← Сира

Сира · id 13606

صحيح السيرة النبوية - إبراهيم العلي

إبراهيم العلي

Полный текст (585 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

٢٠ - كاتب صلح الحديبية: ٥١٧ - من حديث البراء بن عازب ﵁ قال: "كتب علي بن أبي طالب الصلح بين النبي ﷺ وبين المشركين يوم الحديبية" (١). وقد جاء عن عدد من الصحابة أن علي بن أبي طالب ﵁ كان هو كاتب الصلح: من حديث أنس ﵁ عند مسلم (٢)، ومن حديث المسور ابن مخرمة ومروان بن الحكم عند أحمد وأبي داود (٣)، ومن حديث ابن عباس عند إسحاق بن راهويه (٤). ٢١ - اعتراض عمر بن الخطاب على كتابة الصلح: ٥١٨ - من حديث سهل بن حنيف ﵁ من طريق أبي وائل عنه قال: "قام سهل بن حنيف يوم صفين فقال: أيها الناس! اتهموا أنفسكم، لقد كنا مع رسول الله ﷺ يوم الحديبية، ولو نرى قتالًا لقاتلنا، وذلك في الصلح الذي كان بين رسول الله ﷺ وبين المشركين، فجاء عمر بن الخطاب فأتى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله! ألسنا على حق وهم على باطل؟ قال: (بلى)، قال: أليس قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار؟ قال: (بلى)، قال: ففيم نعطي الدنية (٥) في ديننا، ونرجع، ولما يحكم الله بيننا وبينهم؟ فقال: (يا ابن الخطاب إني رسول الله، ولن يضيعني الله أبدا) قال: فانطلق عمر فلم يصبر متغيظًا، فأتى أبا بكر فقال: يا أبا بكر! ألسنا على حق، وهم على باطل؟ قال: بلى. قال: أليس قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار؟ قال: بلى. قال: فعلام نعطي الدنية في ديننا ونرجع، ولما يحكم الله بيننا وبينهم؟. فقال: يا ابن الخطاب إنه رسول الله، ولن يضيعه الله أبدًا. قال: فنزل

стр. 317

القرآن على رسول الله ﷺ بالفتح. فأرسل إلى عمر فأقرأه إياه. فقال: يا رسول الله!! أو فتح هو؟ قال: (نعم)، فطابت نفسه ورجع) (١). وقد جاءت قصة عمر هذه أيضًا من حديث المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم الوارد في الصحيحين كما سبق التعليق عليه (٢). وقد كان موقف بعض الصحابة شبيهًا بموقف عمر بن الخطاب، ولكنهم لم يستطيعوا التعبير عن أنفسهم كما عبر عمر بن الخطاب ﵁ كما يتضح لنا من موقف سهل بن حنيف ﵁ في الحديث الذي سأسوقه لاحقًا: ٥١٩ - من حديث سهل بن حنيف ﵁ قال: بصفين: "أيها الناس! اتهموا رأيكم والله لقد رأيتني يوم أبي جندل، ولو أني أستطيع أن أرد أمر رسول الله ﷺ لرددته، والله! ما وضعنا سيوفنا على عواتقنا إلى أمر قط، إلا أسهلن بنا إلى أمر نعرفه إلا أمركم هذا" (٣). ٢٢ - محاورة بين النبي ﷺ وبين سهيل بن عمرو حول كتابة الكتاب: ٥٢٠ - من حديث المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم الذي في الصحيح والذي سبق أجزاء منه " … فجاء سهيل بن عمرو فقال: هات اكتب بيننا وبينك كتابًا، فدعا النبي ﷺ الكاتب، فقال النبي ﷺ : (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) فقال سهيل: أما الرحمن فوالله ما أدري ما هي، ولكن اكتب باسمك اللهم" كما كنت تكتب، فقال المسلمون: والله لا نكتبها إلا بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ". فقال النبي ﷺ : اكتب (باسمك اللهم)، ثم قال: (هذا ما قاض عليه محمَّد رسول الله) فقال سهيل: والله لو كنا نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن

стр. 318

البيت، ولا قاتلناك، ولكن اكتب محمَّد بن عبد الله". فقال النبي ﷺ : (والله إني لرسول الله وإن كذبتموني، اكتب محمَّد بن عبد الله) قال الزهريّ: وذلك لقوله: (لا يسألوني خطة يعظمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها) فقال له النبي ﷺ : (على أن تخلوا بيننا وبين البيت فنطوف به)، فقال سهيل: "والله لا تتحدث العرب أنا أخذنا ضغطة، ولكن ذلك من العام المقبل، فكتب، فقال سهيل: وعلى أنه لا يأتيك منا رجل، وإن كان على دينك -إلا رددته إلينا، قال المسلمون: سبحان الله كيف يرد إلى المشركين وقد جاء مسلمًا" (١). ٢٣ - اعتذار علي عن محو الشهادة للنبي بالرسالة وقيام النبي بذلك: ٥٢١ - من حديث البراء بن عازب ﵁ قال: "كتب علي بن أبي طالب الصلح بين النبي ﷺ وبين المشركين يوم الحديبية، فكتب "هذا ما كاتب عليه محمَّد رسول الله، فقالوا: لا تكتب رسول الله فلو نعلم أنك رسول الله لم نقاتلك، فقال النبي ﷺ لعلي: (امحُهُ) فقال: ما أنا بالذي أمحاه، فمحاه النبي ﷺ بيده" (٢). ٢٤ - شروط الصلح وبنوده: وقد جاءت شروط الصلح وبنوده مستوفاة تقريبًا في حديث المسور به مخرمة ومروان بن الحكم في مسند أحمد، ومن طريق ابن إسحاق كما في السيرة النبوية لابن هشام، وهذا لا يعني أنها ليست موجودة في كتب الحديث الأخرى، بل وجدت هذه الشروط مفرقة في أحاديث متعددة، وعن طرق عن صحابة متعددين، ولكن وجودها في حديث المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم بصورة جامعة يجعلني أقدم هذه الرواية، وقد أخرجت بعض ذلك الحديث مفرقًا في عدة مواطن من حديثنا عن غزوة الحديبية كما أشرت إلى ذلك في التعليقات عليه، وها أنذا أسوق هذه البنود كما جاءت في ذلك الحديث مع حذف بعض الجمل المعترضة خلالها.

стр. 319

٥٢٢ - من حديث المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم " .. باسمك اللهم هذا ما صالح عليه محمَّد بن عبد الله وسهيل بن عمرو على وضع الحرب عشر سنين يأمن فيها الناس، ويكف بعضهم عن بعض على أنه من أتى رسول الله ﷺ من أصحابه بغير إذن وليّه رده عليهم، ومن أتى قريشًا ممن مع رسول الله ﷺ لم يردوه عليه، وإن بيننا عيبة (١) مكفوفة (٢)، وأنه لا إسلال (٣)، ولا إغلال (٤)، وأنه من أحب أن يدخل في عقد محمَّد ﷺ وعهده دخل فيه، ومن أحب أن يدخل في عقد قريش وعهدهم دخل فيه، وإنك ترجع عنا عامنا هذا، فلا تدخل علينا مكة، وأنه إذا كان عام قابل خرجنا عنك، فتدخلها بأصحابك، وأقمت فيها ثلاثًا معك سلاح الراكب، لا تدخلها بغير السيوف في القرب (٥) " (٦). وقد جاءت بعض هذه الشروط من حديث البراء بن عازب عند البخاري ومسلم (٧) ومن حديث أنس عند مسلم (٨)، ومن حديث ابن عمر عند البخاري (٩). ٢٥ - دخول خزاعة في عهد النبي وبنو بكر في عهد قريش: ٥٢٣ - من حديث المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم: "أنه من أحب أن يدخل في عقد محمَّد ﷺ وعهده دخل فيه ومن أحب أن يدخل في عقد قريش وعهدهم دخل فيه، فتواثبت خزاعة فقالوا: نحن مع عقد رسول الله ﷺ وعهده، وتواثبت بنو بكر فقالوا: نحن في عقد قريش وعهدهم" (١٠).

стр. 320

٢٦ - قصة أبي جندل بن سهيل بن عمرو: ٥٢٤ - من حديث مروان بن الحكم والمسور بن مخرمة الذي في الصحيح، وسبقت منه أجزاء متعددة في أماكن شتى من هذه الغزوة وأشير إليها في أمكنتها، ومما جاء فيها أنهم في أثناء كتابتهم لبنود الاتفاقية جاء أبو جندل بن سهيل بن عمرو، فطالب والده برده التزامًا بالشروط " … فبينما هم كذلك إذ دخل أبو جندل بن سهيل بن عمرو يرصف في قيوده (١)، وقد خرج من أسفل الكعبة حتى رمى بنفسه بين أظهر المسلمين، فقال سهيل: هذا يا محمَّد أول ما أقاضيك عليه أن ترده إلي. فقال النبي ﷺ : (إنا لم نقض الكتاب بعد) (٢)، قال: فوالله إذا لم أصالحك على شيء أبدًا قال النبي ﷺ : (فأجزه لي)، قال: ما أنا بمجيزه لك، قال: (بلى فافعل)، قال: ما أنا بفاعل، قال مكرز: بل قد أجزناه لك. قال أبو جندل: أي معشر المسلمين أرد إلى المشركين قد جئت مسلمًا؟ ألا ترون ما لقيت؟ وكان قد عذب عذابًا شديدًا في الله" (٣). وفي الطريق الآخر عند الإِمام أحمد وابن إسحاق زيادة لطيفة أوردها هنا، وهي أيضًا من طريق مروان بن الحكم والمسور بن مخرمة " … فبينما رسول الله ﷺ يكتب الكتاب إذا جاءه أبو جندل بن سهيل بن عمرو في الحديد قد انفلت إلى رسول الله ﷺ وقال: وقد كان أصحاب رسول الله خرجوا وهم لا يشكون في الفتح لرؤيا رآها رسول الله ﷺ ، فلما رأوها رأوا من الصلح والرجوع، وما تحمل رسول الله ﷺ على نفسه دخل الناس من ذلك أمر عظيم حتى كادوا أن يهلكوا، فلما رأى سهيل أبا جندل قام إليه فضرب وجهه ثم قال: "يا محمَّد قد لجت القضية (٤) بيني وبينك قبل أن يأتيك هذا"، قال: (صدقت)، فقام إليه، فأخذ بتلبيبه (٥). قال: وصرخ أبو جندل بأعلى صوته يا معاشر المسلمين أتردونني إلى أهل

