Полный текст (5 685 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
قَتَادَةُ حَدَّثَنَا أَنَسٌ عَنِ النَّبِىِّ ﷺ «مِنْ إِيمَانٍ». مَكَانَ «مِنْ خَيْرٍ».
٤٣ - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ الصَّبَّاحِ سَمِعَ جَعْفَرَ بْنَ عَوْنٍ حَدَّثَنَا أَبُو الْعُمَيْسِ أخبرنا
ــ
ويحتمل أن تكون الذرة وأختاها التي في القلب ثلاثتها من نفس التصديق لأن قول لا إله إلا الله لا يتم غلا بتصديق القلب والناس يتفاضلون في التصديق إذ يجوز عليه الزيادة بزيادة العلم والمعاينة أما زيادته بزيادة العلم فلقوله: تعالى (أيكم زادته هذه إيماناً) وأما زيادته بزيادة المعاينة فلقوله: تعالى (ولكن ليطمئن قلبي) و (ثم لترونها عين اليقين) حيث جعل له مزية على علم اليقين. التيمي: استدل البخاري بهذا الحديث على نقصان الإيمان لأنه يكون لواحد وزن شعيرة وهي أكبر من البرة والبرة اكبر من الذرة فدل على أنه يكون للشخص القائل لا إله إلا الله قدر من الإيمان لا يكون ذلك القدر لقائل آخر وأقول لا يختص بالنقصان بل يدل على الزيادة أيضاً. النووي: في الحديث الدلالة لما ترجم له وفيه دخول طائفة من عصاة الموحدين النار وفيه أن صاحب الكبيرة من الموحدين لا يكفر بفعلها ولا يخلد في النار وفيه أنه لا يكفي في الإيمان معرفة القلب دون الكلمة ولا الكلمة من غير اعتقاد. قوله: (أبان) بفتح الهمزة وتخفيف الموحدة وهو منصرف لأنه فعال كغزال ومنهم من جعله أفعل فمنع صرفه لوزن الفعل مع العلمية وهو أبو يزيد البصري العطار ذكر البخاري عنه تعليقاً لعدم تلاقيهما وذكره متابعة لا تأصلاً إما لضعفه أو لغيره وإما لضعف شيخه ونحوه وأما مسلم فقد روى له في الأصول واعلم أن فيه فوائد. الأولى ما في سائر المتابعات من التقوية والثانية ما في ذكر الإيمان بدل الخير والثالثة بيان الاحتجاج به لأن قتادة مدلس لا يحتج بعنعنته إلا إذا ثبت سماعه لذلك الذي عنعن وقد وقع في الرواية الأولى عنه وهي رواية هشام بالعنعنة حيث قال عن أنس فإذا ثبت من رواية أبان عنه التحديث والسماع إذ قال حدثنا أنس علمنا اتصال عنعنته واحتججنا بها وعلى هذا يحمل ما في الصحيحين من هذا النوع واعلم أيضاً أن الواسطة بين البخاري وأبان يحتمل أن يكون مسلم بن إبراهيم وأن يكون غيره. قوله: (الحسن) هو أبو علي بن الصباح بتشديد الباء ابن محمد البزار بالزاي ثم بالراء الواسطي سكن بغداد وتوفي بها سنة تسع وأربعين ومائتين. قوله: (جعفر) هو ابن عبد الله (بن عون) بن جعفر بن عمرو القرشي المخزومي الكوفي مات بها سنة ست ومائتين. قوله: (أبو العميس) بضم العين المهملة هو عتبة بن عبد الله بن مسعود
стр. 177
قَيْسُ بْنُ مُسْلِمٍ عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّ رَجُلاً مِنَ الْيَهُودِ قَالَ لَهُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، آيَةٌ فِى كِتَابِكُمْ تَقْرَءُونَهَا لَوْ عَلَيْنَا مَعْشَرَ الْيَهُودِ نَزَلَتْ لَاتَّخَذْنَا ذَلِكَ الْيَوْمَ عِيداً. قَالَ أَىُّ آيَةٍ قَالَ (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ
ــ
الهذلي الكوفي روى له الجماعة. قوله: (قيس بن مسلم) هو أبو عمرو الجدلي الكوفي مات سنة عشرين ومائة. قوله: (طارق) هو أبو عبد الله بن شهاب بن عبد شمس البجلي بالموحدة والجيم المفتوحتين الأحمسي الصحابي الكوفي رأى النبي ﷺ وغزا في خلافة الشيخين ثلاثاً وثلاثين من غزوة إلى سرية توفي سنة ثلاث وثمانين وهذا الإسناد رجاله كوفيون إلا أوله وآخره وقال أولاً حدثنا وثانياً سمع وثالثاً حدثنا ورابعاً أخبرنا وخامساً عنعن مراعاة لاصطلاحهم ولفظ سمع نص في قراءة الشيخ بخلاف حدثنا فإنه ظاهر فيها إذ لا فرق بين حدثنا وأخبرنا عند كثير ولا يخفى أن لفظ قال مقدر فيما لا يصح الكلام إلا بتقديره وعند القراءة يجب التلفظ به عند الجمهور. قوله: (اليهود) هو علم قوم موسى ﵇ ويهود معرفة أدخل عليها لام التعريف وسموا به اشتقاقاً من هادوا أي مالوا أما من عبادة العجل أو من دين موسى أو من هاد إذا رجع من خير إلى شر ومن شر إلى خير لكثرة انتقالهم من مذاهبهم وقيل لأنهم يتهودون أي يتحركون عند قراءة التوراة وقيل معرب من يهوذا بن يعقوب بالذال المعجمة ثم نسب إليه فقيل يهودي ثم حذف الياء في الجمع فقيل يهود وكل جمع منسوب إلى جنس الفرق بينه وبين واحدة بالياء وعدمها نحو رومي وروم. قوله: (آية) مبتدأ و (في كتابكم) صفته. و (تقرءونها) صفة أخرى. و (لو علينا) تقديره لو نزلت علينا لأن لولا تدخل إلا على الفعل ونزلت المذكور مفسر لنزلت المقدر نحو (لو أنتم تملكون) والجملة الشرطية خبر المبتدأ أو آية مبتدأ بتقدير آية عظيمة. وفي كتابكم خبره وكذا تقرءونها ويحتمل أن يكون خبره محذوفاً وهو في كتابكم مقدماً عليه وفي كتابكم المؤخر مفسر له. قوله: (معشر) منصوب على الاختصاص أي أعني معشر اليهود والمعشر الجماعة الذين شأنهم واحد. قوله: (لاتخذنا ذلك اليوم عيدا) أي لعظمناه وجعلناه عيداً لنا في كل سنة لعظم ما حصل فيه من كمال الدين والعيد فعل من العود وإنما سمي به لأنه يعود كل عام. قال الزمخشري في قوله: تعالى (تكون لنا عيدا) قيل العيد هو السرور العائد ولذلك يقال يوم عيد كأن معناه يكون لنا سروراً وفرحاً. وقال في قوله: تعالى (اليوم أكملت لكم دينكم) أي أكملت لكم
стр. 178
وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلَامَ دِيناً). قَالَ عُمَرُ قَدْ عَرَفْنَا ذَلِكَ الْيَوْمَ وَالْمَكَانَ الَّذِى نَزَلَتْ فِيهِ عَلَى النَّبِىِّ ﷺ وَهُوَ قَائِمٌ بِعَرَفَةَ يَوْمَ جُمُعَةٍ.
ــ
ما تحتاجون إليه في تكليفكم من تعليم الحلال والحرام والتوقيف على الشرائع وقوانين القياس (وأتممت عليكم نعمتي) بذلك أي بكمال أمر الدين لأنه لا نعمة أتم من نعمة الإسلام (ورضيت لكم الإسلام ديناً) بمعنى اخترته لكم ن بين الأديان وآذنتكم بأنه هو الدين المرتضى وحده. قوله: (أي آية) فإن قلت هل فرق بين أن يقال أي آية وأن يقال ما تلك الآية. قلت نعم السؤال بأي إنما هو عما يميز أحد المتشاركات وبما عن الحقيقة والغرض ههنا طلب تعيين تلك الآية وتمييزها عن سائر الآيات التي في الكتاب مقروءة قوله: (قد عرفنا) معناه أنا ما أهملناه ولا خفي علينا زمان نزولها ولا مكان نزولها وضبطنا جميع ما يتعلق بها حتى صفة النبي ﷺ وموضعه في زمان النزول وهو كونه قائماً حينئذ وهو غاية في الضبط. فإن قلت عرفة والجمعة يدلان على الزمان فما الذي يدل على مكان النزول. قلت أما أن يقال علم من عرفة أيضاً أما لأن زمان الوقوف بعرفة أنما هو في عرفات وأما لأن عرفة قد تطلق على عرفات أيضاً فيراد ههنا كلا المعنيين على مذهب من جوز أعمال اللفظ المشترك في معنييه كالشافعي وغيره أو يقال إنما قال عرفنا المكان ولكن لم نتعرض لتعيينه. فإن قلت بم يتعلق بعرفة. قلت أما بقائم وإما بنزلت. قوله: (يوم الجمعة) في بعض الروايات يوم جمعة وهو بضم الميم وإسكانها وفتحها والفرق بين فعلة ساكن العين وفعلة متحركة أن الساكن بمعنى المفعول والمتحرك بمعنى الفاعل يقال رجل ضحكة بسكون الحاء أي مضحوك عليه وضحكة بتحريك الحاء أي ضاحك على غيره وكذا همزة لمزة فمعناه إما مجموع فيه الناس وإما جامع للناس وهذه قاعدة كلية. فإن قلت عرفة غير منصرف اتفاقاً للعلمية والتأنيث فما بال الجمعة منصرفاً مع أنها مثلها في كونها اسماً للزمان المعين وفيه تاء التأنيث قلت عرفة علم والجمعة صفة أو غير صفة ليس علماً ولو جعل علماً لامتنع من الصرف. فإن قلت كيف طابق الجواب السؤال لأنه قال لاتخذناه عيداً وقال عمر ﵁ عرفنا أحواله ولم يقل جعلناه عيداً. قلت لما بين أن يوم النزول كان عرفة ومن المشهورات أن اليوم الذي بعد عرفة هو عيد للمسلمين فكأنه قال جعلناه عيداً بعد إدراكنا استحقاق ذلك اليوم للتعييد فيه. فإن قلت فلم ما جعلوا يوم
стр. 179
بَابُ الزَّكَاةُ مِنَ الإِسْلَامِ . وَقوله: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَاّ لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ القَيِّمَةِ﴾.
٤٤ - حَدَّثنا إِسْمَاعِيلُ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، عَنْ عَمِّهِ أَبِي سُهَيْلِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّهُ سَمِعَ طَلْحَةَ بْنَ عُبَيْدِ اللهِ يَقُولُ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ صَلى
ــ
النزول عيداً. قلت لأنه ثبت في الصحيح أن النزول كان بعد العصر ولا يتحقق العيد إلا من أول النهار ولهذا قال الفقيه ورؤية الهلال بالنهار لليلة المستقبلة. فإن قلت كيف دل هذه القصة على ترجمة الباب. قلت من جهة أنها مشتملة على الآية الدالة عليها وعلى أن نزولها في عرفة من حجة الوداع التي هي آخر عهد البعثة حين تمت الشريعة وأركانها. النووي: معناه أنا ما تركنا تعظيم ذلك اليوم والمكان أما المكان فهو عرفات وهو معظم الحج الذي هو أحد أركان الإسلام. وأما الزمان فهو يوم الجمعة ويوم عرفة وهو يوم اجتمع فيه فضلان وشرفان ومعلوم تعظيمنا لكل واحد منهما فإذا اجتمعا زاد التعظيم فقد اتخذنا ذلك اليوم عيداً وعظمنا مكانه أيضاً وهذا كله كان في حجة الوداع وعاش النبي ﷺ بعدها ثلاثة أشهر. قال البخاري رضي الله تعالى عنه (باب الزكاة من الإسلام) قوله: (الزكاة) مرفوع (وقول الله) مجرور. و (إلا ليعبدوا الله) استثناء من أعم عام المفعول لأجله أي ما أمروا لأجل شيء إلا للعبادة. و (حنفاء) جمع حنيف وهو المائل عن الضلال إلى الهداية (ويقيموا الصلاة) من باب عطف الخاص على العام وفيه تفضيل الصلاة والزكاة على سائر العبادات وقد مر معاني إقامة الصلاة (وذلك دين القيمة) أي دين الملة المستقيمة وقد جاء قام بمعنى استقام ومنه قوله: تعالى (أمة قائمة) أي مستقيمة قاله الزمخشري. قوله: (إسمعيل) أي ابن أبي أويس وهو إسمعيل بن عبد الله الأصبحي المدني ابن أخت الإمام مالك شيخه وخاله وأبو أويس بن عم مالك وقد مر في باب تفاضل أهل الإيمان. قوله: (حدثني مالك) قال أولاً حدثنا إسمعيل وههنا حدثني مالك لأن الشيخ قرأ له ولغيره ثمة وهنا قرأ له وحده. قوله: (عن عمه أبي سهيل) هو نافع بن مالك ابن أبي عامر المدني (عن أبيه) أي عن مالك بن أبي عامر وهو من اللطائف إذ يروي إسمعيل عن خاله عن عمه عن أبيه. قوله: (طلحة) هو أبو محمد بن عبيد الله بن عثمان بن عمرو القرشي التيمي
стр. 180
الله عَلَيهِ وسَلمَ مِنْ أَهْلِ نَجْدٍ مِنْ أَهْلِ نَجْدٍ، ثَائِرُ الرَّاسِ، يُسْمَعُ دَوِىُّ صَوْتِهِ، وَلَا يُفْقَهُ
ــ
المكي أحد العشرة المبشرة والثمانية الذين سبقوا إلى الإسلام والستة أصحاب الشورى والخمسة الذين أسلموا على يد الصديق ﵃ شهد المشاهد مع رسول الله ﷺ إلا بدراً فإنه بعثه رسول الله ﷺ إلى طريق الشام يتجسس الأخبار وقدم من الشام بعد رجوع رسول الله ﷺ من بدر فكلم رسول الله ﷺ في سهمه فقال له رسول الله ﷺ لك سهمك قال وأجري يا رسول الله قال وأجرك وسماه رسول الله ﷺ طلحة الخير وطلحة الجود وطلحة الفياض ويقال طلحة الطلحات أيضاً وليس هو طلحة الطلحات الذي قيل فيه:
نضر الله أعظما دفنوها بسجستان طلحة الطلحات
لأن هذا خزاعي مدفون بسجستان وكان الصديق ﵁ إذا ذكر يوم أحد يقول ذاك كله لطلحة وجعل يومئذ طلحة نفسه وقاية لرسول الله ﷺ . روى له عن رسول الله ﷺ ثمانية وثلاثون حديثاً ذكر البخاري منها أربعة قتل يوم الجمل سنة ست وثلاثين وهو ابن أربع وستين قيل اغتزل يوم الجمل في بعض الصفوف فرمى بسهم فقطع من رجله عرق النسا فلم يزل ينزف دمه حتى مات وأقر مروان بن الحكم أنه رماه والتفت إلى أبان بن عثمان فقال قد كفيناك بعض قتلة أبيك وقالت عائشة ﵂ طلحة ممن قضى نحبه وما بدلوا تبديلاً قال ابن قتيبة دفن بقنطرة فره ثم رأت بنته بعد موته بثلاثين سنة في المنام أنه يشو إليها النداوة فأمرت به فاستخرج طرياً ودفن بدار الهجرة بالبصرة وقبره مشهور. قوله: (نجد) الجوهري: نجد من بلاد العرب وكل ما ارتفع من تهامة إلى أرض العراق فهو نجد وهو مذكر وقال ابن بطال هذا الرجل النجدي هو ضمام بالضاد المعجمة المكسورة ابن ثعلبة من بني سعد بن بكر. قوله: (ثائر الرأس) أي منتفش شعر الرأس ومنتشرة يقال ثار الغبار إذا انتشرت وفتنة ثائرة أي منتشرة وأوقع اسم الرأس على الشعر أما لأن الشعر منه ينبت كما يطلق اسم السماء على المطر لأنه من السماء ينزل وأما لأنه جعل نفس الرأس ذا ثوران على طريق المبالغة أو يكون من باب حذف المضاف بقرينة عقلية وثائر مرفوع بأنه صفة لرجل وقيل منصوب على الحال. فإن قلت شرط الحال أن يكون نكرة وهو مضاف فيكون معرفة قلت إضافته لفظية فلا تفيد إلا تخصيصاً. قوله: (دوي) بفتح الدال وكسر الواو وشدة الياء على المشهور وحكى ضم الدال وهو بعد الصوت في الهواء وعلوه ومعناه صوت شديد لا يفهم منه شيء كدوي النحل (ونسمع ونفقه) بالنون
стр. 181
