← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13605

الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري

الكرماني، شمس الدين

Полный текст (5 685 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

باب من قعدَ حيث ينتهي بهِ المجلِسُ ومن رأى فرجة في الحلقة. ٦٥ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ حَدَّثَنِى مَالِكٌ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِى طَلْحَةَ أَنَّ أَبَا مُرَّةَ مَوْلَى عَقِيلِ بْنِ أَبِى طَالِبٍ أَخْبَرَهُ عَنْ أَبِى وَاقِدٍ اللَّيْثِىِّ أَنَّ ــ أي قال شعبة لقتادة وفي الحديث جواز ختم الكتاب واتخاذ الخاتم واستعمال الفضة للرجال عند التختم ونقش الخاتم ونقش اسم صاحب الخاتم ونقش اسم الله تعالي فيه بل فيه كونه مندوبا وفيه أيضا جواز الكتابة بل ندبيتها إلى الكفار. فإن قلت كان رسول الله صلي الله عليه وسلم أميا فكيف قال كتب بإسناد الكتابة إليه. قلت أن قلنا الأمي من لا يحسن الكتابة لا من لا يعرف الكتابة أصلا فهو ظاهر وقد نقل أن النبي صلي الله عليه وسلم كتب بيده وسيجيء إن شاء الله تعالي في كتاب الجهاد وإن قلت الأمي من لا يعرف الكتابة فيحتمل أن يكون هذا الإسناد حقيقة بأن تصدر هذه الكتابة منه خارقة للعادة علي سبيل الإعجاز وأن يكون مجازا عن الأمر بالكتابة. فأن قلت المجاز لابد له من قرينة فما هي. قلت القرينة العقلية وهي كونه أميا غير عارف بالكتابة أو القرينة العادية إذ العرف أن السلطان لا يكتب الكتاب بنفسه (باب من قعد حيث ينتهي به المجلس) قوله (فرجة) بضم الفاء فعلة بمعني المفعول كالقبضة بمعني المقبوض وإنما قال (في الحلقة) ولم يقل في المجلس ليطابق ما في الباب من ذكر الحلقة. فإن قلت لم قال أولا بلفظ المجلس قلت للإشعار بأن حكمهما فيما نحن فيه واحد. قوله (إسمعيل) أي ابن عبد الله الأصبحي بفتح الهمزة والموحدة وبالحاء المهملة المشهور باسمعيل بن أبي أويس ابن أخت مالك بن أنس الإمام مر في باب تطوع قيام رمضان. قوله (اسحق بن عبد الله بن أبي طلحة) ابن سهل الأنصاري البخاري المدني التابعي كان مالك لا يقدم عليه أحد في الحديث مات في سنة اثنتين وثلاثين ومائة قال البخاري يقال أنه بقي باليمامة إلي زمن بني هاشم وكان أول دولتهم سنة اثنتين وثلاثين ومائة. قوله (أبا مرة) بضم الميم وبالراء المشددة اسمه يزيد وهو مولي أم هانئ لكنه كان يلزم عقيلا فنسب إليه وكان شيخا قديما. قوله (عقيل) بفتح العين وهو أسن من علي ﵄ بعشرين سنة وهما أخوان من الأب والأم شهد بدرا مع المشركين مكرها واسر يومئذ ثم أسلم قبل الحديبية وكان من أعلم قريش بأيامها وأنسابها وبمثالبها ومناقبها وترك عليا ولحق بمعاوية ومات بعد ما عمي في دولته. قوله (أبي واقد)

стр. 247

رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَيْنَمَا هُوَ جَالِسٌ فِى الْمَسْجِدِ وَالنَّاسُ مَعَهُ، إِذْ أَقْبَلَ ثَلَاثَةُ نَفَرٍ، فَأَقْبَلَ اثْنَانِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَذَهَبَ وَاحِدٌ، قَالَ فَوَقَفَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَمَّا أَحَدُهُمَا فَرَأَى فُرْجَةً فِى الْحَلْقَةِ فَجَلَسَ فِيهَا، وَأَمَّا الآخَرُ فَجَلَسَ خَلْفَهُمْ، وَأَمَّا الثَّالِثُ فَأَدْبَرَ ذَاهِباً، فَلَمَّا ــ بالقاف المكسورة وبالدال المهملة (الليثي) بالمثناة التحتانية ثم المثلثة اسمه الحارث المدني شهد بدرا وروي له عن النبي صلي الله عليه وسلم أربعة وعشرون حديثا ذكر منها هذا الحديث. قال المقدسي في الكمال: روي له الجماعة إلا البخاري وهذا سهو منه جاور بمكة سنة ومات بها في ثمان وستين من الهجرة ودفن بمقبرة المهاجرين. قوله (بينما هو جالس) فإن قلت تقدم أن بينما أصله بين زيدت فيه لفظ ما وهو من الظروف التي لزمت إضافتها إلي الجملة فما تلك الجملة هنا. قلت (جالس) هو خبر مبتدأ محذوف أي هو جالس فهذه هي الجملة وجاء في بعض الروايات مصرحا بها والعامل هنا في بين معني المفاجأة المستفادة من لفظه إذ أقبل. قوله (ثلاثة نفر) الجوهري: النفر بالتحريك عدة رجال من الثلاثة إلي العشرة. فإن قلت فعلي هذا التقدير أقل ما يفهم منه ههنا تسعة رجال لأن أقل النفر ثلاثة لكنه ليس كذلك إذ لم يكن المقبلون إلا رجالا ثلاثة. قلت معناه ثلاثة هي نفر كأن النفر هو بيان للثلاثة أو المراد من النفر معناه العرفي إذ هو بحسب العرف يطلق علي الرجل فكأنه قال ثلاثة رجال. فإن قلت مميز الثلاثة لا بد أن يكون جمعا والنفر ليس بجمع. قلت النفر اسم جمع في وجوهه تمييزا كالجمع نحو قوله تعالي «تسعة رهط» الكشاف: إنما جاز تمييز التسعة بالرهط لأنه في معني الجماعة فكأنه قيل تسعة أنفس والفرق بين الرهط والنفر أن الرهط من الثلاثة إلي العشرة أم من السبعة إلي العشرة والنفر من الثلاثة إلي التسعة ولا يخفي مخالفته لما في الصحيح. قوله (فأقبل اثنان) فإن قلت قال أولا أقبل ثلاثة ثم قال فأقبل اثنان والحال لا يخلوا من أن يكون المقبل اثنين أو ثلاثة فما معناه. قلت المراد من الإقبال أولا الإقبال إلي المجلس أو إلي جهتهم وثانيا الإقبال إلي رسول الله صلي الله عليه وسلم أو المراد فأقبل من تلك الثلاثة اثنان. قوله (وأما الثالث فأدبر ذاهبا) فأن قلت فهل هذا مكرر لما قال متقدما وذهب واحد. قلت علم

стр. 248

فَرَغَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ «أَلَا أُخْبِرُكُمْ عَنِ النَّفَرِ الثَّلَاثَةِ أَمَّا أَحَدُهُمْ فَأَوَى إِلَى اللَّهِ، فَآوَاهُ اللَّهُ، وَأَمَّا الآخَرُ فَاسْتَحْيَا، فَاسْتَحْيَا اللَّهُ مِنْهُ، وَأَمَّا الآخَرُ فَأَعْرَضَ، فَأَعْرَضَ اللَّهُ عَنْهُ» ــ من ذكره أولا أنه لم يقبل إلي رسول الله صلي الله عليه وسلم ومن ذكره ثانيا أنه أدبر مستمرا في ذهابه ولم يرجع. قوله: (فلما فرغ) رسول الله صلي الله عليه وسلم أي عما كان مشتغلا به من الخطبة أو تعليم العلم أو الذكر ونحوه. قوله (قال ألا أخبركم) ألا حرف التنبيه سواء فيه ما كان المخاطب به مفردا أو مثني أو مجموعا ويحتمل أن تكون الهمزة للاستفهام لا للنفي في وفي الكلام طي كأنهم قالوا أخبرنا فقال (أما أحدهم) قوله (فأوي إلي الله) بالهمزة المقصورة (فآواه الله) بالممدودة والمقصورة. قال الجوهري: أوي فلان إلي منزله يأوي أويا علي فعول وآويته إيواء وأويته إذا أنزلته بك فعلت وأفعلت بمعني واعلم أن الإيواء وهو الإنزال عندك لا يتصور في حق الله تعالي وكذلك الاستحياء لأنه تغير وانكسار يعتري الإنسان من خوف ما يغم به وكذا الإعراض لأنه التفات إلي جهة أخري فهي مجازاة عن لوازمها كازادة إيصال الخير اللازمة للإيواء وترك العقاب للإستحياء والإذلال للأعراض ونحو ذلك والقاعدة الكلية في هذه الإطلاقات التي لا يمكن حملها علي ظواهرها أن يراد بها غاياتها ولوازمها. فإن قلت ما العلاقة بين المعني الحقيقي والمعني المجازي. قلت اللزوم. فإن قلت ما القرينة الصارفة عن إرادة الحقيقة. قلت العقل إذ لا يتصور عقلا صدورها عن الله تعالي. فإن قلت ما الفائدة في العدول عن الحقيقة إليه. قلت فوائد كثيرة كبيان الشيء بطريق عقلي وزيادة توضيح وكتحسين اللفظ. فإن قلت هذا من أي نوع من المجاز. قلت من باب المشاكلة فإن قلت هذه الأفعال الثلاثة أخبار أو دعاء. قلت جاز اعتبار الأمرين لكن الأول أظهر ويحتمل أن يكون أيضا من باب التشبيه أي يفعل الله تعالي كما يفعل المؤوي والمستحي والمعرض. الكشاف: فأن قلت كيف جاز وصف القديم بالإستحياء، قلت هو جائز علي سبيل التمثيل مثل تركه بترك من يترك شيئا حياء منه. فأن قلت ما وجه مناسبة هذا الباب بكتاب العلم. قلت من جهة أن المراد بالحلقة حلقة العلم وفي الحديث أن السنة الجلوس علي وضع الحلقة وللداخل أن يجلس حيث ينتهي إليه المجلس وأن لا يزاحم الجلاس إن لم يجد فرجة وأن الإعراض عن مجلس العلم مذموم وهذا محمول علي من ذهب ممرضا لا لعذر وضرورة. قال ابن بطال: فيه أن من جلس إلي حلقة علم أنه في كنف الله وإيوائه وهو ممن تضع له

стр. 249

باب قَوْلِ النَّبِىِّ ﷺ «رُبَّ مُبَلَّغٍ أَوْعَى مِنْ سَامِعٍ» ٦٦ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ حَدَّثَنَا ابْنُ عَوْنٍ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ ــ الملائكة أجنحتها وكذلك يجب علي العالم أن يؤوي المتعلم لقوله فآواه الله وفيه أن من قصد العلم ومجالسه فاستحيا من قصده أن الله تعالي يستحي منه فلان فلا يعذبه وأما الحياء المذموم في العلم فهو الذي يبعث علي ترك التعلم وأن من أعرض عنها فإن الله تعالي يعرض عنه ومن أعرض الله عنه فقد تعرض لسخطه. النووي (الفرجة) بضم الفاء وفتحها لفتان وهو الخلل بين الشيئين. و (الحلقة) هي بإسكان اللام وحكي الجوهري فتحها وأما لفظ الآخر فقد زعم بعضهم أنه لا يستعمل إلا في الأخير خاصة والحديث صريح في الرد عليه حيث استعمل فيه في الثاني أيضا وهو في الوسط (باب قول النبي صلي الله عليه وسلم رب مبلغ أوعي من سامع) قوله (رب) هو للتقليل لكنه كثر في الإستعمال للتكثير بحيث غلب علي الحقيقة كأنها صارت حقيقة فيه. و (مبلغ) بفتح اللام أي مبلغ إليه فحذف الجار والمجرور كما يقال المشترك وبرادبه المشترك فيه. و (أوعي) أفعل التفضيل من الوعي وهو الحفظ وقع صفة لمبلغ. و (سامع) أي سامع للنبي ولا بد من هذا القيد لأن المقصود ذلك ومن خصائص رب أنها لا تدخل إلا علي نكرة ظاهرة أو مضمرة فالظاهرة يلزمها أن تكون موصوفة بمفرد أو جملة منها أن الفعل الذي تسلطه علي الإسم يجب تأخره عنها لأنها لإنشاء التقليل ولها صدر الكلام وفعله يجيء محذوفا في الأكثر ومنها أن فعلها يجب أن يكون ماضيا وفعله ههنا محذوف وهو نحو كان أو علمت ووجدت ولقيت وفيها لغات عشر الراء مضمومة والباء مخففة أو مشددة مفتوحة أو مضمومة أو مسكنة والراء مفتوحة والباء مشددة أو مخففة وربت بتاء التأنيث والباء شديدة أو خفيفة وهي حرف عند البصريين اسم عند الكوفيين وهذا الحديث رواه معلقا وهو إما معني الحديث الذي ذكره بعد الإسناد فهو من باب نقل الحديث بالمعني وإما أنه ثبت عنده بهذا اللفظ من طريق آخر. قوله (مسدد) بالمهملتين المفتوحتين وشدة الدال الأسدي البصري تقدم في باب الإيمان أن يحب لأخيه وقيل فيه إنه كالدينار وقيل في ذكر آبائه أنه رقبة العقرب. قوله (بشر) بكسر الموحدة والشين المعجمة ابن المفضل ابن لاحق أبو إسمعيل البصري ثقة كثير الحديث يصلي كل يوم أربعمائة ركعة وكان عثمانيا مات سنة ست وثمانين ومائة. قوله (ابن عون) أي عبد الله بن عون بالعين المهملة المفتوحة وبالنون ابن بطال أربطان بفتح الهمزة وسكون الراء وفتح الطاء المهملة وتخفيف الباء الموحدة والنون البصري

стр. 250

عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِى بَكْرَةَ عَنْ أَبِيهِ ذَكَرَ النَّبِىَّ ﷺ قَعَدَ عَلَى بَعِيرِهِ، وَأَمْسَكَ إِنْسَانٌ بِخِطَامِهِ أَوْ بِزِمَامِهِ قَالَ «أَىُّ يَوْمٍ هَذَا» فَسَكَتْنَا حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ سِوَى اسْمِهِ. قَالَ «أَلَيْسَ يَوْمَ النَّحْرِ» قُلْنَا بَلَى قَالَ «فَأَىُّ شَهْرٍ هَذَا». فَسَكَتْنَا ــ التابعي رأي أنس بن مالك قال أبو الأحوص كان ابن عون في زمانه يسعي سيد القراء وقال خارجة صحبت ابن عون أربعا وعشرين سنة فما أعلم أن الملائكة كتبت عليه خطيئة وقال هشام هو أصدق البشر في زمانه مات سنة خمس ومائة. قوله (ابن سيرين) هو محمد أبو بكر الأنصاري مولاهم البصري التابعي أدرك ثلاثين صحابيا وهو لا يجوز نقل الحديث بالمعني مر في باب اتباع الجنائز قوله (عبد الرحمن بن أبي بكرة) أبو بحر بالموحدة المفتوحة وبالمهملتين أول مولود ولد في الإسلام بالبصرة مات سنة ست وتسعين. قوله (عن أبيه) أي عن أبي بكرة نفيع بضم النون وفتح الفاء ابن الحارث بن كلدة بالكاف واللام والدال المهملة المفتوحات الثقفي الصحابي وأنه تدلي إلي النبي صلي الله عليه وسلم ببكرة من حصن الطائف فكناه رسول الله صلي الله عليه وسلم بأبي بكرة وأعتقه مات بالبصرة سنة احدي وخمسين تقدم في باب المعاصي من أمر الجاهلية ورجال الإسناد كلهم بصريون. قوله (قعد علي بعيره) وذلك كان بمعني في يوم النحر في حجة الوداع. قوله (أبو بزمامه) شك من الراوي. الجوهري: الخطام الزمام وقال الزمام الخيط الذي تشد فيه البرة ثم يشد في طرفه المقود وقد يسمي المقود زماما وزممت البعيد خطمته قال والبرة حلقة من صفر تجعل في لحم أنف البعير وقال الأصمعي تجعل في أحد جاني المنخرين. قوله (سيسميه) فيه إشارة إلي تفويض الأمور بالكلية إلي الشارع والانعزال عما ألفهوه من المتعارف المشهور. قوله (أعراضكم) جمع عرض بكسر العين موضع المدح والذم من الإنسان سواء كان في نفسه أو سلفه وحيث كان المدح نسبة الشخص إلي الأخلاق الحميدة والذم نسبة إلي الأخلاق الرديئة قال من قال العرض الخلق إطلاقا لاسم اللازم علي الملزوم وقيل العرض الحسب أي لا يجوز القدح في العرض كالغيبة وذلك كالقتل في الدماء والغصب في الأموال وإنما شبهها في الحرمة باليوم وبالشهر وبالبلد أيضا في بعض الروايات لأنهم لا يرون استباحة تلك الأشياء للحرمة ولتقريرها في أنفسهم ليبني عليه ما أراد تقريره علي سبيل تأكيد الحرمة وتشديدها

