Полный текст (5 685 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
بابٌ مَا جَاءَ أَنَّ الأَعْمَالَ بِالنِّيَّةِ وَالْحِسْبَةِ وَلِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى . فَدَخَلَ فِيهِ الإِيمَانُ وَالْوُضُوءُ وَالصَّلَاةُ وَالزَّكَاةُ وَالْحَجُّ وَالصَّوْمُ وَالأَحْكَامُ. وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى (قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ) عَلَى نِيَّتِهِ. «نَفَقَةُ الرَّجُلِ عَلَى أَهْلِهِ يَحْتَسِبُهَا
ــ
وأقول وفيه جواز أخذ الأجرة على التعليم وفيه تحريض العالم للناس أن يحفظوا العلم. وأما قصتهم فاعلم أنه كان سبب وفادتهم أن منقذاً بلفظ اسم الفاعل والنون والقاف والذال المعجمة ابن حبان بالحاء المهملة المفتوحة والموحدة كان متجره إلى يثرب فبينا هو قاعد إذ مر به النبي ﷺ فنهض منقذ إليه فقال النبي ﷺ أمنقذ كيف قومك ثم سأله عن أشرافهم رجل رجل يسميهم بأسمائهم فأسلم منقذ وتعلم الفاتحة واقرأ باسم ربك ثم رحل إلى هجر وكتب النبي ﷺ معه إلى جماعة عبد القيس كتاباً فذهب به وكتمه أياماً ثم اطلعت عليه امرأته وهي بنت المنذر بن عائذ بالذال المعجمة وكان منقذ يصلي ويقرأ فنكرت امرأته ذلك وذكرته لأبيها المنذر فقالت بعلي منذ قدم من يثرب يغسل أطرافه ويستقبل الجهة أي القبلة فيحني ظهره مرة ويضع جبينه على الأرض أخرى فتلاقيا فتجاريا فيه فوقع الإسلام في قلب المنذر ثم أخذ المنذر بكتاب رسول الله ﷺ وذهب إلى قومه عصر بفتح العين والصاد المهملتين فقرأه عليهم فوقع الإسلام في قلوبهم وأجمعوا على السير إلى رسول الله ﷺ فتوجه منهم أربعة عشر راكباً ورئيسهم المنذر العصري فلما دنوا من المدينة قال رسول الله ﷺ لجلسائه أتاكم وفد عبد القيس خير أهل المشرق وفيهم الأشج أي المنذر وسماه رسول الله ﷺ بالأشج لأثر كان في وجهه وباقي القصة الحديث يدل عليه. قال البخاري ﵁ (باب ما جاء أن الأعمال بالنية) قوله: (الحسبة) الجوهري: يقال احتسبت بكذا أجراً عند الله والاسم الحسبة بالكسر وهي الأجر. قوله: (فدخل) هو مقول البخاري لا من تتمة ما جاء وفي بعض النسخ قال أبو عبد الله فدخل. قوله: (الأحكام) أي بتمامها فيدخل فيه تمام المعاملات والمناكحات والجراحات إذ يشترط في كلها القصد إليه ولهذا لو سبق لسانه من غير قصد إلى بعت ورهنت وطلقت ونكحت لم يصح شئ منها فإن قلت ما تقول في قتل الخطأ الموجب للدية على العاقلة أولاً وعلى القاتل آخراً وفي الإتلافات الواقعة بغير القصد الموجبة للضمان. قلت ذلك من قبيل ربط الأحكام بالأسباب كالضمان في مال الطفل بإتلافه وكموجبية الزكاة ونحوه. قوله: (وقال الله) الظاهر أنه جملة حالية لا عطف. و (على نيته)
стр. 212
صَدَقَةٌ». وَقَالَ «وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ»
٥١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ وَقَّاصٍ عَنْ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «الأَعْمَالُ بِالنِّيَّةِ، وَلِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى فَمَنْ
ــ
تفسير لقوله: (على شاكلته) وحذف حرف التفسير منه ويريد به أن الآية أيضاً تدل على أن جميع الأعمال على حسب النية فهي مقوية لما قال فدخل فيه كذا وكذا. قوله: (ونفقة الرجل) مبتدأ. و (يحتسبها) حال. و (صدقة) خبر المبتدأ والمقصود منه تقوية ما ذكره. قوله: (وقال النبي ﷺ أي قال في يوم فتح مكة "لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية" ذكره البخاري في باب لا هجرة بعد الفتح وهذا أيضاً لتقوية ما ذكر. قوله: (عبد الله بن مسلمة) بفتح الميم واللام هو القعنبي روى عنه الشيوخ الخمسة قال مالك إنه خير أهل الأرض ومر في باب "من الدين الفرار من الفتن" وأما مالك فهو الإمام المشهور شرقاً وغرباً. قوله: (يحيى بن سعيد) هو أبو سعيد الأنصاري. (ومحمد بن إبراهيم) هو أبو عبد الله التيمي. و (علقمة بن وقاص) هو الليثي مر ذكر الثلاثة في الحديث الأول من الصحيح وهم تابعيون يروي بعضهم عن بعض ورجال الإسناد كلهم مدنيون. قوله: (الأعمال بالنية) هذا وإن كان بغير كلمة إنما فهو مفيد للحصر لأن معناه كل عمل بنية فلا عمل إلا بالنية وإلا لما سبق الكلي وكذا (لكل امرئ ما نوى) أيضاً مفيد للحصر لأن التقديم من طرق الحصر فالجملتان مفيدتان له كما في الحديث السابق المذكور فيه إنما في الجملتين. فإن قلت الحصر ممنوع فمن صام رمضان بنية القضاء أو النذر ليس له ما نوى إذ لا يقع لا قضاء ولا نذراً. قلت ذلك لعدم قابلية المحل لهما إذ لا شك أن المقصود ما نوى إذا كان المحل قابلاً له. فإن قلت الضرورة ينوي للمستأجر ولا يقع ما نوى. قلت يقع ما نوى وهو الحج لكن لا للمستأجر بل للناوي. فإن قلت فلم وقع للناوي وقد يقع لغيره وكان القياس أن لا يقع له أيضاً كما في قضاء رمضان. قلت الفرق بينهما أن التعيين ليس بشرط في انعقاد الحج ولهذا لو أحرم مطلقاً وفي وقت الحج فله أن يصرفه إلى ما شاء أو أحرم بالنفل قبل الفرض انصرف إلى الفرض أو أن الإحرام شديد التشبث واللزوم فإذا لم يقبل الشخص ما أحرم به ينصرف إلى ما يقبله الرافعي: لو أحرم بالحج في غير أشهره الأصح أنه ينعقد عمرة لأن الإحرام شديد التعلق فإذا لم يقبل الوقت ما أحرم به انصرف إلى ما يقبله وقال الأظهر أنه لو تحرم صلاة قبل وقتها لا تنعقد نافلة
стр. 213
كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ لِدُنْيَا يُصِيبُهَا، أَوِ امْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُهَا، فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ».
٥٢ - حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ قَالَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ أَخْبَرَنِى عَدِىُّ بْنُ ثَابِتٍ قَالَ سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ
ــ
بخلاف الإحرام بالحج قبل وقته لقوة الإحرام ولهذا ينعقد مع السبب المفسد له بأن يحرم مجامعاً وأقول وذلك لأنه عبادة فيه مشقة عظيمة فأرادوا حفظه من تطرق سرعة الإحباط فيه. فإن قلت إزالة النجاسة تصح بغير النية. قلت لأنها ترك ثم لا نسلم أنها تصح بدونها إذ الشيء سواء كان فعلاً أو غير فعل محتاج إلى النية ليكون الشخص ممتثلاً لأمر الشارع فتارك الزنا إنما يثاب إذا تركه لكونه حكم الشارع قاصداً امتثاله وقيل لأن أمر النجاسة أسهل لأنه عفى عن اليسير منها وأيضاً لم يجب إلا غسل موضع النجاسة بخلاف الحدث. فإن قلت يرد بعض الأفعال كإعداد المرأة المتوفى زوجها وهي غير عالمة بوفاته فإنها تنقضي مع عدم قصدها له. قلت هذا ليس فعلاً بل ولا تركاً إذ هو عبارة عن انقضاء مدة يعلم منها براءة الرحم. فإن قلت الواقف بعرفة يصح وقوفه نائماً بل مغمى عليه عند بعض العلماء ولا نية. قلت النية عند الإحرام باقية بحكم الاستصحاب والانسحاب ثم الجواب العام عن صور النقض كلها أن هذه الصور مختلف فيها فمن منعها فلا نقض عليه ومن أثبتها فخصص العام بهذه الصور بالدلائل الدالة على التخصيص وعليه بيان المخصصات. قوله: (لكل امرئ) هذا اللفظ من الغرائب بسبب أن عينه تابع للأمة في الحركات ولا تكرار فيه إذ مفاده غير مفاد الأعمال بالنيات كما مر أول الكتاب حيث مر أن الشرط والجزاء ليسا متحدين وأن دنيا مقصورة غير منونة وأن ذكر المرأة لأي فائدة مع كونها داخلة تحت مطلق الدنيا وغير ذلك من المباحث قوله: (إلى دنيا) وفي بعضها لدنيا. فإن قلت لما كان الحديث بتمامه صحيحاً ثابتاً عند البخاري لم خرمه صدر الكتاب مع أن الخرم جوابه مختلف فيه. قلت لا جرم بالخرم لأن المقامات مختلفة ولعل في قام بيان أن الإيمان لا بدله من النية واعتقاد القلب سمع الحديث تماماً وفي مقام أن الشروع في الأعمال إنما تصح بالنية سمع ذلك القدر الذي روى ثم الخرم يحتمل أن يكون من بعض شيوخ البخاري لا منه ثم إن كان منه فخرمه ثمة لأن المقصود تم بذلك المقدار. فإن قلت كان المناسب أن يذكر عند الخرم الشق الذي يتعلق بمقصوده وهو أن النية ينبغي أن تكون لله ولرسوله. قلت لعله نظر إلى
стр. 214
يَزِيدَ عَنْ أَبِى مَسْعُودٍ عَنِ النَّبِىِّ ﷺ قَالَ «إِذَا أَنْفَقَ الرَّجُلُ عَلَى أَهْلِهِ يَحْتَسِبُهَا فَهُوَ لَهُ صَدَقَةٌ».
٥٣ - حَدَّثَنَا الْحَكَمُ بْنُ نَافِعٍ قَالَ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنِ
ــ
ما هو الغالب الكثير بين الناس. قال ابن بطال: غرض البخاري الرد على من زعم من المرجئة أن الإيمان هو القول باللسان دون عقد القلب. قوله: (حجاج بن منهال) بكسر الميم هو أبو محمد الأنماطي السلمي مولاهم قال أحمد بن عبد الله هو بصري ثقة رجل صالح وكان سمساراً يأخذ في كل دينار حبة فجاء خراساني مع ستة من أصحاب الحديث فاشترى له أنماطاً فأعطاه ثلاثين ديناراً فقال له ما هذه قال له سمسرتك خذها قال دنانيرك أهون علي من هذا التراب هات من كل دينار حبة فأخذ ديناراً وكسر واتفقوا على الثناء عليه وكان صاحب سنة يظهرها مات بالبصرة سنة ست عشرة أو سبع عشرة ومائتين روي عنه البخاري ومسلم وأبو داود وروى له الترمذي والنسائي وابن ماجه. قوله: (عدي بن ثابت) قيل هو ابن قيس بن الخطيم الخطمي بالخاء المعجمة المفتوحة هو أنصاري كوفي قال أحمد بن حنبل هو ثقة وقال أبو حاتم صدوق وكان إمام مسجد الشيعة بالكوفة وقاضيهم مات سنة ست عشرة ومائة روى له الجماعة. قوله: (عبد الله بن يزيد) بن أبي موسى الأنصاري الصحابي الخطمي جد عدي المذكور من جهة الأم وكأنه قال سمعت من جدي شهد الحديبية ابن سبع عشرة سنة وولي الكوفة. قيل أبوه يزيد هو ابن زيد بن حصين بن عمرو بن الحارث أن خطمة بفتح المعجمة وسكون المهملة وإنما سمي خطمة واسمه الأصلي عبد الله لأنه ضرب رجلاً على خطمه أي أنفه روى له عن رسول الله ﷺ سبعة وعشرون حديثاً أخرج له البخاري حديثين. قوله: (أبي مسعود) هو عقبة بالقاف الساكنة بن عمرو بن ثعلبة الأنصاري الخزرجي البدري شهد العقبة مع السبعين وكان أصغرهم ثم الجمهور على أنه سكن بدراً ولم يشهدها وعده البخاري من الشاهدين لغزوتها روى له عن رسول الله ﷺ مائة حديث وحديثان ذكر البخاري عشرة منها سكن الكوفة واستخلفه علي ﵁ عليها عند خروجه إلى صفين ومات بها وقيل بالمدينة سنة إحدى وثلاثين ويقال مات سنة إحدى وأربعين. قوله: (إذا أنفق) فإن قلت لم حذف معموله. قلت ليفيد التعميم يعني إذا أنفق أي نفقة صغيرة أو كبيرة. و (يحتسبها) حال من الفاعل ويحتمل أن يكون من المفعول المحذوف. قوله: (فهو) أي فالإنفاق له صدقة أي تصدق. فإن قلت فهل هو صدقة حقيقة حتى يترتب عليها أحكام الصدقة مثل أن يحرم على الرجال الإنفاق على الزوجات الهاشميات
стр. 215
الزُّهْرِىِّ قَالَ حَدَّثَنِى عَامِرُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِى وَقَّاصٍ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «إِنَّكَ لَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةً تَبْتَغِى بِهَا وَجْهَ اللَّهِ إِلَاّ
ــ
أم لا. قلت مجاز. فإن قلت ما القرينة الصارفة عن إرادة الحقيقة. قلت الإجماع على عدم حرمة الإنفاق على الزوجات هاشمية وغيرها. فإن قلت ما العلاقة بين المعنى الموضوع له وبين المعنى المجازي. قلت ترتب الثواب عليهما وتشابههما فيه. فإن قلت كيف يتشابهان وهذا الإنفاق واجب والصدقة في العرف لا تطلق إلا على غير الواجب اللهم إلا أن يقيد بالفرض ونحوه. قلت التشبيه في أصل الثواب لا في كميته وكيفيته. فإن قلت قال أهل البيان شرط التشبيه أن يكون المشبه به أقوى وهنا بالعكس لأن الواجب أقوى في تحصيل الثواب من النفل. قلت هذا هو التشابه لا التشبيه ثم التشبيه لا يشترط فيه ذلك كما قد بين في موضعه. فإن قلت الأهل خاص بالولد والزوجة أو هو أعم من ذلك. قلت الظاهر أنه خاص سيما في هذا المقام لأنه إذا كان الإنفاق في الأمر الواجب كالصدقة فلا شك أن يكون آكد ويلزم منه كونه صدقة في غير الواجب بالطريق الأولى. النووي: في هذا الحديث الحث على الإخلاص وإحضار النية في جميع الأعمال الظاهرة والخفية ومراده الرد على المرجئة القائلين بأن الإيمان إقرار باللسان دون اعتقاد القلب وفي قوله: يحتسبها دليل على أن النفقة على العيال وإن كانت من أفضل الطاعات فإنها تكون طاعة إذا نوى بها وجه الله تعالى وكذلك نفقته على نفسه وضيفه ودابته وغير ذلك وكلها إذا نوى بها الطاعة كانت طاعة وإلا فلا. قوله: (الحكم) بفتح الكاف هو أبو اليمان الحمصي البهراني. و (شعيب) هو ابن أبي حمزة بالزاي القرشي الحمصي تقدماً في حديث هرقل. و (الزهري) هو ابن شهاب أبو بكر محمد بن مسلم مر مراراً. قوله: (عامر) هو بن سعد بن أبي وقاص المدني روى عن أبيه سعد أحد العشرة المبشرة القرشي الزهري المجاب الدعوة فارس الإسلام وسبق ذكرهما في باب إذا لم يكن الإسلام على الحقيقة وفي هذا الإسناد ثلاثة زهريون مدنيون. قوله: (إنك لن تنفق) لن لتأكيد النفي وفيه ثلاثة مذاهب أنه حرف مقتضب برأسه وأن أصله لا أن فخففت الهمزة وسقطت الألف لالتقائه مع النون الساكنة فصار لن وأن النون في لن مبدلة عن الألف والأصل لا. و (نفقة) عام في القليل والكثير لأنها نكرة في سياق النفي والكاف في إنك للخطاب العام إذ ليس المراد منه سعداً فقط بل كان من يتأتى منه أن يكون مخاطباً به ويصح منه الإنفاق كقوله: تعالى: "ولو ترى إذ المجرمون" وهو مجاز لأن أصل وضعه أن يكون استعماله لمعين وهذا مستعمل
стр. 216
أُجِرْتَ عَلَيْهَا، حَتَّى مَا تَجْعَلُ فِى فِى امْرَأَتِكَ».
