لرسول الله ﷺ شاة فيها سم، فقال رسول الله ﷺ : اجمعوا لي من ها هنا من اليهود). فجمعوا له، فقال لهم رسول الله ﷺ : (إني سائلكم عن شيء فهل أنتم صادقوني عنه؟) فقالوا: نعم يا أبا القاسم، فقال لهم رسول الله ﷺ : (من أبوكم؟) قالوا: أبونا فلان، فقال رسول الله ﷺ : (كذبتم بل أبوكم فلان) فقالوا: صدقت وبررت.
فقال: (هل أنتم صادقوني عن شيء إن أنا سألتكم عنه؟) فقالوا: نعم يا أبا القاسم، وإن كذبناك عرفت كما عرفته في أبينا، فقال لهم رسول الله- ﷺ : (من أهل النار؟) فقالوا: نكون فيها يسيرًا، ثم تخلفونا فيها، فقال لهم رسول الله ﷺ : (اخسؤوا فيها، والله لا نخلفكم فيها أبدًا).
ثم قال لهم: (هل أنتم صادقوني عن شيء إن سألتكم عنه؟) فقالوا: نعم، فقال: (هل جعلتم في هذه الشاة سمًّا؟) فقالوا: نعم، فقال: (ما حملكم على ذلك؟) فقالوا: أردنا إن كنت كذابًا أن نستريح منك، وإن كنت نبيًّا لم يضرك" (١).
وهذا يثبت أن المرأة ما فعلت فعلتها إلا بأمر من رؤساء اليهود وزعمائهم وبإقرار منهم كما جاء في هذا الحديث الصحيح.
شدة تأثره ﵇ بالسم:
٥٦٩ - من حديث عائشة ﵂ قالت: "كان رسول الله ﷺ يقول في مرضه الذي مات فيه: (يا عائشة ما أزال أجد ألم الطعام الذي أكلت بخيبر، فهذا آوان وجدت انقطاع أبهري من ذلك السم" (٢).
стр. 352
هل قتل رسول الله ﷺ المرأة التي وضعت السم:
قال القاضي عياض: واختلفت الآثار والعلماء هل قتلها النبي ﷺ أم لا، فوقع في مسلم أنهم قالوا ألا نقتلها؟ قال: (لا) ومثله عن أبي هريرة وجابر، وعن جابر من رواية أبي سلمة أنه قتلها، وفي رواية ابن عباس أنه دفعها إلى أولياء بشر بن البراء بن معرور، وكان أكل منها، فمات بها، فقتلوها، وفي لفظ قتلها وصلبها، وفي جامع معمر عن الزهري لما أسلمت تركها، قال معمر كذا قال الزهري أسلمت، والناس يقولون قتلها ولم تسلم.
وقال السهيلي قيل: إنه صفح عنها، قال القاضي وجه الجمع بين هذه الروايات والأقاويل أنه لم يقتلها حين اطلع على سمها، وقيل له: اقتلها فقال: لا، فلما مات بشر بن البراء بن معرور من ذلك سلمها لأوليائه، فقتلوها قصاصًا، فصح قولهم لم يقتلها أي في الحال، ويصح قولهم قتلها أي بعد ذلك والله أعلم" (١).
١٨ - تقسيم الغنائم يوم خيبر:
أ - كيفية القسمة:
٥٧٠ - من حديث ابن عمر ﵄ قال: "قسم رسول الله ﷺ يوم خيبر للفرس سهمين وللراجل سهمًا، قال: فسره نافع فقال: إذا كان مع الرجل فرس فله ثلاثة أسهم، فإن لم يكن له فرس فله سهم" (٢).
٥٧١ - من حديث بشير بن أبي حثمة قال: "قسم رسول الله ﷺ خيبر نصفين نصفًا لنوائبه وحاجته، ونصفًا بين المسلمين قسمها بينهم على ثمانية عشر سهمًا" (٣).
стр. 353
ب - سهم ذوي القربى:
٥٧٢ - من حديث جبير بن مطعم ﵁: "أنه جاء هو وعثمان بن عفان يكلمان رسول الله ﷺ فيما قسم الخمس بين بني هاشم وبني المطلب، فقلت: يا رسول الله قسمت لإخواننا بني المطلب ولم تعطنا شيئًا، وقرابتنا وقرابتهم منك واحدة، فقال النبي ﷺ : (إنما بنو هاشم وبنو المطلب واحد) قال جبير: ولم يقسم لبني عبد شمس، ولا لبني نوفل من ذلك الخمس، كما قسم لبني هاشم وبني المطلب، قال: وكان أبو بكر يقسم الخمس نحو قسم رسول الله ﷺ غير أنه لم يكن يعطي قربى رسول الله ﷺ ما كان النبي ﷺ يعطيهم، قال: وكان عمر بن الخطاب يعطيهم منه، وعثمان بعده" (١) اللفظ لأبي داود.
جـ - إعطاء العبيد من الغنائم وعدم الإسهام لهم:
٥٧٣ - من حديث عمير مولى أبي اللحم قال: "شهدت خيبر مع سادتي، فكلموا في رسول الله ﷺ ، فأمرني فقلدت سيفًا، فإذا أنا أجُرُّهُ، فأخبر أني مملوك، فأمر لي بشيء من خرثي المتاع (٢) " (٣).
د - إعطاء النبي ﵇ للنساء من الغنائم والإسهام لهن من الثمار:
٥٧٤ - من حديث ثابت بن الحارث الأنصاري قال: "قسم رسول الله ﷺ يوم خيبر لسهلة بنت عاصم بن عدي، ولابنة لها ولدت" (٤).
стр. 354
٥٧٥ - من حديث زينب بنت أبي معاوية الثقفية "أن النبي ﷺ أعطاها بخيبر خمسين وسقًا تمرًا، وعشرين وسقًا شعيرًا بالمدينة" (١).
هـ - قصة أبي هريرة مع أبان بن سعيد بن العاص في قسمة الغنائم:
٥٧٦ - من حديث أبي هريرة ﵁ قال: "بعث رسول الله ﷺ أبان على سرية من المدينة قبل نجد، قال أبو هريرة: فقدم أبان وأصحابه على النبي ﷺ بخيبر بعدما افتتحها، وإن حزم خيلهم لليف، قال أبو هريرة: قلت يا رسول الله، لا تقسم لهم، قال أبان: وأنت بهذا يا وبر تحدر من رأس ضأن، فقال النبي ﷺ : (يا أبان اجلس فلم يقسم له) " (٢).
قلت: وإن كان ورد أن القائل: "لا تعطه من الغنائم أبان بن سعيد"، وأن السائل هو أبو هريرة ﵁، وهذا أيضًا في الصحيح، والراجح عندي، والله أعلم- أن الذي سأل أن يعطى من الغنائم هو أبان بن سعيد، وأن القائل: لا تعطه من الغنائم هو أبو هريرة.
ويؤيد ما ذهبت إليه أن أبا هريرة صرح بأن الرسول ﵊ قد أعطاه، ومن جاء معه من الغنائم يوم خيبر، وذلك في حديثه الذي بين فيه أن رسول الله ﷺ أمر على المدينة سباع بن عرفطة الغفاري، وقد سبق الإشارة إلى هذا الحديث الذي أخرجه أحمد بسند جيد في بداية الحديث عن غزوة خيبر برقم: ٥٤٢، فانظره هناك.
١٩ - حديث الحجاج بن علاط مع أهل مكة:
٥٧٧ - من حديث أنس بن مالك ﵁: قال: "لما افتتح رسول الله ﷺ خيبر قال الحجاج بن علاط: يا رسول الله! إن لي بمكة مالًا، وإن لي بها أهلًا، وإني أريد أن آتيهم، فأنا في حل إن أنا نلت منك؟ وقلت شيئًا؟ فأذن له رسول الله ﷺ أن يقول ما شاء، فأتى امرأته حين قدم، فقال: اجمعي لي
стр. 355
ما كان عندك، فإني أريد أن أشتري من غنائم محمَّد وأصحابه، فإنَّهم قد استبيحوا، أو أصيبت أموالهم، قال: ففشا ذلك في مكة فانقمع المسلمون، وأظهر المشركون فرحًا وسرورًا، قال: وبلغ الخبر العباس ﵁ فعقر، وجعل لا يستطيع أن يقوم.