стр. 251

حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ. فَقَالَ «أَلَيْسَ بِذِى الْحِجَّةِ». قُلْنَا بَلَى. قَالَ «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ بَيْنَكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِى شَهْرِكُمْ هَذَا، فِى بَلَدِكُمْ هَذَا. لِيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ، فَإِنَّ الشَّاهِدَ عَسَى أَنْ يُبَلِّغَ مَنْ هُوَ أَوْعَى لَهُ مِنْهُ». باب الْعِلْمُ قَبْلَ الْقَوْلِ وَالْعَمَلِ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى (فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَاّ ــ النووي: في هذا التشبيه دليل علي استحباب ضرب الأمثال وإلحاق النظير بالنظير قياسا. قوله (ليبلغ الشاهد) أي الحاضر في المجلس الغائب عنه وهو علي صيغة الأمر فالغين مكسورة وظاهر الأمر الوجوب فعلم منه أن التبليغ واجب والمراد منه إما تبليغ المذكور وهو أن دماءكم إلي آخره وإما تبليغ جميع أحكام الشريعة والغائب مفعول ليبلغ والظاهر أن إلي فيه مقدر أي إلي الغائب. قوله (منه) صلة لأفعال التفضيل. فإن قلت صلته كالمضاف إليه فكيف جاز الفصل بينهما بلفظ له، قلت جاز لأن في الظرف سعة كما جاز الفصل بين المضاف والمضاف إليه به. قال الشاعر: فرشني بخير لا أكونن ومد حتي كناحت يوما صخرة بعسيل وقد يفصل أيضا بينهما بغير الظرف إذا لم يكن أجنبيا من كل وجه. قال ابن بطال ناقلا عن المهلب كما هو قاعدته في النقل عنه: فيه من الفقه أن العالم واجب عليه تبليغ العلم لمن لم يبلغه ويبينه لمن لا يفهمه وهو الميثاق الذي أخذه الله تعالي علي العلماء «لتبيينه للناس ولا تكتمونه» وفيه أنه قد يأتي في آخر الزمان من يكون له من الفهم في العلم ما ليس لمن تقدمه إلا أن ذلك يكون في الأقل لأن رب موضوعة للتقليل وعسي موضوعة للإطماع وليست لتحقيق الشيء وفيه أن حامل الحديث يجوز أن يؤخذ عنه وإن كان جاهلا بمعناه وهو مأجور في تبليغه محسوب في زمرة العلماء وفيه أن ما كان حراما يجب علي العالم أن يؤكد حرمته ويغلظ عليه بأبلغ ما يجد كما فعل النبي صلي الله عليه وسلم في التشبيهات وفيه جواز القعود علي ظهور الدواب إذا احتيج إلي ذلك وإنما خطب علي البعير ليسمع الناس وإنما أمسك إنسان بخطامه ليتفرغ للحديث ولا يشتغل بإمساكه (باب العلم قبل القول والعمل) يعني أن الشيء يعلم أولا ثم يقال ويعمل به فالعلم مقدم عليهما بالذات وكذا مقدم عليهما بالشرف لأنه عمل القلب وهو أشرف أعضاء البدن. قال ابن بطال: العمل لا يكون إلا مقصودا به

стр. 252

اللَّهُ) فَبَدَأَ بِالْعِلْمِ، وَأَنَّ الْعُلَمَاءَ هُمْ وَرَثَةُ الأَنْبِيَاءِ - وَرَّثُوا الْعِلْمَ - مَنْ أَخَذَهُ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ، وَمَنْ سَلَكَ طَرِيقاً يَطْلُبُ بِهِ عِلْماً سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ طَرِيقاً إِلَى الْجَنَّةِ. وَقَالَ جَلَّ ذِكْرُهُ (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ) وَقَالَ (وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَاّ الْعَالِمُونَ) (وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِى أَصْحَابِ السَّعِيرِ). وَقَالَ (هَلْ يَسْتَوِى الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ). وَقَالَ النَّبِىُّ ﷺ «مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْراً يُفَقِّهْهُ فِى الدِّينِ، وَإِنَّمَا الْعِلْمُ بِالتَّعَلُّمِ». وَقَالَ أَبُو ذَرٍّ لَوْ وَضَعْتُمُ الصَّمْصَامَةَ ــ معني متقدما وذلك المعني هو علم ما وعد الله عليه من الثواب. قوله (فبدأ بالعلم) حيث قال «فاعلم أنه لا اله إلا الله واستغفر لذنبك» والاستغفار إشارة إلي القول: والعمل ويعلم من الآية أن التوحيد مما يجب العلم به ولا يجوز فيه التقليد ومذهب أكثر المتكلمين أن إيمان المقلد في أصول الدين غير صحيح وقال محيي السنة: يجب علي كل مكلف معرفة علم الأصول ولا يسمع فيه التقليد لظهور دلائله قوله (أن العلماء) بفتح أن وروي بكسرها علي تقدير باب هذه الجملة أو علي سبيل الحكاية قوله (ورثوا) بفتح الواو وتشديد الراء المفتوحة والمكسورة وبفتح الواو وكسر الراء المخففة (أخذ) أي من ميراث النبوة (بحظ وافر) أي كثير كامل. قوله (علما) إنما نكر ليتناول أنواع العلوم الدينية ليندرج فيه القليل والكثير. و (سهل الله له) أي في الآخرة أو المراد وفقه الله تعالي للأعمال الصالحة فيوصله بها إلي الجنة أو سهل عليه ما يزيد به علمه لأنه أيضا من طرق الجنة بل أقربها ومن لفظ وأن العلماء إلي ههنا ثبت عن النبي صلي الله عليه وسلم وذكره البخاري تعليقا لأنه ليس بشرطه قوله (أو نعقل) أي نعلم وحذف مفعول نعقل لأنه كالفعل اللازم فمعناه لو كنا من العلماء لما كنا من أهل النار. قوله: (يفقه) أي يفهمه إذ الفقه الفهم ويحتمل أن يراد به المعني الاصطلاحي أي الفهم للأحكام الشرعية العملية المكتسب من أدلتها التفصيلية وفي بعض الروايات يفهمه. قوله (بالتعلم) وفي بعضها بالتعليم أي ليس العلم المعتبر إلا المأخوذ من الأنبياء وورثتهم علي سبيل

стр. 253

عَلَى هَذِهِ وَأَشَارَ إِلَى قَفَاهُ ثُمَّ ظَنَنْتُ أَنِّى أُنْفِذُ كَلِمَةً سَمِعْتُهَا مِنَ النَّبِىِّ ﷺ قَبْلَ أَنْ تُجِيزُوا عَلَىَّ لأَنْفَذْتُهَاوَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ (كُونُوا رَبَّانِيِّينَ) حُكَمَاءَ فُقَهَاءَ. وَيُقَالُ الرَّبَّانِىُّ الَّذِى يُرَبِّى النَّاسَ بِصِغَارِ الْعِلْمِ قَبْلَ كِبَارِهِ ــ التعلم والتعليم فيفهم منه أن العلم لا يطلق إلا علي علم الشريعة ولهذا لو أوصي رجل للعلماء لا يصرف إلا علي أصحاب الحديث والتفسير والفقه وهذا يحتمل أن يكون من كلام البخاري. قوله (أبو ذر) بتشديد الراء هو الصحابي الجليل جندب بن جنادة بضم الجيم فيهما القرشي الغفاري اسم وهو رابع أربعة وحديث إسلامه وإقامته عند زمزم مشهور يروي مائتي حديث وواحدا وثمانين. روي البخاري عنه أربعة عشر حديثا ومر ذكره في باب المعاصي من أمر الجاهلية. قوله (الصمصامة) الجوهري: الصمصام والصمصامة السيف الصارم الذي لا ينثني و (هذه) هي إشارة إلي القفا والقفا مؤخر العنق يذكر ويؤنث. و (أنفذ) بضم الهمزة والدال المنقطة أي ظننت أني أقدر علي إنفاذ كلمة أي تبليغها. و (تجيزوا) أي الصمصامة (علي) أي علي قفاي فإن قلت لو لامتناع الثاني لا امتناع الأول علي المشهور فمعناه انتفاء الإنفاذ لانتفاء الوضع وليس المعني عليه. قلت هو مثل لم لم يخف الله لم يعصه يعني يكون الحكم ثابتا علي تقدير النقيض بالطريق الأولي فالمراد أن الإنفاذ حاصل علي تقدير الوضع فعلي تقدير عدم الوضع حصوله أولي أو أن لو ههنا لمجرد الشرطية يعني حكما حكم أن من غير أن يلاحظ الامتناع وفيه بيان لفضيلة التعلم والتعليم. قوله (ربانيين) منسوب إلي الرب وأصله ربيون فزيد الألف والنون للتوكيد والمبالغة في النسبة وسموا ربانيين لأنهم منسوبون إلي الرب تعالي كأنهم لإخلاصهم أنفسهم لله تعالي وشدة قلقهم بربهم لا ينسون إلا إلي الرب أو لأنهم يربون العلم أي يقومون به يقال لكل من قام بإصلاح شيء وإتمامه قد ربه يربه. قوله: (حكماء) جمع حكيم والحكمة صحة القول والعقد والفعل وقيل الحكمة الفقه في الدين وقيل الحكمة معرفة الأشياء علي ما هي. و (الفقهاء) جمع الفقيه والفقه الفهم لغة والعلم بالأحكام الشرعية العملية اصطلاحا وفي بعضها حلماء جمع حليم باللام والحلم هو الطمأنينة عند الغضب وفي بعضها علماء وهو من باب ذكر الخاص بعد العام والظاهر أن حلماء فقهاء تفسير للربننيين. قوله (لصغار العلم قبل كباره) أي بجزئياته قبل كلياته وبفروعه قبل أصوله أو بمقدماته قبل مقاصده ولفظ ويقال هو من

стр. 254

باب مَا كَانَ النَّبِىُّ ﷺ يَتَخَوَّلُهُمْ بِالْمَوْعِظَةِ وَالْعِلْمِ كَىْ لَا يَنْفِرُوا. ٦٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ قَالَ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ أَبِى وَائِلٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ كَانَ النَّبِىُّ ﷺ يَتَخَوَّلُنَا ــ كلام البخاري لا من كلام ابن عباس ﵁. فإن قلت هذا كله هو الترجمة فأين ما هذه ترجمته. قلت إما أنه أراد أن يلحق الأحاديث المناسبة إليها فلم يتفق له وإما أنه للإشعار بأنه لم يثبت عنده بشرطه ما يناسبها وإما أنه اكتفي بما ذكره تعليقا لأن المقصود من الباب بيان فضيلة العلم ويعلم ذلك من المذكور آية وحديثا وإجماعا سكوتيا من الصحابة بحيث انتهي إلي حد علم الضرورة فلم يحتج إلي الزيادة أو لسبب آخر والله أعلم. روي في شرح السنة عن أبي الدرداء أنه قال سمعت رسول الله صلي الله عليه وسلم يقول «من سلك طريق علم سهل الله له طريقا من طرق الجنة وأن العلماء هم ورثة الأنبياء أن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما وإنما ورثوا العلم فمن أخذ به فقد أخذ بحظ وافر» قال وهذا غريب لا يعرف إلا من حديث عاصم بن رجاء قال ابن بطال وإنما أراد أبو ذرية وله الحث علي العلم والإغتباط بفضله حين سهل عليه قتل نفسه في جنب ما يرجو من ثواب نشره وفيه من الفقه أنه يجوز للعالم أن يأخذ في الأمر بالمعروف بالشدة ويحتسب ما يصيبه في ذلك علي الله تعالي (باب ما كان النبي صلي الله عليه وسلم يتخولهم بالموعظة) قوله (يتخولهم) بالخاء المعجمة أي يتعهدهم والتخول التعهد والموعظة النصح والتذكير بالعواقب وعطف العلم علي الموعظة من باب عطف العام علي الخاص عكس وملائكته وجبريل. قوله (كيلا ينفروا) أي كيلا يميلوا عنه ويتباعدوا منه. قوله (محمد بن يوسف) هو أبو أحمد البيكندي بالموحدة المكسورة والمثناة الساكنة التحتانية والكاف المفتوحة والنون الساكنة والدال المهملة وهي قرية من قري بخاري. قوله (سفيان) أي ابن عيينة الهلالي. سكن مكة ومات بها وفي سين سفيان ثلاثة أوجه والمشهور ضمها مرّ في أول حديث من الكتاب. قوله (الأعمش) هو الإمام أبو محمد سليمان بن مهران بكسر الميم الأسدي الكاهلي الكوفي التابعي تقدم في باب ظلم دون ظلم. قوله (أبي وائل) هو شقيق بفتح الشين ابن سلمة الكوفي أدرك زمن النبي صلي الله عليه وسلم ولم يره وهو من أجل أصحاب ابن مسعود ﵃ وسبق في باب خوف المؤمن أن يحيط عمله. قوله (كان النبي صلي الله عليه وسلم يتخولنا) فإن

стр. 255

بِالْمَوْعِظَةِ فِى الأَيَّامِ، كَرَاهَةَ السَّآمَةِ عَلَيْنَا ٦٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ قَالَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ حَدَّثَنِى أَبُو التَّيَّاحِ عَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِىِّ ــ قلت كان لثبوت خبرها ماضيا ويتخولنا إما حال أو استقبال فما وجه الجمع بينهما. قلت كان قد يراد به الاستمرار وكذا الفعل المضارع واجتماعهما يفيد شمول الأزمنة. قال الأصوليون: قولهم كان حاتم يكرم الضيف يفيد تكرار الفعل في الأزمان وأما يتخولنا فهو بالخاء المنقطة وباللام وكان أبو عمرو يقول إنما هو يتخوننا والتخون التعهد وقد رد علي الأعمش روايته باللام وكان الأصمعي يقول ظلمه أبو عمرو ويقال يتخولنا ويتخوننا جميعا وزعم بعضهم أن الصواب بتحولها بالحاء المهملة وهو أن يتفقد أحوالهم التي ينشطون فيها للموعظة فيعظم فيها ولا يكثر عليهم فيملوا ومن الناس من يرويه كذلك لكن الرواية في الصحيح بالإعجام. التيمي: تخون فلان فلانا إذا تعهده وحفظه وكأنه اجتنب فيه الخيانة التي هي إخلال بالحفظ. قوله (السآمة) مثل الملالة بناء ومعني. فإن قلت يقال سئمت من الشيء مستعملا بمن فأين صلته. قلت محذوف تقديره من الموعظة. فإن قلت هل يصح أن يكون المراد من السآمة سآمة رسول الله صلي الله عليه وسلم من القول. قلت لا ويدل عليه السياق. فإن قلت بم يتعلق لفظ علينا. قلت أما بالسآمة بتضمين معني المشقة فيها أي كراهة المشقة علينا أو بتقدير الصفة أو الحال أي السآمة الطارئة علينا أو طارئة علينا وإما بمحذوف أي شفقة علينا إذ المقصود بيان رفقه ﵊ بالأمة وشفقته عليهم ليأخذوا منه بنشاط وحرص لا عن ضجر وملال الخطابي: معني يتعهدنا أي يراعي الأوقات في وعظنا ويتحري منها ما يكون مظنة للقبول ولا يفعله كل يوم لئلا نسأم والحائل القيم والوكيل المتعهد بالمال ومثله المتخون. قال ابن السكيت: معني يتخولنا يصلحنا ويقوم علينا ومنه قولهم خال المال يخوله إذا أحسن القيام عليه. قوله (محمد بن بشار) بالموحدة المفتوحة والشين المعجمة الشديدة ابن عثمان العبدي البصري يكني أبا بكر ولقب ببندار واشتهر لأنه كان بندارا في الحديث جمع حديث بلده والبندار بضم الموحدة وسكون النون وبالمهملة وبالراء الحافظ روي عنه أصحاب الأصول الستة مات سنة ثنتين وخمسين ومائتين. قوله (يحي بن سعيد) أي القطان الأحول أبو سعيد التميمي البصري كان يقف بين يديه الإمام أحمد ويحي بن معين وعلي ابن المديني يسألونه عن الحديث وهم قيام علي أرجلهم لا يجلسون هيبة له وإعظاما مر في باب من الإيمان