باب قَوْلِ النَّبِىِّ ﷺ «الدِّينُ النَّصِيحَةُ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ
ــ
في غير ما وضع له وتحقيق وضعه في أنه عام مع شرط خصوصية استعماله قد تقدم ويحتمل أن يختص الخطاب بسعد ويقاس عليه الباقي أو يقال بأنه حكمه على الواحد حكم على الجماعة. قوله: (تبتغي) أي تطلب به وجه الله الوجه والجهة بمعنى ويقال هذا وجه الرأي أي هو الرأي نفسه والحديث من المتشابهات والأمة في مثلها طائفتان. مفوضة ومؤولة والحق التفويض والوقف على قوله: تعالى "إلا الله" في "وما يعلم تأويله إلا الله". قوله: (إلا أجرت) بضم الهمزة. فإن قلت الفعل كيف وقع استثناءاً والاستثناء هل هو متصل أو منفصل. قلت تقديره إلا في حالة أجرت بها أي لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله في حال من الأحوال إلا وأنت في حال مأجوريتك عليها أو تقديره إلا نفقة أجرت بها فالمستثنى اسم والاستثناء متصل وفي بعض النسخ بدل بها عليها. قوله: (حتى) هي العاطفة لا الجارة وما بعدها منصوب المحل وما موصولة والعائد إليه محذوف فإن قلت من أين يستفاد أن ما تجعل في فم امرأتك مأجور فيه. قلت من حيث أن قيد المعطوف عليه قيد في المعطوف أو تقول حتى هي ابتدائية وما تجعل مبتدأ وخبره محذوف أي ما تجعل فيه فأنت مأجور فيها. فغن قلت مفهومه أن الآتي بالواجب إذا كان مرائياً فيه لا يؤجر عليه. قلت هو حق نعم يسقط عنه العقاب لكن لا يحصل له الثواب النووي: هذا بيان لقاعدة مهمة وهو أن ما أريد به وجه الله ثبت فيه الأجر وإن حصل لفاعله في ضمنه حظ النفس من لذة أو غيرها ولهذا مثل النبي ﷺ بوضع اللقمة في فم الزوجة ومعدم أنه غالباً يكون الحظ النفس والشهوة واستمالة قلبها فإذا كان الذي هو من حظوظ النفس بالمحل المذكور من ثبوت الأجر فيه وكونه طاعة وعملاً أخروياً إذا أريد به وجه الله فكيف الظن بغيره مما يراد به وجه الله تعالى وهو مباعد للحظوظ النفسانية وتمثيله ﷺ باللقمة مبالغة في تحقيق هذه الطاعة التي ذكرتها لأنه إذا ثبت الأجر في لقمة لزوجة غير مضطرة فكيف الظن بمن أطعم اللقمة لمحتاج أو أطعمه كسرة أو رغيفاً أو فعل له من أفعال البر ما هو في معنى هذا أو عمل مع نفسه من العبادات الدينية والبدنية ما مشقته فوق مشقة اللقمة الذي هو من الحقارة بالمحل الأدنى. قال البخاري ﵁. (باب قول النبي ﷺ الدين النصيحة لله ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم) قوله: (الدين) إلى آخره في محل النصب بأنه
стр. 217
وَلأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ». وَقوله: تَعَالَى (إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ).
٥٤ - حَدَّثَنَا
ــ
مقول القول ولم يذكر اللام في عامتهم لأنهم كالأتباع للأئمة لا استقلال لهم وإعادة اللام تدل عليه وهذا الحديث ذكره البخاري تعليقاً وقد رواه مسلم عن تميم الداري ﵁ أن النبي ﷺ قال "الدين النصيحة قلنا لمن قال لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم" وليس لتميم في هذا الصحيح عن النبي ﷺ ولا في صحيح مسلم غير هذا الحديث وهو من أفراد مسلم وهذا حديث عظيم الشأن وعليه مدار الإسلام. الخطابي: النصيحة كلمة جامعة معناها حيازة الحظ للمنصوح له ويقال هو من وجيز الأسماء ومختصر الكلام وليس في كلام العرب كلمة مفردة تستوفى بها العبارة عن معنى هذه الكلمة كما قالوا في الفلاح ليس في كلامهم كلمة أجمع لخير الدنيا والآخرة منه وقيل النصيحة مأخوذة من نصح الرجل ثوبه إذا خاطه فشبهوا فعل الناصح فيما يتحراه من صلاح المنصوح له بما يسده من خلل الثوب وقيل أنها مأخوذة من نصحت العسل إذا صفيته من الشمع شبهوا تخليص القول من الغش بتخليص العسل من الخلط ومعنى الحديث عماد الدين وقوامه النصيحة كقوله: الحج عرفة أي عماده ومعظمه وأما النصيحة لله تعالى فمعناها يرجع إلى الإيمان ونفى الشرك عنه وترك الإلحاد في صفاته ووصفه بصفات الجلال والكمال وتنزيهه عن النقائص والقيام بطاعته واجتناب معصيته وموالاة من أطاعه ومعاداة من عصاه والاعتراف بنعمته وشكره عليها والإخلاص في جميع الأمور قال وحقيقة هذه الإضافة راجعة إلى العبد في نصحه نفسه فإنه تعالى غني عن نصح الناصح وعن العالمين وأما النصيحة لكتابه فالإيمان بأنه كلام الله وتنزيله لا يشبهه شئ من كلام الخلق ولا يقدر على مثله أحد من المخلوقات ثم تعظيمه وتلاوته حق تلاوته وإقامة حروفه في التلاوة والتصديق بما فيه وتفهم علومه والعمل بمحكمه والتسليم لمتشابهه والبحث عن ناسخه ومنسوخه وعمومه وخصوصه وسائر وجوهه ونشر علومه والدعاء إليه. وأما النصيحة لرسوله فتصديقه على الرسالة والإيمان بما جاء به وطاعته في أوامره ونواهيه ونصرته حياً وميتاً وإعظام حقه وإحياء سنته والتلطف في تعلمها وتعليمها والتخلق بأخلاقه والتأدب بآدابه ومحبة أهل بيته وأصحابه. وأما النصيحة للأئمة فمعاونتهم على الحق وطاعتهم فيه وتذكيرهم برفق وترك الخروج عليهم بالسيف ونحوه والصلاة خلفهم والجهاد معهم وأداء الصدقات إليهم هذا على المشهور من أن المراد بالأئمة أصحاب الحكومة كالخلفاء والولاة وقد يؤول بعلماء الدين ونصيحتهم قبول ما رووه وتقليدهم في الأحكام وإحسان الظن بهم. وأما نصيحة
стр. 218
مُسَدَّدٌ قَالَ حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ إِسْمَاعِيلَ قَالَ حَدَّثَنِى قَيْسُ بْنُ أَبِى حَازِمٍ عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ بَايَعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلَى إِقَامِ الصَّلَاةِ.
ــ
العامة فإرشادهم لمصالحهم في آخرتهم ودنياهم وكف الأذى عنهم وتعليم ما جهلوا وإعانتهم على البر والتقوى وستر عوراتهم والشفقة عليهم وأن يحب لهم ما يحب لنفسه من الخير قال ولم يذكر البخاري إسناد هذا الحديث لأن راوي هذا من طريق تميم الداري وهو أشهر طرقه سهيل بن أبي صالح وليس سهيل من شرطه الجوهري: يقال نصحتك نصحاً ونصاحة وهو باللام أفصح والاسم النصيحة قال الأصمعي: الناصح الخالص وكل شئ خاض فهو ناصح ويقال نصحته أي صدقته وعضد البخاري الحديث بالآية وهي قوله: تعالى: "ليس على الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج إذا نصحوا الله ورسوله ما على المحسنين من سبيل والله غفور رحيم". قوله: (مسدد) بفتح الدال و (يحيى) هو ابن سعيد القطان البصري وهو الذي مهد لأهل العراق رسم الحديث وتقدماً في باب من الإيمان أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه. قوله: (إسمعيل) هو أبو عبد الله بن أبي خالد البجلي الكوفي التابعي ويسمى الميزان وتقدم في باب المسلم من سلم. قوله: (قيس بن أبي حازم) بالحاء المهملة والزاي أبو عبد الله الأحمسي الكوفي البجلي التابعي الجليل أدرك الجاهلية وجاء ليبايع النبي ﷺ فقبض رسول الله ﷺ وهو في الطريق سمع من العشرة المبشرة ولا يعرف أحد روى عن العشرة غيره وقيل لم يسمع عبد الرحمن بن عوف قال أبو داود وهو أجود الناس إسناداً ومن طرف أحواله أنه روى عن جماعة من الصحابة لم يرو عنهم غ يره منهم أبوه ومرداس الأسلمي. مات سنة أربع أو سبع أو ثمان وسبعين وأبوه أبو حازم صحابي. قوله: (جرير) بفتح الجيم هو أبو عبد الله البجلي منسوب إلى بجيلة بفتح الموحدة وهي بنت صعب بن سعد العشيرة تنسب إليها القبيلة المعروفة. روى لجرير عن رسول الله ﷺ مائة حديث ذكر البخاري منها تسعة نزل الكوفة ثم تحول منها إلى قرنيسيا وبها مات سنة إحدى وخمسين وهذه الثلاث نجيليون كوفيون يكنون بأبي عبد الله وهو من النوادر وقيل كنية جرير أبو عمرو وكان إسلامه في السنة التي توفي فيها رسول الله ﷺ وكان عمر ﵁ يقول جرير يوسف هذه الأمة أي في حسنه ولا يخفى الفرق بين حدثنا وحدثني وبينهما وبين المعنعن لما تقدم. قوله: (بايعت) المبايعة هي عقد العهد. و (على إقام الصلاة) الأصل فيه إقامة الصلاة وإنما جاز حذف التاء لأن المضاف
стр. 219
وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَالنُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ.
٥٥ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ زِيَادِ بْنِ عِلَاقَةَ قَالَ سَمِعْتُ جَرِيرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ يَوْمَ مَاتَ الْمُغِيرَةُ بْنُ
ــ
إليه عوض عنها ومر أن الإقامة لها معان واكتفى من أركان الإسلام بذكر الصلاة والزكاة ولم يذكر الصوم والحج لأنهما أهم أركانه وأظهرها وهما أما العبادات البدنية والمالية. فإن قلت الحديث لا يدل على الترجمة. قلت يدل على بعضها المستلزم للبعض الآخر إذ النصح لأخيه المسلم لكونه مسلماً إنما هو فرع الإيمان بالله ورسوله. الخطابي: جعل رسول الله ﷺ النصيحة للمسلمين شرطاً في الدين يبايع عليه كالصلاة والزكاة فلذلك قرنها بهما. قال ابن بطال: في هذا الحديث أن النصيحة تسمى ديناً وإسلاماً وأن الدين يقع على العمل كما يقع على القول قال وهي فرض كفاية يجزئ فيه من قام به ويسقط عن الباقين وهي لازمة على قدر الطاقة إذا علم الناصح أنه يقبل نصحه ويطاع أمره وأمن على نفسه المكروه فإن خشي أذى فهو في سعة وقيل ولا يكون الرجل ناصحاً لله ولرسوله وللمسلمين إلا من بدأ بالنصيحة لنفسه واجتهد في طلب العلم ليعرف ما يجب عليه وقال الحافظ الطبراني أن جريراً أمر مولاه أن يشتري له فرساً فاشتراه له بثلاثمائة وجاء به وبصاحبه لينقده الثمن فقال جرير لصاحب الفرس أن فرسك خير من ثلثمائة أتبيعنيه بأربعمائة قال ذلك إليك يا أبا عبد الله قال فرسك خير من ذلك ثم لم يزل يزيد مائة فمائة وصاحبه يرضى وجرير يقول فرسك خير إلى أن بلغ ثمانمائة فاشتراه بها فقيل له في ذلك فقال إني بايعت رسول الله ﷺ على النصح لكل مسلم وكان إذا قوم سلعة بصر المشتري عيوبها ثم خيره فقيل له إذا فعلت كذلك لم ينفذ لك بيع فقال إنما بايعنا رسول الله ﷺ على النصح لكل مسلم. قوله: (أبو النعمان) هو محمد بن الفضل السدوسي البصري المعروف بعارم بالمهملة وبالراء وهو لقب له ردئ لأن العارم الشرير المفسد وكان ﵁ بعيداً منه لكن لزمه هذا اللقب فاشتهر به روى عنه الذهلي وقال كان بعيداً من العرامة وقال أبو حاتم إذا حدثك عارم فاختم عليه. مات سنة أربع أو ست وعشرين ومائتين بالبصرة. قال البخاري تغير عارم بآخره. قوله: (أبو عوانة) بفتح العين المهملة هو الوضاح الواسطي ومر في أول الكتاب قبل قصة هرقل. قوله: (زياد) بالزاي المكسورة وبالمثناة التحتانية (ابن علاقة) بكسر العين المهملة وبالقاف ابن مالك الثعلبي بالمثلثة الكوفي وكنيته أبو مالك مات سنة خمس وعشرين ومائة. قوله: (يوم مات المغيرة) بضم الميم وكسرها (ابن شعبة) الثقفي الكوفي أسلم
стр. 220
شُعْبَةَ قَامَ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَقَالَ عَلَيْكُمْ بِاتِّقَاءِ اللَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَالْوَقَارِ وَالسَّكِينَةِ حَتَّى يَاتِيَكُمْ أَمِيرٌ، فَإِنَّمَا يَاتِيكُمُ الآنَ، ثُمَّ قَالَ اسْتَعْفُوا لأَمِيرِكُمْ.