قال معمر: فأخبرني عثمان الجزري عن مقسم قال: فأخذ ابنًا له يشبه رسول الله ﷺ يقال له قثم، فاستلقى فوضعه على صدره وهو يقول:
حبِّي قثم، حبِّي قثم … شبيه ذي الأنف الأشم
نبي رب ذي النعم … برغم أنف من رغم
قال ثابت عن أنس: ثم أرسل غلامًا له إلى الحجاج: ويلك ما جئت به؟ وماذا تقول؟ فما وعد الله خير مما جئت به، قال: فقال الحجاج بن علاط لغلامه: أقرأ على أبي الفضل السلام، وقيل له: فليخل لي في بعض بيوته لآتيه، فإن الخبر على ما يسره، فجاءه غلامه، فلما بلغ باب الدار قال: أبشر يا أبا الفضل، قال: فوثب العباس فرحًا، حتى قبل بين عينيه، فأخبره بما قال الحجاج، فأعتقه. قال: ثم جاء الحجاج فأخبره أن رسول الله ﷺ قد افتتح خيبر، وغنم أموالهم، وجرت سهام الله في أموالهم، واصطفى رسول الله ﷺ صفية بن حيي، فأخذها لنفسه وخيرها أن يعتقها، وتكون زوجته، أو تلحق بأهلها، فاختارت أن يعتقها، وتكون زوجته، ولكني جئت لما كان لي ها هنا أردت أن أجمعه، فاذهب به، فاستأذنت رسول الله ﷺ ، فأذن لي أن أقول ما شئت، فأخف عني ثلاثًا ثم اذكر ما بدا لك، قال: فجمعت امرأته ما كان عندها من حلي ومتاع فجمعه، فدفعته إليه ثم انشمر به.
فلما كان بعد ثلاث أتى العباس امرأة الحجاج، فقال: ما فعل زوجك؟ فأخبرته أنه ذهب يوم كذا وكذا، وقالت: لا يخزيك الله يا أبا الفضل، لقد شق علينا الذي بلغك، قال: أجل، لا يخزيني الله، ولم يكن بحمد الله إلا ما أحببنا، فتح الله خيبر على رسول الله ﷺ ، وجرت فيها سهام الله، واصطفى رسول الله ﷺ صفية بنت حيي لنفسه، فإن كانت لك حاجة في زوجك فالحقي به، قالت: أظنك والله صادقًا، قال: فإني صادق، الأمر على ما أخبرتك.
فقال: ثم ذهب حتى أتى مجالس قريش، وهم يقولون إذا مر بهم: لا
стр. 356
يصيبك إلا خير يا أبا الفضل، قال لهم: لم يصبني إلا خير بحمد الله، قد أخبرني الحجاج بن علاط أن خيبر قد فتحها الله على رسوله ﷺ ، وجرت فيها سهام الله، واصطفى صفية لنفسه، وقد سألني أن أخفي عليه ثلاثًا، وإنما جاء ليأخذ ماله، وما كان له من شيء ها هنا، ثم يذهب. قال: فرد الله الكآبة التي كانت بالمسلمين على المشركين، وخرج المسلمون ومن كان دخل بينه مكتئبًا حتى أتوا العباس، فأخبرهم الخبر وسر المسلمون، ورد الله ﵎ ما كان من كآبة أو غيظ أو حزن على المشركين" (١).
٢٠ - مسير النبي إلى وادي القرى وقصة الذي غل من الغنيمة:
٥٧٨ - من حديث أبي هريرة ﵁ قال: "خرجنا مع رسول الله ﷺ يوم خيبر، فلم نغنم ذهبًا ولا فضة إلا الأموال والثياب والمتاع، فأهدى رجل من بني الضبيب، يقال له رفاعة بن زيد لرسول الله ﷺ غلامًا يقال له مدعم.
فوجه رسول الله ﷺ إلى وادي القرى حتى إذا كان بوادي القرى، بينما مدعم يحط رحلًا لرسول الله ﷺ إذا سهم عائر فقتله، فقال الناس: هنيئًا له الجنة، فقال رسول الله ﷺ : (كلا والذي نفسي بيده، أن الشملة التي أخذها يوم خيبر من الغنائم لم تصبها المقاسم لتشتعل عليه نارًا).
فلما سمع ذلك الناس جاء رجل بشراك أو شراكين إلى النبي ﷺ فقال: (شراك من نار أو شراكان من نار) (٢) اللفظ للبخاري.
стр. 357
٢١ - نومهم عن صلاة الفجر وعدم استيقاظهم حتى طلعت الشمس:
٥٧٩ - من حديث أبي هريرة ﵁: "أن رسول الله ﷺ ، حين قفل من غزوة خيبر، سار ليلة، حتى إذا أدركه الكبرى عرَّس، وقال لبلال: (اكلأ لنا الليل) فصلى بلال ما قدر له. ونام رسول الله ﷺ وأصحابه. فلما تقارب الفجر استند بلال إلى راحلته مواجه الفجر، فغلبته عيناه، وهو مستند إلى راحلته، فلم يستيقظ رسول الله ﷺ ، ولا بلال، ولا أحد من أصحابه حتى ضربتهم الشمس.
فكان رسول الله ﷺ أولهم استيقاظًا، ففزع رسول الله ﷺ ، فقال: (أي بلال؟) فقال بلال: أخذ بنفسي الذي -بأبي أنت وأمي يا رسول الله! - أخذ بنفسك. قال: (اقتادوا) فاقتادوا رواحلهم شيئًا، ثم توضأ رسول الله ﷺ ، وأسر بلالًا فأقام الصلاة، فصلى بهم الصبح، فلما قضى الصلاة قال: (من نسي الصلاة فليصليها إذا ذكرها، فإن الله قال: ﴿أقم الصلاة لذكري﴾ (١)، قال يونس: وكان ابن شهاب يقرؤها: للذكرى) (٢).
٢٢ - معجزة زيادة الماء القليل حتى سقى الجيش الكثير:
٥٨٠ - من حديث أبي قتادة ﵁ قال: "خطبنا رسول الله ﷺ فقال: (إنكم تسيرون عشيتكم وليلتكم، وتأتون الماء، إن شاء الله غدًا) فانطلق الناس لا يلوي أحد على أحد، قال أبو قتادة: فبينما رسول الله ﷺ يسير حتى ابهار الليل (٣)، وأنا إلى جنبه، قال: فنعس رسول الله ﷺ ، فمال عن راحلته. فأتيته فدعمته (٤) من غير أن أوقظه. حتى اعتدل على راحلته. قال ثم سار حتى إذا كان من آخر السحر مال ميلة. هي أشد من الميلتين الأولين، حتى كاد
стр. 358
ينجفل (١)، فأتيته فدعمته، فرفع رأسه.
فقال: (من هذا؟) قلت: أبو قتادة، قال: (متى كان هذا مسيرك مني؟) قلت: ما زال هذا مسيري منذ الليلة. قال: (حفظك الله بما حفظت به نبيه) ثم قال: (هل ترانا نخفى على الناس؟) ثم قال: (هل ترى من أحد؟) قلت: هذا راكب ثم قلت: هذا راكب آخر. حتى اجتمعنا فكنا سبعة ركب.
قال: فمال رسول الله ﷺ عن الطريق. فوضع رأسه. ثم قال: (احفظوا علينا صلاتنا)، فكان أول من استيقظ رسول الله ﷺ ، والشمس في ظهره، قال: فقمنا فزعين. ثم قال: (اركبوا) فركبنا. فسرنا حتى إذا ارتفعت الشمس نزل. ثم دعا بميضأة (٢) كانت معي فيها شيء من ماء. قال فتوضأ منها وضوءًا دون وضوء (٣). قال وبقي فيها شيء من ماء. ثم قال لأبي قتادة: (احفظ علينا ميضأتك. فسيكون لها نبأ) ثم أذن بلال بالصلاة. فصلى رسول الله- ﷺ ركعتين. ثم صلى الغداة فصنع كما كان يصنع كل يوم. قال وركب رسول الله ﷺ وركبنا معه.
قال فجعل بعضنا يهمس إلى بعض (٤): ما كفارة ما صنعنا بتفريطنا في صلاتنا؟ ثم قال: (ما لكم فيَّ أسوة (٥)؟) ثم قال: (أما أنه ليس في النوم تفريط (٦)، إنما التفريط على من لم يصل حتى يجيء وقت الصلاة الأخرى، فمن فعل ذلك فليصلها حين ينتبه لها، فإذا كان من الغد فليصلها عند وقتها) ثم قال: (ما ترون الناس صنعوا؟) قال: ثم قال: (أصبح الناس فقدوا نبيهم، فقال أبو بكر وعمر: رسول الله ﷺ بعدكم، لم يكن ليخلفكم، وقال الناس: إن رسول الله ﷺ بين أيديكم، فإن يطيعوا أبا بكر وعمر يرشدوا).
قال: فانتهينا إلى الناس حين امتد النهار، وحمي كل شيء، وهم يقولون:
стр. 359
يا رسول الله! هلكنا، عطشنا. فقال: (لا هلك عليكم) (١)، ثم قال: (اطلقوا لي غُمري) (٢) قال: "ودعا بالميضأة، فجعل رسول الله ﷺ يصب وأبو قتادة يسقيهم، فلم يعد أن رأى الناس ماءً في الميضأة تكابوا عليها (٣)، فقال: رسول الله ﷺ : (أحسنوا الملأ (٤) كلكم سيروى) قال ففعلوا. فجعل رسول الله ﷺ يصب وأسقيهم، حتى ما بقي غيري وغير رسول الله ﷺ . قال: ثم صب رسول الله ﷺ فقال لي: (اشرب): فقلت: لا أشرب حتى تشرب يا رسول الله! قال: (إن ساقي القوم آخرهم شربًا) قال: فشربت. وشرب رسول الله ﷺ . قال فأتى الناس الماء جامين رواءً.