مَا يَقُولُ حَتَّى دَنَا، فَإِذَا هُوَ يَسْأَلُ عَنِ الإِسْلَامِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «خَمْسُ صَلَوَاتٍ فِى الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ». فَقَالَ هَلْ عَلَىَّ غَيْرُهَا قَالَ «لَا، إِلَاّ أَنْ تَطَوَّعَ». قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «وَصِيَامُ رَمَضَانَ». قَالَ
ــ
المفتوحة فيهما على الأشهر الأكثر وروى بالياء المثناة من تحت المضمومة فيهما. قوله: (عن الإسلام) أي عن فرائضه التي فرضت على من وحد الله تعالى وصدق رسوله ولهذا لم يذكر فيه الشهادتان لأنه ﷺ علم أن الرجل سائل عن شرائع الإسلام ويمكن أنه سأل عن حقيقة الإسلام وقد ذكر له الشهادة فلم يسمعها طلحة لبعد موضعه أو لم ينقله لشهرته. قوله: (إلا أن تطوع) هو بتشديد الطاء والواو كليهما على إدغام إحدى التاءين في الطاء وقيل يجوز تخفيف الطاء على الحذف فإن قلت أي الحرفين نحذفها. قلت الأصلية أولى بالإسقاط من العارضة الزائدة لأن الزائدة إنما دخلت لإظهار معنى فلا تحذف لئلا يزول الغرض الذي لأجله دخلت واختلف العلماء في هذا الاستثناء فقال الشافعي ﵀ وغيره ممن يقول لا نلزم النوافل بالشروع أنه استثناء منقطع تنكيره لكن التطوع خير لك وقال من شرع في تطوع يستحب له إتمامه ولا يجب بل يجوز قطعه وقال آخرون استثناء متصل ويقولون تلزم النوافل بالشروع ويستدلون بهذا الحديث وبقوله: تعالى (ولا تبطلوا أعمالكم) وبالاتفاق على أن حج التطوع يلزم بالشروع ويعلم من الحديث أن وجوب صلاة الليل منسوخ في حق الأمة وهو مجمع عليه واختلف قول الشافعي ﵀ في نسخه في حقه ﷺ وفيه أن صلاة الوتر والعيدين ليست بواجبة وقال أبو حنيفة ﵁ الوتر واجب بل العيدان أيضاً واجب وقال الأصطخري من الشافعية صلاة العيد فرض كفاية. الطيبي: الحديث مستمسك لنا في أصلين أحدهما في شمول عدم الوجوب في غير ما ذكر في الحديث كعدم وجوب الوتر والثاني في أن الشروع غير ملزم لأنه نفى وجوب شيء آخر مطلقاً شرع فيه أو لم يشرع وتمسك الخصم به على أن الشروع ملزم قال أنه نفى وجوب شيء آخر إلا ما تطوع به والاستثناء من النفي إثبات فيكون المثبت بالاستثناء وجوب ما تطوع به وهو المطلوب. قال وهذا مغالطة لأن هذا الاستثناء من وادي قوله: تعالى (لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى) أي لا يجب شيء إلا أن
стр. 182
هَلْ عَلَىَّ غَيْرُهُ قَالَ «لَا، إِلَاّ أَنْ تَطَوَّعَ». قَالَ وَذَكَرَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الزَّكَاةَ. قَالَ هَلْ عَلَىَّ غَيْرُهَا قَالَ «لَا، إِلَاّ أَنْ تَطَوَّعَ». قَالَ فَأَدْبَرَ الرَّجُلُ وَهُوَ يَقُولُ وَاللَّهِ لَا أَزِيدُ عَلَى هَذَا وَلَا أَنْقُصُ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «أَفْلَحَ إِنْ صَدَقَ»
ــ
تطوع وقد علم أن التطوع ليس بواجب فلا يجب شيء آخر أصلاً. قوله: (وذكر له رسول الله ﷺ هذا قول الراوي كأنه نسي ما نص عليه رسول الله ﷺ أو التبس عليه فقال ثم ذكر له الزكاة وأنه يؤذن بأن مراعاة الألفاظ مشروطة في الرواية فإذا التبس عليه يشير في لفظه إلى ما ينبئ عنه كما فعل راوي هذا الحديث. قوله: (أفلح) الفلاح الفوز والبقاء. وقيل هو الظفر وإدراك البغية وقيل هو عبارة عن أربعة أشياء بقاء بلا فناء وغناء بلا فقر وعز بلا ذل وعلم بلا جهل قالوا لا كلمة في اللغة أمع للخيرات منه. النووي: قيل هذا الفلاح راجع إلى لفظ ولا أنقص خاصة والمختار أنه راجع إليهما بمعنى أنه إذا لم يزد ولم ينقص كان مفلحاً لأنه أتى بما عليه ومن أتى بما عليه كان مفلحاً وليس فيه أنه إذا أتى بزائد على ذلك لا يكون مفلحاً لأن هذا مما يعرف بالضرورة لأنه إذا أفلح بالواجب ففلاحه بالمندوب مع الواجب أولى. وأقول وله محمل آخر وهو أن يكون السائل رسولاً فخلف أن لا أزيد في الإبلاغ على ما سمعت ولا أنقص في تبليغ ما سمعته منك إلى قومي ويحتمل أن يكون صدور هذا الكلام منه على سبيل المبالغة في التصديق والقبول أي قبلت قولك فيما سألتك عنه قبولاً لا مزيد عليه من جهة السؤال ولا نقصان فيه من طريق القبول وقيل يحتمل أن هذا كان قبل شرعية أمر آخر أو أنه أراد لا أزيد عليه بتغيير صفته كأنه قال لا أصلي الظهر خمساً أو أنه أراد أنه لا يصلي النوافل بل يحافظ على كل الفرائض وهذا مفلح بلا شك وإن كانت مواظبته على ترك النوافل مذمومة أو المراد أني لا أزيد على شرائع الإسلام وسنذكر في كتاب الصيام ما يوضح بعض المذكور قال ثمة فأخبره رسول الله ﷺ بشرائع الإسلام فقال والذي أكرمك لا أتطوع شيئاً ولا أنقص مما فرض الله علي شيئاً. واعلم أنه سقط من هذه التقريرات بهذه الوجوه الثمانية ثلاثة اعتراضات الأول أن مفهوم الشرط أنه إذا زيد عليه لا يفلح الثاني أن رسول الله ﷺ كيف أقره على حلفه
стр. 183
باب اتباعُ الجنائِز من الإيمانِ
٤٥ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ.
ــ
وقد جاء النكر على من حلف أن لا يفعل خيراً الثالث كيف قال لا أزيد وليس فيه جميع الواجبات ولا المنهيات ولا المندوبات وأقره الرسول بل زاد عليه حيث قال أفلح واعلم أيضاً أنه لم يأت في هذا الحديث ذكر الحج فقيل لأنه لم يفرض حينئذ أو لأن الرجل سأل عن حاله حيث قال هل على غيرها فأجابه النبي ﷺ بما عرف من حاله ولعله ممن لم يكن الحج واجباً عليه وقيل لم يأت في هذا الحديث الحج كما لم يذكر في بعضها الصوم وفي بعضها الزكاة وذكر في بعضها صلة الرحم وفي بعضها أداء الخمس فتفاوتت هذه الأحاديث في عدد خصال الإيمان زيادة ونقصاً وسبب ذلك تفاوت الرواة في الحفظ والضبط فمنهم من قصر فاقتصر على ما حفظه فأداه ولم يتعرض لما زاده غيره بنفي ولا إثبات وذلك لا يمنع من إيراد الجميع في الصحيح لما عرفت أن زيادة الثقة مقبولة والقاعدة الأصولية فيها أن الحديث إذا رواه راويان واشتملت إحدى الروايتين على زيادة فإن لم تكن مغيرة لإعراب الباقي قبلت وحملت ذلك على نسيان الراوي أو ذهوله أو اقتصاره بالمقصود منه في صورة الاستشهاد وإن كانت مغايرة تعارضت الروايتان وتعين طلب الترجيح ولأصحاب الحديث فيه تفاصيل وقد جاء في بعض الروايات (أفلح وأبيه إن صدق) وقد يسئل عن التوفيق بينه وبين حديث (إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم) والجواب أن وأبيه ليس حلفاً وإنما هي كلمة جرت عادة العرب أن تدخلها في كلامهم غير قاصدين بها حقيقة الحلف والنهي إنما ورد فيمن قصد الحقيقة لما فيه من أعظام المحلوف به ومضاهاته بالله وقيل أنه كان قبل النهي عن الحلف بالآباء. النووي: في الحديث أنه لا يجب صوم عاشوراء ولا غير رمضان وهو مجمع عليه وفيه جواز قول رمضان من غير ذكر شهر وفيه أنه ليس في المال حق سوى الزكاة وفيه جواز الحلف من غير استحلاف ولا ضرورة لأن الرجل حلف بحضرة الرسول ﷺ ولم ينكر عليه. قال ابن بطال هذا الحديث حجة أن الفرائض تسمى إسلاماً ودل قوله: أفلح إن صدق على أنه إذا لم يصدق في التزامها أنه ليس بمفلح وهذا خلاف قول المرجئة. التيمي: خص هذا الحديث بالإيراد في باب الزكاة من الإيمان وإن كان فيه دلالة على أن الصلاة والصيام من الإيمان لأنه استغنى في غير هذا الباب بغير هذا الحديث ولم نجد في هذا إسناداً آخر. قال البخاري ﵁ (باب إتباع الجنائز من الإيمان) قوله: (إتباع) بتشديد التاء والجنائز جمع الجنازة بالجيم المفتوحة والمكسورة والكسر أفصح وهي مشتقة من جنز إذا ستر ويقال أنه بالفتح للميت وبالكسر للنعش عليه ميت ويقال عكسه
стр. 184
عَلِىٍّ الْمَنْجُوفِىُّ قَالَ حَدَّثَنَا رَوْحٌ قَالَ حَدَّثَنَا عَوْفٌ عَنِ الْحَسَنِ وَمُحَمَّدٍ عَنْ أَبِى
ــ
أيضاً. الجوهري: الجنازة بالكسر والعامة تقول بالفتح والمعنى للميت على السرير وإذا لم يكن عليه الميت فهو سرير ونعش. قوله: (أحمد) هو ابن عبد الله بن علي بن سويد بن منجوف بفتح الميم وبالنون الساكنة وبالجيم وبالفاء المنجوفي والمنجوف لغة الموسع وكنيته أبو بكر البصري السدوسي مات سنة اثنتين وخمسين ومائتين. قوله: (روح) بفتح الراء وبالحاء المهملة وهو ابن عبادة بن العلاء البصري القيسي من قيس بن ثعلبة قال ابن المديني: من المحدثين قوم لم يزالوا في الحديث نشأوا وطلبوا فحدثوا منهم روح روى له الجماعة مات سنة خمس ومائتين. قوله: (عوف) بالفاء ابن أبي جميلة واسم أبي جميلة بندويه بموحدة مفتوحة فنون ساكنة فدال مهملة مضمومة فواو فياء مثناة من تحت وقيل اسمه بندة أي العبد وهو هجري بفتح الجيم بصري يعرف بالأعرابي ولم يكن أعرابياً وكان يقال له عوف الصديق وكنيته أبو سهل وكان يتشيع مات سنة ست أو سبع وأربعين ومائة. قوله: (الحسن) أي البصري هو أبو سعيد بن أبي الحسن الأنصاري مولاهم التابعي الكبير قيل أنه أفضل التابعين وقد مر في باب المعاصي من أمر الجاهلية قالوا لم يصح سماع الحسن عن أبي هريرة أقول فعلى هذا التقدير يكون لفظ عن أبي هريرة متعلقاً بمحمد فقط أو يكون مرسلاً. قوله: (محمد) عطف على الحسن لا على عوف هو ابن سيرين أبو بكر البصري وسيرين يكني بأبي عمرة وقيل أنه معرب شيرين بالشين المعجمة أي الحلو وكان عبداً لأنس بن مالك فكاتبه على عشرين ألفاً فأدى نجوم الكتابة وعتق وأم محمد اسمها صفية مولاة الصديق ﵁ وأدرك محمد نحو ثلاثين من الصحابة ولد لسنتين بقيتا في خلافة عثمان ﵁ وهو ممن لا يجوز نقل الحديث بالمعنى وكان يحدث بالحديث على حروفه وهو ثقة رفيع الرتبة إمام في العلوم ورع في فقهه فقيه في ورعه مشهور بعلم العبارة وكان بزاراً وحبس بدين كان عليه قيل كان سبب حبسه أنه اشترى زيتاً بأربعين ألف درهم فوجد في زق منه فأرة فقيل الفأرة كانت في المعصرة فصب الزيت كله فانكسر عليه ثمنه وكان به صمم وهو أخو معبد وأنس ويحيى بني سيرين وإذا أطلق ابن سيرين فالمراد به محمد وروى محمد عن يحيى عن أنس وهو من المستظرفات لكونهم ثلاثة أخوة روى بعضهم عن بعض مات بالبصرة سنة عشر ومائة بعد الحسن بمائة يوم. وقال ابن المديني أصح الأسانيد محمد بن سيرين عن عبيدة بفتح العين وكسر الموحدة عن علي بن أبي طالب ﵁ ورجال هذا الحديث كلهم بصريون إلا أبا هريرة رضي
стр. 185
هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «مَنِ اتَّبَعَ جَنَازَةَ مُسْلِمٍ إِيمَاناً وَاحْتِسَاباً، وَكَانَ مَعَهُ حَتَّى يُصَلَّى عَلَيْهَا، وَيَفْرُغَ مِنْ دَفْنِهَا، فَإِنَّهُ يَرْجِعُ مِنَ الأَجْرِ بِقِيرَاطَيْنِ، كُلُّ قِيرَاطٍ مِثْلُ أُحُدٍ، وَمَنْ صَلَّى عَلَيْهَا ثُمَّ رَجَعَ قَبْلَ أَنْ تُدْفَنَ فَإِنَّهُ
ــ
الله عنه. قوله: (من تبع) في بعضها من اتبع ظاهره يقتضي المشي وراء الجنازة وهو مذهب أبي حنيفة ﵁ وأما الأئمة الثلاثة الأخر فقالوا هو قدامها أفضل وحملوا الإتباع على المعنى العرفي إذ لو تقدم عليها أو حاذاها أو تأخر بحيث ينسب إلى الجنازة ويعد من شيعتها كان له حكم الإتباع عرفاً ورجحوا القدام لما روي أن النبي ﷺ والشيخين كانوا يمشون أمامها وأيضاً المشيعون للجنازة كالشفعاء لها ولهذا يقولون في الدعاء وقد جئناك شفعاء له ومن شأن الشفيع أن يتقدم بين يدي المشفوع له وقال الثوري الكل على السواء لا ترجيح فيه. قوله: (إيماناً) قد مر دلالته على الترجمة في الأبواب التي تتعلق برمضان. قوله: (معه) وفي بعضها معها. و (يصلي) بصيغة المعروف فالضمير راجع على من اتبع وبصيغة المجهول فقوله: عليها قائم مقام الفاعل وكذا الحكم في يفرغ من دفنها. فإن قلت فما تقول على هذا التقدير لو اتبع حتى دفنت ولم يصل هو عليها هل له القيراطان قلت لا إذ المراد أن يصلي هو أيضاً جمعاً بين الروايتين وحملاً للمطلق على المقيد. قوله: (كل قيراط مثل أحد) بيان لعظمهما وأحد هو الجبل الذي بجنب المدينة على نحو ميلين منها والقيراط لغة نصف دانق وأصله قراط بالشدة لأن جمعه قراريط فأبدل من أحد حرفي تضعيفه كما في الدينار والمقصود منه ههنا النصيب والحصة ولعل العرف كان في ذلك العهد عليه. الطيبي قيل القيراط جزء من أجزاء الدينار وهو نصف عشرة في أكثر البلاد وأهل الشام يجعلونه جزءاً من أربعة وعشرين جزءاً وقد يطلق ويراد به بعض الشيء وقال كل قيراط مثل أحد تفسيراً للمقصود من الكلام لا للفظ القيراط والمراد منه على الحقيقة أنه يرجع بحصتين من جنس الأجر ولاشك أن لفظ بقيراطين مبهم من وجهين فبين جنس الموزون أولاً بقوله: من الأجر ثم بين ثانياً المقدار المراد منه بقوله: مثل أحد وكل من البيانين صفة لقيراطين لكن الأولى قدمت فصارت حالاً. قوله: (يرجع) هو مشتق من الرجوع لا من الرجع. و (بقيراط) المراد منه أيضاً مثل جبل أحد ولم يتعرض له هنا لما علم مما تقدم وهذا لا يحصل من الصلاة فقط بل لابد أن يكون معه ومتبعاً له بقرينة يرجع إذ الرجوع
стр. 186
يَرْجِعُ بِقِيرَاطٍ». تَابَعَهُ عُثْمَانُ الْمُؤَذِّنُ قَالَ حَدَّثَنَا عَوْفٌ عَنْ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِىِّ ﷺ نَحْوَهُ.