ــ
عام الخندق روي له عن رسول الله ﷺ مائة حديث وستة وثلاثون حديثاً روى البخاري منها عشرة مات سنة خمسين بالكوفة في الطاعون والياً بها من قبل معاوية وولاه عمر ﵁ البصرة مدة. قالوا وهو أول من وضع ديوان البصرة. قوله: (سمعت جريراً) فإن قلت ما وجهه إذ جرير ذات والمسموع هو الصوت والحروف فقط ثم القيام لا دخل له في أمر السماع ولو قال سمعت جريراً حمد الله لكان صحيحاً. قلت روى لفظ حمد الله مقدر بعده وتقديره سمعت جريراً حمد الله والمذكور بعده مفسر له. فإن قلت ما محل قام. قلت استئناف. قال الزمخشري في قوله: تعالى: "سمعنا منادياً" تقول سمعت رجلاً يتكلم فتوقع الفعل على الرجل وتحذف المسموع لأنك وصفته بما يسمع أو جعلته حالاً عنه فأغناك عن ذكره ولولا الوصف أو الحال لم يكن منه بُد وأن يقال سمعت كلامه. قوله: (فحمد الله) أي أثنى عليه بالجميل (وأثنى عليه) أي ذكره بالخير ويحتمل أن يراد بالحمد وصفه متحلياً بالكمالات وبالثناء وصفه متخلياً عن النقائص فالأول إشارة إلى الصفات الوجودية والثاني إلى الصفات العدمية أي التنزيهات. قوله: (عليكم باتقاء الله) أي الزموا اتقاءه وهو اسم من أسماء الأفعال. و (وحده) منصوب على الحالية وإن كان معرفة لأنه يؤول إما بأنه في معنى واحد وإما بأنه مصدر وحد يحد وحداً نحو وعد يُعد وعداً. قوله: (الوقار) بفتح الواو الحلم والرزانة (والسكينة) بفتح السين السكون والدعة وباتقاء الله إشارة إلى ما يتعلق بمصالح الدين والوقار والسكينة إلى ما يتعلق بمصالح الدنيا وإنما نصحهم بالحلم والسكون لأنه الغالب أن وفاة الأمير تؤدي إلى الفتنة والاضطراب من الناس والهرج والمرج وذكر الاتقاء لأنه ملاك الأمر ورأس كل خير. قوله: (حتى يأتيكم أمير) أي بدل هذا الأمير الذي مات. فإن قلت مقتضى لفظ حتى أن لا يكون بعد إتيان الأمير الاتقاء والوقار والسكون لأن حكم ما بعدها خلاف ما قبلها. قلت لا نسلم أن حكم ما بعدها خلاف ما قبلها سلمنا لكنه غاية للأمر بالاتقاء للأمور الثلاثة أو غاية للوقار والسكون لا للاتقاء أو غاية للثلاث وبعد الغاية يعني عند إتيان الأمير يلزم ذلك بالطريق الأولى وهذه مبنية على قاعدة أصولية وهو أن شرط اعتبار مفهوم المخالفة فقدان مفهوم الموافقة وإذا اجتمعا يقدم المفهوم الموافق على المخالف. قوله: (فإنما يأتيكم) أي الأمير. و (الآن) إما أن يريد به حقيقته فيكون ذلك الأمير جريراً نفسه لما روي أن المغيرة
стр. 221
فَإِنَّهُ كَانَ يُحِبُّ الْعَفْوَ. ثُمَّ قَالَ أَمَّا بَعْدُ، فَإِنِّى أَتَيْتُ النَّبِىَّ ﷺ قُلْتُ أُبَايِعُكَ عَلَى الإِسْلَامِ. فَشَرَطَ عَلَىَّ وَالنُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ. فَبَايَعْتُهُ عَلَى هَذَا، وَرَبِّ هَذَا الْمَسْجِدِ إِنِّى لَنَاصِحٌ لَكُمْ. ثُمَّ اسْتَغْفَرَ وَنَزَلَ
ــ
استخلف جريراً على الكوفة عند موته وقيل ابنه عروة بن المغيرة أو يريد به المدة القريبة من الآن فيكون ذلك الأمير زياداً إذ ولاه معاوية بعد وفاته الكوفة. قوله: (استغفروا) وفي بعض الرواية استعفوا أي اسألوا الله لأميركم العفو فإنه كان يحب العفو عن ذنوب الناس إذ يعامل الشخص كما يعامل هو الناس وفي المثل السائر "كما تدين تدان". وقيل: "كما تكيل تكال" قال ابن بطال جعل الوسيلة إلى عفو الله تعالى بالدعاء بأغلب خلال الخير عليه وما كان يحبه في حياته وكذلك يجزى كل أحد يوم القيامة بأحسن أخلاقه وأعماله. قوله: (قلت) ترك الواو العاطفة لأنه إما بدل عن أتيت أو استئناف و (فشرط على) هو بتشديد الياء على الأصح من الروايات ولفظ (والنصح) مجرور لأنه عطف على الإسلام ومثله يسمى بالعطف التلقيني يعني لقنه رسول الله ﷺ أن يعطف والنصح على الإسلام وذلك كقوله: تعالى: "إني جاعلك للناس إماماً قال ومن ذريتي" وفي بعضها والنصح بالنصب عطف على مقدر أي شرط الإسلام والنصح وفيه أن البيعة سنة وفيه دليل على كمال شفقة الرسول ﷺ لأمته وقد مر معنى النصيحة وحاصلها القيام بتأدية ما هو واجب عليك بالنسبة إلى الله ورسوله وخواص المسلمين وعوامهم. قوله: (على هذا) أي على المذكور من الإسلام والنصح كليهما والمراد من المسجد مسجد الكوفة وذكر المسجد للتنبيه على شرف مكان القسم وموضع النصيحة ليكون أقرب إلى القبول. قوله: (إني لناصح) فيه إشارة إلى أنه وفي بما بايع به النبي ﷺ وأن كلامه صادق خالص عن الأغراض الفاسدة. قوله: (نزل) أي من المنبر أو معناه أنه قعد لأنه في مقابلة قام فحمد الله وعلى لفظ الحمد نختم كتاب الإيمان والحمد لله رب العالمين والصلاة على سيد الأولين والآخرين محمد وعلى آله وأصحابه وأتباعه أجمعين ورضي الله تعالى عنا وعز والدينا وعن شيوخنا وعن سائر المسلمين.
****
تم الجزء الأول ويليه الجزء الثاني. وأوله ((كتاب العلم))
стр. 222
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين, وعلى آله وصحبه والتابعين وبعد فلما كان أرقى العلوم قدرا وأشرفها ذكرا هو علم الحديث وكان أنفس التآليف في هذا الفن وأحلاها واجلها وأغلاها وأصحها وأغلاها هو صحيح أبي عبد الله البخاري رضي الله تعالى عنه الذي هو بلا مراء أول الكتب الصحيحة المعتمدة بعد كتاب الله -وعلى هذا أجمعت الأمة- وفضلا عن علو رتبته وعظيم منزلته قد تصدى لطبعه رجال-أثابهم الله بقدر صنيعهم- فمنهم من طبعه وأتقن تصحيحه, لكنه لم يتقن طبعه. ولم يحسن وضعه, فجاءت نسخهم خالية من الغلطات والسقطات إلا أنها لم تخل من هفوات مطبعية. مع سقم في الوضع, وسخف في الصنع. لا يتناسب وقيمة الكتاب الدينية والعلمية, والروحية, أيضا. ومنهم من جعل همه جمع الدينار والدرهم' ولم يراع جلال الكتاب وعظم قدره في النفوس فطبعه على أردإ الطبعات, وأسوأ الحالات غفر الله لي وله. قد رأينا أن نطبع هذا السفر الجليل. واخترنا له أدق الشروح وأعزرها مادة, وأجزلها فائدة وناهيك بالإمام ((الكرماني)) ذلك الإمام الجليل' والعلامة النبيل' من غواص على لآلئ المعاني ودرر الألفاظ. وقد عنينا بإتقان التصحيح وحسن الطبع, وجودة الورق ما ليس فيه زيادة لمستزيد. ولا أدل على ذلك من استيعاب الكتاب, ورؤية محاسنه والتمتع بمزاياه. وقد رقمنا الأحاديث لسهولة استخراجها والبحث عنها. كما أننا أعددنا فهرسا مطولا في آخر الكتاب, يستطيع به الباحث الكشف عمّا يريد والوصول إلى ما يبتغي. واستوعبنا في فهارس الأجزاء سائر الكتب والأبواب.
стр. 223
ويعلم الله وحده كم كابدنا ونكابد في سبيل إخراج هذا الكتاب بالثوب اللائق به, المناسب لقدره, وهو مما يشهد بما بذل فيه من مجهود يرغم أنف الحسود.
وقد أشار علينا حضرة الأستاذ الفاضل , والجهبذ الكامل الشيخ رضوان محمد رضوان الرمالي أن نحلي جيد هذا الشرح بكتاب ((التقريب للنووي)) المسمّى ((التقريب والتيسير. لمعرفة سنن البشير النذير)) في فن مصطلح الحديث. وقد أهدانا نسخته بعد أن صححها وشرح بعض ألفاظها. وقد وضعناها في أول الكتاب إجابة لرغبته, ونزولا على إرادته, فله منّا الثناء المستطاب ومن الله الأجر والثواب. وقد قطعنا على أنفسنا ألا نتقرب بهذا العمل إلى قلوب المنتفعين به فحسب. بل نرجو به الأجر يوم الحساب, والفوز يوم المآب, والله أسأل أن يسدد خطانا , ويوفقنا لصالح دنيانا وأخرانا.
стр. 224
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
كتاب العلم
باب فَضْلِ الْعِلْمِ . وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى (يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ). وَقَوْلِهِ (رَبِّ زِدْنِى عِلْماً).
ــ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
اللهم صل على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه وأتباعه وسلم
كتاب العلم
((باب فضل العلم)) إنما قدم هذا الكتاب على سائر الكتب التي بعده لأن مدار تلك الكتب كلها على العلم. فان قلت لم يقدم على الكتاب الإيمان. قلت لأن الإيمان أول واجب على المكلف أو لأنه أفضل الأمور على الإطلاق وأشرفها وكيف لا وهو مبدأ كل خير علما وعملا ومنشأ كل كمال دقا وجلا. وأما تقديم كتاب الوحي فلتوقف معرفة الإيمان وجميع ما يتعلق بالدين عليه أو لأنه أول خير نزل من السماء إلى هده الأمة قوله ((درجات)) منصوب بأنه مفعول يرفع ورفعة الدرجات عبارة عن الفضل إذ المراد منه كثرة الثواب وكدا طلب زيادة العلم يدل على فضله إذ لولا فضله لما أمر الله تعالى بطلبه بقوله ((وقل ربي زدني علما)) فان قلت هدا هو ترجمة البال فأين ما هدا ترجمته إذ لم يذكر فيه حديثا أصلا فضلا عما يدل على المترجم عليه. قلت قال بعض الشاميين
стр. 225
بابٌ من سُئِل عِلماً وهو مُشتَغِلٌ في حديثه فأَتَمَّ الحديثَ ثم أجَابَ السائلَ
٥٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ قَالَ حَدَّثَنَا فُلَيْحٌ ح وَحَدَّثَنِى إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ
ــ
بوب البخاري الأبواب وذكر التراجم وكان يلحق بالتدريج اليها الأحاديث المناسبة فلم يتفق له أن يلحق إلى هذا الباب ونحوه شيئا منها إما لأنه لم يثبت عنده حديث يناسبه بشرطه وإما لأمر أخر وقال بعض أهل العراق ترجم ولم يذكر شيئا فيه قصدا منه ليعلم انه لم يثبت في ذلك الباب شيء عنده. فان قلت فما تقول فيما يترجم بعد هذا بباب فضل العلم وينقل فيه حديثا يدل على فضل العلم. قلت المقصود بذلك الفضل غير هذا الفضل إذ ذاك بمعنى الفضلة أي الزيادة في العلم وهذا بمعنى كثرة الثواب عليه ويجيء ثم تحقيقه إن شاء الله تعالى ((باب من سئل)) -بضم السين- ((وهو مشتغل في حديثه)) -جملة حالية ما لم يسم فاعله وقال- ((فأنتم)) - بالفاء. و- ((ثم)) - أجاب بثم لأن الاتمام حصل عقيب الاشتغال بخلاف الاجابة. - ((محمد بن سنان)) - بكسر السين المهملة وبالنونين هو أبو بكر الباهلي البصري روى عنه البخاري وأبو داود وروى له الترميذي وابن ماجه مات سنة ثلاث وعشرون ومائتين. قوله- ((فليح)) - بضم الفاء وفتح اللام وسكون التحتانية وبالمهملة ابن سليمان بن أبي المغيرة الخزاعي المدني أبو يحيى واسمه عبدالملك وفليح لقب له غلب عليه قال أبو حاتم وابن معين انه ليس بالقوى وقال ابن عدى لا بأس به وقد اعتمد البخاري وروى له مسلم وأبو داود والترميذي مات سنة ثمان وستين ومائة قوله - ((ح وحدثني ابراهيم)) - إذا كان للحديث اسنادان أو أكثر كتبوا عند الانتقال إلى إسناد آخر ح وهو حاء مهملة مفردة قبل مأخوذة من التحول لتحوله من اسناد إلى اسناد آخر ويقول القارئ إذا انتهى اليها ح ويستمر في قراءة ما بعدها وقيل انها من حال بين الشيئين إذا حجز لكونها حالت بين الاسنادين وانه لايلفظ عند الانتهاء اليها بشيء وقيل انها رمز الى قوله ((الحديث)) وأهل المغرب إذا وصلوا اليها يقولون الحديث وقد كتب جماعة من حفاظ عراق العجم موضعها صح فيشعر بأنها رمز صح وحسن هنا كتابة صح لئلا يتوهم أنه سقط من الاسناد الأول وهي كثيرة في صحيح مسلم قليلة في هذا الصحيح وقدر مرة وأما - ((ابراهيم بن منذر)) - فهو ابن عبدالله بن منذر بن المغيرة الخزامى الزاي القرشي المدني أبو اسحق روى البخاري عنه في غير موضع من الصحيح ثم روى فيه محمد بن أبي غالب عنه في الاستئذان قال أبو حاتم الرازي جاء ابراهيم إلى أحمد بن حنبل فاستاذن عليه فلم يأذن له وجلس حتى خرج فسلم عليه فلم يرد ﵇ قبل ذلك لأنه خلط في القرآن.
стр. 226
قالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُلَيْحٍ قَالَ حَدَّثَنِى أَبِى قَالَ حَدَّثَنِى هِلَالُ بْنُ عَلِىٍّ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ بَيْنَمَا النَّبِىُّ ﷺ فِى مَجْلِسٍ يُحَدِّثُ
ــ
وقال ابن منصور سألت يحيى بن معين عن الخزامي فقال ثقة مات سنة ست وثلاثين ومائتين بالمدينة وفي بعض النسخ حدثني إبراهيم والفرق بينهما سبق أن الشيخ إذا حدث له وهو السامع وحده يقول حدثني وإذا حدث ومعه غيره قال حدثنا. قوله (محمد بن فليح) أي المذكور وهو يكنى بأبي عبد الله مات سنة سبع وتسعين ومائة. قوله (حدثنا ابن أبي فليح) بن سليمان السابق آنفاً. قوله (هلال بن علي) المشهور بهلال بن ميمونة بن أبي أسامة الفهري القرشي المدني توفي سنة آخر خلافة هشام بن عبد الملك. قوله (عطاء بن يسار) بالتحتانية والمهملة أبو محمد المدني مولى ميمونة أم المؤمنين وكان عطاء قاصاً ويرى القدر مات سنة أربع وتسعين على الأشبه بالأمر إذ قيل بغيره وتقدم في باب كفران العشير. قوله (أبي هريرة) اختلف في اسمه واسم أبيه على نحو ثلاثين قولاً وكان له هرة فكني بها وروى له عن رسول الله ﷺ خمسة آلاف حديث وثلثمائة وأربعة وسبعون حديثاً ذكر البخاري منها ثمانية عشر وأربعمائة وروى عنه ثمانمائة رجل وأكثر كان يسبح في اليوم اثنى عشر ألف تسبيحة ولي إمرة المدينة مرات مات سنة سبع وخمسين ودفن بالبقيع وقد مر ذكره في باب أمور الإيمان ورجال الإسناد الأخير كلهم مدنيون. قوله (بينما) أصله بين فزيدت عليه ما وهو ظرف زمان بمعنى المفاجأة والأفصح في جوابه أن يكون فيه إذ وإذا وكان الأصمعي لا يستفصح إلا طرحهما وقيل أنه ظرف متضمن لمعنى الشرط فلذلك اقتضى جواباً والعالم فيه الجواب إذا كان مجرداً من كلمة المفاجأة وإلا فمعنى المفاجأة ومعنى الحديث جاء أعرابي وقت حديث رسول الله ﷺ . قوله (يحدث) خبر المبتدأ وحذف مفعولاه الأخيران و (القوم) هم الرجال دون النساء قال تعالى (لا يسخر قوم من قوم) ثم قال (ولا نساء من نساء) قال الشاعر:
أقوم آل حصن أم نساء
وقد يدخل النساء فيه على سبيل التبع لأن قوم كل نبي رجال ونساء وجمعه أقوام وجمع الجمع أقاوم والعرب هو الجيل المعروف من الناس والنسبة إليهم عربي وهم أهل الأمصار والأعراب منهم سكان البادية خاصةً والنسبة إليهم أعرابي لأنه لا واحد له وليس الأعراب جمعاً للعرب. قوله (متى
стр. 227
الْقَوْمَ جَاءَهُ أَعْرَابِىٌّ فَقَالَ مَتَى السَّاعَةُ فَمَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُحَدِّثُ، فَقَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ سَمِعَ مَا قَالَ، فَكَرِهَ مَا قَالَ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ بَلْ لَمْ يَسْمَعْ، حَتَّى إِذَا قَضَى حَدِيثَهُ قَالَ «أَيْنَ - أُرَاهُ - السَّائِلُ عَنِ السَّاعَةِ». قَالَ هَا أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ «فَإِذَا ضُيِّعَتِ الأَمَانَةُ فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ». قَالَ كَيْفَ إِضَاعَتُهَا قَالَ «إِذَا وُسِّدَ الأَمْرُ
ــ
((الساعة)) اي يوم القيامة وتقدم في حديث جبريل وجوه في تسميتها بالساعة. قوله- ((يحدث)) - أي يحدث القوم وفي بعض الروايات بحديثه بحرف الجر. و - ((سمع)) - اي رسول الله ﷺ ((ما قال)) - الأعرابي- ((فكره)) -سؤاله ولهذا لم يلتفت الى الجواب. قوله- ((حتى إذا قضى)) -يتعلق بقوله فمضى يحدث لا بقوله لم يسمع ولفظ فقال الى هنا جملة معترضة بالفاء وذلك جائز كما مر بيانه. فان قلت علام عطف - ((بل لم يسمع)) - إذ لايصح أن يعطف على ما سبق إذ الإضراب إنما يكون عن كلام نفسه بل لا يصلح عطف أصلا على كلام غير العاطف. قلت لا نسلم امتناع صحة العطف والاضراب بين كلام المتكلمين وما الدليل عليه ...... لكن يكون الكل من كلام البعض الأول على طريقة عطف الفعلين كانه قال البعض الآخر للبعض الأول قل بل لم يسمع أو من كلام البعض الآخر بأن يقدر لفظ سمع قبله كانه قال سمع بل لم يسمع. قوله - ((أين السائل عن الساعة)) - أي عن زمان الساعة وفي بعض النسخ أين أراه السائل وأراه بضم الهمزة أي أظن وهو من كلام الراوي يعني أظن أنه قال أين السائل. قوله - ((ها أنا)) - فأنا مبتدأ وخبره محذوف وهو السائل وها حرف تنبيه. الجوهري: وها قد تكون جواب الندا يمد ويقصر وها أيضا مقصور للتقريب أي قيل لك أين أنت فتقول هاأنذا. فان قلت لم ترك العاطف عند ذكر ألفاظ قال سؤالا وجوابا. قلت لأن المقام كان مقام المقاولة والراوي يحكي ذلك كأنه لما قال الأعرابي ذلك سأل سائل ماذا قال رسول الله ﷺ في جوابه وبالعكس وفي بعض النسخ فقال كيف اضاعتها بالفاء والباقي بلا فاء وذلك لأن السؤال عن كيفية الاضاعة متفرع على ما قبله فلهذا عقبه بالفاء بخلاف أخواته. قوله - ((إذا وسد الأمر)) -يقال وسدته الشيء فتوسده أذا جعله تحت رأسه أي فوض الأمر والمراد من الأمر جنس الأمور التي تتعلق بالدين كالخلافة والقضاء والإفتاء ونحوه وكان حقه أن يقال لغير أهله فأتى بكلمة الى ليدل على تضمين معنى الإسناد. فإن
стр. 228
إِلَى غَيْرِ أَهْلِهِ فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ».