قال: فقال عبد الله بن رباح: إني لأحدث هذا الحديث في مسجد الجامع. إذ قال عمران بن حصين: انظر أيها الفتى كيف تحدث. فإني أحد الركب تلك الليلة. قال: قلت: فأنت أعلم بالحديث. فقال: فمن أنت؟ قلت: من الأنصار. قال: حدث فأنتم أعلم بحديثكم. قال: فحدثت القوم. فقال عمران: لقد شهدت تلك الليلة وما شعرت أن أحدًا حفظه كما حفظته) (٥) واللفظ لمسلم.
٢٣ - عودة مهاجري الحبشة وقسمة الرسول لهم من الغنائم:
٥٨١ - من حديث أبي موسى الأشعري ﵁ قال: "بلغنا مخرج رسول الله ﷺ ونحن باليمن. فخرجنا مهاجرين إليه. أنا وأخوان لي. أنا أصغرهما. أحدهما أبو بردة والآخر أبو رهم. إما قال بضعًا وإما قال: ثلاثة وخمسين أو اثنين وخمسين رجلًا من قومي قال: فركبنا سفينة، فألقتنا سفينتنا إلى النجاشي بالحبشة، فوافقنا جعفر بن أبي طالب وأصحابه عنده. فقال جعفر: إن رسول الله ﷺ بعثنا ها هنا، وأمرنا بالإقامة، فأقيموا معنا. فأقمنا معه حتى قدمنا جميعًا. قال: فوافقنا رسول الله ﷺ حين افتتح خيبر فأسهم لنا، أو أعطانا
стр. 360
منها. وما قسم لأحد غاب عن فتح خيبر منها شيئًا إلا لمن شهد معه إلا لأصحاب سفينتنا مع جعفر وأصحابه، فقسم لهم معهم. قال: فكان ناس من الناس يقولون لنا -يعني لأهل السفينة- نحن سبقناكم بالهجرة".
فضل أهل هجرة الحبشة:
قال: "فدخلت أسماء بنت عميس، هي ممن قدم معنا على حفصة زوج النبي ﷺ زائرة. وقد كانت هاجرت إلى النجاشي فيمن هاجر إليه. فدخل عمر على حفصة، وأسماء عندها. فقال عمر حين رأى أسماء: من هذه؟ قالت: أسماء بنت عميس. قال عمر: الحبشية هذه؟ البحرية هذه؟ فقالت أسماء: نعم. فقال عمر: سبقناكم بالهجرة. فنحن أحق برسول الله ﷺ منكم فغضبت وقالت كلمة: كذبت يا عمر! كلا والله! كنتم مع رسول الله ﷺ يطعم جائعكم ويعظ جاهلكم، وكنا في دار. أو في أرض البعداء البغضاء (١) في الحبشة. وذلك في الله وفي رسوله، وأيم الله! لا أطعم طعامًا ولا أشرب شرابًا حتى أذكر ما قلت لرسول الله ﷺ ، ونحن كنا نؤذى ونخاف، وسأذكر ذلك لرسول الله ﷺ وأسأله، والله لا أكذب، ولا أزيغ، ولا أزيد على ذلك، قال: فلما جاء النبي ﷺ قالت: يا نبي الله! إن عمر قال كذا وكذا، فقال رسول الله ﷺ : (ليس بأحق بي منكم، وله ولأصحابه هجرة واحدة، ولكم أنتم أهل السفينة هجرتان).
قالت: فلقد رأيت أبا موسى وأصحاب السفينة يأتوني أرسالًا. يسألوني عن هذا الحديث، ما من الدنيا شيء هم أفرح، ولا أعظم في أنفسهم مما قال لهم رسول الله ﷺ .
قال أبو بردة: فقالت أسماء: لقد رأيت أبا موسى، لأنه يستعيد هذا الحديث مني" (٢) اللفظ لمسلم.
стр. 361
٢٤ - النهي عن رفع الصوت بالتكبير:
٥٨٢ - من حديث أبي موسى الأشعري ﵁: "قال: لما غزا رسول الله ﷺ خيبر. أو قال لما توجه رسول الله ﷺ أشرف الناس على واد، فرفعوا أصواتهم بالتكبير: الله أكبر، الله أكبر، فقال رسول الله ﷺ : (أربعوا على أنفسكم، إنكم لا تدعون أصم ولا غائبًا، إنكم تدعون سميعًا قريبًا، وهو معكم). وأنا خلف دابة رسول الله ﷺ ، فسمعني وأنا أقول: لا حول ولا قوة إلا بالله، فقال لي: (يا عبد الله بن قيس)، قلت: لبيك رسول الله. قال: (ألا أدلك على كلمة من كنز من كنوز الجنة؟) قلت: بلى يا رسول الله، فداك أبي وأمي. قال: (لا حول ولا قوة إلا بالله) (١).
٢٥ - رد المهاجرين المنائح التي أعطاهم إياها الأنصار:
٥٨٣ - من حديث أنس بن مالك ﵁ قال: "لما قدم المهاجرون من مكة المدينة، قدموا وليس بأيديهم شيء، وكان الأنصار أهل الأرض والعقار، فقاسمهم الأنصار على أن أعطوهم أنصاف ثمار أموالهم، كل عام، ويكفونهم العمل والمؤونة، وكانت أم أنس بن مالك وهي تدعى أم سليم، وكانت أم عبد الله ابن أبي طلحة، كان أخًا لأنس لأمه، وكانت أعطت أم أنس رسول الله ﷺ عذاقًا (٢) لها.
فأعطاها رسول الله ﷺ أم أيمن مولاته، أم أسامة بن زيد.
قال ابن شهاب: فأخبرني أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ لما فرع من قتال أهل خيبر وانصرف إلى المدينة، رد المهاجرون إلى الأنصار منائحهم (٣) التي كانوا منحوهم من ثمارهم. قال: فرد رسول الله ﷺ إلى أمي عذاقها. وأعطى رسول الله ﷺ أم أيمن مكانهن من حائطه.
стр. 362
قال ابن شهاب: وكان من شأن أم أيمن، أم أسامة بن زيد، أنها كانت وصيفة لعبد الله بن عبد المطلب وكانت من الحبشة، فلما ولدت آمنة رسول الله ﷺ ، بعدما توفي أبوه فكانت أم أيمن تحضنه، حتى كبر رسول الله ﷺ ، فأعتقها، ثم أنكحها زيد بن حارثة. ثم توفيت بعدما توفي رسول الله ﷺ بخمسة أشهر" (١).
٢٦ - شبع المسلمين من التمر بعد فتح خيبر:
٥٨٤ - من حديث عائشة ﵂ قالت: (فلما فتحت خيبر قلنا: الآن نشبع من التمر) (٢).
٥٨٥ - من حديث عائشة ﵂ قالت: (لما فتحت خيبر قلنا: الآن نشبع من التمر) (٣).
٢٧ - تأمير أحد الأنصار على خيبر:
٥٨٦ - من حديث أبي سعيد وأبي هريرة ﵄ قالا: (إن النبي ﷺ بعث أخا بني عدي من الأنصار إلى خيبر، فأمره عليها" (٤).
وقال الحافظ ابن حجر في فتح الباري: ٤٩٦٨: وفي رواية ابن عوانة والدارقطني (سواد بن غزية) وهو من بني عدي بن النجار.
стр. 363
الأحكام والفوائد المستقاة من غزوة خيبر:
لخص الحافظ ابن حجر قسمًا من هذه الفوائد في فتح الباري: ٧/ ٤٩٨، في تعليقه على الحديث رقم: ٤٢٤٩، في كتاب المغازي، باب الشاة التي سمت للنبي ﷺ بخيبر فقال: وقد اشتملت قصة خيبر على أحكام كثيرة منها:
١ - جواز قتال الكفار في أشهر الحرم.
٢ - والإغارة على من بلغته الدعوة بغير إنذار.
٣ - وقسمة الغنائم على السهام.
٤ - وأكل الطعام الذي يصاب من المشركين قبل القسمة لمن يحتاج إليه بشرط أن لا يدخره ولا يحوله.
٥ - وإن مدد الجيش إذا حضر بعد انقضاء الحرب يسهم لهم إن رضي الجماعة كما وقع لجعفر والأشعريين.
٦ - ولا يسهم لهم إذا لم يرضوا كما وقع لإبان بن سعيد وأصحابه.
٧ - ومنها تحريم لحوم الحمر الأهلية، وأن ما لا يؤكل لحمه لا يطهر بالزكاة.
٨ - وتحريم متعة النساء.
٩ - وجواز المساقاة والمزارعة.
١٠ - ويثبت عقد الصلح والتواثق من أرباب التهم.
١١ - وإن من خالف من أهل الذمة ما شرط عليه انتقض عهده وهدر دمه.