стр. 256

صلى الله عليه وسلم قَالَ «يَسِّرُوا وَلَا تُعَسِّرُوا، وَبَشِّرُوا وَلَا تُنَفِّرُوا». بابٌ من جعل لأهل العلم أياَمًا معلومة ٦٩ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِى ــ أن يحب لأخيه. قوله (شعبة) هو أبو بسطام ابن الحجاج الواسطي ثم البصري. تقدم في باب المسلم من سلم المسلمون. قوله (أبو التياح) بالمثناة الفوقانية ثم التحتانية المشددة والحاء المهملة هو يزيد ابن حميد الضبعي بضم المعجمة وفتح الموحدة وبالعين المهملة البصري مات سنة ثمان وعشرين ومائة ورجال هذا الإسناد كلهم بصريون. قوله (يسروا) من اليسر نقيض العسر. فإن قلت الأمر بالشيء نهي عن ضده فما الفائدة في (ولا تعسروا) قلت لا نسلم ذلك ولو سلمنا فالغرض التصريح بما لزم ضمنا للتأكيد. قوله: (وبشروا) من البشارة أي الإخبار بالخبر نقيض الإنذار أي الإخبار بالشر. فإن قلت المناسب أن يقال بدله ولا تنذروا لأن الإنذار نقيض التبشير لا التنفير. قلت المقصود من الإنذار التنفير فصرح بما هو مقصود منه وهذا الحديث من جوامع الكلم لاشتماله علي خير الدنيا والآخرة لأن الدنيا دار الأعمال والآخرة دار الجزاء فأمر صلي الله عليه وسلم فيما يتعلق بالدنيا بالتسهيل وفيما يتعلق بالآخرة بالوعد بالخير والإخبار بالسرور وتحقيقا لكونه رحمة للعالمين في الدارين النووي: إنما جمع في الحديث بين الشيء وضده لأنه قد فعلهما في وقتين فلو اقتصر علي يسروا لصدق ذلك علي من يسر مرة أو مرات وعسر في معظم الحالات فإذا قال لا تعسروا انتفى التعسير في جميع الأحوال وفي الحديث الأمر بالتبشير بفضل الله وسعة رحمته والنهي عن التفكير بذكر التخويف أي من غير ضمه إلي التبشير وفيه تأليف من قرب إسلامه وترك التشديد عليه وكذا من تاب عن المعاصي بتلطف بهم ويدرجون في أنواع الطاعة قليلا قليلا وقد كانت أمور الإسلام في التكليف علي التدريج فمتي يسرت علي الداخل في الطاعة والمزيد للدخول فيها سهل الدخول وكانت عاقبته غالبا التزايد منها ومتي عسرت عليه أوشك أن لا يدخل فيها (باب من جعل لأهل العلم أياما معلومة) وفي بعض النسخ معلومات وفي بعضها يوما معلوما. قوله (عثمان) أي ابن محمد بن إبراهيم الكوفي أبو الحسن العبسي بالموحدة ابن أبي شيبة بفتح الشين المنقوطة كتب الكثير وصنف المسند والتفسير. قال أبو حاتم: سمعت رجلا يسأل محمد بن عبد الله ابن ثمر عن عثمان بن أبي شيبة فقال. محمد لا يسأل عنه إنما يسأل عنا مات سنة تسع وثلاثين

стр. 257

شَيْبَةَ قَالَ حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ أَبِى وَائِلٍ قَالَ كَانَ عَبْدُ اللَّهِ يُذَكِّرُ النَّاسَ فِى كُلِّ خَمِيسٍ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ لَوَدِدْتُ أَنَّكَ ذَكَّرْتَنَا كُلَّ يَوْمٍ. قَالَ أَمَا إِنَّهُ يَمْنَعُنِى مِنْ ذَلِكَ أَنِّى أَكْرَهُ أَنْ أُمِلَّكُمْ، وَإِنِّى أَتَخَوَّلُكُمْ بِالْمَوْعِظَةِ كَمَا كَانَ النَّبِىُّ ﷺ يَتَخَوَّلُنَا بِهَا، مَخَافَةَ السَّآمَةِ عَلَيْنَا. باب مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِى الدِّينِ ٧٠ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ ــ ومائتين. قوله (جرير) بالجيم المفتوحة وبالراء المكررة ابن عبد الحميد أبو عبد الله الضي الرازي المولد الكوفي المنشأ مات بالري سنة سبع وثمانين ومائة. قوله (منصور) هو ابن المعتمر أبو عتاب بفتح العين المهملة وبالمثناة الفوقانية الشديدة الكوفي كان يبكي الليل فإذا أصبح اكتحل وادهن وبرق شفتيه وقد عمش من كثرة البكاء وأخذه يوسف بن عمر عامل الكوفة يريده علي القضاء فامتنع فجيء بالقيد ليقيده وجاءه خصمان فقعدا بين يديه فلم يسألهما ولم يكلمهما فقيل ليوسف إنك لو نثرت لحمه لم يل لك القضاء فخلي عنه ومات بعد السودان بقليل وجاء السودان سنة إحدى وثلاثين ومائة. قوله (أبي وائل) بالهمز بعد الألف وهو شقيق المذكور آنفا. و (عبد الله) هو ابن مسعود الصحابي الجليل المشهور ورجاله كوفيون. قوله (يا أبا عبد الرحمن) هو كنية عبد الله كني باسم ولده عبد الرحمن وحذف الألف من الأب جائز تخفيفا. و (لوددت) اللام فيه جواب قسم محذوف أي والله لوددت. و (أما) هو من حروف التنبيه والضمير في (أنه) للشأن وفاعل (بمعني) أني أكره أي بمعني كراهة الإملال والهمزة في أبي في الأول مفتوحة وفي الثاني مكسورة ولفظ (علينا) يحتمل تعلقها بالخافة أي خوفا علينا. قال ابن بطال وفيه ما كان الصحابة عليه ﵃ من الإقتداء بالنبي صلي الله عليه وسلم والمحافظة علي استعمال سنته علي حسب معاينتهم لها وتجنب مخالفته لعلمهم بما في موافقته من عظيم الأجر وما في مخالفته بعكس ذلك (باب من يرد الله به خيرا يفقه في الدين) اعلم أن مثله يسمي مرسلا عند طائفة. والحق وعليه الأكثرون أنه إذا ذكر الحديث مثلا ثم وصل به إسناده يكون مسندا لا مرسلا. قوله (سعيد بن عفير) بضم المهملة وبالفاء المفتوحة والمثناة التحتانية والراء

стр. 258

قَالَ حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ عَنْ يُونُسَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ قَالَ حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ سَمِعْتُ مُعَاوِيَةَ خَطِيباً يَقُولُ سَمِعْتُ النَّبِىَّ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ يُرِدِ ــ سعيد بن كثير بن عفير الأنصاري مولاهم أبو عثمان المصري كان من أعلم الناس بالأنساب والتواريخ أديبا فصيحا حاضر الحجة لا تمل مجالسته ولا ينزف عليه وكان بلي نقابة الأنصار والقسم عليهم بمصر مات سنة تسع وعشرين ومائتين. قوله (ابن وهب) أي عبد الله بن وهب بن مسلم المصري أبو القرشي روي أن مالكا لم يكتب إلي أحد وعنونه بالفقيه إلا إليه قال إني نذرت أني كلما اغتبت إنسانا أصوم يوما فأجهدني وفي رواية فهان علي كنت أغتاب وأصوم فنذرت كلما اغتبت أتصدق بدرهم فمن حب الدرهم تركت الغيبة وقرئ عليه كتاب أهوال القيامة فخر مغشيا عليه فلم يتكلم بكلمة حتي مات بعد أيام توفي بمصر سنة سبع وتسعين ومائة. قوله (يونس) أي ابن يزيد الأيلي بفتح الهمزة وبالمثناة التحتانية القرشي وكان الزهري إذا قدم أيلة نزل علي يونس وتقدم في أول كتاب الوحي وكذا (ابن شهاب) أي الزهري. قوله (حميد) بصيغة المصغر أبو إبراهيم أو بو عبد الرحمن أو أبو عثمان بن عبد الرحمن وعرف أحد العشرة المبشرة القرشي الزهري المدني مر في باب تطوع قيام رمضان قوله (معاوية) هو ابن أبي سفيان صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمي بن عبد مناف القرشي أبو عبد الرحمن هو وأبوه من مسلمة الفتح روي له عن رسول الله صلي الله عليه وسلم مائة حديث وثلاثة وستون حديثا ذكر البخاري منها ثمانية مات بدمشق سنة ستين وتولي الشام في زمن عمر ﵁ ولم يزل بها متوليا حاكما إلي أن ملت وذلك مدة ربعين سنة وفي آخر عمره أصابته لقوة وكان يقول ليتني كنت رجلا من قريش بذي طوي ولم أل من هذا الأمر شيئا وكن عنده أزار رسول الله صلي الله عليه وسلم وردائه وقميصه وشيء من شعره وأظفاره فقال كفنوني في قميصه وأدرجوني في ردائه وأزروني بإزاره واحشوا منخري وشدقي ومواضع الجود مني بشعره وأظافره وحلوا بيني وبين أرحم الراحمين. قوله (خطبنا) حال من المفعول لا من الزمخشري تقول سمعت رجلا يقول كذ فتوقع الفعل علي الرجل وتحذف المسموع لأنك وصفته بما يسمع أو جعلته حالا عنه فأغناك عن ذكره ولولا الوصف أو الحال لم يكن منه بد وأن يقال سمعت قول

стр. 259

اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِى الدِّينِ، وَإِنَّمَا أَنَا قَاسِمٌ وَاللَّهُ يُعْطِى، وَلَنْ تَزَالَ هَذِهِ الأُمَّةُ ــ فلان. قوله (يرد الله) بضم الياء مشتق من الإرادة وهي عند الجمهور صفة مخصصة لأحد طرفي المقدور بالوقوع وقيل إعتقاد النفع أو الضرر وقيل هي ميل يتبعه الإعتقاد وهذا لا يصح في الإرادة القديمة. قوله (خيرا) أي منفعة وهي اللذة أو ما يكون وسيلة إلي اللذة. فأن قلت هل في تنكيره فائدة. قلت فائدته التعميم لأن النكرة في سياق الشرط كالنكرة في سياق النفي فالمعني فمن يرد الله به جميع الخيرات أو التعظيم إذ المقام يقتضي ذلك نحو له حاجب عن كل أمر يشينه قوله (يفقه) أي يجعله فقيها والفقه لغة الفهم وعرفا العلم بالأحكام الشرعية الفرعية المكتسب عن أدلتها التفصيلية بالإستدلال. فإن قلت أي المعنيين يناسب المقام. قلت المعني اللغوي ليتناول فهم كل علم من علوم الدين وقال الحسن البصري: الفقيه الزاهد في الدنيا الراغب في الآخرة البصير بأمور دينه المداوم علي عبادة ربه. قوله (إنما أنا قاسم) أي أنل قاسم بينكم فألقي إلي كل واحد ما يليق به والله تعالي يرفق من يشاء منكم لفهمه والتفكر في معناه. قال التوربشتي: اعلم أن النبي صلي الله عليه وسلم أخبر أصحابه أنه لم يفصل في قسمة ما يوحي إليه أحدا من أمته علي الآخر بل سوي في البلاغ وعدل في القسمة وإنما التفاوت في الفهم وهو واقع بطريق العطاء ولقد كان بعض الصحابة يسمع الحديث فلا يفهم منه إلا الظاهر الجلي ويسمعه آخر منهم أو من بعدهم فيستنبط منه مسائل كثيرة وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء. تم كلامه فإن قلت إنما مفيد للحصر فمعناه ما أنا إلا قاسم وكيف يصح وله صفات أخري مثل كونه رسولا ومبشرا ونذيرا. قلت الحصر إنما هو بالنسبة إلي اعتقاد السامع وهذا ورد في مقام كان السامع معتقدا كونه معطيا فلا ينفي إلا ما اعتقده السامع لا كل صفة من الصفات وحينئذ 'ن اعتقد أنه معط لا قاسم فيكون من باب قصر القلب أي ما أنا إلا قاسم أي لا معط وإن اعتقد أنه قاسم ومعط أيضا فبكون من قصر الأفراد أي لا شركة في الوصفين بل أنل قاسم فقط. قوله تعالي (والله يعطي) تقديم لفظ الله عليه مفيد للتقوية عند السكاكي ولا يحتمل التخصيص أي الله يعطي لا محالة وأما عند الزمخشري فيحتمله أيضا وحينئذ يكون معناه الله يعطي لا غيره. فإن قلت هل يصح أن يكون والله يعطي جملة حالية. قلت نعم فإن قلت فما معني الحصر حينئذ. قلت الحصر بإنما دائما هو في الجزء الأخير فيكون معناه ما أنا قاسم إلا في حال أعطاه الله لا في حال غيره وأما فائدة حذف مفعول يعطي فهو جعله كالفعل اللازم إعلاما بأن المقصود منه بيان إيجاد هذه الحقيقة أي حقيقة الإعطاء لا بيان المفعول أي المعطي. قوله: (ولن

стр. 260

قَائِمَةً عَلَى أَمْرِ اللَّهِ لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَالَفَهُمْ حَتَّى يَاتِىَ أَمْرُ اللَّهِ» ــ تزال) الفرق بين زال وزال يزول أن الأول من الأفعال الناقصة ويلزمه النفي بخلاف الثاني قوله (علي أسر الله) أي علي الدين الحق. و (حتي يأتي أمر الله) أي القيامة وإنما فسرنا هما بذلك لأن الظاهر بحسب السياق يقتضي ذلك. فإن قلت حتي يأتي أمر الله غاية لماذا. لقوله لن تزال. فإن قلت حكم ما بعد الغاية مخالف لما قبلها فيلزم منه أن يوم القيامة لا تكون هذه الأمة علي الحق وهو باطل قلت ليس باطلا إذ المراد من الدين الحق التكاليف ويوم القيامة ليس زمان التكليف ويقال ليس المقصود منه الغاية بل هو مذكور لتأكيد التأييد نحو قوله تعالي «م دامت السماوات والأرض» فإن قلت أيحتمل أن يكون غاية لقوله لا يضرهم بل هو أولي لأنه أقرب. قلت نعم وذلك إما أن يكون معني يأتي أمر الله يأتي بلاء الله فيضرهم حينئذ فما بعدها مخالف لما قبلها وإما أن يكون ذكره لتأكيد عدم المضرة كأنه قال لا يضرهم من خالفهم أبدا وعبر عنه بقوله إلي يوم القيامة أو هو كقوله تعالي «لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولي» يعني لا يضرهم إلا يوم القيامة ولما لم تكن المضرة يوم القيامة فكأنه قال لا يضرهم أصلا. فإن قلت إذا جاء الدجال مثلا وقتلهم فقد ضرهم. قلت علي تفسيره ببلاء الله ذلك ظاهر وعلي تفسيره بيوم القيامة يقال ذلك ليس مضرة إذ الشهادة أعظم المنافع من جهة الآخرة. فإن قلت فهل جاز تنازع الفعلين في حتي فتتعلق بهما. قلت لا محذور فيه فأن قلت هل فرق بين حتي يأتي أمر الله وبين إلي أن يأتي أمر الله. قلت الفرق أن مجرور حتي يجب أن يكون آخر جزء من الشيء أو ما يلاقي آخر جزء منه. قال في الكشاف في قوله تعالي «لو أنهم صبروا حتي تخرج إليهم» الفرق بينهما أن حتي مختصة بالغاية المضروبة أي المعينة تقول أكلت السمكة حتي رأسها ولو قلت حتي نصفها أو صدرها لم يجز وإلي عامة في كل. غاية فإن قلت هل فيه دلالة علي حجية الإجماع. قلت نعم لأن مفهومه أن الحق لا يعدو الأمّة وقد استدل بعض العلماء به علي امتناع خلو العصر عن المجتهد. قال ابن بطال: وفي الحديث فضل العلماء علي سائر الناس وفضل الفقه في الدين علي سائر العلوم وإنما ثبت فضله لأنه يقود إلي خشية الله والتزام طاعته. قوله (إنما أنا قاسم) بدل علي أنه لم يستأثر من مال الله تعالي بشيء دونهم وكذلك قوله صلي الله عليه وسلم مالي مما أفاء الله عليكم إلا الخمس والخمس مردود فيكم وإنما قال قاسم تطييبا لنفوسهم لمفاضلته في العطاء ومعني (والله يعطي) والله يعطيكم ما أقسمه عليكم لا أنا فمن قسمت له قليلا فذلك بقدر الله له ومن قسمت له كثيرا فبقدره أيضا ويريد ولن تزال هذه الأمة أن أمته أخر الأمم وأن عليها تقوم