стр. 321

الشرك فيفتنوني في ديني، قال: فزاد الناس شرًّا إلى ما بهم، فقال رسول الله ﷺ : (يا أبا جندل اصبر واحتسب، فإن الله جاعل لك ولمن معك من المستضعفين فرجًا ومخرجًا، إنا قد عقدنا بيننا وبين القوم صلحًا، فأعطيناهم على ذلك، وأعطونا عليه عهدًا، وإنا لن نغدر بهم). قال: فوثب إليه عمر بن الخطاب مع أبي جندل، فجعل يمشي إلى جنبه، وهو يقول: اصبر أبا جندل، فإنما هم المشركون، وإنما دم أحدهم دم كلب، قال: ويدني قائم السيف منه، قال: يقول: رجوت أن يأخذ السيف، فيضرب به أباه قال: فضن الرجل بأبيه ونفذت القضية) (١). ٢٧ - مشورة أم سلمة على رسول الله ﷺ في الحلق والنحر: ٥٢٥ - من حديث المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم الذي في الصحيح جاء ما يلي: " … قال: فلما فرغ من قضية الكتاب قال رسول الله ﷺ لأصحابه: (قوموا، فانحروا، ثم احلقوا)، قال: فوالله ما قام منهم رجل، حتى قال ذلك ثلاث مرات، فلما لم يقم منهم أحد، دخل على أم سلمة، فذكر لها ما لقي من الناس، فقالت أم سلمة: يا نبي الله أتحب ذلك؟ اخرج، ثم لا يكلم أحدًا منهم كلمة حتى تنحر بدنك، وتدعو حالقك فيحلقك، فخرج فلم يكلم أحدًا منهم حتى فعل ذلك: نحو بدنه ودعا حالقه، فلما رأوا ذلك قاموا، فنحروا، وجعل بعضهم يحلق بعضًا، حتى كاد بعضهم يقتل بعضًا غمًّا" (٢). ٢٨ - الشجرة التي بويع النبي تحتها وشأنها: ٥٢٦ - من حديث طارق بن عبد الرحمن قال: "انطلقت حاجًّا فمررت بقوم يصلون، قلت: ما هذا المسجد؟ قالوا: هذه الشجرة حيث بايع رسول الله ﷺ بيعة الرضوان، فأتيت سعيد بن المسيب، فأخبرته: فقال سعيد: حدثني أبي "أنه كان فيمن بايع رسول الله ﷺ تحت الشجرة، قال: فلما خرجنا من العام المقبل نسيناها فلم نقدر عليها، فقال سعيد: إن أصحاب محمَّد ﷺ لم يعلموها، وعلمتموها أنتم؟ فأنتم أعلم" (٣).

стр. 322

٢٩ - قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ …﴾: ٥٢٧ - من حديث كعب بن عجرة ﵁ قال: "كنا مع رسول الله ﷺ بالحديبية، ونحن محرمون، وقد حصرنا المشركون، قال: وكانت لي وفرة، فجعلت الهوام تساقط من رأسي، فمر بي النبي ﷺ فقال: (أيؤذيك هوام رأسك؟) قلت: نعم: وأنزلت هذه الآية ﴿فمن كان منكم مريضًا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك﴾ (١) (٢). ٣٠ - منزلة أهل الحديبية: ٥٢٨ - من حديث جابر بن عبد الله ﵄ قال: "كنا يوم الحديبية ألفًا وأربعمائة فقال لنا النبي ﷺ : (وأنتم اليوم خير أهل الأرض) وقال جابر: لو كنت أبصر لأريتكم موضع الشجرة" (٣). ٥٢٩ - ومن حديث جابر أيضًا قال: "أن عبدًا لحاطب جاء إلى رسول الله ﷺ يشكو حاطبًا فقال: يا رسول الله! ليدخلن حاطب النار، فقال رسول الله ﷺ : (كذبت لا يدخلها، فإنه شهد بدرًا والحديبية) (٤). ٥٣٠ - ومن حديث جابر بن عبد الله أيضًا قال: أخبرتني أم مبشر، أنها سمعت النبي ﷺ يقول عند حفصة (لا يدخل النار إن شاء الله من أصحاب الشجرة أحد الذين بايعوا تحتها) قالت: بلى يا رسول الله! فانتهرها. فقالت: حفصة: ﴿وإن منكم إلا واردها﴾ (٥) فقال النبي ﷺ : (قد قال الله : ﴿ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثيًّا﴾) (٦).

стр. 323

٣١ - فتيان الصحابة يستقون الماء: ٥٣١ - من حديث جابر ﵄ قال: "أقبلنا مع رسول الله ﷺ عام الحديبية حتى إذا كنا بالسقيا (١)، قال معاذ: من يسقينا في أسقيتنا؟ قال: فخرجت في فتيان معي حتى أتينا الأثاية (٢)، فأسقينا، واستقينا، قال: فلما كان بعد عتمة الليل، إذا رجل ينازعه بعيره الماء، فإذا رسول الله ﷺ ، فأخذت راحلته فأنختها، قال: فتقدم فصلى العشاء، وأنا عن يمينه، ثم صلى ثلاث عشرة ركعة" (٣). ٣٢ - الفتح هو صلح الحديبية: ٥٣٢ - من حديث البراء بن عازب ﵁ قال: "تعدون أنتم الفتح فتح مكة، وقد كان فتح مكة فتحًا، ونحن نعد الفتح بيعة الرضوان يوم الحديبية" (٤). ٥٣٣ - من حديث مجمع بن جارية ﵁ قال: "شهدنا الحديبية فلما انصرفنا وجدنا رسول الله ﷺ واقفًا عند كراع الغميم، وقد جمع الناس قرأ عليهم: ﴿إنا فتحنا لك فتحًا مبينًا﴾ الآية، فقال رجل: يا رسول الله أوفتح هو؟ قال: أي والذي نفسي بيده إنه لفتح) (٥). وفي هذا يقول الحافظ ابن حجر في الفتح: "وهذا موضع وقع فيه اختلاف قديم، والتحقيق أنه يختلف ذلك باختلاف المراد من الآيات، فقوله تعالى: ﴿إنا فتحنا لك فتحًا مبينًا﴾ المراد بالفتح هنا الحديبية؛ لأنها كانت مبدأ الفتح المبين على المسلمين، لما ترتب على الصلح الذي وقع منه الأمن، ورفع الحرب، وتمكن من

стр. 324

يخشى الدخول في الإسلام، والوصول إلى المدينة من ذلك كما وقع لخالد بن الوليد وعمرو بن العاص وغيرهما، ثم تبعت الأسباب بعضها بعضًا إلى أن كمل الفتح. وقد ذكر ابن إسحاق في المغازي عن الزهريّ قال: لم يكن في الإِسلام فتح قبل فتح الحديبية أعظم منه، إنما كان الكفر حيث القتال، فلما أمن الناس كلهم، كلم بعضهم بعضًا، وتفاوضوا في الحديث والمنازعة، ولم يكن أحد في الإِسلام يعقل شيئًا إلا بادر إلى الدخول فيه، فلقد دخل في تلك السنتين مثل من كان دخل في الإِسلام قبل ذلك أو أكثر. قال ابن هشام: ويدل عليه أنه ﷺ خرج في الحديبية في ألف وأربعمائة، ثم خرج بعد سنتين إلى فتح مكة في عشرة آلاف" انتهى. وهذه الآية نزلت منصرفه ﵇ من الحديبية، وأما قوله تعالى في هذه السورة: ﴿وأثابهم فتحًا قربيًا﴾، فالمراد بها فتح خيبر على الصحيح؛ لأنها هي التي وقعت فيها المغانم الكثيرة للمسلمين. وقد روى أحمد وأبو داود والحاكم من حديث مجمع بن حارثة قال: شهدنا الحديبية، فلما انصرفنا وجدنا رسول الله ﷺ واقفًا عند كراع الغميم، وقد جمع الناس قرأ عليهم: ﴿إنا فتحنا لك فتحًا مبينًا﴾ الآية فقال رجل: يا رسول الله أوفتح هو؟ قال: (أي والذي نفسي بيده إنه لفتح). ثم قسمت خيبر على أهل الحديبية. وروى سعيد بن منصور بإسناد صحيح عن الشعبي في قوله: ﴿إنا فتحنا لك فتحًا مبينًا﴾ قال: صلح الحديبية، وغفر له ما تقدم وما تأخر، وتبايعوا بيعة الرضوان، وأطعموا نخيل خيبر، وظهرت الروم على فارس، وفرح المسلمون بنصر الله. أما قوله تعالى: ﴿فجعل من دون ذلك فتحًا قريبًا﴾ فالمراد الحديبية، وأما قوله: ﴿إذا جاء نصر الله والفتح﴾ وقوله: (لا هجرة بعد الفتح)، فالمراد بها فتح مكة باتفاق، فبهذا يرتفع الإشكال وتجتمع الأقوال. بعون الله تعالى" (١).

стр. 325

٣٣ - نزول سورة الفتح أثناء الرجوع من صلح الحديبية: ٥٣٤ - من حديث أنس بن مالك ﵁: ﴿إنا فتحنا لك فتحًا مبينًا﴾ قال: الحديبية. قال أصحابه: هنيئًا مريئًا، فما لنا؟ فأنزل الله ﴿ليدخل المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار﴾ قال شعبة فقدمت الكوفة، فحدثت بهذا كله عن قتادة، ثم رجعت فذكرت له، فقال: أما ﴿إنا فتحنا﴾ فعن أنس بن مالك وأما "هنيئًا مريئًا" فعن عكرمة"، واللفظ للبخاري. وفي رواية مسلم بعض الزيادة اللطيفة أوردُها لتمام الفائدة فعن قتادة أن أنس ابن مالك حدثهم قال: "لما نزلت: ﴿إنا فتحنا لك فتحًا مبينًا ليغفر لك الله﴾ -إلى قوله: ﴿فوزًا عظيمًا﴾ (١) مرجعه من الحديبية، وهم يخالطهم الحزن والكآبة، وقد نحر الهدي بالحديبية، فقال: (لقد أنزلت علي آية هي أحب إليَّ من الدنيا جميعًا) (٢). ٥٣٥ - من حديث عمر بن الخطاب ﵁ قال زيد بن أسلم عن أبيه: (أن رسول الله ﷺ كان يسير في بعض أسفاره -وعمر بن الخطاب يسير معه ليلًا، فسأله عمر بن الخطاب عن شيء، فلم يجبه رسول الله ﷺ ، ثم سأله، فلم يجبه. وقال عمر بن الخطاب: ثكلتك أمك يا عمر، نزرت رسول الله ﷺ ثلاث مرات كل ذلك لا يجيبك، قال عمر: فحركت بعيري ثم تقدمت أمام المسلمين، وخشيت أن ينزل فيَّ قرآن، فما نشبت أن سمعت صارخًا يصرخ بي، قال: فقلت: لقد خشيت أن يكون نزل فيَّ قرآن، وجئت رسول الله ﷺ فسلمت عليه، فقال: (لقد أنزلت علي الليلة سورة أحب إليَّ مما طلعت عليه الشمس)، ثم قرأ: ﴿إنا فتحنا لك فتحًا مبينًا﴾ (٣).

