Полный текст (5 685 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.
стр. 316
أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَنْ أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «لَقَدْ ظَنَنْتُ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ أَنْ لَا يَسْأَلَنِى عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ أَحَدٌ أَوَّلُ مِنْكَ، لِمَا رَأَيْتُ مِنْ حِرْصِكَ عَلَى الْحَدِيثِ، أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِى يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَاّ اللَّهُ، خَالِصاً مِنْ قَلْبِهِ أَوْ نَفْسِهِ»
ــ
خلافة أبي جعفر المنصور. قوله (سعيد ابن أبي سعيد المقبري) بفتح الباء وضمها وإن كان الأصل الكسر أبو سعيد المدني مر في باب الدين يسر ورواة هذا الحديث بأجمعهم مدنيون. قوله (قال يا رسوا الله) وفي بعضها قال قيل يا رسول الله و (الشفاعة) مشتقة من الشفع وهو ضم الشيء إلي مثله كأن المشفوع له كان فردا فجعله الشفيع شفعا بضم نفسه إليه والشفاعة الضم إلي آخر معاونا له وأكثر ما تستعمل في انضمام من هو أعلي مرتبة إلي من هو أدني. قوله (لقد ظننت) اللام فيه جواب قسم محذوف و (يا باهريرة) أصله يا أبا هريرة فحذفت الهمزة تخفيفا. قوله ز (يسألني) بضم اللام وفتحها لأن كلمة أن إذا وقعت بعد الظن يجوز في مدخولها الوجهان الرفع والنصب. و (أول) اختلف في أنه أفعل أو فوعل والصحيح الأول واستعماله بمن من جملة أدلة صحته وهو منصوب لأنه في حكم الظرف وقعت حالا ويجوز الرفع بأنه صفة أحد قال سيبويه هو بمنزلة أقدم منك. قوله (لما رأت) ما موصولة والعائد محذوف م من بيانية أو مصدرية تبعيضية مفعول رأيت أي لرؤيتي بعض حرصك. قوله (من قال لا إله إلا الله) احترازا من المشرك وخالصا من قلبه احترازا من المنافق. فإن قلت المشرك والمنافق لا سعادة لهما وأفعل التفضيل يدل علي الشركة. قلت الأفعل بمعني الفعيل يعني سعيد الناس كقولهم الناقص والأشج أعدلا بني مروان يعني عادلا بني مروان أو هو بمعناه الحقيقي المشهور في التفضيل بحسب المراتب أي هو أسعد بمن لم يكن في هذه المرتبة من الإخلاص المؤكد البالغ غايته والدليل علي إرادة تأكيده ذكر القلب إذ الإخلاص معدنه القلب ففائدته التأكيد كما في قوله تعالي فإنه آثم قلبه. الكشاف: فأن قلت هلا أقتصر علي قوله فإنه آثم وما فائدة ذكر القلب والجملة هي الآثمة لا القلب وحده. قلت كتمان الشهادة هو أن يضمها ولا يتكلم بها ولما كان آثما مقترفا بالقلب أسند إليه لآن إسناد الفعل إلي الجارحة التي يعمل بها
стр. 317
أبلغ ألا تراك تقول إذا أردت التأكيد أبصرته عيني وسمعت أذني أو تقول علم عدم السعادة لهما من الدلائل الخارجية الدالة بالتصريح عليه. فإن يكفي مجرد لا إله إلا الله دون محمد رسول الله قلت لا يكفي لكن جعل الجزء الأول من كلمة الشهادة شعارا لمجموعها فالمراد الكلمة بتمامها كما تقول قرأت الم ذلك الكتاب أي السورة بتمامها. فإن قلت الإيمان هو التصديق القلبي علي الأصح وقول الكلمة لا جراء أحكام الإيمان عليه فلو صدق بالقلب ولم يقل الكلمة يسعد بالشفاعة. قلت نعم لو لم يكن مع التصديق مناف ففائدة القول حكمنا عليه بتلك السعادة أو المراد بالقول القول النفساني لا اللساني أو ذكر علي سبيل التغليب إذ الغالب أن من صدق بالقلب قال باللسان الكلمة. فإن قلت التقييد بالناس هل يفيد نفي السعادات عن الجن والملك. قلت لا إذ هو مفهوم اللقب وهو مردود ليس بحجة عند الجمهور. فإن قلت فهل للعصاة وأصحاب الكبائر شفاعة. قلت نغم وهو مذهب الجماعة وأما المعتز له فقالوا الشفاعة للمطيع ولزيادة الثواب وليس للعاصي ولإسقاط العقاب وإطلاق الحديث حجة لنا عليهم فإن قلت من قلبه متعلق بقوله خالصا أو بقوله قال. قلت جاز الأمران والظاهر الثاني. فإن قلت هل هو ظرف لغو أم مستقر، قلت إن تعلق بقال فلغو وإلا فمستقر إذ تقديره حينئذ ناشئا من قلبه. فإن قلت ما محله، قلت الأصح أن اللغو لا محل له مت الإعراب والمستقر هنا منصوب علي الحال وفي بعض النسخ بدل خالصا مخلصا. قوله (أو من نفسه) شك من أبي هريرة. القاضي عياض: الشفاعة خمسة أقسام، أو لها مختصة بنبينا صلي الله عليه وسلم وهي الإراحة من هول القيامة. الثانية في إدخال قوم الجنة بغير حساب وهي أيضا وردت في نبينا صلي الله عليه وسلم. الثالثة الشفاعة لقوم استوجبوا النار فيشفع فيهم نبينا صلي الله عليه وسلم ومن شاء الله تعالي. الرابعة فبمن دخل النار من المذنبين فقد جاءت الأحاديث بإخراجهم من النار بشفاعة نبينا صلي الله عليه وسلم والملائكة وإخوانهم من المؤمنين الخامسة الشفاعة في زيادة الدرجات في الجنة لأهلها وهذه لا تنكرها المعتزلة كما لا ينكرون الأولي النووي: الأولي هي الشفاعة العظمي قيل وهي المراد بالمقام المحمود والمختصة بنبينا صلي الله عليه وسلم هي الأولي والثانية ويجوز أن تكون الثالثة والخامسة والله أعلم. قال ابن بطال في الحديث أن للعالم لأن يفسر في متعلميه فينظر في كل واحد مقدار تقدمه في فهمه وأن ينبه علي تفرسه فيه ليعينه علي الاجتهاد في العلم والحرص عليه وفيه أن للعالم أن يسكت إذا لم يسأل عن العلم حتي يسأل عنه ولا يكون كاتما لأن علي الطالب أن يسأل قال الله تعالي «فاسئلوا أهل الذكر» ثم علي العالم أن يبين إذا سئل فإن لم يبين مد أن يسئل فقد كتم إلا أن يكون له عذر فيعذر وفيه أن الشفاعة إنما تكون في أهل الإخلاص خاصة، أقول وفيه فضيلة أبي هريرة وجواز القسم للتأكيد والخطاب بالسكينة وإثبات الشفاعة يوم القيامة
стр. 318
باب كَيْفَ يُقْبَضُ الْعِلْمُ وَكَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ إِلَى أَبِى بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ انْظُرْ مَا كَانَ مِنْ حَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَاكْتُبْهُ، فَإِنِّى خِفْتُ دُرُوسَ الْعِلْمِ وَذَهَابَ الْعُلَمَاءِ، وَلَا تَقْبَلْ إِلَاّ حَدِيثَ النَّبِىِّ ﷺ وَلْتُفْشُوا الْعِلْمَ، وَلْتَجْلِسُوا حَتَّى يُعَلَّمَ مَنْ لَا يَعْلَمُ، فَإِنَّ الْعِلْمَ لَا يَهْلِكُ حَتَّى يَكُونَ سِرًّا. حَدَّثَنَا الْعَلَاءُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُسْلِمٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ بِذَلِكَ، يَعْنِى حَدِيثَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ إِلَى قَوْلِهِ
ــ
(باب كيف يقبض العلم) قوله (عمر بن عبد الله العزيز) أي الخليفة الراشد الأموي في أول كتاب الإيمان. قوله (أبي بكر بن حزم) بالمهملة المفتوحة والزاي الساكنة هو أبو بكر بن محمد بن عمرو ابن حزم الأنصاري أبو محمد ولي القضاء والآمرة والموسم زمن عمر بن عبد العزيز مات بالمدينة سنة عشرين ومائة. قوله (ما كان من حديث) وفي بعضها ما كان عندي من حديث وكان إما ناقصة وما تامة. قوله (ولا تقبل) خطاب بصيغة النهي وفي بعضها غيبة علي سبيا النفي و (لنفشوا) بصيغة الأمر ويجوز فيه تسكين اللام كما في بعض الروايات والإفشاء هو الإشاعة (ولتجلسوا) من الجلوس لا من الإجلاس. و (حتي يعلم) بلفظ المجهول من التعليم و (لا يعلم) بصيغة المعروف من العلم. قوله (العلاء بن عبد الجبار) أبو الحسن العطار البصري ساكن مكة مات سنة اثني عشرة ومائتين. قوله (عبد العزيز لبن مسلم) باللام المكسورة الخفيفة الخراساني القملي بفتح القاف وسكون المهملة وفتح الميم سكن البصرة قال محي بن اسحق كان من الإبدال مات سنة سبع وستين ومائة. قوله (عبد الله بن دينار) المدوي القرشي المدني مولي ابن عمر مر في باب أمور الإيمان. قوله (بذلك) أي بجميع ما ذكر وفي بعض النسخ بعده يعني حديث عمر بن عبد العزيز إلي قوله ذهاب العلماء والمقصود منه أن العلاء روي كلام عمر إلي قوله العلماء فقط. فإن فات لم أخر إسناد كلام عمر عن كلامه والعادة تقديم الإسناد. قلت للفرق بين إسناد الخبر وإسناد الأثر وأما علي رواية العلاء فظاهر إذ غرضه أنه ما روي إلا بعضه قال ابن بطال في أمر عمر بكتابة حديث النبي صلي الله عليه وسلم خاصة وأن لا يقبل غير
стр. 319
ذَهَابَ الْعُلَمَاءِ
٩٩ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِى أُوَيْسٍ قَالَ حَدَّثَنِى مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ «إِنَّ اللَّهَ لَا يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعاً، يَنْتَزِعُهُ مِنَ الْعِبَادِ، وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعِلْمَ بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ، حَتَّى إِذَا لَمْ يُبْقِ عَالِماً، اتَّخَذَ النَّاسُ رُءُوساً
ــ
الحض علي إتباع السنن وضبطها إذ هي الحجة عند الإختلاف وفيه أنه ينبغي للعالم نشر العلم وإذا عنه قوله (إسمعيل بن أبي أو يس) بصيغة التصغير والسين المهملة مر في باب تفاضل أهل الإيمان و (مالك) هو الإمام المشهور و (هشام) بكسر الهاء و (عروة) بضم المهملة تقدموا في كتاب الوحي و (عبد الله) في باب المسلم من سلم المسلمون. قوله (يقول) ذكر بلفظ المضارع حكاية لحال الماضي وانحصاره له وإلا فالأفضل أن يقال قال ليطابق سمعت. قوله (انتزاعا) مفعول مطلق عن معني يقبض محو رجع القهقري وينتزعه صفة مبينة للنوع ومعناه أن الله لا يقبض العلم من بين الناس علي سبيل أن يرفعه من بينهم إلي السماء أو يمحوه من صدورهم بل يقبضه بقبض أرواح العلماء وموت حملته. قوله (حتي) ابتدائية دخلت علي الجملة و (لم يبق) بضم الياء أي لم يبق الله عالما وبفتحها ورفع عالما و (اتخذ) أصله ائتخذ فقلبت الهمزة تاء ثم أدعم التاء في التاء و (رؤسا) بضم الهمزة وبالتنوين جمع رأس ورؤساء بالمد جمع رئيس وإذا ظرفية والعامل فيها اتخذ ويحتمل أن تكون شرطية فإن قلت إذا للإستقلال ولم لقلب المضارع ماضيا فكيف يجتمعان. قلت لم جعل البقاء ماضيا فهو إذا جعل نفي البقاء مستقبلا أو يقال تعارضا وتساقطا فيبقي علي أصله وهو المضارع أو تعادلا فيفيد الإستمرار. فإن قلت إذا كان شرطية يلزم من انتفاء الشرط انتفاء المشروط ومن وجود الشرط وجود المشروط لكنه ليس كذلك لحصول الإتخاذ مع وجود العالم قلت ذلك في الشروط العقلية أما في غيرها فلا نسلم اطراد القاعدة ثم ذلك الإستلزام إنما هو في موضع لم يكن للشرط بدل فقد يكون لمشرط واحد شروط متعاقبة كصحة الصلاة بدون الوضوء عند التيمم أو المراد بالناس جميعهم فلا يصح أن الكل اتخذوا رءوسا جهالا إلا عند عدم بقاء العالم مطلقا وذلك ظاهر. فإن قلت المراد بالجهل هو الجهل البسيط وهو عدم العلم بالشيء لا مع اعتقاد العلم به أم الجهل المركب وهو عدم العلم بالشيء مع اعتقاد العلم به. قلت المراد به هو القدر المشترك بينهما المتناول لهما قوله (فسئلوا) بضم السين والضلال مقابل الهداية وهي الدلالة الموصلة إلى
стр. 320
جُهَّالاً فَسُئِلُوا، فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ، فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا». قَالَ الْفِرَبْرِىُّ حَدَّثَنَا عَبَّاسٌ قَالَ حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ هِشَامٍ نَحْوَهُ.