١٢ - وإن من أخذ شيئًا من الغنيمة قبل القسمة لم يملكه ولو كان دون حقه.
١٣ - وأن الإِمام مخير في أرض العنوة بين قسمتها وتركها.
١٤ - وجواز إجلاء أهل الذمة إذا استغنى عنهم.
١٥ - وجواز البناء بالأهل بالسفر.
١٦ - والأكل من طعام أهل الكتاب وقبول هديتهم" انتهى.
وقد أورد الحافظ ابن القيم ﵀ كثيرًا من هذه الفوائد وزاد عليها في كتابه العظيم زاد المعاد في هدي خير العباد فانظرها هناك (٣/ ٣٣٩ - ٣٥٨).
стр. 364
المبحث السابع: سرية أبي بكر الصديق إلى بني فزارة
٥٨٧ - من حديث سلمة بن الأكوع ﵁ قال: (غزونا فزارة، وعلينا أبو بكر، أمره رسول الله ﷺ علينا. فلما كان بيننا وبين الماء ساعة، أمرنا أبو بكر فعرسنا (١) ثم شن الغارة، فورد الماء، فقتل من قتل عليه، وسبى، وأنظر إلى عنق من الناس (٢)، فيهم الذراري (٣) فخشيت أن يسبقوني إلى الجبل، فرميت بسهم بينهم وبين الجبل. فلما رأوا السهم وقفوا، فجئت بهم أسوقهم. وفيهم امرأة من بني فزارة عليها قشع من أدم (٤). معها ابنة من أحسن العرب. فسقتهم حتى أتيت بهم أبا بكر. فنفلني أبو بكر ابنتها، فقدمنا المدينة، وما كشف لها ثوبًا. فلقيني رسول الله ﷺ في السوق. فقال: (يا سلمة! هب لي المرأة) فقلت: (يا رسول الله! والله لقد أعجبتني، وما كشفت لها ثوبًا" (٥)، ثم لقيني رسول الله ﷺ من الغد في السوق، فقال لي: (يا سلمة! هب لي المرأة. لله أبوك!) فقلت: هي لك يا رسول الله فوالله ما كشفت لها ثوبًا. فبعث بها رسول الله ﷺ . إلى أهل مكة، ففدى بها ناسًا من المسلمين كانوا أسروا بمكة" (٦).
المبحث الثامن: سرية غالب بن عبد الله الليثي إلى الحرقات من جهينة
٥٨٨ - من حديث أسامة بن زيد بن حارثة ﵄ قال: "بعثنا رسول الله ﷺ في سرية. فصبحنا الحرقات (٧) من جهينة، فأدركت رجلًا، فقال: لا إله إلا الله، فطعنته فوقع في نفسي من ذلك، فذكرته للنبي ﷺ فقال رسول الله ﷺ : (أقال لا إله إلا الله وقتلته؟) قال: قلت: يا رسول الله! إنما
стр. 365
قالها خوفًا من السلاح. قال: (أفلا كشفت عن قلبه حتى تعلم أقالها أم لا) فما زال يكررها علي حتى تمنيت أني أسلمت يومئذ.
قال: فقال سعد -يعني سعد ابن أبي وقاص-: "وأنا والله لا أقتل مسلمًا حتى يقتله ذو البطن يعني أسامة قال: قال رجل: ألم يقل الله: ﴿وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله﴾ الأنفال آية (٣٩) فقال سعد: قد قاتلنا حتى لا تكون فتنة، وأنت وأصحابك تريدون أن تقاتلوا حتى تكون فتنة" (١) اللفظ لمسلم.
المبحث التاسع: سرية غالب بن عبد الله الليثي لبني الملوح بالكديد
٥٨٩ - من حديث جندب بن مكيث الجهني: قال: "بعث رسول الله ﷺ غالب بن عبد الله الكلبي كلب ليث، إلى بني ملوح بالكديد (٢)، وأمره أن يغير عليهم، فخرج فكنت في سريته، فمضينا حتى إذا كنا بقديد (٣) لقينا بها الحارث ابن مالك، وهو ابن البرصاء الليثي، فأخذناه فقال: إنما جئت لأسلم، فقال غالب ابن عبد الله: إن كنت إنما جئت مسلمًا، فلن يضرك رباط يوم وليلة، وإن كنت غير ذلك استوثقنا منك. قال فأوثقه رباطًا، ثم خلف عليه رجلًا أسود كان معنا، فقال امكث معه حتى نمر عليك، فإن نازعك، فاحتز رأسه، قال: ثم مضينا حتى أتينا بطن الكديد، فنزلنا عشيشية بعد العصر، فبعثني أصحابي في ربيئة (٤)، فعمدت إلى تل يطلعني على الحاضر، فانبطحت عليه وذلك المغرب، فخرج رجل منهم، فنظر فرآني منبطحًا على التل، فقال لامرأته: والله إني لأرى على التل سوادًا ما رأيته أول النهار، فانظري لا تكون الكلاب اجترت بعض أوعيتك.
قال: فنظرت، فقالت: لا والله ما أفقد شيئًا، قال: فناوليني قوسي وسهمين من كنانتي، قال: فناولته فرماني بسهم فوضعه في جنبي، قال: فنزعته فوضعته، ولم أتحرك، ثم رماني بآخر فوضعه في رأس منكبي، فنزعته، ووضعته، ولم
стр. 366
أتحرك، فقال لامرأته: والله لقد خالطه سهامي، ولو كان دابة لتحرك، فإذا أصبحت، فابتغى سهمي فخذيهما لا تمضغهما علي الكلاب.
قال: وأمهلناهم حتى راحت رائحتهم حتى إذا احتلبوا (١)، وعطنوا، أو سكنوا (٢)، وذهبت عتمة من الليل (٣) شننا عليهم الغارة (٤)، فقتلنا من قتلنا منهم، واستقنا النعم فوجهنا قافلين (٥) وخرج صريخ القوم إلى قومهم مغوثًا (٦)، وخرجنا سراعًا حتى نمر بالحارث بن البرصاء وصاحبه فانطلقنا به معنا، وأتانا صربخ الناس، فجاءنا ما لا قبل لنا به، حتى إذا لم يكن بيننا وبينهم إلا بطن الوادي أقبل سيل حال بيننا وبينهم بعثة الله تعالى من حيث شاء، ما رأينا قبل ذلك مطرًا ولا حالًا، فجاء بما لا يقدر أحد أن يقوم عليه، فلقد رأيناهم وقوفًا ينظرون إلينا ما يقدر أحد منهم أن يتقدم، ونحن نحوزها (٧) سراعًا، حتى أسندناها في المشلل (٨) ثم حددناها عنا فأعجزنا القوم بما في أيدينا" (٩).
المبحث العاشر: قصة محلم بن جثامة وقتله الرجل الذي جاء مسلمًا
٥٩٠ - من حديث عبد الله بن أبي حدرد ﵁ قال: "بعثنا رسول الله ﷺ إلى أضم، فخرجت في نفر من المسلمين فيهم أبو قتادة الحرث بن ربعي، ومحلم بن جثامة بن قيس، فخرجنا حتى إذا كنا ببطن إضم مر بنا عامر بن الأضبط الأشجعي على قعود له (١٠) مع متيع (١١) له ووطب (١٢) من لبن، فسلم علينا بتحية الإِسلام فأمسكنا عنه، وحمل عليه، مجلم بن جثامة، فقتله لشيء
стр. 367
كان بينه وبينه، وأخذ بعيره ومتاعه، فلما قدمنا على رسول الله ﷺ أخبرناه الخبر، فنزل فينا القرآن: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ (١)(٢).
المبحث الحادي عشر: سرية عبد الله بن حذافة السهمي ﵁
٥٩١ - من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: "إن رسول الله ﷺ بعث علقمة بن مجزز على بعث، وأنا فيهم. فلما انتهى إلى رأس غزاته، أو كان ببعض الطريق استأذن منه طائفة من الجيش، فأذن لهم، وأمر عليهم عبد الله ابن حذافة بن قيس السهمي، فكنت فيمن غزا معه، فلما كان بعض الطريق، أوقد نارًا ليصطلوا، أو ليصنعوا عليها صنيعًا، فقال عبد الله "وكانت فيه دعابة" أليس لي عليكم السمع والطاعة؟ قالوا؟ بلى. قال: فما أنا بآمركم بشيء إلا صنعتموه؟
قالوا: نعم. قال: فإني أعزم عليكم إلا تواثبتم في هذه النار. فقام ناس فتحجزوا. فلما ظن أنهم واثبون، قال: أمسكوا على أنفسكم، وإنما كنت أمزح معكم. فلما قدمنا ذكروا ذلك للنبي ﷺ . فقال رسول الله ﷺ : (من أمركم منهم بمعصية الله، فلا تطيعوه) (٣).
٥٢٩ - ومن حديث عبد الله بن عباس ﵄ قال: ﴿أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم﴾ قال: نزلت في عبد الله بن حذافة بن قيس بن عدي إذ بعثه النبي ﷺ في سرية" (٤).