стр. 326

المبحث الثاني: إسلام أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط وهجرتها ٥٣٦ - من حديث مروان والمسور بن مخرمة ﵄ يخبران عن أصحاب رسول الله ﷺ قال: "لما كاتب سهيل بن عمرو يومئذ كان فيما اشترط سهيل بن عمرو على النبي ﷺ أن لا يأتيك منا أحد -وإن كان على دينك، إلا رددته إلينا، وخليت بيننا وبينه، فكره المؤمنون ذلك، وامتعضوا منه، وأبي سهيل إلا ذلك، فكاتبه النبي ﷺ على ذلك، فرد يومئذ أبا جندل إلى أبيه سهيل بن عمرو، ولم يأته أحد من الرجال إلا رده في تلك المدة، وإن كان مسلمًا. وجاءت المؤمنات مهاجرات وكانت أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط ممن خرج إلى رسول الله ﷺ يومئذ، وهي عاتق، فجاء أهلها يسألون النبي ﷺ أن يرجعها إليهم، فلم يرجعها إليهم لما أنزل الله فيهن ﴿إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ -إلى قوله: وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ (١) (٢). المبحث الثالث: مبايعته ﷺ للنساء ٥٣٧ - من حديث عائشة ﵂ قالت: "كانت المؤمنات إذا هاجرن إلى رسول الله ﷺ يمتحن يقول الله . ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ﴾ (٣)، إلى آخر الآية. قالت عائشة: فمن أقر بهذا من المؤمنات فقد أقر بالمحنة. وكان رسول الله ﷺ إذا أقررن بذلك من قولهن، قال لهن رسول الله ﷺ : (انطلقن فقد بايعتكن)، ولا والله: ما مست يد رسول الله ﷺ يد امرأة قط. غير أنه يبايعن بالكلام. قالت عائشة: والله ما أخذ رسول الله ﷺ على النساء قط، إلا بما أمره الله تعالى، وما مست كف رسول الله ﷺ كف امرأة قط، وكان يقول لهن إذا أخذ عليهن: (قد بايعتكن) كلامًا" اللفظ لمسلم (٤).

стр. 327

المبحث الرابع: قصة أبي بصير رضوان الله عليه ٥٣٨ - من حديث مروان بن الحكم والمسور بن مخرمة الوارد في الصحيح في قصة صلح الحديبية والذي أخرجه البخاري في كتاب الشروط " … ثم رجع النبي ﷺ إلى المدينة، فجاءه أبو بصير رجل من قريش وهو مسلم (وقال يحيى عن ابن المبارك) فقدم عليه أبو بصير بن أسيد الثقفي مسلمًا مهاجرًا. فاستأجر الأخنس بن شريق رجلًا كافرًا من بني عامر بن لؤي ومولى معه، وكتب معهما إلى رسول الله ﷺ يسأله الوفاء، فأرسلوا في طلبه رجلين فقالوا: العهد الذي جعلت لنا فيه، فدفعه إلى الرجلين. فخرجا به حتى بلغا به ذا الحليفة، فنزلوا يكون من تمر لهم، فقال أبو بصير لأحد الرجلين: والله إني لأرى سيفك يا فلان هذا جيدًا، فاستله الآخر فقال: أجل والله إنه لجيد لقد جربت به، ثم جربت، فقال أبو بصير: أرني أنظر إليه، فأمكنه منه، فضربه به حتى برد (١)، وفر الآخر حتى أتى المدينة، فدخل المسجد يعدو فقال رسول الله ﷺ : (لقد رأى هذا ذعرًا) (٢). فلما انتهى إلى النبي ﷺ قال: قتل والله صاحبي وإني لمقتول، فجاء أبو بصير فقال: يا نبي الله قد والله أوفى الله ذمتك قد رددتني إليهم، ثم أنجاني الله منهم، فقال النبي ﷺ : (ويل أمه (٣) مسعر حرب لو كان له أحد) (٤) فلما عرف ذلك عرف أنه سيرده إليهم، فخرج حتى أتى سيف البحر (٥) قال: وينفلت أبو جندل بن سهيل فلحق بأبي بصير، فجعل لا يخرج من قريش رجل قد أسلم إلا لحق بأبي بصير حتى اجتمعت فيهم عصابة (٦).

стр. 328

قال: فوالله لا يسمعون بعير (١) خرجت لقريش إلى الشام إلا اعترضوا لها، فقتلوهم، وأخذوا أموالهم، فأرسلت قريش إلى النبي ﷺ تناشده الله والرحم لما أرسل إليهم فمن أتاه فهو آمن، فأرسل النبي ﷺ إليهم، فأنزل الله : ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ﴾ حتى بلغ الحمية حمية الجاهلية) (٢). وكانت حميتهم أنهم لم يقروا أنه نبي الله ﷺ ، ولم يقروا بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وحالوا بينهم وبين البيت" (٣). المبحث الخامس: غزوة ذي قرد أو غزوة الغابة (٤) ١ - وقتها: اختلف في وقتها على قولين: ١ - قول للإمام البخاري بأنها قبل خيبر بثلاث -يعني ليال- أي بعد الحديبية، وجزم بذلك، ورجح ذلك الإمام ابن حجر العسقلاني في الفتح، وأيده في ذلك البيهقي في "الدلائل" وابن القيم في زاد المعاد (٥). ٢ - أما أصحاب المغازي والسير فيذكرون أنها قبل الحديبية، وعلى ذلك ابن إسحاق، وابن سعد، ومحمد بن عمر الواقدي. وما في الصحيح أصح من قول أصحاب المغازي والسير؛ لأن له مستند من حديث سلمة بن الأكوع الذي أخرجه مسلم من طريقه فقال: "فرجعنا أي من الغزوة إلى المدينة، فوالله ما لبثنا بالمدينة إلا ثلاث ليال حتى خرجنا إلى خيبر". قال الحافظ ابن حجر في الفتح "ومستنده في ذلك حديث إياس بن سلمة بن الأكوع عن أبيه، فإنه قال في آخر الحديث الطويل الذي أخرجه مسلم من طريقه: "قال فرجعنا -أي من الغزوة- إلى المدينة فوالله ما لبثنا بالمدينة إلا ثلاث ليال

стр. 329

حتى خرجنا إلى خيبر" أما ابن سعد فقال كانت غزوة ذي قرد في ربيع الأول سنة ست قبل الحديبية، وقيل في جمادى الأولى" وعن ابن إسحاق في شعبان منهما فإنه قال: "كانت بنو لحيان في شعبان سنة ست، فلما رجع النبي ﷺ إلى المدينة فلم يقم بها إلا ليالي حتى أغار عيينة بن حصن على لقاحه". قال القرطبي شارح مسلم في الكلام على حديث سلمة بن الأكوع: لا يختلف أهل السير أن غزوة ذي قرد كانت قبل الحديبية، فيكون ما وقع في حديث سلمة ابن الأكوع من وهم بعض الرواة، قال: ويحتمل أن يجمع بأن يقال: يحتمل أن يكون النبي ﷺ كان أغزى سرية فيهم سلمة بن الأكوع إلى خيبر قبل فتحها، فأخبر سلمة عن نفسه، وعمن خرج معه يعني حيث قال: خرجنا إلى خيبر، قال ويؤيده أن ابن إسحاق ذكر أن النبي ﷺ أغزى إليها عبد الله بن رواحة قبل فتحها مرتين. انتهى. قال الحافظ "وسياق الحديث يأبى هذا الجمع، فإن فيه بعد قوله وحين خرجنا إلى خيبر مع رسول الله ﷺ ، فجعل عامر يرتجز بالقول، وفيه قول النبي ﷺ مَنْ السائق؟)، وفيه مبارزة علي لمرحب، وقتل عامر، وغير ذلك مما وقع في غزوة خيبر حين خرج إليها النبي ﷺ ، فعلى هذا ما في الصحيح من التاريخ لغزوة ذي قرد أصح مما ذكره أهل السير، ويحتمل في طريق الجمع أن تكون إغارة عيينة بن حصن على اللقاح وقعت مرتين الأولى التي ذكرها ابن إسحاق، وهي قبل الحديبية، والثانية بعد الحديبية قبل الخروج إلى خيبر، وكان رأس الذين أغاروا عبد الرحمن بن عيينة كما في سياق سلمة عند مسلم. ويؤيده أن الحاكم ذكر في (الإكليل) أن الخروج إلى ذي قرد تكرر، ففي الأولى خرج إليها زيد بن حارثة قبل أحد، وفي الثانية خرج إليها النبي ﷺ في ربيع الآخر سنة خمس، والثالثة هذه المختلف فيها. انتهى. فإذا ثبت هذا قوي هذا الجمع الذي ذكرته، والله أعلم" (١).