باب من رفع صوته بالعلم
٥٩ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ عَارِمُ بْنُ الْفَضْلِ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ أَبِى بِشْرٍ عَنْ يُوسُفَ بْنِ مَاهَكَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ
ــ
قلت هل يجوز تأخير الجواب عن السؤال فيما يتعلق بالدين. قلت المسألة ليست مما يجب تعلمها بل هي فيما لا يكون العلم بها إلا الله تعالى ولئن سلمنا فلعل الذي كان رسول الله ﷺ مشتغلا به كان أهم منها أو لعله أخره انتظارا للوحي أو أراد أن يتم حديثه لئلا يختلط على السامعين أو -أراد تعليم فوائد منها أنه يجب على القاضي والمدرس والمفتي تقديم الأسبق ومنها أن من أدب المتعلم أن لا يسأل العالم مادام مشتغلا بحديث أو غيره لأن من حق القوم الذين بدأ بحديثهم أن لا يقطعه عنهم حتى يتمه وفيه الرفق بالمتعلم وان جفا في سؤاله أو جهل لأن النبي ﷺ لم يوبخه على سؤاله قبل اكمال حديثه وفيه مراجعة العالم إذا لم يفهم السائل لقوله كيف اضاعتها. فان قلت السؤال إنما هو عن كيفية الاضاعة لقوله كيف والجواب هو بالزمان لا بيان الكيفية فما وجهه. قلت ذلك متضمن للجواب إذ يلزم منه بيان أن كيفيتها بالتوسد المذكور فان قلت إذا ههنا هل تتضمن معنى المجازاة أم لا. قلت الظاهر لا والفاء في فانتظر الساعة لتفريع أو جواب شرط محذوف يعني إذا كان الأمر كذلك فانتظر الساعة. قال ابن بطال وفيه وجوب تعليم السائل وقال معنى إذا وسد الأمر الى غير أهله أن الأئمة قد ائتمنهم الله على عباده وفرض عليهم النصيحة لهم فينبغي لهم توليه أهل الدين والأمانة والنظر في أمور الدنيا فاذا قلدوا غير أهل الدين فقد ضيعوا الأمانة التي فرض الله تعالى عليهم وقد جاء عن النبي ﷺ لا تقوم الساعة حتى يؤتمن الخائن وهذا إنما يكون إذا غلب الجهال وضعف أهل الحق عن القيام به ونصرته نعوذ بالله مما نحن فيه من ذلك قال البخاري ﵁ ((باب من رفع صوته)) - قوله - ((أبو النعمان)) - هو محمد بن الفضل السدوسي البصري المعروف بعارم بالعين المهملة والراء قيل هذا لقب رديء له لأن عارم الشرير المفسد وكان بعيدا من ذلك وأقول يحتمل أن يكون لقبا صالحا من قولهم عزمت العظم أي عرقته فالعارم معناه العريق أي المبالغ في الدين أو العلم ونحوه وقد مر ذكره في باب الدين النصيحة. قوله- ((ابو عوانة)) -بفتح العين المهملة هو الوضاح بن عبدالله الشكري مولى يزيد بن عطاء الواسطي وكان من سي جرجان ومر سبب عتقه وقيل كان مولاه خيره بين الحرية وبين الكتابة الحديث فاختار الكتابة وتقدم في باب كيفية
стр. 229
ابْنِ عَمْرٍو قَالَ تَخَلَّفَ عَنَّا النَّبِىُّ ﷺ فِى سَفْرَةٍ سَافَرْنَاهَا، فَأَدْرَكَنَا وَقَدْ أَرْهَقَتْنَا الصَّلَاةُ وَنَحْنُ نَتَوَضَّأُ، فَجَعَلْنَا نَمْسَحُ عَلَى أَرْجُلِنَا، فَنَادَى بِأَعْلَى صَوْتِهِ «وَيْلٌ لِلأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ». مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثاً
ــ
بدء الوحي. قوله - ((أبي بشر)) - بكسر الموحدة وبالمعجمة اليشكري جعفر بن اياس أبي وحشية الواسطي والبصري مات سنة ثلاث أو أربع أو خمس وعشرين ومائة روى له الجماعة. قوله - ((يوسف)) -فيه ستة أوجه وقد تقدم هو ابن ماهك بن بهزام بضم الباء وكسرها وبالزاي فارسي مكي لأنه من الفرس ونزل مكة ولم يكن له ولاء ينتمي اليه مات سنة ثلاث عشرة ومائة. النووي: ماهك بفتح الهاء غير منصرف لأنه اسم أعجمي قال الأصيلي بكسرها وصرفه. فان قلت فيه العجمة والعلمية. قلت شرط العجمة مفقود وهو العلمية في العجمة لأن ماهك معناه القمير فهو إلى الوصف أقرب. قوله- ((عبدالله ابن عمرو)) - بالواو يعني عمرو بن العاص القرشي أسلم عبدالله قبل والده وكان بينهما في السن اثنتا عشرة أو احدى عشرة سنة مات بمكة أو بالطائف أو بمصر سنة ثلاث أو خمس أو سبع وستين في ولاية يزيد بن معاوية وقد مر ذكره في باب المسلم من سلم. قوله - ((سافرناها)) - الضمير وقع مفعولا مطلقا أي سافرنا تلك السفرة وذلك كقولهم زيد أظنه منطلق أظن الظن أو ظنا. قوله - ((فأدركنا)) - أي بنا رسول الله ﷺ ((وقد أرهقتنا الصلاة)) - أي غشينا وقتها أو حملتنا الصلاة أداءها والصلاة كانت صلاة العصر يعلم في كتاب العلم هذا وفي الوضوء إن شاء الله تعالى. وقال محي السنة: أي دنا وقتها وفي بعض الروايات أرهقنا بفتح القاف ورفع الصلاة لأن الصلاة مؤنثة تأنيثا غير حقيقي وفي بعضها أرهقنا بسكون القاف ونصب الصلاة أي أخرنا الصلاة حتى يدنو وقت الصلاة الأخرى قال ابن السكيت: أرهقنا الصلاة استأخرنا عنها حتى دنا وقت الأخرى وأرهقنا الليل دنا منا وأرهقنا القوم لحقونا. قوله - ((فجعلنا)) -هو من أفعال المقاربة وهو في الاستعمال مثل كاد. فان قلت لا أرجل للرجل بل رجلان فالقياس أن يقال على رجلينا قلت الجمع إذا قوبل بالجمع يفيد التوزيع فتوزع الأرجل على الرجال. فان قلت فيكون لكل رجل رجل رجل. قلت جنس الرجل يتناول الواحد والاثنين والفعل يعين المقصود سيما فيما هو محسوس. فان قلت المسح على ظهر القدم لا على الرجل كلها. قلت أطلق الرجل وأراد البعض أي القدم والقرينة
стр. 230
باب قَوْلِ الْمُحَدِّثِ حَدَّثَنَا أَوْ أَخْبَرَنَا وَأَنْبَأَنَا . وَقَالَ لَنَا الْحُمَيْدِىُّ كَانَ عِنْدَ
ــ
العرف الشرعي إذ المعهود مسح ذلك. قوله - ((للاعقاب)) - جمع العقب بكسر القاف وهو مؤخر القدم. فان قلت اللام للاختصاص التابع والمشهور أن اللام تستعمل في الخير وعلى في الشر نحو ((لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت)) قلت هو للإختصاص هنا نحو ((وان أسأتم فلها)) ونحو ((ولهم عذاب أليم)) قال محي السنة: ويل الاعقاب المقصرين في غسلها. نحو - ((واسئل القرية)) وقيل أراد أن العقب يخص بالعذاب إذا قصر في غسلها قال وفي دليل على وجوب غسل الرجلين في الوضوء وأقول وجه الاستدلال به أن الوعيد بالنار لعدم طهارتها ولو كان المسح كافيا لما أوعد من ترك غسل العقب بالنار أو لأن من قال بالمسح قال بالوجوب مسح الأعقاب فدل على أن المراد الغسل وإنما قال يمسح اشارة إلى تقليل استعمال الماء فيه وعدم الاسباغ أو أراد بالمسح الغسل لما روى عن أبي زيد الانصاري أنه قال المسح في كلام العرب قد يكون غسلا ومنه يقال مسح الله ما بك أي غسل عنك وطهرك, فإن قلت ظاهرة القرآن ((وامسحوا برءوسكم وأرجلكم)) بالخفض يدل على وجوب المس عليهما. قلت قراءة الجر تعارض قراءة النصب فلا بد من تأويل وتأويل الجر بأنه على المجاورة كقولهم جحر ضب خرب أولى من تأويل النصب بأنه محمول على محل الجار والمجرور لانه الموافق للسنة الثابتة الشائعة فيجب المصير إليه وأخصر الاستدلالات عليه أن جميع من وصف وضوء رسول الله ﷺ في مواطن متعددة متفقون على غسل الرجلين. قوله ((أو ثلاثا)) شك من عبدالله ابن عمرو. وقال ابن بطال: إنما ترك أصحاب النبي ﷺ الصلاة في الوقت الفاضل لانهم كانوا على طمع من أن يأتي النبي ﷺ فيصلوا معه لفضل الصلاة معه فلما ضاق عليهم الوقت وخشوا فواته توضئوا مستعجلين ولم يبالغوا في وضوئهم فأدركهم النبي ﷺ وهم على ذلك فزجرهم وأنكر عليهم نقصهم الوضوء بقوله ((ويل للاعقاب من النار)) وهذا الحديث تفسير لقوله تعالى ((وامسحوا برءوسكم وأرجلكم)) والمراد منه غسل الأرجل لا مسحها واحتج الخصم بأنه لما كان حكم الوجه واليد في الوضوء الغسل وحكم الرأس المسح وسقط التيمم عن الرأس والرجلين فحكمهما بحكم الرأس أشبه وفيه من الفقه أن للعالم أن ينكر ما رآه من التضييع للفرائض والسنن وأن يغلط القول في ذلك ويرفع صوته بالانكار وفيه تكرار المسئلة توكيدا لها ومبالغة في وجوبها وفيه حجة في جواز رفع الصوت في المناظرة بالعلم وذكر ابن عيينة قال مررت بأبي حنيفة ﵁ وهو مع أصحابه وقد ارتفعت أصواتهم بالعلم ((باب قول المحدث)) المراد المحدث اللغوي
стр. 231
ابْنِ عُيَيْنَةَ حَدَّثَنَا وَأَخْبَرَنَا وَأَنْبَأَنَا وَسَمِعْتُ وَاحِداً وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ حَدَّثَنَا
ــ
لا الاصطلاحي الذي هو المشتغل بالحديث النبوي. قوله- ((الحميدي)) - بصيغة التصغير منسوبا إلى أحد أجداده المسمى بحميد هو أبو بكر عبدالله بن الزبير القرشي الأسدي المكي رئيس أصحاب ابن .... مات بمكة سنة تسع عشرة ومائتين تقدم في أول الكتاب وهو الشيخ البخاري لكن لفظ قال لا يدل جزما على أنه سمعه منه فيحتمل الواسطة وفي بعض النسخ وقال لنا الحميدي وهو أحط مرتبة من حدثنا ونحوه سواء كان بزيادة لنا أولا لأنه يقال على سبيل المذاكرة بخلاف نحو حدثنا فانه يقال على سبيل النقل والتحمل وقال جعفر بن حمدان النيسابوي: كل ما قال البخاري فيه قال لي فلان فهو عرض ومناولة. قوله - ((ابن عيينة)) - أي سفيان بضم السين وفتحها وكسرها هو الهلالي المكي مات سنة ثمان وتسعين ومائة وتقدم أول الكتاب. قوله - ((واحدا)) -أي لا تفاوت بينهما كما هو مقتضى اللغة وذهب مسلم الى أن حدثنا لا يجوز اطلاقه الا على ما سمعه من لفظ الشيخ خاصة وأخبرنا لما قرأ على الشيخ وهو مذهب الشافعي وجمهور أهل المشرق وقيل هو مذهب أكثر أصحاب الحديث وهو الشائع والغالب على أهل الحديث والأول أعلى درجة واصلاح قوم من المتأخرين على اطلاق أنبأنا في الاجازة فهو أدنى من أخبرنا أما سمعت فهو لما سمع من لفظ الشيخ سواء كان الحديث معه أو مع غيره فهو أحط مرتبة من حدثنا وقال الخطيب البغدادي أرفع العبارات في ذلك سمعت ثم حدثني ثم أخبرني ثم أنبأني قال ابن بطال قال طائفة حدثنا لا يكون إلا مشافهة أخبرنا قد يكون مشافهة وكتابة وتبليغا لأنك تقول أخبرنا الله بكذا في كتابه ورسوله بكذا ولا بقول حدثنا إلا أن يشافهك المخبر بذلك وقال الطحاوي لم نجد بين الحديث والخبر فرقا في كتاب الله وسنة رسوله قال تعالى ((يومئذ تحدث أخبارها)) وقال النبي ﷺ ((أخبرني تميم الداري)) النووي: ذهب جماعة الى أن يجوز يقال فيما قرئ على الشيخ حدثنا وأخبرنا وهو مذهب ابن عيينة ومالك والبخاري ومعظم الحجازيين والكوفيين وذهب مسلم الى الفرق بينهما أي بما تقدم وذهب طائفة إلى أن يجوز اطلاق حدثنا وأخبرنا في القراءة على الشيخ وهو مذهب أحمد ابن حنبل والمشهور عن النسائي. تم كلامه. فإن قلت هل يعلم بن هذا الكتاب مختار البخاري في ذلك. قلت حيث نقل مذهب الاتحاد من غير رد عليه وعير ذكر مذهب المخالف أشعر بأن ميله إلى عدم الفرق. قوله ((ابن مسعود)) أي عبدالله ابن مسعود اصحابي الكبير صاحب الهجرتين وصاحب نعل الرسول ﷺ أسلم فكان سادس ستة ذكره في أول كتاب الايمان وعبدالله إذا أطلق كان هو المراد من بين العبادلة ونقل البخاري
стр. 232
رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ. وَقَالَ شَقِيقٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ سَمِعْتُ النَّبِىَّ ﷺ كَلِمَةً. وَقَالَ حُذَيْفَةُ حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَدِيثَيْنِ. وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِىِّ ﷺ فِيمَا يَرْوِى عَنْ رَبِّهِ. وَقَالَ أَنَسٌ عَنِ النَّبِىِّ ﷺ يَرْوِيهِ عَنْ رَبِّهِ . وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِىِّ ﷺ يَرْوِيهِ عَنْ
ــ
عنه تعليقا. قوله- ((الصادق)) - أي في نفس الأمر والواقع - ((المصدوق)) -أي بالنسبة إلى الله تعالى والى الناس أي المصدق أو الصادق أي بالنسبة إلى ما قال هو لغيره والمصدوق أي بالنسبة إلى ماقال غيره أي جبريل له. قوله- ((الشقيق)) - بفتح الشين المعجمة هو أبو وائل تقدم في باب خوف المؤمن من أن يحبط عمله وذكره ثمة بكنيته وههنا باسمه كما تقدم ايضا. و- ((انس)) -وهو أنس بن مالك خادم رسول الله ﷺ آخر من مات من الصحابة بالبصرة. و - ((ابن عباس)) - هو حبر الأمة ابن عم رسول الله ﷺ . و- ((أبو هريرة)) - أكثر الصحابة رواية عن رسول الله ﷺ ومر مرارا وأما ((حذيفة)) فهو ابن اليمان صاحب سر رسول الله ﷺ في المنافقين لعلمهم وحده شهد هو وأبوه مع رسول الله ﷺ أحدا وقد قتل أبوه يومئذ. قتله المسلمون خطاروى له عشرين حديثا تفرد البخاري منها بثمانية ولاه عمر ﵁ المدائن فنزلها ومات بها سنة ست وثلاثين وأما الحديثان فهما مذكوران في كتاب الرقاق وكذا أبي العالية. قوله - ((أبو العالية)) - بالعين المهملة والمثناة التحتانية الظاهر أنه رفيع بضم الراء وفتح الفاء ابن مهران الرياحي أعتقته امرأة من بني رياح أدرك الجاهلية وأسلم بعد موت رسول الله ﷺ بسنتين مات سنة تسعين. ورياح بالمثناة التحتانية حي من بني تميم. فان قلت أين مقطع الترجمة وهل قال الحميدي إلى أول اسناد الحديث الذي رواه قتيبة داخل فيها. قلت الظاهر أنه لفظ أنبأنا وذلك ليس داخلا فيها. فان قلت ففيه ذكر مالا تعلق له بالترجمة وهو ذكر العنعنة حيث قال عن النبي ﷺ وذكر الرواية إذ قال يرويه عن وبه وفيه ترك ماله تعلق بها وهو ذكر الانباء. قلت لفظ الرواية شامل لجميع هذه الأقسام وكذا لفظ العنعنة لاحتماله كلا من الألفاظ الثلاثة وليس هنا موضع تحقيق هذه الاصطلاحات وبيان اختلاف
стр. 233
رَبِّكُمْ .