باب هل يجعل للنساء يوم على حدة في العلم
١٠٠ - حَدَّثَنَا آدَمُ قَالَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ حَدَّثَنِى ابْنُ الأَصْبَهَانِىِّ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا صَالِحٍ ذَكْوَانَ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِى
ــ
البغية. فأن قلت أهذا مختص بالمفتين به أم عام للقضاة الجاهلين. قلت عام إذ الحكم للشيء مستلزم للفتوي به. فإن قلت الضلال متقدم علي الإفتاء فما معني الفاء. قلت المجموع المركب من الضلال والإضلال هو متعقب علي الإفتاء وإن كان الجزء الأول مقدما عليه أو الضلال الذي بعد الإفتاء غير الضلال الذي قبله. فإن قلت ما وجه التوفيق بين هذا الحديث وهو الذي مر في باب من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين وهو لن تزال هذه الأمة قائمة علي أمر الله لا يضرهم من خالفهم حتي يأتي أمر الله وأمثاله: قلت هذا بعد إتيان أمر الله إن لم يفسر إتيان الأمر بإتيان القيامة أو عدم بقاء العلماء إنما هو في بعض المواضع دون بعض ففي غير بيت المقدس مثلا إن فسرناه به فيكون محمولا علي التخصيص جمعا بين الأدلة وفي الحديث التحذير عن اتخاذ الجهال رءوسا وفيه دلالة للقائلين بجواز خلو الزمان عن المجتهد علي ما هو مذهب الجمهور خلافا للحنابلة. قال ابن بطال معني الحديث أن الله سبحانه لا يهب العلم لخلقه ثم ينتزعه بعد أن تفضل به عليهم والله يتعالي أن يسترجع ما وهب لعباده من علمه الذي يؤدي إلي معرفته والإيمان به وبرسله وإنما يكون قبض العلم بتضييع التعلم فلا يوجد فيمن يبقي من يخلف من مضي وقد أنذر ﵇ بقبض الخير كله وما يتعلق عن الهوي (باب هل يجعل للنساء يوما علي حدة في العلم) ويوم روي بالنصب وبالرفع وذلك تابع لواية يجعل معروفا ومجهولا و (علي حدة) أي علي انفراد وهو علي وزن العدة. الجوهري تقول أعطي كل واحد منهم علي حدة أي علي حياله والهاء عوض من الواو. قوله (آدم) هو ابن إياس مر في باب المسلم من سلم المسلمين. قوله (ابن الأصبهاني) أي عبد الرحمن بن عبد الله الأصبهاني الكوفي أصله من أصبهان خرج منها افتتحها أبو موسي الأشعري الكوفي وقيل كوفي تجر إلي أصبهان وهوبفتح الهمزة وكسرها والباء وبالفاء وأهل المشرق يقولون أصفهان بالفاء وأهل المغرب يقولون أصبهان بالباء وهي مدينة بعراق العجم
стр. 321
سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ. قَالَتِ النِّسَاءُ لِلنَّبِىِّ ﷺ غَلَبَنَا عَلَيْكَ الرِّجَالُ، فَاجْعَلْ لَنَا يَوْماً مِنْ نَفْسِكَ. فَوَعَدَهُنَّ يَوْماً لَقِيَهُنَّ فِيهِ، فَوَعَظَهُنَّ وَأَمَرَهُنَّ، فَكَانَ فِيمَا قَالَ لَهُنَّ «مَا مِنْكُنَّ امْرَأَةٌ تُقَدِّمُ ثَلَاثَةً مِنْ وَلَدِهَا إِلَاّ كَانَ لَهَا حِجَاباً مِنَ النَّارِ». فَقَالَتِ امْرَأَةٌ وَاثْنَيْنِ فَقَالَ «وَاثْنَيْنِ»
١٠١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ
ــ
عظيمة كثر المحدثون فيها. قوله (أبا صالح ذكوان) بفتح المعجمة وسكون الكاف غير مصرف مر في باب أمور الإيمان وأبو سعيد الخدري بضم المعجمة وسكون المهملة مر في باب من الدين الفرار من الفتن. قوله (قال النساء) وفي بعضها قالت النساء وهكذا جاز الأمر في كل إسناد إلي الظاهر الجمع والرجال بالضم فاعل غلبنا والجعل يستعمل متعديا إلي مفعول واحد بمعني فعل وإلي مفعولين بمعني صير م المراد هنا لازمه وهو التعيين ويوما مفعول به لا مفعول فيه ومن في من نفسك ابتدائية متعلقة باجعل يعني هذا الجعل منشؤه اختيارك يا رسول الله لا اختيارنا ويحتمل أن يكون المراد من وقت نفسك بإضمار الوقت والظرف صفة ليوما وهو ظرف مستقر علي هذا الإحتيال. قوله (لقيهن) اللقاء فيه إما بمعني الرؤية وإما بمعني الوصول والفاء في (فوعظهن) فالفصيحة لأن المعطوف عليه محذوف أي فوفي بوعدهن ولقيهن في اليوم الموعود فوعظهن وأمرهن وحذف المأمور به إما لإرادة ايجاده حقيقة الأمر لهن وإما لإرادة عموم المأمور به أي الحذف إما لجعله كالفعل اللازم بالنسبة إليه وإما التعميم ويحتمل أن يكون فوعظهن وأمرهن من تتمة الصفة لليوم والفاء في فكان فصيحة ويحتمل أن يكون لقيهن استئنافا. قوله (امرأة) وفي بعضها من امرأة ومن زائدة وتقدم صفة لها ومنكن حال منها مقدم عليها وخبر المبتدأ الجملة التي بعد آلة الإستثناء لأنه استثناء مفرغ أعرابه علي حسب العوامل. فإن قلت كيف وقع الفعل مستثني. قلت علي تقدير الإسم أي ما امرأة مقدمة لا كائنا لها حجاب. فإن قلت الثلاثة مذكر فهل يشترط أن يكون الولد الميت ذكرا حتي يحصل لها الحجاب قلت تذكيره بالنظر إلي لفظ الولد والولد يقع علي الذكر والأنثي وفي بعضها حجابا بالنصب خبرا لكان قوله (واثنين) وفي بعضها واثنتين. فإن قلت علي م عطف واثنين. قلت علي ثلاثة ومثله يسمي بالعطف التلقيني ونحوه في القرآن «إني جاعلك للناس إما ما قال ومن ذريتي» يعني ما من امرأة تقدم اثنين من ولدها إلا كان لها حجاب. قوله (محمد بن بشار) بالموحدة المفتوحة وبالمعجمة المشددة الملقب ببندار مر في باب ما كان
стр. 322
١٠٢ - حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ قَالَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الأَصْبَهَانِىِّ عَنْ ذَكْوَانَ عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ عَنِ النَّبِىِّ ﷺ بِهَذَا. وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الأَصْبَهَانِىِّ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا حَازِمٍ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ «ثَلَاثَةً لَمْ يَبْلُغُوا الْحِنْثَ»
باب من سمع شيئا فراجعه حتى يعرفه
١٠٣ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِى مَرْيَمَ
ــ
النبي يتخولهم. و (غندر) بضم المعجمة وسكون النون وفتح المهملة علي المشهور وبالراء هو محمد بن جعفر البصري مر في باب ظلم دون ظلم. قوله (بهذا) أي بهذا الحديث وقدم الإسناد الأول لعلو درجته إذ بين شعبة والبخاري رجل واحد وهو آدم بخلاف الثاني فإن بينهما رجلين وقال أولا ابن الأصفهاني وههنا عبد الرحمن بن الأصهاني محافظة علي لفظ الشيوخ وهو من جملة احتياطية. قوله (أبا حازم) بالمهملة وبالزاي هو سليمان مولي عزة بالمهملة المفتوحة وبالزاي الشديدة الأشجعي التابعي الكوفي مات في ولاية عمر بن عبد العزيز ذكر أنه جالس أبا هريرة خمس سنين وهذا تعليق من البخاري عن عبد الرحمن قوله (لم يبلغوا الحنث) بكسر المهملة أي لم يبلغوا زمان التكليف وسن العقل والحنث الإثم الجوهري: يقال بلغ الغلام الحنث أي المعصية والطاعة أي زاد هذا الراوي في الحديث المذكور بعد لفظ ثلاثة لفظ لم يبلغوا الحنث وباقي ألفاظ الحديث سابقة ولاحقة بحاله ولفظ البخاري يحتمل أن يكون موقوفا علي أبي هريرة. قال ابن بطال وفيه سؤال النساء عن أمر دينهن وجواز كلاهن مع الرجال في ذلك وفي ما تمس الحاجة إليه وقد أخذ العلم عن نساء السلف. وأقول وفيه جواز الوعد والوعيد وبيان الأجر للشكلي. فإن قلت وهل للرجل مثل ما للمرأة إذا قدم الولد إلي يوم القيامة قلت نعم لأن حكم المكلفين علي السواء إلا إذا دل دليل علي التخصيص (باب من سمع شيئا فلم يفهم فراجعه) وفي بعضها فراجع فيه قوله (سعيد بن أبي مريم) هو سعيد بن الحكم بن محمد بن أبي مريم الحافظ. الجمحي المولي أبو محمد الضرير ويروي البخاري عنه تارة وعن عبد الله الذهلي عنه أخري مات سنة أربع وعشرين ومائتين يقال أنه أتاه رجل فسأله كتابا ينظر فيه أو سأله فامتنع وسأله رجل آخر في ذلك فأجابه فقال له الأول أجبته ولم تجبني وليس هذا حق العلم فقال ابن أبي مريم إن كنت تعرف أبا حمزة من أبي جمرة وكلاهما عن ابن عباس حدثناك وخصصناك كما خصصناه به.
стр. 323
قَالَ أَخْبَرَنَا نَافِعُ بْنُ عُمَرَ قَالَ حَدَّثَنِى ابْنُ أَبِى مُلَيْكَةَ أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِىِّ ﷺ كَانَتْ لَا تَسْمَعُ شَيْئاً لَا تَعْرِفُهُ إِلَاّ رَاجَعَتْ فِيهِ حَتَّى تَعْرِفَهُ، وَأَنَّ النَّبِىَّ ﷺ قَالَ «مَنْ حُوسِبَ عُذِّبَ». قَالَتْ عَائِشَةُ فَقُلْتُ أَوَ لَيْسَ يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى (فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيرًا) قَالَتْ فَقَالَ «إِنَّمَا ذَلِكَ
ــ
قوله ﴿نافع بن عمر﴾ بن عبد الله الحافظ القرشي المكي الحمجي بضم الجيم وفتح الميم وبالحاء المهملة مات بمكة سنة تسع وتسعين ومائة. قوله ﴿ابن أبي مليكة﴾ أي عبيد الله بن أبي مليكة بصيغة التصغير في باب خوف المؤمن أن يحبط عمله. قوله ﴿عائشة﴾ أي الصديقة بنت الصديق ﵄ سبق ذكرها في أول الصحيح وهذا الإسناد مما استدركه الدارقطني على البخاري ومسلم قال اختلفت الرواة فيه عن ابن أبي مليكة فروى عنه عن عائشة وروى عنه عن القاسم عن عائشة وأقول هدا استدراك ضعيف لأنه محمول على أنه سمعه عنها بالواسطة وبدون الواسطة فرواه بالوجهين فالاستدراك مستدرك. قوله ﴿كانت لا تسمع﴾ فان قلت كانت للماضي ولا تسمع للمضارع فكيف اجتماعها. قلت كانت هنا لثبوت حبرها دائما والمضارع للاستمرار فيتناسبان لو جيء بلفظ المضارع استحضارا للصورة الماهية وحكاية عنها فلفظه وإن كان مضارعا لكن معناه على الماضي. فإن قلت ألا راجعت استثناء متصل أو منقطع. قلت متصل وراجعت هو صفة الموصوف محذوف أي كانت لا تسمع شيئا مجهولا موصوفا بصفة ألا موصوفا بأنه مرجوع فيه قوله ﴿وأن النبي ﷺ قال من حوسب عذب﴾ عطف على قوله أن عائشة وأعلم أن هدا القدر من كلام ابن أبي مليكة مرسل إذ لم يسنده إلى صحابي. قوله ﴿أو ليس يقول الله تعالى﴾ فإن قلت همزة الاستفهام تقتضي الصدارة وحرف العطف يقتضي عدم الصدارة فما تقديره. قلت هنا وفي أمثاله مقدر هو المعطوف عليه وهو مدخول الهمزة نحو أكان كذلك وليس يقول بمعنى لا فكأنه قيل أولا يقول الله وإما أن يكون فيه ضمير الشأن. قوله ﴿يسيرا﴾ أي سهلا هنا لا يتناقش فيه ولا يعترض بما يشق عليه كما يناقش أصحاب الشمال ووجه المعارضة أن الحديث عام في تعذيب كل من حوسب والآية على عدم تعذيب بعضهم وهم أصحاب اليمين.
стр. 324
الْعَرْضُ، وَلَكِنْ مَنْ نُوقِشَ الْحِسَابَ يَهْلِكْ»
باب لِيُبَلِّغِ الْعِلْمَ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِىِّ ﷺ .
١٠٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ حَدَّثَنِى اللَّيْثُ قَالَ حَدَّثَنِى سَعِيدٌ عَنْ أَبِى شُرَيْحٍ أَنَّهُ قَالَ لِعَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ وَهْوَ يَبْعَثُ الْبُعُوثَ إِلَى مَكَّةَ ائْذَنْ
ــ
وجوابها أن المراد من الحساب في الآية العرض يعني الإبراز والإظهار وعن عائشة ﵂ هو أن يعرف ذنوبه ثم يتجاوز عنه. و ﴿ذلك﴾ بكسر الكاف. قوله ﴿نوقش﴾ من المناقشة وهي الاستقصاء في الحساب. و ﴿يهلك﴾ يجوز فيه الرفع والجزم لأن الشرط ماص فيهما الرواية وهو بكسر اللام وهو لازم وتميم تقول هلكه يهلكه هلكا بمعنى أهلكه والمعنى هنا على اللزوم وإن احتمل التعدي أيضا والظاهر أن الحساب منصوب بنزع الخافض أي في الحساب أي من جرى في حسابه المضايقة يهلك. النووي: قوله عذب له معنيان أحدهما أن نفس المناقشة والتوقيف عليها هو التعذيب لما فيه من التوبيخ. والثاني أنه مفض إلى العذاب بالنار ويؤيده الرواية الأخرى يهلك مكان عذب ومعناه أن التقصير غالب على العباد فمن استقصى عليه ولم يسامح هلك وأدخل النار ولكن الله يعفو ويغفر لما دون الشرك لمن يشاء ثم كلامه وفي الحديث بيان فضيلة عائشة وحرصها على التعلم والتحقيق وأن الرسول ﷺ ما كان يتضجر من المراجعة إليه وفيه إثبات الحساب والعرض والعذاب وجواز المناظرة ومقابلة السنة بالكتاب وتفاوت الناس في الحساب وغير ذلك ﴿باب ليبلغ العلم الشاهد الغائب﴾. قوله ﴿قاله ابن عباس﴾ أي رواه عبد الله ابن عباس عن النبي ﷺ وهذا تعليق من البخاري ذكره تقوية للحديث الذي في الباب واستشهادا له ومثله يسمى معضلا. قوله ﴿عبد الله بن يوسف﴾ التنيسي و ﴿الليث﴾ هو ابن سعد الفهمي المصري قدم بغداد وعرض عليه المنصور ولاية مصر فأبى واستعفاه وتقدا في أول الصحيح و ﴿سعيد﴾ أي ابن أبي سعيد المقبري مر في باب الدين يسر. قوله ﴿أبي شريح﴾ يضم المعجمة وفتح الراء وبالحاء المهملة هو خويلد بن عمرو الخزاعي العدوى الكعبي أسلم قبل فتح مكة وكان يحمل أحد ألوية بني كعب يوم الفتح روى له عن رسول الله ﷺ عشرون حديثا ذكر البخاري منها ثلاثة مات بالمدينة سنة ثمان وستين. قوله ﴿عمرو﴾ بفتح العين ابن سعيد بن العاص القرشي الأموي
стр. 325
لِى أَيُّهَا الأَمِيرُ أُحَدِّثْكَ قَوْلاً قَامَ بِهِ النَّبِىُّ ﷺ الْغَدَ مِنْ يَوْمِ الْفَتْحِ، سَمِعَتْهُ أُذُنَاىَ وَوَعَاهُ قَلْبِى، وَأَبْصَرَتْهُ عَيْنَاىَ، حِينَ تَكَلَّمَ بِهِ، حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ «إِنَّ مَكَّةَ حَرَّمَهَا اللَّهُ، وَلَمْ يُحَرِّمْهَا النَّاسُ، فَلَا يَحِلُّ لاِمْرِئٍ يُؤْمِنُ
ــ
أبو عثمان المدني الأشدق الأمير حرج على عبد الملك فخدعه عبد الملك وأمّنه فقتله صبرا سنة سبعين قوله ﴿البعوث﴾ بضم الموحدة جمع البعث بمعنى المبعوث وهو الجند الذي يبعث إلى موضع وكان سعيد يبعث الجند إلى مكة لقتال ابن الزبير. قوله ﴿قام﴾ صفة للقول والمقول هو حمد الله إلى أخره و ﴿العد﴾ أي اليوم الثاني من فتح مكة وذكر أدناي للتأكيد وإلا فالسماع لا يكون إلا بالأذن ولزيادة التأكيد ذكرها باللفظ التثنية فأراد بهداك المبالغة في تخفيض حفظه إياه تيقنه زمانه وهيئته ولفظه وغير دلك ﴿ووعاء﴾ أي حفظه و ﴿هـ﴾ أي بالقول و ﴿حمد الله﴾ بيان لقوله تكلم و ﴿حين﴾ ظرف لقام وسمعته ووعاء وأبصرته ويحتمل أن يراد يقام به واعلم أن كل ما في الإنسان من الأعضاء اثنين اثنين نحو الأذن والعين فهو مؤنث بخلاف الأنف ونحوه. قوله ﴿حرمها الله﴾ إما أن يراد به طلق التحريم ويتناول كل محرماتها وإما أن يراد به ما ذكر بعده من سفك الدم وعضد الشجر. قوله ﴿لم يحرمها الناس﴾ أي ليس من محرمات الناس حتى لا يعتد به من محرمات الله تعالى أوان تحريمها بوحي الله لا أنها اصطلح الناس على تحريمها بغير ادن الله تعالى وأمره فان قلت جاء في الحديث أن إبراهيم حرم مكة قلت إسناد التحريم إلى إبراهيم من حيث انه مبلغه فإن الحاكم بالشرائع كلها هو الله تعالى والأنبياء يبلغوها فان قلت كانت حرة من يوم حلق الله السموات كما ثبت في الأحاديث قلت لعله لما رفع البيت المعمور إلى السماء وقت الطوفان اندرست حرمتها وصارت شريعة متروكة منسية إلى أن أحياها إبراهيم صلوات الله عليه وقيل معناه أن الله تعالى كتب في اللوح المحفوظ يوم خلق السموات والأرض أن إبراهيم ﵇ سيحرم مكة بأمر الله تعالى. قوله ﴿لامرئ﴾ تقدم أن هدا اللفظ من النوادر حيث كان عينه دائما تابعا للأمة في الحركة وخصص من بين ما يجب الإيمان به هدين الأمرين الإيمان بالله واليوم الأخر أي القيامة لأن الأول إشارة إلى المبدأ والثاني إلى العاد والبواقي داخلة تحتها وقد استدل به من يقول الكفار ليسوا مخاطبين بالفروع والجواب أنه ﷺ قال دلك لأن المؤمن هو الذي يطيع الأحكام وينزجر عن المحرمات ولذلك جعل الكلام فيه وليس فيه أن غير المؤمن ليس مخاطبا بالفروع وقيل إنما وصفه الله بالإيمان ليصغر بالعلية يعني من شأن المؤمن بالله وجزائه
стр. 326
بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أَنْ يَسْفِكَ بِهَا دَماً، وَلَا يَعْضِدَ بِهَا شَجَرَةً، فَإِنْ أَحَدٌ تَرَخَّصَ لِقِتَالِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِيهَا فَقُولُوا إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَذِنَ لِرَسُولِهِ، وَلَمْ يَاذَنْ لَكُمْ. وَإِنَّمَا أَذِنَ لِى فِيهَا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، ثُمَّ عَادَتْ حُرْمَتُهَا
ــ
أن لا يخالف أمر الله ولا يحل ما حرم الله تعالى. قوله ﴿يسفك﴾ بكسر الفاء على المشهور وحكي ضمها وكذا يعضد والمراد من إسالة الدم القتل والعضد القطع. فان قلت لا يعضد عطف على يسفك فمعناه لا يحل أن لا يعضد. قلت لا زيدت لتأكيد معنى النفي معناه لا يحل أن يعضد وأما الشجر فالذي لا يستنبته الآدميون في العادة متفق عليه وغير محل الخلاف ولفظ الحديث عام وفي بعض النسخ فيها بدل بها. قوله ﴿فان أحد﴾ هو فاعل فعل محذوف ووجب حذفه لئلا يلزم اجتماع المفسر والمفسر وإلا لم يكن المفسر مفسرا والمفسر مفسرا ونحوه قوله تعالى «وإن أحد من المشركين استجارك» و ﴿ترخص﴾ مشتق من الرخصة وهو حكم ثبت لعذر مع قيام المحرم لولا العذر وقد احتج به من يقول فتحت مكة عنوة أي قهرا والجواب غنه أنه لا يدل على أنه قاتل فيها وأخدها قهرا وجل الشيء لا يستلزم وقوعه أو أن الفتح عنوة يقتضي نصب الحرب عليهم والطعن بالرمح والرمي بالسهم والضرب بالسيف ولم يقع ذلك وأما قتل خارج الحرم في الحرم فليس من معنى القتال في شيء وتأويله عند من يقول فتحت صلحا أن معناه ترخص جواز القتال لرسول الله صلى الله غليه وسلم فانه دخلها متأهبا للقتال لو احتاج إليه. قوله ﴿أذن﴾ بصيغة المجهول والمعروف فان قلت مقتضى الظاهر أن يقال له لإلي فهل فيه التفات. قلت لا لأن السياق في قوله لقتال رسول الله ﷺ حكاية قول المترخص وسياق هذا هو تضمنه جواب الترخص وقضية الالتفات تقتضي اتحاد السياق ويجوز أن يكون التفاتا إذا قدر فان ترخص أحد لقتال فوضع لفظ رسول الله موضعه. قوله ﴿ساعة﴾ أراد به مقدارا من الزمان من يوم الفتح وهو زمان الدخول فيها ولا يعلم من الحديث إباحة عضد الشجر لرسول الله ﷺ في تلك الساعة قوله ﴿حرمتها﴾ أي الحكم الذي في مقابلة الإباحة المستفادة من لفظ الأذن ولفظ اليوم يطلق ويراد به يومك الذي أنت فيه أي من وقت طلوع الشمس إلى غروبها ويطلق ويراد به الزمان الحاضر المعهود وقد يكون أكثر من يوم واحد أو أقل وكذا حكم الأمس. فان قلت ما المراد به هنا قلت الظاهر أنه الحاضر ويحتمل أيضا المعنى الأخر أي ما بين الطلوع إلى الغروب وتكون حينئذ
стр. 327
الْيَوْمَ كَحُرْمَتِهَا بِالأَمْسِ، وَلْيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ». فَقِيلَ لأَبِى شُرَيْحٍ مَا قَالَ عَمْرٌو قَالَ أَنَا أَعْلَمُ مِنْكَ يَا أَبَا شُرَيْحٍ لَا يُعِيذُ عَاصِياً، وَلَا فَارًّا بِدَمٍ، وَلَا فَارًّا بِخَرْبَةٍ
................