стр. 330

٢ - أحداثها: ٥٣٩ - من حديث سلمة بن الأكوع ﵁ من طريق يزيد بن أبي عبيد: قال: "سمعت سلمة بن الأكوع يقول خرجت قبل أن يؤذن بالأولى (١). وكانت لقاح (٢) رسول الله ﷺ ترعى بذي قرد قال: فلقيني غلام لعبد الرحمن بن عوف فقال: أخذت لقاح رسول الله ﷺ فقلت: من أخذها؟ قال: غطفان، قال: فصرخت ثلاث صرخات: يا صباحاه! قال: فأسمعت ما بين لابتي المدينة (٣)، ثم اندفعت على وجهي حتى أدركتهم بذي قرد، وقد أخذوا يسقون من الماء فجعلت أرميهم بنبلي، وكنت راميًا وأقول: أنا ابن الأكوع … واليوم يوم الرضع (٤) فارتجز، حتى استنقذت (٥) اللقاح منهم، واستلبت منهم ثلاثين بردة، قال: وجاء النبي ﷺ والناس، فقلت: يا نبي الله! إني قد حميت (٦) القوم الماء، وهم عطاش، فابعث إليهم الساعة. فقال: (يا ابن الأكوع! ملكت فاسجح) (٧)، قال: ثم رجعنا، ويردفني رسول الله ﷺ على ناقته حتى دخلنا المدينة" (٨). ٥٤٠ - ومن حديث إياس بن سلمة بن الأكوع عن أبيه: في حديث طويل سبق ذكر أجزاء منه في صلح الحديبية سأشير إلى رقمها في التعليق على الحديث " … قال: ثم خرجنا راجعين إلى المدينة، فنزلنا منزلًا، بيننا وبين بني لحيان جبل،

стр. 331

وهم المشركون (١). فاستغفر رسول الله ﷺ لمن رقي هذا الجبل الليلة، كأنه طليعة للنبي ﷺ وأصحابه. قال سلمة: فرقيت تلك الليلة مرتين أو ثلاثًا. ثم قدمنا المدينة، فبعث رسول الله ﷺ بظهره (٢) مع رباح غلام رسول الله ﷺ وأنا معه، وخرجت معه بفرس طلحة، أنديه (٣) مع الظهر، فلما أصبحنا إذا عبد الرحمن الفزاري قد أغار على ظهر رسول الله ﷺ ، فاستاقه أجمع، وقتل راعيه، قال: فقلت: يا رباح خذ هذا الفرس، فأبلغه طلحة بن عبيد الله، وأخبر رسول الله ﷺ أن المشركين قد أغاروا على سرحه. قال: ثم قمت على أكمة فاستقبلت المدينة، فناديت ثلاثًا: يا صباحاه، ثم خرجت في آثار القوم أرميهم بالنبل. وأرتجز. أقول: أنا ابن الأكوع .... واليوم يوم الرضع فألحق رجلًا منهم. فأصك سهمًا في رحله، حتى خلص نصل السهم إلى كتفه، قال: قلت: خذها وأنا ابن الأكوع … واليوم يوم الرضع قال: فوالله! ما زلت أرميهم وأعقر بهم" (٤) فهذا رجع إلى فارس أتيت شجرة، فجلست في أصلها ثم رميته، فعقرت به. حتى إذا تضايق الجبل، فدخلوا في تضايقه (٥)، علوت الجبل، فجعلت أرديهم بالحجارة (٦). قال: فما زلت كذلك أتبعهم حتى ما خلق الله من بعير من ظهر رسول الله ﷺ إلا خلفته وراء ظهري، وخلوا بيني وبينه، ثم أتبعتهم أرميهم، حتى ألقوا أكثر من ثلاثين بردة، وثلاثين رمحًا، يستخفون (٧) ولا يطرحون شيئًا إلا جعلت عليه آرامًا من

стр. 332

الحجارة، يعرفها رسول الله ﷺ وأصحابه، حتى أتوا متضايقًا من ثنية (١)، فإذا هم قد أتاهم فلان بن بدر الفزاري فجلسوا يتضحون (يعني يتغذون) وجلست على رأس قرن (٢) فقال الفزاري: ما هذا الذي أرى؟ قالوا: لقينا من هذا البرح (٣). والله ما فارقنا منذ غليس. يرمينا حتى انتزع كل شيء في أيدينا. قال: فليقم إليه نفر منكم. أربعة. قال: فصعد إلى منهم أربعة في الجبل. قال: فلما أمكنوني من الكلام. قال: قلت: هل تعرفوني؟ قالوا: لا. ومن أنت؟ قال: قلت: أنا سلمة بن الأكوع والذي كرم وجه محمَّد ﷺ لا أطلب رجلًا منكم إلا أدركته، ولا يطلبني رجل منكم فيدركني. قال أحدهم: أنا أظن. قال: فرجعوا. فما برحت مكاني حتى رأيت فوارس رسول الله ﷺ يتخللون الشجر (٤). قال: فهذا أولهم الأخرم الأسدي، على إثره أبو قتادة الأنصاري وعلى إثره المقداد بن الأسود الكندي. قال: فأخذت بعنان الأخرم. قال: فولوا مدبرين. قلت: يا أخرم! احذرهم. لا يقتطعوك حتى يلحق رسول الله ﷺ وأصحابه. قال: يا سلمة! إن كنت تؤمن بالله واليوم الآخر، وتعلم أن الجنة حق والنار حق، فلا تحل بيني وبين الشهادة. قال: فخليته. فالتقى هو وعبد الرحمن، قال فعقر بعبد الرحمن فرسه، وطعنه عبد الرحمن فقتله وتحول على فرسه. ولحق أبو قتادة، فارس رسول الله ﷺ بعبد الرحمن فطعنه فقتله، فوالذي كرم وجه محمَّد ﷺ لتبعتهم أعدو على رجلي، حتى ما أرى ورائي من أصحاب محمَّد ﷺ ولا غبارهم، شيئًا، حتى يعدلوا قبل غروب الشمس إلى شعب فيه ماء، يقال له ذو قرد، ليشربوا منه وهم عطاش، قال: فنظروا إلى أعدو وراءهم، فحليتهم عنه (٥) (يعني أجليتهم عنه) فما ذاقوا منه قطرة. قال: ويخرجون فيشتدون في ثنية. قال: فأعدو فألحق رجلًا منهم، فأصكه

стр. 333

بسهم في نغض كتفه (١). قال: قلت: خذها وأنا ابن الأكوع، واليوم يوم الرضع، قال: يا ثكلته أمه! أكوعه بكرة (٢). قال: قلت: نعم يا عدو نفسه! أكوعك بكرة. قال: وأرْدَوْا فرسين على ثنية. قال: فجئت بهما أسوقهما إلى رسول الله ﷺ . وقال: ولحقني عامر بسطيحة فيها مذقة من لبن (٣)، وسطيحة فيها ماء، فتوضأت وشربت. ثم أتيت رسول الله ﷺ وهو على الماء الذي حلأتهم عنه (٤)، فإذا رسول الله ﷺ قد أخذ تلك الإبل، وكل شيء استنقذت من المشركين، وكل رمح وبردة، وإذا بلال نحو ناقة من الإبل الذي استنقذت من القوم، وإذا هو يشوي لرسول الله ﷺ من كبدها وسنامها قال: قلت: يا رسول الله! خلني فأنتخب من القوم مائة رجل. فاتبع القوم، فلا يبقى منهم مخبر إلا قتلته. قال: فضحك رسول الله ﷺ حتى بدت نواجده (٥) في ضوء النار. فقال: (يا سلمة أتراك كنت فاعلًا؟) قلت: نعم. والذي أكرمك! فقال: (إنهم الآن ليقرون (٦) في أرض غطفان)، قال: فجاء رجل من غطفان فقال: نحو لهم فلان جزورًا، فلما كشفوا جلدها رأوا غبارًا. فقالوا: أتاكم القوم. فخرجوا هاربين، فلما أصبحنا قال رسول الله ﷺ (كان خير فرساننا اليوم أبو قتادة، وخير رجالتنا سلمة) قال: ثم أعطاني رسول الله ﷺ : سهمين: سهم الفارس وسهم الراجل. فجمعها لي جميعًا) ثم أردفني رسول الله ﷺ وراءه على العضباء. راجعين إلى المدينة".

стр. 334

٣ - سباق بين سلمة ورجل من الأنصار: " قال: فبينما نحن نسير. قال: وكان رجل من الأنصار لا يسبق شدًّا (١)، قال: فجعل يقول: ألا مسابق إلى المدينة؟ هل من مسابق؟ فجعل يعيد ذلك قال: فلما سمعت كلامه قلت: أما تكرم كريمًا ولا تهاب شريفًا؟ قال: لا. إلا أن يكون رسول الله ﷺ . قال: قلت: يا رسول الله بأبي وأمي ذرني فلأسابق الرجل. قال: (إن شئت). قال: قلت: أذهب إليك. وثنيت رجلي فطفرت (٢) فعدوت. قال: فربطت عليه شرفًا أو شرفين أستبقي نفسي (٣)، ثم عدوت في إثره، فربطت عليه شرفًا أو شرفين، ثم إني رفعت حتى ألحقه (٤). قال: فأصكه بين كتفيه. قال: قلت: قد سبقت والله! قال: أنا أظن. قال: فسبقته إلى المدينة" (٥). ٤ - قصة المرأة المسلمة التي أسرت مع ناقة رسول الله العضباء: ٥٤١ - من حديث عمران بن حصين ﵁ قال: "كانت ثقيف حلفاء لبني عقيل، فأسرت ثقيف رجلين من أصحاب رسول الله ﷺ ، وأسر أصحاب رسول الله ﷺ رجلًا من بني عقيل، وأصابوا معه العضباء (٦). فأتى عليه رسول الله ﷺ وهو في الوثاق. قال: يا محمَّد! فأتاه فقال: (ما شأنك؟) قال: بم أخذتني، وبم أخذت سابقة الحاج (٧)؟ فقال: (إعظامًا لذلك): (أخذتك بجريرة حلفائك ثقيف) ثم انصرف عنه فناداه، فقال: يا محمَّد! يا محمَّد!