стр. 368
المبحث الثاني عشر: غزوة ذات الرقاع
وهي غزوة محارب خصفة من بني ثعلبة من غطفان. وهي التي صلى النبي فيها صلاة الخوف وكانت تسمى أيضًا (غزوة نجد).
١ - سبب تسميتها بهذا الاسم:
٥٩٣ - من حديث أبي موسى الأشعري ﵁ قال: "خرجنا مع النبي ﷺ في غزاة، ونحن في تسعة نفر بيننا بعير نعتقبه، فنقبت أقدامنا، ونقبت قدماي، وسقطت أظفاري، فكنا نلف على أرجلنا الخرق، فسميت غزوة ذات الرقاع لما كنا نعصب من الخرق على أرجلنا وحدث أبو موسى بهذا الحديث ثم كره ذاك قال: ما كنت أصنع بأن أذكره، كأنه كره أن يكون شيء من عمله أفشاه" (١).
٢ - وقتها:
قال الإِمام البخاري: إن غزوة ذات الرقاع كانت بعد غزوة خيبر (٢)، وأيده في ذلك ابن كثير في سيرته (٣)، وابن حجر في الفتح (٤)، وابن القيم في زاد المعاد (٥).
إلا أن محمَّد بن إسحاق وجماعة من أهل السير والمغازي قالوا: إنها كانت في جمادى الأولى بعد غزوة بني النضير بشهرين، وذلك في السنة الرابعة للهجرة (٦).
قلت: وما في الصحيح أصح، وأولى بالتقديم، وله من أحاديث الصحابة رضوان الله عليهم ما يسنده ويقويه، من قول أبي هريرة: "صليت مع النبي ﷺ في غزوة نجد صلاة الخوف"، وإنما جاء أبو هريرة إلى النبي ﷺ أيام خيبر (٧).
стр. 369
ويؤيده أيضًا ما جاء من حديث أبي موسى الأشعري السابق في سبب تسمية هذه الغزوة بهذا الاسم، وإخباره بأنه حضرها، وإنما جاء أبو موسى الأشعري مع جعفر بعد غزوة خيبر".
ويؤيده أيضًا ما جاء عن ابن عمر ﵄ أنه قال: "غزوت مع رسول الله ﷺ قبل نجد، فذكر صلاة الخوف" (١)، وإنما كانت إجازة النبي ﷺ لابن عمر بالقتال عام الخندق".
٣ - محاولة اغتيال النبي ﵇، وصلاته بالمسلمين صلاة الخوف:
٥٩٤ - من حديث جابر ﵁ قال: "أقبلنا مع رسول الله ﷺ ، حتى إذا كنا بذات الرقاع قال: كنا إذا أتينا على شجرة ظليلة، تركناها لرسول الله ﷺ ، قال: فجاء رجل من المشركين، وسيف رسول الله ﷺ معلق بشجرة، فأخذ سيف نبي الله ﷺ فاخترطه، فقال لرسول الله ﷺ : أتخافني؟ قال: (لا) قال: فمن يمنعك مني؟ قال: (الله يمنعني منك) قال: فتهدده أصحاب رسول الله ﷺ ، فأغمد السيف، وعلقه، قال: فنودي بالصلاة، فصلى بطائفة ركعتين، ثم تأخروا، وصلى بالطائفة الأخرى ركعتين، قال فكانت لرسول الله ﷺ أربع ركعات، وللقوم ركعتان".
وقد جاء التصريح باسم هذا الرجل في رواية أحمد كما يلي: "قاتل رسول الله ﷺ في محارب خصفة، فرأوا من المسلمين غرة، فجاء رجل منهم يقال له: غورث بن الحارث حتى قام على رأس رسول الله ﷺ بالسيف فقال: من يمنعك مني؟ قال: (الله فسقط السيف من يده، فأخذه رسول الله ﷺ فقال: من يمنعك مني؟ قال: كن كخير آخذ، قال: (أتشهد أن لا إله إلا الله؟) قال: لا، ولكني أعاهدك أن لا أقاتلك، ولا أكون مع قوم يقاتلونك، فخلى سبيله، قال: فذهب إلى أصحابه، قال: قد جئتكم من عند خير الناس" (٢).
стр. 370
٤ - عباد بن بشر وما حصل معه أثناء الحراسة:
٥٩٥ - من حديث جابر بن عبد الله ﵄ قال: "خرجنا مع رسول الله ﷺ في غزوة ذات الرقاع فأصيبت امرأة من المشركين، فلما انصرف رسول الله ﷺ قافلًا، وجاء زوجها، وكان غائبًا، فحلف أن لا ينتهي حتى يهريق دمًا في أصحاب محمد ﷺ ، فخرج يتبع أثر النبي ﷺ ، فنزل النبي ﷺ منزلًا، فقال: (عن رجل يكلؤنا) (١) فانتدب رجل من المهاجرين، ورجل من الأنصار، فقالا: نحن يا رسول الله، قال: (فكونا بفم الشعب) (٢).
قال: وكانوا نزلوا إلى شعب الوادي، فلما خرج الرجلان إلى فم الشعب قال الأنصاري للمهاجري: أي الليل أحب إليك أن أكفيكه أوله أو آخره؟ قال: اكفني أوله، فاضطجع المهاجري، فنام، وقام الأنصاري يصلي، وأتى الرجل، فلما رأى شخص الرجل عرف أنه ربيئة (٣) القوم، فرماه بسهم، فوضعه فيه، فنزعه فوضعه وثبت قائمًا، ثم رماه بسهم آخر، فوضعه فيه، فنزعه فوضعه وثبت قائمًا ثم عاد له بثالث فوضعه فيه، فنزعه فوضعه، ثم ركع وسجد، ثم أهب صاحبه (٤) فقال: اجلس فقد أوتيت، فوثب فلما رآهما الرجل عرف أن قد نذروا به (٥) فلما رأى المهاجري ما بالأنصاري من الدماء قال: سبحان الله ألا أهببتني قال: كنت في سورة أقرؤها فلم أحب أن أقطعها حتى أنفذها (٦)، فلما تابع الرمي ركعت فأريتك، وأيم الله لولا أن أضيع ثغرًا أمرني رسول الله ﷺ بحفظه لقطع نفسي قبل أن أقطعها وأنفذها" (٧).
стр. 371
٥ - قصة جمل جابر بن عبد الله ﵁:
٥٩٦ - من حديث جابر بن عبد الله ﵄ قال: "خرجت مع رسول الله ﷺ في عزاة، فأبطأ بي جملي، فأتى عليَّ رسول الله ﷺ ، فقال لي: (يا جابر) قلت: نعم. قال: (ما شأنك)، قلت: أبطأ بي جملي وأعيا (١) فتخلفت، فنزل فحجنه بمحجنة (٢) ثم قال: (اركب) فركبت فلقد رأيتني أكفه عن رسول الله ﷺ فقال: (أتزوجت؟) فقلت: نعم، فقال: (أبكرًا أم ثيبًا؟) فقلت: بل ثيب. قال: (فهلا جارية تلاعبها وتلاعبك؟) فقلت: إن لي أخوات، فأحببت أن أتزوج امرأة تجمعهن، وتمشطهن، وتقوم عليهن. قال: (أما إنك قادم، فإذا قدمت فالكيس الكيس!) ثم. قال: (أتبيع جملك؟) قلت: نعم، فاشتراه مني بأوقية.
ثم قدم رسول الله ﷺ ، وقدمت بالغداة، فجئت المسجد فوجدته على باب المسجد، فقال: (الآن حين قدمت؟) قلت: نعم، قال: (فدع جملك، وادخل فصل ركعتين) قال: فدخلت فصليت، ثم رجعت. فأمر بلالًا أن يزن لي أوقية. فوزن لي بلال، فأرجح في الميزان. قال فانطلقت. فلما وليت قال: (ادع لي جابرًا) فدعيت. فقلت: الآن يرد علي الجمل ولم يكن شيء أبغض إلي منه. فقال: (خذ جملك ولك ثمنه) (٣).
ولم يأت في لفظ الصحيحين التصريح باسم الغزوة التي حصلت فيها قصة جابر، ولكن جاء من نفس الطريق طريق وهب بن كيسان عن جابر التصريح بأن الغزوة هي غزوة ذات الرقاع، وذلك عند ابن هشام في السيرة: ٢/ ٢٠٦ - ٢٠٧، عن ابن إسحاق حدثني وهب بن كيسان عن جابر … ، وهذا سند صحيح،
стр. 372
لأن ابن إسحاق صرح بالتحديث، فزالت عنه شبهة التدليس.
فوائد حديث جابر:
١ - في الحديث جواز المساومة لمن يعرض سلعته للبيع.
٢ - وفيه أن القبض ليس شرطًا في صحة البيع.
٣ - وجواز التحدث بالعمل الصالح للإتيان بالقصة على وجهها لا على وجه تزكية النفس، وإرادة الفخر.
٤ - وفيه تفقد الإمام والكبير لأصحابه وسؤاله عما ينزل بهم، وإعانتهم بما تيسر من حال أو مال أو دعاء.
