن أخت عمرو بن معد يكرب مات مسروق سنة اثنتين أو ثلاث وستين. قوله: (عبد الله بن عمرو) بن العاص الصحابي الكبير القرشي وقد مر في باب (المسلم من سلم المسلمون) ورجال هذا الإسناد كلهم كوفيون إلا ابن عمرو وفيه
стр. 151
ابْنِ عَمْرٍو - رضى الله عنهما - عَنِ النَّبِىِّ ﷺ قَالَ «أَرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ كَانَ مُنَافِقاً، أَوْ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْ أَرْبَعَةٍ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنَ النِّفَاقِ، حَتَّى يَدَعَهَا
ــ
ثلاثة تابعيون بعضهم روى عن بعض الأعمش وابن مرة ومسروق. قوله: (أربع) مبتدأ بتقدير أربع خصال أو خصال أربع وإلا فهو نكرة صرفة والشرطية خبره ويحتمل أن تكون الشرطية صفته وإذا ائتمن خان إلى آخره خبره بتقدير أربع كذا هي الخيانة عند الائتمان ونحوه وقد مر توجيهه في ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان. قوله: (كان منافقاً) معناه على ما تقدم من الوجوه السبعة ووصفه بالخلوص يشد عضد الوجه السادس والسابع أي كان منافقاً عملياً لا إيمانياً أو منافقاً عرفياً لا شرعياً إذ الخلوص بهذين المعنيين لا يستلزم الكفر الملقى في الدرك الأسفل وأما كونه خالصاً فيه فلان الخصال التي تتم بها المخالفة بين السر والعلن لا تزيد عليه. قال ابن بطال خالصاً معناه خالصاً في هذه الخلال المذكورة في الحديث فقط لا في غيرها. وقال النووي أي شديد الشبه بالمنافقين بسبب هذه الخصال وقال ولا منافاة بين الروايتين من ثلاث خصال كما في الحديث الأول أو أربع خصال كما في هذا الحديث لأن الشيء الواحد قد يكون له علامات كل واحدة منها يحصل بها صفته ثم قد تكون تلك العلامة شيئاً واحداً وقد تكون أشياء. وقال الطيبي لا منافاة لأن الشيء الواحد قد يكون له علامات فتارة يذكر بعضها وأخرى جميعها أو أكثرها وأقول الأولى أن يقال التخصيص بالعدد لا يدل على الزائد وعلى الناقص. قوله: (الخصلة) هي الخلة بفتح الخاء فيهما (والمعاهدة) المحالفة والمواثقة (والغدر) ترك الوفاء وأصل الفجور الميل عن القصد والشق فمعنى (فجر) مال عن الحق وقال الباطل أو شق ستر الديانة. قال النووي في شرح هذا الصحيح حصل من الحديثين أن خصال المنافق خمسة وقال في شرح مسلم (وإذا عاهد غدر) هو داخل في قوله: (إذا ائتمن خان) يعني هو أربعة. وأقول لو اعتبرنا هذا الدخول فالخمس راجعة إلى ثلاث فتأمل والحق أنها خمسة متغايرة عرفاً وباعتبار تغاير الأوصاف واللوازم أيضاً ووجه الحصر فيها أن إظهار خلاف الباطن أما في الماليات وهو إذا ائتمن خان وإما في غيرها وهو إما في حالة الكدورة وهو إذا خاصم وإما في حالة الصفا فهو إما مؤكدة باليمين وهو إذا عاهد أولاً فهو إما بالنظر إلى المستقبل وهو إذا وعد وإما بالنظر إلى الحال وهو إذا حدث. قال الخطابي قال حذيفة وإنما كان النفاق على عهد رسول الله ﷺ ولكنه اليوم هو الكفر بعد الإيمان ومعناه أن المنافقين في ذلك الزمان لم يكونوا
стр. 152
إذا ائتمن خان وإِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ، وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ» تابعه شعبة عن الأعمش.
باب قيام ليلة القدر من الإيمان
٣٤ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ قَالَ أَخْبَرَنَا
ــ
قد أسلموا أنما كانوا يظهرون الإسلام رياء ويسترون الكفر ضميراً فأما اليوم فقد شاع الإسلام وتوالد الناس عليه فمن نافق منهم فهو مرتد لأن نفاقه كفر أحدثه بعد قبول الإيمان وإنما كان المنافق حينئذ مقيماً على كفره الأول. وأما مناسبة هذا الباب لكتاب الإيمان أن يبين أن هذه علامة عدم الإيمان أو يعلم منه أن بعض النفاق كفر دون بعض. النووي: مراد البخاري بذكر هذا الحديث أن المعاصي تنقص الإيمان كما أن الطاعة تزيده والله أعلم. قوله: (تابعه) معنى المتابعة قد مر وفائدتها التقوية وهذه هي المتابعة المقيدة لا المطلقة حيث قال عن الأعمش والناقصة لا التامة حيث ذكر المتابعة من وسط الإسناد لا من أوله. و (شعبة) قد مر ذكره. قال البخاري ﵁ (باب قيام ليلة القدر من الإيمان) لفظ قيام ليس فيه إلا الرفع وسميت بالقدر لما يكتب فيها من الأقدار والأرزاق والآجال التي تكون في تلك السنة أي يظهرهم الله عليه ويأمرهم بفعل ما هو من وظيفتهم وقيل لعظم قدرها وشرفها أو لأن من أتى بالطاعات صار ذا قدر أو أن الطاعات لها قدر زائد فيها. قال النووي: واختلفوا في وقتها فقال جماعة هي منتقلة تكون في سنة في ليلة وفي سنة في ليلة أخرى وهكذا وبهذا يجمع بين الأحاديث الدالة على اختلاف أوقاتها وبه قال مالك وأحمد وغيرهما قالوا إنما تنتقل في العشر الأواخر من رمضان وقيل بل في كله وقيل أنها معينة لا تنتقل أبداً بل هي ليلة معينة في جميع السنين لا تفارقها فقيل هي في السنة كلها وهو قول أبي حنيفة وصاحبيه وقيل بل هي في العشر الأواسط وقيل بل في شهر رمضان كله وهو قول ابن عمر وقيل بل هي في الأواخر وقيل بل تختص بأوتار العشر وقيل بأشفاعها وقيل بل في ثلاث وعشرين أو سبع وعشرين وهو قول ابن عباس وقيل في ليلة سبع عشرة أو إحدى وعشرين أو ثلاث وعشرين وقيل ليلة أربع وعشرين وهو محكي عن بلال وابن عباس وقيل سبع وعشرين وهو قول جماعة من الصحابة وقال زيد بن أرقم سبع عشرة وقيل تسع عشرة وحكى عن علي ﵁ وقيل آخر ليلة من الشهر وشذ قوم فقالوا رفعت لقوله: ﷺ حين تلاحا
стр. 153
شُعَيْبٌ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ عَنِ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «مَنْ يَقُمْ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيمَاناً وَاحْتِسَاباً غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ
ــ
الرجلان رفعت وهذا غلط لأن آخر الحديث يرد عليهم وهو عسى أن يكون خيراً لكم التمسوها في السبع والتسع وفيه تصريح بأن المراد برفعها رفع بيان علم عينها لا رفع وجودها وأقول وميل الشافعي إلى أنها ليلة الحادي والعشرين أو الثالث والعشرين ذكره الرافعي وهو خارج عن المذكورات ثم أن مذهب أبي حنيفة مخالف لما ذكره ولمذهب صاحبيه أيضاً قال في المنظومة:
وليلة القدر بكل الشهر دائرة وعينوها فادر
قال النووي أجمع من يعتد به على وجودها ودوامها إلى آخر الدهر وهي ترى ويحققها من شاء الله تعالى من بني آدم كل سنة في رمضان وأخبار الصالحين فيها ورؤيتهم لها أكثر من أن تحصى وأما قول المهلب لا يمكن رؤيتها حقيقة فغلط. قال في الكشاف ولعل الداعي إلى إخفائها أن يحيي من يريدها الليالي الكثيرة طلباً لموافقتها فتكثر عبادته وأن لا يتكل الناس عند إظهارها على إصابة الفضل فيها فيفرطوا في غيرها. قوله: (أبو اليمان) بالمثناة التحتانية أي الحكم بفتح الكاف ابن نافع الحمصي. و (شعيب) هو ابن أبي حمزة بالحاء والزاي الحمصي و (أبو الزناد) بالنون عبد الله بن ذكوان القرشي و (الأعرج) هو عبد الرحمن بن هرمز المدني القرشي قيل أصح أسانيد أبي هريرة أبو الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة ورجال هذا الإسناد كلهم قد مر ذكرهم بهذا الترتيب في باب حب الرسول. قوله: (من يقم) فإن قلت لم قال من يقم بلفظ المضارع وقال فيما بعده من قام رمضان ومن صام رمضان بالماضي قلت لأن قيام رمضان وصيامه محقق الوقوع فجاء بلفظ يدل عليه بخلاف قيام ليلة القدر فإنه غير متيقن فلهذا ذكره بلفظ المستقبل. فإن قلت فما بال الجزاء لم يطابق الشرط في الاستقبال مع أن المغفرة في زمن الاستقبال. قلت إشعاراً بأنه متيقن الوقوع متحقق الثبوت فضلاً من الله تعالى على عباده. فإن قلت لفظ من يقم ليلة القدر هل يقتضي قيام تمام الليلة أو يكفي أقل ما ينطبق عليه اسم القيام فيها. قلت يكفي الأقل وعليه بعض الأئمة حتى قيل يكفي بأداء فرض صلاة العشاء في دخوله تحت القيام فيها لكن الظاهر منه عرفاً أنه لا يقال قام الليلة إلا إذا قام كلها أو أكثرها. فإن قلت ما معنى القيام فيها إذ ظاهره غير مراد قطعاً قلت القيام للطاعة كأنه معهود من قوله: تعالى (وقوموا لله قانتين) وهو حقيقة شرعية فيه. قوله: (إيماناً) قال النووي أي
стр. 154
مِنْ ذَنْبِهِ.