٦٠ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «إِنَّ مِنَ الشَّجَرِ شَجَرَةً لَا يَسْقُطُ وَرَقُهَا، وَإِنَّهَا مَثَلُ الْمُسْلِمِ، فَحَدِّثُونِى مَا هِىَ». فَوَقَعَ النَّاسُ فِى شَجَرِ الْبَوَادِى
ــ
المحدثين والأصوليين فيها وله فن بالاستقلال. قوله - ((قتيبة)) - بلفظ تصغير القتبة وهو أبو رجاء بن سعيد البلخي روى عنه الستة مات سنة أربعين ومائتين مر في باب افشاء السلام. قوله- ((اسمعيل)) -هو أبو ابراهيم بن جعفر بن أبي كثير الأنصاري المدني توفي ببغداد سنة ثمانين ومائة مر في باب علامات المنافقون. قوله - ((عبدالله بن دينار)) - هو أبو عبد الرحمان القرشي العدوي المدني مولى ابن عمر رضي عنهما مات سنة سبع وعشرين ومائة تقدم في باب أمور الايمان قوله - ((ابن عمر)) - هو عبدالله بن عمر بن الخطاب شهد رسول الله ﷺ بأن رجل صالح وهو أحد الستة الذين هم أكثر الصحابة رواية مات بمكة بعد الحج سنة ثلاث وسبعين ومناقبه لا تحصى وقد مر. قوله- ((إن من الشجر)) -أي من جنس الشجر وهو من قبيل ما يميز فيه عن واحده بالتاء نحو تمر وثمرة قوله- ((ورقها)) - بفتح الراء وأما الورق بكسر الراء فهو الدراهم المضروبة. قوله- ((مثل المسلم)) -الجوهري: مثل كلمة تسوية يقال هذا مثله ومثله كما يقال شبهه وشبهه بمعنى والمثل أيضا ما يضرب به من الأمثال ومثل الشيء أيضا صفته والرواية هنا مثل بفتح المثلثة. قال العلماء وجه الشبح بين النخلة والمسلم في كثرة خيرها ودوام ظلها وطيب ثمارها ووجوده على الدوام فانه من حين يطلع ثمارها لا يزال يؤكل منه حتى ييبس ويتخذ منه منافع كثيرة ومن خشبها وورقها وأغصانها فتستعمل جذوعا وحطبا وعصيا ومخاصر وحصرا وحبالا وأواني وغير ذلك ثم آخر شيء منها نواها فينتفع به علفا للابل ثم جمال نباتها وحسن هيئة ثمرها فهي منافع كلها وخير وجمال كما أن المؤمن خير كله من كثرة طاعاته ومكارم أخلاقه فيواظب على صلاته وصيامه وقراءته وذكره وصدقة والصلة وسائر الطاعات وغير ذلك وهو دائم كما تدوم أوراق النخلة فيها فهذا هو الصحيح في وجه التشبيه وقيل وجه التشبيه أنه اذا قطع رأسها ماتت بخلاف باقي الشجر وقيل لأنها لا تحمل حتى تلقح ولأنها تموت إذا غرقت أو فسد ما هو كالقلب لها أولان لطلعها رائحة المنى أو لأنها تعشق كالإنسان والأول هو الوجه لأن غيره من المشابهات لا يختص بالمسلم. قوله - ((ماهي)) - ما مبتدأ وهي خبره والجملة قائمة مقام المفعولين لفعل التحديث. قوله - ((البوادي)) -وفي بعض الروايات الواد بحذف الباء وهي لغة أي
стр. 234
قَالَ عَبْدُ اللَّهِ وَوَقَعَ فِى نَفْسِى أَنَّهَا النَّخْلَةُ، فَاسْتَحْيَيْتُ ثُمَّ قَالُوا حَدِّثْنَا مَا هِىَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ «هِىَ النَّخْلَةُ»
باب طَرْحِ الإِمَامِ الْمَسْأَلَةَ عَلَى أَصْحَابِهِ لِيَخْتَبِرَ مَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ.
٦١ - حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دِينَارٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِىِّ ﷺ قَالَ «إِنَّ مِنَ الشَّجَرِ شَجَرَةً لَا يَسْقُطُ وَرَقُهَا، وَإِنَّهَا
ــ
ذهبت أفكارهم إلى أشجار البوادي فكان كل انسان يفسرها بنوع من شجر البادية وذهلوا عن النخلة. قوله - ((قال عبدالله)) -ابن عمر ﵄ ((فاستحييت)) -أن أتكلم عند رسول الله ﷺ وعند أولئك الكبار هيبة منهم وتوقيرا لهم. قوله- ((حدثنا)) -بصيغة الأمر لكن لما لم يكن منهم علو ولا استعلاء ولا تساو أفاد السؤال وفيه أن سماع الشيخ منه وسماعه من الشيخ يصح فيهما إطلاق التحديث لقوله ﷺ لهم حدثوني ولقولهم لرسول الله ﷺ حدثنا وفي الحديث فوائد: منها استحباب القاء العالم المسئلة على أصحابه ليختبر أفهامهم ويرغبهم في الفكرة وفي ضرب الأمثال بالشجرة وغيره وفيه توقير الكبار وترك التكلم عندهم وفيه فضل النخل قيل انها خلقت من بقية طينة آدم ﵇ وهي كالعمة للأناسي. قال البخاري ﵁ ((باب طرح الامام المسئلة)) -قوله- ((ليختبر)) -أي ليمتحن. و - ((من)) -في من العلم بيانية. قوله- ((خالد بن مخلد)) -بفتح ميم واللام وسكون والخاء المنقطة وهو أبو الهيثم القطواني والقطوان بفتح الطاء موضع من الكوفة البجلي مولاهم توفي بها سنة ثلاث عشرة ومائتين روى البخاري عنه ثم روى عن ابن كرامة عنه قيل كان متشيعا. قوله - ((سليمان)) - هو ابن بلال أبو محمد ويقال أبو أيوب التيمي القرشي المدني مولى عبدالله ابن أبي عتيق واسمه محمد بن أبي بكر بن عبدالرحمن بن أبي بكر الصديق ﵁ كان بربريا جميلا حسن الهيئة عاقلا مفتيا ولي خراج المدينة توفي بها سنة اثنتين وسبعين ومائة في خلافة هارون وأما - ((عبدالله بن دينار)) -فقد تقدم. قوله - ((حدثوني)) -فان قلت ما الفرق بينه وبين ما تقدم في الحديث السابق بزيادة الفاء حيث قال فحدثوني وأيهما هو الأصل. قلت الأصل عدم الفاء إذ لا جهة جامعة بين
стр. 235
مَثَلُ الْمُسْلِمِ، حَدِّثُونِى مَا هِىَ». قَالَ فَوَقَعَ النَّاسُ فِى شَجَرِ الْبَوَادِى. قَالَ عَبْدُ اللَّهِ فَوَقَعَ فِى نَفْسِى أَنَّهَا النَّخْلَةُ، ثُمَّ قَالُوا حَدِّثْنَا مَا هِىَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ «هِىَ النَّخْلَةُ».
باب مَا جَاءَ فِى الْعِلْمِ ، وَقَوْلِهِ تَعَالَى (وَقُلْ رَبِّ زِدْنِى عِلْماً).الْقِرَاءَةُ وَالْعَرْضُ عَلَى الْمُحَدِّثِ. وَرَأَى الْحَسَنُ وَالثَّوْرِىُّ وَمَالِكٌ الْقِرَاءَةَ جَائِزَةً وَاحْتَجَّ
ــ
الجملتين تقتضي العطف فهذا وارد على أصله وأما الأول فهو فاء وقعت جوابا لشرط محذوف أي إن عرفتموها فحدثوني ومثله كثير ومنه ظهر الفرق. فان قلت فما فائدة إعادة هذا الحديث إذ لا تفاوت بينهما إلا بزيادة هذه الفاء وزيادة الالتماس من الرسول ﵇ بلفظ حدثنا. قلت أعاد لا لاستفادة الترجمة التي عقد الباب لها منه. فان قلت ما الفائدة في تغيير رجال الإسناد. قلت المقامات مختلفة فرواية قتيبة للبخاري إنما كانت في مقام بيان معنى التحديث ورواية خالد في مقام بيان طرح مسئلة فلهذا ذكر البخاري في كل موضع شيخه الذي روى الحديث له لذلك الأمر الذي روى لأجله مع ما فيه من التأكيد وغيره. قال البخاري ﵁ ((باب القراءة والعرض على المحدث)) - قوله- ((على المتحدث)) -متعلق بالقراءة والعرض كليهما فهو من باب تنازع العاملين على معمول واحد. فإن قلت ما يريد بهذا العرض إذا العرض على قسمين عرض قراءة وعرض مناولة. قلت عرض المناولة هو أي يجيء الطالب إلى الشيخ بكتاب فيعرضه عليه فيتأمله الشيخ وهو عارف متيقظ ثم يعيده إليه ويقول له وقفت على ما فيه وهو حديثي عن فلان فأجزت لك روايته عني ونحوه وهنا لا يريد به ذلك بل عرض القراءة بقرينة ما يذكر بعد الترجمة. فان قلت فعلى هذا التقدير لا يصح عطف العرض على القراءة لأنه نفسها قلت العرض تفسير للقراءة ومثله يسمى العطف التفسيري وجاز العطف لتغايرهما مفهوما وان اتحدا بحسب الذات وفائدته الإشعار بأنه جامع لهذين الاسمين. قوله - ((الحسن)) - أي البصري الانصاري التابعي غزا خراسان في عسكر كان فيه ثلثمائة من الصحابة وتقدم في باب المعاصي من أمر الجاهلية قوله- ((الثورى)) - أي سفيان أبو عبدالله الكوفي أحد المذاهب المتبوعة بالامصار صاحب المناقب القائم بالحق غير خائف في الله لومة لائم مر في باب علامة المنافق. قوله- ((مالك)) - هو الإمام المشهور بكل مكان مشكور بكل لسان. قوله - ((القراءة)) - أي على المحدث - ((جائزة)) - أي في صحة النقل عنه. فان
стр. 236
بَعْضُهُمْ فِى الْقِرَاءَةِ عَلَى الْعَالِمِ بِحَدِيثِ ضِمَامِ بْنِ ثَعْلَبَةَ قَالَ لِلنَّبِىِّ ﷺ آللَّهُ أَمَرَكَ أَنْ نُصَلِّىَ الصَّلَوَاتِ قَالَ «نَعَمْ». قَالَ فَهَذِهِ قِرَاءَةٌ عَلَى النَّبِىِّ ﷺ أَخْبَرَ ضِمَامٌ قَوْمَهُ بِذَلِكَ فَأَجَازُوهُ. وَاحْتَجَّ مَالِكٌ بِالصَّكِّ يُقْرَأُ عَلَى الْقَوْمِ فَيَقُولُونَ أَشْهَدَنَا فُلَانٌ. وَيُقْرَأُ ذَلِكَ قِرَاءَةً عَلَيْهِمْ، وَيُقْرَأُ عَلَى الْمُقْرِئِ فَيَقُولُ الْقَارِئُ أَقْرَأَنِى فُلَانٌ. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ
ــ
قلت وهل رأى الحسن الى آخره داخل في الترجمة. قلت الظاهر لا إلا أن يؤول الفعل الماضي بالمصدر فكأنه قال باب القراءة ورأى الحسن واحتجاج بعضهم. فان قلت فاذا لم يدخل في الترجمة فما حكمه قلت استئناف كلام ثم أسند ما روى معلقا عن الحسن بما نقل عن ابن سلام وما عن الثورى بما عن عبيدالله وما عن مالك بما سمع عن عاصم وصحح حديث ضمام بما روى عن عبدالله بن يوسف قوله - ((ضمام)) - بالضاء المعجمة المكسورة - ((ابن ثعلبة)) -بالمثلثة المفتوحة وبالموحدة أخو بني سعد بن بكر السعدي قدم على النبي ﷺ بعثه إليه بنو سعد فسأله عن الإسلام ثم رجع اليهم فأخبرهم به فأسلموا وقال ابن عباس ماسمعنا بوافد قط أفضل من ضمام بن ثعلبة. قوله- ((آلله أمرك)) - بطريق الاستفهام وبرفعه بأن يكون مبتدأ والجملة خبره والباء فيه وفي بعضها نصلى بالنون ومعناه أمرك أن تأمرنا بالصلاة. قوله - ((قال)) - أي البعض المحتج وهو الحسن والثوري ونحوهما. و - ((قراءة النبي)) -بإضافة القراءة الى المفعول وتقدير اللام أو على أي قراءة للنبي أو على النبي وفي بعض النسخ قراءة على النبي بتصريح كلمة الاستعلاء. قوله- ((فأجازوه)) - أي أجازه الرسول ﷺ وصحابته وأجاز قومه. فان قلت إجازة قومه لا حجة فيها لأنهم كفرة قلت يعني إجازتهم بعد الإسلام أو كان فيهم مسلمون يومئذ وفائدة ذكره الإشعار باعتبار القراءة على المحدث وجواز النقل بذلك إذ مجرد القراءة على الشيخ لا تدل على هذا المقصود. قوله - ((بالصك)) -بتشديد الكاف. الجوهري: الصك كتاب وهو فارسي معرب والجمع صكاك وصكوك. قوله - ((يقرأ)) - بضم الياء فيه وفيما بعده. و - ((فلان)) -منون منصرف وفي بعضها بعد فلان وانما ذلك قراءة عليهم قال ابن بطال هذه حجة قاطعة لأن الاشهاد أقوى حالات الاخبار. قوله- ((على المقرئ)) -أي معلم القرآن فيقول القارئ أي متعلم القرآن
стр. 237
الْوَاسِطِىُّ عَنْ عَوْفٍ عَنِ الْحَسَنِ قَالَ لَا بَاسَ بِالْقِرَاءَةِ عَلَى الْعَالِمِ. وَأَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ الْفِرَبْرِىُّ وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْبُخَارِىُّ قَالَ حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى عَنْ سُفْيَانَ قَالَ إِذَا قُرِئَ عَلَى الْمُحَدِّثِ فَلَا بَاسَ أَنْ يَقُولَ حَدَّثَنِى. قَالَ وَسَمِعْتُ أَبَا عَاصِمٍ يَقُولُ عَنْ مَالِكٍ وَسُفْيَانَ الْقِرَاءَةُ عَلَى الْعَالِمِ وَقِرَاءَتُهُ سَوَاءٌ.