стр. 335

وكان رسول الله ﷺ رحيمًا رقيقًا، فرجع إليه فقال: (ما شأنك؟). قال: إني مسلم. قال: (لو قلتها وأنت تملك أمرك أفلحت كل الفلاح) ثم انصرف فناداه فقال: يا محمد! يا محمَّد! فأتاه فقال: (ما شأنك؟) قال: إني جائع فأطعمني، وظمآن فاسقني قال: (هذه حاجتك)، ففدى الرجلين. قال: وأسرت امرأة من الأنصار، وأصيبت العضباء، فكانت المرأة في الوثاق. وكان القوم يريحون نعمهم بين يدي بيوتهم. فانفلتت ذات ليلة من الوثاق فأتت الإبل. فجعلت إذا دنت من البعير رغا فتتركه. حتى تنتهي إلى العضباء. فلم ترغ. قال: وناقة منوقة (١) فقعدت في عجزها، ثم زجرتها، فانطلقت ونذروا بها (٢)، فطلبوها، فأعجزتهم، وقال: ونذرت لله! إن نجاها الله عليها لتنحرنها، فلما قدمت المدينة رآها الناس. فقالوا: العضباء ناقة رسول الله- ﷺ . فقالت: إنها نذرت إن نجاها الله عليها لتنحرنها. فأتوا رسول الله ﷺ ، فذكروا ذلك له فقال: (سبحان الله! بئسما جزتها، نذرت لله إن نجاها عليها لتنحرنها. لا وفاء لنذر في معصية، ولا فيما لا يملك العبد) (٣).

стр. 336

المبحث السادس: غزوة خيبر ١ - وقتها: اختلف أهل السير في وقتها على قولين: الأول: قول ابن إسحاق في المغازي وموسى بن عقبة بأنها كانت في آخر شهر المحرم من السنة السابعة للهجرة، وقال ابن القيم: والجمهور على أنها في السابعة، وأيده أيضًا الحافظ ابن حجر في الفتح. ويؤيد هذا القول ما أورده ابن إسحاق في المغازي قال: حدثني الزهريّ، عن عروة، عن مروان بن الحكم، والمسور بن مخرمة أنهما قالا: "انصرف رسول الله ﷺ من الحديبية، فنزلت عليه سورة الفتح فيما بين مكة والمدينة، فأعطاه الله فيها خيبر بقوله: ﴿وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ﴾ (١) يعني خيبر فقدم المدينة في ذي الحجة، فأقام بها حتى سار إلى خيبر في المحرم"، ورجاله ثقات، وسنده حسن (٢). ويؤيده أيضًا ما جاء في حديث سلمة بن الأكوع أنها كانت بعد غزوة ذي قرد بثلاث ليال كما جاء في نص الحديث بقوله "قال فسبقته إلى المدينة. قال: فوالله ما لبثنا إلا ثلاث ليال حتى خرجنا إلى خيبر مع رسول الله ﷺ ". الثاني: قول مالك بأنها كانت في السنة السادسة وأيده ابن حزم في ذلك. قال الحافظ ابن حجر في الفتح: "وهذه الأقوال متقاربة، والراجح منها ما ذكره ابن إسحاق، ويمكن الجمع بينها بأن من أطلق سنة ست بناء على أن ابتداء السنة من شهر الهجرة الحقيقي وهو ربيع الأول" (٣).

стр. 337

٢ - استخلاف النبي سباع بن عرفطة الغفاري أثناء غيابه: ٥٤٢ - من حديث أبي هريرة ﵁ قال الهيثم بن عراك عن أبيه: "أن أبا هريرة قدم المدينة في رهط من قومه، والنبي ﷺ بخيبر، وقد استخلف سباع ابن عرفطه على المدينة (١) قال: فانتهيت إليه، وهو يقرأ في صلاة الصبح في الركعة الأولى بكهيعص، وفي الثانية ويل للمطففين قال: فقلت لنفسي: ويل لفلان إذا اكتال! اكتال بالوافي، وإذا قال قال بالناقص، قال: فلما صلى زودنا شيئًا حتى أتينا خيبر، قال فكلم رسول الله ﷺ المسلمين فأشركونا في سهامهم" (٢). ٣ - حداء عامر بن الأكوع بجيش المسلمين: ٥٤٣ - من حديث سلمة بن الأكوع ﵁ قال: "خرجنا مع النبي ﷺ إلى خيبر، فسرنا ليلًا، فقال رجل من القوم لعامر: يا عامر ألا تسمعنا من هنيهاتك؟ وكان عامر رجلًا شاعرًا فنزل يحدو بالقوم يقول: اللهم لولا أنت ما اهتدينا … ولا تصدقنا ولا صلينا فأغفر فداءَ لك ما اتقينا … وثبت الأقدام إن لاقينا وألقين سكينة علينا … إنا إذا صيح بنا أبينا وبالصياح عولوا علينا فقال رسول الله ﷺ : (من هذا السائق؟) قالوا: عامر بن الأكوع، قال: (يرحمه الله). قال رجل من القوم: وجبت يا نبي الله، لولا أمتعتنا به … " (٣). وفي رواية أخرى لسلمة بن الأكوع ﵁ انفرد بها الإِمام مسلم في

стр. 338

صحيحه من ضمن حديث طويل، ذكر فيه سلمة قصة غزوة الحديبية، وغزوة ذي قرد، وغزوة خيبر، وقد سبق أجزاء منه في مواطن متعددة أشرنا إليها في أمكنتها قال سلمة بعد مسابقته للأنصاري وسبقه له " … قال: فسبقته إلى المدينة. قال: فوالله! ما لبثنا إلا ثلاث ليال حتى خرجنا إلى خيبر مع رسول الله ﷺ ، قال: فجعل عمي عامر يرتجز بالقوم: تالله لولا الله ما اهتدينا … ولا تصدقنا ولا صلينا ونحن عن فضلك ما استغنينا … فثبت الأقدام إن لاقينا وأنزلن سكينة علينا فقال رسول الله ﷺ : (من هذا؟) قال: أنا عامر، قال: (غفر لك ربك) قال: وما استغفر رسول الله ﷺ لإنسان يخصه إلا استشهد، قال: فنادى عمر بن الخطاب، وهو على جمله: يا نبي الله؟ لولا ما متعتنا بعامر … " (١). ٥٤٤ - وقد جاء من حديث دهر الأسلمي ﵁ "أنه سمع رسول الله ﷺ يقول في مسيره إلى خيبر لعامر بن الأكوع، وهو عم سلمة بن عمرو بن الأكوع، وكان اسم الأكوع سنان: (أنزل يا ابن الأكوع، فخذ لنا من هناتك)، قال: فنزل يرتجز برسول الله ﷺ فقال: والله لولا الله ما اهتدينا … ولا تصدقنا ولا صلينا إنا إذا قوم بغوا علينا … وإن أرادوا فتنة أبينا فأنزلن سكينة علينا … وثبت الأقدام إن لاقينا زاد الطبري في روايته "فقال رسول الله ﷺ : (يرحمك الله) فقال عمر: وجبت والله يا رسول الله، لو أمتعتنا به، فقتل يوم خيبر شهيدًا" (٢).

стр. 339

٤ - طعام جيش المسلمين في طريقهم إلى خيبر: ٥٤٥ - من حديث سويد بن النعمان ﵁: "أنه خرج مع النبي ﷺ عام خيبر حتى إذا كنا بالصهباء -وهي من أدنى خيبر- صلى العصر ثم دعا بالأزواد، فلم يؤت إلا بالسويق، فأمر به فثري، فأكل وأكلنا، ثم قام إلى المغرب فمضمض ومضمضنا، ثم صلى ولم يتوضأ" (١). ٥ - مفاجاة المسلمين لأهل خيبر وقوله ﵇ (الله أكبر خربت خيبر): ٥٤٦ - من حديث أنس بن مالك ﵁: "أن رسول الله ﷺ غزا خيبر قال: فصلينا عندها صلاة الغداة بغلس، فركب نبي الله ﷺ ، وركب أبو طلحة وأنا رديف أبي طلحة، فأجرى نبي الله ﷺ في زقاق خيبر، وإن ركبتي لتمس فخذ نبي الله ﷺ ، فلما دخل القرية قال: (الله أكبر! خربت خيبر، إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين) قالها ثلاث مرار. قال: وقد خرج القوم إلى أعمالهم فقالوا: محمَّد -قال عبد العزيز، وقال بعض أصحابنا: والخميس، قال: وأصبناها عنوة" لفظ مسلم. وأما لفظ البخاري فيقول: "إن رسول الله ﷺ أتى خيبر ليلًا -وكان إذا أتى قومًا بليل لم يقربهم حتى يصبح- فلما أصبح خرجت اليهود بمساحيبهم ومكاتلهم، فلما رأوه قالوا: محمَّد والله، محمَّد والخميس. فقال النبي ﷺ : خربت خيبر، إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين) (٢). ٥٤٧ - ومن حديث أبي طلحة ﵁ قال: "كنت رديف رسول الله ﷺ ، فسكت عنهم حتى إذا كان عند السحر، وذهب ذو الضرع إلى ضرعه،

стр. 340

وذو الزرع إلى زرعه أغار عليهم، وقال: (إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين) (١). ٦ - حملة راية النبي ﷺ يوم خيبر: أ - أبو بكر ﵁: ٥٤٨ - من حديث بريدة ﵁ قال: "كان رسول الله ﷺ ربما أخذته الشقيقة (٢) فيلبث اليوم واليومين لا يخرج، فلما نزل بخيبر أخذته الشقيقة، فلم يخرج إلى الناس، وإن أبا بكر ﵁ أخذ راية رسول الله ﷺ ، ثم نهض فقاتل قتالًا شديدًا ثم رجع" (٣). ب - عمر بن الخطاب ﵁: ٥٤٩ - من حديث علي ﵁ قال: (سار النبي ﷺ إلى خيبر، فلما أتاها بعث عمر رضي الله تعالى عنه، وبعث معه الناس إلى مدينتهم أو قصرهم، فقاتلوهم، فلم يلبثوا أن هزموا عمر وأصحابه، فجاءوا يجبنونه ويجبنهم، فسار النبي ﷺ إليهم … الحديث" (٤). جـ - علي بن أبي طالب ﵁: ٥٥٠ - من حديث سهل بن سعد ﵁: (أن رسول الله ﷺ قال يوم خيبر: (لأعطين هذه الراية غدًا رجلًا يفتح الله على يديه، يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله). قال: فبات الناس يدوكون ليلتهم: أيهم يعطاها فلما أصبح الناس غدوا على رسول الله ﷺ كلهم يرجو أن يعطاها؟، فقال: (أين علي ابن أبي طالب؟) فقيل: هو يا رسول الله يشتكي عينيه.