باب الجهاد من الإيمان
٣٥ - حَدَّثَنَا حَرَمِىُّ بْنُ حَفْصٍ قَالَ حَدَّثَنَا
ــ
تصديقاً بأنه حق وطاعة واحتساباً أي إرادة وجه الله لا الرياء ونحوه فقد يفعل الإنسان الشيء الذي يعتقد أنه حق لكن لا يفعله مخلصاً بل لرياء أو خوف ونحوه وفيه الحث على قيام رمضان وعلى الإخلاص في الأعمال. قوله: (احتساباً) أي حسبة لله تعالى يقال احتسب بكذا جزاء عند الله والاسم الحسبة وهي الأجر. فإن قلت لم انتصب إيماناً واحتساباً. قلت مفعول له أو تمييز. فإن قلت هل يصح أن يكون حالاً بأن يكون المصدر في معنى اسم الفاعل أي مؤمناً محتسباً قلت حينئذ لا يدل على ترجمة الباب إذ المفهوم فيه ليس إلا القيام في حال الإيمان اللهم إلا أن يقال كونه في حال الإيمان وفي زمانه مشعر بأنه من جملته وكلف الكلفة في وجه توجيهه ظاهر. فإن قلت فالتمييز والمفعول له لا يدلان أيضاً على أنه من الإيمان. قلت من للابتداء فمعناه أن القيام منشأة الإيمان فيكون للإيمان أو من جملة الإيمان. فإن قلت شرط التمييز أن يقع موقع الفاعل نحو طاب زيد نفساً. قلت اطراد هذا الشرط ممنوع ولئن سلمنا فهو أعم من أن يكون فاعلاً بالفعل أو بالقوة كما تأول طار عمرو فرحاً بأن المراد طيره الفرح فهو في معنى إقامة الإيمان. قوله: (من ذنبه) كلمة من إما متعلقة بقوله: غفر أي غفر من ذنبه ما تقدم فهو منصوب المحل أو هي مبينة لما تقدم فهي مرفوع المحل لأن ما تقدم هو مفعول ما لم يسم فاعله. فإن قلت الذنب عام لأنه اسم جنس مضاف فهل يقتضي مغفرة ذنب يتعلق بالناس. قلت لفظه مقتض لذلك لكن علم من الأدلة الخارجية أن حقوق العباد لابد فيها من رضا الخصوم فهو عام اختص بحق الله تعالى بالإجماع ونحوه مما يدل على التخصيص ويجوز أن يكون من تبعيضية. التيمي: يحتمل أن يكون المراد من الحديث أنه بعد أن يعلم أنها ليلة القدر فيقومها ويجوز أن يكون ندباً منه إلى قيام هذه الليالي التي الغالب فيها ليلة القدر فإذا قام هذه الليالي معتقداً أن فيها ليلة القدر مؤمناً بأن صلاته فيها سبب للمغفرة محتسباً بفعلها أجراً وأقول فهذا توجيه آخر إذ جعل المؤمن بها السببية للمغفرة قال ابن بطال هذا الحديث أيضاً حجة على أن الأعمال إيمان لأنه جعل القيام إيماناً. قال البخاري ﵁ (باب الجهاد من الإيمان) الجهاد مرفوع لا غير وهو القتال لإعلاء كلمة الله تعالى. قوله: (حرمى) بالحاء المهملة والراء المفتوحتين ولاياء المشددة هو أبو علي ابن حفص بن عمر العتكي القسملي بفتح القاف والسين الساكنة المهمة والميم المفتوحة البصري مات
стр. 155
عَبْدُ الْوَاحِدِ قَالَ حَدَّثَنَا عُمَارَةُ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَةَ بْنُ عَمْرِو بْنِ جَرِيرٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِىِّ ﷺ قَالَ «انْتَدَبَ اللَّهُ لِمَنْ خَرَجَ فِى سَبِيلِهِ لَا يُخْرِجُهُ إِلَاّ إِيمَانٌ بِى وَتَصْدِيقٌ بِرُسُلِى أَنْ أَرْجِعَهُ بِمَا نَالَ من
ــ
سنة ثلاث وعشرين ومائتين. قوله: (عبد الواحد) هو أبو بشر ويقال أبو عبيدة ابن زياد بالمثناة التحتانية العبدي مولى عبد القيس البصري ويعرف بالثقفي توفي سنة سبع وسبعين ومائة روى له الجماعة. قوله: (عمارة) بضم العين المهملة وخفة الميم ابن القعقاع بالقافين والمهملتين ابن شبرمة بالشين المعجمة المضمونة وبضم الراء الضبي الكوفي روى له الجماعة. قوله: (أبو زرعة) بضم الزاي وسكون الراء اسمه هرم أو عمرو أو عبيد الله أو عبد الرحمن بن عمرو بن جرير بن عبد الله البجلي بالموحدة والجيم المفتوحة الكوفي. قوله: (انتدب الله) الجوهري ندبه لأمر فانتدب له أي دعاه له فأجاب فههنا كأن الله تعالى جعل جهاد العباد في سبيله سؤالاً ودعاء له وفي رواية مسلم تضمن الله وفي أخرى له أيضاً تكفل الله ومعناه أوجب تفضلاً أي حقق وحكم أن ينجز له ذلك وهو موافق لقوله: تعالى (إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة) قوله: (إيمان) في السياق يقتضي أن يقال إيمان به فعدل عن الغيبة إلى التكلم التفاقاً أو ذكراً على سبيل الحكاية من قول الله تعالى. قال ابن مالك في الشواهد كان اللائق في الظاهر أن يكون بدل الياء الهاء فلابد من التأويل وهو تقدير اسم فاعل من القول منصوب على الحال كأنه قال انتدب الله لمن خرج في سبيله قائلاً (لا يخرجه إلا إيمان بي) ويجوز أن تكون الهاء في سبيله عائداً إلى من ولسبيله المرضية ثم أضمر بعد سبيله قال ونحوه ولا موضع له من الإعراب. قوله: (أو تصديق) وفي بعض النسخ وتصديق بالواو الواصلة وهو ظاهر. فإن قلت إذا كان بأو الفاصلة فما معناه إذ لابد من الأمرين الإيمان بالله والتصديق برسل الله قلت أو معناها ههنا امتناع الخلو منهما مع إمكان الجمع بينهما أي لا يخلو عن أحدهما وقد يجتمعان بل يلزم الاجتماع لأن الإيمان بالله مستلزم تصديق رسله إذ من جملة الإيمان بالله الإيمان بأحكامه وأفعاله وكذا التصديق بالرسل مستلزم الإيمان بالله وهو ظاهر والمستثنى منه أعم عام الفاعل أي لا يخرجه مخرج إلا الإيمان والتصديق وفي بعض الروايات إيماناً وتصديقاً بالنصب فيهما وفي جميع نسخ مسلم إيماناً بي وتصديقاً برسلي بالنصب. قال النووي: هو منصوب على أنه مفعول له وتقديره لا يخرج
стр. 156
أَجْرٍ أَوْ غَنِيمَةٍ، أَوْ أُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ، وَلَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِى مَا قَعَدْتُ خَلْفَ سَرِيَّةٍ، وَلَوَدِدْتُ أَنِّى أُقْتَلُ فِى سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ أُحْيَا، ثُمَّ أُقْتَلُ ثُمَّ أُحْيَا، ثُمَّ أُقْتَلُ»
ــ
المخرج إلا للإيمان والتصديق. قوله:: (أرجعه) أي إلى مسكنه جاء لازماً من الرجوع ومتعدياً من الرجع. و (نال) أي أصاب وجاء على لفظ الماضي لتحقق وعد الله تعالى. قوله: (أو أدخله) منصوب لأنه عطف على أرجعه. فإن قلت جميع المؤمنين يدخلهم الله تعالى الجنة فما وجه اختصاصهم بذلك قلت قال القاضي البيضاوي يحتمل أن يدخله عند موته كما قال تعالى (أحياء عند ربهم يرزقون) ويحتمل أن يكون المراد الدخول عند دخول السابقين والمقربين بلا حساب ولا عذاب ولا مؤاخذة بذنوب وتكون الشهادة مكفرة لها. وأقول للمجاهد حالتان الشهادة والسلامة فالجنة للحالة الأولى والأجر والغنيمة للسلامة. فإن قلت لفظة أو في قوله: (أو غنيمة) يدل على أن للسالم أما الأجر وإما الغنيمة لا كليهما. قلت معناها ما تقدم آنفاً وهو أن اللفظ لا ينفي اجتماعهما بل يثبت أحدهما مع جواز ثبوت الآخر فقد يتجمعان. فإن قلت ههنا حالة ثالثة للسالم وهو الأجر بدون الغنيمة قلت هذه الحالة داخلة تحت الحالة الثانية إذ هي أعم من الأجر فقط أو منه مع الغنيمة. فإن قلت الأجر ثابت للشهيد الداخل في الجنة فكيف يكون السالم والشهيد مفترقين في أن لأحدهما الأجر وللآخر الجنة أن الجنة أيضاً أجر. قلت هذا أجر خاص والجنة أجر أعلى منه فهما متغايران أو أن القسمين هما الرجع والإدخال لا الأجر والجنة. قال النووي: قالوا معناه ما حصل له من الأجر بلا غنيمة إن لم يغنموا أو من الأجر والغنيمة معاً إن غنموا وقيل إن أو ههنا بمعنى الواو أي من أجر وغنيمة وكذا وقع بالواو في رواية أبي داود ومعنى الحديث أن الله ضمن أن الخارج للجهاد ينال خيراً بكل حال فأما أن يستشهد فيدخل الجنة وإما أن يرجع بأجر فقط وإما بأجر وغنيمة وأقول اللفظ لا يدل على تقريره مع أنه لا يدفع بعض السؤالات. قوله: (لولا) هي الامتناعية لا التحضيضية أي امتناع عدم القعود أي القيام لوجود المشقة على الأمة. و (أشق) أي أجعل شاقاً. و (خاف) أي بعد و (السرية) بتخفيف الراء وتشديد الياء قطعة من الجيش أي ما تخلفت عنها بل خرجت في جميعها بنفسي لعظم الأجر فيه وارتفاع الدرجات ونيل السعادات بسببه (ولوددت) اللام هي في جواب لولا ويجوز حذفها كما حذف من ما قعدت. فإن قلت لا مشقة على الأمة في ودادة الرسول ﵇ لأن غاية ما في الباب وجوب المتابعة في الودادة وليس فيها مشقة. قلت ودادته لا نسلم أنه ليس فيها
стр. 157
باب تطوع قيام رمضان من الإيمان
٣٦ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ حَدَّثَنِى مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ
ــ
مشقة ولئن سلمنا فربما ينجر إلى تشريع مودوده فيصير سبباً للمشقة أو نقول اللام فيه جواب لقسم محذوف أي والله لوددت (وأقتل وأحيا) بضم الهمزة فيهما في الخمسة. فإن قلت القرار إنما هو على حالة الحياة فلم جعل النهاية هي القتل. قلت المراد هو الشهادة فختم الحال عليها أو أن الأحياء للجزاء هو معلوم شرعاً فلا حاجة إلى ودادته لأنه ضروري الوقوع وثم ههنا وإن دل على التراخي في الزمان حمله على التراخي في الرتبة هو الوجه لأن المتمني حصول مرتبة بعد مرتبة إلى أن ينتهي إلى الفردوس الأعلى. النووي: في الحديث فضل الجهاد والشهادة في سبيل الله والحث على حسن النية وبيان شدة شفقته ﷺ على أمته ورأفته بهم واستحباب طلب القتل في سبيل الله وجواز قول الإنسان وددت حصول كذا من الخير الذي يعلم أنه لا يحصل وفيه أنه إذا تعارض مصلحتان بدئ بأهمهما وأنه يترك بعض المصالح لمصلحة أرجح منها أو لخوف مفسدة تزيد عليها قال وقالوا هذا الفصل وإن كان ظاهرة أنه في قتال الكفار يدخل فيه من خرج في سبيل الله في قتال البغاة وفي إقامة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ونحوه وفيه أن الجهاد فرض كفاية لا فرض عين وفيه تمني الشهادة وتمني ما لا يمكن في العادة من الخيرات وفيه السعي في زوال المكروه والمشقة عن المسلمين. قال ابن بطال هذا الباب حجة في أن الأعمال إيمان لأنه لما كان الإيمان بالله هو المخرج له في سبيله كان الخروج إيماناً بالله لا محالة كما تسمى العرب الشيء باسم ما يكون من سببه وتقول للمطر سماء لأنه من السماء ينزل قال البخاري ﵁ (باب تطوع قيام رمضان من الإيمان) وفي بعض النسخ شهر رمضان وتطوع إعرابه رفع لا غير ومعناه التكلف في الطاعة والتطوع بالشيء التبرع به وفي اصطلاح الفقهاء التنفل والمراد من القيام هو القيام بالطاعة في لياليه. قوله: (إسماعيل) هو ابن أبي أويس الأصبحي المدني ابن أخت شيخه يعني الإمام المشهور مالك ﵁ و (ابن شهاب) هو أبو بكر الزهري قوله: (حميد) بضم الحاء هو إبراهيم ويقال أبو عبد الرحمن ويقال أبو عثمان ابن عبد الرحمن بن عوف أحد العشرة المبشرة القرشي الزهري المدني وأمه أخت عثمان بن عفان ﵁ أول المهاجرات من مكة إلى المدينة توفي سنة خمس وتسعين أو خمس ومائة ورجال هذا الإسناد كلهم
стр. 158
رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَاناً وَاحْتِسَاباً غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ».