اللام للعهد من يوم الفتح إذ عود حرمنها كان يوم الفتح لا في غيره الذي هو يوم صدور هذا القول وكدا اللام في الأمس يكون معهودا من أمس يوم الفتح. قوله ﴿ما قال عمرو﴾ أي في جوابك و ﴿لا تعبد﴾ أي مكة وفي بعضها ولا يعيد أي الحرم أي لا يعصم العاصي مثلا كالظالم. قوله ﴿ولا فارا بدم﴾ أي ملتحما إلى الحرم متلبسا بدم غير حق خوفا من القصاص. قوله ﴿بخربة﴾ بفتح المعجمة وإسكان الراء وبالموحدة على المشهور ويقال بضم الخاء أيضا وأصلها سرقة الإبل وتطلق على كل جناية وقال الخليل هو الفساد في الدين من الخارب وهو اللص المفسد في الأرض قال الشاعر:
والخارب اللص يحب الخاربا
وقد تجرى الخربة في أكثر الكلام مجرى التهمة وقيل العيب وقيل بضم الخاء العورة وبفتحها الفعلة الواحدة من الخرابة وهي اللصوصية وفي بعضها بعد لفظ بخربة يعني السرقة وفي بعضها بعده خيانة وفي بعضها بجزية بالجيم المكسورة وبالزاي والمثناة التحتانية قال ابن بطال من روى بالضم أراد بها الفساد ومن روى بالفتح أراد بها السرقة وقال اختلفنا في تأويل الحديث فحمله أبو شريح لأنه الزبير قبل هؤلاء وهو صاحب النبي ﷺ وأما قول عمرو فليس جوابا لأبي شريح لأنه لم يختلف معه في أن من أصاب حدا في غير الحرم صم التجأ إلى الحرم هل يجوز أن يقام عليه في الحرم أم لا وإنما أنكر عليه أبو شريح بعثه الخيل إليها ونصب الحرب عليها فأحسن في استدلاله وحاد عمرو عن الجواب وجاوبه عن غير سؤاله وقال اختلف العلماء في الصحابي إذا روى الحديث هل يكون أولى بتأويله ممن يأتي بعده أم لا فقال طائفة تأويل الصحابي أولى لأنه الراوي للحديث وهو أعلم بمخرجه وسببه وقال آخرون لا يلزم تأويله إذا لم يصب التأويل قال وفيه من الفقه أنه يجب على العالم الإنكار على الأمير إذا غير شيئا من الدين وان لم يسأل عنه الطبي: لما سمع عمر ودلك رده بقوله أنا أعلم يعني صح سماعك وحفظك لكن ما فهمت المعنى المراد من المقاتلة فان ذلك الترخص كان سبب الفتح عنوة وليس بسبب قتل من استحقه خارج الحرم والذي أنا بصدده من القبيل الثاني لا من الأول فكيف تنكر على
стр. 328
١٠٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ قَالَ حَدَّثَنَا حَمَّادٌ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ مُحَمَّدٍ عَنِ ابْنِ أَبِى بَكْرَةَ عَنْ أَبِى بَكْرَةَ ذُكِرَ النَّبِىُّ ﷺ قَالَ «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ
ــ
فهو من القول بالموجب يعني الجواب مطابق وليس مجاوبة عن غير سؤاله. الخطابي: ظاهر الحديث تحريم الدماء كلها كان ذلك حقا أو لم يكن ويؤكده وإنما أذن لي فيها ساعة ولا يجوز إن يكون ﷺ قد أباح دما حراما عليه لا في ذلك اليوم ولا في غيره من الأيام وإليه ذهب قوم وقالوا الجاني إذا فر إلى الحرم لم يقتص منه ما دام مقيما فيه إلى أن يخرج وقال بعضهم إن كان ما جناه في الحرم اقتص منه فيه وما جناه خارجه فلا يقتص فيه وقال الإمام أبو الحسن المارودي من أصحاب الشافعي في كتاب الأحكام السلطانية: من خصائص الحرم أن أهله لو بغوا على أهل العدل فقد قال بعض الفقهاء يحر قتالهم بل يضيق عليهم حتى يرجعوا إلى الطاعة وقال الجهور يقاتلون على بغيهم إذا لم يكن ردهم عن البغي إلا بالقتال بان قتال البغاة من حقوق الله تعالى التي لا يجوز إضاعتها وقد نص الشافعي ﵀ في كتاب اختلاف الحديث من كتب الأم على جواز قتالهم وقال القفال المروزي في شرح التخليص في أول النكاح لا يجوز القتال بمكة حتى لو تحصن جماعة من الكفار فيها. أقول وهذا بعيد وفي الحديث فوائد غير ما تقدم منها أن العالم إذا أنكر على الأمير عليه رعاية الرفق كما استأذن منه في التحديث وذكر التوكيد في الكلام وتقديم الحمد على المقصود وشرف مكة وإثبات القيامة واختصاص الرسول ﷺ بخصائص وجواز القياس ﵇ لولا العلم بكون الحكم من خصائصه وجواز النسخ إذ نسخ الإباحة للرسول بالحرمة وجواز المجادلة ومخالفة التابعي الصحابي بالاجتهاد والله أعلم. قال البخاري ﵁ ﴿حدثنا عبد الله بن عبد الوهاب﴾ أبو محمد الحجبي بالمهملة والجحيم المفتوحين وبالموحدة البصرى وكان جده درهم من سبى سجستان مر في باب وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا. قال أبو زغة حماد بن زيد بن درهم أثبت من حماد بن سلمة بن دينار ولكن عبد الله بن معاوية الحجمي عكس فقال فضل ابن زيد كفضل الدينار على الدرهم ولم لو يرو البخاري عن ابن سلمة. روى عنه الجماعة غيره. قوله ﴿أيوب﴾ هو السختياني سبق في باب حلاوة الإيمان. و ﴿محمد﴾ أي ابن سيرين مر في باب إتباع الجنائز. و ﴿ابن أبي بكرة﴾ هو عبد الرحمن
стр. 329
وَأَمْوَالَكُمْ - قَالَ مُحَمَّدٌ وَأَحْسِبُهُ قَالَ وَأَعْرَاضَكُمْ - عَلَيْكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِى شَهْرِكُمْ هَذَا، أَلَا لِيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ مِنْكُمُ الْغَائِبَ». وَكَانَ مُحَمَّدٌ يَقُولُ صَدَقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَانَ ذَلِكَ «أَلَا هَلْ بَلَّغْتُ» مَرَّتَيْنِ.
ــ
ابن أبي بكرة مر في باب قول النبي ﷺ رب مبلغ وأبو بكرة بفتح الموحدة نفيع بصيغة التصغير سبق في باب وإن طائفتان والرجال كلهم بصريون قال الإمام الغساني في كتاب تقييد المهمل وفي بعض النسخ عن محمد عن أبي بكرة بحذف ابن أبي بكرة بينها وفي بعضها عن محمد بن أبي بكرة عن أبي بكرة بتبديل لفظ عن بلفظ ابن وكلاهما وهم فاحش. قوله ﴿قال﴾ هو بدل عن النبي ﷺ يعني ذكر قال النبي ﷺ وليس دلك مشتقا من الذكر الذي هو ضد النسيان. قوله ﴿فان دماءكم﴾ فان قلت الفاء عاطفة وهو أول الكلام فما المعطوف عليه. قلت هذا الحديث مخروم لأنه بعض من حديث طويل وقد سبق بعضه في باب قول النبي ﷺ رب مبلغ حيث قال قال رسول الله ﷺ أي يوم هذا فسكتا حتى ظننا أنه سيسميه سوى اسمه قال أليس يو النحر فقلنا بلى قال فأي شهر هذا فسكتنا حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه قال أليس بذي الحجة قلنا بلى قال فان دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم إلى أخره فهو معطوف على الكلام السابق عليه المذكور في موضعه وقد حرم هنا اقتصارا على المقصود وهو بيان التبليغ. قوله ﴿محمد﴾ أي ابن سيرين و ﴿أحسبه﴾ أي أظنه أي ابن أبي بكرة ﴿قال وأعراضكم﴾ أي زاد في الرواية هذه اللفظة وهو منصوب عطفا على دماءك وهذه جملة معترضة بين اسم إن وخبرها. فان قلت كيف روى محمد هنا ظانا في هذا اللفظ وفيما تقدم جازما فيه كما نقلناه في ذلك الباب قلت إما لأنه كان عند روايته لأيوب ظانا في تلك اللفظة وبعدها تذكر فحصل له الجزم بها فرواها لابن عون جازما وإما بالعكس لطروء تردد له أو لغير ذلك. فان قلت ما معنى عليكم إذ معلوم أن أموالنا ليست حراما. قلت العقل مبين للمقصود وهو أن أموال كل واحد منكم حرام على غيره وذلك عند فقدان شيء من أسباب الحل ويؤيده الرواية الأخرى وهو بينكم بدل عليكم والعرض يقال للنفس والحسب وقال في شرح السنة لو كان المراد من الأعراض النفوس لكان تكرارا لأن ذكر الدماء كاف إذ المراد بها النفوس فتعين الأحساب الطيبي: الظاهر أن المراد بالأعراض الأخلاق
стр. 330
باب إِثْمِ مَنْ كَذَبَ عَلَى النَّبِىِّ ﷺ
١٠٦ - حَدَّثَنَا عَلِىُّ بْنُ الْجَعْدِ قَالَ أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ قَالَ أَخْبَرَنِى مَنْصُورٌ قَالَ سَمِعْتُ رِبْعِىَّ بْنَ حِرَاشٍ يَقُولُ
ــ
النفسانية. قوله ﴿كان ذلك﴾ فان قلت إشارة إلى ماذا إذ لا يحتمل أن يشار به إلى ليبلغ الشاهد وهو أمر لأن التصديق والتكذيب من لوازم الخير. قلت إما أن تكون الرواية عند ابن سيرين ليبلغ بفتح اللام فيكون خبرا وإما أن يكون الأمر في معنى الخبر ومعناه إخبار الرسول ﷺ بأنه سيقع التبليغ فيما بعد وإما يكون إشارة إلى تتمة الحديث وهو أن الشاهد يمسى أن يبلغ من هو أوعى منه يعني وقع تبليغ الشاهد أو إلى ما بعده وهو التبليغ الذي في ضمن الأهل بلغت يعني وقع تبليغ الرسول ﵇ إلى الأمة وذلك نحو قوله تعالى «هذا فراق بيني وبينك». قوله ﴿ألا﴾ بتخفيف اللام كأنه قال ألا يا قوم هل بلغت أي هل عملت بمقتضى قول الله تعالى «بلغ ما أنزل إليك» قوله ﴿مرتين﴾ هو متعلق بقال مقدرا أي قال رسول الله ﷺ مرتين ألا هل بلغت فان قلت لم قدرت قال وما جعلته من تتمة قال المذكور في اللفظ وبكون وكان محمد إلى أخره جملة معترضة. قلت حينئذ يلزم أن يكون مجموع هذا الكلام مقولا مرتين ولم يثبت ذلك وفي الحديث بيان حرمة القتل وحرمة الغضب وحرمة الغيبة وتكرار الكلام للتأكيد والتقرير وسائر أحكامه تقدم في باب قول النبي ﷺ رب مبلغ قال ابن بطال لما أخذ الله تعالى على أنبيائه الميثاق في تبليغ دينه لأممهم وجعل العلماء ورثة الأنبياء وجب عليهم أيضا التبليغ والنشر حتى يظهر على جميع الأديان وكان في عصره فرض عين وأما اليوم فهو فرض كفاية لانتشار الدين وعمومه والله تعالى أعلم ﴿باب إثم من كذب على النبي ﷺ ﴾ قوله ﴿علي بن الجعد﴾ بفتح الجيم وسكون العين المهملة وبإهمال الدال الجوهري البغدادي مر في باب أداء الخمس من الإيمان. و ﴿منصور﴾ هو ابن المعتمر أبو عتاب بفتح المهملة والمثناة الفوقانية المشددة الكوفي وكان متعبدا مجتهدا قالت فتاة لأبيها يا أبت الأسطوانة التي كانت في دار منصور ما فعلت قال يا بنية ذاك منصور يصلي بالليل فمات وقال ابن المديني إذا حدثك ثقة عن منصور فقد ملأت يديك لا تريد غيره مر في باب من جعل لأهل العلم أياما قوله ﴿ربعي﴾ بكسر الراء وسكون الموحدة وكسر المهملة وشدة الياء ﴿ابن حراش﴾ بكسر المهملة وبالراء الخفيفة وبالشين المنقطة وليس في الصحيحين حراش بالحاء المهملة سواء ابن جحش بالجحيم المفتوحة والمهملة الساكنة وبالمعجمة العبسى بالمهملة المفتوحة والموحدة الساكنة والمهملة الكوفي الأعور العابد الودع مات سنة يقال لم يكذب قط وكان له ابنان عاصيان
стр. 331
سَمِعْتُ عَلِيًّا يَقُولُ قَالَ النَّبِىُّ ﷺ «لَا تَكْذِبُوا عَلَىَّ، فَإِنَّهُ مَنْ
ــ
على الحجاج فقيل للحجاج أن أباها لم يكذب كذبة قط لو أرسلت إليه فسألته عنهما فأرسل إليه فقال هما في البيت فقال قد عفوت عنهما لصدقك وحلف أنه لا يضحك حتى يعلم أين مصيره إلى الجنة أو النار فما ضحك إلا بعد موته ولو أخوان مسعود وهو الذي تكلم بعد الموت وربيع وهو أيضا حلف إن لا يضحك حتى يعرف في الجنة أم لا يقال غاسله انه لم يزل متبسما على سريره حتى فرغنا وقال ابن المديني لم يرو عن مسعود شيء إلا كلامه بعد الموت والربعي بحسب اللغة المنسوب إلى الربع والحراش جمع الحرش وهو الأثر. قوله ﴿عليا﴾ هو علي بن أبي طالب بن عبد المطلب ابن هاشم بن عبد مناف الهاشمي المدني الكوفي أمير المؤمنين ابن عم رسول الله ﷺ واسم أبي طالب عبد مناف علي المشهور وأم علي فاطمة بنت أسد ابن هشام بن عبد مناف وهي أول هاشمية ولدت هاشميا أسلمت وهاجرت إلى المدينة وتوفيت في حياة رسول الله وصلى عليها رسول الله ﷺ ونزل في قبرها وكنينة على أبو الحسن وكناه رسول الله ﷺ أبا تراب وهو أخو رسول الله ﷺ بالمؤاخاة قال له أنت أخي في الدنيا والآخرة وصهره على فاطمة سيدة نساء العالمين وأبو السبطين وأول هاشمي ولد بين هاشمين وأول خليفة من بني هاشم وأحد العشرة المبشرة بالجنة وأحد الستة أصحاب الشورى الذين توفي رسول الله ﷺ وهو عنهم راض وأحد الخلفاء الراشدين وأحد العلماء الربانيين والشجعان المشهورين والزهاد المذكورين وأحد السابقين إلى الإسلام واختلف العلماء في أول من أسلم من الأمة فقيل خديجة وقيل أبو بكر وقيل على والصحيح خديجة ثم أبو بكر ثم علي والأروع أن يقال أول من أسلم من الرجال الأحرار أبو بكر ومن الصبيان علي ومن النساء خديجة ومن الموالي زيد بن حارثة ومن العبيد بلال واستخلفه النبي ﷺ حين هاجر من مكة أن يقيم بها أياما حتى يؤدي عنه أمانته ثم يلحقه بأهله وشهد مع رسول الله ﷺ المشاهد إلا تبوك فان النبي ﷺ استحلفه فيها على المدينة وهو قال يا رسول الله أتحلفني في النساء والصبيان فقال أما ترضى أن تكون معي بمنزلة هارون من موسى غير أنه لا نبي بعدي وأصابته يوم أحد ست عشرة ضربة وأعطاه الراية يوم خبير وأخبر أن الفتح يكون غلى يده وأحواله في الشجاعة مشهورة وأما علمه فكان من العلوم بالمحل الأعلى روى له عن رسول الله عليه وسلم خمسمائة حديث وستة ثمانون حديثا ذكر البخاري منها تسعة وعشرين وسؤال كبار الصحابة ورجوعهم إلى فتواه وأقواله في المسائل المعضلات أيضا مشهور وأما زهده فهو مما اشترك في معرفته الخاص والعام وكان الحاصل من غلته أربعين