٥ - وفيه جواز الضرب للدابة للمسير، وإن كانت غير مكلفة، إذا لم تكن قادرة.
٦ - وفيه توقير التابع لرئيسه.
٧ - وفيه الوكالة في وفاء الدين، والشراء بالنسيئة.
٨ - وفيه جواز الزيادة في الثمن عند الأداء، والرجحان في الوزن لكن برضا المالك.
٩ - وفيه فضيلة لجابر حيث ترك حظ نفسه وامتثل أمر النبي ﷺ له ببيع جمله مع احتياجه إليه.
١٠ - وفيه معجزة ظاهرة للنبي ﷺ .
стр. 373
المبحث الثالث عشر: عمرة القضاء أو عمرة القضية، أو عمرة القصاص أو عمرة الصلح (١).
١ - وقتها:
قال الحافظ في الفتح: "روى يعقوب بن سفيان في تاريخه بسند حسن عن ابن عمر قال: "كانت عمرة القضية في ذي القعدة سنة سبع"، وفي مغازي سليمان التيمي قال: "لما رجع النبي ﷺ من خيبر بث سراياه، وأقام بالمدينة حتى استهل ذو القعدة، فنادى في الناس أن تجهزوا إلى العمرة" (٢).
وكذلك قال نافع: كانت في ذي القعدة سنة سبع، وقال ذلك أيضًا موسى بن عقبة: "ثم خرج رسول الله ﷺ من العام المقبل من عام الحديبية معتمرًا في ذي القعدة سنة سبع". وقال ذلك ابن إسحاق وأبو الأسود عن عروة وسليمان التيمي جميعًا في مغازيهم: "إنه ﷺ خرج إلى عمرة القضاء في ذي القعدة" (٣).
٢ - مقالة قريش أن الحمى في يثرب قد أوهنت قوى المسلمين:
٥٥٧ - من حديث ابن عباس ﵄ قال: "قدم رسول الله ﷺ وأصحابه، فقال المشركون: إنه يقدم عليكم وقد وهنتهم حمى يثرب، فأمرهم رسول الله ﷺ أن يرملوا الأشواط الثلاثة، وأن يمشوا ما يبن الركنين ولم يمنعه أن يأمرهم أن يرملوا الأشواط كلها إلا الإبقاء عليهم، وزاد ابن سلمة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: "لما قدم النبي ﷺ لعامه الذي استأمن قال: (ارملوا ليرى المشركون قوتكم) والمشركون من قبل قعيقعان" (٤).
وفي لفظ مسلم بعد قوله وأن يمشوا بين الركنين قوله (ليرى المشركون جلدهم، فقال المشركون: هؤلاء الذين زعمتم أن الحمى قد وهنتهم. هؤلاء أجلد من كذا وكذا).
стр. 374
٣ - إنشاد عبد الله بن رواحة بين يدي رسول الله في أثناء الطواف:
٥٩٨ - من حديث أنس بن مالك ﵁: "أن النبي ﷺ دخل مكة في عمرة القضاء، وعبد الله بن رواحة ينشد يبن يديه:
خلوا بني الكفار عن سبيله … قد أنزل الرحمن في تنزيله
بأن خير القتل في سبيله … نحن قتلناكم على تأويله
كما قتلناكم على تنزيله
وقد جاء من وجه آخر بلفظ "أن النبي ﷺ دخل مكة في عمرة القضاء وعبد الله بن رواحة يمشي بين يديه وهو يقول:
خلوا بني الكفار عن سبيله .... اليوم نضربكم على تنزيله
ضربًا يزيل الهام عن مقيله … ويذهل الخليل عن خليله
فقال له عمر: با ابن رواحة بين يدي رسول الله ﷺ ، وفي حرم الله تقول الشعر، قال النبي ﷺ : (خل عنه، فهو أسرع فيهم من نضح النبل) (١) هذا لفظ النسائي.
٤ - ستر النبي ﷺ خوفًا عليه من المشركين:
٥٩٩ - من حديث ابن أبي أوفى ﵁ قال: "لما اعتمر رسول الله ﷺ سترناه من غلمان المشركين، ومنهم أن يؤذوا رسول الله ﷺ " (٢).
стр. 375
٥ - زواجه بميمونة في رحلة عمرة القضاء:
٦٠٠ - من حديث ابن عباس ﵁ قال: "تزوج النبي ﷺ ميمونة، وهو محرم وبنى بها وهو حلال، وماتت بسرف" (١).
٦٠١ - وقد جاء من طريق آخر بزيادة لطيفة أوضحت بعض أحداث قصة الزواج، وذلك من حديث ابن إسحاق قال حدثني أبان بن صالح وعبد الله بن أبي نجيح عن عطاء ومجاهد عن ابن عباس: "أن رسول الله ﷺ تزوج ميمونة بنت الحارث في سفره ذلك، وهو حرام، وكان الذي زوجه إياها العباس بن عبد المطلب" (٢).
٦٠٢ - وقد جاء من حديث ميمونة بنت الحارث ﵂ قولها: "تزوجني رسول الله ﷺ ونحن حلالان بسرف" (٣).
انظر التوفيق بين هذين الحديثين في زاد المعاد: ٣/ ٣٧٢ - ٣٧٤، وفي نصب الراية: ٣/ ١٧٣، وفتح الباري كتاب الحج باب تزويج المحرم، وفي النكاح باب نكاح المحرم، وشرح صحيح مسلم في كتاب النكاح باب تحريم نكاح المحرم.
٦ - طلب المشركين من الرسول ﵊ الخروج من مكة:
٦٠٣ - من حديث البراء بن عازب ﵁ قال: "اعتمر رسول الله ﷺ في ذي القعدة، فأبى أهل مكة أن يدعوه يدخل مكة حتى قاضاهم على أن يقيم بها ثلاثة أيام، فلما كتبوا الكتاب كتبوا: "هذا ما قاضى عليه محمَّد رسول الله ﷺ ، قالوا: لا نقر بهذا لو نعلم أنك رسول الله ما منعناك شيئًا، ولكن أنت محمَّد بن عبد الله، فقال: أنا رسول الله وأنا محمَّد بن عبد الله، ثم قال لعلي: امح رسول الله، قال علي: لا والله لا أمحوك أبدًا.
فأخذ رسول الله ﷺ الكتاب -وليس يحسن يكتب -، فكتب: "هذا ما قاضي محمَّد بن عبد الله، لا يدخل مكة السلاح إلا السيف في القراب، وأن لا
стр. 376
يخرج من أهلها بأحد إن أراد أن يتبعه، وأن لا يمنع من أصحابه أحدًا أن أراد أن يقيم بها" فلما دخلها ومضى الأجل أتوا عليًّا فقالوا: تل لصاحبك اخرج عنا، فقد مضى الأجل، فخرج النبي ﷺ … " (١).
٦٠٤ - ومن حديث ابن عباس ﵁: " … فأقام رسول الله ﷺ بمكة ثلاثًا، فأتاه حويطب بن عبد العزى بن أبي قيس بن عبد ود بن نصر بن مالك بن حسل، في نفر من قريش في اليوم الثالث، وكانت قريش قد وكلته بإخراج رسول الله ﷺ من مكة، فقالوا له: إنه قد انقضى أجلك، فاخرج عنا، فقال النبي ﷺ : (وما عليكم لو تركتموني فأعرست بين أظهركم، وصنعنا لكم طعامًا فحضرتموه).
قالوا: لا حاجة لنا في طعامك، فاخرج عنا، فخرج رسول الله ﷺ ، وخلف أبا رافع مولاه على ميمونة، حتى أتاه بها بسرف، فبنى بها رسول الله ﷺ . هنالك، ثم انصرف رسول ﷺ إلى المدينة في ذي الحجة" (٢).
٧ - خروج ابنة حمزة بن عبد المطلب خلف النبي ﵊:
٦٠٥ - من حديث البراء بن عازب قال: " … فقالوا: قل لصاحبك اخرج عنا فقد مضى الأجل، فخرج النبي ﷺ فتبعته ابنة حمزة تنادي، يا عم، يا عم، فتناولها علي فأخذها بيدها، وقال لفاطمة ﵍، دونك ابنة عمك احمليها، فاختصم فيها علي وزيد وجعفر قال علي: أنا أخذتها، هي بنت عمي، وقال جعفر: ابنة عمي، وخالتها تحتي، وقال زيد: ابنة أخي فقضى بها النبي ﷺ لخالتها وقال: (الخالة بمنزلة الأم).
وقال لعلي: (أنت مني وأنا منك).
وقال لجعفر: (أشبهت خلقي وخُلقي).
وقال لزيد: (أنت أخبرنا ومولانا).
وقال علي: ألا تتزوج بنت حمزة؟ قال: (إنها ابنة أخي من الرضاعة) (٣).