باب صوم رمضان احتسابا من الإيمان
٣٧ - حَدَّثَنَا ابْنُ سَلَامٍ
ــ
مدنيون. قوله: (من قام رمضان) أي قام بالطاعة في ليالي رمضان والعرف يشهد له. قوله: (إيماناً) أي للإيمان أو من جهة الإيمان أو حال الإيمان والمراد منه أما الإيمان بكل ما وجب الإيمان به أو بأن هذا القيام حق وطاعة أو بأنه سبب للمغفرة لما تقدم من الوجوه فيه وفي دلالته على الترجمة أيضاً في باب قيام ليلة القدر مع سائر أبحاثه وحمل العلماء القيام على صلاة التراويح. النووي التحقيق أن يقال التراويح محصلة لفضيلة قيام رمضان ولكن لا تنحصر الفضيلة فيها ولا يخص المراد بها بل في أي وقت من الليل صلى تطوعاً حصل هذا الفضل وفيه جواز قول رمضان بغير إضافة شهر إليه ثم المشهور في هذا الحديث وشبهه كحديث غفران الخطايا بالوضوء وبصوم عرفة وأن المراد غفران الصغائر لا الكبائر كما في حديث الوضوء ما لم يؤت بكبيرة قال وفي التخصيص نظر لكن أجمعوا أن الكبائر لا تسقط إلا بالتوبة أو بالحد. فإن قيل قد ثبت هذا الحديث في قيام رمضان والآخر في صيامه وثبت صوم عرفة كفارة سنتين ورمضان إلى رمضان كفارة لما بينهما والعمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما ومن وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه ونحوه فهذه الأحاديث هل هي متداخلة أم كيف يقال فيها. فالجواب أن كل واحدة من هذه الخصال صالحة لتكفير الصغائر فإن صادفتها كفرتها وإن لم تصادفها فإن كان فاعلها سالماً من الصغائر لكونه غير مكلف كالصغير أو موفقاً لم يفعل صغيرة أو فعلها وتاب أو فعلها وعقبها بحسنة أذهبتها (إن الحسنات يذهبن السيئات) فهذا يرفع له بها درجات ويكتب له بها حسنات وقال بعض العلماء ويرجى أن يخفف عنه بعض الكبائر أن كان لفاعلها وقال أصحابنا يكره قيام الليل كله ومعناه الدوام عليه لا ليلة أو عشر ونحوه ولهذا اتفقوا على استحبابه ليلة العيد وغيره. قال البخاري ﵁ (باب صوم رمضان) قوله: (احتساباً) أي للاحتساب أو من جهة الاحتساب وإنما اكتفى به ولم يقل إيماناً واحتساباً إما لأنه لما كان حسبة لله تعالى خالصاً لا يكون إلا للإيمان وإما لأنه اختصره بذكره إذ العادة الاختصار في التراجم والعناوين. قوله: (ابن سلام) هو محمد بن سلام البيكندي البخاري
стр. 159
قَالَ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ قَالَ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ أَبِى سَلَمَةَ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَاناً وَاحْتِسَاباً غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ»
ــ
الصحيح التخفيف إلا عبد الله بن سلام الصحابي والذي عليه الجمهور بتخفيف اللام وقيل بتشديدها. قال الدارقطني ليس في الأسماء ابن سلام بالتخفيف إلا عبد الله بن سلام الصحابي وقد مر ذكره في باب أنا أعلمكم بالله. قوله: (محمد بن فضيل) بضم الفاء وفتح الضاد المعجمة ابن غزوان بفتح الغين المعجمة وسكون الزاي ابن جرير الضبي مولاهم الكوفي يكني أبا عبد الرحمن وكان غزوان عبداً رومياً لرجل من ضبة شهد القادسية مع مولاه وأعتقه توفي بالكوفة سنة تسع وخمسين أو سنة خمس وتسعين ومائة. قوله: (يحيى بن سعيد) هو أبو سعيد الأنصاري قاضي المدينة مر في أول حديث من الصحيح. قوله: (أبو سلمة) هو عبد الله بن عبد الرحمن بن عوف أحد العشر المبشرة وهو قرشي مدني تابعي إمام جليل أحد الفقهاء السبعة بالمدينة على أحد الأقوال وسبق أيضاً في أول الكتاب. قوله: (صام رمضان) أي في رمضان. فإن قلت هل يكفي أقل ما ينطلق عليه اسم الصوم حتى لو صام يوماً واحداً دخل تحته: قلت لا يقال في العرف صام رمضان إلا إذا صام كله والسياق ظاهر فيه. فإن قلت المعذور كالمريض إذا ترك الصوم فيه ولو لم يكن مريضاً لكان صائماً وكان نيته الصوم لولا العذر هل يدخل تحت هذا الحكم. قلت نعم كما أن المريض إذا صلى قاعداً للعذر له ثواب صلاة القائم قاله الأئمة. قوله: (إيماناً واحتساباً) قال محيي السنة يقال فلان يحتسب الأخبار أي يطلبها ثم كلامه. فإن قلت كل من اللفظين يغني عن الآخر إذ المؤمن لا يكون إلا محتسباً والمحتسب لا يكون إلا مؤمناً فهل غير التأكيد فيه فائدة أم لا. قلنا المصدق للشيء ربما لا يفعله مخلصاً بل للرياء ونحوه والمخلص في الفعل ربما لا يكون مصدقاً بثوابه وبكونه طاعة مأموراً به سبباً للمغفرة ونحوه أو الفائدة هو التأكيد ونعم الفائدة. فإن قلت هل لترتيب الكتاب وتوسيط الجهاد بين قيام ليلة القدر وقيام رمضان وصيامه مناسبة أم لا. قلت مناسبة تامة وهي المشاركة في كون كل من المذكورات من أمور الإيمان وتوسيط الجهاد مشعر بأن النظر مقطوع من غير هذه المناسبة والله أعلم. الخطابي: معنى إيماناً واحتساباً نية وعزيمة وهو أن يصومه على معنى التصديق به والرغبة في
стр. 160
باب الدِّينُ يُسْرٌ وَقَوْلُ النَّبِىِّ ﷺ «أَحَبُّ الدِّينِ إِلَى اللَّهِ الْحَنِيفِيَّةُ السَّمْحَةُ»
٣٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ السَّلَامِ بْنُ مُطَهَّرٍ قَالَ حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ عَلِىٍّ عَنْ مَعْنِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْغِفَارِىِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِى سَعِيدٍ الْمَقْبُرِىِّ عَنْ أَبِى
ــ
ثوابه طيبة نفسه بذلك غير كارهة ولا مستثقلة لصيامه أو مستطيلة لأيامه. قال البخاري ﵁ (باب الدين يسر وقول النبي ﷺ أحب الدين إلى الله الحنيفية السمحة) الباب مضاف إلى الجملة. و (الدين) مرفوع ومضاف إلى لفظة القول فهو مجرور. و (أحب) مبتدأ. و (الحنيفية) خبره وهي صفة للملة المقدرة والجملة مقول القول ومعنى الحنيف المائل عن الباطل إلى الحق و (السمحة) أي السهلة إذ المسامحة المساهلة والملة السمحة التي لا حرج فيها ولا تضييق فيها على التماس أي ملة الإسلام ويحتمل أن تكون اللام للعهد ويراد بالملة الحنيفية الملة الإبراهايمية مقتبساً من قوله: تعالى (بل ملة إبراهيم حنيفا) والحنيف عند العرب من كان على ملة إبراهيم ثم سمي من اختتن وحج البيت حنيفاً وسمي إبراهيم حنيفاً لأنه مال عن عبادة الأوثان ومعناه بعثت بالملة الإبراهيمية التي مبناها على السهولة والمسامحة المخالفة لأديان بني إسرائيل وما يتكلفه أحبارهم ورهبانهم من الشدائد وأحب بمعنى المحبوب لا بمعنى المحب. فإن قلت لا مطابقة بين المبتدأ والخبر لأن المبتدأ مذكر والخبر مؤنث. قلت من الملة الحنيفية كأنها غلبت عليها الاسمية حتى صارت علماً أو أن أفعل التفضيل المضاف لقصد الزيادة على أضيف إليه يجوز فيه الإفراد والمطابقة لمن هو له. فإن قلت فيلزم أن تكون الملة ديناً وأن يكون سائراً لأديان أيضاً محبوباً إلى الله وهما باطلان إذ المفهوم من الملة غير المفهوم من الدين وإذ سائر الأديان منسوخة. قلت اللازم الأول قد يلتزم وأما الثاني فموقوف على تفسير المحبة أو المراد بالدين الطاعة أي أحب الطاعات هي السمحة. قوله: (عبد السلام) هو أبو ظفر بالظاء المعجمة والفاء المفتوحتين ابن مطهر بصيغة المفعول من التطهير بالطاء المهملة الأزدي مات سنة أربع وعشرين ومائتين. قوله: (عمر) هو أبو حفص ابن علي بن عطاء بن مقدم بفتح الدال الشديدة المقدمي البصري قال ابن سعد كان عمر ثقة ويدلس تدليساً شديداً توفي سنة تسعين ومائة. قال عثمان لم يكونوا ينقمون منه غير التدليس ولم أكن أقبل منه حتى يقول حدثنا وأقول وما كان في الصحيحين عن المدلسين بعن فمحمول على ثبوت سماعهم من جهة أخرى. قوله: (معن) بفتح الميم وسكون العين المهملة وهو ابن محمد بن معن الغفاري
стр. 161
هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِىِّ ﷺ قَالَ «إِنَّ الدِّينَ يُسْرٌ، وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إِلَاّ غَلَبَهُ، فَسَدِّدُوا وَقَارِبُوا وَأَبْشِرُوا، وَاسْتَعِينُوا بِالْغَدْوَةِ وَالرَّوْحَةِ
ــ
بكسر الغين المعجمة الحجازي روى له البخاري والترمذي والنسائي وابن ماجة. قوله: (سعيد) هو أبو سعد بسكون العين ابن أبي سعيد المقبري المدني مات سنة ثلاث وعشرين ومائة واسم أبي سعيد كيسان والمقبري بضم الباء وفتحها منسوب إلى مقبرة بمدينة رسول الله ﷺ كان مجاوراً لها وقيل كان منزله عند المقابر وقيل جعله عمر ﵁ على حفر القبور ويحتمل أنه اجتمع فيه الأمران والمقبري صفة لأبي سعيد وكان هو مكاتباً لامرأة من بني ليث وقال ابن سعد هو ثقة كثير الحديث لكنه كبر وبقي حتى اختلط قبل موته بأربع سنين ومات أبوه في أول خلافة هشام ابن عبد الملك وقال ابن قتيبة كان مملوكاً لرجل من بني جندع بضم الجيم وفتح الدال المهملة والعين المهملة وهو بطن من ليث كاتبه على أربعين ألفاً وشاة في كل أضحى وتوفي سنة مائة في خلافة عمر بن عبد العزيز. النووي في شرح مسلم: يقال لكل واحد من الأب والابن المقبري وإن كان في الأصل هو الأب وقال وفي الباء ثلاث لغات لكن الكسر غريب. قوله: (يسر) معناه إما ذو يسر وإما أنه يسر على سبيل المبالغة نحو أبو حنيفة فقه أي لشدة اليسر وكثرته كان نفسه واليسر بإسكان السين وضمها نقيض العسر ومعناه التخفيف. قوله: (ولن يشاد الدين إلا غلبه) في جمهور النسخ بغير لفظة أحد وقال صاحب المطالع لن يشاد الدين أحد رواه ابن السكن بإثبات أحد وهذا ظاهر والدين على هذا منصوب وإما على رواية الجمهور فروي بنصب الدين ورفعه فعلى النصب أضمر الفاعل في يشاد للعلم به وعلى الرفع مبني لما لم يسم فاعله إذ يشاد يحتمل أن يكون صيغة المعروف وصيغة المجهول والمشادة المغالبة من الشدة بتعجيم الشين يقال شاده يشاده مشادة إذا غالبه ومعناه لا يتعمق أحد في الدين ويترك الرفق الأغلب الدين عليه وعجز ذلك المتعمق وانقطع عن عمله كله أو بعضه ومعنى هذا الحديث أن الدين اسم يقع على الأعمال إذ التي توصف باليسر والعسر هي الأعمال والدين والإيمان والإسلام بمعنى واحد والمراد منه التحضيض على ملازمة الرفق والاقتصار على ما يطيقه العامل ويمكنه الدوام عليه وأن من شاد الدين وتعمق انقطع وغلبه الدين وقهره ويصير الدين غالباً وهو مغلوباً. قوله: (فسددوا) التسديد بالسين المهملة التوفيق للسداد وهو الصواب والقصد من القول والعمل ورجل مسدد إذا كان يعمل بالصواب والقصد. قوله: (وقاربوا) بالموحدة لا بالنون
стр. 162
وَشَىْءٍ مِنَ الدُّلْجَةِ
باب الصَّلَاةُ مِنَ الإِيمَانِ . وَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ
ــ
أي لا تبلغوا النهاية بل تقربوا منها يقال رجل مقارب بكسر الراء وسط بين الطرفين. التيمي: وقاربوا أما أن يكون معناه قاربوا في العبادة ولا تباعدوا فيها فإنكم إن باعدتم في ذلك لم تبلغوه وإما أن يكون معناه ساعدوا يقال قاربت فلاناً إذا ساعدته أي ليساعد بعضكم بعضاً في الأمور والأول أليق بترجمة الباب. قوله: (وأبشروا) بهمزة القطع وجاز لغة أبشروا بضم الشين من البشر بمعنى الإبشار أي أبشروا بالثواب على العمل وإن قل. قوله: (بالغدوة) بفتح الغين. الجوهري: الغدوة ما بين صلاة الغداة وطلوع الشمس والرواح اسم وقت من زوال الشمس إلى الليل. و (الدلجة) بفتح الدال وضمها من الإدلاج بسكون الدال وهو السير أول الليل ومن الإدلاج بالدال المكسورة الشديدة وهو سير آخر الليل وأما الرواية فهو بضم الدال وهو مثل قوله: تعالى (وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل) كأنه ﵇ خاطب مسافراً يقطع طريقه إلى مقصده فنبهه على أوقات نشاطه التي ترك فيها عمله لأن هذه الأوقات أفضل أوقات المسافر بل على الحقيقة الدنيا دار نقلة وطريق إلى الآخرة فنبه أمته أن يغتنموا أوقات فرصتهم وفراغهم. النووي: معناه اغتنموا أوقات نشاطكم للعبادة فإن الدوام لا تطيقونه واستعينوا بها على تحصيل السداد كما أن المسافر إذا سافر الليل والنهار دائماً عجز وانقطع عن مقصده وإذا سار في هذه الأوقات أي أول النهار وآخره وآخر الليل حصل مقصوده بغير مشقة ظاهرة وهذه هي أفضل أوقات المسافر للسير فاستعيرت لأوقات النشاط وفراغ القلب للطاعة. الخطابي: معناه الأمر بالاقتصاد في العبادة أي لا تستوعبوا الليالي ولا الأيام كليهما بل اخلطوا طرف الليل بطرف النهار وأجموا أنفسكم فيما بينهما لئلا ينقطع بكم وأقول محصلة كونوا مصيبين في الأعمال متوسطين فيها مستظهرين بالثواب مستعينين بالأوقات المنشطة للعمل. فإن قلت كيف يدل الحديث على الشق الثاني من الترجمة وهو قول النبي ﷺ . قلت المحبة والعداوة بالنسبة إلى الله تعالى إما مجاز عن الاستحسان والاستقباح يعني أحسن الأديان هو الملة الحنيفية والحديث دل على الحسن حيث أمر بهما بلفظ سددوا وقاربوا والمأمور به سواء كان واجباً أو مندوباً حسن وإما أنه أحسن فلان غيره بغلب الشخص ويقهره وإما أن تكون المحبة حقيقة عن إرادة إيصال الثواب عليه وتلك في المأمور به واجباً أو مندوباً إذ لا ثواب في غيره هذا ما أمكن من بيان المناسبة عندنا والله أعلم. قال البخاري ﵁ (باب الصلاة من الإيمان وقول الله تعالى) لفظ الصلاة مرفوع ولفظ القول مجرور
стр. 163
إِيمَانَكُمْ) يَعْنِى صَلَاتَكُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ.