стр. 332
ألف دينار وكلها جعلها للصدقة وكان عليه إزار غليظ اشتراه بخمسة دراهم ولم يترك حين توفي إلا ستمائة درهم أعدها ليشتري بها خادما إلى أهله والأحاديث الواردة في الصحاح في فضله كثيرة ولي الخلافة خمس سنين بويع له في مسجد رسول الله ﷺ في ذي الحجة سنة خمس وثلاثين قال ابن المسبب لما قتل عثمان جاء الصحابة وغيرهم إلى دار علي فقالوا نبايعك فأنت أحق بها فقال أنما ذلك إلى أهل بدر فمن رضوا به فهو الخليفة فلم يبق أحد إلا أتى عليا فلما رأى ذلك خرج إلى المسجد فصعد المنبر فبايعه طلحة ثم بايعه الباقون. قال النووي نقلوا عنه آثارا كثيرة تدل على أنه ﵁ علم السنة والشهر والليلة التي يقتل فيها وأنه لما خرج إلى صلاة الصبح حين خرج صاحت الزواقي أي الديوك في وجهه فطردن عنه فقال دعوهن فأنهن نواثح وقال أهل السير انتدب ثلاثة من الخوارج عبد الرحمان بن ملجم الحميري ورجلان آخران تميمان واجتمعوا بمكة وتعاقدوا ليقتلن عليا ومعاوية وعمرو بن العاص فقال ابن ملجم أنا لعلي وأحدهما أنا لمعاوية والأخر أنا لعمرو وتواعدوا ليلة سبع عشرة من رمضان فتوجه كل واحد إلى المصر الذي فيه صاحبه الذي يريد قتله فضرب ابن ملجم عليا بسيف مسموم في جبهته فأوصله دماغه ليلة الجمعة وتوفي ليلة الأحد التاسع عشر من رمضان سنة أربعين وغسله الحسن والحسين وعبد الله بن جعفر ولما ضربه قال فزت ورب الكعبة وكتب وصيته فلما فرغ من الوصية قال السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ثم لم يتكلم إلا لا اله إلا الله حتى توفي ودفن في السحر وصلى عليه ابنه الحسن وكان عنده فضل من حنوط رسول الله ﷺ أوصى أن يحنط به توفي وهو ابن ثلاث وستين سنة على الأصح وكان إذ اللون ربعة أبيض الرأس واللحية كانت لحيته كثة طويلة حسن الوجه كأنه القمر ليلة البدر ضحوك السن ودفن بالكوفة ﵁. قوله ﴿لا تكذبوا علي﴾ فان قلت هل فرق بين كذب عليه وكذب له أم الحك فيهما. سواء. قلت عنى كذب ﵇ أم لا. قلت نعم المراد من الكذب عليه الكذب في الأحكام الدينية. فان قلت الكذب من حيث هو معصية فكل كاذب عاص وكل عاص يلج النار لقوله تعالى «ومن يعص الله ورسوله فان له نار جهنم» فما فائدة لفظ علي فان الحكم عام في كل من كذب على أحد قلت لا شك أن الكذب على الرسول ﷺ أشد من الكذب على غيره لكونه مقتضيا شرعا عاما باقيا إلى يوم القيامة فخصص بالذكر لذلك أو الكذب عليه كبيرة وعلى غيره صغيرة والصفائر مكفرة عند الاجتناب عن الكبائر أو المراد من قوله ومن يعص الله الكبيرة. فان قلت الشرط سبب للحزاء فكيف يتصور سببية الكذب للأمر بالولوج نفسه قلت
стр. 333
كَذَبَ عَلَىَّ فَلْيَلِجِ النَّارَ»
١٠٧ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ قَالَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ جَامِعِ بْنِ شَدَّادٍ عَنْ عَامِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ قُلْتُ لِلزُّبَيْرِ إِنِّى لَا
ــ
هو سبب للازمة لأن لازم الأمر الإلزام وكون الكذب سببا لإلزام الولوج معنى صحيح, فان قلت ما معنى الكذب. قلت فيه ثلاثة مذاهب مذهب الحق أن الكذب عدم مطابقة الواقع والصدق مطابقته والثاني أنهما مطابقة الاعتقاد ولا مطابقته والثالث مطابقة الواقع مع اعتقاد المطابقة ولا مطابقته مع اعتقاد اللامطابقة وعلى الأخير يكون بينهما الواسطة. النووي: معنى الحديث أن هذا جزاؤه وقد يجازي به وقد يعفو الله تعالى عنه ولا يقطع عليه بدخول النار وهكذا تبديل كل ما جاء من الوعيد بالنار لأصحاب الكبائر غير الكفر ثم ان جوزي وأدخل النار فلا يخلد فيها بل لابد من خروجه منها بفضل الله تعالى ورحمته. قوله ﴿حدثنا أبو الوليد﴾ هو هشام بن عبد الملك الطيالسي البصري شيخ الإسلام مر في باب علامة الإيمان حب الأنصار. قوله ﴿جامع﴾ بالجيم ﴿ابن شداد﴾ بالمعجمة وبالمهملتين الأولى نهما مشددة أبو صخرة الأسدي الكوفي مات سنة ثمان عشرة ومائة روى له الجماعة. قوله ﴿عامر بن عبد الله بن الزبير﴾ بن العوام الأسدي القرشي اشترى نفسه من الله ست مرات مات سنة أربع وعشرين ومائة. قوله ﴿عن أبيه﴾ أي عبد الله بن الزبير بن العوام وهو أبو بكر ويقال أبو خبيب بضم الخاء المعجمة وفتح الموحدة الأولى وسكون المثناة التحتانية بينهما الصحابي ابن الصحابي أمير المؤمنين وهو أول مولود ولد في الإسلام للمهاجرين بالمدينة ولدته أمه أسماء بنت الصديق بقاء وأتت به النبي ﷺ فوضعه في حجره ودعا بتمرة فمضغها ثم تفل في فمه وحنكه فكان أول شيء دخل جوفه ريق رسول الله ﷺ ثم دعا له وكان أطلس لا لحية له روى له عن رسول الله ﷺ ثلاثة وثلاثون حديثا روى البخاري منها ستة وهو أحد العبادلة الأربعة هو وابن عمرو ابن عباس وابن عمر وأما ابن مسعود فليس منهم. وقول الجوهري أنه منهم تقدم بيان غلطة وكان صواما قواما وصولا للرحم عظيم المجاهدة قس الدهر ثلاث ليال يصلى قائما وليلة راكعا وليلة ساجدا حتى الصباح وغزا افريقية فأتاهم ملكهم في مائة ألف وعشرين ألفا والمسلمون عشرون ألفا فنظر ابن الزبير ملكهم قد خرج من عسكره فأخذ ابن الزبير جماعة وقصده فقتله وكان الفتح غلى يده ولما مات يزيد بن معاوية بويع له بالخلافة سنة أربع وستين واجتمع على طاعته أهل الحجار واليمين والعراق وخراسان ما عدا الشام وجدد عمارة
стр. 334
أَسْمَعُكَ تُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَمَا يُحَدِّثُ فُلَانٌ وَفُلَانٌ. قَالَ أَمَا إِنِّى لَمْ أُفَارِقْهُ وَلَكِنْ سَمِعْتُهُ يَقُولُ «مَنْ كَذَبَ عَلَىَّ فَلْيَتَبَوَّا مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ»
ــ
الكعبة وجعل ما لها بابين وحج بالناس ثماني حجج وبقى في الخلافة إلى أن حصره الحجاج بمكة أول ليلة من ذي الحجة سنة ثنتين وسبعين وحج الحجاج بالناس ولم يزل يحاصره إلى أن أصابته رمية حجر فمات وصلب جثته وحمل ر أسه إلى خراسان ﵁. قوله ﴿للزبير﴾ بضم الزاي أي لأبيه أي عبيد الله بن العوام بتشديد الواو القرشي أحد العشرة المبشرة وأحد الستة أصحاب الشورى وأحد المهاجرين بالهجرتين وحواري النبي صلى الله عليه وسل وأمه صفية بنت عبد المطلب عمة النبي ﷺ أسلمت وأسلم هو رابع أربعة أو خامس خمسة علي الصديق ﵁ وهو ابن ست عشرة سنة فعذبه عمه بالدخان ليترك الإسلام فلم يفعل وهاجر إلى أرض الحبشة وشهد المشاهد كلها مع رسول الله ﷺ وأمه صفية بنت عبد المطلب عمة النبي ﷺ أسلمت وأسلم هو رابع أربعة أو خامس خمسة على يد الصديق ﵁ وهو ابن ست عشرة سنة فعذبه عمه بالدخان ليترك الإسلام فلم يفعل وهاجر إلى أرض الحبشة وشهد المشاهد كلها مع رسول الله ﷺ روى له عن رسول الله ﷺ ثمانية وثلاثون حديثا ذكر البخاري تسعة منها وهو أول من سل السيف في سبيل الله وثبت مع النبي صلى الله عليه وسل يوم أحد كان أبيض معتدل اللحم خفيف العارضين ومناقبه كثيرة سيأتي بعضها وترك الزبير يوم الجمل القتال وانصرف عنه فلحقه جماعة من الغواة فقتلوه بوادي السباغ بناحية البصرة ودفن ثمة ثم حول الى البصرة وقبره مشهور بها. قوله ﴿لا أسمك﴾ وفي بعضها إني لا أسمك تحدث ومعناه لا أسمع تحديثك وتحدث قد حدث مفاعيله الثلاث. قوله ﴿أما﴾ مخففة الميم من حروف التنبيه ﴿وإني﴾ بكسر الهمزة ﴿ولم أفارقه﴾ أي لم أفارق رسول الله ﷺ وأراد به عدم المفارقة العرفية أي ما فارقته سفرا ولا حضرا على عادة من يلازم الملوك. فان قلت قد هاجر إلى الحبشة. قلت ذلك قبل ظهور شوكة الإسلام أي ما فارقت عند ظهوره أو أي في أكثر الأحوال. قوله ﴿لكني﴾ وفي بعضها لكني ويجوز في إن وأخواتها إلحاق نون الوقاية بها وعدم الإلحاق. فان قلت شرط لكن أن تتوسط بين كلامين متغايرين فما هما هنا. قلت لازم عدم المفارقة السماع ولازم السماع التحديث عادة ولازم الحديث الذي ذكره في الجواب عدم التحديث فبين اللازمين منافاة فضلا عن المغايرة. فات قلت المناسب لسمعت قال ليوافقا مضيا فما الفائدة في العدول إلى المضارع. قلت استحضار صورة القول للحاضرين والحكاية عنها كأنه يريهم أنه قائل به الآن. قوله ﴿فليتبوأ﴾ بكسر اللام هو الأصل وبالسكون هو المشهور والتبوء اتخاذ المباءة يقال: تبوأ الرجل المكان إذا اتخذه موضعا لمقامه. الجوهري
стр. 335
تبوأت منزلا أي نزلته. الخطابي: ظاهرة أمر ومعناه خبر يريد أن الله يبوئه مقعدة من النار. قال ولم يخف الزبير على نفسه من الحديث أن يكذب فيه عمدا ولكنه خاف أن يزل أو يخطئ فيكون ما يحرى من الغلط فيه كذبا إذ لم يتيقن أن رسول الله ﷺ قد قاله وفيه من العلم أنه لا يجوز الحديث عن رسول الله ﷺ بالشك وغالب الظن حتى يتيقن سماعه ويعلم صحته قال ابن بطال. قيل التبوء إن كان إلى الكاذب فلا شك أنه لا يبوئ نفسه وله إلى تركه سبيل وإن كان إلى الله فأمر العبد بما لا سبيل إليه غير جائز وأجيب بأنه بمعنى الدعاء أي بوأه الله. فان قيل أذلك عام في كل كذب أم خاص. قلنا اختلفوا فيه فقيل معناه الخصوص أي الكذب في الدين كأن نسب إليه تحريم حلال أو تحليل حرام وقيل كان ذلك في رجل بعينه كذب على الرسول ﷺ في حياته وادعى عند قوم أنه بعثه إليهم ليحكم فيهم واحتجاج الزبير به بنفي التخصيص فهو عام في كل كذب ديني وديناوي. الطيبي: الأمر بالتنبؤ تهكم وتغليظ إذ لو قيل كان مقعدة في النار لم يكن كذلك وأيضا فيه إشارة إلى معنى القصد في الذنب وجزائه أي كما أنه قصد في الكذب التعمد فليقصد في جزائه التبوء أقول وأحتمل أن يكون الأمر على حقيقته بأن يكون معناه من كذب فيأمر نفسه بالتبوء ويلزم عليه في قوله فليتبوأ أتوج يهات أربعة. فان قلت من قصد الكذب على رسول الله ﷺ ولم يكن في الواقع كذبا هل يأثم. قلت يأثم لكن لا بسبب الكذب بل بسبب قصد الكذب لأن قصد المعصية معصية إذا تجاوز عن درجة الوسوسة فلا يدخل تحت الحديث. النووي: الحديث يشتمل على فوائد منها تقرير قاعدة لأهل السنة أن الكذب يتناول إخبار العامد والساهي عن الشيء بخلاف ما هو عليه ومنها تعظيم تحريم الكذب عليه ﷺ وأنه فاحشة عظيمة ولكن لا يكفر بهذا الكذب إلا أن يستحله هذا هو المشهور وحكى إمام الحرمين عن والده أنه يكفر ويراق دمه ثم إن من كذب عليه ﷺ عمدا في حديث واحد فسق وردت رواياته أبدا بل تحتم جرحه دائما. قال وقلت هذا مخالف للقواعد والمختار القطع بصحة توبته وقبول روايته بعدها وقد أجمعوا على صحة رواية من كان كافرا فأسلم ومنها أنه لا فرق في تحريم الكذب عليه بين ما كان في الأحكام وما لا حكم فيه كالترغيب والترهيب والمواعظ وكله حرام من أكبر الكبائر خلافا للكرامية حيث جوزوا وضع الحديث فيما لا حكم فيه وأما توقف الزبير في الرواية والإكثار منها فلكونه خاف الغلط والنسيان والغالط والناسي وإن كان لا إثم عليه فقد ينسب إلى تفريط لتساهله أو نحوه وقد يعلق بالناس بعض الأحكام الشرعية كغرامات المتلفات وانتفاض الطهارات قال وهذا الحديث حديث في نهاية من الصحة وقيل لأنه متواتر وحكى الإمام أبو بكر الصيرفي في شرحه
стр. 336
١٠٨ - حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَالَ أَنَسٌ إِنَّهُ لَيَمْنَعُنِى أَنْ أُحَدِّثَكُمْ حَدِيثاً كَثِيراً أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ قَال «مَنْ تَعَمَّدَ عَلَىَّ كَذِباً فَلْيَتَبَوَّا مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ».