стр. 377
المبحث الرابع عشر: كتب الرسول إلى الملوك والزعماء
كان من هدي نبينا ﷺ أنه لا يبدأ أحدًا بقتال إلا إذا بلغه الدعوة، ودعاه إلى الله تعالى، وقد اتبع رسول الله ﷺ هذا المنهج التزامًا بأوامر الله تعالى له، اتبع هذا المنهج مع جميع من حاربهم من القبائل العربية، واتبع هذا المنهح مع ملوك الأرض وأباطرتها في عصره، فدعاهم إلى الله تعالى، فأرسل إليهم رسله، وبعث إليهم كتبه يدعوهم إلى الله تعالى، ولم يستثن أحدًا منهم.
٦٠٦ - من حديث أنس بن مالك ﵁: "أن نبي الله ﷺ كتب إلى كسرى وإلى قيصر، وإلى النجاشي وإلى كل جبار، يدعوهم إلى الله تعالى، وليس النجاشي الذي صلى عليه النبي ﷺ " (١).
١ - رسالته إلى هرقل ملك الروم:
٦٠٧ - من حديث ابن عباس ﵄: "أن أبا سفيان أخبره من فيه إلى فيه قال: "انطلقت في المدة التي كانت بيني وبين رسول الله ﷺ . قال: فبينما أنا بالشام، إذ جيء بكتاب من رسول الله ﷺ إلى هرقل: يعني عظيم الروم. قال: وكان دحية الكلبي جاء به، فدفعه إلى عظيم بصرى (٢)، فدفعه عظيم بصرى إلى هرقل.
فقال هرقل: هل ها هنا أحد من قوم هذا الرجل الذي يزعم أنه نبي؟ قالوا: نعم. قال: فدعيت في نفر من قريش، فدخلنا على هرقل. فأجلسنا بين يديه. فقال: أيكم أقرب نسبًا من هذا الرجل الذي يزعم أنه نبي؟ فقال أبو سفيان: فقلت: أنا. فأجلسوني بين يديه. وأجلسوا أصحابي خلفي. ثم دعا بترجمانه فقال له: قل لهم: إني سائل هذا عن الرجل الذي يزعم أنه نبي، فإن كذبني فكذبوه، قال: فقال أبو سفيان: وأيم الله! لولا مخافة أن يؤثر علي الكذب لكذبت.
стр. 378
ثم قال لترجمانه: سله كيف حسبه فيكم؟ قال: قلت: هو فينا ذو حسب، قال: فهل كان من آبائه ملك؟ قلت: لا، قال: فهل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ قلت: لا. قال: ومن يتبعه: أشراف الناس (١) أم ضعفاؤهم؟ قال: قلت: بل ضعفاؤهم. قال: أيزيدون أم ينقصون؟ قال: قلت: لا. بل يزيدون.
قال: هل يرتد أحد منهم عن دينه بعد أن يدخل فيه سخطة له؟ قال: قلت: لا. قال: فهل قاتلتموه؟ قلت: نعم. قال: فكيف كان قتالكم إياه؟ قال: قلت: تكون الحرب بيننا وبينه سجالًا، يصيب منا، ونصيب منه. قال: فهل يغدر؟ قلت: لا. ونحن منه في مدة لا ندري ما هو صانع فيها. قال: فوالله ما أمكنني من كلمة أدخل فيها شيئًا غير هذه. قال: فهل قال هذا القول أحد قبله؟ قال: قلت: لا.
قال لترجمانه: قل له: إني سألتك عن حسبه، فزعمت أنه فيكم ذو حسب، وكذلك الرسل تبعث في أحساب قومها.
وسألتك: هل كان في آبائه ملك؟ فزعمت أن لا. فقلت: لو كان من آبائه ملك قلت: رجل يطلب ملك آبائه.
وسألتك عن أتباعه، أضعفاؤهم أم أشرافهم؟ فقلت: بل ضعفاؤهم، وهم أتباع الرسل.
وسألتك: هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال: فزعمت أن لا؟ فقد عرفت أنه لم يكن ليدع الكذب على الناس، ثم يذهب فيكذب على الله.
وسألتك: هل يرتد أحد منهم عن دينه بعد أن يدخله سخطة له؟ فزعمت أن لا. وكذلك الإيمان إذا خالط بشاشته القلوب.
وسألتك: هل يزيدون أو ينقصون؟ فزعمت أنهم يزيدون. وكذلك الإيمان حتى يتم.
وسألتك: هل قاتلتموه؟ فزعمت أنكم قد قاتلتموه. فتكون الحرب بينكم وبينه سجالًا. ينال منكم وتنالون منه. وكذلك الرسل تبتلى ثم تكون لهم العاقبة.
стр. 379
وسألتك: هل يغدر؟ فزعمت أنه لا يغدر. وكذلك الرسل لا تغدر.
وسألتك: هل قال هذا القول أحد قبله؟ فزعمت أن لا. فقلت: لو قال هذا القول أحد قبله. قلت رجل ائتم بقول قيل قبله.
قال: لم قال: بم يأمركم؟ قلت: يأمرنا بالصلاة والزكاة والصلة والعفاف.
قال: إن يكن ما تقول فيه حقًّا، فإنه نبي وقد كنت أعلم أنه خارج، ولم أكن أظنه منكم. ولو أني أعلم أني أخلص إليه لأحببت لقاءه ولو كنت عده لغسلت عن قدميه وليبلغن ملكه ما تحت قدمي.
قال: ثم دعا بكتاب رسول الله ﷺ فقرأه، فهذا فيه:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
من محمَّد رسول الله إلى هرقل عظيم الروم. سلام على من اتبع الهدى، أما بعد: فإني أدعوك بدعاية الإِسلام (١)، أسلم تسلم، وأسلم يؤتك الله أجرك مرتين. وإن توليت فإن عليك إثم الأريسيين (٢) ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ (٣).
قال أبو سفيان: فلما قال ما قال، وفرغ من قراءة الكتاب، أكثر عنده الصخب، وارتفعت الأصوات وأخرجنا، فقلت لأصحابي حين أخرجنا: لقد أمِرَ أمرُ ابن أبي كبشه، إنه يخافه ملك بني الأصفر. فما زلت موقنا أنه سيظهر حتى أدخل الله علي الإسلام.
وكان ابن الناطور -صاحب إيلياء وهرقل- أسُقفًا على نصارى الشام، يحدث أن هرقل حين قدم إيلياء أصبح يومًا خبيث النفس، فقال بعض بطارقته: قد استنكرنا هيئتك. قال ابن الناطور: وكان هرقل حزاءً ينظر في النجوم.
стр. 380
فقال لهم حين سألوه، إني رأيت الليلة حين نظرت في النجوم ملك الختان قد ظهر، فمن يختن من هذه الأمة؟ قالوا: ليس يختتن إلا اليهود، فلا يهمنك شأنهم، واكتب إلى مدائن ملكك، فيقتلوا من فيهم من اليهود. فبينما هم على أمرهم أتي هرقل برجل أرسل به ملك غسان خيبر عن خبر رسول الله ﷺ .
فلما استخبره هرقل قال: اذهبوا فانظروا أمختن هو أم لا؟ فنظروا إليه فحدثوه أنه مختتن، وسأله عن العرب فقال: هم يختتنون. فقال هرقل: هذا ملك هذه الأمة قد ظهر. ثم كتب هرقل إلى صاحب له برومية، وكان نظيره في العلم. وسار هرقل إلى حمص، فلم يرم حمص حتى أتاه كتاب من صاحبه يوافق رأي هرقل على خروج النبي ﷺ وأنه نبي.
فأذن هرقل لعظماء الروم في دسكرة له بحمص، ثم أمر بأبوابها فغلقت، ثم اطلع فقال: "يا معشر الروم، هل لكم في الفلاح والرشد، وأن يثبت ملككم فتبايعوا هذا النبي؟ فحاصوا حيصة حمر الوحش إلى الأبواب، فوجدوها قد غلقت، فلما رأى هرقل نفرتهم، وأيس من الإيمان قال: ردوهم عليَّ. وقال: إني قلت مقالتي آنفًا أختبر بها شدتكم على دينكم، فقد رأيت. فسجدوا له ورضوا عنه، فكان ذلك آخر شأن هرقل" (١).
٢ - رسالة النبي إلى كسرى ملك الفرس:
٦٠٨ - من حديث ابن عباس ﵄ "أن رسول الله ﷺ بعث بكتابه إلى كسرى مع عبد الله بن حذافة السهمي، فأمره أن يدفعه إلى عظيم البحرين، فدفعه عظيم البحرين إلى كسرى، فلما قرأه مزقه، فحسبت ابن المسيب قال: فدعا عليهم رسول الله ﷺ أن يمزقوا كل ممزق" (٢).
стр. 381
٦٠٩ - من مرسلات سعيد بن المسيب ﵁ قال: "كتب رسول الله ﷺ إلى كسرى وقيصر، والنجاشي كتابًا واحدًا.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
من محمَّد رسول الله ﷺ إلى كسرى وقيصر والنجاشي أما بعد:
﴿تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾.
فأما كسرى، فمزق كتابه، ولم ينظر فيه فقال رسول الله ﷺ : (مزق ومزقت أمته) (١).