٣٩ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ خَالِدٍ قَالَ حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ عَنِ الْبَرَاءِ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ كَانَ أَوَّلَ
ــ
قوله: (عند البيت) النووي: هذا الحديث مشكل لأن المراد صلاتهم إلى بيت المقدس وكان ينبغي أن يقول أي صلاتكم إلى بيت المقدس وهذا هو مراده فيؤول كلامه عليه ولعل مراد البخاري بقوله: عند البيت مكة أي صلاتكم بمكة وكانت إلى بيت المقدس والمراد بالبيت الكعبة زادها الله شرفاً. قوله: (عمرو) هو أبو الحسن بن خالد بن فروخ بالخاء المنقطة الحراني ساكن مصر مات بها سنة تسع وعشرين ومائتين قال الغساني في تقييد المهمل ليس في شيوخ البخاري عمر بن خالد وإنما هو عمرو بن خالد بالواو في جميع الكتاب. قوله: (زهير) بصيغة التصغير أبو خيثمة بفتح الخاء المعجمة وبتقديم المثناة التحتانية على المثلثة ابن معاوية الكوفي ساكن الجزيرة توفي سنة اثنتين أو ثلاث وسبعين ومائة وكان قد فلج قبله بسنة ونصف أو نحوها. قوله: (أبو إسحق) هو السبيعي بفتح السين المهملة وكسر الموحدة منسوب إلى سبيع جد القبيلة وهو سبيع ابن صعب وهو بطن من همدان واسم أبي إسحق عمرو بن عبد الله بن علي الهمداني الكوفي التابعي الجليل ولد لسنتين بقيتا من خلافة عثمان ﵁ قال أحمد العجلى سمع السبيعي ثمانية وثلاثين من الصحابة وقال ابن المديني روى السبيعي عن سبعين شيخاً لم يرو عنهم غيره مات سنة ست أو سبع أو ثمان أو تسع وعشرين ومائة. قوله: (البراء) بتخفيف الراء وبالمد على المشهور وقيل بالقصر وهو أبو عمارة بضم العين ويقال أبو عمرو ويقال أبو الطفيل بن عازب بن الحارث الأنصاري الأوسي الحارثي المدني، روى له عن رسول الله ﷺ ثلثمائة حديث وخمسة أحاديث ذكر البخاري منها سبعة وثلاثين نزل الكوفة وتوفي بها في أيام مصعب بن الزبير وأبوه عازب بالعين المهملة والزاي صحابي أيضاً على الأشهر. قال أبو عمرو الشيباني افتتح البراء الري سنة أربع وعشرين صلحاً أو عنوة وشهد مع أبي موسى غزوة التستر وشهد مع علي ﵁ مشاهده. قوله: (أول) بالنصب أي في أول زمان قدومه عند الهجرة من مكة وما مصدرية والمراد من المدينة مدينة رسول الله ﷺ ولها أسماء كثيرة يثرب وطيبة بفتح الطاء وسكون الياء وطابة والدار. والطيب إما لخلوصها من الشرك أو لطيبها لساكنيها لأمنهم ودعتهم وقيل لطيب عيشهم فيها وإما تسميته بالدار فللاستقرار بها وأما المدينة فهي إما من مدن بالمكان إذا أقام به فهي فعيلة وجمعها مدائن بالهمز أو من دان أي أطاع أو من دين
стр. 164
مَا قَدِمَ الْمَدِينَةَ نَزَلَ عَلَى أَجْدَادِهِ - أَوْ قَالَ أَخْوَالِهِ - مِنَ الأَنْصَارِ، وَأَنَّهُ صَلَّى قِبَلَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ سِتَّةَ عَشَرَ شَهْراً، أَوْ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْراً، وَكَانَ يُعْجِبُهُ أَنْ تَكُونَ قِبْلَتُهُ قِبَلَ الْبَيْتِ، وَأَنَّهُ صَلَّى أَوَّلَ صَلَاةٍ صَلَاّهَا صَلَاةَ الْعَصْرِ، وَصَلَّى مَعَهُ قَوْمٌ، فَخَرَجَ رَجُلٌ مِمَّنْ صَلَّى مَعَهُ، فَمَرَّ عَلَى أَهْلِ مَسْجِدٍ، وَهُمْ رَاكِعُونَ فَقَالَ
ــ
أي ملك فجمعه مداين كمعايش. قوله: (أو قال) شك من أبي إسحق والمراد بالأجداد هم من جهة الأمومة فإطلاق الجد والخال هنا مجاز لأن هاشماً جد أبي رسول الله ﷺ تزوج من الأنصار وقد مر أن الأنصار جمع النصير وهم الذين آووا ونصروا الإسلام من أهل المدينة. قوله: (قبل) بكسر القاف وفتح الموحدة أي نحو بيت المقدس وجهته أي متوجهاً إليه. و (المقدس) بفتح الميم وسكون القاف وكسر الدال فهو مصدر كالمرجع أو مكان المقدس وهو التطهير أي المكان الذي يطهر فيه العابد من الذنوب أو يطهر العبادة من الأصنام وبضم الميم وفتح القاف والدال المشددة فهو اسم مفعول من التقديس أي التطهير وقد جاء بصيغة اسم الفاعل منه أيضاً ويقال البيت المقدس على الصفة والمشهور بيت المقدس على الإضافة نحو مسجد الجامع. قوله: (أو سبعة عشر) شك من البراء وسمي الشهر به لشهرته عند الناس كلهم لاحتياجهم إلى معرفته في العبادات والمعاملات ومعناه أنه ﷺ صلى هذا المقدار متوجهاً إلى القدس بعد قدومه المدينة فالقبلة في أكثر من نصف زمان النبوة هو بيت المقدس. قوله: (وكان) أي رسول الله ﷺ (يعجبه) أي يحب أن تكون قبلته جهة الكعبة. قال تعالى (قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها). قوله:: (أول) بالنصب مفعول صلى وصلاة العصر أيضاً بالنصب بدلاً منه وفي الكلام مقدر أي أول صلاة صلاها متوجه الكعبة ولوضوحه لم يذكره. قوله: (رجل) هو عباد بفتح المهملة بن نهيك بفتح النون والكاف الخطمي الأنصاري. قوله: (على مسجد) وفي بعضها على أهل مسجد وهو مسجد بالمدينة غير مسجد قباء والصلاة صلاة العصر وأما أهل قباء فأتاهم الآتي في صلاة الصبح قال البخاري ﵁ في بابه عن ابن عمر ﵁ قال (بينا الناس بقباء في صلاة الصبح إذ جاءهم آت فقال أن رسول الله ﷺ قد أنزل عليه الليلة قرآن وقد أمر أن يستقبل الكعبة فاستقبلوها) هكذا قالوا الكن لفظ الكتاب
стр. 165
أَشْهَدُ بِاللَّهِ لَقَدْ صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قِبَلَ مَكَّةَ، فَدَارُوا كَمَا هُمْ قِبَلَ الْبَيْتِ، وَكَانَتِ الْيَهُودُ قَدْ أَعْجَبَهُمْ إِذْ كَانَ يُصَلِّى قِبَلَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَأَهْلُ الْكِتَابِ، فَلَمَّا وَلَّى وَجْهَهُ قِبَلَ الْبَيْتِ أَنْكَرُوا ذَلِكَ. قَالَ زُهَيْرٌ حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ عَنِ الْبَرَاءِ فِى حَدِيثِهِ هَذَا أَنَّهُ مَاتَ عَلَى الْقِبْلَةِ قَبْلَ
ــ
يحتمل أن يكون المراد من مسجد هو مسجد قباء ومن لفظ هم راكعون أن يكونوا في صلاة الصبح اللهم إلا أن يقال الفاء التعقيبية لا تساعده. قوله: (راكعون) يحتمل أن يراد به حقيقة الركوع وأن يراد به الصلاة من باب إطلاق الجزء وإرادة الكل. قوله: (أشهد بالله) الجوهري أشهد بكذا أي أحلف به. و (قبل مكة) أي قبل البيت الذي بمكة ولهذا قال فداروا كما هم قبل البيت. قوله: (كماهم) ما موصولة وهم مبتدأ وخبره محذوف. وتحولوا عليه أي داروا مشبهين بالحال الذي كان متقدماً على حال دورانهم أو داروا على الحال الذي هم كانوا عليه ومثل هذه الكاف تسمى بكاف المقارنة أي دورانهم مقارن بحالهم. قوله: (قد أعجبهم) فاعل أعجب هو رسول الله ﷺ . و (إذ كان) بدل اشتمال له أو كان إذ فاعل إذ هو ههنا للزمان المطلق أي أعجبهم زمان كان يصلي رسول الله ﷺ نحو بيت المقدس لأنه كان قبلتهم فإعجابهم لموافقة قبلة رسول الله ﷺ قبلتهم. قوله: (وأهل الكتاب) عطف على اليهود فأما أن يراد به العموم فهو عام عطف على خاص أي جميع أهل الكتاب أو المراد به النصارى فقط خاص عطف على خاص وجعلوا تابعة لأنه لم يكن قبلتهم بل إعجابهم كان بالتبعية لليهود ويحتمل أن تكون الواو بمعنى مع ومعناه كان يصلي نحو بيت المقدس مع أهل الكتاب وهذا هو الأظهر لو صح رواية النصب. قوله: (ولى) أي أقبل رسول الله ﷺ (وجهه) نحو الكعبة (أنكروا) أي أهل الكتاب. قال تعالى (سيقول السفهاء من الناس ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها) قوله: (قال زهير) يحتمل أن البخاري ذكره على سبيل التعليق منه ويحتمل أن يكون داخلاً تحت تحديثه السابق سيما لو جوزنا العطف بتقدير حرف العطف كما هو مذهب النحاة. قوله: (على القبلة) أي المنسوخة التي هي بيت المقدس و (رجال) فاعل مات. قوله: (وقتلوا) أي رجال قبل أن تحول القبلة. فإن قلت قيد المعطوف عليه لا يلزم أن يكون قيداً في المعطوف عند النحاة فمن أيد قيد به بقوله: قبل أن تحول وكذا عند الأصوليين
стр. 166
أَنْ تُحَوَّلَ رِجَالٌ وَقُتِلُوا، فَلَمْ نَدْرِ مَا نَقُولُ فِيهِمْ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ)
ــ