باب خَوْفِ الْمُؤْمِنِ مِنْ أَنْ يَحْبَطَ عَمَلُهُ وَهُوَ لَا يَشْعُرُ وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ
ــ
عنه مسبوق بالذهاب معه أو بقربنة ما تقدم. قوله: (تابعه) معنى المتابعة قد سلف. و (عثمان المؤذن) أي بجامع البصرة وهو ابن الهيثم بن جهم بن عيسى بن حسان العبدي البصري أبو عمرو روى عنه البخاري في مواضع بلا واسطة وقد يروي عنه في بعضها عن محمد غير منسوب وهو محمد بن يحيى الذهلي عنه و (عوف) و (محمد) أي ابن سيرين هما المذكوران آنفاً وعوف في الإسناد الأول روى عن محمد والحسن وههنا عن محمد فقط وفي الأول كان الواسطة بين البخاري وبينه رجلين وههنا يحتمل كونهما رجلاً واحداً وضمير تابعه راجع إلى روح لا إلى أحمد لأنه في مرتبته لا في مرتبة أحمد. فإن قلت إذا قال البخاري عن فلان يجزم بأنه سمعه منه عند إمكان السماع فإذا قال تابعه هل يجزم بأنه سمعه منه قلت قياس المتابعة على العنعنة يقتضي ذلك لكن صرحوا في المعنعن به ولم يصرحوا فيها. قوله: (نحوه) أي نحو ما تقدم وهو أن رسول الله ﷺ قال من تبع جنازة إلى آخره فإن قلت هل المستفاد من لفظ نحو أنه روى بنفس اللفظ المذكور أو بمعناه. قلت الظاهر أنه بمعناه النووي: وفي هذا الحديث الحث على الصلاة على الميت وإتباع جنازته وحضور دفنه قال واعلم أن الصلاة يحصل بها قيراط إذا انفردت فإذا انضم إليها الأتباع حتى الفراغ حصل له قيراط ثان فلمن صلى وحضر الدفن القيراطان ولمن اقتصر على الصلاة قيراط واحد ولا يقال يحصل بالصلاة مع الدفن ثلاثة قراريط كما يتوهمه بعضهم من ظاهر بعض الأحاديث لأن الحديث صريح والحديث المطلق والمحتمل محمول عليه وأما الرواية التي فيها (من صلى على جنازة فله قيراط ومن تبعها حتى تدفن فله قيراطان) المعنى فله تمام القيراطين بالمجموع ونظيره قوله: تعالى (أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين) إلى قوله: (في أربعة أيام) ثم قال (فضاهن سبع سموات في يومين) قال وأما الدفن ففيه وجهان الصحيح أنه تسوية القبر بالتمام والثاني أنه نصب اللبن عليه وإن لم يهل التراب عليه قال ثم في الحديث تنبيه على مسألة أخرى وهو أن القيراط الثاني مقيد بمن اتبعها وكان معها في جميع الطريق حتى تدفن فلو صلى وذهب إلى القبر وحده ومكث حتى جاءت الجنازة وحصل الدفن لم يحصل له القيراط الثاني وكذا لو حضر الدفن ولم يصل أو تبعها ولم يصل وليس في الحديث حصول القيراط له إنما حصل القيراط لمن تبعها بعد الصلاة لكن له أجر في الجملة والله أعلم. قال البخاري ﵁ (باب خوف
стр. 187
التَّيْمِىُّ مَا عَرَضْتُ قَوْلِى عَلَى عَمَلِى إِلَاّ خَشِيتُ أَن أَكُونَ مُكَذَّباً. وَقَالَ ابْنُ أَبِى مُلَيْكَةَ أَدْرَكْتُ ثَلَاثِينَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِىِّ ﷺ كُلُّهُمْ يَخَافُ النِّفَاقَ عَلَى نَفْسِهِ، مَا مِنْهُمْ أَحَدٌ يَقُولُ إِنَّهُ عَلَى إِيمَانِ جِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ وَيُذْكَرُ عَنِ الْحَسَنِ مَا خَافَهُ إِلَاّ مُؤْمِنٌ، وَلَا أَمِنَهُ إِلَاّ مُنَافِقٌ. وَمَا يُحْذَرُ مِنَ الإِصْرَارِ
ــ
المؤمن أن يحبط عمله) قوله: (يحبط) أي يبطل. فإن قلت القول بإحباط المعاصي للطاعات من قواعد أهل الاعتزال فما وجه قول البخاري بذلك. قلت هذا الإحباط ليس بذاك إذ المراد به الإحباط بالكفر أو بعدم الإخلاص ونحوه. قوله: (وهو لا يشعر) ونحو ذلك قوله: تعالى (وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون) قال النووي المراد بالحبط نقصان الإيمان وإبطال بعض العبادات لا الكفر لأن الإنسان لا يكفر إلا بما يعتقده أو يفعله عالماً بأنه يوجب الكفر. وأقول هو مما ينازع فيه إذ الجمهور على أن الإنسان يكفر بكلمة الكفر وبالفعل الموجب للكفر وإن لم يعلم أنه كفر. قوله: (إبراهيم) هو ابن يزيد بن شريك التيمي أبو أسماء الكوفي قال يحيى هو ثقة مرجئ قتله الحجاج وهو تابعي عابد قال الأعمش قال لي إبراهيم التيمي ما أكلت من أربعين ليلة إلا حبة عنب مات سنة اثنتين وتسعين. قوله: (مكذباً) أي للدين حيث لا أكون ممن عمل بمقتضاه أو لنفسي إذ أقول أني من المؤمنين ولا أكون ممن عمل بعملهم. النووي: معناه أن الله ذم من أمر بالمعروف ونهى عن المنكر وقصر في العمل فقال (كبر مقتاً عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون) فخشى أن يكون مكذباً إذ لم يبلغ غاية العمل هذا على المختار في ضبط مكذباً بكسر الذال وقد ضبط بفتحها ومعناه خشيت أن يكذبني من رأى عملي مخالفاً لقولي ويقول لو كنت صادقاً ما فعلت هذا الفعل. قوله: (ابن أبي مليكة) هو عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة أبو بكر التميمي المكي الأحول كان قاضياً لعبد الله بن الزبير ومؤذناً له في أوقات الصلاة مات سنة سبع عشرة ومائة وأبو مليكة بصيغة المصغر واسمه زهير وفقد فلم يرجع ولم يعلم حاله قوله: (يخاف النفاق) أي حصول النفاق في الخاتمة على نفسه إذ الخوف إنما يكون عن أمر في الاستقبال. و (ما منهم أحد) يجزم بعدم عروض النفاق كما هو جازم في إيمان جبريل بأنه لا يعرضه النفاق ويحتمل أن يكون وما منهم إشارة إلى مسألة زائدة استفادها من أحوالهم أيضاً وهي أنهم كانوا قائلين بزيادة الإيمان ونقصانه. قوله: (ويذكر عن الحسن) أي البصري. فإن قلت فلم قال فيما علق عن
стр. 188
إبراهيم وعن ابن أبي مليكة بلفظ قال وفيما علق عن الحسن بلفظ يذكر. قلت ليشعر بأن قوله: ما ثابت عنده صحيح الإسناد لأن قال هو صيغة الجزم وصريح الحكم بأنه صدر منه ومثله يسمى تعليقاً بصيغة التصحيح بخلاف يذكر فإنه لا جزم فيه فيعلم أن فيه ضعفاً ومثله تعليق بصيغة التمريض. قوله: (ما خافه) أي ما خاف من الله تعالى فحذف الجار وأوصل الفعل إليه وكذا في (أمنه) إذ معناه أمن منه وأمنه هو بفتح الهمزة وكسر الميم. قوله: (وما يحذر) بلفظ المجهول عطف على خوف أي باب ما يحذر وما مصدرية وهو مجرور المحل ويحتمل عطفه على يقول أي ما منهم أحد ما يحذر فما نافية ويحذر بلفظ المعروف وهو مرفوع المحل ولفظ وما يحذر إلى آخره رد على المرجئة حيث قالوا لا حذر من المعاصي عند حصول الإيمان فعقد الياب لأمرين لبيان الخوف من نحو عروض الكفر بما هو كالإجماع السكوتي مما نقل عن التابعين الثلاثة ولبيان الخوف من الإصرار على المعاصي بالآية والأخير رد على المرجئة أقول. مراد البخاري بهذا الباب الرد على المرجئة في قوله: م إن الله تعالى لا يعذب على شيء من المعاصي من قال لا إله إلا الله ولا يحبط شيئاً من أعماله بشيء من الذنوب وأن إيمان المطيع والعاصي سواء فذكر في صدر الباب أقوال أئمة التابعين وما تلقوه عن الصحابة وهو كالمشير إلى أنه لا خلاف بينهم فيه وأنهم مع اجتهادهم المعروف خافوا أن لا ينجوا من عذاب الله وبهذا المعنى استدل أبو وائل لما سأله عن المرجئة أمصيبون أم مخطئون في قوله: م سباب المسلم وقتاله وغيرهما لا يضر إيمانهم فروى الحديث وأراد الإنكار عليهم وإبطال قوله: م المخالف لصريح الحديث وأما قول ابن أبي مليكة فمعناه أنهم خافوا أن يكونوا من جملة من داهن ونافق. قوله: (وما منهم أحد يقول أنه على إيمان جبريل) بناءً على ما تقدم أن الإيمان يزيد وينقص وأن إيمان جبريل أكمل من إيمان آحاد الناس خلافاً للمرجئة حيث قالوا إيمان أفسق الفساق وإيمان جبريل ﵇ سواء. قال ابن بطال وإنما خافوا لأنهم طالت أعمارهم حتى رأوا من التغير ما لم يعهدوه ولم يقدروا على إنكاره فخافوا أن يكونوا داهنوا أو نافقوا وقال إنما يحبط عمل المؤمن وهو لا يشعر إذا عد الذنب يسيراً فاحتقره وكان عند الله عظيماً وليس الحبط بمخرج من الإيمان وإنما هو نقصان منه لأنه كما لا يكون الكافر مؤمناً إلا باختيار الإيمان على الكفر والقصد إليه فكذلك لا يكون المؤمن كافراً من حيث لا يقصد الكفر ولا يختاره. فإن قلت ورد ٠الشرك فيكم أخفى من دبيب النمل) وهو يدل على أنه قد يخرج من الإيمان إلى الكفر وهو لا يشعر قلت الرياء قسمان ما في عقد الإيمان وهو الشرك الأكبر وهو كفر وما في الأعمال وعقد الإيمان سالم وهو الأصغر وهذا هو المراد ههنا بقرينة فيكم. قوله: (على التقاتل) وفي بعضها على النفاق والأولى هي المناسبة لقوله: وقتاله كفر والثانية لما تقدم. قوله: (لم يصروا) أي لم يقيموا
стр. 189
عَلَى النِّفَاقِ، وَالعِصْيَانِ مِنْ غَيْرِ تَوْبَةٍ، لِقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾.
٤٦ - حَدَّثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَرْعَرَةَ، قَالَ: حَدَّثنا شُعْبَةُ، عَنْ زُبَيْدٍ، قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا وَائِلٍ عَنِ المُرْجِئَةِ، فَقَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: سِبَابُ المُسْلِمِ فُسُوقٌ، وَقِتَالُهُ كُفْرٌ. أَخبَرَنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثنا
ــ
ولم يداوموا قال تعالى (والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون) يفهم من الآية أنهم إذا لم يستغفروا أي لم يتوبوا وأصروا على ذنوبهم يكون محل الحذر والخوف. قوله: (محمد بن عرعرة) بالعينين المهملتين والراء المكررة غير منصرف للعلمية والتأنيث ابن البرند بالموحدة والراء المكسورتين ويقال بفتحهما والنون الساكنة والدال المهملة وكأنه فارسي أبو إبراهيم ويقال أبو عبد الله السامي منسوب إلى سامة بن لؤي بن غالب القرشي البصري مات سنة عشر أو ثلاث عشرة ومائتين. و (شعبة) هو ابن الحجاج الواسطي أبو بسطام وقد تقدم في باب المسلم من سلم المسلمون. قوله: (زبيد) مصغر الزبد بالزاي والموحدة أبو عبد الرحمن بن الحارث بن عبد الكريم اليامي منسوب إلى يام بالمثناة التحتانية جد القبيلة الكوفي وكان من العباد المتنسكين وليس في الصحيح زبيدب المثناة المكررة تصغير زيد أخي عمرو عادة. قال البخاري مات سنة ثنتين وعشرين ومائة. قوله: (أبا وائل) بالهمز بعد الألف شقيق بن سلمة التابعي المخضرمي الأسدي الكوفي أدرك زمن النبي ﷺ . ولد قبل البعثة ومات سنة مائة قال أبو سعيد بن صالح كان أبو وائل يؤم جنائزنا وهو ابن مائة وخمسين سنة مات في خلافة عمر بن عبد العزيز. قوله: (المرجئة) أي الفرقة الملقبة بالمرجئة ولقبوا بها لأنهم يرجئون العمل أي يؤخرونه يقال أرجأت الأمر إذا أخرته يهمز ولا يهمز أو لأنهم ينتظرون الرجاء حيث يقولون لا يضر مع الإيمان معصية كما لا ينفع مع الكفر طاعة. قوله: (عبد الله) هو ابن مسعود الصحابي المشهور الجليل مر ذكره في أول كتاب الإيمان. قوله: (سباب المسلم) يحتمل أن يكون على أصل معنى باب المفاعلة وأن يكون بمعنى السب أي الشتم وهو التكلم في عرض الإنسان بما يعيبه وهو مضاف إلى المفعول والفسوق الخروج عن طاعة الله تعالى. قوله: (قتاله) أي المقاتلة
стр. 190
إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ خَرَجَ يُخْبِرُ بِلَيْلَةِ القَدْرِ، فَتَلَاحَى رَجُلَانِ مِنَ
ــ
المعروفة ويحتمل أن تكون المقاتلة بمعنى المشادة أي المخاصمة والعرب تسمى المخاصمة مقاتلة قال ابن بطال ليس المراد بالكفر الخروج عن الملة بل كفران حقوق المسلمين لأن الله تعالى جعلهم إخوة وأمر بالإصلاح بينهم ونهاهم الرسول ﷺ عن التقاطع والمقاتلة فأخبر أن من فعل ذلك فقد كفر حق أخيه المسلم وأقول أو المراد أنه يؤول إلى الكفر لشؤمه أو أنه كفعل الكفار الخطابي: المراد به الكفر بالله وذلك في حق من فعله مستحلاً بلا موجب ولا تأويل وأما المؤول فلا يكفر ولا يفسق بذلك كالبغاة الخارجين على الإمام بالتأويل. فإن قلت كيف دل الحديث على الترجمة قلت دل على إبطال قول المرجئة لأنهم لا يفسقون مرتكبي الكبائر فلا يجعلون السباب فسوقاً ولا القتال كفراً ونحوه. فإن قلت السباب والقتال كلاهما على السواء في أن فاعلهما يفسق ولا يكفر فلم قال في الأول فسوق وفي الثاني كفر. قلت لأن الثاني أغلظ أو لأنه بأخلاق الكفار أشبه. فإن قلت فلم أولت الكفر وجعلت الفسوق باقياً على حقيقته قلت لأن الإجماع من أهل السنة منعقد على أن المؤمن لا يكفر بالقتال ولا يفعل معصية أخرى. قوله: (حدثنا قتيبة) هو ابن سعيد الثقفي البلخي روى عنه الشيوخ الستة أصحاب الأصول وقد مر في باب السلام من الإسلام. قوله: (إسمعيل بن جعفر) هو أبو إبراهيم الأنصاري المدني المتوفى ببغداد وقد تقدم في باب علامات المنافق. قوله: (حميد) بضم الحاء أبو عبيدة بضم العين ابن تير بكسر المثناة الفوقانية وسكون المثناة التحتانية وهو بالعربية الشهم وقيل ابن تيرويه وقيل طرخان وقيل مهران وحميد خزاعي بصري مولى طلحة الطلحات الخزاعي وهو المشهور بحميد الطويل قيل كان قصيراً طويل اليدين فقيل له ذلك وكان يقف عند الميت فتصل إحدى يديه إلى رأسه والأخرى إلى رجليه وقال الأصمعي رأيته ولم يكن بذلك الطويل كان في جيرانه رجل يقال له حميد القصير فقيل له حميد الطويل للتمييز بينهما مات سنة ثلاث وأربعين ومائة. وأما (أنس) فهو خادم رسول الله ﷺ وقد مر في باب (من الإيمان أن يحب لأخيه) وأما (عبادة) بضم العين وهو أحد النقباء ليلة العقبة فسبق في باب (علامة الإيمان حب الأنصار) وجلالتهما وعظمهما لا يحتاجان إلى البيان وهذا من قبيل رواية الصحابي عن الصحابي قوله: (خرج) أي من الحجرة. و (يخبر) إما استئناف أو حال. فإن قلت الخروج لم يكن في حال الإخبار
стр. 191
المُسْلِمِينَ، فَقَالَ: إِنِّي خَرَجْتُ لأُخْبِرَكُمْ بِلَيْلَةِ القَدْرِ، وَإِنَّهُ تَلَاحَى فُلَانٌ وَفُلَانٌ، فَرُفِعَتْ، وَعَسَى أَنْ يَكُونَ خَيْرًا لَكُمْ، التَمِسُوهَا فِي السَّبْعِ وَالتِّسْعِ وَالخَمْسِ.