стр. 341

قال: (فأرسلوا إليه)، فأتى به، فبصق رسول الله ﷺ في عينيه، ودعا له خيرًا حتى كأن لم يكن به وجع، فأعطاه الراية، فقال علي: يا رسول الله: أقاتلهم حتى يكونوا مثلنا، فقال: (انفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم، ثم ادعهم إلى الإِسلام، وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله فيه) فوالله لأن يهدي الله بك رجلًا واحدًا خير لك من أن يكون لك حمر النعم) (١). ٧ - قتل عليّ مرحب اليهودي: ٥٥١ - من حديث سلمة بن الأكوع ﵁: (… قال: فلما قدمنا خيبر قال: خرج ملكهم مرحب يخطر بسيفه ويقول: قد علمت خيبر أني مرحب … شاكي السلاح بطل مجرب إذا الحروب أقبلت تلهب قال: وبرز له عمي عامر فقال: قد علمت خيبر أني عامر … شاكي السلاح بطل مغامر قال: فاختلفا ضربتين، فوقع سيف مرحب في ترس عامر، وذهب عامر يسفل له فرجع سيفه على نفسه، فقطع أكحله، فكانت فيها نفسه. قال سلمة: فخرجت فإذا نفر من أصحاب النبي ﷺ يقولون: بطل عمل عامر، قتل نفسه. قال: فأتيت النبي ﷺ وأنا أبكي، فقلت: يا رسول الله! بطل عمل عامر؟ قال رسول الله ﷺ : (من قال ذلك؟) قلت: ناس من أصحابك قال: (كذب من قال ذلك. بل له أجره مرتين). ثم أرسلني إلى علي وهو أرمد، فقال: (لأعطين الراية رجلًا يحب الله ورسوله، أو يحبه الله ورسوله).

стр. 342

قال: فأتيت عليًّا، فجئت به أقوده وهو أرمد، حتى أتيت به رسول الله ﷺ ، فبصق في عينيه فبرأ، وأعطاه الراية وخرج مرحب فقال: قد علمت خيبر أني مرحب … شاكي السلاح بطل مجرب إذا الحروب أقبلت تلهب فقال علي: أنا الذي سمتني أمي حيدرة (١) … كليث غابات كريه المنظرة أوفيهم بالصاع كيل السندرة (٢). قال: فضرب رأس مرحب فقتله، ثم كان الفتح على يديه" (٣). قال الحاكم في المستدرك: "الأخبار متواترة بأسانيد كثيرة أن قاتل مرحب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁، ووافقه الذهبي على ما قال" (٤). قلت: هذا هو الراجح، لا أن الذي قتله محمَّد بن مسلمة الأنصاري جاء من حديث جابر في عبد الله ﵁، وأخرجه أحمد والحاكم وابن إسحاق كما جاء في السيرة وإسناده صحيح (٥). قال الإمام النووي في تهذيب الأسماء واللغات ما نصه: "اختلفوا في قاتل مرحب، فقيل علي بن أبي طالب، وقال ابن عبد البر في كتابه الدرر في مختصر السير، قال محمَّد بن إسحاق: أن محمَّد بن مسلمة هو الذي قتل مرحبًا اليهودي بخيبر، قال وخالفه غيره، فقال: بل قتله علي بن أبي طالب، قال ابن عبد البر: هذا هو الصحيح عندنا، ثم روى ذلك بإسناده عن بريدة وسلمة بن الأكوع. وقال الشافعي في المختصر نفل النبي ﷺ يوم خيبر محمَّد بن مسلمة سلب

стр. 343

مرحب، ذكره في أول باب جامع السير، وهذا تصريح منه بأن قاتله محمَّد بن مسلمة، وقال ابن الأثير: الصحيح الذي عليه أكثر أهل السير والحديث أن عليًّا هو قاتله، قال المصنف ﵀: قلت: وفي صحيح مسلم بإسناده عن سلمة ابن الأكوع التصريح بأن عليًّا هو قاتله" أ. هـ. قلت: وقد يحتمل الجمع بين حديث جابر وحديث سلمة بما ذكره الواقدي من أن محمدًا بن مسلمة قطع رجليه وأن عليًّا أجهز عليه" (١). قلت: ما في صحيح مسلم مقدم على حديث جابر من وجهين: الأول: أنه أصح إسنادًا، وأوثق رجالًا. الثاني: أن جابرًا لم يشهد خيبر كما ذكره ابن إسحاق، ومحمد بن عمر، وغيرهما، وقد شهدها سلمة وبريدة وأبو رافع ﵃، وهم أعلم ممن لم يشهدها، وما قيل من أن محمَّد بن سلمة ضرب ساقي مرحب فقطعهما، ولم يجهز عليه، ومر به علي فأجهز عليه يأباه حديث سلمة وأبي رافع، والله أعلم. سيف علي في أسنان مرحب: ٥٥٢ - من حديث أم سلمة ﵂، وكانت في غزوة خيبر قالت: (سمعت وقع السيف في أسنان مرحب) (٢). ٨ - قصة الأعرابي الشهيد: ٥٥٣ - من حديث شداد بن الهاد ﵁: "أن رجلًا من الأعراب جاء إلى النبي ﷺ ، فآمن به، واتبعه، ثم قال: أهاجر معك، فأوصى به النبي ﷺ بعض أصحابه، فلما كانت غزوة (خيبر أو حنين) (٣)، غنم النبي ﷺ سبيًا، فقسم، وقسم له، فأعطى أصحابه ما قسم له، وكان يرعى ظهرهم فلما جاء دفعوه إليه، فقال: ما هذا؟ قالوا: قسم قسمه لك النبي ﷺ ، فأخذه، فجاء به إلى

стр. 344

النبي ﷺ فقال: ما هذا؟ قال: (قسمته لك)، قال: ما على هذا اتبعتك، ولكني اتبعتك على أن أرمى إلى هاهنا، وأشار إلى حلقه بسهم، فأموت، فأدخل الجنّة. فقال: (إن تصدق الله يصدقك)، فلبثوا قليلًا، ثم نهضوا في قتال العدو، فأتى به النبي ﷺ يحمل قد أصابه سهم حيث أشار، فقال النبي ﷺ : (أهو هو؟) قالوا: نعم. قال: (صدق الله، فصدقه)، ثم كفنه النبي ﷺ في جبة النبي ﷺ ، ثم قدمه فصلى عليه، فكان فيما ظهر من صلاته: (اللهم هذا عبدك خرج مهاجرًا في سبيلك، فقتل شهيدًا أنا شهيد على ذلك). (١) لفظ النسائي. ٩ - بطل إلى النار: ٥٥٤ - من حديث سهل بن سعد الساعدي ﵁ قال: "إن رسول الله ﷺ التقى هو والمشركون، فاقتتلوا. فلما مال رسول الله ﷺ إلى عسكره، مال الآخرون إلى عسكرهم، وفي أصحاب رسول الله ﷺ رجل لا يدع لهم شاذة إلا اتبعها يضربها بسيفه، فقالوا: ما أجزأ منا اليوم أحد كما أجزأ فلان، فقال: رسول الله ﷺ : (أما إنه من أهل النار)، فقال رجل من القوم: أنا صاحبه أبدًا. قال: فخرج معه، كما وقف وقف معه، وإذا أسرع أسرع معه، قال فجرح الرجل جرحًا شديدًا، فاستعجل الموت فوضع نصل السيف بالأرض، وذبابه بين ثدييه، ثم تحامل على سيفه، فقتل نفسه، فخرج الرجل إلى رسول الله ﷺ فقال: أشهد أنك رسول الله، قال: (وما ذاك؟) قال: الرجل الذي ذكرت آنفًا أنه من أهل النار، فأعظم الناس ذلك، فقلت: أنا لكم به، فخرجت في طلبه حتى جرح جرحًا شديدا، فاستعجل الموت، فوضع نصل سيفه بالأرض، وذبابه بين ثدييه، ثم تحامل عليه فقتل نفسه. فقال رسول الله ﷺ عند ذلك: (إن الرجل ليعمل عمل أهل الجنة فيما يبدو

стр. 345

للناس وهو من أهل النار، وإن الرجل ليعمل عمل أهل النار فيما يبدو للناس وهو من أهل الجنة) (١). وقد جاء من حديث أبي هريرة ﵁ بنفس المعنى وجاء التصريح فيه بأن الغزوة كانت غزوة خيبر (٢) وكانت غزوة خيبر أول الغزوات التي حضرها، مع رسول الله ﷺ . ١٠ - إصابة سلمة بن الأكوع وعلاج النبي ﷺ له: ٥٥٥ - من حديث يزيد بن أبي عبيد قال: "رأيت أثر ضربة في ساق (ابن الأكوع) فقلت: يا أبا مسلم ما هذه الضربة؟ فقال: هذه ضربة أصابتها يوم خيبر، فقال الناس: أصيب سلمة، فأتيت النبي ﷺ ، فنفث فيه ثلاث نفثات، فما اشتكيت حتى الساعة" (٣). ١١ - قصة الرجل الذي غل في سبيل الله: ٥٥٦ - من حديث زيد بن خالد الجهني ﵁: "أن رجلًا من أصحاب النبي ﷺ توفي يوم خيبر، فذكروا لرسول الله ﷺ ، فقال: (صلوا على صاحبكم)، فتغيرت وجوه الناس لذلك، فقال: (إن صاحبكم غل في سبيل الله) ففتشنا متاعه فوجدنا خرزًا من خرز يهود لا يساوي درهمين" (٤) اللفظ لأبي داود.