عطف المطلق أو العام على الخاص أو المقيد ليس مخصصاً للعام ولا مقيداً للمطلق. قلت السياق يقتضي التقييد وحمل المطلق على المقيد. فإن قلت الواجب أن يقال أو قتلوا بأو لا بالواو. قلت يحتمل أن يكون المقتولون نفس الميتين وفائدة ذكر القتل بيان كيفية موتهم إشعاراً بشرفهم واستبعاداً لضياع طاعتهم أو أن العقل قرينة لكونها بمعنى أو. فإن قلت كما أن النكرة المعادة يجب أن لا تكون هي بعينها الأولى فهل الضمير الراجع إلى النكرة مثل ذلك. قلت ليس مثله بل يحتمل المغايرة والاتحاد. قوله: (فلم ندر) أي فلم نعلم أن طاعتهم ضائعة أم لا فأنزل الله الآية. فإن قلت هل فرق من جهة علم المعاني بين أن يقال ما يضيع الله إيمانكم وبين ما عليه التلاوة من القرآن العظيم. قلت الفرق التأكيد وعدمه. الزمخشري: ما كان معناه ما صح يعني فيه نفي إمكان الإضاعة وهو أبلغ من نفي الإضاعة نفسها. فإن قلت سياق كلام البراء يقتضي أن يقال إيمانهم بلفظ الغيب. قلت المقصود تعميم الحكم للأمة حياً وميتاً حاضراً وغائباً فذكر الأحياء المخاطبون تغليباً لهم على غيرهم. النووي: في الحديث فوائد منها ما ترجم له وهو كون الصلاة من الإيمان ومنها استحباب إكرام القادم أقاربه بالنزول عليهم ومنها أن محبة الإنسان الانتقال من حال من الطاعة إلى أكمل منه ليس قادحاً في الرضا بل هو محبوب ومنها جواز النسخ وأنه لا يثبت في حق المكلف حتى يبلغه لأن أهل المسجد صلوا إلى بيت المقدس بعض صلاتهم بعد النسخ لكن قبل بلوغه إليهم ومنها أن الصلاة الواحدة تجوز إلى جهتين بدليلين فيؤخذ منه أن من صلى بالاجتهاد إلى جهة ثم تغير اجتهاده في أثناء الصلاة فظن القبلة في جهة أخرى ولم يتيقن ذلك يتحول إلى الجهة الثانية ويبنى على ما مضى من صلاته حتى لو صلى الظهر إلى الجهات الأربع كل ركعة إلى جهة بالاجتهاد أجزأه قال وقد استدل به جماعة على قبول خبر الواحد ولا نسلم لهم الاستدلال به لأن هذا الواحد احتفت قرائن بخبره فأفاد العلم لأن القوم كانوا متوقعين تحويل القبلة وكان النبي ﷺ بقربهم وغيره من القرائن وأقول وبهذا سقط ما يقال هذا نسخ للمقطوع به بالظن الذي هو خبر الواحد واختلف العلماء في أن استقبال بيت المقدس كان ثابتاً بالقرآن أم لا ذهب أكثرهم أنه بالسنة ففيه دليل على أن القرآن ناسخ للسنة. قال التيمي تحولوا من بيت المقدس إلى الكعبة بقول الواحد لحلفه بالله تصديقاً منهم له في ذلك. قال ابن بطال الآية المذكورة أقطع الحجج للجهمية والمرجئة في قولهم أن الأعمال
стр. 167
باب حسن إسلام المرء
قَالَ مَالِكٌ أَخْبَرَنِى زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ أَنَّ عَطَاءَ
ــ
لا تسمى إيماناً. قال البخاري ﵁ (باب حسن إسلام المرء) قوله: (قال مالك) أعلم أنه لم يدرك زمن مالك فهذا تعليق منه بلفظ جازم فهو صحيح ولا قدح فيه. قال ابن حزم الظاهري أنه قادح في الصحة لأنه منقطع وليس كما قال لأنه موصول من جهات آخر صحيحة ولم يذكره لشهرته وكيف وقد عرف من شرط البخاري وعادته أنه لا يجزم به إلا بتثبيت وثبوت. فإن قلت هل يصدق عليه اسم المنقطع باصطلاح المحدثين. قلت نعم لأن المنقطع ما لم يتصل إسناده على أي وجه كان لكنه منقطع حكمه حكم المتصل في كونه صحيحاً لما علم من شرط البخاري وشرط الكتاب. فإن قلت فهل هو معضل. قلت كل ما كان الساقط من إسناده رجلين فأكثر سمي معضلاً بفتح الضاد وههنا يحتمل أن يكون الساقط بين البخاري وبين مالك في هذا الإسناد من هذا الحديث رجلين وأن يكون واحداً فهو محتمل للأعضال فإن قلت فهل هو مرسل. قلت هذا يرجع إلى الاصطلاح فعند المحدثين مرسل إذ هو بمعنى المنقطع عندهم وأما أكثر الأصوليين فقالوا المرسل قول التابعي قال رسول الله ﷺ وبعضهم قال قول العدل قال ﷺ . قال ابن بطال أسقط البخاري بعض هذا الإسناد قال وهو مشهور من حديث مالك في غير الموطأ بهذه العبارة قال رسول الله ﷺ (إذا أسلم الكافر فحسن إسلامه كتب الله تعالى له كل حسنة كان زلفها ومحا عنه كل سيئة وكان عمله بعد الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف والسيئة بمثلها إلا أن يتجاوز الله عنها) ذكره الدارقطني في غريب حديث مالك ورواه عنه من تسع طرق وأثبت فيها كلها ما أسقطه البخاري أن الكافر إذا حسن إسلامه يكتب له في الإسلام كل حسنة عملها في الكفر وقال ابن بطال ولله تعالى أن يتفضل على عباده بما شاء وهو كقوله: ﷺ لحكيم بن حزام ﵁ (أسلمت على ما أسلفت من خير) وقال أبو عبد الله المازري الجاري على الأصول أنه لا يصح من الكافر التقرب فلا يثاب على طاعته ويصح أن يكون مطيعاً غير متقرب كنظره في الإيمان فإنه مطيع به من حيث أنه موافق للأمر فالطاعة هي موافقة الأمر ولا يكون متقرباً لأن من شرط المتقرب أن يكون عارفاً بالمتقرب إليه وهو في حين كفره لا يعرف الله تعالى فيؤول حديث حكيم ونحوه على أنه اكتسب أفعالاً جميلة ينتفع بها في الإسلام أو أنه حصل له ثناء جميل وهو باق عليه في الإسلام أو أنه يزاد في حسناته التي يفعلها في الإسلام بسبب ذلك. القاضي عياض معناه أنه ببركة ما سبق له من خير هداه الله إلى الإسلام وأن من ظهر منه خير في أول أمره فهو دليل على سعادة آخرته وحسن عاقبته وقال ابن بطال أن الحديث على ظاهره ومعناه أن الكافر إذا فعل أفعالاً جميلة على جهة
стр. 168
ابْنَ يَسَارٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِىَّ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ «إِذَا أَسْلَمَ الْعَبْدُ فَحَسُنَ إِسْلَامُهُ يُكَفِّرُ اللَّهُ عَنْهُ كُلَّ سَيِّئَةٍ كَانَ
ــ
التقرب إلى الله تعالى كصدقة وصلة رحم وإعتاق ثم أسلم يكتب له كل ذلك ويثاب عليه إذا مات على الإسلام دليله حديث أبي سعيد الذي رواه الدارقطني فهو نص صريح فيه وحديث حكيم ظاهر فيه وهذا أمر لا يحيله العقل وقد ورد الشرع به فوجب قبوله وأما دعوى كونه مخالفاً للأصول فغير ظاهر وأما قول الفقهاء لا تصح العبادة من الكافر فلو أسلم لم يعتد بها فمرادهم أنه لا يعتد بها في أحكام الدنيا وليس فيه تعرض لثواب الآخرة وقد يعتقد ببعض أفعاله في الدنيا فقد قال الفقهاء إذا لزم الكافر كفارة ظهار أو غيرها فكفر في حال كفره أجزأه ذلك واختلفوا فيما لو أجنب واغتسل في كفره ثم أسلم هل يلزمه إعادة الغسل فقال بعض أصحابنا يصح منه كل طهارة وإذا أسلم صلى بها. قوله: (زيد بن أسلم) بصيغة التفضيل من السلامة هو أبو أسامة القرشي المكي التابعي مولى عمر بن الخطاب ﵁. وأما (عطاء بن يسار) بالمثناة التحتانية والسين المهملة هو أبو محمد المدني الهلالي مولى ميمونة أم المؤمنين وقد مر ذكرهما في باب كفران العشير وهذا الإسناد مسلسل بلفظ الأخبار على سبيل الانفراد وهو القراءة على الشيخ إذا كان القارئ وحده وهذا عند من فرق بين الأخبار والتحديث وبين أن يكون معه غيره أو لا يكون. قوله: (يقول) فإن قلت لم عدل عن لفظ الماضي إلى المضارع مع أن القضية ماضية ومع أنه هو المناسب لسمع. قلت لغرض الاستحضار كأنه يقول الآن وكأنه يريد أن يطلع الحاضرين على ذلك القول مبالغة في تحقق الوقوع وذلك كقوله: تعالى (إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون) حيث لم يقل فكان. قوله: (فحسن) عطف على اسلم وجزاء الشرط يكفر الله ويجوز فيه الرفع والجزم نحو:
إذا أتاه خليل يوم مسغبة يقول لا غائب مالي ولا حرم
وعند الجزم يلتقي الساكنان فيحرك بالكسر والرواية إنما هي بالرفع ومعنى حسن إسلام المرء الدخول فيه بالظاهر والباطن جميعاً يقال في عرف الشرع حسن إسلام فلان إذا دخل فيه حقيقة وقال ابن بطال معناه ما جاء في حديث جبريل الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه أراد مبالغة الإخلاص لله سبحانه بالطاعة والمراقبة له. النووي: معنى حسنة أنه يسلم غسلاماً محققاً بريئاً من الشكوك. قوله: (يكفر الله) الكفر التغطية وهي في المعاصي كالإحباط في الطاعات. قال الزمخشري التكفير إماطة المستحق من
стр. 169
زَلَفَهَا، وَكَانَ بَعْدَ ذَلِكَ الْقِصَاصُ، الْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ، وَالسَّيِّئَةُ بِمِثْلِهَا إِلَاّ أَنْ يَتَجَاوَزَ اللَّهُ عَنْهَا».