ــ
قلت مثله يسمى بالحال المقدرة أي خرج مقدراً الأخبار نحو (فادخاوها خالدين) ولاشك أن الخروج حالة تقدير الأخبار كالدخول حالة تقدير الخلود. قوله: (فنلاحي) مشتق من التلاحي وهو التنازع الجوهري: تلاحوا أي تنازعوا. قوله: (رجلان) هما عبد الله بن أبي حدرد بالحاء المهملة المفتوحة والدال المهملة المكررة وكعب بن مالك كان علي عبد الله دين لكعب فطلبه فتنازعا فيه ورفعا صوتيهما في المسجد. قوله: (لأخبركم بليلة القدر) فإن قلت الأخبار متعد إلى ثلاثة مفاعيل فأين الأخيران منها. قلت هما محذوفان أو لفظ بليلة القدر هو بمنزلة المفعولين إذ التقدير أخبركم بأن ليلة القدر هو الليلة الفلانية. فإن قلت هل يجوز أن يكون بليلة القدر ثاني المفعولات والثالث محذوف قلت لا إذ مفعوله الأول كمفعول أعطيت والثاني والثالث كمفعولي علمت. قوله: (فرفعت) النووي: معنى رفعت أي رفع بيانها أو علمها وإلا فهي باقية إلى يوم القيامة قال وشذ قوم فقالوا رفعت ليلة القدر وهذا غلط لأن آخر الحديث يرد عليهم فإنه قال التمسوها ولو كان المراد رفع وجودها لم يأمرهم بالتماسها. وأقول فإن قلت كيف يؤمر بطلب ما رفع علمه. قلت المراد طلب التعبد في مظانها وربما يقع العمل مصادفاً لها لا أنه مأمور بطلب العلم بعينها والأوجه أن يقال معناه رفعت من قلبي أي نسيتها. قوله: (أن يكون) أي الرفع خيراً ليزيدوا في الاجتهاد ويقوموا في الليالي لطلبها فيكون زيادة في ثوابكم ولو كانت معينة لاقتنعتم بتلك الليلة فقل عملكم. قوله: (التمسوها في السبع) أي ليلة السبع والعشرين من رمضان والتسع والعشرين منه والخمس والعشرين منه وفي بعض النسخ بتقديم التسع على السبع. فإن قلت من أين أستفيد التقييد بالعشرين وبرمضان قلت من الأحاديث الآخر الدالة عليهما وهو دليل على أنها في الأفراد من الليالي وقد مر في باب قيام ليلة القدر الأقوال التي فيها إلى نحو من العشرين وبيان تسميتها وغير ذلك. فإن قلت ما وجه دلالة الحديث على الترجمة قلت من حيث أن فيه ذم التلاحي وأن صاحبه ناقص لأنه يشغل عن كثير من الخير بسببه سيما إذا كان في المسجد وعند جهر الصوت بحضرة الرسول ﷺ بل ربما ينجر إلى بطلان العمل وهو لا يشعر قال تعالى (ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون) فإن قلت للترجمة جزءان فدلالته على الجزء الأول أظهر كالحديث الأول على الجزء الثاني ففيه لف ونشر وإن قلنا الترجمة أمر واحد
стр. 192
بَابُ سُؤَالِ جِبْرِيلَ النَّبِيَّ ﷺ عَنِ الإِيمَانِ، وَالإِسْلَامِ، وَالإِحْسَانِ، وَعِلْمِ السَّاعَةِ، وَبَيَانِ النَّبِيِّ ﷺ لَهُ، ثُمَّ قَالَ: جَاءَ جِبْرِيلُ ﵇ يُعَلِّمُكُمْ دِينَكُمْ، فَجَعَلَ ذَلِكَ كُلَّهُ دِينًا. وَمَا بَيَّنَ النَّبِيُّ صَلى
ــ
فلا بحث فيه. النووي: أدخل البخاري هذا الحديث في هذا الباب لأن رفع ليلة القدر كان بسبب تلاحيهما ورفعهما الصوت بحضرة النبي ﷺ ففيه مذمة الملاحاة ونقصان صحبها. فإن قلت إذا جاز أن يكون الرفع خيراً فلا مذمة فيه ولا شر ولا حبط العمل. قلت إن أريد بالخير اسم التفضيل فمعناه أن الرفع عسى أن يكون خيراً من عدم الرفع من جهة أخرى كمن جهة كونه سبباً لزيادة الاجتهاد المستلزمة لزيادة الثواب وإلا فمعناه أن الرفع عسى أن يكون خيراً وإن كان عدم الرفع أزيد خيراً وأولى منه ثم إن خيرية ذلك كانت متحققة وخيرية هذا مرجوة لأن مفاد عسى هو الرجاء لا غير قال البخاري ﵁ (باب سؤال جبريل ﵇ بفتح اللام من جبريل لأن المصدر أضيف إليه وهو غير منصرف وهو فاعل والنبي مفعول وجبريل ملك يتوسط بين الله تعالى وبين رسوله بالوحي قوله: (وعلم الساعة) أي علم القيامة. الكشاف: سميت ساعة لوقوعها بغتة أو لسرعتها حساباً أو على العكس لطولها أي فهو تلميح كما يقال في الأسود كافور أو لأنها عند الله على طولها كساعة من الساعات عند الخلق فإن قلت السؤال ليس عن علمها وظاهر الكلام يقتضي أن يقال بدل علم الساعة وقت الساعة لأن السؤال هو عن وقتها لأنه قال متى الساعة قلت الوقت مقدر أي علم وقت الساعة والقرينة كلمة متى لأنها للسؤال عن الوقت وأما العلم فهو لازم السؤال إذ معناه أتعلم وقت علم الساعة فأخبرني فهو متضمن للسؤال عن علم وقتها. قوله: (وبيان) عطف على سؤال. فإن قلت لم يبين النبي ﷺ وقت دلم الساعة فكيف قال وبيان النبي له لأن الضمير أما راجع إلى الأخير أو إلى مجموع المذكور. قلت إما أنه أطلق وأراد أكثره إذ حكم معظم الشيء حكم كله أو جعل الحكم فيه بأنه لا يعلمه إلا الله بياناً له. قوله: (ثم قال) أي رسول الله ﷺ . فإن قلت لم عطف الجملة الفعلية على الاسم أو على الجملة الاسمية وغير أسلوب الكلام قلت لأن المقصود من الكلام الأول بيان الترجمة ومن الثاني كيفية الاستدلال منه على جعل كل ذلك ديناً فلتغاير المقصودين تغاير الأسلوبان قوله: (فجعل) أي رسول الله ﷺ (كله ديناً) فإن قلت علم وقت الساعة ليس من
стр. 193
الله عَلَيهِ وسَلمَ لِوَفْدِ عَبْدِ القَيْسِ مِنَ الإِيمَانِ. وَقوله: تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾.
٤٧ - حَدَّثنا مُسَدَّدٌ، قَالَ: حَدَّثنا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخبَرَنا أَبُو حَيَّانَ التَّيْمِيُّ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ صَلى الله
ــ
الإيمان فكيف قال كله. قلت الاعتقاد بوجودها وبعدم العلم بوقتها لغير الله تعالى من الدين أيضاً أو أعطى للأكثر حكم الكل مجازاً. قوله: (لوفد) الوفد هو الجماعة المختارة من القوم ليتقدموهم في لقي العظماء والمصير إليهم واحدة وافد. و (عبد القيس) قبيلة عظيمة من قبائل العرب. و (من الإيمان) متعلق بقوله: بين فإن قلت على م عطف وما بين. وقوله: تعالى (ومن يبتغ غير الإسلام ديناً) ولا جائز أن يعطف على السؤال ليدخل في الترجمة إذ لا أثر لحكاية وفد عبد القيس في هذا الباب ولا لمعنى الآية. قلت الواو بمعنى مع أي جعل ذلك ديناً مع ما بين للوفد من أن الإيمان هو الإسلام حيث فسر الإيمان في قصتهم بما فسر الإسلام ههنا ومع الآية حيث دلت على أن الإسلام هو الدين فعلم أن الإيمان والإسلام والدين أمر واحد وهو مراد البخاري ﵀ أو ما بين مبتدأ وقوله: تعالى عطف عليه وخبر المبتدأ محذوف أي الذي بينه الرسول ﷺ للوفد من الإيمان والآية يدلان على ما ذكر أما الحديث فمن حيث فسر الإيمان ثمة بما فسر الإسلام ههنا وأما الآية فمن حيث أفادت أن الإسلام هو الدين فقوله: وما بين على الأول مجرور المحل وعلى الثاني مرفوع وإنما ضم إلى الترجمة وما بين إلى آخره لأنها لم تدل على أن الإيمان هو الإسلام بل على أن الكل هو الدين فأراد الاستعانة في تتميم مراده والتقوية له بحديث الوفد والآية. قوله: (مسدد) بفتح الدال المشددة أبو الحسن بن مسرهد الأسدي البصري وقد مر ذكره مع ما قيل فيه أن ذكر نسبه لرقية العقرب في باب من الإيمان أن يحب لأخيه. قوله: (إسمعيل بن إبراهيم) أي المعروف بابن علية بضم العين وفتح اللام أبو بشر البصري ولي بغداد في آخر خلافة هرون وتوفي بها ودفن في مقابر عبد الله بن مالك وما كان له كتاب قط وكانوا يقولون أنه يعد الحروف وتقدم في باب حب الرسول من الإيمان وذكره البخاري ثمة بالكنية حيث قال ابن علية وههنا بالاسم وهذا دليل على كمال ضبط البخاري وأمانته حيث نقل لفظ الشيوخ بعينه وأداه كما سمعه رحمه الله تعالى. قوله: (أبو حيان) إما مشتق من الحياة فلا ينصرف وإما من الحين فينصرف هو يحيى بن سعيد بن حيان الكوفي التيمي
стр. 194
عَلَيهِ وسَلمَ بَارِزًا يَوْمًا لِلنَّاسِ، فَأَتَاهُ رَجُلٌ، فَقَالَ: مَا الإِيمَانُ؟ قَالَ: الإِيمَانُ أَنْ تُؤْمِنَ بِاللهِ، وَمَلَائِكَتِهِ، وَبِلِقَائِهِ، وَرُسُلِهِ وَتُؤْمِنَ بِالْبَعْثِ، قَالَ: مَا الإِسْلَامُ؟ قال:
ــ
وروي عنه أيوب والأعمش وهما تابعيان وليس هو بتابعي وهذه فضيلة قال أحمد بن عبد الله هو ثقة صالح مبرز صاحب سنة مات سنة خمس وأربعين ومائة. قوله: (أبي زرعة) بضم الزاي وسكون الراء هو عمرو بن جرير البجلي الكوفي وقد سبق في باب الجهاد من الإيمان. قوله: (بارزاً للناس) أي ظاهراً إليهم جالساً معهم (فأتاه رجل) أي شخص في صورة رجل. قوله: (أن تؤمن بالله) فإن قلت ما وجه تفسير الإيمان بأن تؤمن وفيه تعريف الشيء بنفسه. قلت ليس تعريفاً بنفسه إذ المراد من المحدود الإيمان الشرعي ومن الحد الإيمان اللغوي أو المتضمن للاعتراف ولهذا عدى بالباء أي أن تصدق معترفاً بكذا ولفظ الإيمان بالله متناول للإيمان بوجوده وبصفاته التي لا تتم الألوهية إلا بها قوله: (وملائكته) هو جمع ملك نظراً إلى أصله الذي هو ملاك مفعل من الألوكة بمعنى الرسالة والتاء زيدت فيه لتأكيد معنى الجمع أو لتأنيث الجمع وهم أجسام علوية نورانية متشكلة بما شاءت من الأشكال. قوله: (وبلقائه) قال الخطابي أي برؤية الله تعالى في الآخرة. النووي اختلفوا في المراد بالجمع بين الإيمان بلقاء الله والبعث فقيل اللقاء يحصل بالانتقال إلى دار الجزاء والبعث بعده عند قيام الساعة وقيل اللقاء ما يكون بعد البعث عند الحساب وليس المراد باللقاء رؤية الله تعالى فإن أحداً لا يقطع لنفسه بها فإن الرؤية مختصة بمن مات مؤمناً ولا يدري الإنسان ما يختم له به. وأقول فيه نظر إذ لا دخل لقطعه لنفسه بل اللازم أن يقطع بأنه حق في نفس الأمر. نعم لو قيل الرؤية من المسائل المختلف فيها ليست من ضروريات الدين فلا يجب الإيمان بها لتم دينه. قوله: (ورسله) الرسل جمع رسول وهو النبي الذي أنزل عليه الكتاب والنبي أعم منه وقدم ذكر الملائكة على الرسل إتباعاً لترتيب الوجود فإن الملائكة مقدمة في الخلق وللترتيب الواقع في تحقيق معنى الرسالة فإنه يقال أرسل الله تعالى الملك إلى الرسول لا تفضيلاً للملائكة على الرسل كما زعم المعتزلة. فإن قلت الإيمان بالكتب أيضاً واجب فلم تركه. قلت الإيمان بالرسل مستلزم للإيمان بما أنزل عليهم. قوله: (وتؤمن بالبعث) فإن قلت لم كرر لفظ وتؤمن. قلت لأنه نوع آخر من المؤمن به لأن البعث سيوجد فيما بعد وأخواته موجودة الآن والمراد من البعث بعث الموتى من القبول وما يترتب عليه من الحساب
стр. 195
الإِسْلَامُ: أَنْ تَعْبُدَ اللهَ، وَلَا تُشْرِكَ بِهِ، وَتُقِيمَ الصَّلَاةَ، وَتُؤَدِّيَ الزَّكَاةَ المَفْرُوضَةَ
ــ
والصراط والجنة والنار وغيره أو بعثه الأنبياء والأول أظهر. قوله: (أن تعبد الله) العبادة هي الطاعة مع الخضوع فيحتمل أن يراد بها معرفة الله فيكون عطف الصلاة والزكاة والصوم عليها لإدخالها في الإسلام لأنها لم تدخل تحت لفظ العبادة واقتصر على هذه الثلاث لكونها من أركان الإسلام وأظهر شعائره والباقي ملحق بها وترك الحج إما لأنه لم يكن فرضاً حينئذ وإما أن بعض الرواة شك فيه فأسقطه ويحتمل أن يراد بها الطاعة مطلقاً فيدخل جميع وظائف الإسلام فيها فيكون عطف الثلاث عليها من باب ذكر الخاص بعد العام تنبيهاً على شرفه ومرتبته نحو (وملائكته وجبريل) وذكر لا تشكر به بعد العبادة لأن الكفار كانوا يعبدونه تعالى في الصورة ويعبدون معه أوثاناً يزعمون أنها شركاء فنفى ذلك. قوله: (وتقيم الصلاة) مر في حديث بني الإسلام على خمس أن الإقامة تحتمل معان متعددة وكذا مر تعريفات الصوم والصلاة والزكاة وسائر مباحثه والمراد بالصلاة هي المكتوبة كما جاء في رواية مسلم مصرحاً به وهو احتراز من النافلة فإنها وإن كانت من وظائف الإسلام لكنها ليست من أركانه فتحمل المطلقة ههنا على المقيدة في الرواية الأخرى جمعاً بينهما. قوله: (الزكاة المفروضة) قيل احترز بالمفروضة من الزكاة المعجلة قبل الحول فإنها ليست مفروضة حال الأداء وقيل من صدقة التطوع فإنها زكاة لغوية. فإن قلت ظاهر الحديث يقتضي تغاير الإيمان والإسلام وتقدم مراراً أن الإيمان والإسلام والدين عند البخاري عبارات عن معنى واحد. قلت اضطربت أقوال العلماء فيه قديماً وحديثاً ونصبوا من الطرفين دلائل ومر بعض أبحاثه في أول كتاب الإيمان وفي باب إذا لم يكن الإسلام على الحقيقة. قال الخطابي تكلم في المسألة رجلان من الكبراء وصار كل واحد إلى قول من القولين الاتحاد وعدمه ورد الآخر على المتقدم وصنف عليه كتاباً والصحيح فيه أن يقيد الكلام فيه وذلك أن المسلم قد يكون مؤمناً وقد لا يكون والمؤمن مسلم دائماً فكل مؤمن مسلم بدون العكس وإذا تقرر هذا استقام تأويل الآيات والأحاديث واعتدل القول فيها وأصل الإيمان التصديق وأصل الإسلام الاستسلام فقد يكون المرء مسلماً أي منقاداً في الظاهر غير منقاد في الباطن وقد يكون صادقاً في الباطن غير منقاد في الظاهر. وقال محيي السنة جعل النبي ﷺ الإسلام اسماً لما ظهر من الأعمال والإيمان اسماً لما بطن من الاعتقاد وليس ذلك لأن الأعمال ليست من الإيمان والتصديق بالقلب ليس من الإسلام بل ذلك تفصيل لجملة هي كلها شيء واحد وجماعها الدين ولهذا قال ﷺ (أتاكم جبريل يعلمكم دينكم) والتصديق والعمل
стр. 196
وَتَصُومَ رَمَضَانَ، قَالَ: مَا الإِحْسَانُ؟ قَالَ: أَنْ تَعْبُدَ اللهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ، قَالَ: مَتَى السَّاعَةُ؟ قَالَ: مَا المَسْؤُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ، وَسَأُخْبِرُكَ
ــ