١٠٩ - حَدَّثَنَا مَكِّىُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ أَبِى عُبَيْدٍ
ــ
لرسالة الشافعي أنه روى عن أكثر من ستين صحابيا مرفوعا وقال بعض الحفاظ أنه روى عن اثنين وستين صحابيا وفيهم العشرة المبشرة إلا هذا ولا حديث يروى عن أكثر من ستين صحابيا إلا هذا وقال بعضهم رواه مائتان من الصحابة قال ابن الصلاح ثم لم يزل عدده في ازدياد وهلم جرا علة التوالي والاستمرار وليس في الأحاديث ما في مرتبته من التواتر وقيل لم يوجد من الحديث مثال للتواتر إلا ذلك. قوله ﴿حدثنا أبو معمر﴾ بفتح الميين وسكون المهملة بينهما وبالراء المشهور بالقعد عبد الله بن عمرو بن الحجاج المنقري البصري. قوله ﴿عبد الوارث﴾ أي ابن سعيد بن ذكروان التيمي القرشي البصري وتقدما في باب قول النبي ﷺ اللهم عليه الكتاب. قوله ﴿عبد العزيز﴾ أي ابن صهيب بضم المهملة وفتح الهاء الأعمى البصري البناني بضم الموحدة وبالنونين مر في باب حب الرسول من الإيمان. قوله ﴿حديثا﴾ المراد به جنس الحديث ولهذا جاز وقوع الكثير صفة له لا حديث واحد ولا يلزم اجتماع الواحد والكثرة فيه والحديث إذا أطلق في عرف المتشرعة يراد به حديث الرسول ﷺ ولفظ منع متعد إلى مفعولين وإن المخففة مع معمولها هو المفعول الأول والمشددة مع الاسم والخبر في محل الرفع بأنه فاعل أي ليمنعني قول النبي ﷺ كثرة الحديث. فان قلت الحديث لا يمنع كثرة الحديث الصادق بل يجب التكثير والتبليغ إذا كان صدقا فكيف جعله مانعا قلت كثرة الحديث وإن كان صدقا ينجر إلى الكذب غالبا عادة ومن حام حول الحمى أوشك أن يقع فيه فالتقليل للاحتراز عن الانجرار إليه ولو كان وقوعه على سبيل الندرة. قوله ﴿كذبا﴾ عام في جميع أنواع الكذب لأن النكرة في سياق الشرط كالنكرة في سياق النفي في إفادة العموم. قوله ﴿مكى﴾ بالكاف والياء المشددتين ﴿ابن إبراهيم﴾ أبو السكن بالمهملة والكاف المفتوحتين البلخي التميمي ولد سنة ست وعشرين ومائة مر في باب من أجاب الفتيا بإشارة اليد. قوله ﴿يزيد﴾ معروف مضارع الزيادة ﴿ابن أبي عبيد﴾ مصغر العبد الأسلمي مولى بن الأكوع أبو خالد توفي سنة
стр. 337
عَنْ سَلَمَةَ قَالَ سَمِعْتُ النَّبِىَّ ﷺ يَقُولُ «مَنْ يَقُلْ عَلَىَّ مَا لَمْ أَقُلْ
ــ
ست أو سبع وأربعين ومائة روى له الجماعة. قوله ﴿سلمة﴾ بالمهملة واللام المفتوحتين ابن الأكوع بفتح الهمزة وسكون الكاف وفتح الواو وبالمهملة وهو لغة المعوج الكوع أي طرف الزند الذي يلي الإبهام واسم الأكوع سنان بن عبد الله الأسلي المدني وسلمة يكنى بأبي مسلم أو أبي اياس أو أبي عامر وقيل هو ابن عمر وبن الأكوع شهد بيعة الرضوان وبايع رسول الله ﷺ يومئذ ثلاث مرات في أول الناس وأوسطهم وأخرهم روى له عن رسول الله ﷺ سبعة وسبعون حديثا خرج البخاري منها واحدا وعشرين وكان شجاعا راميا محسنا يسبق الفرس فاضلا خيرا سكن الربذة ويقال انه كلة الذئب قال سلمة رأيت الذئب وقد أخذ ظيبا فطلبته حتى نزعته منه فقال ويحك مالي ولك عمدت إلى رزق رزقنيه الله ليس من مالك فنزعته مني قال قلت يا عباد الله إن هذا لعجب ذئب يتكلم فقال الذئب أعجب منه أن رسول الله صلى الله عليه وسل في أصول النخل يدعوكم إلى عبادة الله وتأبون إلا عبادة الأوثان قال فلحقت برسول الله صلى الله عليه وسل فأسلمت مات سنة أربع وسبعين بالمدينة وهو ابن ثمانين سنة. قوله ﴿ما لم أقل﴾ أي لم أقله والعائد المفعول يجوز حذفه. فان قلت أهذا مختص بالقول أم يتناول نسبة فعل إليه لم يفعله. قلت اللفظ خاص بالقول لكن لا شك أن الفعل في معناه لاشتراكهما في علة الامتناع وهو الجسارة على الشريعة ومشرعها صلوات الله وسلامه عليه وكلمة من في النار يحتمل أن تكون بيانية وابتدائية. فان قلت اختلاف الروايات في الألفاظ مع المعاني نحو من تعمد على كذبا ومن يقل على ما لم أقل ومن كذب على معتمدا هل يقال أنه متواثر. قلت مثله يسمى بالتواثر من جهة المعنى أي القدر المشترك الحاصل من جميع الألفاظ واعلم أن هذا الحديث إسناده من عوالي الأسانيد لأن الرجال بين البخاري وبين رسول الله ﷺ ثلاثة وهذا ثلاثيات البخاري فاعرفه قال محيي السنة الكذب على النبي ﷺ أعظم أنواع الكذب الكاذب على الله تعالى وكره قوم من الصحابة والتابعين إكثار الحديث عن رسول الله ﷺ خوفا من الزيادة والنقصان والغلط فيه حتى إن من التابعين من كان يهاب رفع المرفوع فيوقفه على الصحابة ويقول الكذب عليهم أهون من الكذب على رسول الله ﷺ وقال معنى المتبوئ الملزوم ولقد دار بين الزهري وربيعة معاتبة فقال ربيعة للزهري إنما أنا أخبر الناس برأي إن شاءوا تركوا
стр. 338
فَلْيَتَبَوَّا مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ».
١١٠ - حَدَّثَنَا مُوسَى قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ أَبِى حَصِينٍ عَنْ أَبِى صَالِحٍ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِىِّ ﷺ قَالَ «تَسَمَّوْا بِاسْمِى وَلَا تَكْتَنُوا بِكُنْيَتِى، وَمَنْ رَآنِى فِى الْمَنَامِ فَقَدْ رَآنِى، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَتَمَثَّلُ
ــ
وأنت إنما تخبرهم عن رسول الله ﷺ فانظر ما تخبرهم به, قوله - ((موسى)) -أي ابن إسماعيل المنقري البصري التبوذكي, - ((أبو عوانة)) -بفتح المهملة وبخفة الواو وبالنون اسمه الوضاح من الوضوح الواسطي وفد تقدما في كتاب الوحي, قوله - ((أبي حصين)) - بفتح المهملة وكسر الصاد المهملة قال الغساني لا أعلم في الصحيحين من اسمه حصين بفتح الحاء ومن يكنى بأبي حصين غير هذا الرجل وهو عثمان بن عاصم الأسدي الكوفي التابعي الحافظ العثماني كان شيخا ثقة صاحب سنة مات سنة ثمان وعشرين ومائة, قوله - ((أبي صالح)) - أي ذكوان السمان الزيات المدني مر في باب أمور الإيمان, قوله - ((تسموا)) - بصيغة الأمر من باب التفعيل وهو إما حقيقة في معناه أو هو بمعنى التسمية - ((ولا تكونوا)) -من الكناية وهو من التفعل ومن التفعيل ومن الافتعال على حسب اختلاف النسخ والاسم نحو زيد والكنية نحو أبو زيد واعلم أن العلم إما أن يكون شعرا بمدح أو بذم وهو اللقب وإما أن يكون فإما أن يصدر بنحو الأب والأم وهو الكنية أولا وهو الاسم فاسم النبي ﷺ محمد وكنيته أبو قاسم ولقبه رسول الله ﷺ وسيد المرسلين مثلا, الجوهري: الكتابة أن يتكلم بشيء ويريد به غيره ويقال كنيت وكنوت بكذا وعن كذا والكنية بالضم والكسر وا ...... فلان بكذا وكنيته أبا زيد وبأبي زيد واختلف العلماء في هذه المسئلة فقال أهل الظاهر لا يحل التكني بأبي قاسم لأحد سواء كان اسمه محمد أو أحمد أو لم يكن لهذا الحديث ونحوه وقال مالك يباح التكني به سواء كان اسمه محمدا أو أحمد لا لأن هذا كان في زمن الرسول للالتباس بكنيته ﷺ لما روى أنه نادى رجل رجلا بالبقيع يا أبا القاسم فالتفت إليه رسول الله ﷺ فقال يا رسول الله إني لم أعنك إنما دعوت فلانا فقال رسول الله ﷺ تسموا باسمي ولا تكنوا بكنيتي ثم نسخ ولم يبق الالتماس وقال ابن جرير إنما كان النهي للتنزيه والأدب لا للتحريم وقال جماعة من السلف النهي عن التكني بأبي قاسم مخصوص بمن اسمه محمد أو أحمد ولا بأس بالكنية وحدها لمن لا يسمى بواحد من الاسمين لما روى أن النبي ﷺ نهى أن يجمع أحد بين اسمه وكنيته والخامس أنه منهي عن التكني بأبي القاسم مطلقة وينهى عن التسمية بالقاسم لئلا يكني أبوه بأبي قاسم والسادس
стр. 339
فِى صُورَتِى، وَمَنْ كَذَبَ عَلَىَّ مُتَعَمِّداً فَلْيَتَبَوَّا مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ
ــ
أن التسمية بمحمد ممنوعة مطلقا سواء كانت له كنية أم لا وجاء في الحديث عن النبي ﷺ تسمون أولادكم محمدا ثم تلعنونهم, قوله- ((فتدرآني)) - فإن قلت الشرط ينبغي أن يكون غير الجزاء سببا له متقدما عليه وههنا ليس كذلك, قلت قلت ليس هو الجزاء حقيقة بل لازمه نحو فليستبشر فإنه قد رآني وهي رؤيا ليس بعدها فإن الشرط والجزاء إذا اتحدا صورة دل على الكمال والغاية نحو من كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله ونحو من أدرك الضمان فقد أدرك المرعى أي أدرك مرعى متناهيا في بابه, فإن قلت ما معنى الرؤية فيه هل المراد منه حقيقة الرؤية أو غيرها, قلت قال القاضي الباقلاّني رؤياه صحيحة ليست بأضغاث أحلام ولا من تشبيهات الشيطان وقد يراه الرائي على خلاف صفته المعروفة كمن يراه أبيض اللحية وقد يراه شخصان في زمان واحد أحدهما في المشرق والآخر في المغرب ويراه كل منهما في مكانه وقال آخرون بل الحديث على ظاهره وليس لمانع أن يمنعه فإن العقل لا يحيله حتى يضطر إلى تأويل وأما قوله فإن قد يرى على خلاف صفته أو في مكانين فإنه تغيير في صفاته لا في ذاته فتكون ذاته مرئية وصفاته متخيلة والرؤية أمر يخلقه الله تعالى في الحي لا يشترط فيه المواجهة ولا تحديق الأبصار ولا كون المرئي ظاهرا بل الشرط كونه موجودا فقط حتى جاز رؤية أعمى بقة أندلس ولم يقم دليل على فناء جسمه ﷺ بل جاء في حديث ما يقتضي بقاءه وقال أبو حامد الغزالي ليس معناه أنه رأى جسمي وبدني بل رأى مثالا صار ذلك المثال آلة ينادى بها المعنى الذي في نفسي إليه بل البدن في اليقظة أيضا ليس إلا آلة للنفس فالحق أن يراه مثال الحقيقة روحه المقدسة التي هي محل النبوة فما رآه من الشكل ليس هو روح النبي ﷺ ولا شخصه بل هو مثال له على التحقيق أقول فله ثلاثة توجيهات وخير الأمور أوسطها, قوله- ((الشيطان)) - إما مشتق من شاط أي هلك فهو فعلان وإما من شطن أي بعد فهو فيعال والمراد منه إما إبليس شخصه فاللام للعهد وإما نوعه فلام للجنس, قوله - ((لا يتمثل)) -أي لا يتصور بصورتي, قال القاضي عياض: قال بعضهم خص الله تعالى النبي ﷺ بأن رؤية الناس إياه صحيحة وكلها صدق ومنع الشيطان أن يتصور في خلقه لئلا يكذب على لسانه في النوم كما خرق الله تعالى العادة للأنبياء بالمعجزة وكما استحال أن يتصور الشيطان في صورة اليقظة قال محي السنة رؤيا النبي ﷺ في المنام حق ولا يتمثل الشيطان به وكذا جميع الأنبياء والملائكة ﵈ لا يتمثل بهم انتهى, فإن قلت إذا قلنا إنه رآه حقيقة فمن رآه في المنام هل يطلق عليه صحابي أم لا, قلت لا إذ لا يصدق عليه حد الصحابي وهو مسلم رأى النبي ﷺ إذ المراد منه الرؤية المعهودة الجارية على العادة أي الرؤية في حياته الدنيا لأن
стр. 340
باب كتابة العلم
١١١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ قَالَ أَخْبَرَنَا وَكِيعٌ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ مُطَرِّفٍ عَنِ الشَّعْبِىِّ عَنْ أَبِى جُحَيْفَةَ قَالَ قُلْتُ لِعَلِىٍّ هَلْ عِنْدَكُمْ كِتَابٌ قَالَ
ــ
النبي ﷺ هو المخبر عن الله تعالى وهو ما كان مخبرا للناس عنه إلا في الدنيا لا في القبر ولهذا يقال مدة نبوته ﵇ ثلاث وعشرون سنة على أنا لو التزمنا إطلاق لفظ الصحابي عليه لجاز وهذا أحسن وأولى, فإن قلت الحديث المسموع منه في المنام هل هو حجة يستدل ويحتج بها, قلت لا إذ يشترط في الاستدلال به أن يكون الراوي ضابطا عند السماع والنوم ليس حال الضبط ((باب كتابة العلم)) قوله ((ابن سلام)) أي محمد أبو عبدالله بن سلام البيكندي قال المقدسي في الكمال سلام بتخفيف اللام وقد يشدده من لا يعرف وقال الدارقطني هو التشديد لا بالتخفيف مر في كتاب الإيمان, قوله - ((وكيع)) - بفتح الواو وكسر الكاف وبالعين المهملة ابن الجراح بالجيم المفتوحة وبالراء مشددة وبالمهملة الرأسي بضم الراء وفتح الهمزة وبالسين المهملة من تابعي التابعين بالكوفة أصله من نيسابور أو سمرقند أو أصبهان قال حماد بن زيد لو شئت لقلت وكيع أرجح من سفيان وقال الإمام أحمد ما رأيت أوعى للعلم ولا أحفظ من وكيع ما رأيته شك في حديث إلا يوما واحدا ولا رأيت معه كتابا قط ولا رفعة وقال هو أحب إلى من يحيى بن سعيد, فقيل له كيف, قال كان وكيع صديقا لحفص بن غياث فلما ولى القضاء هجره وكيع وكان يحيى صديقا لمعاذ بن معاذ فولى القضاء ببغداد فلم يهجره يحيى وقال ابن معين ما رأيت أفضل من وكيع وكان يفتي بقول أبي حنيفة ﵁ وكان قد سمع منه شيئا كثيرا مات منصرفا من الحج يوم عاشوراء سنة سبع وتسعين مائة, قوله - ((سفيان)) - يحتمل أن يراد به الثوري ويحتمل أن يراد به ابن عيينة لأن وكيعا يروي عنهما وهما يرويان عن مطرف ولا قدح بهذا الالتباس في الإسناد لأن أيا كان منهما فهو أمام حافظ ضابط عدل مشهور على شرط البخاري ولذا يروي لهما في الجامع كثيرا لكن قال الغساني في كتاب التقييد هذا الحديث محفوظ عن ابن عيينة ولم ينبه عليه البخاري قال وقد رواه يزيد العدني بالمهملتين المفتوحتين والنون عن الثوري أيضا وتقدم ذكرهما مرارا, قوله - ((مطرف)) -بضم الميم وفتح المهملة وكسر الراء المشددة وبالفاء ابن طريف بالمهملة المفتوحة أبو بكر الكوفي قال ما يسرني أني كذبت كذبة وأن لي الدنيا كلها وقال داود بن علية ما أعرف عربيا ولا أعجميا أفضل من مطرف مات سنة إحدى أو اثنتين وأربعين ومائة, قوله - ((الشعبي)) -بفتح الشين أبو عمر وعامر الكوفي التابعي الجليل مر في باب
стр. 341
لَا، إِلَاّ كِتَابُ اللَّهِ، أَوْ فَهْمٌ أُعْطِيَهُ رَجُلٌ مُسْلِمٌ، أَوْ مَا فِى هَذِهِ الصَّحِيفَةِ. قَالَ قُلْتُ فَمَا فِى هَذِهِ الصَّحِيفَةِ قَالَ الْعَقْلُ، وَفَكَاكُ الأَسِيرِ، وَلَا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ.