стр. 261

باب الفهم في العلم ٧١ - حَدَّثَنَا عَلِىٌّ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ قَالَ لِى ابْنُ أَبِى نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ صَحِبْتُ ابْنَ عُمَرَ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلَمْ أَسْمَعْهُ يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ ــ الساعة وإن ظهرت أشراطها وضعف الدين فلا بد أن يبقي من أمته من يقوم به. فإن قيل قال صلي الله عليه وسلم لا تقوم الساعة حتي لا يقول أحد الله الله وقال أيضا لا تقوم الساعة إلا علي شرار الناس فلنا هذه الأحاديث لفظها علي العموم والمراد منها الخصوص فمعناه لا تقوم الساعة علي أحد يوحد الله إلا بموضع كذا فإن به طائفة قائمة علي الحق ولا تقوم إلا علي شرار الناس بموضع كذا إذ لا يجوز أن تكون الطائفة القائمة علي الحق التي توحد الله هي شرار الخلق وقد جاء ذلك بينا في حديث أبي أمامة الباهلي أنه صلي الله عليه وسلم قال لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين علي الحق لا يضرهم من خالفهم قيل وأين هم يا رسول الله قال ببيت المقدس أو أكناف بيت المقدس. النووي: لا مخالفة بين الأحاديث لأن المراد من أمر الله الريح اللينة التي تأتي قرب الساعة وتأخذ روح كل مؤمن ومؤمنة وهذا قبل القيامة وأما الحديثان الآخران فهما علي ظاهر هما إذ ذاك عند يوم القيامة وأما هذه الطائفة فقال البخاري هم أهل العلم. وقال الأمام أحمد بن حنبل إن لم يكونوا أهل الحديث فلا أدري من هم. وقال القاضي عياض: إنما أراد أحمد أهل السنة والجماعة ومن يعتقد مذهب أهل الحديث. وقال النووي يحتمل أن تكون هذه الطائفة مفرقة من أنواع المؤمنين فمنهم مقاتلون ومنهم فقهاء ومنهم محدثون ومنهم زهاد إلي غير ذلك (باب الفهم في العلم) فإن قلت قال الجوهري فهمت الشيء أي علمته فالفهم والعلم بمعني واحد فكيف يصح أن يقال الفهم في العلم. قلت المراد من العلم المعلوم كأنه قال باب إدراك المعلومات. قوله (علي) هو ابن عبد الله بن جعفر بن نجيح بفتح النون وكسر الجيم وبالحاء أبو الحسن المشهور بابن المديني مولي عروة بن عطية السعدي البصري وكان أصله من المدينة إمام مبرز في هذا الشأن وكان سفيان ابن عيينة يسميه جنة الوادي وإذا قام ابن المدني من مجلس سفيان يقوم ويقول إذا قامت الخيالة لم يجلس مع الرجالة وقال الأعين رأيت علي بن المديني مستلقيا وأحمد بن حنبل عن يمينه ويحي بن معين عن يساره وهو يملي عليهما. وقال ابن الأثير كان علي آية من آيات الله تعالي في معرفة الحديث وعلله. وقال أبو حاتم كان علما في الناس مات بالمعسكر أو بالبصرة أو بسر من رأي سنة أربع وثلاثين ومائتين والظاهر أن لفظ هو ابن عبد الله من الفربري أو من راو آخر من رواة الصحيح. قوله (سفيان) هو ابن عينة الهلالي الكوفي أدرك ثمانين نفساً من

стр. 262

اللَّهِ ﷺ إِلَاّ حَدِيثاً وَاحِدًاقَالَ كُنَّا عِنْدَ النَّبِىِّ ﷺ فَأُتِىَ بِجُمَّارٍ فَقَالَ «إِنَّ مِنَ الشَّجَرِ شَجَرَةً مَثَلُهَا كَمَثَلِ الْمُسْلِمِ» فَأَرَدْتُ أَنْ أَقُولَ هِىَ النَّخْلَةُ فَإِذَا أَنَا أَصْغَرُ الْقَوْمِ فَسَكَتُّ، قَالَ النَّبِىُّ ﷺ «هِىَ النَّخْلَةُ» ــ التابعين تقدم في أول الكتاب. قوله (قال لي ابن أبي نجيح) واسم أبي نجيح يسار بالمثناة التحتانية وبالسين المهملة وهو عبد الله الثقفي المكي كان قدريا مات سنة اثنتين وثلاثين ومائة. قوله (مجاهد) هو ابن جير يالجيم المفتوحة وبالموحدة الساكنة أبو الحجاج قال عرضت القرآن علي ابن عباس ثلاثين مرة وقال كان ابن عمر يأخذ لي الركاب ويسوي علي ثيابي إذا ركبت مات بمكة وهو ساجد مر في أول كتاب الإيمان. واعلم أنه روي عن مجاهد معنعنا وعن أبي نجيح بلفظ قال والبخاري لا يذكر المعنعن إلا إذا ثبت السماع ولا يكتفي بمجرد إمكان السماع كما اكتفي به مسلم والمعنعن إذا لم يكن من المدلس كان أعلي درجة من قال لأن قال إنما تذكر عند المحاورة لا علي سبيل النقل والتحميل ثم في لفظ لي إشارة إلي أنه حاور معه وحده. وقال البخاري كلما قلت قال لي فلان فو عرض ومناولة فما روي عن سفيان يحتمل أن يكون عرضا لسفيان أيضا والله أعلم. قوله (إلي المدينة) اللام للعهد أي مدينة رسول الله صلي الله عليه وسلم ولم يذكر مبدأ الصحة والظاهر أنه من مكة. قوله (إلا حديثا) يريد به الحديث الذي بعده متصلا به. قوله (فأتي) بضم الهمزة. و (الجمار) بالجيم المضمومة وبالميم المشددة شحم النخيل وهو الذي يؤكل منها. و (مثلها) بفتح الميم أي صفتها العجيبة والمثل وإن كان بحسب اللغة الصفة لكن لا يستعمل إلا عند الصفة العجيبة ووجه المشابهة بينهما قد مر في باب قول الحديث حدثنا وأخبرنا. قوله: (فأردت أن أقول) أي في جواب رسول الله صلي الله عليه وسلم حيث قال حدثوني ما هي كما علم من سائر الروايات. قوله: (فسكت) بضم التاء علي صيغة المتكلم وسكوته كان استحياء وتعظيما للأكابر وقد سبق شرح مثل هذا الحديث مرتين. قال ابن بطال: التفهم للعلم هو التفقه قيه ولا يتم العلم إلا بالتفهم ولذا قال علي ﵁: والله ما عندنا إلا كتاب الله أو فهم أعطيه رجل مؤمن فجعل الفهم درجة أخري بعد حفظ كتاب الله تعالي لأنه بالفهم له يتبين

стр. 263

باب الاِغْتِبَاطِ فِى الْعِلْمِ وَالْحِكْمَةِ . وَقَالَ عُمَرُ تَفَقَّهُوا قَبْلَ أَنْ تُسَوَّدُوا. ــ معانيه وأحكامه وقد نفي ﵇ العلم ممن لا فهم له بقوله «رب حامل فقه لا فقه له» وقال مالك ليس العلم بكثرة الرواية وإنما هو نور يضعه الله تعالي في القلوب بذلك فهم المعاني فمن أراد الفهم فليحضر خاطره ويفرغ ذهنه ة ينظر إلي بساط الكلام ومخرج الخطاب ويتدبر اتصاله بما قبله وانفصاله منه ثم يسأل ربه أن يلهمه إلي إصابة المعني ولا يتم ذلك إلا لمن علم كلام العرب ووقف علي أغراضها في تخاطبها وأيد بجودة قريحة وثاقب ذهن ألا نري أن ابن عمر فهم من بساط الحديث ونفس القصة أن الشجرة هي النخلة لسؤاله صلي الله عليه وسلم لهم عنها حين أتي بالجمار وقوي ذلك عنده بقوله له «ومثل كلمة طيبة كشجرة طيبة» وقال العلماء هي النخلة شبهها الله تعالي بالمؤمن وقول مجاهد أنه صحب ابن عمر إلي المدينة فلم يحدث إلا حديثا واحدا فذلك والله أعلم لأنه كان متوقيا الحديث عن النبي صلي الله عليه وسلم وقد كان علم قول أبيه ﵄ أقلوا الحديث عن رسول الله صلي الله عليه وسلم وأنا شريككم (باب الاغتباط) الغبطة لغة أن يتمني مثل حال المغبوط من غير أن يريد زوالها عنه والحسد أن تتمني زوال نعمة المحسود إليك وبناء باب الافتعال منها يدل علي التصرف ة السعي فيها (والحكمة) معرفة الأشياء علي ما هي عليه فهي مرادفة للعلم فالعطف عليه من باب العطف التفسيري إلا أن العلم بالمعني الأعم من اليقين المتناول للظن أيضا أو يفسر الحكمة بما يتناول سداد العمل أيضا. قوله (وقال عمر) هو ليس من تمام الترجمة إذ لم يذكر بعده شيء يكون هذا متعلقا به إلا أن يقال الإغتباط في الحكمة علي القضاء لا يكون إلا قبل كون الغابط قاضيا ويؤول حينئذ وقال عمر بمعني المصدر أي قول عمر ابن بطال وقال عمر ذلك لأن من سوده الناس يستحي أن يقعد مقعد المتعلم خوفا علي رياسته عند الناس وقال يحي بن معين من عاجل الرياسة فاته علم كثير وقيل أن السيادة تحصل بالعلم وكلما زاد العلم زادت السيادة فقصد عمر ﵁ الحث علي الزيادة منه قبل السيادة لتعظم السيادة به وفي بعض النسخ بدل تفهموا تفقهوا وكلاهما بمعني الأمر ولفظ تسودوا بفتح الواو المشددة مشتقا من التسويد الذي من السيادة وفي بعضها وجد بعده «وقال أب عبد الله» أي البخاري «وبعد أن تسودوا وقد تعلم أصحاب النبي صلي الله عليه وسلم في كبر سنهم» وأقول ولا بد من كقدر يتعلق به لفظ وبعد والمناسب أن يقدر لفظ تفهموا بمعني الماضي فيكون لفظ تسودوا بفتح التاء ماضيا كما أن يحتمل أن يكون تسودوا من التسويد الذي من السواد أي بعد لأن سودوا لحيتهم مثلا أي في كبرهم أو أي بعد زوال السواد أي

стр. 264

٧٢ - حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِىُّ قَالَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ حَدَّثَنِى إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِى خَالِدٍ عَلَى غَيْرِ مَا حَدَّثَنَاهُ الزُّهْرِىُّ قَالَ سَمِعْتُ قَيْسَ بْنَ أَبِى حَازِمٍ قَالَ سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ قَالَ قَالَ النَّبِىُّ ﷺ «لَا حَسَدَ إِلَاّ فِى اثْنَتَيْنِ رَجُلٌ آتَاهُ ــ في الشيب والله أعلم بحقيقة الحال. قوله (الحميدي) بصيغة التصغير منسوبا هو أبو بكر عبد الله ابن الزبير بن عيسي المكي القرشي صاحب الشافعي وأخذ عنه ورحل معه إلي مصر ولما مات الشافعي رجع إلي مكة وكان رئيس أصحاب سفيان بن عيينة في أول إسناد هذا الكتاب. قوله (سفيان) هو ابن عيينة ومر مرارا. و (إسماعيل) هو أبو عبد الله بن أبي خالد بالخاء المعجمة اسمه هرمز أو سعيد أو كثير بالمثلثة وهو مجلي بالموحدة والجيم المفتوحتين أحمسي بالحاء والسين المهملتين كوفي تابعي وكان يسمي بالميزان وكان طحانا مر في باب المسلم من سلم المسلمون. قوله (علي غير ما حدثناه الزهري) برفع الزهري لأنه فاعل حدث والغرض من ذكره الإشعار بأنه سمع ذلك من إسمعيل علي وجه غير الوجه الذي سمع من الزهري إما مغايره في اللفظ وإما مغايرة في الإسناد وإما في غير ذلك وفائدته التقوية والترجيح بتعداد الطرق. قوله (قيس) بفتح القاف وبالسين المهملة هو أبو عبد الله بن أبي حازم بالحاء المهملة والزاي واسمه عوف بن الحارث الصحابي البجلي الأحمسي الكوفي وقيس أدرك الجاهلية وأسلم وجاء إلي النبي صلي الله عليه وسلم ليبايعه فوجده قد توفي وهو في الطريق وليس في التابعين من روي عن العشرة المبشرة إلا هو وقيل لم يرو عن عبد الرحمن بن عرف تقدم في باب الدين نصيحة، وقال معاوية بن صالح قيس أوثق من الزهري. قوله (لا حسد إلا في اثنتين) أي لا حسد في شيء إلا في اثنتين. فإن قلت ما هذه الظرفية وكيف هي والحسد موجود في الحاسد لا فيهما قلت معناه لا حسد للرجل إلا في شأن اثنتين. فإن قلت الحسد قد يكون في غيرهما فكيف يصح الحصر قلت المقصود لا حسد جائز في شيء إلا في اثنتين أولا رخصة في الحسد إلا في اثنتين. فإن قلت لا حسد إلا في غير هذين الاثنين فأن ما فيهما غبطة لا حسد. قلت أطلق الحسد وأراد الغبطة ولهذا عبر البخاري عنه بلفظ الاغتباط. الخطابي: معني الحسد ههنا شدة الحرص والرغبة بالحسد عنهما لأنه سببه والداعي إليه ومعني الحديث الترغيب في التصدق بالمال وتعليم العلم وقيل أن فيه تخصيصا لإباحة نوع من الحسد وإخراجا له من جملة ما حظر منه وإنما فيهما لما يتضمن مصلحة في الدين

стр. 265

اللَّهُ مَالاً فَسُلِّطَ عَلَى هَلَكَتِهِ فِى الْحَقِّ، وَرَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ الْحِكْمَةَ، فَهْوَ يَقْضِى بِهَا وَيُعَلِّمُهَا» باب مَا ذُكِرَ فِى ذَهَابِ مُوسَى ﷺ فِى الْبَحْرِ إِلَى الْخَضِرِ ــ وكما رخص في نوع من الكذب لتضمن فائدة هي فوق آفة الكذب وإن كان جملة محظورا وأقول ويحتمل أن يكون من قبيل قوله تعالى: «لا يذوقون فيها إلا الموتة الأولي» أي لا حسد إلا في هذين الإثنين وفيهما لا حسد أيضا فلا حسد أصلا. قوله: (رجل) هو مجرور بأنه بدل فإن قلت قد روي اثنتين بالتأنيث فما إعرابه علي تلك الرواية. قلت بدل أيضا علي تقدير حذف المضاف أي خصلة رجل لأن الإثنتين معناه خصلتين قوله (هلكته) بفتح اللام أي هلاكه وفي هذه العبارة مبالغتان إحداهما التسليط فإنه يدل علي الغلبة وقهر النفس المجبولة علي الشح البالغ وثانيهما لفظ علي هلكته فإنه يدل علي أنه لا يبقي من المال باقيا ولما أوهم اللفظان التبذير وهو صرف المال فيما لا ينبغي كمله بقوله في الحق دفعا لذلك ز كذا القرينة الأخري اشتملت علي مبالغتين إحداهما الحكمة فإنها تدل علي علم دقيق محكم والثانية القضاء بين الناس وتعليمهم فإنهما من خلافة النبوة ثم إن لفظ الحكمة إشارة إلي الكمال العلي ويقضي إلي الكمال العملي وبكليهما إلي التكميل واعلم أن الفضيلة إما داخلية وإما خارجية وأصل الفضائل الداخلية العلم وأصل الفضائل الخارجية المال ثم الفضائل إما تامة وإما فوق التامة والأخري أفضل من الأولي لأنهما مكملة متعدية وهذه قاصرة غير متعدية. فإن قلت لم نكّر مالا وعرف الحكمة. قلت لان الحكمة المراد منها معرفة الأشياء التي جاء الشر عبها أي الشريعة فأراد التعريف بلام العهد بخلاف المال ولهذا يدخل صاحبه بأي قدر من المال أهلكه في الحق تحت هذا الحكم. قال ابن بطال: وفيه من الفقه أن الغني إذا قام بشروط المال وفعل فيه ما يرضي ربه فهو أفضل من الفقير الذي لا يقدر علي مثل حاله (باب ما ذكر في ذهاب موسي في البحر إلي الخضر ﵉ وقوله تعالي «هل أتبعك علي لأن تعلمني مما علمت» الآية) الخضر بفتح الخاء وكسر الضاد ويجوز إسكان الضاد مع كسر الخاء وفتحها كما جاء في نظائره وسبب التلقيب به ما جاء في الصحيح في كتاب الأنبياء أن النبي صلي الله عليه وسلم قال إنما الخضر خضرا لأنه علي فروة بيضاء فإذا هي تهتز من خلفه خضراء والفروة