يتناولهما اسم الإيمان والإسلام جميعاً. وقال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح ما في الحديث بيان لأصل الإيمان وهو التصديق الباطن والأصل الإسلام وهو الاستسلام والانقياد الظاهر ثم أن اسم الإيمان يتناول ما فسر به الإسلام وسائر الطاعات لكونها ثمرات التصديق الباطن الذي هو أصل الإيمان ولهذا فسر الإيمان في حديث الوفد بما هو الإسلام هنا واسم الإسلام يتناول أيضاً ما هو أصل الإيمان وهو التصديق الباطن ويتناول الطاعات فإن ذلك كله استسلام فتحقق مما ذكرنا أنهما يجتمعان ويفترقان. قوله: (الإحسان) وهو هنا بمعنى الإخلاص. الطيبي: الإحسان يقال على وجهين الإنعام على الغير نحو أحسن إلى فلان والثاني الإحسان في الفعل وذلك إذا علم علماً حسناً أو عمل عملاً حسناً ويجوز أن يحمل هنا على الأنعام وذلك لأن المرائي يبطل عمله فيظلم نفسه فقيل له أحسن إلى نفسك واعبد الله كأنك تراه وإلا فتهلك وعلى المعنى الثاني كما في قوله: تعالى (إنا نراك من المحسنين) أي المجيدين المتقنين في تعبير الرؤيا كأنه سأل ما الإجادة والإتقان في حقيقة الإيمان والإسلام فأجاب بما ينبئ عن الإخلاص. قوله: (كأنك) فإن قلت كأن ما محله من الإعراب. قلت حال من الفاعل أي تعبد الله مشبهاً بمن يراه. فإن قلت فإنه يراك لا يصح جزاء للشرط لأنه ليس مسبباً عنه. قلت إما أن تقدر فإن لم تكن تراه فاعبد أو اعتبر أنت أو أخبر بأنه يراك كما يقال في إن أكرمتني فقد أكرمتك أمس أن المراد أن تعتد بإكرامك فأعتد بإكرامي أو فان تخبر بذاك فأخبر بهذا وهو قول النحوي وإما أن تقدر فإن لم تكن تراه فلا تغفل فإنه يراك فإن رؤيته مستلزمة لأنه لا يغفل عنه يعني أنه مجاز في كونه جزاء والمراد لازمه وهو قول البياني. النووي: هذا أصل عظيم من أصول الدين وقاعدة مهمة من قواعد الإسلام وهو عمدة الصديقين وبغية السالكين وكنز العارفين ودأب الصالحين وتلخيص معناه أن تعبد الله عبادة من يرى الله ويراه الله فإنه لا يستبقي شيئاً من الخضوع والإخلاص وحفظ القلب والجوارح ومراعاة الآداب ما دام في عبادته (فإن لم تكن تراه فإنه يراك) يعني إنك إنما تراعي الأدب إذا رأيته ورآك لكونه يراك لا لكونك تراه وهذا المعنى موجود وإن لم تره لأنه يراك وحاصله الحث على كمال الإخلاص في العبادة ونهاية المراقبة فيها وقال هذا من جوامع الكلم التي أوتيها ﷺ وقد ندب أهل الحقائق إلى مجالسة الصالحين ليكون ذلك مانعاً من تلبسه بصفة من
стр. 197
عَنْ أَشْرَاطِهَا: إِذَا وَلَدَتِ الأَمَةُ رَبَّهَا، وَإِذَا تَطَاوَلَ رُعَاةُ الإِبِلِ البُهْمُ فِي البُنْيَانِ
ــ
النقائص احتراماً لهم واستحياء منهم فكيف بمن لا يزال الله مطلعاً عليه في سره وعلانيته وقال القاضي عياض وهذا الحديث قد اشتمل على شرح جميع وظائف العبادات الظاهرة والباطنة من عقود الإيمان وأعمال الجوارح وإخلاص السرائر والتحفظ من آفات الأعمال حتى أن علوم الشريعة كلها راجعة إليه ومتشعبة منه. الخطابي: اختلاف هذه الأسماء الثلاثة يوهم افتراقاً في أحكامها وليس الأمر كذلك إنما هو اختلاف ترتيب وتفصيل لما يتضمنه اسم الإيمان من قول وفعل وإخلاص ألا ترى أنه حين سأله عن الإحسان قال أن تعبد الله كذا وهو إشارة إلى الإخلاص في العبادة ولم يكن هذا المعنى خارجاً عن الجوابين الأولين فدل على أن التفرقة في هذه الأسماء إنما وقعت بمعنى التفضيل وعلى سبيل الزيادة في البيان والتوكيد والذي دل عليه أنه جعل في حديث الوفد هذه الأعمال كلها إيماناً وأقول علم منه أن الرؤية لا يشترط فيها خروج الشعاع ولا انطباع صورة المرئي في الحدقة ولا مواجهة ولا مقابلة ولا رفع الحجب فيجوز أن يكون الله مرئياً لنا يوم القيامة إذ هي حالة يخلقها الله تعالى في الحاسة وهذه المذكورات شروط للرؤية عادة ولهذا جوز الأشاعرة أن يرى أعمى الصين بقة الأندلس قوله: (بأعلم) الباء زيدت لتأكيد معنى النفي والمراد ما المسئول عن وقتها لا عن وجودها إذ الوجود مقطوع به. فإن قلت لفظة أعلم مشعرة بالاشتراك في العلم والنفي توجه إلى الزيادة فيلزم أن يكون معناه أنهما متساويان في العلم به لكن الأمر بخلافه لأنهما متساويان في نفي العلم به. قلت اللازم ملتزم لأنهما متساويان في القدر الذي يعلمان منه وهو نفس وجودها أو أنه ﷺ نفى أن يكون صالحاً لأن يسئل ذلك لما عرف أن المسئول في الجملة ينبغي أن يكون أعلم من السائل. قوله: (عن أشراطها) أي علاماتها وقيل أوائلها ومقدماتها وقيل صغار أمورها وهو جمع شرط بفتح الشين والراء ومعنى اشترط فلان على فلان كذا أي جعل علامة بينهما والمراد بأشراطها السابقة لا أشراطها المقارنة لها المضايفة بها كطلوع الشمس من مغربها وخروج الدابة ونحوهما. قوله: (إذا ولدت) لما كان الشرط محقق الوقوع جاء بلفظ إذا التي تدل على الجزم بوقوع مدخولها ولهذا يصح أن يقال إذا قامت القيامة كان كذا ولا يصح أن يقال إن قامت كان كذابل يكفر قائله لأنه مشعر بالشك فيه. فإن قلت ما جزاؤه. قلت محذوف تقديره فهي أي الولادة شرطه. فإن قلت إذا ولدت كيف وقع بياناً للإشراط قلت نظراً إلى المعنى تقديره ولادة الأمة وتطاول الرعاة كما يقال في قوله: تعالى (فيه آيات بينات مقام إبراهيم ومن دخله كان آمناً) إذ المراد أمن داخله والأظهر أن يكون إذا متمحضاً لمجرد الوقت أي وقت الولادة ووقت التطاول. فإن قلت
стр. 198
الأشراط جمع وأقله ثلاثة على الأصح ولم يذكر هنا إلا اثنان. قلت إما أنه ورد على مذهب أن أقله اثنان أو حذف الثالث لحصول المقصود بما ذكر كما يقال أيضاً في الآية الكريمة المذكورة آنفاً فإن قلت لم ذكر جمع القلة والعلامات أكثر من العشرة في الواقع قلت جاز لأنه قد تستعرض القلة للكثرة والعكس أو لفقد جمع الكثرة للفظ الشرط أو لأن الفرق بالقلة والكثرة إنما هو في المنكرات لا في المعارف. قوله: (ربها) أي مالكها وسيدها قال الأكثرون هو إخبار عن كثرة السراري وأولادهن فإن ولدها من سيدها بمنزلة سيدها لأن مال الإنسان صائر إلى ولده غالباً وقد يتصرف فيه في حياته تصرف المالكين إما بتصريح أبيه له بالإذن وإما لعلمه بقرينة الحال أو عرف الاستعمال وقيل معناه أن الإمائة يلدن الملوك فتكون أمة من جملة رعيته وهو سيدها وسيد غيرها من رعيته وولي أمورهم وقيل معناه أنه يفسد أحوال الناس فيكثر بيع أمهات الأولاد في آخر الزمان فيكثر تردادها في أيدي المشترين حتى يشتريها ابنها ولا يدري وعلى هذا القول لا يختص بأمهات الأولاد بل يتصور في غيرهن فإن الأمة قد تلد حراً من غير سيدها بوطء شبهة أو ولداً رقيقاً بنكاح أو زنا ثم تباع الأمة في الصورتين بيعاً صحيحاً وتدور في الأيدي حتى يشتريها ابنها. فإن قلت كيف أطلق الرب على غير الله تعالى وقد ورد النهي بقوله: ﷺ (ولا يقل أحدكم ربي وليقل سيدي ومولاي) قلت هذا من باب التشديد والمبالغة أو الرسول مخصوص منه. قوله: (رعاة) بضم الراء جمع راع كقضاة وقاض وفي بعضها رعاء بكسرها جمع أيضاً كتاجر وتجار. و (البهم) بضم الباء جمع الأبهم وهو الذي لا شية له. النووي وروى بحرف الميم ورفعها فمن جر جعله وصفاً للإبل أي رعاء الإبل السود قالوا وهي شرها ومن رفع جعله صفة للرعاة أي الرعاة السود. الخطابي: معناه الرعاة المجهولون الذين لا يعرفون جمع البهيم ومنه أبهم الأمر فهو مبهم إذا لم تعرف حقيقته ولذلك قيل للدابة التي لا شية في لونها بهيم ومعناه أن أهل البادية من أهل الفاقة تنبسط لهم الدنيا حتى يتناهوا في إطالة البنيان يعني العرب تستولى على الناس وبلادهم ويزيدون في بنيانهم وهو إشارة إلى اتساع دين الإسلام كما أن العلامة الأولى أيضاً فيها إتساع الإسلام واستيلاء أهله على الكفر وسبي ذراريهم ومحصلة أن من أشراطها تسلط المسلمين على البلاد والعباد وقال القاضي البيضاوي: وذلك لأن بلوغ الأمر الغاية منذر بالتراجع المؤذن بأن القيامة ستقوم لامتناع شرع آخر بعده واستمرار سنته تعالى على أن لا يدع أبداً عباده سدى. قال ابن بطال معناه أن ارتفاع الأسافل من العبيد والسفلة الجمالين وغيرهم من علامات القيامة قال والبهم بفتح الباء خطأ لأنه مع ذكر الإبل إذ الفتح في الغنم مستعمل. الطيبي: المقصود أن علاماتها انقلاب الأحوال والقرينة الثانية ظاهرة في صيرورة الأذلة أعزة ملوك الأرض فتحمل القرينة الأولى إلى صيرورة الأعزة أذلة ألا ترى إلى الملكة بنت النعمان حين سبيت وأحضرت بين يدي سعد بن أبي وقاص كيف أنشدت:
стр. 199
فِي خَمْسٍ لَا يَعْلَمُهُنَّ إِلَاّ اللهُ، ثُمَّ تَلَا النَّبِيُّ ﷺ : ﴿إِنَّ اللهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ الآيَةَ، ثُمَّ أَدْبَرَ، فَقَالَ: رُدُّوهُ، فَلَمْ يَرَوْا شَيْئًا، فَقَالَ: هَذَا جِبْرِيلُ جَاءَ يُعَلِّمُ النَّاسَ دِينَهُمْ. قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: جَعَلَ ذَلِكَ كُلَّهُ مِنَ الإِيمَانِ.
ــ
فبينا نسوس الناس والأمر أمرنا ... إذا نحن فيهم سوقة نتنصف
فأف لدنيا لا يدوم نعيمها ... تقلب تارات بنا وتصرف
وقال تطاول أي تفاخر في طول البنيان وتكثر به. قوله: (في خمس) هو خبر مبتدأ محذوف أي علم وقت الساعة في جملة خمس أو متعلق بأعلم والأربعة الباقية نزول الغيث وعلم ما في الأرحام وكسب الغد والأرض التي يموت الشخص فيها. فإن قلت من أين استفاد الحصر من الآية حتى يوافق الحصر الذي في الحديث. قلت من تقديم عنده وأما بيان الحصر في أخواتها فلا يخفي على العارف بالقواعد وأما الانحصار في هذه الخمس مع أن الأمور التي لا يعلمها إلا الله كثيرة فأما لأنهم كانوا يسألون الرسول عن هذه الخمسة فنزلت جواباً لهم وإما لأنها عائدة إلى هذه الخمس قوله: (الآية) بالنصب بفعل محذوف نحو أعني الآية أو اقرأ وبالرفع بأنه مبتدأ وخبره محذوف أي الآية مقروءة إلى آخرها وبالجر أي إلى الآية أي إلى مقطعها وتمامها قال تعالى (إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام وما تدري نفس ماذا تكسب غداً وما تدري نفس بأي أرض تموت) فإن قلت ما الحكمة في سؤال الساعة حيث علم جبريل أن وقتها غير معلوم لخلق الله تعالى. قلت أقله التنبيه على أن لا يطمع أحد في التطلع إليه والفصل بين ما يمكن معرفته وما لا يمكن. قوله: (ثم أدبر) أي الرجل السائل (فقال) أي رسول الله ﷺ للصحابة (ردوه) أي استرجعوه فلم يروه وإنما قال شيئاً ولم يقل فلم يروه أو فلم يروا أحداً مبالغة يعني ما وجدوا شيئاً يعني لا عينه ولا أثره (فقال رسول الله ﷺ هذا جبريل) فيه أن الملك يجوز أن يتمثل لغير النبي وأن يراه غيره قائلاً سامعاً. قوله: (يعلم) فإن قلت هو سؤال فقط والناس تعلموا الدين من الجواب لا منه. قلت لما كان هو السبب فيه أطلق المعلم عليه أو لما كان غرضه التعليم أطلق عليه وصورة هذه الحالة كصورة المعيد إذا امتحنه الشيخ عند حضور الطلبة ليزيدوا طمأنينة في أنه يعيد الدرس ويلقي إليهم المسألة كما سمع من الشيخ بلا زيادة ولا نقصان. قوله: (قال أبو عبد الله) أي البخاري صاحب الجامع (جعل رسول الله ﷺ ذلك كله من الإيمان) فإن قلت قال أولاً
стр. 200
باب
٤٨ - حَدَّثنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ حَمْزَةَ، قَالَ: حَدَّثنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَبَّاسٍ أَخْبَرَهُ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو سُفْيَانَ. أَنَّ هِرَقْلَ قَالَ لَهُ: سَأَلْتُكَ هَلْ يَزِيدُونَ أَمْ يَنْقُصُونَ؟ فَزَعَمْتَ
ــ
جعل كله ذلك ديناً وقال ههنا من الإيمان. قلت أما جعله ديناً فظاهر حيث قال (يعلمهم دينهم) وأما جعله إيماناً فمن إما تبعيضية والمراد بالإيمان هو الإيمان الكامل المعتبر عند الله تعالى وعند الناس فلا شك أن الإسلام والإحسان داخلان فيه وإما ابتدائية ولا يخفى أن مبدأ الإحسان والإسلام هو الإيمان بالله تعالى إذ لولا الإيمان بالله لم تتصور العبادة له واعلم أن هذه الأسئلة والأجوبة صدرت قبل حجة الوداع قريب استقرار الشرع وفيه فوائد كثيرة لا تكاد تحصى. ومنها أن العالم إذا سئل عمالاً يعلم يصرح بأنه لا يعلمه وأن ذلك لا ينقص من جلالته بل يدل على ورعه وتقواه وعدم تبجحه بما ليس عنده ومنها أنه ينبغي لمن حضر مجلس العلم إذا علم بأهل المجلس حاجة إلى مسألة أن يسأل عنها ليعلمه السامعون وعليك بالتأمل والاستخراج وفقك الله تعالى. قوله: (إبراهيم بن حمزة) بالحاء والزاي ابن محمد بن حمزة بن مصعب بن عبد الله بن الزبير بن العوام القرشي الأسدي المدني قال ابن سعد ثقة صدوق ويأتي الربذة كثيراً فيقيم بها ويتجر بها ويشهد العيدين بالمدينة مات سنة ثلاثين ومائتين بها. قوله: (إبراهيم) هو أبو إسحق بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف القرشي المدني تولى بيت المال ببغداد وتوفي بها وقد مر في باب تفاضل أهل الإيمان. قوله: (صالح) هو أبو محمد بن كيسان الغفاري المدني وتقدم في آخر قصة هرقل توفي وهو ابن مائة ونيف وستين سنة. قوله: (ابن شهاب) هو الإمام أبو بكر محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب الزهري القرشي المدني سبق في الحديث الثالث من الكتاب. قوله: (عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود) الإمام أحد فقهاء المدينة السبعة مر في الخامس منه و (عبد الله بن عباس) هو حبر الأمة تقدم في الرابع منه ورجال هذا الإسناد كلهم مدنيون والثلاث منهم تابعيون وأكثرهم قرشيون. و (أبو سفيان) هو صخر ابن حرب بن أمية القرشي قد مر في السادس منه و (هرقل) بكسر الهاء وفتح الراء وسكون القاف هو المشهور ويقال أيضاً بكسر الهاء والقاف وسكون الراء وهو علم له ولقبه قيصر وكذا كل من ملك الروم وسبق فيه أيضاً. قوله: (قال له) أي قال هرقل لأبي سفيان (هل يزيدون) يعني
стр. 201