٤٠ - حدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُور
ــ
العقاب بثواب أزيد أو بتوبة. قوله: (زلفها) بتشديد اللام وبالفاء أي أسلفها وقدمها يقال زلفته تزليفاً وأزلفته إزلافاً بمعنى التقديم وأصل الزلفة القربة وفي بعض نسخ المغاربة زلفها بتخفيف اللام ويؤيد هذا المعنى قوله: ﷺ (الإسلام يجب ما قبله) أي يهدمه ويمحوه. قوله: (وكان بعد ذلك) أي بعد حسن الإسلام القصاص وهو مقابلة الشي بالشيء أي كل شيء يعمله يوضع في مقابلة شيء أن خيراً فخير وإن شراً فشر وهو مرفوع بأنه اسم كان وهو يحتمل أن تكون ناقصة وأن تكون تامة. فإن قلت لم قال كان والسياق يقتضي لفظ المضارع قلت هو لتحقق وقوعه كأنه واقع نحو (ونادى أصحاب الجنة). قوله: (الحسنة) مبتدأ. و (بعشر) خبره والجملة استئنافية قال تعالى (من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها) و (على سبعمائة ضعف) متعلق بمقدر أي منتهياً إلى سبعمائة فهو منصوب على الحال. قال تعاني (مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة والله يضاعف لمن يشاء) الآية. فإن قلت بين في الحديث الانتهاء إلى سبعمائة و (والله يضاعف لمن يشاء) يدل على أنه قد يكون الانتهاء إلى أكثر. قلت المراد أن الله تعالى يضاعف تلك المضاعفة وهو أن يجعلها سبعمائة وهو ظاهر وإن قلنا أن معناه أنه يضاعف السبعمائة بأن يزيد عليها أيضاً فذلك في مشيئة الله وأما المتحقق فهو إلى السبعمائة فقط. قوله: (ضعف) الجوهري: ضعف الشيء مثله وضعفاه ثملاه. فإن قلت فلم أوجب الفقيه فيما إذا أوصى بضعف نصيب ابنه مثل نصيبه وبضعفي نصيبه ثلاثة أثماله قلت المعتبر في الوصايا والأقارير العرف العامي لا الموضوع اللغوي وقد يجاب أيضاً بأنه اسم يقع على العدد بشرط أن يكون معه عدد آخر أو أكثر فإذا قيل ضعف العشرة لزم أن يجعلها عشرين بلا خلاف لأنه أول مراتب تضعيفها ولو قال له عندي ضعف درهم لزمه درهمان ضرورة الشرط المذكور كما إذا قيل هو أخو زيد اقتضى أن يكون زيد أخاه وإذا لزم المزاوجة دخل في الإقرار وعلى هذا له ضعفا درهم يتنزل على ثلاثة دراهم وليس ذلك بناءً على ما يتوهم أن ضعف الشيء موضوعه مثلاه وضعفيه موضوعه ثلاثة أمثاله بل ذلك لأن موضوعه المثل بالشرط المذكور ومن البين فيه أنهم ألزموا في ضعفي الشيء ثلاثة أمثاله ولو كان موضوع الضعف المثلين لكان الضعفان أربعة الأمثال. قوله: (بمثلها) يعني لا يزاد عليها وهذا من فضل الله وسعة رحمته حيث جعل الحسنة
стр. 170
قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّامٍ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «إِذَا أَحْسَنَ أَحَدُكُمْ إِسْلَامَهُ، فَكُلُّ حَسَنَةٍ يَعْمَلُهَا
ــ
كالعشر والسيئة كما هي بلا زيادة. قال تعالى (ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها) قوله: (إلا أن يتجاوز الله عنها) أي يعفو عنها وهذا دليل لأهل السنة في أن أصحاب المعاصي لا يقطع عليهم بالنار بل هم في مشيئة الله تعالى خلافاً للمعتزلة حيث قطعوا بعقاب صاحب الكبيرة إذا مات بلا توبة منها. النووي: لا يشترط في تكفير سيئات زمن الكفر وكتبه حسناته أن يكثر من الطاعات في الإسلام ويلازم الإخلاص في كل فعل من أفعاله. قوله: (حدثنا إسحق بن منصور) ابن بهرام. هو أبو يعقوب الكوسج وهو من أهل مرو سكن نيسابور ورحل إلى العراق والحجاز والشام روى عنه الجماعة إلا أبا داود وهو أحد الأئمة من أصحاب الحديث وهو الذي دون عن أحمد المسائل وقال حسان بن محمد سمعت مشايخنا يذكرون أن إسحق بلغه أن الإمام أحمد رجع عن بعض تلك المسائل التي علقها عنه قال فجمعها في جراب وحمله على ظهره وخرج راجلاً إلى بغداد وهي على ظهره وعرض خطوط أحمد عليه في كل مسألة استفتاه عنها فأقر له بها ثانياً وأعجب ذلك أحمد من شأنه مات بنيسابور سنة إحدى وخمسين ومائتين والمشهور فتح باء بهرام. النووي: بهرام بكسر الموحدة. قوله: (عبد الرزاق) هو ابن همام بن نافع أبو بكر الحميري مولاهم اليماني الصنعاني روى عنه سفيان وهو شيخه. قال أخو عبد الرزاق عبد الوهاب بن همام: كنت عند معمر فقال عبد الرزاق بن همام خليق أن تضرب إليه أكباد الإبل. قال أحمد بن صالح: قلت لأحمد بن حنبل رأيت أحداً أحسن من عبد الرزاق فقال لا. قال البخاري مات سنة إحدى عشرة مائتين باليمن روى له الجماعة قوله: (معمر) بفتح الميمين هو ابن راشد أبو عروة البصري سكن اليمن أدرك الحسن وشهد جنازته قال الطبراني فقد معمر فلم ير له أثر وقد مر ذكره في أول الكتاب. قوله: (همام) بتشديد الميم هو أبو عقبة ابن منبه بن كامل اليماني الصنعاني الذماري بكسر الذال المعجمة وذمار على مرحلتين من صنعاء الأبناوي منسوب إلى الأبنا وهم قوم باليمن من ولد الفرس الذين جهزهم كسرى مع سيف بن ذي يزن إلى ملك الحبشة فغلبوا الحبشة وأفاءوا باليمن والأبناوي هو بفتح الهمزة ثم بباء موحدة ساكنة ثم نون وبعد الألف واو وهمام هو أخو وهب بن منبه وهو أكبر من وهب توفي همام سنة إحدى وثلاثين ومائة بصنعاء. قوله: (أحدكم) الخطاب فيه بحسب اللفظ وإن كان للصحابة الحاضرين لكن الحكم عام لما علم أن حكمه على
стр. 171
تُكْتَبُ لَهُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ، وَكُلُّ سَيِّئَةٍ يَعْمَلُهَا تُكْتَبُ لَهُ بِمِثْلِهَا».
باب أَحَبُّ الدِّينِ إِلَى اللَّهِ أَدْوَمُهُ
٤١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ هِشَامٍ قَالَ أَخْبَرَنِى أَبِى عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ
ــ
الواحد حكم على الجماعة إلا بدليل متصل وكذا حكم تناوله للنساء وكذا فيما قال إذا أسلم المرء أو العبد فإن المراد منه الرجال والنساء جميعاً بالاتفاق إنما النزاع في كيفية التناول أهي حقيقة عرفية أو شرعية أو مجاز أو غير ذلك. قوله: (فكل حسنة) قال في الحديث السابق الحسنة والسيئة وههنا كل حسنة وكل سيئة ولا تفاوت بينهما من جهة المعنى إذ اللام فيهما للاستغراق وكذا لا تفاوت في إطلاق الحسنة ثم والتقييد هنا بقوله: يعملها إذ المطلق محمول على المقيد لأن الحسنة المنوية لا تكتب بالعشر إذ لابد من العمل حتى تكتب بها وأما السيئة فلا اعتداد بها دون العمل أصلاً وكذا في زيادة لفظ يكتب هنا إذ ثمة أيضاً مقدر به لأن الجار لابد له من متعلق وهو يكتب أو يثبت ونحوهما وقال بعض العلماء لما وصف الإسلام بالحسن وحسن الشيء زائد على ماهيته تعين أن يكون في الأعمال لأن الاعتقاد لا يقبل الزيادة قال البخاري ﵁ (باب أحب الدين) أي أحب العمل إذ الدين هو الطاعة ومناسبته لكتاب الإيمان من جهة أن الدين والإسلام والإيمان واحد. قوله: (أدومه) هو أفعل من الدوام وهو شمول جميع الأزمنة أي التأبيد. فإن قلت شمول الأزمنة لا يقبل التفضيل فما معنى الأدوم قلت المراد بالدوام هو الدوام العرفي وذلك قابل للكثرة والقلة ومحبة الله للدين إرادة إيصال الثواب عليه. قوله: (محمد بن المثنى) هو أبو موسى البصري المعروف بالزمن روى عنه الجماعة وقد مر في باب حلاوة الإيمان. قوله: (يحيى) هو ابن سعيد القطان الأحول أبو سعيد التميمي مولاهم البصري وقد مر ذكره في باب من الإيمان أن يحب لأخيه. قوله: (هشام) بكسر الهاء وتخفيف الشين المعجمة بن عروة بن المنذر المدني التابعي توفي ببغداد سنة ست وأربعين ومائة ودفن بمقبرة الخيزران. قوله: (أبي) أي عروة بن الزبير أبو عبد الله التابعي الجليل أحد الفقهاء السبعة بالمدينة. عائشة خالته وأسماء أمه والزبير والده والصديق جده رضي الله
стр. 172
دَخَلَ عَلَيْهَا وَعِنْدَهَا امْرَأَةٌ قَالَ «مَنْ هَذِهِ». قَالَتْ فُلَانَةُ. تَذْكُرُ مِنْ صَلَاتِهَا. قَالَ «مَهْ، عَلَيْكُمْ بِمَا تُطِيقُونَ، فَوَاللَّهِ لَا يَمَلُّ اللَّهُ حَتَّى تَمَلُّوا». وَكَانَ أَحَبَّ الدِّينِ إِلَيْهِ
ــ
عنهم وقد تقدم ذكرهما في الحديث الثاني من الصحيح. قوله: (امرأة) اسمها حولاء تأنيث الأحول وهي من بني أسد سنذكرها في باب التهجد. قوله: (قال) فإن قلت لم عطف قال على دخل. قلت لأنه جواب سؤال كان قائلاً قال ماذا قال إذا دخل قالت قال وفي بعضها فقال بالفاء. قوله: (فلانة) أي الحولاء الأسدية وفلانة غير منصرف لأن حكمها حكم أعلام الحقائق كاسامة لأنها كناية عن كل علم مؤنث أي علم لكل علم للأناس المؤنثة ففيها العلمية والتأنيث. قوله: (تذكر) بالتاء الفوقانية المفتوحة وروى بالمثناة التحتانية المضمومة على فعل ما لم يسم فاعله ومن صلاتها مفعول له. قوله: (مه) الجوهري هي كلمة بنيت على السكون وهي اسم سمي به الفعل ومعناه اكفف فإن وصلت نونته فقلت مه مه يقال مهمهت به أي زجرته. التيمي: إذا دخله التنوين كان نكرة وإذا حذف كان معرفة وهذا القسم من أقسام التنوين الذي يختص بالدخول على النكرة ليفصل بينها وبين المعرفة فالمعرفة غير منون والنكرة منون. قوله: (عليكم) هو أيضاً من أسماء الأفعال أي ألزموا من الأعمال ما تطيقون الدوام عليه وإنما قدرنا دوام الفعل لا أصل الفعل لدلالة السياق عليه وفي بعضها بما تطيقون بالباء المتصل بما. فإن قلت الخطاب مع النساء فلم عدل عن عليكن. قلت طلباً لتعميم الحكم لجميع الأمة فغلب الذكور على الإناث في الذكر. قوله: (لا يمل) بالمثناة تحت والميم المفتوحتين. و (تملوا) بالمثناة فوق المفتوحة. اعلم أن الملال لا يجوز على الله ولا يدخل تحت صفاته فلابد من تأويل واختلف العلماء فيه فقال الخطابي معناه أنه لا يترك الثواب على العمل ما لم يتركوا العمل وذلك أن من مل شيئاً تركه فكني عن الترك بالملل الذي هو سبب الترك. وقال ابن قتيبة معناه أنه لا يمل إذا مللتم قال ومثله قوله: م في البليغ فلان لا ينقطع حتى ينقطع خصومه معناه لا ينقطع إذا انقطعت خصومه ولو كان معناه ينقطع إذا انقطعت خصومه لم يكن له فضل على غيره. وقال بعضهم معناه أن الله تعالى لا يتناهى حقه عليكم في الطاعة حتى يتناهى جهدكم قبل ذلك فلا تتكلفوا ما لا تطيقون من العمل كني بالملال عنه لأن من تناهت قوته في أمر وعجز عن فعله ملة وتركة. التيمي: قالوا معناه أن الله تعالى لا يمل أبداً مللتم أنتم أم لم تملوا نحو قولهم لا أكلمك حتى يشيب الغراب ولا يصح التشبيه لأن شيب الغراب ليس ممكناً عادة بخلاف ملال العباد. وأقول: إنه صحيح لأن المؤمن أيضاً شأنه أن لا يمل من الطاعة وهو
стр. 173
مَا دَاومَ عَلَيْهِ صَاحِبُهُ.