١١٢ - حَدَّثَنَا
ــ
المسلم من سلم المسلمون, قوله - ((أبو جحيفة)) -بضم الجيم وفتح المهملة وسكون المثناة التحتانية وبالفاء وهب بن عبدالله السوائي بضم المهملة وتخفيف الواو وبالمد الكوفي الصحابي روى له عن رسول الله ﷺ خمسة وأربعين حديثا ذكر البخاري منها أربعة وكان على ﵁ يكرم أبا جحيفة ويسميه وهب الخير ووهب الله وكان يحبه ويثق به وجعله على بيت المال بالكوفة توفي النبي ﷺ وهو لم يبلغ الحلم ومات بها سنة اثنتين وسبعين ﵁, قوله- ((هل عندهم)) -الخطاب لعلي ﵁ والجمع للتعظيم أو لإرادته مع سائر أهل البيت أو للالتفات من خطاب المفرد إلى خطاب الجمع على مذهب من قال من علماء المعاني يكون مثله التفاتا وذلك كقوله تعالى ((يا أيها النبي إذا طلقتم النساء)) إذ لا فرق بين أن يكون الانتقال حقيقة أو تقديرا عند الجمهور, قوله - ((كتاب)) - أي مكتوب من عند رسول الله ﷺ وإنما سأله ذلك لأن الشيعة كانوا يزعمون أنه ﷺ خص أهل بيته لاسيما عليا بأسرار من علم الوحي لم يذكرها لغيره أو لأنه كان يرى فيه علما أو تحقيقا لا يجده عند غيره, قوله - ((لا)) - أي لا كتاب عندنا إلا كتاب الله وكتاب مرفوع وأعطيه بصيغة المجهول وبفتح الياء والمفعول الأول هو مفعول ما لم يسم فاعله والثاني الضمير والمراد من الفهم المفهوم أي ما يفهم من فحوى الكلام ويدرك من بواطن المعاني التي هي غير الظاهر من نصه كوجوه الأقيسة والمفاهيم وسائر الاستنباطات ولا شك أن الناس متفاوتون فيه, - ((الصحيفة)) - أي الكتاب وكانت معلقة بقبضة سيفه إما احتياطيا وأما استظهارا وإما لكونه منفردا بسماع ذلك والظاهر أن سبب اقتران الصحيفة بالسيف الإشعار بأن مصالح الدين ليست بالسيف وحده بل بالقتل تارة وبالدية تارة وبالعفو أخرى فلا يوضع السيف في موضع الندى بل يوضع كل في موضعه, فإن قلت الاستثناء متصل أم لا, قلت متصل لأن المفهوم من الكتاب كتاب أيضا لأن المفاهيم توابع للمناطق, قوله - ((فما في هذه)) - وفي بعضها وما, وهي استفهامية بخلاف المذكورة أولا فإنها موصولة, قوله - ((العقل)) - أي الدية وإنما سميت به لأن الإبل كانت تعقل أي تشد بفناء دار ولي المقتول والمراد أحكامها ومقاديرها وأصنافها وأسنانها, قوله- ((فكاك)) - بكسر الفاء هو ما ينفك به وأفتكه بمعنى أي خلصه و- ((الأسير)) - بمعنى المأسور من أسره إذا شده بالإسار وهو القد
стр. 342
أَبُو نُعَيْمٍ الْفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ قَالَ حَدَّثَنَا شَيْبَانُ عَنْ يَحْيَى عَنْ أَبِى سَلَمَةَ عَنْ أَبِى
ــ
بكسر القاف وبالمهملة لأنهم كانوا يشدون الأسير بالقد وسمي كل أخيذ أسيراً وإن لم يشد به والمقصود أن فيها حكمه والترغيب في تخليصه وأنه من أنواع البر الذي ينبغي أن يهتم به. قوله (وأن لا يقتل مسلم بكافر) وفي بعضها ولا يقتل فإن قلت كيف جاز عطف الجملة على المفرد. قلت هو مثل قوله تعالى (فيه آياتٌ بينات مقام إبراهيم ومن دخله كان آمناً) أي فيها حكم العقل وحكم حرمة قصاص المسلم بالذمي وفيه دليل على أن المسلم لا يقتل بالذمي قصاصاً وعليه مالك والشافعي وأحمد وذهب الحنفية إلى القصاص لما روى عبد الرحمن السلماني أن رجلاً من المسلمين قتل رجلاً من أهل الذمة فأمر به رسول الله ﷺ فقتل قال القاضي البيضاوي أنه منقطع لا احتجاج به ثم أنه خطأ إذا قيل إن القاتل كان عمرو بن أمية وقد عاش بعد الرسول ﷺ سنين ومتروك بالإجماع لأنه روى أن الكافر كان رسولاً فيكون مستأمناً لا ذمياً وأن المستأمن لا يقتل به المسلم وفاقاً ثم إن صح فهو منسوخ لأنه كان قبل الفتح وقد قال ﷺ يوم الفتح في خطبة خطبها على درج البيت الشريف ولا يقتل مؤمن بكافر ولا ذو عهد في عهده. قال ومعنى كلامه ﵁ أنه ليس عنده شيء سوى القرآن وأنه ﷺ لم يخص بالتبليغ والإرشاد قوماً دون قوم وإنما وقع التفاوت من قبل الفهم واستعداد الاستنباط واستثنى ما في الصحيفة احتياطاً لاحتمال أن يكون فيها مالاً يكون عند غيره فيكون منفرداً بالعلم به. قال وقيل كان فيها من الأحكام غير ما ذكر هنا ولعله لم يذكر جملة ما فيها إذ التفصيل لم يكن مقصوداً حينئذٍ أو ذكره ولم يحفظه الراوي قال ابن بطال فيه ما يقطع بدعة المتشيعة المدعين على علي ﵁ أنه الوصي وأنه المخصوص بعلم من عند رسول الله ﷺ لم يعرفه غيره حيث قال ما عنده إلا ما عند الناس من كتاب الله ثم أحال على الفهم الذي الناس فيه على درجاتهم ولم يخص نفسه بشيء غير ما هو ممكن في غيره. وأقول وفيه إرشاد إلى أن للعالم الفهم أن يستخرج من القرآن بفهمه ما لم يكن منقولاً عن المفسرين لكن بشرط موافقته الأصول الشرعية وفيه إباحة كتابة الأحكام وتقييدها وفيه جواز السؤال من الإمام فيما يتعلق بخاصته قال البخاري ﵁ (حدثنا أبو نعيم) بضم النون وفتح المهملة وسكون الياء الفضل بفتح الفاء وسكون المعجمة (ابن دكين) بضم الدال المهملة وفتح الكاف وبالياء الساكنة وبالنون وهو لقب واسمه عمرو وكان مزاحاً مع فقهه وفضله ودينه وأمانته وإتقانه وحفظه مر في باب فضل من استبرأ لدينه. قوله (شيبان) بفتح المعجمة بن عبد الرحمن أبو معاوية النحوي البصري
стр. 343
هُرَيْرَةَ أَنَّ خُزَاعَةَ قَتَلُوا رَجُلاً مِنْ بَنِى لَيْثٍ عَامَ فَتْحِ مَكَّةَ بِقَتِيلٍ مِنْهُمْ قَتَلُوهُ، فَأُخْبِرَ بِذَلِكَ النَّبِىُّ ﷺ فَرَكِبَ رَاحِلَتَهُ، فَخَطَبَ فَقَالَ «إِنَّ اللَّهَ حَبَسَ عَنْ مَكَّةَ الْقَتْلَ - أَوِ الْفِيلَ شَكَّ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ - وَسَلَّطَ عَلَيْهِمْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَالْمُؤْمِنِينَ، أَلَا وَإِنَّهَا لَمْ تَحِلَّ لأَحَدٍ قَبْلِى، وَلَا تَحِلُّ لأَحَدٍ
ــ
التميمي المؤدب مات ببغداد ودفن بمقبرة الخيزران أو في باب التين سنة أربع وستين ومائة في خلافة المهدي حدث عنه الإمام أبو حنيفة وعلى بن الجعد وبين وفاتهما تسع وسبعون سنة, قوله - ((يحيى)) -أي ابن أبي كثير بفتح الكاف وبالمثلثة أبو نصر اليماني البصري كان من العباد مات سنة تسع وعشرين أو اثنتين وثلاثين ومائة, قوله - ((أبي سلمة)) - بالمهملة واللام المفتوحتين عبدالله بن عبدالرحمن بن عوف كان وجهه كدينار هرقلي مر في كتاب الوحي, قوله- ((خزاعة)) - بضم المعجمة وبالزاي حي من الأزد سموا بذلك لأن الأزد لما خرجت من مكة وتفرقت في البلاد تخلفت عنهم خزاعة وأقامت بها ومعنى خزع فلان عن أصحابه أي تخلف عنهم, قوله - ((منهم)) - أي من خزاعة قتل بنو ليث ذلك الخزاعي- ((فأخبره)) - بصيغة المجهول والراحلة هي الناقة التي تصلح لأن ترحل ويقال الراحلة المركب من الإبل ذكرا كان أو أنثى- ((والفتك)) - بالفاء والكاف سفك الدماء على غفلة وفي بعضها بدله القتل بالقاف واللام, قوله- ((أو الفيل)) -الذي أرسله الله على أصحابه طيرا أبابيل ترميهم بحجارة من سجيل حين وصلوا إلى بطن الوادي قريبين من مكة, قوله - ((واجعلوه)) -أي قال أبو تميم للسامعين اجعلوا هذا اللفظ على الشك وفي بعضها قال أبو عبدالله أي البخاري اجعلوه على الشك فعلى الأول هو مقول أبي نعيم وعلى الثاني مقول المؤلف وأما غير أبي نعيم فجازم بلفظ الفيل بالفاء واللام من غير ترديد بينه وبين ما في إحدى النسختين, قوله - ((سلط)) - بالمعروف والمؤمنين بالياء وبالمجهول والمؤمنون بالواو وفي بعضها بدل عليها عليهم أي على أهل مكة, قوله - ((ألا وإنها)) - فإن قلت ألا لها صدر الكلام فما المعطوف عليه بالواو والمناسب أن يقال بدون الواو ونحو ((ألا إنهم هم المفسدون)) , قلت هو عطف على مقدر أي ألا إن الله حبس عنها الفيل وإنها لم تحل لأحد ومعنى حلال مكة حلال القتال فيها, فإن قلت لم لقلب المضارع ماضيا ولفظ بعدي للاستقبال فكيف يجتمعان والظاهر ما في سائر النسخ من لا تحل بكلمة لا, قلت معناه
стр. 344
بَعْدِى أَلَا وَإِنَّهَا حَلَّتْ لِى سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، أَلَا وَإِنَّهَا سَاعَتِى هَذِهِ حَرَامٌ، لَا يُخْتَلَى شَوْكُهَا، وَلَا يُعْضَدُ شَجَرُهَا وَلَا تُلْتَقَطُ سَاقِطَتُهَا إِلَاّ لِمُنْشِدٍ، فَمَنْ قُتِلَ فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ إِمَّا أَنْ يُعْقَلَ، وَإِمَّا أَنْ يُقَادَ أَهْلُ الْقَتِيلِ». فَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ
ــ
لم يحل الله في الماضي بالحل في المستقبل, قوله - ((ساعتي هذه)) - أي في ساعتي التي أتكلم فيها وهي بعد الفتح و- ((حرام)) - خبر لقوله إنها فإن قلت ما دال الخبر ليس مطابقا للمبتدأ, قلت لفظ حرام وأن كان في الأصل صفة مشبهة لكنه اضمحل وصفته لغلبة الاسمية عليه فتساوى التذكير والتأنيث فيه أو أنه مصدر يستوي فيه التذكير والتأنيث والتثنية والجمع, قوله - ((لا يختلي)) - أي لا يحز يقال اختليته أي حززته وقطعته وذكر الشوك دال على منع قطع سائر الأشجار بالطريق الأولى - ((ولا يعضد)) -أي لا يقطع, و - ((ساقطتها)) -أي ما سقط فيها بغفلة المالك أي اللقطة, و - ((لمنشد)) - أي لمعرف وأما طالبها فيقال له ناشد لا منشد, قال في شرح السنة: المؤذي من الشوك كالعوسج لا بأس بقطعه كالحيوان المؤذي فيكون من باب تخصيص الحديث بالقياس وكذا لا بأس بقطع اليابس كما في الصيد الميت وأما لقطتها فقيل ليس لواجدها غير التعريف أبدا ولا يملكها بحال ولا يتصدق بها إلى أن يظفر بصاحبها بخلاف لقطة سائر البقاع وهو أظهر قولي الشافعي وذهب مالك والأكثرون إلى أنه لا فرق بين لقطة الحل والحرم وقالوا معنى إلا لمنشد أنه يعرفها كما يعرفها في سائر البقاع حولا كاملا حتى لا يتوهم أنه إذا نادى عليها وقت الموسم فلم يظهر مالكها جاز تملكها, وأقول هذا لا يناسب المقام لأن الكلام ورد في الفضائل المختصة بمكة وحينئذ لا يبقى الاختصاص ويجوز عند الشافعي رعي البهائم في كلا الحرم خلافا لأبي حنيفة وأحمد ﵃. قوله - ((فمن قتل)) - بضم القاف فإن قلت المقتول كيف يكون بخير النظرين, قلت المراد أهله أطلق عليه ذلك لأنه هو السبب له, الخطابي فيه حذف وتقديره من قتل له قتيل وسائر الروايات تدل عليه, وقال أيضا والأكثر على إباحة الشوك ويشبه أن يكون المحظور منه الشوك الذي ترعاه الإبل وهو مارق منه دون الشوك الصلب الذي لا ترعاه فيكون بمنزلة الحطب ونحوه قوله - ((يعقل)) - مشتق من العقل وهو الدية, يقال عقلته أي أعطيته ديته, و - ((أهل القتيل)) - مفعول ما لم يسم فاعله و- ((يقاد)) - بالقاف والقود القصاص يقال أقدت القاتل بالمقتول إذا اقتصصت منه ومفعول ما لم يسم فاعله ضمير فيه راجع إلى المقتول فإن قلت هل يجوز
стр. 345
الْيَمَنِ فَقَالَ اكْتُبْ لِى يَا رَسُولَ اللَّهِ. فَقَالَ «اكْتُبُوا لأَبِى فُلَانٍ». فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ إِلَاّ الإِذْخِرَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَإِنَّا نَجْعَلُهُ فِى بُيُوتِنَا وَقُبُورِنَا. فَقَالَ
ــ
الاقتصاص في الحرم, قلت جاز عند الشافعي وأما لفظ الحديث فلا ينفي ولا يثبت ولا بد من حمل لفظ القتل على العمد العدوان حتى يتصور القصاص فيه, فإن قلت إذا جاز القصاص في الحرم فلم أنكر رسول الله ﷺ على خزاعة إذ ما كان سبب الخطبة إلا الرد فعلهم, قلت لعلهم قتلوا غير القاتل من بني ليث على ما هو عادة الجاهلية, فإن قلت الذي أحل لرسول الله ﷺ ولم يحل لأحد بعده لجواز القصاص لنا فيه والقتال مع الكفار لو تحصنوا والعياذ بالله بالحرم وجواز كل قتل وقتال بحق كما جاز له ذلك وامتناع القتل والقتال بغير الحق كما كان ممتنعا عليه قلت الجواب ما قال الشافعي أن معناه التحريم نصب القتال عليهم بما يعم كالمنجنيق وغيره إذا أمكن إصلاح الحال بدون ذلك بخلاف ما إذا تحصنوا في بلد آخر فإنه يجوز قتالهم على كل حال بكل شيء والله أعلم وفي بعض النسخ يفاد بالفاء يقال أفدت المال أي أعطيته وفي بعضها يفادى يقال فاداه وفداه أي أعطى فداءه, فإن قلت فيلزم التكرار سواء كان من الأجوف أو من الناقص أي هو بمعنى يعقل بعينه, قلت فعلى هذا التقدير يخصص العقل بالدية التي تتحملها العاقلة وهي دية القتل الخطأ وفداء بدية يتحملها الجاني, فإن قلت فهل هو من باب تنازع الفعلين على لفظ الأهل, قلت نعم قالوا وفيه أي على التقدير القاف حجة للشافعي في أن الولي بالخيار بين القصاص وبين أخذ الدية وأن له إجبار الجاني على أي الأمرين شاء وقال مالك ليس للولي إلا القتل أو العفو وليس له دية إلا برضا الجاني وقال أهل العراق ليس له إلا القصاص فإن ترك حقه منه لم يكن له أن يأخذ الدية وفيه أيضا دلالة لمن يقول القاتل عمدا يجب عليه أحد الأمرين الدية والقصاص وهو أحد قولي الشافعي والثاني أن الواجب القصاص لا غير وإنما تجب الدية بدله بالاختيار, قوله - ((لأبي فلان أي لأبي شاه)) - بالشين المعجمة وبالهاء في الوقف وفي الدرج ولا يقال بالتاء قالوا ولا يعرف اسم أبي شاه هذا وإنما يعرف بكنيته وهو كلي يمني وقيل للبخاري أي شيء كتب له قال هذه خطبة, قوله - ((رجل من قريش)) - أي العباس- ((إلا الاذخر)) -بكسر الهمزة وسكون المعجمة وكسر الخاء المنقطة هو نبت معروف طيب الرائحة, قوله- ((بيوتنا)) -لأنه يسقف به البيت فوق الخشب وقبورنا لأنه يسد به فرج اللحد المتخللة بين اللبنات فإن قلت ليس في كلام العباس ما يستثني الاذخر منه فما المستثنى منه, قلت مثله ليس مستثنى بل هو تلقين بالاستثناء
стр. 346
النَّبِىُّ ﷺ «إِلَاّ الإِذْخِرَ، إِلَاّ الإِذْخِرَ». قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ يُقَالُ يُقَادُ بِالْقَافِ. فَقِيلَ لأَبِى عَبْدِ اللَّهِ أَىُّ شَىْءٍ كَتَبَ لَهُ قَالَ كَتَبَ لَهُ هَذِهِ الْخُطْبَةَ.