стр. 266

وَقَوْلِهِ تَعَالَى (هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِى مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا). ٧٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ غُرَيْرٍ الزُّهْرِىُّ قَالَ حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ حَدَّثَنِى أَبِى عَنْ صَالِحٍ ــ وجه الأرض وقيل المجتمع اليابس وقيل سمي به لأنه كان إذا صلي أخضر ما حوله وكنيته أبو العباس واسمه بليا بموحدة مفتوحة ولام ساكنة ومثناة من تحت ابن ملكان بفتح الميم وسكون اللام وبالكاف واختلفوا فيه فقيل إنه نبي علي قولين مرسل وغير مرسل وقيل أنه ولي وقيل أنه من الملائكة واحتج من قال بنبوته بقوله تعالي «وما فعلته عن أمري» وبكونه أعلم من موسي والولي لا يكون أعلم من النبي وأجيب بأنه يجوز أن يكون قد أوحي الله إلي نبي ذلك العصر أن يأمر الخضر بذلك وذكر الثعلبي ثلاثة أقوال في أن الخضر هل كان في زمن إبراهيم ﵇ أم بعده بقليل أم بكثير وقال إنه نبي معمر علي جميع الأقوال محجوب عن الأبصار وقيل أنه لا يموت إلا في أخر الزمان حين يرفع القرآن وفي آخر صحيح مسلم في حديث الدجال أنه يقتل رجلا ثم يحيي وقال إبراهيم بن سفيان يقال إن ذلك الرجل هو الخضر وقال الشيخ لبن الصلاح جمهور العلماء والصالحين علي أنه حي والعامة معهم في ذلك. وقال النووي: الأكثرون من العلماء علي أنه حي موجود بين أظهرنا وذلك متفق عليه عند الصوفية وأهل الصلاح وحكاياتهم في رؤيته والاجتماع به والأخذ عنه وسؤاله وجوابه ووجوده في المواضع الشريفة أكثر من أن تحصي. الكشاف: كان الخضر في أيام فريدون قبل موسي وكان علي مقدمة ذي القرنين الأكبر وبقي إلي أيام موسي وقال والمراد من الرحمة في قوله «آتيناه رحمة من عندنا» هي الوحي. فإن قات أما دلت حاجته إلي التعلم من آخر في عهده أنه كما قيل موسي بن منشأ لا موسي بن عمران لأن النبي يجب أن يكون أعلم أهل زمانه. قلت لا غضاضة أي لا نقض بالنبي في أخذ العلم من نبي مثله. قوله (الآية) يحتمل فيها الرفع والنصب والجر. قوله (محمد بن غرير) بالغين المعجمة المضمومة والراء المكسرة المفتوحة ابن الوليدين إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف أب عبد الله القرشي الزهري المدني نزيل سمرقند يعرف بالغريري. قوله (يعقوب بن إبراهيم) بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف أب يوسف القرشي المدني الزهري ساكن بغداد توفي سنة ثمان ومائتين. قوله (حدثني أبي) أي أبو إسحق إبراهيم بن سعد المذكور آنفا تولي بيت المال ببغداد وتوفي بها وهو من جملة شيوخ الشافعي وتقدم في باب تفاضل أهل الإيمان قوله (صالح) هو ابن كيسان بفتح الكاف وبالياء الساكنة والشين المهملة المدني التابعي

стр. 267

عَنِ ابْنِ شِهَابٍ حَدَّثَ أَنَّ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ أَخْبَرَهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ تَمَارَى هُوَ وَالْحُرُّ بْنُ قَيْسِ بْنِ حِصْنٍ الْفَزَارِىُّ فِى صَاحِبِ مُوسَى قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ هُوَ خَضِرٌ. فَمَرَّ بِهِمَا أُبَىُّ بْنُ كَعْبٍ، فَدَعَاهُ ابْنُ عَبَّاسٍ فَقَالَ إِنِّى تَمَارَيْتُ ــ توفي وهو ابن مائة سنة ونيف وستين ابتدأ بالتعلم وهو ابن تسعين سنة مر في آخر قصة هرقل. قوله (ابن شهاب) أبو بكر محمد الزهري القرشي المدني سكن الشام. و (عبيد الله) هو ابن عبد الله بن عتبة ابن مسعود الهذلي الإمام أبو عبد الله أحد فقهاء المدينة السبعة ومر في قصة هرقل. و (عتبة) بضم العين المهملة وبالمثناة الفوقانية الساكنة وبالموحدة المفتوحة هو أخو عبد الله بن مسعود ورجال هذا الإسناد كلهم مدنيون. وأما (ابن عباس) فهو الحبر البحر المتقدم ذكره مرارا. قال أولا حدثه وثانيا أخبره أن لوحظ الفرق بأن التحديث عنده قراءة الشيخ والأخبار عند القراءة علي الشيخ فذلك وإلا فتتغير العبارة للتفنن في الكلام. قوله (تماري) مشتق من التماري وهو التنازع والتجادل و (الحر) هو بالرفع ويحتمل النصب بأن يكون مفعولا معه وهو بالحاء المهملة المضمومة والراء المشددة. و (قيس) بفتح القاف وسكون المثناة التحتانية وبالسين المهملة. و (حصن) بكسر الحاء وسكون الصاد مهملتين وحر هو ابن أخي عيينة بن حصن كاف أحد الوفد الذين قدموا علي النبي صلي الله عليه وسلم مرجعه من تبوك (والفزاري) بفتح الفاء والزاي المخففة ثم الراء. قوله (في صاحب موسي) الذي ذهب موسي إليه وقال له «هل أتبعك» لا قى فتاه الذي كان رفيقه عند الذهاب. قوله (أبي) بضم الهمزة وفتح الموحدة وبالياء المشددة ابن كعب بن المنذر الأنصاري الخزرجي بفتح النون وبالجيم المشددة روي له عن رسول الله صلي الله عليه وسلم مائة حديث وأربعة وستون حديثا ذكر البخاري منها سبعة أحاديث وكان رجلا نحيفا أبيض الرأس واللحية شهد العقبة الثانية وبدرا وما بعدها من المشاهد وكان كاتب الوحي وهو أحد الستة الذين حفظوا القرآن علي عهد رسول الله صلي الله عليه وسلم وأحد الفقهاء الذين كانوا يفتون علي عهده أيضا وأقرأ الصحابة لكتاب الله وقال رسول الله صلي الله عليه وسلم أمرني الله أن أقرأ عليك القرآن ولم يشاركه أحد من الناس في هذه المنقبة سماه رسول الله صلي الله عليه وسلم سيد الأنصار وسماه عمر سيد المسلمين، مات سنة تسع عشرة أو عشرين أو ثلاثين بالمدينة قوله

стр. 268

أَنَا وَصَاحِبِى هَذَا فِى صَاحِبِ مُوسَى الَّذِى سَأَلَ مُوسَى السَّبِيلَ إِلَى لُقِيِّهِ، هَلْ سَمِعْتَ النَّبِىَّ ﷺ يَذْكُرُ شَانَهُ قَالَ نَعَمْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ «بَيْنَمَا مُوسَى فِى مَلإٍ مِنْ بَنِى إِسْرَائِيلَ، جَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ هَلْ تَعْلَمُ أَحَداً أَعْلَمَ مِنْكَ قَالَ مُوسَى لَا. فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَى مُوسَى بَلَى، عَبْدُنَا خَضِرٌ، فَسَأَلَ مُوسَى السَّبِيلَ إِلَيْهِ، فَجَعَلَ اللَّهُ لَهُ الْحُوتَ آيَةً، وَقِيلَ لَهُ إِذَا فَقَدْتَ الْحُوتَ فَارْجِعْ، فَإِنَّكَ سَتَلْقَاهُ، وَكَانَ يَتَّبِعُ أَثَرَ الْحُوتِ فِى الْبَحْرِ، فَقَالَ لِمُوسَى فَتَاهُ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى ــ (وصاحبي) أي الحر بن قيس. و (لقبه) بضم اللام وكسر القاف وبالياء الشديدة يقال لقيته لقاء بالمد ولقا بالضم والقصر بالتشديد بمعني واحد. و (الملأ) بالقصر الجماعة. و (بني إسرائيل) أي أولاد يعقوب قوله (يلي عبدنا خضر) وفي بعضها بل عبدنا الخضر. فإن قلت خضر علم فكيف داخل عليه آلة التعريف. قلت قد يتأول العلم الواحد من الأمة المسماة به فيجري مجري رجل وفرس فيجري علي إضافته وعلي إدخال اللام عليه ثم بعض الأعلام دخول لام التعريف عليه لازم نحو النجم للثريا وبعضها غير لازم نحو الحارث والخضر من هذا القسم. فإن قلت فعلي رواية بل لا بد له من معطوف عليه مضروب عنه فما ذلك المعطوف. قلت مقدر أي رأي أوحي الله تعالي إليه. لا تقل لا بل قل عبدنا خضر أي قل الأعلم عبدنا خضر. فإن قلت فالقياس حينئذ أن يقال عبد الله لا عبدنا. قلت ورد علي طريقة الحكاية عن قول الله تعالي. فإن قلت لم ما عطفت علي المذكور في كلام موسي. قلت لما اختلف في جواز كون المعطوف في كلام متكلم والمعطوف عليه في كلام آخر: قوله (فسأل موسي السبيل إليه) أي قال فادللني اللهم عليه (فجعل الله له الحوت آية) أي علامة لمكان الخضر ولقائه وذلك لما قال موسي أين أطلبه قال الله له علي الساحل عند الصخرة قال يا رب كيف لي به قال تأخذ حوتا في مكتل فحيث فقدته فهو هناك فقيل أخذ سمكة مملوحة وقال لفتاه إذا فقدت الحوت في المكتل فأخبرني فكان يمشي ويتبع أثر الحوت أي ينتظر فقدانه فرقد موسي فاضطرب الحوت ووقع في البحر وقيل أن يوشع حمل الخبز والحوت في المكتمل فنزلا ليلة علي شاطئ عين تسمي عين الحياة فلما أصاب السمكة روح الماء وبرده

стр. 269

الصَّخْرَةِ فَإِنِّى نَسِيتُ الْحُوتَ، وَمَا أَنْسَانِيهِ إِلَاّ الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ. قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِى، فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصاً، فَوَجَدَا خَضِراً. فَكَانَ مِنْ شَانِهِمَا الَّذِى قَصَّ اللَّهُ فِى كِتَابِهِ». باب قَوْلِ النَّبِىِّ ﷺ «اللَّهُمَّ عَلِّمْهُ الْكِتَابَ» . ٧٤ - حَدَّثَنَا أَبُو ــ عاشت وقيل توضأ يوشع من تلك العين فاتضح الماء علي الحوت فعاش ووقع في الماء. قوله (فتاه) أي صاحبه وهو يوشع بضم المثناة التحتانية وبفتح الشين المعجمة وبالعين المهملة ابن نون وهو مصروف كنوح وإنما قيل فتاه لأنه كان يخدمه ويتبعه وقيل كان يأخذ العلم عنه. قوله (نسيت الحوت) أي نسيت تفقد أمره وما يكون منه مما جعل أمارة علي الظفر بالطلبة من لقاء الخضر قوله (قال) أي موسي (ذلك) أي فقدان الحوت هو الذي كنا نبغي أي نطلبه لأنه علامة وجدان المقصود. و (نبغ) أصله نبغي فحذفت الياء تخفيفا كما في قوله (والليل إذا يسر) وكان ذلك في مجمع مجري فارس والروم مما يلي المشرق. قوله (فارتدا) أي رجعا علي آثارهما قصصا أي يقصان قصصا أي يتتبعان آثارهما إتباعا. قوله (من شأنهما) أي شان الخضر وموسي والذي قص الله في كتابه إشارة إلي قوله تعالي «قال له موسي هل أتبعك علي أن تعلمني مما علمت رشدا» إلي قوله «ويسألونك عن ذي القرنين» واعلم أن لابن عباس في هذه القصة تماريا بينه وبين الحر في صاحب موسي أهو الخضر أم غيره وتماريا بينه وبين نوف البكالي في موسي أهو موسي بن عمر ان أم غيره وستأتي هذه القصة بنمامها في آخر هذا الكتاب وكتاب الأنبياء وكتاب التفسير إن شاء الله تعالي قال ابن بطال وفيه جواز التماري في العلم إذا كان كل واحد يطلب الحقيقة ولم يكن متعنتا وفيه الرجوع إلي قول أهل العلم عند التنازع وفيه أنه يجب علي العالم الرغبة في المزيد من العلم والحرص عليه ولا يقنع بما عنده كما لم يكتف موسي بعلمه وفيه وجوب التواضع لأن الله تعالي عاتب موسي حين لم يرد العلم إليه وأراه من هو أعلم منه وفيه حمل الزاد وإعداده في السفر بخلاف قول الصوفية. النووي وفيه أنه لا بأس علي العالم أو الفاضل أن يخدمه المفضول ويقضي له حاجته ولا يكون هذا من أخذ العوض علي تعليم العلم والآداب بل هو من مروءات الأصحاب وحسن العشرة ودليله حمل فتاه

стр. 270

مَعْمَرٍ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ قَالَ حَدَّثَنَا خَالِدٌ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ ــ غداءهما والله أعلم بالصواب (باب قول النبي صلي الله عليه وسلم علمه الكتاب) هذا الحديث رواه غلي صورة التعليق وهل يقال لمثله حيث ذكر إسناده متعاقبا له مرسل فيه خلاف قوله (أبو معمر) بفتح الميمين هو عبد الله بن عمرو بن الحجاج البصري المشهور بأبي معمر المقعد بضم الميم وفتح العين كان ثقة ثبتا صحيح الكتاب وكان يقول بالقدر مات سنة أربع وعشرين ومائتين. قوله (عبد الوارث) هو ابن سعيد بن ذكوان بالذال المعجمة المفتوحة العنبري بالنون والموحدة البصري المعروف بالتنوري قال البخاري قال ابنه عبد الصمد ما سمعت أبي يقول قط في القدر وإنه لمكذوب عليه مات بالبصرة سنة ثمانين ومائة. قوله (خالد) هو أبو المنازل ابن مهران الحذاء البصري التابعي كثير الحديث واسع الرواية قال ابن الأثير والمنازل بضم الميم وبالنون وبالزاي والحذاء بتشديد الذال المعجمة وبالمد قيل إنه ما حذا فعلا قط ولا باعها ولكن تزوج امرأة فنزل عليهما في الحذائيين فنسب إليهم وقال ابن سعد لم يكن بحذاء ولكن كان يجلس إليهم وقال غيره لم يحذ خالد قط وإنما كان يقول احذروا علي هذا النحو وعلي هذا الحديث لقب بالحذاء وكان قد استعمل علي دار العشور بالبصرة مات سنة إحدي وأربعين ومائة في خلافة أبي جعفر المنصور. قوله (عكرمة) أي المفسر القرشي أبو عبد الله بن عباس أصله من البربر من أهل المغرب كان للعنبري قاضي البصرة فوهبه لابن عباس حين جاء واليا علي البصرة لعلي بن أبي طالب ومات ابن عباس وعكرمة عبد فباعه علي بن عبد الله من خالد بن يزيد بن معاوية بأربعة آلاف دينار فأتي عكرمة عليا فقال له ما خير لك بعث غلاما لأبيك فاستقاله فأقاله وأعتقه وقال الحارث بن عبد الله دخلت على علي بن عبد الله وعكرمة موثق علي باب كنيف فقلت له أتفعلون هذا بمولاكم فقال إن هذا يكذب على أبي قال محمد بن سعد كان كثير العلم بحرا من البحور ولكن يتكلم الناي فيه وكان ذلك لأنه يرى رأى الخوارج وقال يحي بن معين إذا رأيت من يتكلم في عكرمة فاتهمه على الإسلام وقال البخاري ليس أحد من أصحابنا إلا يحتج بعكرمة وقال أبو أحمد بت عدى لم يمتنع الأئمة من الرواية عن عكرمة وأدخله أصحاب الصحاح صحاحهم وقال البيهقي روى له البخاري دون مسلم وقيل لسعيد بن جبير هل أحد أعلم منك قال عكرمة مات سنة أربع أو خمس أو ست أو سبع ومائة ولمل مات قال الناس اليوم مات أفقه الناس ورجال هذا الإسناد كلهم أو أكثرهم بصريون لأن عكرمة أيضا كان أولا في البصرة وكذا ابن عباس كان سكن