باب زِيَادَةِ الإِيمَانِ وَنُقْصَانِهِ . وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى (وَزِدْنَاهُمْ هُدًى)
ــ
قول ابن فورك وقال ابن الأنباري سمي فعل الله تعالى مللاً على جهة المزاوجة كقوله: تعالى (وجزاء سيئة سيئة مثلها) وأقول فلقوله: لا يمل حتى تملوا خمسة تواجيه والتأويل إما في يمل وهو ثلاثة أوجه وإما في حتى وإما في تملوا والله أعلم. قوله: (إليه) أي إلى الله ما دام أي ما واظب مواظبة عرفية وإلا فحقيقة الدوام شمول جميع الأزمنة وذلك غير مقدور. قال ابن بطال مقصود الباب أنه سمي الأعمال ديناً بخلاف قول المرجئة وإنما قال رسول الله ﷺ ذلك خشية الملال اللاحق بمن انقطع في العبادة وقد ذم الله من التزم فعل البر ثم قطعه بقوله: تعالى (ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله فما رعوها حق رعايتها) وابن عمر لما ضعف عن العمل ندم على مراجعته رسول الله ﷺ في التخفيف عنه وقال ليتني قبلت رخصة رسول الله ﷺ ولم يقطع العمل الذي كان التزمه. الخطابي: أحب الدين أي أحب الطاعة والدين في كلامهم الطاعة ومنه الحديث في صفة الخوارج يمرقون من الدين أي من طاعة الأئمة ويحتمل أن يكون أراد بذلك أحب أعمال الدين أي بحذف المضاف. التيمي: فإن قلت المراد من يمرقون من الدين من الإيمان لأنه ورد في رواية أخرى يمرقون من الإسلام. قلت الخوارج غير خارجين من الدائرة بالاتفاق فيحمل الإسلام على الاستسلام الذي هو الطاعة وقال والمقصود بالدين دين الحق لأن الدين المطلق لا يفهم منه إلا ذلك وإن كان الظاهر أن كل دين وإن كان باطلاً إذا دووم عليه فهو أحب إلى الله تعالى. النووي: في الحديث فوائد كثيرة. منها أن الأعمال تسمى ديناً وأن استعمال المجاز جائز في إطلاق الملل على الله وفيه جواز الحلف من غير استحلاف وأنه لا كراهة فيه إذا كان فيه تفخيم أمر أو حث على طاعة أو تنفير عن محذور ونحوه وفيه فضيلة الدوام على العمل وفيه بيان شفقته ﷺ ورأفته على أمته لأنه أرشدهم إلى ما يصلحهم وهو ما يمكنهم الدوام عليه بلا مشقة لأن النفس تكون فيه أنشط ويحصل منه مقصود الأعمال وهو الحضور فيها والدوام عليها بخلاف ما يشق فإنه معرض لأن يترك كله أو بعضه أو يفعله بكلفة فيفوته الخير العظيم. قال البخاري ﵁ (باب زيادة الإيمان ونقصانه) قوله: (هدى) الهدى هو الدلالة الموصلة إلى البغية وقيل هو الدلالة المطلقة. فإن قلت عقد الباب في زيادة الإيمان فكيف دل هذه الآية عليه. قلت زيادة الهدى مستلزمة لزيادة
стр. 174
(وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَاناً) وَقَالَ (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ) فَإِذَا تَرَكَ شَيْئاً مِنَ الْكَمَالِ فَهُوَ نَاقِصٌ.
٤٢ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ حَدَّثَنَا هِشَامٌ قَالَ حَدَّثَنَا قَتَادَةُ عَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِىِّ ﷺ قَالَ «يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَاّ اللَّهُ، وَفِى قَلْبِهِ وَزْنُ شَعِيرَةٍ مِنْ خَيْرٍ، وَيَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ قَالَ
ــ
الإيمان. قوله: (وقال) فإن قلت لم عدل عن أسلوب أخويه حيث قال بلفظ قال ولم يقل وقوله: تعالى قلت لأن الغرض منه ما يلزم منه وهو بيان النقصان والاستدلال به على أنه يدخله النقصان فإن الشيء إذا قبل أحد الضدين لابد أن يقبل الضد الآخر ولهذا قال فإذا ترك شيئاً من الكمال فهو ناقص بخلاف ما تقدم فإن الغرض منه إثبات الزيادة صريحاً لا استلزاماً فهو مخالف له من جهتين. قال ابن بطال هذه الآية حجة في زيادة الإيمان ونقصانه. قوله: (مسلم) بكسر اللام الخفيفة (ابن إبراهيم) هو أبو عمرو الفراهيدي القصاب البصري وقد يعرف بالشحام وفراهيد بفتح الفاء وبالراء وبالهاء المكسورة وبالمثناة التحتانية والدال المهملة قال ابن الأثير بالذال المعجمة بطن من الأزد ومنهم الخليل ابن أحمد النحوي سمع من سبعين امرأة توفي سنة اثنتين وعشرين ومائتين. قوله: (هشام) بكسر الهاء أبو بكر بن أبي عبد الله الربعي بفتح الموحدة البصري الدستوائي بفتح الدال وغسكان السين المهملتين وبعدها مثناة فوق مفتوحة وآخره همزة بلا نون وقيل الدستوائي بالقصر والنون والأول هو المشهور ودستواء كورة من كور الأهواز كان يبيع الثياب التي تجلب منها فنسب إليها. قال أبو داود الطيالسي كان الدستوائي أمير المؤمنين في الحديث. قال أحمد بن حنبل ﵁ لا يسأل عن الدستوائي ما أظن الناس يروون عن أثبت منه مثله عسى وأما أثبت منه فلا. وقال أحمد بن عبد الله هو ثقة إلا أنه كان يقول بالقدر ولم يكن يدعو إليه توفي سنة إحدى أو اثنتين أو ثلاث أو أربع وخمسين ومائة قوله: (قتادة) هو أبو الخطاب بن دعامة السدوسي البصري الأكمه ومر في باب (من الإيمان أن يحب لأخيه) وهذا الإسناد رجاله كلهم بصريون لأن أنسا ﵁ سكن البصرة ودفن فيها أيضاً قوله: (يخرج) بفتح الياء من الخروج وبضمها وفتح الراء من الإخراج. قوله: (من خير) أي من إيمان كما جاء مفسراً في الرواية الأخرى ولأن الخير بالحقيقة هو ما يقرب العبد إلى الله تعالى وما
стр. 175
لَا إِلَهَ إِلَاّ اللَّهُ، وَفِى قَلْبِهِ وَزْنُ بُرَّةٍ مِنْ خَيْرٍ، وَيَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَاّ اللَّهُ، وَفِى قَلْبِهِ وَزْنُ ذَرَّةٍ مِنْ خَيْرٍ». قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ قَالَ أَبَانُ حدّثَنا
ــ
ذاك إلا الإيمان. فإن قلت الوزن إنما يتصور في الأجسام دون الإجرام والإيمان معنى من المعاني لا جسمية فيه. قلت شبه الإيمان بالجسم فأضيف إليه ما هو من لوازم الجسم وهو الوزن ومثله يسمى استعارة بالكناية. فإن قلت تنكير إيمان يقتضي أن يكفي أي إيمان كان وبأي شيء كان لكن لابد من الإيمان بجميع ما علم مجيء الرسول به ضرورة حتى يوجب الخروج من النار. قلت الإيمان في عرف الشرع لا يطلق إلا إذا كان بجميع ما جاء به فلابد من ذلك حتى يتحقق حقيقة الإيمان ويصح إطلاقه وإنما ذكر بالتنوين التقليلي ترغيباً في تحصيله إذ لما حصل الخروج بأقل ما ينطلق عليه اسم الإيمان فبالكثير منه بالطريق الأولى. فإن قلت التصديق القلبي كاف في الخروج إذ المؤمن لا يخلد في النار وأما قول لا إله إلا الله فلا جراء أحكام الدنيا عليه فما وجه الجمع بينهما. قلت المسئلة مختلف فيها قال بعض العلماء لا يكفي مجرد التصديق بل لابد من القول والفعل أيضاً وعليه البخاري أو المراد من الخروج هو بحسب حكمنا به أي يحكم بالخروج لمن كان في قلبه إيمان ضاماً إليه غفرانه الذي يدل عليه إذ الكلمة هي شعار الإيمان في الدنيا وعليه مدار الأحكام فلابد منها حتى يصح الحكم بالخروج. فإن قلت لا يكفي قول لا إله إلا الله بل لابد من ذكر محمد رسول الله. قلت المراد المجموع وصار الجزء الأول منه علماً للكل كما يقال قرأت (قل هو الله أحد) أي قرأت كل السورة أو كان هذا قبل مشروعية ضمها إليه. قوله: (ذرة) بفتح الذال وشدة الراء واحدة الذر وهي أصغر النمل قيل وقد صحفها شعبة فضم الذال وخفف الراء وكان سببه المناسبة إذ هي من الحبوب أيضاً كالبرة والشعير والكلام من باب الترقي في الحكم وإن كان تنزلاً عن الشعيرة إلى البرة وعن البرة إلى الذرة. قال ابن بطال قال المهلب الذرة أقل الموزونات وهي في الحديث التصديق الذي لا يجوز أن يدخله النقص وما في البرة والشعيرة من الزيادة على الذرة فإنما هي زيادة من الأعمال يكمل التصديق بها وليست زيادة في نفس التصديق. فإن قيل لما أضاف هذه الأجزاء التي في الشعيرة والبرة الزائدة على الذرة إلى القلب دل أنها زائدة من التصديق لا من الأعمال والجواب أنه لما كان الإيمان التام إنما هو قول وعمل والعمل لا يكون إلا بنية وإخلاص من القلب جاز أن ينسب العمل إلى القلب إذ تمامه بتصديق القلب وقد عبر عن هذه الأجزاء من الأعمال مرة بالخير ومرة بالإيمان وكل شائع سائغ وقال غير المهلب
стр. 176
قَتَادَةُ حَدَّثَنَا أَنَسٌ عَنِ النَّبِىِّ ﷺ «مِنْ إِيمَانٍ». مَكَانَ «مِنْ خَيْرٍ».
٤٣ - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ الصَّبَّاحِ سَمِعَ جَعْفَرَ بْنَ عَوْنٍ حَدَّثَنَا أَبُو الْعُمَيْسِ أخبرنا
ــ
ويحتمل أن تكون الذرة وأختاها التي في القلب ثلاثتها من نفس التصديق لأن قول لا إله إلا الله لا يتم غلا بتصديق القلب والناس يتفاضلون في التصديق إذ يجوز عليه الزيادة بزيادة العلم والمعاينة أما زيادته بزيادة العلم فلقوله: تعالى (أيكم زادته هذه إيماناً) وأما زيادته بزيادة المعاينة فلقوله: تعالى (ولكن ليطمئن قلبي) و (ثم لترونها عين اليقين) حيث جعل له مزية على علم اليقين. التيمي: استدل البخاري بهذا الحديث على نقصان الإيمان لأنه يكون لواحد وزن شعيرة وهي أكبر من البرة والبرة اكبر من الذرة فدل على أنه يكون للشخص القائل لا إله إلا الله قدر من الإيمان لا يكون ذلك القدر لقائل آخر وأقول لا يختص بالنقصان بل يدل على الزيادة أيضاً. النووي: في الحديث الدلالة لما ترجم له وفيه دخول طائفة من عصاة الموحدين النار وفيه أن صاحب الكبيرة من الموحدين لا يكفر بفعلها ولا يخلد في النار وفيه أنه لا يكفي في الإيمان معرفة القلب دون الكلمة ولا الكلمة من غير اعتقاد. قوله: (أبان) بفتح الهمزة وتخفيف الموحدة وهو منصرف لأنه فعال كغزال ومنهم من جعله أفعل فمنع صرفه لوزن الفعل مع العلمية وهو أبو يزيد البصري العطار ذكر البخاري عنه تعليقاً لعدم تلاقيهما وذكره متابعة لا تأصلاً إما لضعفه أو لغيره وإما لضعف شيخه ونحوه وأما مسلم فقد روى له في الأصول واعلم أن فيه فوائد. الأولى ما في سائر المتابعات من التقوية والثانية ما في ذكر الإيمان بدل الخير والثالثة بيان الاحتجاج به لأن قتادة مدلس لا يحتج بعنعنته إلا إذا ثبت سماعه لذلك الذي عنعن وقد وقع في الرواية الأولى عنه وهي رواية هشام بالعنعنة حيث قال عن أنس فإذا ثبت من رواية أبان عنه التحديث والسماع إذ قال حدثنا أنس علمنا اتصال عنعنته واحتججنا بها وعلى هذا يحمل ما في الصحيحين من هذا النوع واعلم أيضاً أن الواسطة بين البخاري وأبان يحتمل أن يكون مسلم بن إبراهيم وأن يكون غيره. قوله: (الحسن) هو أبو علي بن الصباح بتشديد الباء ابن محمد البزار بالزاي ثم بالراء الواسطي سكن بغداد وتوفي بها سنة تسع وأربعين ومائتين. قوله: (جعفر) هو ابن عبد الله (بن عون) بن جعفر بن عمرو القرشي المخزومي الكوفي مات بها سنة ست ومائتين. قوله: (أبو العميس) بضم العين المهملة هو عتبة بن عبد الله بن مسعود
стр. 177
قَيْسُ بْنُ مُسْلِمٍ عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّ رَجُلاً مِنَ الْيَهُودِ قَالَ لَهُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، آيَةٌ فِى كِتَابِكُمْ تَقْرَءُونَهَا لَوْ عَلَيْنَا مَعْشَرَ الْيَهُودِ نَزَلَتْ لَاتَّخَذْنَا ذَلِكَ الْيَوْمَ عِيداً. قَالَ أَىُّ آيَةٍ قَالَ (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ
ــ
الهذلي الكوفي روى له الجماعة. قوله: (قيس بن مسلم) هو أبو عمرو الجدلي الكوفي مات سنة عشرين ومائة. قوله: (طارق) هو أبو عبد الله بن شهاب بن عبد شمس البجلي بالموحدة والجيم المفتوحتين الأحمسي الصحابي الكوفي رأى النبي ﷺ وغزا في خلافة الشيخين ثلاثاً وثلاثين من غزوة إلى سرية توفي سنة ثلاث وثمانين وهذا الإسناد رجاله كوفيون إلا أوله وآخره وقال أولاً حدثنا وثانياً سمع وثالثاً حدثنا ورابعاً أخبرنا وخامساً عنعن مراعاة لاصطلاحهم ولفظ سمع نص في قراءة الشيخ بخلاف حدثنا فإنه ظاهر فيها إذ لا فرق بين حدثنا وأخبرنا عند كثير ولا يخفى أن لفظ قال مقدر فيما لا يصح الكلام إلا بتقديره وعند القراءة يجب التلفظ به عند الجمهور. قوله: (اليهود) هو علم قوم موسى ﵇ ويهود معرفة أدخل عليها لام التعريف وسموا به اشتقاقاً من هادوا أي مالوا أما من عبادة العجل أو من دين موسى أو من هاد إذا رجع من خير إلى شر ومن شر إلى خير لكثرة انتقالهم من مذاهبهم وقيل لأنهم يتهودون أي يتحركون عند قراءة التوراة وقيل معرب من يهوذا بن يعقوب بالذال المعجمة ثم نسب إليه فقيل يهودي ثم حذف الياء في الجمع فقيل يهود وكل جمع منسوب إلى جنس الفرق بينه وبين واحدة بالياء وعدمها نحو رومي وروم. قوله: (آية) مبتدأ و (في كتابكم) صفته. و (تقرءونها) صفة أخرى. و (لو علينا) تقديره لو نزلت علينا لأن لولا تدخل إلا على الفعل ونزلت المذكور مفسر لنزلت المقدر نحو (لو أنتم تملكون) والجملة الشرطية خبر المبتدأ أو آية مبتدأ بتقدير آية عظيمة. وفي كتابكم خبره وكذا تقرءونها ويحتمل أن يكون خبره محذوفاً وهو في كتابكم مقدماً عليه وفي كتابكم المؤخر مفسر له. قوله: (معشر) منصوب على الاختصاص أي أعني معشر اليهود والمعشر الجماعة الذين شأنهم واحد. قوله: (لاتخذنا ذلك اليوم عيدا) أي لعظمناه وجعلناه عيداً لنا في كل سنة لعظم ما حصل فيه من كمال الدين والعيد فعل من العود وإنما سمي به لأنه يعود كل عام. قال الزمخشري في قوله: تعالى (تكون لنا عيدا) قيل العيد هو السرور العائد ولذلك يقال يوم عيد كأن معناه يكون لنا سروراً وفرحاً. وقال في قوله: تعالى (اليوم أكملت لكم دينكم) أي أكملت لكم
стр. 178
وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلَامَ دِيناً). قَالَ عُمَرُ قَدْ عَرَفْنَا ذَلِكَ الْيَوْمَ وَالْمَكَانَ الَّذِى نَزَلَتْ فِيهِ عَلَى النَّبِىِّ ﷺ وَهُوَ قَائِمٌ بِعَرَفَةَ يَوْمَ جُمُعَةٍ.