٦٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ سَعِيدٍ هُوَ
ــ
سواء كان هو الذي قرأ على المقرئ أو غيره. قوله- ((محمد بن سلام)) -بتخفيف اللام على الأصح البخاري البيكندي مر في باب قول النبي ﷺ أن أعلمكم بالله تعالى. قوله - ((محمد بن الحسن)) -بن عمران المزني قاضي واسط. و - ((عوف)) -بفتح المهملة وبالفاء ابن أبي جميلة بالجيم المفتوحة البصري يعرف بالأعرابي ولم يكن أعرابيا وكان يقال له عوف الصديق مر في باب إتباع الجنائز من الإيمان. قوله- ((عن الحسن)) -أي البصري. و- ((لا بأس)) - أي في صحة النقل عن المحدث - ((بالقراءة على العالم)) - أي الشيخ ولفظ على العالم ليس لخبرا لقوله لا بأس بل هو متعلق بالقراءة. قوله - ((عبيدالله بن موسى)) -بن بازام العبسي بالعين المهملة وبالموحدة قيل لم ير ضاحكا قط سبق في أول كتاب الإيمان. قوله- ((فلا بأس)) -أي على القارئ أن يقول حدثني كما جاز أن يقول أخبرني فهو مشعر بأن لا تفاوت عنده بين حدثني وأخبرني وبين أن يقرأ على الشيخ أو يقرأ الشيخ. قوله- ((أبا عاصم)) - هو الضحاك بن مخلد بفتح الميم الشيباني البصري المشهور بالنبيل روى عنه البخاري بالواسطة وعير الواسطة قال البخاري سمعت أبا عاصم يقول مذ عقلت أن الغيبة حرام ما اغتبت أحدا قط مات بالبصرة سنة اثنتي عشرة ومائتين لقب بالنبيل لأنه قدم الفيل البصرة فذهب الناس ينظرون فقال له ابن جريج مالك لا تنظر فقال لا أجد منك عوضا فقال أنت نبيل أو لقب به لكبر أنفه أو لأنه يلازم زفر وكان حسن الحال في كسوته وكان أبو عاصم آخر رث الحال ملازما له أيضا فجاء النبيل إلى بابه يوما فقال الخادم لزفر أبو عاصم بالباب فقال له أيهما فقال ذاك النبيل وقيل لقبه المهدي - ((وسمعت)) -ليس فيه إشعار بأنه حدث له لجواز أنه حدث قاصدا لإسماع غير البخاري فسمع البخاري منه ولهذا قال بعضهم سمعت أحط مرتبة من حدثني وأخبرني. قوله - ((سواء)) -أي في صحة النقل وجواز الرواية إلا أن مالكا استحب
стр. 238
الْمَقْبُرِىُّ عَنْ شَرِيكِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِى نَمِرٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ بَيْنَمَا نَحْنُ جُلُوسٌ مَعَ النَّبِىِّ ﷺ فِى الْمَسْجِدِ، دَخَلَ رَجُلٌ عَلَى جَمَلٍ فَأَنَاخَهُ فِى الْمَسْجِدِ، ثُمَّ عَقَلَهُ، ثُمَّ قَالَ لَهُمْ أَيُّكُمْ مُحَمَّدٌ وَالنَّبِىُّ ﷺ
ــ
القراءة على العالم ذكر الدار القطني أنه لما قدم هرون المدينة سألوا منه أن يسمع الأمين والمأمون وبعثوا إليه فلم يحضر فبعث إليه أمين المؤمنين فقال العلم تؤتى أهله ويوقر فقال صدق سيروا إليه فساروا إليه فسألوه أن يقرأ هو عليهم فأبى وقال ان العلماء هذا البلد قالوا إنما يقرأ على العالم مثل ما يقرأ القرآن على المعلم وروى أنه أيضا قال العرض خير من السماع. قوله - ((عبدالله بن يوسف)) - أي أبو محمد التنيسي أصله من دمشق ونزل بتنيس وقال البخاري لقيته بمصر وكان من أثبت الشاميين ومنه سمع الموطأ. مر في أول كتاب بدء الوحي. قوله - ((الليث)) - هو ابن سعد ابن عبد الرحمن المصري الفهمي وكان أهل بيته يقولون نحن من الفرس من أهل أصبهان قال ابن بكير. الليث أفقه من مالك ولكن كانت الخطوة لمالك تقدم في الحديث الثاني من كتاب الوحي. قوله- ((سعيد المقبري)) - أي ابن أبي سعيد قدم الشام مرابطا وكان ثقة كثير الحديث لكنه كبر وبقى حتى اختلط قبل موته والمقبري في الأصل صفة لأبيه لأنه كان مجاورا للمقبرة بمدينة رسول ﷺ وقيل لأن منزله كان عند المقابر وقيل لأن عمر ﵁ جعله على حفر القبور وفي باء المقبري ثلاث لغات والكسر غريب ومر في باب الدين يسر. قوله- ((أبي نمر)) - بالنون المفتوحة والميم المكسورة و ((شريك)) هو أبو عبدالله القرشي المدني رجل مشهور من أهل الحديث حدث عنه الثقات توفي ببغداد سنة أربعين ومائة. قوله ((بينما)) - أصله بين فاتصلت به ما الزائدة. و - ((نحن)) - مبتدأ. و- ((جلوس)) -خبره قال النحاة وبينما وبينا مشبعة أو متصلة بما الزائدة المزيدة من الظروف الزمانية اللازمة للإضافة إلى الجملة ولكونهما ظرفين يتضمنان معنى المجازاة لابد لهما من جواب والعامل فيهما الجواب إذا كان مجردا من كلمة المفاجأة وإلا فمعنى المفاجأة. قوله - ((جلوس)) - جمع جالس كشهود وشاهد وللام - ((في المسجد)) - للعهد أي مسجد رسول ﷺ . و- ((جمل)) - زوج الناقة - ((فأناخه)) -أي أبكره قوله - ((عقله)) - الجوهري: قال الأصمعي عقلت البعير أعقله عقلا وهو أن يثني وظيفة مع ذراعه
стр. 239
مُتَّكِئٌ بَيْنَ ظَهْرَانَيْهِمْ. فَقُلْنَا هَذَا الرَّجُلُ الأَبْيَضُ الْمُتَّكِئُ. فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ ابْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَقَالَ لَهُ النَّبِىُّ ﷺ «قَدْ أَجَبْتُكَ». فَقَالَ الرَّجُلُ لِلنَّبِىِّ ﷺ إِنِّى سَائِلُكَ فَمُشَدِّدٌ عَلَيْكَ فِى الْمَسْأَلَةِ فَلَا تَجِدْ عَلَىَّ فِى نَفْسِكَ. فَقَالَ «سَلْ عَمَّا بَدَا لَكَ». فَقَالَ أَسْأَلُكَ بِرَبِّكَ وَرَبِّ مَنْ قَبْلَكَ، آللَّهُ أَرْسَلَكَ إِلَى النَّاسِ كُلِّهِمْ فَقَالَ «اللَّهُمَّ نَعَمْ». قَالَ أَنْشُدُكَ بِاللَّهِ، آللَّهُ أَمَرَكَ أَنْ نُصَلِّىَ الصَّلَوَاتِ
ــ
فيشدهما جميعا في وسط الذراع والوظيف هو مستدق الساق والذراع من الإبل. قوله- ((بين ظهرانيهم)) - بفتح الظاء والنون. قال في الفائق: يقال أقام فلان بين أظهر قومه وبين ظهرانيهم أي بينهم وإقحام لفظ الظهر ليدل على أن إقامتهم بينه على سبيل الاستظهار بهم والاستناد إليهم وكان معنى التثنية أن ظهر آمنهم قدامه وآخره ووراءه فهو مكنون في جانبيه. هذا أصله ثم كثر حتى استعمل في الإقامة بين القوم مطلقا وان لم يكن مكنوفا وأما الزيادة الألف والنون بعد التثنية فإنما هي للتأكيد كما يزاد في النسبة نحو نفساني في النسبة إلى نفس ونحوه. قوله - ((الأبيض)) - فإن قلت سيذكر في باب صفة النبي ﷺ أنه ليس بأبيض ولا آدم. قلت المراد أنه ليس بأبيض كلون الجص كريه المنظر وههنا أنه أبيض بياضا نيرا أزهر اللون وسيجيء إن شاء الله تعالى ثمة التوفيق بين الأحاديث الواردة فيه. قوله- ((فقال له رجل)) - أي المعهود بقوله دخل رجل. قوله - ((ابن عبدالمطلب)) - بفتح النون لأنه منادى مضاف وفي بعضها يا بن بذكر كلمة النداء. قوله - ((أجبتك)) - فإن قلت متى أجاب حتى أخبر عنها. قلت أجبت بمعنى سمعت أو المراد إنشاء الإجابة وإنما أجابه الرسول ﷺ بهذه العبارة لأنه أخل بما يجب من رعاية غاية التعظيم والأدب بإدخال الجمل في المسجد وخطابه بأيكم محمد وبابن عبدالمطلب. قوله - ((فلا تجد على)) - هو نهي معناه لا تغضب يقال وجد عليه موجدة في الغضب ووجد مطلوبه وجودا ووجد ضالته وجدانا ووجد في الحزن وجدا ووجد في المال حدة أي استغنى. فوجد مستعمل لخمسة معان من الموجدة والوجود والوجدان والوجد والجدة قوله - ((بدا لك)) - أي ظهر. و - ((آلله)) - بهمزة الاستفهام في المواضع الأربع. و - ((اللهم)) - أصله يا ألله
стр. 240
الْخَمْسَ فِى الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ قَالَ «اللَّهُمَّ نَعَمْ». قَالَ أَنْشُدُكَ بِاللَّهِ، آللَّهُ أَمَرَكَ أَنْ نَصُومَ هَذَا الشَّهْرَ مِنَ السَّنَةِ قَالَ «اللَّهُمَّ نَعَمْ». قَالَ أَنْشُدُكَ بِاللَّهِ، آللَّهُ أَمَرَكَ أَنْ تَاخُذَ هَذِهِ الصَّدَقَةَ مِنْ أَغْنِيَائِنَا فَتَقْسِمَهَا عَلَى فُقَرَائِنَا فَقَالَ النَّبِىُّ ﷺ «اللَّهُمَّ نَعَمْ». فَقَالَ الرَّجُلُ آمَنْتُ بِمَا جِئْتَ بِهِ، وَأَنَا رَسُولُ مَنْ وَرَائِى مِنْ قَوْمِى، وَأَنَا ضِمَامُ بْنُ ثَعْلَبَةَ أَخُو بَنِى سَعْدِ بْنِ بَكْرٍ. رَوَاهُ مُوسَى وَعَلِىُّ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ
ــ
فحذف حرف النداء وجعل الميم بدلا منه والجواب هو نعم وذكر لفظ اللهم لتبرك وكأنه استشهد بالله في ذلك تأكيدا لصدقه. قوله- ((أنشدك)) - بضم الشين معناه أسألك بالله. الجوهري: نشدت فلانا أنشده نشدا إذا قلت له نشدتك الله أي سألتك بالله كأنك ذكرته إياه فنشد أي تذكر, قوله- ((الصلوات الخمس)) - وفي بعضها الصلاة, فان قلت الصلاة مفرد فكيف يوصف بالخمس, قلت هي للجنس فيحتمل التعدد قوله - ((هذا الشهر)) -أي شهر رمضان- ((من السنة)) - أي من كل سنة إذ اللام للعموم, و- ((هذا الشهر)) - الإشارة فيه لنوع هذا الشهر لا لشخص ذلك الشهر بعينه, قوله - ((على فقرائنا)) - فإن قلت أصناف المصرف ثمانية لا تنحصر على الفقراء, قلت ذكرهم باعتبار أنهم أغلب من سائر الأصناف أو لأنه في مقابلة ذكر الأغنياء. قوله - ((آمنت)) - فان قلت من أين عرف حقيقة كلام الرسول ﷺ وصدق رسالته إذ لا معجزة فيما جرى من هذه القصة وهذه الأيمان لا تفيد إلا تأكيدا وتقريرا, قلت الرجل كان مؤمنا عارفا بنبوته عالما بمعجزته قبل الوفود ولهذا ما سأل إلا عن تعميم الرسالة إلى جميع الناس وعن شرائع الإسلام. فان قلت فلم ما ذكر الحج, قلت إما لأنه قبل فرضية الحج وإما لأنه لم يكن من أهل الاستطاعة له, قوله - ((من ورائي)) -بفتح الميم وجاز تنوين الرسول وكسر الميم و- ((من قومي)) - بيان له, قوله- ((وأنا ضمام)) - فائدة ذكره بيان شرف إيمانه لأنه من المشاهير أو لأن إيمانه سبب إيمان قومه وضم إليه أخو بني سعد تتميما لبيان شرفه, قوله - ((بني سعد)) - أي ابن بكر ابن هوازن وهم أظئار رسول الله ﷺ وفي العرب سعود القبائل شتى منها سعد تميم وسعد هديل وسعد قيس وسعد بكر هذا وفي المثل بكل واد بنو سعد, القاضي عياض: أن هذا الرجل لم يأت إلا بعد إسلامه وإنما جاء مستثبتا ومشافها للنبي ﷺ , قال الشيخ ابن الصلاح:
стр. 241
عَنْ سُلَيْمَانَ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِىِّ ﷺ بِهَذَا.