стр. 271

ضَمَّنِى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَقَالَ «اللَّهُمَّ عَلِّمْهُ الْكِتَابَ» باب متى يصحُّ سماعُ الصّغير ٧٥ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِى أُوَيْسٍ قَالَ ــ البصرة مدة. قوله: (ضمني) أي إلى نفسه و (اللهم) أصله بالله فحذف حرف النداء وعوض الميم عنه ولذلك لا يجتمعان وأما نحو: وما عليك أن تقولي كلما سبحت أو صليت با اللهما أردد علينا شيخنا مسلما فليس يثبت وهذا من خصائص اسم الله كما اختص بالتاء في القسم وبقطع همزته في يا الله وبغير ذلك وقيل إنهم لما أرادوا أن يكون نداؤه باسمه متميزا عن نداء عباده من أول الأمر حذفوا حرف النداء من الأول وزادوا الميم لقربها من حروف العلة كالنون في الآخر وخصت لأن النون كانت ملتبسة بضمير النساء صورة وشددت لأنها خلف من حرفين واختار سيبويه أن لا يوصف لأن وقوع خلف حرف النداء بين الموصوف والصفة كوقوع حرف النداء بينهما ومذهب الكوفيين أن أصله يا الله أم أي أقصد بخير فتصرف فيه. قوله (علمه الكتاب) أي القرآن لأن الجنس المطلق محمول علي الكامل أو لأن العرف الشرعي عليه أو لأن اللام للعهد. فأن قلت المراد من القرآن لفظه أو معانيه أو أحكام الدين. قلت اللفظ باعتبار دلالته علي معانيه. فأن قلت التعليم متعد إلى ثلاثة مفاعيل ومفعوله الأول كمفعول أعطيت والثاني والثالث كمفعول علمت يعني لا يجوز حذف الثاني والثالث فقط فكيف ههنا. قلت علمه بمعني عرفه فلا يقتضي إلا مفعوله. فأن قلت هل جاز ألا يستجاب دعاء النبي صلي الله عليه وسلم. قلت لكل نبي دعوة مستجابة وإجابة الباقي في مشيئة الله تعالي وأما هذا الدعاء فمما لا شك في قبوله لأنه كان عالما بالكتاب حبر الأمة نحو العلم رئيس المفسرين وترجمان القرآن وكونه في الدرجة القصوى والمحل الأعلى منه مما لا يخفي. قال ابن بطال: كان ابن عباس من الأحبار الراسخين في علم القرآن والسنة أحببت فيه الدعوة وفيه الحض على تعليم القرآن والدعاء إلى الله في ذلك وروي البخاري هذا الحديث في فضائل الصحابة وقال فيه اللهم علمه الحكمة وفي كتاب الوضوء اللهم فقهه في الدين وتأولوا الحكمة بالقرآن في قوله تعالي «يؤت الحكمة من يشاء» وبالسنة في قوله تعالي «ويعلمكم الكتاب والحكمة» وكلا التأويلين صحيح وذلك أن القرآن حكمة أحكم الله تعالي فيه لعباده حلاله وحرامه وبين لهم فيه أمره ونهيه وكذلك سنن رسول الله صلي الله عليه

стр. 272

حَدَّثَنِى مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ قَالَ أَقْبَلْتُ رَاكِباً عَلَى حِمَارٍ أَتَانٍ، وَأَنَا يَوْمَئِذٍ قَدْ نَاهَزْتُ الاِحْتِلَامَ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّى بِمِنًى إِلَى غَيْرِ جِدَارٍ، فَمَرَرْتُ بَيْنَ يَدَىْ بَعْضِ الصَّفِّ وَأَرْسَلْتُ الأَتَانَ تَرْتَعُ، فَدَخَلْتُ فِى الصَّفِّ، فَلَمْ يُنْكَرْ ذَلِكَ عَلَىَّ ــ وسلم حكمة فصل بها بين الحق والباطل وبين لهم بحمل القرآن ومعاني التنزيل والفقه في الدين وهو كتاب الله وسنة رسوله والمعني واحد (باب متى يصح سماع الصغير) ومعني الصحة جواز قبول مسموعة. قوله (إسماعيل) هو ابن عبد الله المشهور باسمعيل بن أبي أويس ابن أخت مالك وأبو أويس بن عم مالك مر في باب تفاضل أهل الإيمان وفي غيره وكذا سائر الرواة تقدموا مرارا و (عتبة) بضم العين المهملة وبالمثناة الفوقانية الساكنة بالموحدة. قوله (أتان) هي الأنثي من الحمير ولا يقال أتانة ولما كان الحمار شاملا للذكر والأنثى خصصه بقوله أتان. فإن قلت فلم ما قال علي حمارة فيستغني عن لفظ أتان. قلت لأن التاء في حمارة يحتمل أن تكون للوحدة وأن تكون للتأنيث فلا يكون نصا في أنوثته. قوله (ناهزت) أي قاربت يقال ناهز الصبي البلوغ إذا قاربه والمراد بالاحتلام البلوغ الشرعي وهو مشتق من الحلم بالضم وهو ما يراه النائم واختلف العلماء في سن ابن عباس ﵁ عند وفاة النبي صلي الله عليه وسلم فقيل عشر وقيل ثلاثة عشر وقيل خمسة عشر. قوله (بمني) الجوهري: مني مقصور موضع بمكة وهو مذكر يصرف. فإن قات هو علم للبقعة فيكون غير منصرف قلت لما استعمل منصرفا فاعلم أنهم جعلوه علما للمكان. النووي: فيه لغتان الصرف والمنع ولهذا يكتب بالألف والياء الأجود صرفها وكتائبها بالألف سميت بها لما يمني بها من الدماء لأي يراق. قوله (إلى عير جدار) أي متوجها إليه وقيل المراد إلى غير سترة. فإن قلت لفظ إلى غير جدار لا ينفي شيئا غيره فكيف فسره بغيره سترة. قلت أخبار ابن عباس عن مروره بالقوم وعن عدم جدار مع أنهم لم ينكروا عليه وأنه مظنة إنكار يدل علي حدوث أمر لم يعهد قبل ذلك من كون المرور مع السترة غير منكر فلو فرض سترة أخري غير الجدار لم يكن لهذا الإخبار فائدة قوله (بين يدي) هو مجاز عن القدام لأن الصف لا يدل له. و (بعض الصف) يحتمل أن يراد به صف من الصفوف أو بعض من

стр. 273

٧٦ - حَدَّثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو مُسْهِرٍ قَالَ حَدَّثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثَنِى الزُّبَيْدِىُّ عَنِ الزُّهْرِىِّ عَنْ مَحْمُودِ بْنِ الرَّبِيعِ قَالَ عَقَلْتُ مِنَ النَّبِىِّ صلى ــ الصف الواحد يعني المراد منه إما جزء من الصف وإما جزءان منه. قوله (ـرتع) يقال رتعت الماشية ترتع رتوعاً أي أكلت ما شاءت وقيل أي ترعى. قوله (فلم ينكر) أي رسول الله ﷺ وروي بلفظ المجهول أي لم ينكر أحد لا رسول الله ﷺ ولا غيره ووجه التمسك به أنهم جوزوا المرور بين يدي المصلي إذا لم تكن سترة برواية ابن عباس وإنما تحمله في الصبا فعلم منه قبول سماع الصبي إذا أداه بعد البلوغ. فإن قلت ليس في هذا الحديث سماع للصبي والترجمة في السماع. قلت المقصود من السماع هو وما يقوم مقامه كتقرير الرسول ﷺ في مسئلتنا لمروره ﵁. فإن قلت عقد الباب على الصبي الصغير أو الصغير فقط على ما في بعض النسخ والمناهز للاحتلام ليس صغيراً فما وجه المطابقة بين الترجمة وماله الترجمة قلت المراد من الصغير غير البالغ وذكره مع الصبي من باب التوضيح والبيان قالوا وفي الحديث أن صلاة الصبي صحيحة وأن مرور الحمار بين يدي المصلي لا يقطع الصلاة قال ابن بطال وفيه جواز سماع الصغير وضبطه السنن وجواز شهادة الصبيان بعد أن يكبروا فيما علموه في حال الصغير وفيه أنه إذا فعل بين يدي النبي ﷺ شيء ولم ينكره فهو حجة وفيه جواز الركوب إلى صلاة الجماعة وأن الإمام يجوز له أن يصلي إلى غير سترة. قوله (محمد بن يوسف) هو البخاري البيكندي أبو أحمد مر في باب ما كان النبي ﷺ يتخولهم. قوله (أبو مسهر) بضم الميم وسكون السين المهملة وكسر الهاء وبالراء عبد الأعلى بن مسهر الغساني الدمشقي قبل ما رؤي أحد في كورة من الكور أعظم قدراً ولا أجل عند أهلها من أبي مسهر بدمشق كان إذا خرج إلى المسجد اصطف الناس يسلمون عليه ويقبلون يده وحمله المأمون إلى بغداد في أيام المحنة فجرد للقتل أن يقول بخلق القرآن فأبى ومد رأسه للسيف فلما رأوا ذلك منه حمل إلى السجن فمات ببغداد سنة ثمان عشرة ومائتين ودفن بباب التين قال يحيى بن معين منذ خرجت من باب الأنبار وإلى أن رجعت لم أر مثل أبي مسهر. قوله (محمد بن حرب) بالحاء المهملة المفتوحة وبالراء وبالموحدة هو الأبرش أي الذي فيه نكت صغار تخالف سائر لونه (الحولاني) بفتح الخاء المعجمة وبالنون الحمصي يكنى أبا عبد الله ولي قضاء دمشق مات سنة أربع وتسعين ومائة. قوله (الزبيدي) بضم الزاي وبالموحدة المفتوحة

стр. 274

الله عليه وسلم مَجَّةً مَجَّهَا فِى وَجْهِى وَأَنَا ابْنُ خَمْسِ سِنِينَ مِنْ دَلْوٍ باب الْخُرُوجِ فِى طَلَبِ الْعِلْمِ . وَرَحَلَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُنَيْسٍ فِى حَدِيثٍ وَاحِدٍ. ٧٧ - حَدَّثَنَا أَبُو الْقَاسِمِ خَالِدُ بْنُ خَلِىٍّ قَالَ ــ والمثناة الساكنة التحتانية والذال المهملة هو أبو الهذيل محمد بن الوليد بن عامر الزبيدي الشامي قال أقمت مع الزهري عشر سنين بالرصافة قال محمد بن عوف هو من ثقات المسلمين وإذا جاءك الزبيدي عن الزهري فاستمسك به قال محمد بن مسلم أتيت الزهري أسمع منه قال أتاني ومحمد بن الوليد بين أظهركم قد احتوى ما بين جنبي من العلم مات بالشام سنة ثمان وأربعين ومائة. قوله (محمود بن الربيع) بفتح الراء بالموحدة المكسورة ابن سراقة بالسين المهملة وبالقاف الخزرجي الأنصاري يكنى أبا نعيم وقيل أبا محمد وهو ختن عبادة بن الصامت نزل بيت المقدس مات سنة تسع وتسعين. قوله (عقلت) أي عرفت ويقال مج الشراب من فيه إذا رمى به والضمير في مجها راجع إلى مجة فهو مفعول مطلق ويحتمل أن يكون مفعولاً به. و (من دلو) أي من ماء دلو وذلك من بئر في دارهم (وأنا ابن خمس سنين) جملة معترضة وقعت حالاً إما من تاه عقلت وإما من ياء وجهي. فإن قلت ما وجه دلالته على الترجمة. قلت استدلالاً على إباحة مج الريق على الوجه إذا كان فيه مصلحة وعلى طهارته وغير ذلك. فإن قلت فهل يحكم بمثل هذا الصبي بأنه صحابي. قلت نعم لصدق حد الصحابي عليه وهو مسلم رأي النبي ﷺ . التيمي: وفيه جواز مداعبة الصبي إذا داعبه النبي ﷺ فأخذ ماء من الدلو بفمه فمجه في وجهه (باب الخروج في طلب العلم) والحديث الذي في الباب إنما يدل على الخروج إلى البحر والسفر فيه مع كونه خطراً ولا يخفى أن السفر في البر بالطريق الأولى لقلة الخطر. قوله (جابر بن عبد الله) بن عمرو الخزرجي الأنصاري المدني يكنى بأبي عبد الله أو أبي عبد الرحمن أو أبي محمد مر في كتاب بدء الوحي. قوله (عبد الله بن أنيس) بضم الهمزة مصغر أنس ابن سعد الجهني بضم الجيم وفتح الهاء حليف الأنصار شهد العقبة مع السبعين من الأنصار وشهد أحداً وما بعدها من المشاهد مع رسول الله ﷺ وبعثه رسول الله ﷺ بسرية وحده وهو الذي سأل النبي ﷺ عن ليلة القدر توفي بالشام زمن معاوية سنة أربع وخمسين روي له عن رسول الله ﷺ أربعة وعشرون حديثاً روى له

стр. 275

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ قَالَ قَالَ الأَوْزَاعِىُّ أَخْبَرَنَا الزُّهْرِىُّ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ ــ مسلم حديثاً واحداً في ليلة القدر ولم يرو عنه البخاري. قوله (في حديث واحد) قال ابن بطال يعني حديث الستر على المسلم وقال غيره رجل من المدينة إليه فأدركه في الشام فسمع منه حديثاً في المظالم والقصاص بين أهل الجنة والنار قبل دخولهما وقيل أنه الحديث الذي ذكره البخاري في باب قول الله تعالى: (ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له) في أواخر الكتاب وهو ما قال عبد الله بن أنيس سمعت النبي ﷺ يقول يحشر الله العباد فيناديهم بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب أنا الملك أنا الديان. قوله (خالد بن خلي) بفتح الخاء المنقطة وكسر اللام وبالياء المشددة الكلاعي بفتح الكاف وبالعين المهملة الحمصي وفي بعض النسخ بعد خلي لفظ قاضي حمص. قوله (محمد بن حرب) هو المذكور آنفاً وهو بلفظ ضد الصلح. قوله (الأوزاعي) بفتح الهمزة والراي وبالعين المهملة اسمه عبد الرحمن بن عمرو بن يحمد بضم الياء التحتانية وسكون الحاء المهملة وكسر الميم أبو عمرو الدمشقي كان أهل الشام وأهل المغرب على مذهبه قبل انتقالهم إلى مذهب مالك كان يسكن دمشق خارج باب الفراديس وهو من تابعي التابعين والأوزاع بطن من حمير وقيل من همدان بسكون الميم وقيل الأوزاع قوية عند باب الفراديس وقيل هو نسبة إلى أوزاع القبائل أي فرقها وبقايا مجتمعه من قبائل شتى وكان اسمه عبد العزيز فسمى نفسه عبد الرحمن وكان أصله من سبي السند أجمع العلماء على إمامته وجلالته وعلو مرتبته وكمال فضيلته قيل إنه أفتى في ثمانين ألف مسئلة وقال عبد الحميد سبط ابن عبد العزيز سمعت أميراً كان بالساحل من دمشق وقد دفنا الأوزاعي ثمة ونحن عند القبر يقول رحمك الله أبا عمرو قد كنت أخافك أكثر ممن ولاني وعن سفيان الثوري أنه بلغه مقدم الأوزاعي فخرج حتى لقيه بذي طوى فحل سفيان رأس البعير من القطار ووضعه على رقتبه وكان إذا مر بجماعة قال الطريق للشيخ وذكر أبو إسحق الشيرازي في الطبقات أن الأوزاعي سئل عن الفقه يعني استفتى وله ثلاث عشرة سنة وكان مولده ببعلبك سنة ثمان وثمانين ومات في سنة سبع وخمسين ومائة آخر خلافة أبي جعفر دخل الحمام فذهب الحمامي في حاجة وأغلق عليه الباب ثم جاء ففتح الباب فوجده ميتاً متوسداً يمينه مستقبل القبلة ﵁. قوله (الزهري) بضم الزاي هو ابن شهاب ذكره البخاري في كل موضع باللفظ الذي نقله شيخه ولذا تارة يقول ابن شهاب وتارة الزهري وتارةً محمد بن مسلم وهذا من جملة ضبطه واحتياطه وذكر بقية رجال الإسناد ومعنى الحديث بتمامه قد مر قبيل هذا في باب ما ذكر من ذهاب موسى ورفع في هذه الرواية في بعض