стр. 346

١٢ - تحريم الحمر الأهلية: ٥٥٧ - من حديث علي بن أبي طالب ﵁: "أن رسول الله ﷺ نهى عن متعة النساء يوم خيبر، وعن كل لحوم الإنسية" (١). قلت: وقد جاء الحديث في النهي عن أكل لحوم الأهلية من طريق أكثر من صحابي، فقد جاء من حديث أنس بن مالك، وابن عمر، وجابر بن عبد الله، وابن أبي أوفى والبراء بن عازب، وابن عباس وكل ذلك في الصحيح من حديث رسول الله ﷺ انظر صحيح البخاري، كتاب المغازي باب غزوة خيبر الأحاديث من رقم: ٤٢١٥، ٤٢٢٧، فتح الباري. ١٣ - قصة إصابة عبد الله بن مغفل جراب الشحم: ٥٥٨ - من حديث عبد الله بن مغفل ﵁ في الصحيحين قال: "أصبت جرابًا من شحم يوم خيبر، قال: فالتزمته، فقلت: لا أعطي اليوم أحدا من هذا شيئًا، قال: فالتفت فهذا رسول الله ﷺ مبتسمًا) واللفظ لمسلم، وفي اللفظ المتفق عليه، "رمي إلينا جراب فيه طعام، شحم يوم خيبر، فوثبت لآخذه، قال: فالتفت فإذا رسول الله ﷺ فاستحييت منه" (٢). ١٤ - عاقبة يهود خيبر: ٥٥٩ - من حديث ابن عمر ﵄: "أن رسول الله ﷺ قاتل أهل خيبر حتى ألجأهم إلى مقرهم، فغلب على الأرض والنخل والزرع، فصالحوه على أن يجلوا منها، ولهم ما حملت ركابهم، ولرسول الله ﷺ الصفراء والبيضاء (والحلقة)، ويخرجون منها. فاشترط عليهم أن لا يكتموا شيئًا، ولا يغيبوا شيئًا، فإن فعلوا فلا ذمة لهم ولا عصمة، فغيبوا مسكًا فيه مال وحليًّا لحيي بن أخطب كان احتمله معه إلى

стр. 347

خيبر حين أجليت النضير، فقال رسول الله ﷺ لعم حيي (سعية): (ما فعل مسك حيي الذي جاء به من النضير؟) فقال: أذهبته النفقات والحروب، فقال رسول الله ﷺ : (العهد قريب، والمال أكثر من ذلك). فدفعه رسول الله ﷺ إلى الزبير فمسه بعذاب، وكان حيي قبل ذلك قد دخل خربة، فقال: قد رأيت حييًا يطوف في خربة ها هنا، فذهبوا، فطافوا، فوجدوا المسك في الخربة، فقتل رسول الله ﷺ ابني أبي الحقيق، وأحدهما زوج صفية بنت حيي بن أخطب، وسبى رسول الله ﷺ نساءهم وذراريهم، وقسم أموالهم للنكث الذي نكثوا، وأراد أن يجليهم منها، فقالوا: يا محمَّد دعنا نكون في هذه الأرض نصلحها، ونقوم عليها، ولم يكن لرسول الله ﷺ ولا لأصحابه غلمان يقومون عليها، وكانوا لا يتفرغون أن يقوموا عليها. فأعطاهم خيبر على أن لهم الشطر من كل نخل وزرع وشيء ما بدا لرسول الله ﷺ . وكان عبد الله بن رواحة يأتيهم كل عام يخرصها عليهم، ويضمنهم الشطر، قالوا: فشكوا إلى رسول الله ﷺ شدة خرصه، وأرادوا أن يرشوه، فقال: يا أعداء الله أتطعموني السحت؟ والله لقد جئتكم من عند أحب الناس إليّ، ولأنتم أبغض الناس إلي من عدتكم من القردة والخنازير ولا يحملني بغضي إياكم، وحبي إياه على أن لا أعدل عليكم، فقالوا: بهذا قامت السموات والأرض". قال: ورأى رسول الله ﷺ بعين صفية خضرة فقال: (يا صفية ما هذه الخضرة؟) فقالت: كان رأسي في حجر ابن أبي الحقيق وأنا نائمة، فرأيت كأن قمرًا وقع في حجري، فأخبرته بذلك فلطمني، وقال: تمنين ملك يثرب؟ قالت: وكان رسول الله ﷺ من أبغض الناس إلى قتل زوجي وأبي، فما زال يعتذر إلى ويقول: إن أباك ألب علي العرب وفعل، وفعل حتى ذهب ذلك من نفسي. وكان رسول الله ﷺ يعطي كل امرأة من نسائه ثمانين وسقًا من تمر كل عام، وعشرين وسقًا من شعير، فلما كان زمان عمر بن الخطاب غشوا المسلمين، وألقوا ابن عمر من فوق بيت، ففدغوا يديه، فقال عمر بن الخطاب: من كان له سهم من خيبر، فليحضر حتى نقسمها بينهم، فقسمها بينهم وقال رئيسهم: لا تخرجنا دعنا نكون فيها كما أقرنا رسول الله ﷺ وأبو بكر، فقال عمر: لرئيسهم: أتراه سقط عني قول رسول الله ﷺ : (كيف بك إذا رقصت بك

стр. 348

راحلتك تخوم الشام يومًا ثم يومًا ثم يومًا)، وقسمها عمر بين من كان شهد خيبر من أهل الحديبية" (١). اللفظ لابن حبان. ١٥ - تثبيت اليهود في أرضهم لزراعتها مقابل شطر الإنتاج: ٥٦٠ - من حديث ابن عمر ﵄ قال: (أعطى رسول الله ﷺ خيبر اليهود أن يعملوها، ويزرعوها، ولهم شطر ما يخرج منها" (٢). وقد سبق شيء من التفصيل في ذلك من حديث ابن عمر السابق لهذا الحديث، والذي أخرج أبو داود في سننه مقطعًا منه، وأورده كاملًا البيهقي وابن حبان كما بينته. وقد جاء في صحيح الإمام مسلم مقاطع كاملة من ذلك الحديث الطويل، فانظرها في أول كتاب المساقاة، باب المساقاة والمعاملة بجزء من التمر والزرع: ٣/ ١١٨٦ - ١١٨٨، الحديث رقم: ١٥٥١. ١٦ - سبي صفية بنت حيي وزواج النبي منها: أ - الرؤيا التي رأتها قبل مجيء النبي إلى خيبر: ٥٦١ - من حديث ابن عمر ﵄ قال: "كان بعيني صفية خضرة فقال لها النبي ﷺ : (ما هذه الخضرة بعينيك)، قالت: قلت لزوجي إني رأيت فيما يرى النائم كان قمرًا وقع في حجري، فلطمني، وقال: أتريدين ملك يثرب، قالت: وما كان أبغض إلي من رسول الله ﷺ قتل أبي وزوجي، فما زال يعتذر إلي، وقال: يا صفية أن أباك ألب علي العرب، وفعل، وفعل، وفعل حتى ذهب ذلك من نفسي" (٣).

стр. 349

ب - زواجه منها: ٥٦٢ - من حديث أنس بن مالك ﵁ قال: "قدمنا خيبر، فلما فتح الله عليه الحصن ذكر له جمال صفية بنت حيي بن أخطب وقد قُتل زوجها، وكانت عروسًا، فاصطفاها رسول الله ﷺ لنفسه، فخرج بها، حتى بلغنا سد الصهباء، حلت، فبنى بها رسول الله ﷺ ، ثم صنع حيسًا في نطع صغير، ثم قال لي: (آذن من حولك)، فكانت تلك وليمته على صفية، ثم خرجنا إلى المدينة، فرأيت النبي ﷺ يحوي لها وراءه بعباءة، ثم يجلس عند بعيره فيضع ركبته، وتضع صفية رجلها على ركبته حتى تركب" (١). ٥٦٣ - وقد جاء هذا الحديث بلفظ آخر من حديث أنس أكثر تفصيلًا، "صارت صفية لدحية في مقسمه، وجعلوا يمدحونها عند رسول الله ﷺ . قال: ويقولون: ما رأينا في السبي مثلها، قال: فبعث إلى دحية، فأعطاه بها ما أراد، ثم دفعها إلى أمي فقال: (أصلحيها). قال: ثم خرج رسول الله ﷺ من خيبر، حتى إذا جعلها في ظهره نزل، ثم ضرب عليها القبة. فلما أصبح قال رسول الله ﷺ (من كان عنده فضل زاد فليأتنا به) قال: فجعل الرجل يجيء بفضل التمر، وفضل السويق، حتى جعلوا من ذلك سوادًا حيسًا (٢)، فجعلوا يأكلون من ذلك الحيس ويشربون من حياض إلى جنبهم من ماء السماء، قال: فقال أنس: فكانت تلك وليمة رسول الله ﷺ عليها. قال: فانطلقنا، حتى إذا رأينا جدر المدينة هششنا (٣) إليها، فرفعنا مطينا (٤) ورفع رسول الله ﷺ مطيته، قال: وصفية خلفه قد أردفها رسول الله ﷺ قال: فعثرت مطية رسول الله ﷺ ، فصرع وصرعت: قال: فليس أحد من الناس ينظر إليه ولا إليها، حتى قام رسول الله ﷺ فسترها، قال: فأتيناه فقال: لم تضر،

стр. 350

قال: فدخلنا المدينة، فخرج جواري نسائه يترأينها، ويشمتن بصرعتها (١) " (٢). ٥٦٤ - ومن حديث أنس أيضًا قال: "أقام النبي ﷺ بين خيبر والمدينة ثلاث ليال يُبني عليه بصفية، فدعوت المسلمين إلى وليمته، وما كان فيها من خبز ولا لحم، وما كان فيها إلا أن أمر بلالًا بالأنطاع، فبسطت، فألقى عليها التمر والأقط والسمن، فقال المسلمون: إحدى إمهات المؤمنين أو ما ملكت يمينه؟ قالوا: إن حجبها فهي إحدى أمهات المؤمنين، وإن لم يحجبها فهي مما ملكت يمينه، فلما ارتحل واطأ خلفه، ومد الحجاب" (٣). جـ - مهرها: ٥٦٦ - من حديث أنس ﵁ قال: "سبى النبي ﷺ صفية، فأعتقها، وتزوجها، فقال ثابت لأنس: ما أصدقها؟ قال: أصدقها نفسها فأعتقها" (٤). ١٧ - وضع السم للنبي في الشاة التي قدمت له هدية: ٥٦٧ - من حديث أنس بن مالك ﵁ قال: "إن امرأة يهودية أتت رسول الله ﷺ بشاة مسمومة، فأكل منها، فجيء بها إلى رسول الله ﷺ ، فسألها عن ذلك، قالت: أردت لأقتلك، فقال: (ما كان ليسلطك على ذلك، أو عليَّ)، قال: قالوا: ألا تقتلها، قال: لا، فما زالت أعرفها في لهوات (٥) رسول الله ﷺ " (٦). ٥٦٨ - من حديث أبي هريرة ﵁ قال: "لما فتحت خيبر، أهديت

стр. 351

لرسول الله ﷺ شاة فيها سم، فقال رسول الله ﷺ : اجمعوا لي من ها هنا من اليهود). فجمعوا له، فقال لهم رسول الله ﷺ : (إني سائلكم عن شيء فهل أنتم صادقوني عنه؟) فقالوا: نعم يا أبا القاسم، فقال لهم رسول الله ﷺ : (من أبوكم؟) قالوا: أبونا فلان، فقال رسول الله ﷺ : (كذبتم بل أبوكم فلان) فقالوا: صدقت وبررت. فقال: (هل أنتم صادقوني عن شيء إن أنا سألتكم عنه؟) فقالوا: نعم يا أبا القاسم، وإن كذبناك عرفت كما عرفته في أبينا، فقال لهم رسول الله- ﷺ : (من أهل النار؟) فقالوا: نكون فيها يسيرًا، ثم تخلفونا فيها، فقال لهم رسول الله ﷺ : (اخسؤوا فيها، والله لا نخلفكم فيها أبدًا). ثم قال لهم: (هل أنتم صادقوني عن شيء إن سألتكم عنه؟) فقالوا: نعم، فقال: (هل جعلتم في هذه الشاة سمًّا؟) فقالوا: نعم، فقال: (ما حملكم على ذلك؟) فقالوا: أردنا إن كنت كذابًا أن نستريح منك، وإن كنت نبيًّا لم يضرك" (١). وهذا يثبت أن المرأة ما فعلت فعلتها إلا بأمر من رؤساء اليهود وزعمائهم وبإقرار منهم كما جاء في هذا الحديث الصحيح. شدة تأثره ﵇ بالسم: ٥٦٩ - من حديث عائشة ﵂ قالت: "كان رسول الله ﷺ يقول في مرضه الذي مات فيه: (يا عائشة ما أزال أجد ألم الطعام الذي أكلت بخيبر، فهذا آوان وجدت انقطاع أبهري من ذلك السم" (٢).