١١٣ - حَدَّثَنَا عَلِىُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ حَدَّثَنَا عَمْرٌو قَالَ أَخْبَرَنِى
ــ
فكأنه قال قل يا رسول الله لا يختلي شوكها ولا يعضد شجرها إلا الادخر وأما الواقع في لفظ ﷺ فهو ظاهر أنه استثناء من كلامه السابق, فإن قلت كيف جاز وشرط الاستثناء الاتصال بالمستثنى منه وهنا قد وقع الفاصلة, قلت جار الفصل عند ابن عباس فلعل أباه أيضا جوز ذلك أو الفصل كان يسيرا وهو جائز اتفاقا ولئن سلمنا عدم الجواز فيقدر تكرار لفظ لا يختلي شوكها فيكون استثناء من المعاد لا من الأول وفي بعضها إلا الاذخر مرتين فالثاني تأكيد للأول, فإن قلت هل هو حجة لمن جوز أفناء رسول الله ﷺ بالاجتهاد وجوز تفويض الحكم إلى النبي ﷺ أوحي إليه في الحال باستثناء الاذخر وتخصيصه من العموم أو أوحي إليه قبل ذلك أنه إن طلب أحد استثناء شيء منه فاستثنه أو لما علم أنه محتاج إليه استثنى بحكم الضرورات تبيح المحظورات قال ابن بطال: فيه إباحة كتابة العلم وكره قوم كتابة العلم لأنها سبب لضياع الحفظ والحديث حجة عليهم ومن الحجة أيضا ما اتفقوا عليه من كتابة المصحف الذي هو أصل العلم وكان للنبي ﷺ كتاب يكتبون الوحي وقال الشعبي إذا سمعت شيئا فاكتبه ولو في الحائط, أقول محل الخلاف كتابة غير المصحف ما اتفقوا عليه لا يكون من الحجة عليهم وفي صحيح مسلم لا تكتبوا عني غير القرآن ثم أجمع المسلمون على جوازها بل على استحبابها وأجابوا عن هذا الحديث بأنه في حق من يوثق بحفظه ولا يخاف اتكاله على الكتابة ونحو الحديث أبي شاه من لا يوثق بحفظه أو بأنه كان النهي حين خيف اختلاطه بالقرآن فلما أمن ذلك بسبب اشتهار القرآن أذن في الكتابة أو بأن النهي عن كتابة الحديث مع القرآن في صحيفة واحدة لئلا يختلط فيشتبه على القارئ أو أنه نهى تنزيه أو أنه منسوخ, قال البخاري ﵁ ((حدثنا على بن عبدالله)) - أي ابن المديني الإمام وكان ابن عيينة يقول مع أنه شيخه تعلمت منه أكثر مما تعلم مني وكان يسميه جنة الوادي مر في
стр. 347
وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ عَنْ أَخِيهِ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ مَا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِىِّ ﷺ أَحَدٌ أَكْثَرَ حَدِيثاً عَنْهُ مِنِّى، إِلَاّ مَا كَانَ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو
ــ
باب الفهم في العلم, قوله - ((سفيان)) -بالحركات ثلاث فيه, ابن عيينة بضم العين تصغير العين تقدم في أول الكتاب, قوله - ((عمرو)) -هو بالواو ابن دينار أبو محمد المكي الجمحي بضم الجيم وفتح الميم وبالمهملة التابعي أحد الأئمة المجتهدين أصحاب المذاهب, الأثرم بفتح الهمزة وسكون المثلثة وبالمهملة مشتقا من الثرم بالتحريك وهي سقوط الثنية قال ابن عيينة حديث أسمعه منه أحب إلي من عشرين من غيره مات سنة ست وعشرين ومائة وإنما قال أخبرني لأنه لا شريك له في السماع عند الأخبار له والفرق بين الأخبار والتحديث مر مرارا عند من يفرق بينهما, قوله - ((وهب)) -بفتح الواو وسكون الهاء - ((ابن منبه)) -بضم الميم وفتح النون وكسر الموحدة الشديدة ابن كامل الصنعائي التابعي الجليل المشهور بمعرفة الكتب الماضية قال قرأت من كتب الله تعالى اثنتين وتسعين كتابا وهو من أبناء فرس الذين بعثهم كسرى إلى اليمن وقيل أصله من هراء مات سنة أربع عشرة ومائة, قوله - ((أخيه)) - أي همام بفتح الهاء وشدة الميم ابن منبه وهو أيضا تابعي وكان أكبر من وهب توفي سنة إحدى وثلاثين ومائة مر في باب حسن إسلام المرء وهؤلاء تابعيون من أهل الفرس يروي بعضهم عن بعض لأن أبا عمرو أيضا فارسي قوله - ((أكثر)) - بالنصب ويحتمل الرفع أيضا وهو أفعل التفضيل وجاز وقوع الفاصل بينه وبين لفظ من لأنها ليست أجنبية, و - ((عبدالله بن عمرو)) - هو ابن العاص الصحابي الجليل سبق في باب المسلم من سلم المسلمون وإنما قلت الرواية عنه مع كثرة ما حمل لأنه سكن مصر وكان الواردون إليها قليلا بخلاف أبي هريرة رضي الله فإن استوطن المدينة وهي مقصد المسلمين من كل جهة, فإن قلت- ((إلا ما كان)) - أهو استثناء متصل أم منقطع, قلت يحتمل الانقطاع أي لكن الذي كان من عبدالله أي الكتابة لم يكن مني والخبر محذوف بقرينة باقي الكلام سواء يلزمه منه كونه أكثر حديثا إذ العادة جارية على أن شخصين إذا لازما شيخا مثلا وسمعنا منه الأحاديث يكون الكاتب أكثر حديثا من غيره ويحتمل الاتصال نظرا إلى المعنى إذ حدثنا وقع تمييزا والتمييز كالمحكوم عليه فكأنه قال ما أحد حديثه أكثر من حديثي إلا أحاديث حصلت من عبدالله وفي بعض الروايات ما كان أحد أكثر حديثا عنه مني إلا عبدالله بن عمرو فإنه كان يكتب ولا أكتب, فإن قلت فعل الصحابي كيف دل على جواز الكتابة الذي هو المقصود من الباب, قلت إن قلنا أن قول الصحابي وفعله حجة فظاهر وإلا فالاستدلال
стр. 348
فَإِنَّهُ كَانَ يَكْتُبُ وَلَا أَكْتُبُ. تَابَعَهُ مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّامٍ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ
١١٤ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ حَدَّثَنِى ابْنُ وَهْبٍ قَالَ أَخْبَرَنِى يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ لَمَّا اشْتَدَّ بِالنَّبِىِّ ﷺ وَجَعُهُ قَالَ «ائْتُونِى بِكِتَابٍ أَكْتُبُ لَكُمْ كِتَاباً لَا تَضِلُّوا بَعْدَهُ». قَالَ عُمَرُ إِنَّ النَّبِىَّ
ــ
إنما بتقرير الرسول ﷺ كتابته, قوله - ((تابعه)) - أي تابع وهبا معمر وهي متابعة ناقصة سهلة المأخذ حيث ذكر المتابع عليه يعني هماما ثم يحتمل أن يكون بين البخاري وبين معمر الرجال المذكورون بينهم ويحتمل أن يكون غيرهم كما يحتمل أن يكون من باب التعليق عن معمر, قوله - ((معمر)) - بفتح الميمين وسكون المهملة بينهما - ((ابن راشد)) - مر في كتاب الوحي وهمام هو الذي تقدم ذكره آنفا أخو وهب وفائدة المتابعة التقوية, قوله - ((حدثنا يحيى بن سليمان)) -بن يحيى بن سعيد الجعفي الكوفي أبو سعيد سكن مصر ومات بها سنة سبع أو ثمان وثلاثين ومائتين, قوله - ((ابن وهب)) -عبدالله بن وهب بن مسلم المصري أبو محمد مر في باب من يرد الله به خيرا, قوله - ((يونس)) - بن يزيد القرشي الأبلي مولى معاوية, و - ((ابن شهاب)) - أي الزهري وقد حفظ القرآن في ثمانين ليلة قال الشافعي لولاه لذهبت السنن من المدينة, و- ((عبيدالله بن عبدالله)) - بن عتبة بن مسعود أبو عبدالله الفقيه الأعمى المدني أحد الفقهاء السبعة بالمدينة تقدموا في كتاب الوحي ﵃, قوله- ((بكتاب)) - فإن قلت حق الظاهر أن يقال ائتوني بما يكتب به الشيء كالقلم والدواة, قلت هو من باب الحذف أي ائتوني بأدوات الكتاب أي الكتابة إذ الكتاب والكتابة بمعنى واحد وذلك نحو - ((واسئل القرية)) - أو أراد بالكتاب ما من شأنه أن يكتب فيه نحو الكاغد والكتف, فإن قلت ما معنى أكتب ورسول الله ﷺ كان أميا قلت الأمي من لا يحسن الكتابة لا من لا يقدر على الكتابة وقد ثبت في الصحيح أن رسول الله ﷺ كتب بيده أو من باب المجاز أي أمر بالكتابة نحو كما الخليفة الكعبة أي أمر بالكسوة - ((وأكتب)) - مجزوم جوابا للأمر ويجوز الرفع بالاستئناف, قوله - ((لن تضلوا)) - وفي بعضها لا تضلوا بكسر الضاد, الجوهري: الضلالة ضد الرشاد وضللت بفتح اللام أضل بكسر الضاد وهي الفصيحة وأما الغالبة يقولون ضللت بالكسر أضل بالفتح وجاء يضل بالكسر بمعنى ضاع وهلك فإن قلت لا تضلوا
стр. 349
صلى الله عليه وسلم غَلَبَهُ الْوَجَعُ وَعِنْدَنَا كِتَابُ اللَّهِ حَسْبُنَا فَاخْتَلَفُوا وَكَثُرَ اللَّغَطُ. قَالَ «قُومُوا عَنِّى، وَلَا يَنْبَغِى عِنْدِى التَّنَازُعُ». فَخَرَجَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ إِنَّ الرَّزِيَّةَ كُلَّ الرَّزِيَّةِ مَا حَالَ بَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَبَيْنَ كِتَابِهِ.
ــ
نهي أو نفي, قلت نفي وقد حذف النون لأنه بدل من جواب الأمر وقد جوز بعضهم تعدد جواب الأمر من غير حرف العطف, قوله - ((حسبنا)) - أي كافينا وهو خبر مبتدأ محذوف, و - ((اللغط)) -بفتح اللام وبالمعجمة ساكنة ومفتوحة هو الصوت والجلبة, قوله- ((قوموا عني)) -أي قوموا مبتعدين عني وهو مستعمل باللام أيضا نحو - ((قوموا لله قانتين)) -وبالي نحو ((إذا قمتم إلى الصلاة)) وبالباء نحو قام بأمر كذا وبغير صلة نحو قام زيد وتختلف المعاني بحسب الصلات لتضمن كل صلة معنى يناسبها, قوله - ((عندي)) - وفي بعضها عني أي عن جهتي, و- ((الرزية)) - المصيبة يقال رزأته رزية أي أصابته مصيبة ويجوز تشديد الياء بالإدغام رزية, قوله - ((حال)) -أي حجز أي صار حاجزا, الخطابي: هذا يتأول على وجهين أحدهما أنه أراد أن يكتب اسم الخليفة بعده لئلا يختلف الناس ولا يتنازعوا فيؤديهم ذلك إلى الضلال والآخر أنه ﷺ قد هم أن يكتب لهم كتابا يرتفع معه الاختلاف بعده في أحكام الدين شفقة على أمته وتخفيفا عنهم فلما رأى اختلاف الصحابة في ذلك قال قوموا من عندي وتركهم على ما هم عليه ووجه ما ذهب إليه عمر ﵁ أنه لو زال الاختلاف بأن ينص على كل شيء باسمه لعدم الاجتهاد في طلب الحق ولا ستوى الناس ولبطلت فضيلة العلماء على غيرهم, فإن قيل كيف يجوز لعمر أن يعترض على ما رآه الرسول ﷺ في أمر الدين ولا يسرع إلى قبوله أفتراه خاف أن يتكلم رسول الله ﷺ بغير الحق أو يجري على لسانه الباطل حاشاه عن ذلك قلنا لا يجوز على عمر أن يتوهم الغلط على رسول الله ﷺ أو يظن به التهمة في حال من الأحوال إلا أنه لما نظر قد أكمل الله الدين وتمم شرائعه وقد غلب الوجع رسول الله ﷺ وأضلته الوفاة وهو بشر يعتريه من الآلام ما يعتري البشر أشفق أن يكون ذلك القول من نوع ما يتكلم به المريض مما لا عزيمة له فيه فيجد به المنافقون سبيلا إلى تلبيس أمر الدين وقد كان أيضا ﷺ يرى الرأي في الأمر فيراجعه أصحابه في ذلك إلى أن يعزم الله له على شيء كما راجعوه يوم الحديبية فيما كتب بينه وبين قريش فإذا أمر بشيء أمر عزم لم يراجع فيه ولم يخالف
стр. 350
باب العلم والعظة بالليل
١١٥ - حَدَّثَنَا صَدَقَةُ أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ مَعْمَرٍ
ــ
عليه وأكثر العلماء جوزوا على رسول الله صلى عليه وسلم الاجتهاد فيما ينزل عليه الوحي وهو يحتمل الخطأ ولكنهم مجمعون على أن تقريره على الخطأ غير جائز ومعلوم أن الله وان كان رفع درجته فوق الخلق كلهم فانه لم يبرئه من سمات الحدث والمريض موضوع عنه والقلم عن الناسي مرفوع وقدسها في صلاته فلم يستنكر أن يظن به حدوث بعض الأمور في مرضه فلذلك رأى عمر ﵁ المصلحة في التوقف والله أعلم ومع هذا كله يجب أن يعلم أن ذلك القول منه لو كان عزيمة لأمضاه الله تعالى هذا آخر كلامه قال ابن بطال وفيه شاهد على بطلان ما يدعيه الشيعة من وصاية رسول الله ﷺ بالإمامة لأنه لو كان عند علي ﵁ عهد من الرسول ﷺ أو وصية لأحال عليها وفيه من فقه عمر ﵁ أنه خشي أن يكتب النبي ﷺ أمورا ربما عجزوا عنها فاستحقوا عليها العقوبة لأنها منصوصة لا مجال للاجتهاد فيها وإنما قال حسبنا كتاب الله لقوله تعالى ((ما فرطنا في الكتاب من شيء وقع به وأراد الترفيه عن النبي ﷺ لاشتداد مرضه فعمر أفقه من ابن عباس حين اكتفى بالقرآن ولم يكتف به ابن عباس وفيه دليل على أن للإمام أن يوصى عند موته وفي تركه الكتاب إباحة الاجتهاد لأنه وكلهم إلى أنفسهم واجتهادهم قال المازري, فإن قيل كيف جاز للصحابة الاختلاف في هذا الكتاب وكيف عصوه في أمره فالجواب أن الأوامر تقارنها إلى الندب أو الإباحة أو غيرهما فلعله طهر منه من القرائن ما دل على أنه لم يوجب ذلك عليهم بل جعلهم إلى اختيارهم فاختلف اختيارهم بحسب الاجتهاد ولعل عمر خاف أن المنافقين يتطرقون إلى القدح فيما اشتهر من قواعد الإسلام بكتاب يكتب في خلوة وآحاد ويضيفون إليه ما يشتبهون به على الذين في قلوبهم مرض ولهذا قال القرآن حسنا النووي: أعلم أن النبي ﷺ معصوم من الكذب ومن تغيير شيء من الأحكام الشرعية في حال صحته وحال مرضه ومن ترك بيان ما أمر بيانه وتبليغ ما أوجب الله تبليغا وليس هو معصوما من الأمراض والأسقام العارضة للأجسام مما لا نقص فيه ولا فساد في شريعته قال وقول عمر حسبنا كتاب الله رد على من نازعه لا على أمر النبي ﷺ قال وكان النبي ﷺ هم بالكتاب حين ظهر له مصلحة أو مصلحة أو أوحي إليه بذلك ثم ظهر أن المصلحة تركه أو أوحي إليه بذلك ونسخ والله أعلم بحقيقة الحال- ((باب العلم والعظة بالليل)) -وفي بعضها
стр. 351
عَنِ الزُّهْرِىِّ عَنْ هِنْدٍ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ وَعَمْرٍو وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنِ الزُّهْرِىِّ عَنْ هِنْدٍ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتِ اسْتَيْقَظَ النَّبِىُّ ﷺ ذَاتَ لَيْلَةٍ فَقَالَ «سُبْحَانَ اللَّهِ مَاذَا أُنْزِلَ اللَّيْلَةَ مِنَ الْفِتَنِ وَمَاذَا فُتِحَ مِنَ الْخَزَائِنِ أَيْقِظُوا