стр. 276

عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ تَمَارَى هُوَ وَالْحُرُّ بْنُ قَيْسِ بْنِ حِصْنٍ الْفَزَارِىُّ فِى صَاحِبِ مُوسَى، فَمَرَّ بِهِمَا أُبَىُّ بْنُ كَعْبٍ، فَدَعَاهُ ابْنُ عَبَّاسٍ فَقَالَ إِنِّى تَمَارَيْتُ أَنَا وَصَاحِبِى هَذَا فِى صَاحِبِ مُوسَى الَّذِى سَأَلَ السَّبِيلَ إِلَى لُقِيِّهِ، هَلْ سَمِعْتَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَذْكُرُ شَانَهُ فَقَالَ أُبَىٌّ نَعَمْ، سَمِعْتُ النَّبِىَّ ﷺ يَذْكُرُ شَانَهُ يَقُولُ «بَيْنَمَا مُوسَى فِى مَلإٍ مِنْ بَنِى إِسْرَائِيلَ، إِذْ جَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ أَتَعْلَمُ أَحَداً أَعْلَمَ مِنْكَ قَالَ مُوسَى لَا. فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَى مُوسَى بَلَى، عَبْدُنَا خَضِرٌ، فَسَأَلَ السَّبِيلَ إِلَى لُقِيِّهِ، فَجَعَلَ اللَّهُ لَهُ الْحُوتَ آيَةً، وَقِيلَ لَهُ إِذَا فَقَدْتَ الْحُوتَ فَارْجِعْ، فَإِنَّكَ سَتَلْقَاهُ، فَكَانَ مُوسَى ﷺ يَتَّبِعُ أَثَرَ الْحُوتِ فِى الْبَحْرِ. فَقَالَ فَتَى مُوسَى لِمُوسَى أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّى نَسِيتُ الْحُوتَ، وَمَا أَنْسَانِيهِ إِلَاّ الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ. قَالَ مُوسَى ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِى. فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصاً، فَوَجَدَا خَضِرًا، فَكَانَ مِنْ شَانِهِمَا مَا قَصَّ اللَّهُ فِى كِتَابِهِ» ــ النسخ تمارى والحر بغير لفظ هو يعني عطف على المرفوع المتصل بغير التأكيد بالمنفصل وذلك جائز عند بعض النحاة والحر هو ضد العبد، و (حصن) بكسر الحاء المهملة وسكون الصاد الغير المعجمة. و (الفزاري) بفتح الفاء وتخفيف الزاي وبالراء بعد الألف وأما التفاوتات بين العبارتين في البابين

стр. 277

باب فضل من عَلِمَ وعلَّم: ٧٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ قَالَ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ أُسَامَةَ عَنْ بُرَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِى بُرْدَةَ عَنْ أَبِى مُوسَى عَنِ النَّبِىِّ ﷺ قَالَ «مَثَلُ مَا بَعَثَنِى اللَّهُ بِهِ مِنَ الْهُدَى وَالْعِلْمِ كَمَثَلِ الْغَيْثِ الْكَثِيرِ أَصَابَ أَرْضاً، فَكَانَ مِنْهَا نَقِيَّةٌ قَبِلَتِ الْمَاءَ، فَأَنْبَتَتِ الْكَلأَ وَالْعُشْبَ الْكَثِير ــ فسهلة يسيرة لا تحتاج إلى شرح (باب فضل من علم وعلم) قوله (محمد بن العلاء) بالمهملة والمد ابن كريب الهمداني بسكون الميم والدال المهملة الكوفي المشهور بأبي كريب بضم الكاف مصغر كرب مات سنة ثمان وأربعين ومائتين. قوله (حماد) بفتح المهملة وبالميم الشديدة (ابن أسامة) بضم الهمزة ابن يزيد من الزيادة الكوفي القرشي أبو أسامة كثير الحديث واسع الرواية صحيح الكتاب ضابط الحديث قال كتبت بأصبعي هاتين مائة ألف حديث مات بالكوفة سنة إحدى ومائتين. قوله (بريد) بضم الموحدة وفتح الراء وسكون التحتانية وإهمال الدال ابن عبد الله بن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري المكنى بأبي بردة الكوفي روى له الجماعة. قوله (أبي بردة) بضم الموحدة وسكون الراء عامر بن أبي موسى عبد الله بن قيس الأشعري الكوفي. قوله (أبي موسى) هو عبد الله بن قيس بفتح القاف الأشعري هاجر من اليمن إلى مكة ثم هاجر منها إلى الحبشة ثم هاجر من الحبشة إلى المدينة له ثلاث هجرات مر ذكره وذكر ابنه وسيط ابنه في باب أي الإسلام أفضل وفي هذا الإسناد لطف وهو أن بريداً يروى عن جده وجده عن أبيه وهم مع الراويين الأخيرين كلهم كوفيون. قوله (مثل) بفتح المثلثة المراد منها ههنا الصفة العجيبة الشأن لا القول السائر. قوله (الهدى) هو الدلالة الموصلة إلى البغية. و (العلم) هو صفة توجب تمييزاً لا يحتمل متعلقه اليقين النقيض وجمع بينهما نظراً إما إلى أن الهدى بالنسبة إلى الغير أي التكميل والعلم بالنسبة إلى الشخص أي الكمال وإما إلى أن الهدى هو الدلالة والعلم هو المدلول وقيل الهدى والعلم هو الطريقة والعمل. قوله (نقية) بالنون أي طيبة طاهرة وفي بعض النسخ ثغبة بالمثلثة والغين المعجمة المفتوحتين وبالموحدة وقد تسكن الغين أيضاً رواه الخطابي وقال هو مستنقع الماء في الجبال والصخور قال صاحب المطالع هذه الرواية غلط من الناقلين وتصحيف وإحالة للمعنى لأنه إنما جعلت هذه الطائفة الأولى مثلاً لما ينبت والثغبة لا تنبت. قوله (قبلت) من القبول وفي بعضها قيلت بالياء أخت الواو مشددة قالوا معناه

стр. 278

وَكَانَتْ مِنْهَا أَجَادِبُ أَمْسَكَتِ الْمَاءَ، فَنَفَعَ اللَّهُ بِهَا النَّاسَ، فَشَرِبُوا وَسَقَوْا وَزَرَعُوا، وَأَصَابَتْ مِنْهَا طَائِفَةً أُخْرَى، إِنَّمَا هِىَ قِيعَانٌ لَا تُمْسِكُ مَاءً، وَلَا تُنْبِتُ كَلأً، فَذَلِكَ مَثَلُ مَنْ فَقِهَ فِى دِينِ اللَّهِ وَنَفَعَهُ مَا بَعَثَنِى اللَّهُ بِهِ، فَعَلِمَ وَعَلَّمَ، وَمَثَلُ مَنْ لَمْ يَرْفَعْ بِذَلِكَ رَاساً، وَلَمْ يَقْبَلْ هُدَى اللَّهِ الَّذِى أُرْسِلْتُ بِهِ». قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ قَالَ ــ أمسكت. قوله (الكلأ) بالهمز وهو النبات يابساً ورضا وأما (العشب) والخلا مقصور فمختصان بالرطب والحشيش مختص باليابس وعطف العشب على الكلأ من باب عطف الخاص على العام والتخصيص بالذكر لفائدة الاهتمام به لشرفه ونحوه. قوله (أجادب) بالجيم والدال المهملة هي الأرض التي لا تنبت كلأ. وقال الخطابي: هي الأرض التي لا تمسك الماء فلا يسرع فيها النضوب وقالوا هو جمع جدب الذي هو القحط قال وقال بعضهم أحارب بالحاء المهملة والراء وبعضهم بها والدال وليس بشيء وبعضهم أجارد بالجيم والراء والمهملة قال وهو صحيح المعنى أن ساعدته الرواية والأجارد ما لا ينبت الكلأ معناه أنها جرداء بارزة لا يسترها النبات وبعضهم أخاذات بالخاء المعجمة والذال كذلك وبالألف والمثناة جمع إخاذة بكسر الهمزة وهي الغدير الذي يمسك الماء وقال صاحب المطالع هذه كلها مقبولة مروية. قوله (سقوا) قال أهل اللغة سقي وأسقي بمعنى لغتان وقيل سقاه ناوله ليشرب وأسقاه جعل له سقيا. قوله (زرعوا) وقع بدله في صحيح مسلم رعوا من الرعي. قوله (طائفة) أي قطعة أخرى من الأرض. و (القيعان) بكسر القاف جمع القاع وهي الأرض المستوية وقيل الملساء وقيل التي لا نبات فيها وهذا هو المراد في الحديث. قوله (فقه) الفقه الفهم يقال فقه بكسر القاف يفقه كفرح يفرح وأما الفقه الشرعي فقالوا يقال منه فقه بضم القاف وقال ابن دريد بكسرها كالأول والمراد هنا هذا الثاني فتضم القاف على المشهور وعلى قول الدريدي تكسر وقد روى بالوجهين والمشهور الضم. قوله (من لم يرفع بذلك رأساً) يعني تكبر يقال ذلك ويراد به أنه لم يلتفت إليه من غاية تكبره. قوله (هدى الله) اكتفى بذكر الهدى عن ذكر العلم لأن نفى قبوله مستلزم لنفي قبول العلم قيل إنما اختار الغيث من بين سائر أسماء المطر ليؤذن باضطرار الخلق

стр. 279

إليه حينئذٍ قال تعالى: (وهو الذي ينزل الغيث من بعد ما قنطوا) وقد كان الناس قبل المبعث قد امتُحنوا بموت القلب ونضوب العلم حتى أصابهم الله برحمة من عنده وإنما ضرب المثل بالغيث للمشابهة التي بينه وبين العلم فإن الغيث يحيي البلد الميت والعلم يحيي القلب الميت. النووي: معنى هذا التمثيل أن الأرض ثلاثة أنواع فكذلك الناس فالنوع الأول من الأرض ينتفع بالمطر فيحيا بعد أن كان ميتاً وينبت الكلأ فينتفع به الناس والدواب والنوع الأول من الناس يبلغه الهدى والعلم فيحفظه ويحيى قلبه ويعمل به ويعلمه غيره فينتفع وينفع والنوع الثاني من الأرض ما لا يقبل الانتفاع في نفسها لكن فيها فائدة وهي إمساك الماء لغيرها فينتفع به الناس والدواب وكذلك النوع الثاني من الناس لهم قلوب حافظة لكن ليست لهم أذهان ثاقبة ولا رسوخ لهم في العلم يستنبطون به الأحكام والمعاني وليس عندهم اجتهاد في العمل به فهم يحفظونه حتى يجيء أهل العلم للنفع والانتفاع فتأخذه منهم فتنتفع به فهؤلاء نفعوا بما بلغهم والثالث من الأرض هي السباغ التي لا تنبت فهي لا تنتفع بالماء ولا تمسكه لينتفع به غيرها فكذلك الثالث من الناس ليس لهم قلوب حافظة ولا أفهام واعية فإذا سمعوا العلم لا ينتفعون به ولا يحفظونه لنفع غيرهم أي الأول للمنتفع النافع والثاني للنافع غير المنتفع والثالث لغيرهما والأول إشارة إلى العلماء والثاني إلى النقلة والثالث إلى من لا علم له ولا نقل ولا يخفى أن دلالة اللفظ على كون الناس ثلاثة أنواع غير ظاهرة وفي الحديث أنواع من العلم منها ضرب الأمثال ومنها فضل العلم والتعليم ومنها الحث عليهما وذم الأعراض عنهما. الخطابي: هذا مثل ضرب لمن قبل الهدى وعلم ثم علم غيره فنفعه الله ونفع به ولمن لم يقبل الهدى فلم ينفع بالعلم ولم ينتفع به وأقول فعلى هذا التقدير لم يجعل الناس ثلاثة أنواع بل نوعان. الطيبي: والقسمة الثانية هي المقصود وذلك أن أصاب منها طائفة معطوف على أصاب أرضاً وكانت الثانية معطوفة على كانت لا على أصاب وقسمت الأرض الأولى إلى النقبة وإلى الأجادب والثانية على عكسها قالوا وفي وكانت ضمنت وتراً إلى وتر وفي أصاب شفعاً إلى شفع وهو نحو قوله تعالى: (أن المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات) من جهة أنه خطف الإناث على الذكور أولاً ثم عطف الزوجين على الزوجين وكذا هنا عطف كانت على كانت ثم عطف أصاب على أصاب. فالحاصل أنه ذكر في الحديث الطرفان العالي في الاهتداء والعالي في الضلال فعبر عمن قبل هدى الله والعلم بقوله فقه وعمن أبى قبولها بقوله لم يرفع بذلك رأساً لأن ما بعدهما وهو نفعه إلى آخره في الأول ولم يقبل هدى الله إلى آخره في الثاني عطف تفسيري لفقه ولقوله لم يرفع وذلك لأن الفقيه هو الذي علم وعمل ثم علم غيره وترك الوسط وهو قسماته أحدهما الذي انتفع بالعلم في نفسه فحسب والثاني الذي لم ينتفع هو بنفسه ولكن نفع الغير

стр. 280

إِسْحَاقُ وَكَانَ مِنْهَا طَائِفَةٌ قَيَّلَتِ الْمَاءَ. قَاعٌ يَعْلُوهُ الْمَاءُ، وَالصَّفْصَفُ الْمُسْتَوِى مِنَ الأَرْضِ. ــ قال المظهري في شرح المصابيح: اعلم أنه ذكر في تقسيرم الأرض ثلاثة أقسام وفي تقسيم الناس باعتبار قبول العلم قسمين أحدهما من فقه ونفع الغير والثاني من لم يرفع به رأساً وإنما ذكره كذلك لأن القسم الأول والثاني من أقسام الأرض كقسم واحد من حيث أنه ينتفع به والثاني هو ما لا ينتفع به فكذلك الناس قسمان من يقبل ومن لا يقبل وهذا يوجب جعل الناس في الحديث على قسمين من ينتفع به ومن لا ينتفع وأما في الحقيقة فالناس على ثلاثة أقسام فمنهم من يقبل من العلم بقدر ما يعمل به ولم يبلغ درجة الإفادة ومنهم من يقبل ويبلغ به ومنهم من لا يقبل. أقول ويحتمل الحديث تثليث القسمة في الناس بأن يقدر قبل لفظة نفعه كلمة من بقرينة عطفه على من فقه كما جاء في قول الشاعر: أمن يهجو رسول الله منكم ... ويمدحه وينصره سواء إذ تقديره ومن يمدحه وحينئذٍ يكون الفقيه بمعنى العالم باللفظ مثلاً وفي مقابلة الأجادب والنافع في مقابلة النقية على اللف والنشر الغير المرتبين ومن لم يرفع في مقابلة القيعان. فإن قلت لم حذف لفظ من قلت إشعاراً بأنهما في حكم شيء واحد أي في كونه ذا انتفاع في الجملة كما جعل للنقية والأجادب حكماً واحداً ولهذا لم يعطف بلفظ أصاب في الأجادب، فإن قلت لم كرر لفظ مثل في من لم يرفع. قلت لأنه نوع آخر مقابل لما تقدم. فإن قلت في الحديث تشبيهان أو تشبيه واحد. قلت تشبيهات متفرقة ومتعددة باعتبار الأجزاء كتشبيه ما بعثه الله به بالغيث الكثير وكتشبيه أنواع الناس بأنواع الأرض ونحوهما. فإن قلت هما من أي قسم من أقسام التشبيه. قلت الأول من تشبيه المعقول بالمحسوس والثاني من تشبيه المحسوس بالمحسوس ويحتمل أن يكون تشبيهاً واحداً من باب التمثيل أي تشبيه صفة العلم الواصل إلى أنواع الناس من جهة اعتبار النفع وعدمه بصفة المطر المصيب إلى أنواع الأرض من تلك الجهة. فإن قلت فقوله فذلك مثل من فقه هل هو داخل في التشبيه أو هو تشبيه آخر. قلت هو تشبيه آخر ذكر كالنتيجة للأول ولبيان المقصود منه. قوله (قال أبو عبد الله) أي الإمام البخاري صاحب الجامع (قال إسحاق) وفي بعض النسخ بعده عن أبي أسامة يعني حماد بن أسامة والمقصود منه أنه روى إسحاق عن حماد لفظ طائفة بدل ما روى محمد بن العلاء عن