стр. 352

هل قتل رسول الله ﷺ المرأة التي وضعت السم: قال القاضي عياض: واختلفت الآثار والعلماء هل قتلها النبي ﷺ أم لا، فوقع في مسلم أنهم قالوا ألا نقتلها؟ قال: (لا) ومثله عن أبي هريرة وجابر، وعن جابر من رواية أبي سلمة أنه قتلها، وفي رواية ابن عباس أنه دفعها إلى أولياء بشر بن البراء بن معرور، وكان أكل منها، فمات بها، فقتلوها، وفي لفظ قتلها وصلبها، وفي جامع معمر عن الزهري لما أسلمت تركها، قال معمر كذا قال الزهري أسلمت، والناس يقولون قتلها ولم تسلم. وقال السهيلي قيل: إنه صفح عنها، قال القاضي وجه الجمع بين هذه الروايات والأقاويل أنه لم يقتلها حين اطلع على سمها، وقيل له: اقتلها فقال: لا، فلما مات بشر بن البراء بن معرور من ذلك سلمها لأوليائه، فقتلوها قصاصًا، فصح قولهم لم يقتلها أي في الحال، ويصح قولهم قتلها أي بعد ذلك والله أعلم" (١). ١٨ - تقسيم الغنائم يوم خيبر: أ - كيفية القسمة: ٥٧٠ - من حديث ابن عمر ﵄ قال: "قسم رسول الله ﷺ يوم خيبر للفرس سهمين وللراجل سهمًا، قال: فسره نافع فقال: إذا كان مع الرجل فرس فله ثلاثة أسهم، فإن لم يكن له فرس فله سهم" (٢). ٥٧١ - من حديث بشير بن أبي حثمة قال: "قسم رسول الله ﷺ خيبر نصفين نصفًا لنوائبه وحاجته، ونصفًا بين المسلمين قسمها بينهم على ثمانية عشر سهمًا" (٣).

стр. 353

ب - سهم ذوي القربى: ٥٧٢ - من حديث جبير بن مطعم ﵁: "أنه جاء هو وعثمان بن عفان يكلمان رسول الله ﷺ فيما قسم الخمس بين بني هاشم وبني المطلب، فقلت: يا رسول الله قسمت لإخواننا بني المطلب ولم تعطنا شيئًا، وقرابتنا وقرابتهم منك واحدة، فقال النبي ﷺ : (إنما بنو هاشم وبنو المطلب واحد) قال جبير: ولم يقسم لبني عبد شمس، ولا لبني نوفل من ذلك الخمس، كما قسم لبني هاشم وبني المطلب، قال: وكان أبو بكر يقسم الخمس نحو قسم رسول الله ﷺ غير أنه لم يكن يعطي قربى رسول الله ﷺ ما كان النبي ﷺ يعطيهم، قال: وكان عمر بن الخطاب يعطيهم منه، وعثمان بعده" (١) اللفظ لأبي داود. جـ - إعطاء العبيد من الغنائم وعدم الإسهام لهم: ٥٧٣ - من حديث عمير مولى أبي اللحم قال: "شهدت خيبر مع سادتي، فكلموا في رسول الله ﷺ ، فأمرني فقلدت سيفًا، فإذا أنا أجُرُّهُ، فأخبر أني مملوك، فأمر لي بشيء من خرثي المتاع (٢) " (٣). د - إعطاء النبي ﵇ للنساء من الغنائم والإسهام لهن من الثمار: ٥٧٤ - من حديث ثابت بن الحارث الأنصاري قال: "قسم رسول الله ﷺ يوم خيبر لسهلة بنت عاصم بن عدي، ولابنة لها ولدت" (٤).

стр. 354

٥٧٥ - من حديث زينب بنت أبي معاوية الثقفية "أن النبي ﷺ أعطاها بخيبر خمسين وسقًا تمرًا، وعشرين وسقًا شعيرًا بالمدينة" (١). هـ - قصة أبي هريرة مع أبان بن سعيد بن العاص في قسمة الغنائم: ٥٧٦ - من حديث أبي هريرة ﵁ قال: "بعث رسول الله ﷺ أبان على سرية من المدينة قبل نجد، قال أبو هريرة: فقدم أبان وأصحابه على النبي ﷺ بخيبر بعدما افتتحها، وإن حزم خيلهم لليف، قال أبو هريرة: قلت يا رسول الله، لا تقسم لهم، قال أبان: وأنت بهذا يا وبر تحدر من رأس ضأن، فقال النبي ﷺ : (يا أبان اجلس فلم يقسم له) " (٢). قلت: وإن كان ورد أن القائل: "لا تعطه من الغنائم أبان بن سعيد"، وأن السائل هو أبو هريرة ﵁، وهذا أيضًا في الصحيح، والراجح عندي، والله أعلم- أن الذي سأل أن يعطى من الغنائم هو أبان بن سعيد، وأن القائل: لا تعطه من الغنائم هو أبو هريرة. ويؤيد ما ذهبت إليه أن أبا هريرة صرح بأن الرسول ﵊ قد أعطاه، ومن جاء معه من الغنائم يوم خيبر، وذلك في حديثه الذي بين فيه أن رسول الله ﷺ أمر على المدينة سباع بن عرفطة الغفاري، وقد سبق الإشارة إلى هذا الحديث الذي أخرجه أحمد بسند جيد في بداية الحديث عن غزوة خيبر برقم: ٥٤٢، فانظره هناك. ١٩ - حديث الحجاج بن علاط مع أهل مكة: ٥٧٧ - من حديث أنس بن مالك ﵁: قال: "لما افتتح رسول الله ﷺ خيبر قال الحجاج بن علاط: يا رسول الله! إن لي بمكة مالًا، وإن لي بها أهلًا، وإني أريد أن آتيهم، فأنا في حل إن أنا نلت منك؟ وقلت شيئًا؟ فأذن له رسول الله ﷺ أن يقول ما شاء، فأتى امرأته حين قدم، فقال: اجمعي لي

стр. 355

ما كان عندك، فإني أريد أن أشتري من غنائم محمَّد وأصحابه، فإنَّهم قد استبيحوا، أو أصيبت أموالهم، قال: ففشا ذلك في مكة فانقمع المسلمون، وأظهر المشركون فرحًا وسرورًا، قال: وبلغ الخبر العباس ﵁ فعقر، وجعل لا يستطيع أن يقوم. قال معمر: فأخبرني عثمان الجزري عن مقسم قال: فأخذ ابنًا له يشبه رسول الله ﷺ يقال له قثم، فاستلقى فوضعه على صدره وهو يقول: حبِّي قثم، حبِّي قثم … شبيه ذي الأنف الأشم نبي رب ذي النعم … برغم أنف من رغم قال ثابت عن أنس: ثم أرسل غلامًا له إلى الحجاج: ويلك ما جئت به؟ وماذا تقول؟ فما وعد الله خير مما جئت به، قال: فقال الحجاج بن علاط لغلامه: أقرأ على أبي الفضل السلام، وقيل له: فليخل لي في بعض بيوته لآتيه، فإن الخبر على ما يسره، فجاءه غلامه، فلما بلغ باب الدار قال: أبشر يا أبا الفضل، قال: فوثب العباس فرحًا، حتى قبل بين عينيه، فأخبره بما قال الحجاج، فأعتقه. قال: ثم جاء الحجاج فأخبره أن رسول الله ﷺ قد افتتح خيبر، وغنم أموالهم، وجرت سهام الله في أموالهم، واصطفى رسول الله ﷺ صفية بن حيي، فأخذها لنفسه وخيرها أن يعتقها، وتكون زوجته، أو تلحق بأهلها، فاختارت أن يعتقها، وتكون زوجته، ولكني جئت لما كان لي ها هنا أردت أن أجمعه، فاذهب به، فاستأذنت رسول الله ﷺ ، فأذن لي أن أقول ما شئت، فأخف عني ثلاثًا ثم اذكر ما بدا لك، قال: فجمعت امرأته ما كان عندها من حلي ومتاع فجمعه، فدفعته إليه ثم انشمر به. فلما كان بعد ثلاث أتى العباس امرأة الحجاج، فقال: ما فعل زوجك؟ فأخبرته أنه ذهب يوم كذا وكذا، وقالت: لا يخزيك الله يا أبا الفضل، لقد شق علينا الذي بلغك، قال: أجل، لا يخزيني الله، ولم يكن بحمد الله إلا ما أحببنا، فتح الله خيبر على رسول الله ﷺ ، وجرت فيها سهام الله، واصطفى رسول الله ﷺ صفية بنت حيي لنفسه، فإن كانت لك حاجة في زوجك فالحقي به، قالت: أظنك والله صادقًا، قال: فإني صادق، الأمر على ما أخبرتك. فقال: ثم ذهب حتى أتى مجالس قريش، وهم يقولون إذا مر بهم: لا
следующие страницы →