باب مَا يُذْكَرُ فِى الْمُنَاوَلَةِ وَكِتَابِ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْعِلْمِ إِلَى الْبُلْدَانِ. وَقَالَ:
ــ
وفيه دلالة لصحة ما ذهب إليه العلماء من أن العوام المقلدين مؤمنون وأنه يكتفي منهم بمجرد اعتقاد الحق جزما من غير شك وتزلزل خلافا للمنزلة وذلك أنه ﷺ قرر ضماما على ما اعتمد عليه في تعرف رسالته وصدقه وبمجرد إخباره إياه بذلك ولم ينكر عليه ولا قال له يجب عليك معرفة ذلك بالنظر في معجزاتي والاستدلال بالأدلة القطعية, قال ابن بطال: وفيه قبول خبر الواحد لأن قومه لم يقولوا له لا نقبل خبرك عن النبي ﷺ حتى يأتينا من طريق آخر وفيه جواز إدخال البعير في المسجد وهو دليل على طهارة أبوال الإبل وأروائها إذ لا يؤمن ذلك منه مدة كونه في المسجد وفيه جواز تسمية الأدون للأعلى على دون أن يكنيه إلا أنه نسخ في حق النبي ﷺ بقوله تعالى ((لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا)) وفيه جواز الاتكاء بين الناس في المجالس وأن يعرف الرجل بصفته من البياض والحمرة والطول والقصر ونحوه والاستحلاف على الخبر ليعلم اليقين قال وصدقه ضمام لأنه ﷺ كان معروفا في الجاهلية بالصدق في أحاديث الناس فلم يكن يذر الكذب على الناس ويكذب على الله تعالى كما قال هرقل لأبي سفيان مع أنه أكده بالتحليف وأقول ليس هو دليلا على طهارة أبوالها إذ ذاك كان مجرد احتمال نعم لو بال ولم يؤمر بغسله لكان دالا عليها وليس فيه جواز الاتكاء مطلقا بل لسيد القوم فقط وليس تصديق ضمام لما قاله إذ ذاك القدر لا يفيد إلا ظنا بل لابد في تصديق الرسول ﷺ من العلم بالمعجزة حتى يكون إيمانه قطعيا مجزوما به, قوله- ((موسى)) - هو ابن اسمعيل أبو سلمة المنقري التبوذكي البصري مر في كتاب كيف كان بدء الوحي وهو إن كان شيخا للبخاري لكن يحتمل هنا أن يروي عنه بالواسطة فيكون تعليقا وفائدة ذكره الاستشهاد به وتقوية ما تقدم, قوله- ((على ابن عبدالحميد)) - بن مصعب الأزدى المكي أبو الحسن الكوفي مات سنة إحدى أو اثنتين وعشرين ومائتين واستشهد به البخاري في هذا الحديث, قوله- ((سليمان)) - هو ابن المغيرة أبو سعد القيسي البصري مات سنة خمس وستين ومائة, قوله- ((ثابت)) - هو ابن أسلم بن محمد البناني العابد البصري وبنانة بضم الموحدة وبالنونين بطن من قريش, قال أنس: ان للخير أهلا وان ثابتا من مفاتح الخير مات سنة ثلاث وعشرين ومائة وهو من زهاد تابعي البصرة ومحدثيهم ورجاله من طريق موسى كلهم بصريون - ((باب ما يذكر في المناولة)) - اعلم أن المناولة من أقسام طرق تحمل
стр. 242
أَنَسٌ نَسَخَ عُثْمَانُ الْمَصَاحِفَ، فَبَعَثَ بِهَا إِلَى الآفَاقِ. وَرَأَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ
ــ
الحديث وتلقيه وهي على نوعين أحدهما المناولة المقرونة بالإجازة كما أن يرفع الشيخ إلى الطالب أصل سماعه مثلا ويقول هذا سماعي فأجزت لك روايته عني وهذه حالة محل السماع عند مالك والزهري ويحيى بن سعيد الأنصاري فيجوز إطلاق حدثنا وأخبرنا فيهما والصحيح أنه منحط عن درجته وعليه أكثر الأئمة وثانيهما المناولة المجردة عن الإجازة بأن يناوله أصل سماعه كما تقدم ولا يقول له أجزت لك الرواية عني ولهذا لا تجوز الرواية بها على الصحيح ومراد البخاري من باب القسم الأول, قوله- ((إلى البلدان)) - أي إلى أهل البلدان وهذا على سبيل المثال وإلا فالحكم عام بالنسبة إلى أهل القرى والصحاري وغيرهما, فان قلت كلمة الانتهاء لابد لها من متعلق فما متعلقه, قلت الكتاب وهو المصدر ولفظ الكتاب يحتمل عطفه على المناولة وعلى ما يذكر وأعلم أن المكاتبة أيضا من أقسام طرق نقل الحديث وهي أن يكتب الشيخ إلى الطالب شيئا من حديثه وهي أيضا نوعان المقترنة بالإجازة والمجردة عنها والأولى في الصحة والقوة شبيهة بالمناولة المقروءة بالإجازة وأما الثانية فالصحيح المشهور فيها أنه تجوز الرواية بها بأن تقول كتب إلى فلان قال حدثنا فلان بكذا وقال بعضهم بجواز حدثنا وأخبرنا فيها, قوله- ((أنس)) - هو ابن مالك خادم رسول الله ﷺ ومر مرارا, وأما - ((عثمان)) - فهو أمير المؤمنين أحد الخلفاء الراشدين ذو النورين أحد العشرة المبشرة ابن عفاف بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف يلتقي مع رسول الله ﷺ في الأب الرابع أسلم قديما وهاجر الهجرتين تزوج ابنتي الرسول ﷺ رقية وماتت ثم أم كلثوم روى له عن رسول الله ﷺ مائة حديث وستة وأربعون ذكر البخاري منها أحد عشر قتل يوم الجمعة لثمان عشرة خلون من ذي الحجة سنة خمس وثلاثين وهو ابن تسعين سنة ولى الخلافة ثنتي عشرة سنة وسيجيء بعض فضائله مع ما روى أنس في باب جمع القرآن أن حذيفة قدم على عثمان ﵁ وهو يغازي أهل الشام في فتح أرمينية وأذربيجان مع أهل العراق وقال حذيفة لعثمان يا أمير المؤمنين أدرك هذه الأمة قبل أن يختلفوا في الكتاب اختلاف اليهود والنصارى فأرسل عثمان إلى حفصة أن أرسلي إلينا بالمصحف فننسخها في المصاحف ثم نردها إليك فأرسلت بها حفصة إليه فأمر زيد بن ثابت وعبدالله بن زبير وسعيد بن العاصي وعبدالرحمن ابن حارث بن هشام فنسخوها في المصاحف وردها عثمان إلى حفصة وأرسل إلى كل أفق بمصحف مما نسخوا ﵃, قوله- ((عبدالله)) - ابن عمر بن الخطاب أبو عبد
стр. 243
وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ وَمَالِكٌ ذَلِكَ جَائِزًا. وَاحْتَجَّ بَعْضُ أَهْلِ الْحِجَازِ فِى الْمُنَاوَلَةِ بِحَدِيثِ النَّبِىِّ ﷺ حَيْثُ كَتَبَ لأَمِيرِ السَّرِيَّةِ كِتَاباً وَقَالَ «لَا تَقْرَاهُ حَتَّى تَبْلُغَ مَكَانَ كَذَا وَكَذَا». فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ الْمَكَانَ قَرَأَهُ عَلَى النَّاسِ، وَأَخْبَرَهُمْ بِأَمْرِ النَّبِىِّ ﷺ .
٦٣ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ حَدَّثَنِى إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ صَالِحٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَ بِكِتَابِهِ رَجُلاً، وَأَمَرَهُ أَنْ يَدْفَعَهُ إِلَى عَظِيمِ الْبَحْرَيْنِ، فَدَفَعَهُ
ــ
الرحمن القرشي العدوي المدني مات بها سنة إحدى وسبعين ومائة قال كنت أري الزهري يأتيه الرجل بالكتاب لم يقرأه عليه فيقول أرويه عنك فيقول نعم وقال ما أخذنا نحن ولا مالك عن الزهري الاعراضا. قوله (يحي) هو ابن سعيد الأنصاري. و (مالك) هو الإمام المشهور وتقدم مرارا. قوله (ذاك) أي المناولة والكتابة وتجوز الإشارة بذلك إلي المثني نحو (عوان بين ذلك) قوله (أهل الحجاز) وهي بلاد سميت بذلك لأنها حجزت بين نجد والغور وقال الشافعي هو مكة والمدينة واليمامة ومخاليفها أي قرأها كخبير للمدينة والطائف لمكة. قوله (بحديث النبي صلي الله عليه وسلم) وذكر الحديث علي سبيل التعليق. و (السرية) بتشديد الياء قطعة من الجيش. قوله (إسمعيل) المشهور بإسمعيل بن أبي أويس الأصبحي المدني مر في باب تطوع قيام رمضان، و (إبراهيم بن سعد) هو أبي إسحق سبط عبد الرحمن بن عوف المدني تقدم في باب تفاضل أهل الإيمان. و (صالح) هو ابن كيسان الغفاري المدني أبو محمد سبق في آخر قصة هو قل. و (ابن شهاب) هو الزهري وذكر في الحديث الثالث من الصحيح. و (عبيد الله) الإمام الجليل أحد الفقهاء السبعة وكان أعمي مر قبيل القصة الهرقلية ورجال هذا الإسناد كلهم
стр. 244
عَظِيمُ الْبَحْرَيْنِ إِلَى كِسْرَى، فَلَمَّا قَرَأَهُ مَزَّقَهُ. فَحَسِبْتُ أَنَّ ابْنَ الْمُسَيَّبِ قَالَ فَدَعَا عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُمَزَّقُوا كُلَّ مُمَزَّقٍ
٦٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ
ــ
مدنيون. قوله (بعث بكتابه رجلا) أي بعث رجلا متلبسا بكتابه مصاحبا له واسم هذا الرجل عبد الله بن حذافة السهمي و (البحرين) بلفظ التثنية علم بلد قريب من جرون وقيس ولم يقل إلي ملك البحرين إذ لا ملك ولا سلطنة للكفار إذ الكل لرسول الله صلي الله عليه وسلم ولمن ولاه والفاء في (فدفعه) عاطفة علي مقدر أي فذهب إلي عظيم البحرين فدفعه إليه ثم بعثه العظيم إلي كسري فدفعه إليه ويسمي مثله بالفاء الفصيحة. قوله (كسرى) بفتح الكاف وكسرها لقب لملوك الفرس وقيصر للروم والنجاشي للحبشة وخاقان للترك وفرعون للقبط والعزيز لمصر وتبع لحمير. الجوهري: هو معرب خسرو وجمعه أكاسرة علي غير قياس لأن قياسه كسرون بفتح الراء. قوله (فلما قرأه) أي قرأ كسري الكتاب (مزقه) إلي آخره وفرقه والذي مزق الكتاب من الأكاسرة هو برويز بن أنو شروان قوله (فحسبت) أي قال الزهري ظننت. و (سعيد بن المسيب) علي المشهور بفتح الياء أمام التابعين فقيه الفقهاء مر في باب الإيمان هو العمل. قوله: (فدعا) أي رسول الله صلي الله عليه وسلم (عليهم) أي علي كسري وأتباعه. دعا عليه إذا كان بالشر ودعا له إذا كان بالخير. قوله (كل ممزق) بفتح الزاي مصدر كالتمزيق ومنه قوله تعالي «مزقناهم كل ممزق» ومعناه أن يفوقوا كل نوع من التمزيق يقال في التاريخ أن ابنه شيرويه قتله بأن مزق بطنه ثم لم يلبث بعد قتله إلا ستة أشهر يقال برويز لما أيقن بالهلاك وكان مأخوذا عليه فتح خزانة الأدوية وكتب علي حفة السم الدواء النافع للجماع وكان ابنه مولعا بذلك فاحتال في هلاكه فلما قتل أباه فتح الخزانة فرأي الحفة فتناول منها فمات من ذلك السم ولم يقم لهم بعد الدعاء عليهم أمر نافذ بل أدبر عمهم الإقبال ومالت عنهم الدولة وأقبلت عليهم النحوس حتي انقرضوا عن آخرهم في خلافة عمر ﵁ حين توجيهه سعد بن أبي وقاص إلي العراق. فإن قلت الحديث كيف دل علي الترجمة. قلت وجه دلالته علي الجزء الثاني منها ظاهر وأما الجزء الأول فدل عليه الكتاب الذي ناول أمير السرية وفي الحديث مكاتبة الكفار ودعائهم إلي الإسلام وجواز العمل بالكتاب وخبر الواحد وجواز الدعاء عليهم حين أساءوا الأدب وأهانوا الدين. قال ابن بطال: فيه أن الرجل الواحد يجزي في حمل كتاب الحاكم إلي الحاكم وليس فيه شرط أن يحمله شاهدان كما يصنع القضاة اليوم وإنما حملوا علي شاهدين لما داخل الناس من الفساد فاحتبط لتحصين الدماء والفروج والأموال
стр. 245
بْنُ مُقَاتِلٍ أَبُو الْحَسَنِ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ قَالَ أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ كَتَبَ النَّبِىُّ ﷺ كِتَاباً - أَوْ أَرَادَ أَنْ يَكْتُبَ - فَقِيلَ لَهُ إِنَّهُمْ لَا يَقْرَءُونَ كِتَاباً إِلَاّ مَخْتُوماً. فَاتَّخَذَ خَاتَماً مِنْ فِضَّةٍ نَقْشُهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ. كَأَنِّى أَنْظُرُ إِلَى بَيَاضِهِ فِى يَدِهِ. فَقُلْتُ لِقَتَادَةَ مَنْ قَالَ نَقْشُهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ قَالَ أَنَسٌ
ــ
بشاهدين. قوله (محمد بن مقاتل) بصيغة الفاعل من المقاتلة بالقاف وبالمثناة الفوقانية المروزي نزل بغداد وانتقل بآخره إلي مكة وجاور بها حتي مات سنة ست وعشرين ومائتين. قوله (عبد الله) أي ابن المبارك بن واضح الحنظلي أبو عبد الرحمن المروزي فضائله كثيرة مر في كتاب الوحي. قوله (قتادة) أي ابن دعامة أب الخطاب السدوي البصري وكان أكمه وقال ابن المسيب له ما كنت أظن أن الله تعالي خلق مثلك مر في باب من الإيمان أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه. قوله (كتابا) أي إلي العجم أو إلي الروم وقد جاء الروايتان صريحتين بهما في كتاب اللباس. قوله (أو أراد) لفظ أو شك من انس. و (إنهم) أي الروم أو العجم والسياق يدل عليه وكانوا لا يقرءون إلا المختوم خوفا من كشف أسرارهم وإشعارا بأن الأحوال المعروضة عليهم ينبغي أن تكون مما لا يطلع عليها غيرهم. قوله (خاتما) فيه لغات والمشهور منها أربعة فتح التاء وكسرها وخاتام وخيتام بفتح الخاء. قوله (نقشه) مبتدأ ومحمد رسول الله جملة خبرية. فإن قلت أين العائد في الجملة إلي المبتذأ. قلت إذا كان الخبر عين المبتدأ لا حاجة إلي العائد هو في تقدير المفرد أي الكلمة مثلا كأنه قال نقشه هذه الكلمة وإعراب أمثاله يكون بحسب المنقول عنه لا بحسب المنقول إليه. قوله (في يده) إما حال عن البياض أو عن المضاف إليه أي الخاتم كأني أنظر إلي بياض الخاتم حالة كون الخاتم في يد رسول الله صلي الله عليه وسلم. فإن قلت الخاتم ليس في اليد بل في الأصبع. قلت أطلق الكل وأراد الجزء. فإن قلت الأصبع في الخاتم لا الخاتم في الأصبع. قلت هو من باب القلب نحو عرضت الناقة علي الحوض. قوله (فقلت)
стр. 246
باب من قعدَ حيث ينتهي بهِ المجلِسُ ومن رأى فرجة في الحلقة.