ــ
ما تحتاجون إليه في تكليفكم من تعليم الحلال والحرام والتوقيف على الشرائع وقوانين القياس (وأتممت عليكم نعمتي) بذلك أي بكمال أمر الدين لأنه لا نعمة أتم من نعمة الإسلام (ورضيت لكم الإسلام ديناً) بمعنى اخترته لكم ن بين الأديان وآذنتكم بأنه هو الدين المرتضى وحده. قوله: (أي آية) فإن قلت هل فرق بين أن يقال أي آية وأن يقال ما تلك الآية. قلت نعم السؤال بأي إنما هو عما يميز أحد المتشاركات وبما عن الحقيقة والغرض ههنا طلب تعيين تلك الآية وتمييزها عن سائر الآيات التي في الكتاب مقروءة قوله: (قد عرفنا) معناه أنا ما أهملناه ولا خفي علينا زمان نزولها ولا مكان نزولها وضبطنا جميع ما يتعلق بها حتى صفة النبي ﷺ وموضعه في زمان النزول وهو كونه قائماً حينئذ وهو غاية في الضبط. فإن قلت عرفة والجمعة يدلان على الزمان فما الذي يدل على مكان النزول. قلت أما أن يقال علم من عرفة أيضاً أما لأن زمان الوقوف بعرفة أنما هو في عرفات وأما لأن عرفة قد تطلق على عرفات أيضاً فيراد ههنا كلا المعنيين على مذهب من جوز أعمال اللفظ المشترك في معنييه كالشافعي وغيره أو يقال إنما قال عرفنا المكان ولكن لم نتعرض لتعيينه. فإن قلت بم يتعلق بعرفة. قلت أما بقائم وإما بنزلت. قوله: (يوم الجمعة) في بعض الروايات يوم جمعة وهو بضم الميم وإسكانها وفتحها والفرق بين فعلة ساكن العين وفعلة متحركة أن الساكن بمعنى المفعول والمتحرك بمعنى الفاعل يقال رجل ضحكة بسكون الحاء أي مضحوك عليه وضحكة بتحريك الحاء أي ضاحك على غيره وكذا همزة لمزة فمعناه إما مجموع فيه الناس وإما جامع للناس وهذه قاعدة كلية. فإن قلت عرفة غير منصرف اتفاقاً للعلمية والتأنيث فما بال الجمعة منصرفاً مع أنها مثلها في كونها اسماً للزمان المعين وفيه تاء التأنيث قلت عرفة علم والجمعة صفة أو غير صفة ليس علماً ولو جعل علماً لامتنع من الصرف. فإن قلت كيف طابق الجواب السؤال لأنه قال لاتخذناه عيداً وقال عمر ﵁ عرفنا أحواله ولم يقل جعلناه عيداً. قلت لما بين أن يوم النزول كان عرفة ومن المشهورات أن اليوم الذي بعد عرفة هو عيد للمسلمين فكأنه قال جعلناه عيداً بعد إدراكنا استحقاق ذلك اليوم للتعييد فيه. فإن قلت فلم ما جعلوا يوم
стр. 179
بَابُ الزَّكَاةُ مِنَ الإِسْلَامِ . وَقوله: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَاّ لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ القَيِّمَةِ﴾.
٤٤ - حَدَّثنا إِسْمَاعِيلُ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، عَنْ عَمِّهِ أَبِي سُهَيْلِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّهُ سَمِعَ طَلْحَةَ بْنَ عُبَيْدِ اللهِ يَقُولُ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ صَلى
ــ
النزول عيداً. قلت لأنه ثبت في الصحيح أن النزول كان بعد العصر ولا يتحقق العيد إلا من أول النهار ولهذا قال الفقيه ورؤية الهلال بالنهار لليلة المستقبلة. فإن قلت كيف دل هذه القصة على ترجمة الباب. قلت من جهة أنها مشتملة على الآية الدالة عليها وعلى أن نزولها في عرفة من حجة الوداع التي هي آخر عهد البعثة حين تمت الشريعة وأركانها. النووي: معناه أنا ما تركنا تعظيم ذلك اليوم والمكان أما المكان فهو عرفات وهو معظم الحج الذي هو أحد أركان الإسلام. وأما الزمان فهو يوم الجمعة ويوم عرفة وهو يوم اجتمع فيه فضلان وشرفان ومعلوم تعظيمنا لكل واحد منهما فإذا اجتمعا زاد التعظيم فقد اتخذنا ذلك اليوم عيداً وعظمنا مكانه أيضاً وهذا كله كان في حجة الوداع وعاش النبي ﷺ بعدها ثلاثة أشهر. قال البخاري رضي الله تعالى عنه (باب الزكاة من الإسلام) قوله: (الزكاة) مرفوع (وقول الله) مجرور. و (إلا ليعبدوا الله) استثناء من أعم عام المفعول لأجله أي ما أمروا لأجل شيء إلا للعبادة. و (حنفاء) جمع حنيف وهو المائل عن الضلال إلى الهداية (ويقيموا الصلاة) من باب عطف الخاص على العام وفيه تفضيل الصلاة والزكاة على سائر العبادات وقد مر معاني إقامة الصلاة (وذلك دين القيمة) أي دين الملة المستقيمة وقد جاء قام بمعنى استقام ومنه قوله: تعالى (أمة قائمة) أي مستقيمة قاله الزمخشري. قوله: (إسمعيل) أي ابن أبي أويس وهو إسمعيل بن عبد الله الأصبحي المدني ابن أخت الإمام مالك شيخه وخاله وأبو أويس بن عم مالك وقد مر في باب تفاضل أهل الإيمان. قوله: (حدثني مالك) قال أولاً حدثنا إسمعيل وههنا حدثني مالك لأن الشيخ قرأ له ولغيره ثمة وهنا قرأ له وحده. قوله: (عن عمه أبي سهيل) هو نافع بن مالك ابن أبي عامر المدني (عن أبيه) أي عن مالك بن أبي عامر وهو من اللطائف إذ يروي إسمعيل عن خاله عن عمه عن أبيه. قوله: (طلحة) هو أبو محمد بن عبيد الله بن عثمان بن عمرو القرشي التيمي
стр. 180
الله عَلَيهِ وسَلمَ مِنْ أَهْلِ نَجْدٍ مِنْ أَهْلِ نَجْدٍ، ثَائِرُ الرَّاسِ، يُسْمَعُ دَوِىُّ صَوْتِهِ، وَلَا يُفْقَهُ
ــ
المكي أحد العشرة المبشرة والثمانية الذين سبقوا إلى الإسلام والستة أصحاب الشورى والخمسة الذين أسلموا على يد الصديق ﵃ شهد المشاهد مع رسول الله ﷺ إلا بدراً فإنه بعثه رسول الله ﷺ إلى طريق الشام يتجسس الأخبار وقدم من الشام بعد رجوع رسول الله ﷺ من بدر فكلم رسول الله ﷺ في سهمه فقال له رسول الله ﷺ لك سهمك قال وأجري يا رسول الله قال وأجرك وسماه رسول الله ﷺ طلحة الخير وطلحة الجود وطلحة الفياض ويقال طلحة الطلحات أيضاً وليس هو طلحة الطلحات الذي قيل فيه:
نضر الله أعظما دفنوها بسجستان طلحة الطلحات
لأن هذا خزاعي مدفون بسجستان وكان الصديق ﵁ إذا ذكر يوم أحد يقول ذاك كله لطلحة وجعل يومئذ طلحة نفسه وقاية لرسول الله ﷺ . روى له عن رسول الله ﷺ ثمانية وثلاثون حديثاً ذكر البخاري منها أربعة قتل يوم الجمل سنة ست وثلاثين وهو ابن أربع وستين قيل اغتزل يوم الجمل في بعض الصفوف فرمى بسهم فقطع من رجله عرق النسا فلم يزل ينزف دمه حتى مات وأقر مروان بن الحكم أنه رماه والتفت إلى أبان بن عثمان فقال قد كفيناك بعض قتلة أبيك وقالت عائشة ﵂ طلحة ممن قضى نحبه وما بدلوا تبديلاً قال ابن قتيبة دفن بقنطرة فره ثم رأت بنته بعد موته بثلاثين سنة في المنام أنه يشو إليها النداوة فأمرت به فاستخرج طرياً ودفن بدار الهجرة بالبصرة وقبره مشهور. قوله: (نجد) الجوهري: نجد من بلاد العرب وكل ما ارتفع من تهامة إلى أرض العراق فهو نجد وهو مذكر وقال ابن بطال هذا الرجل النجدي هو ضمام بالضاد المعجمة المكسورة ابن ثعلبة من بني سعد بن بكر. قوله: (ثائر الرأس) أي منتفش شعر الرأس ومنتشرة يقال ثار الغبار إذا انتشرت وفتنة ثائرة أي منتشرة وأوقع اسم الرأس على الشعر أما لأن الشعر منه ينبت كما يطلق اسم السماء على المطر لأنه من السماء ينزل وأما لأنه جعل نفس الرأس ذا ثوران على طريق المبالغة أو يكون من باب حذف المضاف بقرينة عقلية وثائر مرفوع بأنه صفة لرجل وقيل منصوب على الحال. فإن قلت شرط الحال أن يكون نكرة وهو مضاف فيكون معرفة قلت إضافته لفظية فلا تفيد إلا تخصيصاً. قوله: (دوي) بفتح الدال وكسر الواو وشدة الياء على المشهور وحكى ضم الدال وهو بعد الصوت في الهواء وعلوه ومعناه صوت شديد لا يفهم منه شيء كدوي النحل (ونسمع ونفقه) بالنون
следующие страницы →