أَنَّهُمْ يَزِيدُونَ، وَكَذَلِكَ الإِيمَانُ حَتَّى يَتِمَّ. وَسَأَلْتُكَ هَلْ يَرْتَدُّ أَحَدٌ سَخْطَةً لِدِينِهِ بَعْدَ أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ، فَزَعَمْتَ أَنْ لَا، وَكَذَلِكَ الإِيمَانُ حِينَ تُخَالِطُ بَشَاشَتُهُ الْقُلُوبَ، لَا يَسْخَطُهُ أَحَد
ــ
أتباع رسول الله ﷺ . فإن قلت القياس يقتضي أن يقال أيزيدون بالهمزة لأن أم المتصلة مستلزمة للهمزة كما أن الرواية السابقة أول الكتاب بالهمزة. قلت هي منقطعة لا متصلة تقديره بل أينقصون يعني يكون إضراباً عن سؤال الزيادة واستفهاماً عن النقصان. سلمنا أنها متصلة لكونها لا تستلزم الهمزة بل الاستفهام. قال الزمخشري في المفصل: أم لا تقع إلا في الاستفهام إذا كانت متصلة فهو أعم من الهمزة. فإن قلت شرط المتصلة أن تقع بين الاسمين صرح به بعض النحاة. قلت قد صرحوا أيضاً بأنها لو وقعت بين الفعلين جاز اتصالها لكن بشرط أن يكون فاعل الفعلين متحداً كما في مسئلتنا. فإن قلت المعنى على تقدير الاتصال غير صحيح لأن هل لطلب الوجود وأم المتصلة لطلب التعيين سيما في هذا المقام فإنه ظاهر أنه للتعيين. قلت يجب حمل مطلب هل على أعم منه تصحيحاً للمعنى وتطبيقاً بينه وبين الرواية المتقدمة صدر الكتب. قوله: (فزعمت) وفي الرواية السابقة فذكرت (وكذلك الإيمان) وفي السابقة وكذلك أمر الإيمان والمراد من الروايتين في الأمرين واحد. قوله: (هل يرتد) وفيما سبق أيرتدو فذكرت بدل فزعمت وزيد ههنا (لا يسخطه أحد) وقد مر شرح الحديث بطوله فاتحة الكتاب. ومقصوده هنا أن هرقل لم يفرق بين الإيمان والدين فسماه مرة ديناً وأخرى إيماناً. النووي: وقع هذا الحديث في بعض النسخ في الباب السابق من غير تخصيصه بباب وهذا فاسد والصواب ما في أكثر أصول بلادنا أي مع وجود لفظ الباب لأن ترجمة الباب الأول لا يتعلق بها هذا الحديث فلا يصح إدخاله فيه وأقول ليس لا يتعلق بها لأن الغرض من تلك الترجمة بيان جعل الإيمان ديناً وهذا يدل عليه وقال وفي الاستدلال به إشكال لأن هرقل كافر فكيف يستدل بقوله: وقد يقال هذا الحديث تداولته الصحابة ﵃ ولم ينكروه بل استحسنوه وأقول لا إشكال أما أولاً فلأنه قد اختلف في إيمانه وأما ثانياً فلان هذا ليس أمراً شرعياً بل هو محاورة ولا شك أن محاوراتهم كانت على العرف الصحيح المعتبر الجاري على القوانين فجاز الاستدلال بها وأما ثالثاً فلأنه من أهل الكتاب وفي شرعهم كان الإيمان ديناً وشرع من قبلنا حجة وأما رابعاً فلما ذكره هو بنفسه
стр. 202
بابُ فضل من استبرأ لدينه
٤٩ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ عَنْ عَامِرٍ قَالَ سَمِعْتُ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ يَقُولُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه
ــ
واعلم أن في إسناد هذا الحديث المتقدم بين البخاري والزهري رجلين وفي هذا الإسناد ثلاثة وأنه قد اختلف في جواز اختصار الحديث بترك البعض وذكر البعض ومثله يسمى بالخرم فمنع مطلقاً وجوز مطلقاً والصحيح أنه يجوز من العالم إذا كان ما تركه غير متعلق بما رواه بحيث لا يختل البيان ولا تختلف الدلالة ولا فرق بين أن يكون قد رواه قبل على التمام أو لم يروه. فإن قلت فممن وقع هذا الخرم. قلت الظاهر أنه من الزهري لا من البخاري لاختلاف شيوخ الإسنادين بالنسبة إلى البخاري فلعل شيخه إبراهيم بن حمزة لم يذكر في مقام الاستدلال على أن الإيمان دين إلا هذا القدر. فإن قلت فلم يقع الخرم. قلت لأن المقامات مختلفة والسياقات متنوعة فمقام بيان كيفية الوحي يقتضي ذكر الحديث بتمامه ومقام الاستدلال على هذا المطلوب يقتضي ذكر ما به يتم المقصود به اختصاراً وتقريباً لفهم المراد والله تعالى أعلم (باب فضل من استبرأ لدينه) قوله: (أبو نعيم) بضم النون هو الفضل بالضاد المنقطة ابن دكين بضم الدال المهملة وفتح الكاف وهو لقب واسمه عمرو بن حماد القرشي التيمي الطلحي مولى آل طلحة بن عبيد الله الكوفي الملائي كان يبيع الملاء بضم الميم وبالمد وهو الريطة. سمع خلائق من الكبار وقل من يشاركه في كثرة الشيوخ. قال أبو نعيم: شاركت الثوري يعني شيخه في أربعين شيخاً أو خمسين شيخاً وكان يأخذ على الحديث شيئاً فقال تلومونني على الأخذ وفي بيتي ثلاثة عشر وما في بيتي رغيف ورئي في المنام فقيل له ما فعل الله بك يعني فيما كنت تأخذ على الحديث قال نظر القاضي في أمري فوجدني ذا عيال فعفا عني وقال ابن منجويه توفي سنة ثمان أو تسع عشرة ومائتين بالكوفة وكان أتقن أهل زمانه. قوله: (زكريا) مقصور وممدود اسم أعجمي هو أبو يحيى بن أبي زائدة خالد بن ميمونة الهمداني الكوفي توفي سنة سبع أو ثمان أو تسع وأربعين ومائة. قوله: (عامر) أي الشعبي بفتح الشين ويكنى أبا عمرو بن شراحيل الهمداني الكوفي مر ذكره في باب المسلم من سلم المسلمون. قوله: (النعمان) هو الصحابي ابن الصحابي والصحابية ابن بشير بالموحدة المفتوحة والشين المنقطة ابن سعد بن ثعلبة الأنصاري الخزرجي الكوفي واسم أمه عمرة بنت رواحة أخت عبد الله بن رواحة وهو أول مولود ولد في الأنصار بعد قدوم النبي ﷺ المدينة. روى له عن رسول الله ﷺ مائة حديث وأربعة عشر حديثاً روى البخاري منها ستة وهو ممن تحمل عن النبي صلى الله عليه وسلم
стр. 203
وسلم يَقُولُ «الْحَلَالُ بَيِّنٌ وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ، وَبَيْنَهُمَا مُشَبَّهَاتٌ لَا يَعْلَمُهَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، فَمَنِ اتَّقَى الْمُشَبَّهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِيِنِهِ وَعِرْضِهِ، وَمَنْ وَقَعَ فِى الشُّبُهَاتِ كَرَاعي
ــ
صبيا وأداه بالغا. استعمله معاوية على حمص ثم على الكوفة ثم استعمله يزيد فلما مات يزيد صار زيديا فخالفه أهل حمص فأخرجه منها واتبعوه فقتلوه بقرية من قرى حمص غيلة وذلك سنة أربع وستين ورجال الأسناد كلهم كوفيون ولفظ سمعت مشعر ببطلان ما يقولون من عدم تصحيح سماعه من النبي ﷺ . قوله:- ﴿الحلال﴾ - إل آخره. أجمع العلماء على عظم موقع هذا الحديث وأنه أحد الأحاديث التي عليها مدار الإسلام قال جماعة هو ثلث الإسلام وأن الاسلام يدور عليه وعلى حديث الأعمال بالنية وحديث من حسن اسلام المرء تركه مالا يعنيه وقال أبو داود السجستاني يدور على أربعة أحاديث هذه الثلاثة وحديث لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه قالو سبب عظم موقعه أنه ﷺ نبه فيه على صلاح المطعم والمشرب والملبس والمنكح وغيرها وأنه ينبغي ان يكون حلالا وأرشد إلى معرفة الحلال وأنه ينبغي ترك الشبهات فانه سبب لحماية دينه وعرضه وحذر من مواقعة الشبهات وأوضح ذلك بضرب المثل بالحمى ثم بين أهم الأمور وهو مراعاة القلب. قوله:- ﴿بين﴾ - أي ظاهر نظرا إلى ما دل على الحل بلا شبهة وعلى الحرام بلا شبهة- ﴿وبينهما مشبهات﴾ -أي الوسائط التي يجتذبها دليلان من الطرفين بحيث يقع الاشتباه بغير ترجيج دليل أحد الطرفين إلا عند القليل من العلماء. النووى: معناه أن الأشياء ثلاثة أقسام حلال واضح لا يخفى حله كالخبز والفواكه والكلام والمشي وغير ذلك وحرام بين كالخمر والميتة والدم والزنا والكذب وأشباه ذلك وأما المشبهات فمعناه أنها ليست بواضحة الحل والحرمة ولهذا لا يعرفها كثير من الناس وأما العلماء فيعرفون حكمها بنص أو قياس او استصحاب وغيره فإذا تردد الشيء بين الحل والحرمة ولم يكن نص ولا إجماع اجتهد فيه المجتهد فألحقه بأحدهما بالدليل الشرعي فإذا ألحقه به صار حلالا أو حراما وقد يكون دليله غير خال من الاحتمال فيكون الورع تركه وما لم يظهر للمجتهد فيه شيء وهو مشتبه فهل يِؤخذ بالحل أو بالحرمة أم يتوقف فيه ثلاث مذاهب. قوله:- ﴿مشبهات﴾ -ضبط بلفظ الفاعل من الأفعال والتفعيل والافتعال وبلفظ المفعول من الأولين ومعناه مشتبهات أنفسها بالحلال أو مشبهات الحلال أو مشبهات بالحلال قوله:-- ﴿فمن اتقى﴾ -أي احذر واحترز. و - ﴿استبرأ﴾ -هو بالهمز أي حصل البراء لدينه من الذم الشرعي وصان عرضه عن كلام الناس فيه. و - ﴿لدينه﴾ -اشارة إلى ما يتعلق
стр. 204
يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى، يُوشِكُ أَنْ يُوَاقِعَهُ. أَلَا وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى، أَلَا إِنَّ حِمَى اللَّهِ فِى أَرْضِهِ مَحَارِمُهُ، أَلَا وَإِنَّ فِى الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا
ــ
بالله تعالى و- ﴿لعرضه﴾ -إشارة إلى ما يتعلق بالناس أو ذاك إشارة إلى الشرع وهذا إلى المروءة. قوله:- ﴿الحمى﴾ -بكسر الحاء وفتح الميم أي موضع خص الامام لنفسه ومنع الغير عنه. الجوهري: حميته إذا دفعت عنه وهذا شيء حمى أي محضور ولا يقرب. و - ﴿يوشك﴾ -من أفعال المقاربة وهو بضم الياء وكسر الشين أي يقرب ويقال في ماضيه أوشك وهو مثل كاد وعسى في الاستعمال. و - ﴿من﴾ -تحتمل ان تكون شرطية وأن تكون موصولة وتقدير الكلام فهو كراع أو كان كراع إلى آخره وهو ظاهر ويحتمل على النسخة الفاقدة لقوله: وقع في الحرام أن لا يقدر فهو أو كان أو وقع في الحرام ونحوه ويكون يوشك جزاء الشرط ويرجع الضمير في واقعه إلى الحرام وذلك انه من كثرة تعاطيه الشبهات يصادف الحرام وإن لم يتعمده ويأثم بذلك إذا نسب إلى تقصير. الخطابي: ذلك لئلا يعتاد التساهل ويتمرن عليه ويجسر على شبهة ثم على شبهة أغلظ منها ثم أخرى أغلظ وهكذا حتى يقع في الحرام عمدا وهو نحو قول السلف المعاصي بريد الكفر أن تسوق إليه. وقال معنى مشتبهات أي يشتبه على بعض الناس دون بعض لا أنها في نفسها مشتبهة على كل الناس لا بيان لها بل العلماء يعرفونها لان الله جعل عليها دلائل يعرفها بها أهل العلم ولهذا قال النبي ﷺ لا يعلمها كثير من الناس ولم يقل لا يعلمها كل الناس أو واحد منهم وقال وكل شيء أشبه الحلال من وجه والحرام من وجه فهو شبهة. وقوله:- ﴿ألا﴾ -بتخفيف اللام حرف تنبيه يبتدأ بها ويدل على صحة ما بعدها وفي إعادتها وتكرارها دليل على فخامة شأن مدخولها وعظم موقعه- ﴿ومحارمه﴾ -أي المعاصي التي حرمها كالقتل والسرقة ومعناه أن الملوك لكل واحد منهم حمى يحميه عن الناس ويمنعهم دخوله فمن دخله أوقع به العقوبة ومن احتاط لنفسه لا يقاربه ولا يدخل حريمه خوفا من الوقوع فيه ولله تعالى أيضا حمى وهو المعاصي من ارتكب شيئا منها استحق العقوبة ومن قاربه بالدخول في الشبهات والتعرض للمقدمات يوشك أن يقع فيها. فإن قلت على م عطف الواو ومابعدها ولم يذكر الواو بعد ألا الأول والثالث ولم يذكر بعد الثاني كما في بعض النسخ إذ في بعضها هكذا لكل ملك. قلت عطفت على مقدر يعلم مما تقدم أي ألا ان الأمر كما تقدم وان لكل ملك حمى فجاء بالواو إشعارا بأن
стр. 205
فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ. أَلَا وَهِىَ الْقَلْبُ
ــ
بين الجملتين مناسبة إذ هو بالحقيقة تشبيه للحرام بالحمى وللمشتبه بما حوله فلا بد فيه من مشاركة بينهما وترك الواو في الثاني إشعاراً لكمال الانقطاع بين الجملتين وبالبون البعيد بين حمى الملوك وحمى الله تعالى الذي هو الملك الحق لا ملك حقيقة إلا له تعالى أو إشعاراً بكمال الاتحاد إذ لما كان لكل ملك حمى كان لله تعالى حمى لأنه ملك الملوك والملك الحقيقي فذكره مع ذكر فائدة زائدة فيه وهي إن حمى الله محارمه وكذا بين الثالثة والأولى مناسبة نظراً إلى أن الأصل في الإنقاء والوقوع هو ما كان بالقلب لأنه عماد الأمر وملاكه وبه قوامه ونظامه وعليه تنبني فروعه وبه تتم أصوله ويحتمل أن تكون المناسبة بينهما بالضدية كما أن حفظ الأصل يحفظ الفرع كذلك حفظ الفرع يحفظ الأصل أي لا بد من رعاية الأصل والفرع حتى تتم البراءة الكاملة بتعاضدهما ويسلم من الطرفين بتعاونهما قوله: (مضغة) أي قطعة من للحم سميت بذلك لأنها تمضغ في الفم لصغرها كأن المراد تصغير القلب بالنسبة إلى باقي الجسد مع أن صلاح الجسد وفساده تابعان للقلب و (صلح وفسد) بفتح اللام والسين وضمهما والفتح أفصح. فإن قلت فدخول إذ لا بد أن يكون متحقق الوقوع وههنا الصلاح غير متحقق لاحتمال الفساد وبالعكس. قلت هو ههنا بمعنى أن بقرينة ذكر المقابل وقد وقع بينهما المبادلة وسمي القلب قلباً لتقلبه في الأمور وقيل لأنه خالص ما في البدن إذ خالص كل شئ قلبه ولما كان هو سلطان البدن لما صلح صلح الأعضاء الأخر التي هي كالرعية وهو بحسب الطب أول نقطة تتكون من النطفة ومنه تظهر القوى ومنه تنبعث الأرواح ومنه ينشأ الإدراك ويبتدئ التعقل واحتج جماعة بهذا الحديث وبنحو قوله: تعالى: (لهم قلوب لا يعقلون بها) على أن العقل في القلب لا في الرأس وفيه خلاف مشهور مذهب أصحابنا وجمهور المتكلمين أنه في القلب وقال أبو حنيفة ﵁ هو في الدماغ وحكى الأول عن الفلاسفة والثاني عن الأطباء واحتجوا بأنه إذا فسد الدماغ فسد العقل ولا حجة لهم فيه على قاعدتهم لأن الدماغ آلة وفساد الآلة لا يقتضي فساده وعلى قاعدتنا أيضاً أن الله تعالى أجرى العادة بفساده عند فساده مع أن العقل ليس فيه. قال ابن بطال: هذا الحديث أصل في القول بحماية الذرائع وفيه أن العقل إنما هو في القلب وما في الرأس منه فإنما هو عن القلب ومنه سببه وفيه أن من لم يتق الشبهات فقد أوجد السبيل إلى عرضه ودينه فيجوز رد روايته وقدح شهادته قال النووي ليس فيه دلالة على أن العقل في القلب واستدل به أيضاً على أن من حلف لا يأكل لحماً فأكل قلباً يحنث ولأصحابنا فيه وجهان قالوا لا يحنث لأنه لا يسمى في العرف لحماً وقال الغزالي السلاطين
стр. 206
بابٌ أداء الخمس من الإيمان