стр. 281

باب رَفْعِ الْعِلْمِ وَظُهُورِ الْجَهْلِ . وَقَالَ رَبِيعَةُ لَا يَنْبَغِى لأَحَدٍ عِنْدَهُ شَىْءٌ مِنَ الْعِلْمِ أَنْ يُضَيِّعَ نَفْسَهُ. ٧٩ - حَدَّثَنَا عِمْرَانُ بْنُ مَيْسَرَةَ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ ــ حماد لفظ نقيه وأما إسحاق فالأشبه أن المراد به ابن راهوية بالهاء والواو المفتوحتين والتحتانية الساكنة والهاء المكسورة وهو المشهور ويقال أيضاً بالهاء المضمومة وبالتحتانية المفتوحة وهو إسحق ابن إبراهيم بن مخلد بفتح الميم والمنقطة الساكنة واللام المفتوحة أبو يعقوب الحنظلي المروزي ساكن نيسابور قال عبد الله بن طاهر له لم قيل لك ابن راهوية قال اعلم أيها الأمير أن أبي ولد في طريق مكة فقال المراوزة راهوي لأنه ولد في الطريق وهو بالفارسية راه وهو أحد أركان المسلمين وعلم من أعلام الدين مات بنيسابور سنة ثمان وثلاثين ومائتين ويحتمل أن يراد به إسحق بن إبراهيم بن نصر السعدي البخاري بالخاء المنقطة نزيل المدينة توفي سنة اثنتين وثلاثين ومائتين أو إسحق بن بهرام الكوسج المروزي مات عام إحدى وخمسين ومائتين إذ البخاري في هذا الكتاب يروى عن الثلاثة عن أبي أسامة. قال الغساني في كتاب تقييد المهمل: إن البخاري إذا قال حدثنا إسحق غير منسوب حدثنا أبو أسامة يعني به أحد هؤلاء الثلاثة ولا يخلو منهم وأما لفظ قال فهو أدون مرتبة من حدث أو أخبر إذ هو يذكر عند المذاكرة لا عند النقل والتحميل مع أنه يحتمل التعليق أيضاً لاحتمال أن يروى عنهم بالواسطة والله أعلم (باب رفع العلم) قوله (ربيعة) أي المشهور بربيعة الرأي أبو عثمان بن فروخ بالفاء وبالراء المشددة المضمومة وبالخاء المنقطة ابن أبي عبد الرحمن القرشي المدني التابعي الفقيه كان يكثر الكلام ويقول الساكت بين النائم والأخرس قال يحيى بن سعيد ما رأيت أعقل من ربيعة وكان صاحب معضلات أهل المدينة ورئيسهم في الفتيا قال مالك ذهبت حلاوة الفقه منذ مات ربيعة توفي سنة ست وثلاثين ومائة في دولة أبي العباس بالمدينة أو بالأنبار وهذا تعليق من البخاري بصيغة الجزم الدالة على أنه من تصحيحات التعليق لا من تمريضاتها. قوله (أن يضع) وفي بعضها أن يضيع أي بأن لا يقصد الناس ولا يسعى في تعليم الغير وقد قيل* ومن منع المستوجبين فقد ظلم* قال التيمي قال الفقهاء لزم متعين البلد للقضاء طلبه وندب للأصلح والمثل لحاجته إلى رزق من بيت المال أو لخمول ذكره وعدم شهرة فضيلته. يعني إذا ولى القضاء انتشر علمه وقال ابن بطال معنى قول ربيعة أن من كان له قبول العلم. وفهم فقد لزمه من فرض طلب العلم ما لا يلزم غيره فينبغي له أن يجتهد ولا يضيع طلبه فيضيع نفسه أي حتى لا يرتفع العلم

стр. 282

عَنْ أَبِى التَّيَّاحِ عَنْ أَنَسٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «إِنَّ مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ أَنْ يُرْفَعَ الْعِلْمُ، وَيَثْبُتَ الْجَهْلُ، وَيُشْرَبَ الْخَمْرُ، وَيَظْهَرَ الزِّنَا». ٨٠ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ شُعْبَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ قَالَ لأُحَدِّثَنَّكُمْ حَدِيثاً لَا يُحَدِّثُكُمْ أَحَدٌ بَعْدِى سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ ــ ولا يظهر الجهل. قوله (عمران) بكسر العين (ابن ميسرة) ضد الميمنة البصري أبو الحسن. قوله (عبد الوارث) أي ابن سعيد ابن ذكوان التيمي البصري مر في باب قول النبي ﷺ اللهم علمه الكتاب. قوله (أبي النياح) بفتح المثناة الفوقانية ثم المثناة التحتانية المشددتين والحاء المهملة واسمه يزيد من الزيادة البصري قال أبو إياس ما بالبصرة أحب إلى أن ألقى الله بمثل عمله من أبي النياح مر في باب ما كان النبي ﷺ يتخولهم ورجال الإسناد كلهم بصريون لأن أنا بصري أيضاً. قوله (أشراط الساعة) أي علاماتها واحدها شرط بفتح الشين والراء وبه سميت شرطة السلطان لأنهم جعلوا لأنفسهم علامة يعرفون بها. قوله (أن يرفع العلم) هو في محل النصب بأنه اسم إن وليس المراد منه نحوه من صدور الرجال الحفاظ وقلوب العلماء بل رفعه بموت حملته وقبض العلماء. قوله (ويثبت الجهل) وفي بعض النسخ يبث الجهل من البث وهو النشر وفي بعضها ينبت في النبات بالنون. قوله (ويشرب الخمر) فإن قلت شرب الخمر كيف يكون من علاماتها والحال أنه واقعاً في جميع الأزمان وقد حد رسول الله ﷺ بعض الناس لشربه إياها. قلت المراد أن يشرب شرباً فاشياً أو أن نفس الشرب وحده ليس علامة بل العلامة مجموع الأمور المذكورة. قوله (يظهر الزنا) أي يفشو وينتشر قوله (مسدد) بضم الميم وفتح السين والدال المهملتين. و (يحيى) هو ابن سعيد القطان التميمي. و (شعبة) أي ابن الحجاج الذي قيل فيه إنه أمير المؤمنين في الحديث. و (قتادة) بفتح القاف الأكمة المفسر وذكر رواة هذا الإسناد بهذا الترتيب مر في باب من الإيمان أن يحب لأخيه وكلهم أيضاً يضربون قوله (لأحدثنكم) بفتح اللام وهو جواب قسم محذوف أي والله لأحدثنكم ولهذا جاز دخول النون المؤكدة عليه. و (حديثاً) هو قائم مقام المفعولين لقوله لأحدثنكم. فإن قلت من أين عرف أن أحداً لا يحدث بعده. قلت لعله عرفه بأخبار الرسول ﷺ له أو قال بناء على ظنه أنه لم يسمع الحديث غيره من النبي ﷺ وقال ابن بطال يحتمل أن أنساً قال ذلك لأنه

стр. 283

«مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ أَنْ يَقِلَّ الْعِلْمُ، وَيَظْهَرَ الْجَهْلُ، وَيَظْهَرَ الزِّنَا، وَتَكْثُرَ النِّسَاءُ وَيَقِلَّ الرِّجَالُ، حَتَّى يَكُونَ لِخَمْسِينَ امْرَأَةً الْقَيِّمُ الْوَاحِدُ». بابُ فَضلِ العِلم: ٨١ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ قَالَ حَدَّثَنِى اللَّيْثُ قَالَ ــ لم يبق من أصحاب النبي ﷺ غيره أو لما رأى من التغيير ونقص العلم فوعظهم بما سمع من النبي ﷺ في نقص العلم أنه من أشراط الساعة ليحضهم على طلب العلم ثم أتى بالحديث على نصه. قوله (سمعت) هو بيان أو يدل لقوله لأحدثنكم وقد تقدم توجيه كيفية جعل الذات مسموعاً، قوله (أن يقل العلم) بكسر القاف وهو في محل الرفع بالابتداء. فإن قلت قلة العلم تقتضي بقاء شيء منه والرفع عدم بقائه فما وجه الجمع بينهما. قلت القلة قد تطلق ويراد بها العدم أو كان ذلك باعتبار الزمانين كما يقال مثلاً القلة في ابتداء أمر الأشراط والعدم في انتهائه ولهذا قال ثمة يثبت الجهل وههنا قال يظهر. قوله (وتكثر النساء) أي بسبب تلاحم الفتن وقتل الرجال فيها كما ورد في المواضع الأخر ويكفي كثرتهن في قلة العلم وظهور الجهل والزنا لأن النساء حبائل الشيطان وهن ناقصات عقل ودين. قوله (لخمسين امرأة) يحتمل أن يراد بها حقيقة هذا العدد وأن يراد بها كونها مجازاً عن الكثرة ولعل السر فيه أن الأربعة هي كمال نصاب الزوجات فاعتبر الكمال مع زيادة واحدة عليه ليصير فوق الكمال مبالغة في الكثرة أو لأن الأربعة منها يمكن أن تؤلف العشرة لأن فيها واحداً واثنين وثلاثة وأربعة وهذا المجموع عشرة ومن العشرات المئات ومن المئات الألوف فهي أصل جميع مراتب الأعداد فزيد فوق الأصل واحد آخر ثم اعتبر كل واحد منها بعشر أمثالها أيضاً تأكيداً للكثرة ومبالغة فيها وقد تقرر مثله في قوله تعالى (خمسين ألف سنة). قوله (ألقيم) أي من يقوم بأمرهن فإن قلت ما فائدة التعريف وقح الظاهر أن يقال قيم واحد. قلت فائدته الأشعار بما هو معهود من كون الرجال قوامين على النساء فاللام للعهد. فإن قلت هل لتخصيص هذه الأمور بالذكر فائدة معلومة. قلت والله أعلم يحتمل أن يكون ذلك لأنها مشعرة باختلال الضرورات الخمس الواجبة رعايتها في جميع الأديان التي يحفظها صلاح المعاش والمعاد ونظام أحوال الدارين وهي الدين والعقل والنفس والنسب والمال فرفع العلم مخل بحفظ الدين وشرب الخمر بالعقل وبالمال أيضاً وقلة الرجال بسبب الفتن وظهور الزنا بالنسب وكذا بالمال غالباً. فإن قلت لم كان اختلال هذه الأمور من علاماتها. قلت لأن

стр. 284

حَدَّثَنِى عُقَيْلٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ حَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ أُتِيتُ بِقَدَحِ لَبَنٍ، فَشَرِبْتُ حَتَّى إِنِّى لأَرَى الرِّىَّ يَخْرُجُ فِى أَظْفَارِى، ثُمَّ أَعْطَيْتُ فَضْلِى عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ». قَالُوا فَمَا أَوَّلْتَهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ «الْعِلْمَ». ــ الخلائق لا يتركون سدى ولا نبي بعد هذا الزمان فتعين خراب العالم وقرب القيامة (باب فضل العلم) قوله (سعيد بن عفير) بضم العين المهملة وفتح الفاء وبالراء مر في باب من يرد الله به خيراً يفقهه. قوله (الليث) بالمثلثة ابن سعد الإمام الكبير المصري. و (عقيل) بضم المهملة وبفتح القاف وباللام ابن خالد الأيلي بفتح الهمزة وسكون المثناة التحتانية وباللام. و (ابن شهاب) أي الزهري تقدم في أوائل كتاب الوحي وغيرها. قوله (حمزة) بالحاء المهملة وبالزاي ابن عبد الله ابن عمر بن الخطاب المكنى بأبي عمارة بضم العين القرشي العدوي المدني التابعي روى له الجماعة. قوله (بينا) هو بين فأشبع فتحة النون فصار بينا. و (أتيت) بضم الهمزة وعامل فيه. والأصمعي: لا يستفصح الأطرح إذ وإذا منه كما هو مراراً. قوله (فشربت) أي من ذلك اللبن. و (إني) بكسر الهمزة على تقدير كون حتى للابتداء وبفتح الهمزة على تقدير كونها جارة. و (الري) بفتح الراء وبكسرها بمعنى واحد. فإن قلت الري لا يرى فما معناه. قلت هو من قبيل الاستعارة جعل الري كجسم فأضيف إليه ما هو من خواص الجسم وهو كونه مرئياً. فإن قلت حق الظاهر المضي فما الفائدة في العدول فيه عن الماضي إلى المستقبل. قلت فائدته استحضار صورة الرؤية للسامعين قصداً إلى أن يبصرهم تلك الحالة وقوعاً وحدوثاً. قوله (يخرج) الضمير فيه إما راجع إلى اللبن وإما إلى الري تجوزاً وهو حال إن كان الرؤية بمعنى الإبصار أو مفعول ثاني لأرى إن كانت بمعنى العلم. قوله (من أظفاري) وفي بعضها في أظفاري فالظفر إما منشأ الخروج وإما طرفه. قوله (أولته) أي عبرته والتأويل في اللغة تفسير ما يؤول إليه الشيء وههنا المراد منه تعبير الرؤيا. و (العلم) روى بالنصب أي أولته العلم وبالرفع أي المؤول به هو العلم وأما تفسير اللبن بالعلم فلاشتراكهما في كثرة النفع بهما وفي أنهما سببا الصلاح فاللبن غذاء الإنسان وسبب صلاحهم وقوة أبدانهم والعلم سبب الصلاح في الدنيا والآخرة وغذاء الأرواح وفي الحديث دليل

стр. 285

بابُ الفُتْيَا وَهُوَ وَاقِفٌ عَلَى الدَّابَّةِ وَغَيْرِهَا . ٨٢ - حَدَّثنا إِسْمَاعِيلُ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عِيسَى بْنِ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العَاصِ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ وَقَفَ فِي حَجَّةِ ــ على منقبة عمر ﵁ وعلى جواز تعبير الرؤيا وعلى رعاية المناسبة بين التعبير وماله التعبير ولا تغفل عن الفرق بين العلم وفضيلته إذ الحديث دل على الفضل بمنطوقه لا على فضيلته ويقال إن فضلة رسول الله ﷺ فضيلة وشرف وقد فسرها بالعلم فدل على فضيلة العلم. فإن قلت رؤيا الأنبياء حق فهل كان عدا الشرب وما يتعلق به واقعاً حقيقة أو هو على سبيل التخييل. قلت هو واقع حقيقة ولا محذور فيه إذ هو ممكن والله على كل شيء قدير (باب الفتيا) بضم الفاء ويقال استفتيت الفقيه في مسئلة فأفتاني والاسم منه الفتيا بالضم والفتوى بالفتح. قوله (وهو) أي المفتي (واقف على الدابة) وفي بعضها على ظهر الدابة والدابة لغة الماشية على الأرض وعرفا الخيل والبغل والحمار. قوله (إسمعيل) أي المشهور بابن أبي أويس الأصبحي المدني ابن أخت الإمام مالك مر في باب تفاضل أهل الإيمان. قوله (عيسى بن طلحة بن عبيد الله) بصيغة التصغير القرشي التيمي أبو محمد كان من الأفاضل والعقلاء من مشاهير التابعين ثقة كثير الحديث مات في خلافة عمر بن عبد العزيز. قوله (عبد الله بن عمرو بن العاص) بن وائل القرشي السهمي الزاهد العابد الصحابي ابن الصحابي وعمرو يكتب بالواو في حالتي الرفع والجر فرقا بينه وبين عمر والعاصي الجمهور على كتابته بالياء وهو الفصيح عند أهل العربية ويقع في كثير من الكتب بحذفها وقد قرئ في السبع نحوه كالكبير المتعال والداع وقيل أنه أجوف وجمعه أعياص. قال أبو هريرة ما كان أحد أكثر حديثاً عن رسول الله ﷺ متى ألا عبد الله بن عمرو فإنه كان يكتب ولا أكتب روى له عن رسول الله ﷺ سبعمائة حديث أخرج البخاري منها خمسة وعشرين وإنما قلت الرواية عنه مع كثرة ما حمل لأنه سكن مضر وكان الواردون إليها قليلاً بخلاف أبي هريرة فإنه استوطن المدينة وهي مقصد المسلمين من كل جهة ومر في باب المسلم من سلم المسلمون. قوله (حجة) بكسر الحاء وفتحها المعروف في الرواية الفتح. قال الجوهري: الحجة بالكسر المرة الواحدة وهو من الشواذ لأن القياس بالفتح وقال التوديع عند الرحيل والاسم الوداع بالفتح وأقول جاز الكسر بأن
следующие страницы →