٦٥ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ حَدَّثَنِى مَالِكٌ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِى طَلْحَةَ أَنَّ أَبَا مُرَّةَ مَوْلَى عَقِيلِ بْنِ أَبِى طَالِبٍ أَخْبَرَهُ عَنْ أَبِى وَاقِدٍ اللَّيْثِىِّ أَنَّ
ــ
أي قال شعبة لقتادة وفي الحديث جواز ختم الكتاب واتخاذ الخاتم واستعمال الفضة للرجال عند التختم ونقش الخاتم ونقش اسم صاحب الخاتم ونقش اسم الله تعالي فيه بل فيه كونه مندوبا وفيه أيضا جواز الكتابة بل ندبيتها إلى الكفار. فإن قلت كان رسول الله صلي الله عليه وسلم أميا فكيف قال كتب بإسناد الكتابة إليه. قلت أن قلنا الأمي من لا يحسن الكتابة لا من لا يعرف الكتابة أصلا فهو ظاهر وقد نقل أن النبي صلي الله عليه وسلم كتب بيده وسيجيء إن شاء الله تعالي في كتاب الجهاد وإن قلت الأمي من لا يعرف الكتابة فيحتمل أن يكون هذا الإسناد حقيقة بأن تصدر هذه الكتابة منه خارقة للعادة علي سبيل الإعجاز وأن يكون مجازا عن الأمر بالكتابة. فأن قلت المجاز لابد له من قرينة فما هي. قلت القرينة العقلية وهي كونه أميا غير عارف بالكتابة أو القرينة العادية إذ العرف أن السلطان لا يكتب الكتاب بنفسه (باب من قعد حيث ينتهي به المجلس) قوله (فرجة) بضم الفاء فعلة بمعني المفعول كالقبضة بمعني المقبوض وإنما قال (في الحلقة) ولم يقل في المجلس ليطابق ما في الباب من ذكر الحلقة. فإن قلت لم قال أولا بلفظ المجلس قلت للإشعار بأن حكمهما فيما نحن فيه واحد. قوله (إسمعيل) أي ابن عبد الله الأصبحي بفتح الهمزة والموحدة وبالحاء المهملة المشهور باسمعيل بن أبي أويس ابن أخت مالك بن أنس الإمام مر في باب تطوع قيام رمضان. قوله (اسحق بن عبد الله بن أبي طلحة) ابن سهل الأنصاري البخاري المدني التابعي كان مالك لا يقدم عليه أحد في الحديث مات في سنة اثنتين وثلاثين ومائة قال البخاري يقال أنه بقي باليمامة إلي زمن بني هاشم وكان أول دولتهم سنة اثنتين وثلاثين ومائة. قوله (أبا مرة) بضم الميم وبالراء المشددة اسمه يزيد وهو مولي أم هانئ لكنه كان يلزم عقيلا فنسب إليه وكان شيخا قديما. قوله (عقيل) بفتح العين وهو أسن من علي ﵄ بعشرين سنة وهما أخوان من الأب والأم شهد بدرا مع المشركين مكرها واسر يومئذ ثم أسلم قبل الحديبية وكان من أعلم قريش بأيامها وأنسابها وبمثالبها ومناقبها وترك عليا ولحق بمعاوية ومات بعد ما عمي في دولته. قوله (أبي واقد)
стр. 247
رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَيْنَمَا هُوَ جَالِسٌ فِى الْمَسْجِدِ وَالنَّاسُ مَعَهُ، إِذْ أَقْبَلَ ثَلَاثَةُ نَفَرٍ، فَأَقْبَلَ اثْنَانِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَذَهَبَ وَاحِدٌ، قَالَ فَوَقَفَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَمَّا أَحَدُهُمَا فَرَأَى فُرْجَةً فِى الْحَلْقَةِ فَجَلَسَ فِيهَا، وَأَمَّا الآخَرُ فَجَلَسَ خَلْفَهُمْ، وَأَمَّا الثَّالِثُ فَأَدْبَرَ ذَاهِباً، فَلَمَّا
ــ
بالقاف المكسورة وبالدال المهملة (الليثي) بالمثناة التحتانية ثم المثلثة اسمه الحارث المدني شهد بدرا وروي له عن النبي صلي الله عليه وسلم أربعة وعشرون حديثا ذكر منها هذا الحديث. قال المقدسي في الكمال: روي له الجماعة إلا البخاري وهذا سهو منه جاور بمكة سنة ومات بها في ثمان وستين من الهجرة ودفن بمقبرة المهاجرين. قوله (بينما هو جالس) فإن قلت تقدم أن بينما أصله بين زيدت فيه لفظ ما وهو من الظروف التي لزمت إضافتها إلي الجملة فما تلك الجملة هنا. قلت (جالس) هو خبر مبتدأ محذوف أي هو جالس فهذه هي الجملة وجاء في بعض الروايات مصرحا بها والعامل هنا في بين معني المفاجأة المستفادة من لفظه إذ أقبل. قوله (ثلاثة نفر) الجوهري: النفر بالتحريك عدة رجال من الثلاثة إلي العشرة. فإن قلت فعلي هذا التقدير أقل ما يفهم منه ههنا تسعة رجال لأن أقل النفر ثلاثة لكنه ليس كذلك إذ لم يكن المقبلون إلا رجالا ثلاثة. قلت معناه ثلاثة هي نفر كأن النفر هو بيان للثلاثة أو المراد من النفر معناه العرفي إذ هو بحسب العرف يطلق علي الرجل فكأنه قال ثلاثة رجال. فإن قلت مميز الثلاثة لا بد أن يكون جمعا والنفر ليس بجمع. قلت النفر اسم جمع في وجوهه تمييزا كالجمع نحو قوله تعالي «تسعة رهط» الكشاف: إنما جاز تمييز التسعة بالرهط لأنه في معني الجماعة فكأنه قيل تسعة أنفس والفرق بين الرهط والنفر أن الرهط من الثلاثة إلي العشرة أم من السبعة إلي العشرة والنفر من الثلاثة إلي التسعة ولا يخفي مخالفته لما في الصحيح. قوله (فأقبل اثنان) فإن قلت قال أولا أقبل ثلاثة ثم قال فأقبل اثنان والحال لا يخلوا من أن يكون المقبل اثنين أو ثلاثة فما معناه. قلت المراد من الإقبال أولا الإقبال إلي المجلس أو إلي جهتهم وثانيا الإقبال إلي رسول الله صلي الله عليه وسلم أو المراد فأقبل من تلك الثلاثة اثنان. قوله (وأما الثالث فأدبر ذاهبا) فأن قلت فهل هذا مكرر لما قال متقدما وذهب واحد. قلت علم
стр. 248
فَرَغَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ «أَلَا أُخْبِرُكُمْ عَنِ النَّفَرِ الثَّلَاثَةِ أَمَّا أَحَدُهُمْ فَأَوَى إِلَى اللَّهِ، فَآوَاهُ اللَّهُ، وَأَمَّا الآخَرُ فَاسْتَحْيَا، فَاسْتَحْيَا اللَّهُ مِنْهُ، وَأَمَّا الآخَرُ فَأَعْرَضَ، فَأَعْرَضَ اللَّهُ عَنْهُ»
ــ
من ذكره أولا أنه لم يقبل إلي رسول الله صلي الله عليه وسلم ومن ذكره ثانيا أنه أدبر مستمرا في ذهابه ولم يرجع. قوله: (فلما فرغ) رسول الله صلي الله عليه وسلم أي عما كان مشتغلا به من الخطبة أو تعليم العلم أو الذكر ونحوه. قوله (قال ألا أخبركم) ألا حرف التنبيه سواء فيه ما كان المخاطب به مفردا أو مثني أو مجموعا ويحتمل أن تكون الهمزة للاستفهام لا للنفي في وفي الكلام طي كأنهم قالوا أخبرنا فقال (أما أحدهم) قوله (فأوي إلي الله) بالهمزة المقصورة (فآواه الله) بالممدودة والمقصورة. قال الجوهري: أوي فلان إلي منزله يأوي أويا علي فعول وآويته إيواء وأويته إذا أنزلته بك فعلت وأفعلت بمعني واعلم أن الإيواء وهو الإنزال عندك لا يتصور في حق الله تعالي وكذلك الاستحياء لأنه تغير وانكسار يعتري الإنسان من خوف ما يغم به وكذا الإعراض لأنه التفات إلي جهة أخري فهي مجازاة عن لوازمها كازادة إيصال الخير اللازمة للإيواء وترك العقاب للإستحياء والإذلال للأعراض ونحو ذلك والقاعدة الكلية في هذه الإطلاقات التي لا يمكن حملها علي ظواهرها أن يراد بها غاياتها ولوازمها. فإن قلت ما العلاقة بين المعني الحقيقي والمعني المجازي. قلت اللزوم. فإن قلت ما القرينة الصارفة عن إرادة الحقيقة. قلت العقل إذ لا يتصور عقلا صدورها عن الله تعالي. فإن قلت ما الفائدة في العدول عن الحقيقة إليه. قلت فوائد كثيرة كبيان الشيء بطريق عقلي وزيادة توضيح وكتحسين اللفظ. فإن قلت هذا من أي نوع من المجاز. قلت من باب المشاكلة فإن قلت هذه الأفعال الثلاثة أخبار أو دعاء. قلت جاز اعتبار الأمرين لكن الأول أظهر ويحتمل أن يكون أيضا من باب التشبيه أي يفعل الله تعالي كما يفعل المؤوي والمستحي والمعرض. الكشاف: فأن قلت كيف جاز وصف القديم بالإستحياء، قلت هو جائز علي سبيل التمثيل مثل تركه بترك من يترك شيئا حياء منه. فأن قلت ما وجه مناسبة هذا الباب بكتاب العلم. قلت من جهة أن المراد بالحلقة حلقة العلم وفي الحديث أن السنة الجلوس علي وضع الحلقة وللداخل أن يجلس حيث ينتهي إليه المجلس وأن لا يزاحم الجلاس إن لم يجد فرجة وأن الإعراض عن مجلس العلم مذموم وهذا محمول علي من ذهب ممرضا لا لعذر وضرورة. قال ابن بطال: فيه أن من جلس إلي حلقة علم أنه في كنف الله وإيوائه وهو ممن تضع له
стр. 249
باب قَوْلِ النَّبِىِّ ﷺ «رُبَّ مُبَلَّغٍ أَوْعَى مِنْ سَامِعٍ»
٦٦ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ حَدَّثَنَا ابْنُ عَوْنٍ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ
ــ
الملائكة أجنحتها وكذلك يجب علي العالم أن يؤوي المتعلم لقوله فآواه الله وفيه أن من قصد العلم ومجالسه فاستحيا من قصده أن الله تعالي يستحي منه فلان فلا يعذبه وأما الحياء المذموم في العلم فهو الذي يبعث علي ترك التعلم وأن من أعرض عنها فإن الله تعالي يعرض عنه ومن أعرض الله عنه فقد تعرض لسخطه. النووي (الفرجة) بضم الفاء وفتحها لفتان وهو الخلل بين الشيئين. و (الحلقة) هي بإسكان اللام وحكي الجوهري فتحها وأما لفظ الآخر فقد زعم بعضهم أنه لا يستعمل إلا في الأخير خاصة والحديث صريح في الرد عليه حيث استعمل فيه في الثاني أيضا وهو في الوسط (باب قول النبي صلي الله عليه وسلم رب مبلغ أوعي من سامع) قوله (رب) هو للتقليل لكنه كثر في الإستعمال للتكثير بحيث غلب علي الحقيقة كأنها صارت حقيقة فيه. و (مبلغ) بفتح اللام أي مبلغ إليه فحذف الجار والمجرور كما يقال المشترك وبرادبه المشترك فيه. و (أوعي) أفعل التفضيل من الوعي وهو الحفظ وقع صفة لمبلغ. و (سامع) أي سامع للنبي ولا بد من هذا القيد لأن المقصود ذلك ومن خصائص رب أنها لا تدخل إلا علي نكرة ظاهرة أو مضمرة فالظاهرة يلزمها أن تكون موصوفة بمفرد أو جملة منها أن الفعل الذي تسلطه علي الإسم يجب تأخره عنها لأنها لإنشاء التقليل ولها صدر الكلام وفعله يجيء محذوفا في الأكثر ومنها أن فعلها يجب أن يكون ماضيا وفعله ههنا محذوف وهو نحو كان أو علمت ووجدت ولقيت وفيها لغات عشر الراء مضمومة والباء مخففة أو مشددة مفتوحة أو مضمومة أو مسكنة والراء مفتوحة والباء مشددة أو مخففة وربت بتاء التأنيث والباء شديدة أو خفيفة وهي حرف عند البصريين اسم عند الكوفيين وهذا الحديث رواه معلقا وهو إما معني الحديث الذي ذكره بعد الإسناد فهو من باب نقل الحديث بالمعني وإما أنه ثبت عنده بهذا اللفظ من طريق آخر. قوله (مسدد) بالمهملتين المفتوحتين وشدة الدال الأسدي البصري تقدم في باب الإيمان أن يحب لأخيه وقيل فيه إنه كالدينار وقيل في ذكر آبائه أنه رقبة العقرب. قوله (بشر) بكسر الموحدة والشين المعجمة ابن المفضل ابن لاحق أبو إسمعيل البصري ثقة كثير الحديث يصلي كل يوم أربعمائة ركعة وكان عثمانيا مات سنة ست وثمانين ومائة. قوله (ابن عون) أي عبد الله بن عون بالعين المهملة المفتوحة وبالنون ابن بطال أربطان بفتح الهمزة وسكون الراء وفتح الطاء المهملة وتخفيف الباء الموحدة والنون البصري
стр. 250
عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِى بَكْرَةَ عَنْ أَبِيهِ ذَكَرَ النَّبِىَّ ﷺ قَعَدَ عَلَى بَعِيرِهِ، وَأَمْسَكَ إِنْسَانٌ بِخِطَامِهِ أَوْ بِزِمَامِهِ قَالَ «أَىُّ يَوْمٍ هَذَا» فَسَكَتْنَا حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ سِوَى اسْمِهِ. قَالَ «أَلَيْسَ يَوْمَ النَّحْرِ» قُلْنَا بَلَى قَالَ «فَأَىُّ شَهْرٍ هَذَا». فَسَكَتْنَا
ــ
التابعي رأي أنس بن مالك قال أبو الأحوص كان ابن عون في زمانه يسعي سيد القراء وقال خارجة صحبت ابن عون أربعا وعشرين سنة فما أعلم أن الملائكة كتبت عليه خطيئة وقال هشام هو أصدق البشر في زمانه مات سنة خمس ومائة. قوله (ابن سيرين) هو محمد أبو بكر الأنصاري مولاهم البصري التابعي أدرك ثلاثين صحابيا وهو لا يجوز نقل الحديث بالمعني مر في باب اتباع الجنائز قوله (عبد الرحمن بن أبي بكرة) أبو بحر بالموحدة المفتوحة وبالمهملتين أول مولود ولد في الإسلام بالبصرة مات سنة ست وتسعين. قوله (عن أبيه) أي عن أبي بكرة نفيع بضم النون وفتح الفاء ابن الحارث بن كلدة بالكاف واللام والدال المهملة المفتوحات الثقفي الصحابي وأنه تدلي إلي النبي صلي الله عليه وسلم ببكرة من حصن الطائف فكناه رسول الله صلي الله عليه وسلم بأبي بكرة وأعتقه مات بالبصرة سنة احدي وخمسين تقدم في باب المعاصي من أمر الجاهلية ورجال الإسناد كلهم بصريون. قوله (قعد علي بعيره) وذلك كان بمعني في يوم النحر في حجة الوداع. قوله (أبو بزمامه) شك من الراوي. الجوهري: الخطام الزمام وقال الزمام الخيط الذي تشد فيه البرة ثم يشد في طرفه المقود وقد يسمي المقود زماما وزممت البعيد خطمته قال والبرة حلقة من صفر تجعل في لحم أنف البعير وقال الأصمعي تجعل في أحد جاني المنخرين. قوله (سيسميه) فيه إشارة إلي تفويض الأمور بالكلية إلي الشارع والانعزال عما ألفهوه من المتعارف المشهور. قوله (أعراضكم) جمع عرض بكسر العين موضع المدح والذم من الإنسان سواء كان في نفسه أو سلفه وحيث كان المدح نسبة الشخص إلي الأخلاق الحميدة والذم نسبة إلي الأخلاق الرديئة قال من قال العرض الخلق إطلاقا لاسم اللازم علي الملزوم وقيل العرض الحسب أي لا يجوز القدح في العرض كالغيبة وذلك كالقتل في الدماء والغصب في الأموال وإنما شبهها في الحرمة باليوم وبالشهر وبالبلد أيضا في بعض الروايات لأنهم لا يرون استباحة تلك الأشياء للحرمة ولتقريرها في أنفسهم ليبني عليه ما أراد تقريره علي سبيل تأكيد الحرمة وتشديدها
следующие страницы →