٥٠ - حَدَّثَنَا عَلِىُّ بْنُ الْجَعْدِ قَالَ أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِى جَمْرَةَ قَالَ كُنْتُ أَقْعُدُ مَعَ ابْنِ عَبَّاسٍ، يُجْلِسُنِى عَلَى سَرِيرِهِ فَقَالَ أَقِمْ
ــ
في زماننا ظلمة قلما يأخذون شيئاً على وجهه بحقه فلا يحل معاملتهم ولا معاملة من يتعلق بهم حتى القضاة ولا التجارة في الأسواق التي بنوها بغير حق واستبراء الدين والورع اجتناب الربط والمدارس والقناطر التي أنشئوها بالأموال التي لا يعلم مالكها عافانا الله منها. قال البخاري ﵁ (باب أداء الخمس من الإيمان) قوله: (علي بن الجعد) بفتح الجيم هو الإمام أبو الحسن الجوهري البغدادي قال ابن معين هو رباني العلم وقال خلف بن سالم سرت أنا وابن معين وأحمد بن حنبل إليه فحدث بكل شئ كتبناه عنه حفظاً وقيل أنه كان متهماً بقول جهم أي بالجبر بقي مدة سنين يصوم يوماً ويفطر يوماً. مات سنة ثلاثين ومائتين ودفن بمقبرة باب حرب ببغداد. (وشعبة) بضم الشين هو الإمام المشهور أبو بسطام قال الشافعي ﵀ لولا شعبة ما عرف الحديث بالعراق مر ذكره في باب المسلم من سلم المسلمون. قوله: (أبي جمرة) بالجيم والراء هو نصر بالصاد المهملة ابن عمران بن عصام بن ضبيعة الضبعي بضم المعجمة والموحدة المفتوحة قال بلغني تخريب البيت فخرجت إلى مكة فاختلفت إلى ابن عباس حتى عرفني واستأنس بي فسببت الحجاج عنده فقال لا تكن عوناً للشيطان ثم رجعت إلى البصرة فخرجت إلى خراسان قال مسلم بن الحجاج كان مقيماً بنيسابور ثم خرج إلى مرو ثم انصرف إلى سرخس وبها مات سنة ثمان وعشرين ومائة وقال ابن قتيبة مات بالبصرة قال بعض الحفاظ يروى شعبة عن سبعة رجال يروون عن ابن عباس كلهم أبو حمزة بالحاء والزاي إلا هذا نصر بن عمران فإنه بالجيم والراء ويعرف هذا منهم بأنه إذا أطلق أبو جمرة عن ابن عباس فهو هذا وإذا أرادوا غيره ممن هو بالحاء قيدوه بالاسم أو الوصف أو النسب أو غير ذلك قالوا ليس في الصحيحين جمرة ولا أبو جمرة بالجيم غلا هذا وقال الحاكم أبو أحمد ليس في المحدثين من يكنى أبا جمرة سواه فهو من الأفراد وكان أبو عمران رجلاً جليلاً قاضي البصرة واختلف في أنه صحابي أم لا. قوله: (كنت أقعد) فإن قلت كنت ماض وأقعد إما للحال أو الاستقبال فما وجه الجمع بينهما. قلت أقعد حكاية عن الحال الماضية فهو ماض وذكر بلفظ الحال استحضاراً لتلك الصورة للحاضرين. قوله: (فيجلسي) عطف على أقعد. فإن قلت الأجلاس قبل القعود فكيف جاء بالفاء التعقيبية. قلت الإجلاس على السرير بعد القعود وما الدليل على امتناعه. قوله: (السرير) جمعه أسرة وسرر بضمتين وجاز فتح الراء وقيل هو
стр. 207
عِنْدِى حَتَّى أَجْعَلَ لَكَ سَهْماً مِنْ مَالِى، فَأَقَمْتُ مَعَهُ شَهْرَيْنِ، ثُمَّ قَالَ إِنَّ وَفْدَ عَبْدِ الْقَيْسِ لَمَّا أَتَوُا النَّبِىَّ ﷺ قَالَ «مَنِ الْقَوْمُ أَوْ مَنِ الْوَفْدُ». قَالُوا رَبِيعَةُ. قَالَ «مَرْحَباً بِالْقَوْمِ - أَوْ بِالْوَفْدِ - غَيْرَ خَزَايَا وَلَا نَدَامَى». فَقَالُوا يَا رَسُولَ
ــ
مأخوذ من السرور لأنه مجلس السرور وفيه أنه يستحب العالم الكرام الكبير القدر من جلسائه ورفع مجلسه. قوله: (أقم) أي توطن عندي لتساعدني على فهم كلام السائلين إما أنه كان يترجم لابن عباس مراد السائل الأعجمي وبالعكس وإما لأنه كان يبلغ كلام ابن عباس على من خفي عليه إما لزحام أو لغيره وبالعكس وقيل قال له ذلك للرؤيا التي رآها كما سيأتي في باب التمتع إن شاء الله. قوله: (سهماً) أي نصيباً والجمع السهمان بالضم (ومعه) أي مصاحباً له. فإن قلت لم عدل عن المطابقة حيث قال معه ولم يقل عنده. قلت مبالغة لأن المصاحبة أبلغ من العندية. قوله: (وفد) يقال وفد على الأمير أي ورد عليه فهو وافد وجمعه وفد وجمع الوفد أوفاد ووفود والمراد الجماعة المختارة ليتقدموهم في لقى العظماء. و (عبد القيس) أبو قبيلة وهو ابن أفصى بفتح الهمزة وبالفاء الساكنة وبالصاد المهملة المفتوحة ابن دعمي بالدال المهملة المضمومة والعين المهملة الساكنة وياء النسبة ابن جديلة بالجيم المفتوحة ابن أسد بن ربيعة بن نزار كانوا ينزلون البحرين وحوالي القطيف والأحساء وما بين هجر إلى الديار المصرية. قوله: (أو من الوفد) شك من الراوي والظاهر أنه من ابن عباس. قوله: (ربيعة) بفتح الراء أي ربيعة بن نزار بن معد بن عدنان وإنما قالوا ربيعة لأن عبد القيس من أولاده. قوله: (مرحباً) منصوب على المصدر وهو من المفاعيل المنصوبة بعامل مضمر لازم إضماره يستعمله العرب كثيراً ومعناه صادفت رحباً أي سعة فاستأنس ولا تستوحش. قوله: (غير خزايا ولا ندامى) وفي رواية لمسلم غير خزايا ولا الندامى باللام في الندامى وفي بعض الروايات غير الخزايا ولا الندامى باللام فيهما وغير منصوب على الحال. فإن قلت أنه بالإضافة صار معرفة فكيف يكون حالاً قلت شرط تعرفه أن يكون المضاف ضداً للمضاف إليه ونحوه وههنا ليس كذلك ويرى أيضاً بكسر الراء صفة للقوم. فإن قلت أنه نكرة فكيف وقعت صفة للمعرفة. قلت المعرفة بلام الجنس قرب المسافة بينه وبين النكرة فحكمه حكم النكرة إذ لا توقيت ولا تعيين فيه والخزايا جمع الخزيان كسكارى وسكران والخزيان هو المستحيي وقيل الذليل وقيل المفتضح والندامى جمع ندمان بمعنى
стр. 208
اللَّهِ إِنَّا لَا نَسْتَطِيعُ أَنْ نَاتِيَكَ إِلَاّ فِى شَهْرِ الْحَرَامِ، وَبَيْنَنَا وَبَيْنَكَ هَذَا الْحَىُّ مِنْ كُفَّارِ مُضَرَ، فَمُرْنَا بِأَمْرٍ فَصْلٍ، نُخْبِرْ بِهِ مَنْ وَرَاءَنَا، وَنَدْخُلْ بِهِ الْجَنَّةَ. وَسَأَلُوهُ عَنِ الأَشْرِبَةِ. فَأَمَرَهُمْ بِأَرْبَعٍ، وَنَهَاهُمْ عَنْ أَرْبَعٍ، أَمَرَهُمْ بِالإِيمَانِ بِاللَّهِ وَحْدَهُ. قَالَ «أَتَدْرُونَ مَا الإِيمَانُ بِاللَّهِ وَحْدَهُ». قَالُوا اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: «شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَاّ اللَّهُ وَأَنَّ
ــ
النادم فهو على بابه وقيل جمع نادم وكان الأصل نادمين فاتبع الخزايا تحسيناً للكلام كما يقال لادريت ولا تليت والقياس لا تلوت وبالغدايا والعشايا والقياس بالغدوات فجعل تابعاً لما يقارنه ومعناه لم يكن منكم تأخر عن الإسلام ولا أصابكم قتال ولا سبي ولا أسر وما أشبهه فلا تستحيون أو تذلون أو تفتضحون بسببه أو تندمون عليه. قوله: (إلا في الشهر الحرام) المراد به الجنس فيتناول الأشهر الحرم الأربعة المحرم ورجباً وذا القعدة وذا الحجة والمحرم يعرف باللام دون رجب وسمي الشهر بالشهر لشهرته وظهوره والحرام لحرمة القتال فيه ونحوه وفي رواية شهر الحرام أي شهر الوقت الحرم وإنما تمكنوا في هذه الأشهر لأن العرب كانت لا تقاتل فيها دون غيرها. قوله: (هذا الحي) أصل الحي منزل القبيلة ثم سميت به القبيلة اتساعاً لأن بعضهم يحيا ببعض. قوله: (مضر) بضم الميم وفتح الضاد المعجمة غير منصرف هو مضر بن نزار بن معد بن عدنان ويقال له مضر الحمراء ولأخيه ربيعة الفرس لأنهما لما اقتسما الميراث أعطى مضر الذهب وربيعة الخيل وكفار مضر الحمراء ولأخيه ربيعة الفرس لأنهما لما اقتسما الميراث أعطى مضر الذهب وربيعة الخيل وكفار مضر كانوا بين ربيعة والمدينة ولا يمكنهم الوصول إلى المدينة إلا عليهم وكانوا يخافون منهم إلا في الأشهر الحرم لامتناعهم من القتال فيها. قوله: (بأمر فصل) بلفظ الصفة لا بلفظ الإضافة والأمر إما واحد الأوامر أي القول الطالب للفعل وإما واحد الأمور أي الشأن وفصل إما بمعنى الفاصل كالعدل أي يفصل بين الحق والباطل وإما بمعنى المفصل أي واضح بحيث ينفصل به المراد عن غيره. قوله: (من وراءنا) أي بحسب المكان من البلاد البعيدة عن المدينة ويحتمل أن يراد بحسب الزمان أي أولادنا وأحلافنا والظاهر أن المراد به قومهم وفي بعض الروايات من ورائنا بكسر الميم وفيه الوجوه الثلاثة أيضاً. قوله: (أمرهم بالإيمان) فإن قلت كيف قال أمرهم بأربع ثم قال أمرهم بالإيمان. قلت الإيمان باعتبار الأجزاء الأربعة يصح إطلاق الأربع عليه. قوله: (شهادة) هذا دليل على أن الإيمان والإسلام
стр. 209
مُحَمَّداً رَسُولُ اللَّهِ، وَإِقَامُ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ، وَصِيَامُ رَمَضَانَ، وَأَنْ تُعْطُوا مِنَ الْمَغْنَمِ الْخُمُسَ». وَنَهَاهُمْ عَنْ أَرْبَعٍ عَنِ الْحَنْتَمِ وَالدُّبَّاءِ وَالنَّقِيرِ وَالْمُزَفَّتِ. وَرُبَّمَا
ــ
بمعنى واحد لأنه فسر الإسلام فيما مضى بما فسر الإيمان ههنا ولم يذكر الحج لأنه لم يفرض حينئذٍ لأن وفادتهم كانت سنة ثمان عام الفتح ونزلت فريضة الحج سنة تسع من الهجرة أو لأنه ﷺ علم أنهم لا يستطيعون الحج إما لسبب كفار مضر وإما بغيره. قوله: (من المغنم) أي من الغنيمة وهي تنقسم على خمسة أخماس أربعة أخماس للغزاة والخمس يخمس ثانياً للمصارف الخمسة المشهورة في الفقهيات. فإن قلت لم عدل عن لفظ المصدر الصريح إلى ما في معنى المصدر وهي أن مع الفعل المضارع. قلت إشعاراً بمعنى التجدد الذي في الفعل لأن سائر الأركان كانت ثابتة قبل ذلك بخلاف إعطاء الخمس فإن فريضته كانت متجددة. النووي: عد جماعة الحديث من المشكلات حيث قال أمرهم بأربع والمذكور خمس واختلفوا في الجواب عنه والصحيح ما قاله ابن بطال أنه عد الأربع التي وعدهم ثم زادهم خامسة وهي أداء الخمس لأنهم كانوا مجاورين لكفار مضر وكانوا أهل جهاد وغنائم وما قاله الشيخ ابن الصلاح أن وأن تعطوا معطوف على أربع أي أمرهم بأربع وبأن يعطوا وأقول ليس الصحيح ذلك لأن البخاري عقد الباب على أن أداء الخمس من الإيمان فلا بد أن يكون داخلاً تحت أجزاء الإيمان كما أن ظاهر العطف يقتضي ذلك بل الصحيح ما قيل أنه لم يجعل الشهادة بالتوحيد وبالرسالة من الأربع لعلمهم بذلك وإنما أمرهم بأربع لم يكن في علمهم أنها دعائم الإيمان. الطيبي: من عادة البلغاء أن الكلام إذا كان منصباً لغرض من الأغراض جعلوا سياقه له وتوجيهه إليه كأن ما سواه مرفوض مطرح فههنا لما لم يكن الغرض في الإيراد ذكر الشهادتين لأن القوم كانوا مقرين بهما بدليل قوله: م الله ورسوله أعلم ولكن كانوا يظنون أن الإيمان مقصور عليهما وأنهما كافيان لهم وكان الأمر في أول الإسلام كذلك لم يجعله الراوي من الأوامر وجعل الإعطاء منها لأنه هو الغرض من الكلام لأنهم كانوا أصحاب غزوات مع ما فيه من بيان أن الإيمان غير مقصور على ذكر الشهادتين. القاضي البيضاوي: الظاهر أن الأمور الخمسة تفسير للإيمان وهو أحد الأربعة المأمور بها والثلاثة الباقية حذفها الراوي نسياناً أو اختصاراً ويحتمل أن يقال أمرهم بالإيمان ليس تفسيراً لقوله: أمرهم بأربع بل هو مستأنف وتفصيله الأربعة المذكورة بعد الشهادة وإقام خبر مبتدأ محذوف وفي الكلام تقديم وتأخير أي أمرهم بالإيمان إلى آخره ثم أمرهم عقيبه بأربع ونهاهم عن
стр. 210
قَالَ الْمُقَيَّرِ. وَقَالَ «احْفَظُوهُنَّ وَأَخْبِرُوا بِهِنَّ مَنْ وَرَاءَكُمْ»
ــ
أربع والمأمورات الأربع إقام إلى آخره وأقول فله أجوبة خمسة فعددها. قوله: (الخمس) يجوز فيه ضم الميم وسكونه وكذا في أخواتها من الثلاث إلى العشر. قوله: (الحتم) بفتح الحاء المهملة وبالنون الساكنة والمثناة الفوقانية قال أبو هريرة هي الجرار الخضر وقال ابن عمر هي الجرار كلها وقال أنس بن مالك جرار يؤتى بها من مصر مقيرات الأجواف وقالت عائشة جرار حمر أعناقها في جنوبها يجلب فيها الخمر من مصر وقال ابن أبي ليلى أفواهها في جنوبها يجلب فيها الخمر من الطائف وكان ناس ينبذون فيها وقال عطاء جرارٍ تعمل من طين وأدم وشعر. قوله: (الدباء) بضم الدال وشد الموحدة والمد هو اليقطين اليابس أي الوعاء منه وهو القرع. قوله: (النقير) بالنون المفتوحة والقاف المكسورة وجاء تفسيره في صحيح مسلم أنه جذع ينقرون وسطه وينبذون فيه. قوله: (المزفت) بتشديد الفاء أي المطلي بالزفت أي القار وربما قال ابن عباس المقير بدل المزفت. فإن قلت السؤال عن المظروف والجواب بالظرف فما توجيهه. قلت المراد من إطلاق المحل هو الحال أي ما في الحتم ونحوه والقرينة ظاهرة. الطيبي: معنى قوله: (عن الأشربة) أي عن ظروف الأشربة محذوف المضاف أو عن الأشربة التي تكون في الأواني المختلفة محذوفة الصفة. الخطابي: معنى النهي عن هذه الأربعة النهي عن الانتباذ فيها وهو أن يجعل في الماء حبات من تمر أو زبيب حتى تنتقع فيه فيشرب لا النهي عن تحريم أعيان هذه الأوعية فإنها لا تحرم شيئاً ولا تحلله ولكن هذه ألأربع ظروف فإذا انتبذ صاحبها فيها كان على تحرز منها لأن الشراب فيها قد يصير مُسكراً وهو لا يشعر به وكذلك هذا في السقاء المزفت لأن الزفت الذي فيه يمنعه عن التنفس بخلاف السقاء غير المزفت لأنه إذا اشتد الشراب فيه لم يلبث السقاء أن ينشق فيعلم به صاحبه فيجتنبه. النووي: خصت هذه الأوعية بالنهي لأنه يسرع إليه الإسكار فربما شربه بعد إسكاره من لم يطلع عليه ثم أن النهي كان في أول الأمر ثم نسخ بقوله: ﷺ "كنت نهيتكم عن الانتباذ في الأسقية فانتبذوا في كل وعاء ولا تشربوا مسكراً" وقال مالك وأحمد رضي الله تعالى عنهما التحريم باق قال وذكر ابن عباس هذا الحديث لما استفتى دليل على أنه يعتقد النهي ولم يبلغه الناسخ قال وفي الحديث أنواع من العلوم ففيه وفادة الرؤساء إلى الأئمة عند الأمور المهمة وفيه استعانة العالم في تفهيم الحاضرين والفهم عنهم كما فعله ابن عباس وفيه استحباب قول مرحباً للزوار وفيه أنه ينبغي أن يحث الناس على تبليغ العلم وفيه أن الترجمة في الفتوى والخبر تقبل من واحد وفيه وجوب الخمس في الغنيمة سواء قلت أو كثرت وإن لم يكن الإمام في السرية الغازية