ــ
بدل والعظة واليقظة, قوله - ((صدقة)) -بالمهملتين المفتوحة وبالقاف ابن الفضل المروزي أبو الفضل مات سنة ست وعشرين ومائتين, قوله - ((هند)) - هي بنت حارث الفارسية وقيل القرشية روى لها الجماعة ويجوز فيها الصرف ومنعه قوله, - ((أم سلمة)) - بفتح المهملة ولام زوج النبي ﷺ أم المؤمنين هند بنت أمية المخزومية تزوجها رسول الله ﷺ بعد وقعة بدر وكانت من أجمل الناس روى لها عن رسول الله ﷺ ثلاثمائة وثلاثة وسبعون حديثا ذكر البخاري منها ثلاثة عشر هاجرت الهجرتين ماتت سنة تسع وخمسين وصلى عليها أبو هريرة ودفنت بالبقيع وكانت آخر أمهات المؤمنين وفاة ﵂ وفي بعض النسخ بعد لفظ سلمة ح أي صورة مسمى لفظة الحاء وهو إما إشارة إلى التحويل من إسناد إلى آخر قبل ذكر الحديث أو إلى الحائل بينهما أو إلى الحديث أو إلى صح ومر شرحه, قوله - ((وعمرو)) -بالواو مجرورا عطف على معمر أي حدثنا صدقة قال أخبرنا ابن عيينة عن عمر وعن يحيى وعن يحيى أيضا عن الزهري يعني ابن عيينة يروي هذا الحديث عن شيوخ ثلاثة وفي بعضها مرفوعا فمعناه أخبرنا ابن عيينة قال عمرو ويحتمل أن يكون تعليقا من البخاري عنه والظاهر الأصح هو الأول و - ((عمرو)) - هو ابن دينار المكي الجمحي الأثرم وقد مر في الباب السابق آنفا, و - ((يحيى)) - هو ابن سعيد الأنصاري وتقدم في أول الصحيح قوله - ((عن امرأة)) - والمراد بها هند المذكورة وفي بعضها هند بدل امرأة, فإن قلت شرط البخاري على ما اشتهر أن تكون شيوخه مشاهير ولا أقل من أن يكون مجهولا فكيف روى لها, قلت يحتمل في المتابعات مالا يحتمل في الأصول وهنا ذكر ومتابعة أو ليست مجهولة إذ الرواية السابقة قرينة معينة معرفة لها, قوله - ((استيقظ)) -أي تيقظ ومعناه تنبه من النوم, قوله - ((ذات ليلة)) -أي في ليلة ولفظ ذات مقحم للتأكيد, الزمخشري: هو من باب إضافة المسمى إلى اسمه, الجوهري: أما فولهم ذات مرة وذوات صباح فهو من ظروف الزمان التي لا تتمكن تقول لقيته ذات يوم وذات ليلة, قوله - ((سبحان الله)) - سبحان بمعنى التسبيح وهو التنزيه منصوب على المصدر والعرب تقول ذلك في مقام التعجب وقال النحاة أنه من ألفاظ التعجب وما
стр. 352
صَوَاحِبَاتِ الْحُجَرِ، فَرُبَّ كَاسِيَةٍ فِى الدُّنْيَا عَارِيَةٍ فِى الآخِرَةِ»
باب السمر بالعلم
١١٦ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ قَالَ حَدَّثَنِى اللَّيْثُ قَالَ حَدَّثَنِى عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خَالِدٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَالِمٍ وَأَبِى بَكْرِ بْنِ سُلَيْمَانَ
ــ
في ماذا استفهامية متضمنة معنى التعجب والتعظيم وعبر عن الرحمة بالخزائن لقوله خزائن رحمة ربي وعن العذاب بالفتن لأنها أسباب مؤدية إلى العذاب, قوله- ((الليلة)) -بالنصب يعني أنه ﷺ رأى في المنام أنه سيقع بعده فتن وتفتح لهم الخزائن وعرف عند الاستيقاظ حقيقته بالتعبير وغيره أو أنه أوحي إليه في اليقظة ذلك إما قبل النوم وإما بعده وهو من المعجزات لأنه قد وقعت الفتن كما هو مشهور وفتح الخزائن حيث تسلطت الصحابة على فارس والروم, قوله - ((أيقظوا)) - بفتح الهمزة أي نبهوا والصواحب مفعول به ويجوز كسر الهمزة أي انتبهوا والصواحب منادى لو صحت الرواية به والصواحبات جمع الصحابة ويراد به أزواج النبي ﷺ , قوله- ((فرب)) -أصله للتقليل ويستعمل للتكثير كثيرا كما في هذا الحديث وفيه سبع لغات وفعلها التي تتعلق هي به يجب أن يكون ماضيا ويحذف غالبا وتقديره رب كاسية عارية عرفتها والمراد إما اللائي يلبسن رقيق الثياب التي لا تمنع إدراك لون البشرة معاقبات في الآخرة بفضيحة التعري وإما أن اللابسات للثياب الرفيعة النفيسة عاريات من الحسنات في الآخرة فندبهن إلى الصدقة وحصنهن على ترك الرف في الدنيا بأن يأخذن منها أقل من الكفاية ثم يتصدقن بما سوى ذلك وفيه أن للرجل أن يوقظ أهله بالليل للصلاة ولذكر الله لا سيما عند آية تحدث أو رؤيا مخوفة وجواز قول سبحان الله عند التعجب ندبية ذكر الله بعد الاستيقاظ وغير ذلك, الطيي: رب كاسية كالبيان لموجب استيقاظ الأزواج أي لا ينبغي لهن أن يتغافلن ويعتمدن على كونهن أهالي رسول الله ﷺ أي رب كاسية حلة الزوجية المشرفة بها وهي عارية عنها في الآخرة لا ينفعها إذا لم تضممها مع العمل قال تعالى ((فلا أناب بينهم)) - ((باب السمر بالعلم)) - بإضافة الباب إليه وفي بعضها في العلم, و - ((السمر)) - الحديث بالليل قوله - ((سعيد بن عفير)) -بضم المهملة وفتح الفاء المصري مر في باب من يرد بالله به خيرا و - ((الليث)) - هو ابن سعد الفهمي المصري سبق في أول الصحيح, قوله - ((عبد الرحمن بن خالد)) -بن مسافر أبو خالد ويقال أبو الوليد المصري مولى الليث بن سعد وروى
стр. 353
ابْنِ أَبِى حَثْمَةَ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ قَالَ صَلَّى بِنَا النَّبِىُّ ﷺ الْعِشَاءَ فِى آخِرِ حَيَاتِهِ، فَلَمَّا سَلَّمَ قَامَ فَقَالَ «أَرَأَيْتَكُمْ لَيْلَتَكُمْ هَذِهِ، فَإِنَّ رَاسَ مِائَةِ سَنَةٍ
ــ
عند الليث وكان أكبر منه توفي سنة سبع وعشرين ومائة, قوله - ((سالم)) - أي ابن عبدالله بن عمر بن الخطاب مر في باب الحياء من الإيمان, قوله - ((أبي بكر بن سليمان بن أبي حثمة)) - بفتح المهملة وسكون المثلثة واسمه عبدالله بن حذيفة وأبو بكر معروف بكنيته وهو تابعي قرشي عدوى, قوله - ((صلى بنا)) - وفي بعضها صلى لنا, فإن قلت الصلاة لله لا لهم, قلت معناه صلى إماما لنا, و- ((العشاء)) -بكسر العين وبالمد يريد به صلاة العشاء وهي الصلاة التي وقتها بعد غروب الشفق, الجوهري: هو من صلاة المغرب إلى العتمة والعشاءان المغرب والعتمة وزعم قوم أنه من الزوال إلى الفجر والعشاء بالفتح والمد الطعام قوله - ((أرأيتكم)) - بهمزة الاستفهام وفتح الراء والخطاب, فإن قلت الرؤية فيه بمعنى العلم أو بمعنى الإبصار, قلت بمعنى الإبصار و- ((ليلتكم)) -مفعول به وكم حرف لا محل له من الإعراب ولو كان اسما لكان مفعول رأيت فيجب أن يقال أرأيتكم لأن الخطاب لجماعة وإذا كان لجماعة وجب أن يكون بالتاء والميم كما في علمت وكم رعاية مطابقة, فإن قلت فهذا يلزمك أيضا في التاء فإن التاء اسم فيجب أن يكون أرأيتموكم, قلت لما كان الكاف والميم لمجرد الخطاب اختصرت من التاء والميم بالتاء وحدها للعلم بأنه جمع بقول - ((كم)) -والفرق بين حرف الخطاب واسم الخطاب أن الاسم يقع مسندا ومسندا إليه والحرف علامة يستعمل مع استقلال الكلام واستغنائه عنها باعتبار المسند والمسند إليه فوزانها وزان التنوين وياء النسبة وأيضا اسم الخطاب يدل على عين ومعنى الخطاب وحرفه لا يدل الأعلى الثاني, قوله - ((فإن الرأس)) -وفي بعضها على رأس, فإن قلت فما اسم إن قلت فيه ضمير الثمان, النووي: المراد أن كل من كان تلك الليلة على الأرض لا يعيش بعدها أكثر من مائة سنة سواء قل عمره قبل ذلك أم لا وليس فيه نفي عيش أحد بعد تلك الليلة فوق مائة سنة, قال وفيه احتراز عن الملائكة وقد احتج بهذه الأحاديث من شد من المحدثين فقال الخضر ﵇ ميت والجمهور على حياته ووجوده بين أظهرنا ويؤولون الحديث على أنه كان على البحر لا على الأرض, وقال بعضهم هذا على سبيل الغالب, فإن قلت فما تقول في عيسى, قلت ليس هو على ظهر الأرض بل في السماء وهو من النوادر, فإن قلت فما قولك في إبليس قلت إما أنه ليس على الأرض بل في الهواء أو في النار أو المراد من لفظ من هو الإنس والله أعلم قال ابن بطال: إنما أراد الرسول صلى الله عليه
стр. 354
مِنْهَا لَا يَبْقَى مِمَّنْ هُوَ عَلَى ظَهْرِ الأَرْضِ أَحَدٌ
١١٧ - حَدَّثَنَا آدَمُ قَالَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ حَدَّثَنَا الْحَكَمُ قَالَ سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ بِتُّ فِى بَيْتِ خَالَتِى مَيْمُونَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ زَوْجِ النَّبِىِّ ﷺ وَكَانَ النَّبِىُّ ﷺ عِنْدَهَا فِى لَيْلَتِهَا، فَصَلَّى النَّبِىُّ ﷺ الْعِشَاءَ، ثُمَّ جَاءَ
ــ
وسلم أن هذه المدة تحترم الجيل الذي هم فيه فوعظهم بقصر أعمالهم وأعلمهم أن أعمارهم ليست كأعمار من تقدم من الأمم ليجتهدوا في العبادة, قوله - ((حدثنا آدم)) -أي ابن أبي إياس أبو الحسن التميمي ويقال التيمي الخراساني مر في باب المسلم من سلم, قوله - ((الحكم)) - بالمهملة والكاف المفتوحتين ابن عتيبة بضم المهملة وبالفوقانية ابن المنهال أبو محمد أو أبو عبدالله مولى امرأة من بني عدي بن كندة الكوفي الفقيه العابد القانت صاحب السنة قال الأوزاعي قال لي يحي بن أبي كثير بمنى وعطاء وأصحابه أحياء ألقيت الحكم بن عتيبة, قلت نعم قال أما إنه ما بين لابتيها أفقه منه وقيل كان إذا اجتمع علماء الناس في مسجد منى كانوا كلهم عيالا عليه وكان إذا قدم المدينة أخلوا له سارية النبي ﷺ يصلي إليها مات سنة ثلاث عشرة أو أربع عشرة أو خمس عشرة ومائة, قوله - ((سعيد بن جبير)) -بضم الجيم وفتح الموحدة الوالي الكوفي قتله الحجاج وتقدم في كتاب الوحي, قوله - ((ميمونة بنت حارث)) -بالمثلثة الهلالية أم المؤمنين تزوجها رسول الله ﷺ سنة ست أو سبع من الهجرة روى لها عن رسول الله ﷺ ستة وأربعون حديثا خرج البخاري منها ثمانية توفيت سنة إحدى وخمسين وقيل سنة ست وستين بسرف في المكان الذي تزوجها فيه الرسول ﷺ وهو بفتح السين وكسر الراء وبالفاء وصلى عليها عبدالله بن عباس ﵃ قيل أنها آخر أزواج النبي ﷺ إذ لم يتزوج بعدها وفي أخت لبابة بضم اللام وبالموحدة خفيفة مكررة بنت حارث الهلالية زوجة العباس وأم أولاده عبدالله والفضل وغيرهما وهي أول امرأة مسلمة بعد خديجة وكان النبي ﷺ يزورها وهي لبابة الكبرى وأختها لبابة الصغرى أم خالد ﵃, قوله - ((في ليلتها)) - أي المختصة بها بحسب قسم النبي ﷺ بين الأزواج, قوله - ((فصلي)) -فإن قلت فما وجه صحة الفاء هنا إذ الصلاة
стр. 355
إِلَى مَنْزِلِهِ، فَصَلَّى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ، ثُمَّ نَامَ، ثُمَّ قَامَ، ثُمَّ قَالَ «نَامَ الْغُلَيِّمُ». أَوْ كَلِمَةً تُشْبِهُهَا، ثُمَّ قَامَ فَقُمْتُ عَنْ يَسَارِهِ، فَجَعَلَنِى عَنْ يَمِينِهِ، فَصَلَّى خَمْسَ رَكَعَاتٍ ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ نَامَ حَتَّى سَمِعْتُ غَطِيطَهُ - أَوْ خَطِيطَهُ - ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الصَّلَاةِ
ــ
ثم المجيء ليس بعد السكون عندها, قلت هي الفاء التي تدخل بين المجمل والمفصل لأن التفصيل إنما هو عقيب الإجمال ذكره الزمحشري في قوله تعالى ((فإن ...... فإن الله غفور رحيم)) , قوله - ((ثم جاء)) -أي من المسجد إلى منزله في تلك الليلة أي بيت ميمونة ولفظ نام يحتمل الإخبار لميونة مثلا والاستفهام عن ميمونة وحذف الهمزة لقرينة المقام, و - ((الغليم)) - تصغير الغلام بالياء المشددة وهذا هو تصغير الشفقة نحو يا بني والمراد منه عبدالله, قوله - ((أو كلمة)) -هذا الشك من ابن عباس, فإن قلت مقول القول شرطه أن يكون كلاما لا كلمة, قلت الكلمة تطلق على الكلام أيضا نحو كلمة الشهادة ولفظ يشبهها قرينة له ولم يعلم أنه ﷺ صلى بعد هذا القيام شيئا أم لا, قوله - ((ثم صلى ركعتين)) -فإن قلت ما فائدة الفصل بينه وبين الخمس ولم ما جمع بينهما بأن يقال فصلي سبع ركعات قلت إما لأنه صلى الخمس بسلام والركعتين بسلام أو أن الخمس باقتداء ابن عباس به والركعتين بغير اقتدائه, قوله - ((غطيطة)) -الغطيط الشخير أي صوت الأنف والخطيط أي الممدودة من صوته وقيل الغطيط والخطيط صوت يسمع من تردد النفس قال ابن بطال الغطيط صوت النائم وقيل الغطيط أعلى من الشخير قال ولفظ أو خطيطه شك من المحدث ولم أجد عند أحد من أهل اللغة بالخاء قال وفيه فضل ابن عباس وحذقه على صعر سنه حيث أنه ﷺ طول ليلته وقيل أن العباس أوصاه بمراعاة النبي ﷺ ليطلع على عمله بالليل, قوله - ((ثم خرج)) -هذا من خصائص النبي ﷺ إذ نومه مضطعجا لا ينقض الوضوء لان عينيه تنامان ولا ينام قلبه فلو خرج حدث لأحس به بخلاف غيره من الناس ويحتمل أن يكون فيه محذوفا أي توضأ ثم خرج وأن لا يكون الغطيط من النوم الناقض قال محي السنة فيه جواز للجماعة في النافلة وجواز العمل اليسير في الصلاة وجواز الصلاة خلف من لم ينو الإمامة وأقول جواز بيتوتة الأطفال عند المحارم إن كانت عند زوجها وفيه الإشعار بقسم النبي ﷺ بين زوجاته وجواز التصغير والذكر بالصفة حيث لم يقل نام عبدالله وأن موقف المأموم الواحد عن يمين الإمام وإذا وقف عن يساره يحوله إلى يمينه
следующие страницы →