стр. 211
بابٌ مَا جَاءَ أَنَّ الأَعْمَالَ بِالنِّيَّةِ وَالْحِسْبَةِ وَلِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى . فَدَخَلَ فِيهِ الإِيمَانُ وَالْوُضُوءُ وَالصَّلَاةُ وَالزَّكَاةُ وَالْحَجُّ وَالصَّوْمُ وَالأَحْكَامُ. وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى (قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ) عَلَى نِيَّتِهِ. «نَفَقَةُ الرَّجُلِ عَلَى أَهْلِهِ يَحْتَسِبُهَا
ــ
وأقول وفيه جواز أخذ الأجرة على التعليم وفيه تحريض العالم للناس أن يحفظوا العلم. وأما قصتهم فاعلم أنه كان سبب وفادتهم أن منقذاً بلفظ اسم الفاعل والنون والقاف والذال المعجمة ابن حبان بالحاء المهملة المفتوحة والموحدة كان متجره إلى يثرب فبينا هو قاعد إذ مر به النبي ﷺ فنهض منقذ إليه فقال النبي ﷺ أمنقذ كيف قومك ثم سأله عن أشرافهم رجل رجل يسميهم بأسمائهم فأسلم منقذ وتعلم الفاتحة واقرأ باسم ربك ثم رحل إلى هجر وكتب النبي ﷺ معه إلى جماعة عبد القيس كتاباً فذهب به وكتمه أياماً ثم اطلعت عليه امرأته وهي بنت المنذر بن عائذ بالذال المعجمة وكان منقذ يصلي ويقرأ فنكرت امرأته ذلك وذكرته لأبيها المنذر فقالت بعلي منذ قدم من يثرب يغسل أطرافه ويستقبل الجهة أي القبلة فيحني ظهره مرة ويضع جبينه على الأرض أخرى فتلاقيا فتجاريا فيه فوقع الإسلام في قلب المنذر ثم أخذ المنذر بكتاب رسول الله ﷺ وذهب إلى قومه عصر بفتح العين والصاد المهملتين فقرأه عليهم فوقع الإسلام في قلوبهم وأجمعوا على السير إلى رسول الله ﷺ فتوجه منهم أربعة عشر راكباً ورئيسهم المنذر العصري فلما دنوا من المدينة قال رسول الله ﷺ لجلسائه أتاكم وفد عبد القيس خير أهل المشرق وفيهم الأشج أي المنذر وسماه رسول الله ﷺ بالأشج لأثر كان في وجهه وباقي القصة الحديث يدل عليه. قال البخاري ﵁ (باب ما جاء أن الأعمال بالنية) قوله: (الحسبة) الجوهري: يقال احتسبت بكذا أجراً عند الله والاسم الحسبة بالكسر وهي الأجر. قوله: (فدخل) هو مقول البخاري لا من تتمة ما جاء وفي بعض النسخ قال أبو عبد الله فدخل. قوله: (الأحكام) أي بتمامها فيدخل فيه تمام المعاملات والمناكحات والجراحات إذ يشترط في كلها القصد إليه ولهذا لو سبق لسانه من غير قصد إلى بعت ورهنت وطلقت ونكحت لم يصح شئ منها فإن قلت ما تقول في قتل الخطأ الموجب للدية على العاقلة أولاً وعلى القاتل آخراً وفي الإتلافات الواقعة بغير القصد الموجبة للضمان. قلت ذلك من قبيل ربط الأحكام بالأسباب كالضمان في مال الطفل بإتلافه وكموجبية الزكاة ونحوه. قوله: (وقال الله) الظاهر أنه جملة حالية لا عطف. و (على نيته)
стр. 212
صَدَقَةٌ». وَقَالَ «وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ»
٥١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ وَقَّاصٍ عَنْ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «الأَعْمَالُ بِالنِّيَّةِ، وَلِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى فَمَنْ
ــ
تفسير لقوله: (على شاكلته) وحذف حرف التفسير منه ويريد به أن الآية أيضاً تدل على أن جميع الأعمال على حسب النية فهي مقوية لما قال فدخل فيه كذا وكذا. قوله: (ونفقة الرجل) مبتدأ. و (يحتسبها) حال. و (صدقة) خبر المبتدأ والمقصود منه تقوية ما ذكره. قوله: (وقال النبي ﷺ أي قال في يوم فتح مكة "لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية" ذكره البخاري في باب لا هجرة بعد الفتح وهذا أيضاً لتقوية ما ذكر. قوله: (عبد الله بن مسلمة) بفتح الميم واللام هو القعنبي روى عنه الشيوخ الخمسة قال مالك إنه خير أهل الأرض ومر في باب "من الدين الفرار من الفتن" وأما مالك فهو الإمام المشهور شرقاً وغرباً. قوله: (يحيى بن سعيد) هو أبو سعيد الأنصاري. (ومحمد بن إبراهيم) هو أبو عبد الله التيمي. و (علقمة بن وقاص) هو الليثي مر ذكر الثلاثة في الحديث الأول من الصحيح وهم تابعيون يروي بعضهم عن بعض ورجال الإسناد كلهم مدنيون. قوله: (الأعمال بالنية) هذا وإن كان بغير كلمة إنما فهو مفيد للحصر لأن معناه كل عمل بنية فلا عمل إلا بالنية وإلا لما سبق الكلي وكذا (لكل امرئ ما نوى) أيضاً مفيد للحصر لأن التقديم من طرق الحصر فالجملتان مفيدتان له كما في الحديث السابق المذكور فيه إنما في الجملتين. فإن قلت الحصر ممنوع فمن صام رمضان بنية القضاء أو النذر ليس له ما نوى إذ لا يقع لا قضاء ولا نذراً. قلت ذلك لعدم قابلية المحل لهما إذ لا شك أن المقصود ما نوى إذا كان المحل قابلاً له. فإن قلت الضرورة ينوي للمستأجر ولا يقع ما نوى. قلت يقع ما نوى وهو الحج لكن لا للمستأجر بل للناوي. فإن قلت فلم وقع للناوي وقد يقع لغيره وكان القياس أن لا يقع له أيضاً كما في قضاء رمضان. قلت الفرق بينهما أن التعيين ليس بشرط في انعقاد الحج ولهذا لو أحرم مطلقاً وفي وقت الحج فله أن يصرفه إلى ما شاء أو أحرم بالنفل قبل الفرض انصرف إلى الفرض أو أن الإحرام شديد التشبث واللزوم فإذا لم يقبل الشخص ما أحرم به ينصرف إلى ما يقبله الرافعي: لو أحرم بالحج في غير أشهره الأصح أنه ينعقد عمرة لأن الإحرام شديد التعلق فإذا لم يقبل الوقت ما أحرم به انصرف إلى ما يقبله وقال الأظهر أنه لو تحرم صلاة قبل وقتها لا تنعقد نافلة
стр. 213
كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ لِدُنْيَا يُصِيبُهَا، أَوِ امْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُهَا، فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ».
٥٢ - حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ قَالَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ أَخْبَرَنِى عَدِىُّ بْنُ ثَابِتٍ قَالَ سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ
ــ
بخلاف الإحرام بالحج قبل وقته لقوة الإحرام ولهذا ينعقد مع السبب المفسد له بأن يحرم مجامعاً وأقول وذلك لأنه عبادة فيه مشقة عظيمة فأرادوا حفظه من تطرق سرعة الإحباط فيه. فإن قلت إزالة النجاسة تصح بغير النية. قلت لأنها ترك ثم لا نسلم أنها تصح بدونها إذ الشيء سواء كان فعلاً أو غير فعل محتاج إلى النية ليكون الشخص ممتثلاً لأمر الشارع فتارك الزنا إنما يثاب إذا تركه لكونه حكم الشارع قاصداً امتثاله وقيل لأن أمر النجاسة أسهل لأنه عفى عن اليسير منها وأيضاً لم يجب إلا غسل موضع النجاسة بخلاف الحدث. فإن قلت يرد بعض الأفعال كإعداد المرأة المتوفى زوجها وهي غير عالمة بوفاته فإنها تنقضي مع عدم قصدها له. قلت هذا ليس فعلاً بل ولا تركاً إذ هو عبارة عن انقضاء مدة يعلم منها براءة الرحم. فإن قلت الواقف بعرفة يصح وقوفه نائماً بل مغمى عليه عند بعض العلماء ولا نية. قلت النية عند الإحرام باقية بحكم الاستصحاب والانسحاب ثم الجواب العام عن صور النقض كلها أن هذه الصور مختلف فيها فمن منعها فلا نقض عليه ومن أثبتها فخصص العام بهذه الصور بالدلائل الدالة على التخصيص وعليه بيان المخصصات. قوله: (لكل امرئ) هذا اللفظ من الغرائب بسبب أن عينه تابع للأمة في الحركات ولا تكرار فيه إذ مفاده غير مفاد الأعمال بالنيات كما مر أول الكتاب حيث مر أن الشرط والجزاء ليسا متحدين وأن دنيا مقصورة غير منونة وأن ذكر المرأة لأي فائدة مع كونها داخلة تحت مطلق الدنيا وغير ذلك من المباحث قوله: (إلى دنيا) وفي بعضها لدنيا. فإن قلت لما كان الحديث بتمامه صحيحاً ثابتاً عند البخاري لم خرمه صدر الكتاب مع أن الخرم جوابه مختلف فيه. قلت لا جرم بالخرم لأن المقامات مختلفة ولعل في قام بيان أن الإيمان لا بدله من النية واعتقاد القلب سمع الحديث تماماً وفي مقام أن الشروع في الأعمال إنما تصح بالنية سمع ذلك القدر الذي روى ثم الخرم يحتمل أن يكون من بعض شيوخ البخاري لا منه ثم إن كان منه فخرمه ثمة لأن المقصود تم بذلك المقدار. فإن قلت كان المناسب أن يذكر عند الخرم الشق الذي يتعلق بمقصوده وهو أن النية ينبغي أن تكون لله ولرسوله. قلت لعله نظر إلى
стр. 214
يَزِيدَ عَنْ أَبِى مَسْعُودٍ عَنِ النَّبِىِّ ﷺ قَالَ «إِذَا أَنْفَقَ الرَّجُلُ عَلَى أَهْلِهِ يَحْتَسِبُهَا فَهُوَ لَهُ صَدَقَةٌ».
٥٣ - حَدَّثَنَا الْحَكَمُ بْنُ نَافِعٍ قَالَ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنِ
ــ
ما هو الغالب الكثير بين الناس. قال ابن بطال: غرض البخاري الرد على من زعم من المرجئة أن الإيمان هو القول باللسان دون عقد القلب. قوله: (حجاج بن منهال) بكسر الميم هو أبو محمد الأنماطي السلمي مولاهم قال أحمد بن عبد الله هو بصري ثقة رجل صالح وكان سمساراً يأخذ في كل دينار حبة فجاء خراساني مع ستة من أصحاب الحديث فاشترى له أنماطاً فأعطاه ثلاثين ديناراً فقال له ما هذه قال له سمسرتك خذها قال دنانيرك أهون علي من هذا التراب هات من كل دينار حبة فأخذ ديناراً وكسر واتفقوا على الثناء عليه وكان صاحب سنة يظهرها مات بالبصرة سنة ست عشرة أو سبع عشرة ومائتين روي عنه البخاري ومسلم وأبو داود وروى له الترمذي والنسائي وابن ماجه. قوله: (عدي بن ثابت) قيل هو ابن قيس بن الخطيم الخطمي بالخاء المعجمة المفتوحة هو أنصاري كوفي قال أحمد بن حنبل هو ثقة وقال أبو حاتم صدوق وكان إمام مسجد الشيعة بالكوفة وقاضيهم مات سنة ست عشرة ومائة روى له الجماعة. قوله: (عبد الله بن يزيد) بن أبي موسى الأنصاري الصحابي الخطمي جد عدي المذكور من جهة الأم وكأنه قال سمعت من جدي شهد الحديبية ابن سبع عشرة سنة وولي الكوفة. قيل أبوه يزيد هو ابن زيد بن حصين بن عمرو بن الحارث أن خطمة بفتح المعجمة وسكون المهملة وإنما سمي خطمة واسمه الأصلي عبد الله لأنه ضرب رجلاً على خطمه أي أنفه روى له عن رسول الله ﷺ سبعة وعشرون حديثاً أخرج له البخاري حديثين. قوله: (أبي مسعود) هو عقبة بالقاف الساكنة بن عمرو بن ثعلبة الأنصاري الخزرجي البدري شهد العقبة مع السبعين وكان أصغرهم ثم الجمهور على أنه سكن بدراً ولم يشهدها وعده البخاري من الشاهدين لغزوتها روى له عن رسول الله ﷺ مائة حديث وحديثان ذكر البخاري عشرة منها سكن الكوفة واستخلفه علي ﵁ عليها عند خروجه إلى صفين ومات بها وقيل بالمدينة سنة إحدى وثلاثين ويقال مات سنة إحدى وأربعين. قوله: (إذا أنفق) فإن قلت لم حذف معموله. قلت ليفيد التعميم يعني إذا أنفق أي نفقة صغيرة أو كبيرة. و (يحتسبها) حال من الفاعل ويحتمل أن يكون من المفعول المحذوف. قوله: (فهو) أي فالإنفاق له صدقة أي تصدق. فإن قلت فهل هو صدقة حقيقة حتى يترتب عليها أحكام الصدقة مثل أن يحرم على الرجال الإنفاق على الزوجات الهاشميات
стр. 215
الزُّهْرِىِّ قَالَ حَدَّثَنِى عَامِرُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِى وَقَّاصٍ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «إِنَّكَ لَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةً تَبْتَغِى بِهَا وَجْهَ اللَّهِ إِلَاّ
ــ
أم لا. قلت مجاز. فإن قلت ما القرينة الصارفة عن إرادة الحقيقة. قلت الإجماع على عدم حرمة الإنفاق على الزوجات هاشمية وغيرها. فإن قلت ما العلاقة بين المعنى الموضوع له وبين المعنى المجازي. قلت ترتب الثواب عليهما وتشابههما فيه. فإن قلت كيف يتشابهان وهذا الإنفاق واجب والصدقة في العرف لا تطلق إلا على غير الواجب اللهم إلا أن يقيد بالفرض ونحوه. قلت التشبيه في أصل الثواب لا في كميته وكيفيته. فإن قلت قال أهل البيان شرط التشبيه أن يكون المشبه به أقوى وهنا بالعكس لأن الواجب أقوى في تحصيل الثواب من النفل. قلت هذا هو التشابه لا التشبيه ثم التشبيه لا يشترط فيه ذلك كما قد بين في موضعه. فإن قلت الأهل خاص بالولد والزوجة أو هو أعم من ذلك. قلت الظاهر أنه خاص سيما في هذا المقام لأنه إذا كان الإنفاق في الأمر الواجب كالصدقة فلا شك أن يكون آكد ويلزم منه كونه صدقة في غير الواجب بالطريق الأولى. النووي: في هذا الحديث الحث على الإخلاص وإحضار النية في جميع الأعمال الظاهرة والخفية ومراده الرد على المرجئة القائلين بأن الإيمان إقرار باللسان دون اعتقاد القلب وفي قوله: يحتسبها دليل على أن النفقة على العيال وإن كانت من أفضل الطاعات فإنها تكون طاعة إذا نوى بها وجه الله تعالى وكذلك نفقته على نفسه وضيفه ودابته وغير ذلك وكلها إذا نوى بها الطاعة كانت طاعة وإلا فلا. قوله: (الحكم) بفتح الكاف هو أبو اليمان الحمصي البهراني. و (شعيب) هو ابن أبي حمزة بالزاي القرشي الحمصي تقدماً في حديث هرقل. و (الزهري) هو ابن شهاب أبو بكر محمد بن مسلم مر مراراً. قوله: (عامر) هو بن سعد بن أبي وقاص المدني روى عن أبيه سعد أحد العشرة المبشرة القرشي الزهري المجاب الدعوة فارس الإسلام وسبق ذكرهما في باب إذا لم يكن الإسلام على الحقيقة وفي هذا الإسناد ثلاثة زهريون مدنيون. قوله: (إنك لن تنفق) لن لتأكيد النفي وفيه ثلاثة مذاهب أنه حرف مقتضب برأسه وأن أصله لا أن فخففت الهمزة وسقطت الألف لالتقائه مع النون الساكنة فصار لن وأن النون في لن مبدلة عن الألف والأصل لا. و (نفقة) عام في القليل والكثير لأنها نكرة في سياق النفي والكاف في إنك للخطاب العام إذ ليس المراد منه سعداً فقط بل كان من يتأتى منه أن يكون مخاطباً به ويصح منه الإنفاق كقوله: تعالى: "ولو ترى إذ المجرمون" وهو مجاز لأن أصل وضعه أن يكون استعماله لمعين وهذا مستعمل
следующие страницы →