٦١٠ - من مرسل يزيد بن حبيب ﵁ قال: "وبعث رسول الله ﷺ عبد الله بن حذافة بن قيس بن عدي بن سعد بن سهم إلى كسرى بن هرمز ملك فارس وكتب معه:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
(من محمَّد رسول الله إلى كسرى عظيم فارس، سلام على من اتبع الهدى، وآمن بالله ورسوله، وشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، وأدعوك بدعاء الله، فإني أنا رسول الله إلى الناس كافة لأنذر من كان حيًّا، ويحق القول على الكافرين، فإن تسلم، وإن أبيت فإن إثم المجوس عليك).
قال: فلما قرأه شقه وقال: يكتب إلي بهذا وهو عبدي".
قال: ثم كتب كسرى إلى باذان، وهو على اليمن، أن أبعث إلى هذا الرجل الذي بالحجاز رجلين من عندك جلدين، فليأتياني به، فبعث باذان قهرمانه، وهو بابويه وكان كاتبًا حاسبًا بكتاب فارس، وبعث معه رجلًا من الفرس يقال له خرخسرة، وكتب معهما إلى رسول الله ﷺ يأمره أن ينصرف
стр. 382
معهما إلى كسرى، وقال لبابويه: ائت بلد هذا الرجل، وكلمه، وائتني بخبره، فخرجا حتى قدما الطائف فوجدا رجالًا من قريش بجنب من أرض الطائف، فسألاهم عنه، فقالوا: هو بالمدينة، واستبشروا بهما، وفرحوا، وقال بعضهم لبعض: ابشروا فقد نصب له كسرى ملك الملوك كفيتم الرجل!
فخرجا حتى قدما على رسول الله ﷺ ، فكلمه بابويه فقال: إن شاهنشاه ملك الملوك كسرى قد كتب إلى الملك باذان يأمره أن يبعث إليك من يأتيه بك، وقد بعثني إليك لتنطلق معي، فإن فعلت كتب فيك إلى ملك الملوك ينفعك، ويكفه عنك، وإن أبيت فهو من قد علمت، فهو مهلكك، ومهلك قومك، ومخرب بلادك.
ودخلا على رسول الله ﷺ ، وقد حلقا لحاهما، وأعفيا شواربهما، فكره النظر إليهما، ثم أقبل عليهما، فقال: (ويلكما من أمركما بهذا؟) قالا: أمرنا بهذا ربنا؛ يعنيان كسرى، فقال رسول الله ﷺ : (ولكن ربي أمرني بإعفاء لحيتي، وقص شاربي)، ثم قال: (ارجعا حتى تأتياني غدًا).
قال: وأتى رسول الله ﷺ الخبر من السماء بأن الله قد سلط على كسرى ابنه شيرويه فقتله، في شهر كذا وكذا في ليلة كذا وكذا من الليل سلط عليه ابنه شيروه فقتله، قال: فدعاهما فأخبرهما فقالا: هل تدري ما تقول؟ إنا قد نقمنا عليك ما هو أيسر من هذا، فنكتب عنك بهذا، ونخبر الملك؟ قال: (نعم أخبراه ذلك عني وقولا له: إن ديني وسلطاني سيبلغ ما بلغ ملك كسرى، وينتهي إلى منتهى الخف والحافر، وقولا له: إن أسلمت أعطيتك ما تحت يديك، وملكتك على قومك من الأبناء".
ثم أعطى خرخسرة منطقة فيها ذهب وفضة كان أهداها له بعض الملوك. فخرجا من عنده حتى قدما على باذان، فأخبراه الخبر، فقال: والله ما هذا بكلام ملك، وإني لأرى الرجل نبيًّا كما يقول، وليكونن ما قد قال، فلئن كان هذا حقًّا فهو نبي مرسل، وإن لم يكن فسنرى فيه رأينا، فلم ينشب باذان أن قدم عليه كتاب شيرويه: "أما بعد فإني قد قتلت كسرى، ولم أقتله إلا غضبًا لفارس لما كان استحل من قتل أشرافهم وتجميرهم في ثغورهم، فإذا جاءك كتابي هذا فخد لي الطاعة من قبلك، وانطلق إلى الرجل الذي كان كسرى قد كتب فيه فلا تهجه حتى يأتيك أمري فيه".
стр. 383
فلما انتهى كتاب شيرويه إلى باذان قال: "إن هذا الرجل لرسول. فأسلم، وأسلمت الأبناء من فارس من كان منهم باليمن، وقال: وقد قال بابويه لباذان: ما كلمت رجلًا قط أهيب عندي منه، فقال له باذان: هل معه شرط؟ قال: لا) (١).
٣ - رسالته إلى النجاشي:
٦١١ - من حديث أنس ﵁ "أن النبي ﷺ كتب إلى كسرى وإلى قيصر وإلى النجاشي، وإلى كل جبار يدعوهم إلى الله تعالى، وليس بالنجاشي الدي صلى عليه النبي ﷺ " (٢).
وقد أوضح ابن القيم أن النجاشي الذي صلى عليه رسول الله ﷺ ، وهو الذي آمن وأكرم أصحابه، هو غير النجاشي الذي كتب إليه يدعوه إلى الإِسلام فهما اثنان (٣).
٤ - رسالته إلى المقوقس حاكم مصر:
٦١٢ - من مرسل عبد الرحمن بن عبد القارئ: "أن رسول الله ﷺ بعث حاطب بن أبي بلتعة إلى المقوقس صاحب الإسكندرية، فمضى بكتاب رسول الله ﷺ إلى المقوقس، فقبَّل الكتاب، وأكرم حاطبًا، وأحسن نزله، وسرَّحه إلى النبي ﷺ ، وأهدى له مع حاطب كسوة، وبغلة بسرجها، وخادمتين إحداهما أم إبراهيم، وأما الأخرى، فوهبها رسول الله ﷺ لجهم بن قيس العبدي، فهي أم زكريا بن جهم الذي كان خليفة عمرو بن العاص على مصر" (٤).
стр. 384
المبحث الخامس عشر: إسلام عمرو بن العاص وخالد بن الوليد وعثمان بن أبي طلحة
٦١٣ - من حديث عمرو بن العاص ﵁ قال: "لما انصرفنا مع الأحزاب عن الخندق جمعت رجالًا من قريش، كانوا يرون رأي ويسمعون مني، فقلت لهم: تعلمون والله أني أرى أمر محمَّد يعلو الأمور علوًّا منكرًا، وإني قد رأيت أمرًا، فما ترون فيه؟ قالوا: وماذا رأيت؟ قال: رأيت أن نلحق بالنجاشي، فنكون عنده، فإن ظهر محمَّد على قومنا كنا عند النجاشي، فإنا أن نكون تحت يديه أحب إلينا من أن نكون تحت يدي محمَّد، وإن ظهر قومنا، فنحن من قد عرفوا، فلن يأتينا منهم إلا خير، قالوا: إن هذا الرأي، قلت: فاجمعوا لنا ما نهديه له، وكان أحب ما يهدى إليه من أرضنا الأدم (١) فجمعنا له أدمًا كثيرًا، ثم خرجنا حتى قدمنا عليه.
فوالله إنا لعنده إذ جاءه عمرو بن أمية الضمري، وكان رسول الله ﷺ قد بعثه إليه في شأن جعفر وأصحابه، قال: فدخل عليه، ثم خرج من عنده، قال: فقلت لأصحابي: هذا عمرو بن أمية الضمري، لو قد دخلت على النجاشي، وسألته إياه فأعطانيه، فضربت عنقه، فإذا فعلت ذلك رأت قريش أني أجزأت عنها (٢)، حين قتلت رسول محمَّد، قال: فدخلت عليه، فسجدت له كما كنت أصنع، فقال: مرحبًا صديقي، أهديت إلي من بلادك شيئًا؟ قال: قلت: نعم، أيها الملك، قد أهديت إليك أدمًا كثيرًا، قال: ثم قربته إليه، فأعجبه واشتهاه. ثم قلت له: أيها الملك، إني قد رأيت رجلًا خرج من عندك، وهو رسول رجل عدو لنا، فأعطنيه لأقتله، فإنه قد أصاب من أشرافنا وخيارنا، قال: فغضب، ثم مد يده، فضرب بها أنفه ضربة ظننت أنه قد كسره، فلو انشقت لي الأرض لدخلت فيها فرقًا منه، ثم قلت له: أيها الملك، والله لو ظننت أنك تكره هذا ما سألتكه، قال: أتسألني أن أعطيك رسول رجل يأتيه الناموس الأكبر الذي كان يأتي موسى لتقتله!
قال: قلت: أيها الملك، أكذاك هو؟ قال: ويحك يا عمرو أطعني واتبعه، فإنه والله لعلى الحق، وليظهرن على من خالفه كما ظهر موسى على فرعون
стр. 385
وجنوده، قال: قلت: أفتبايعني على الإِسلام؟ قال: نعم، فبسط يده، فبايعته على الإِسلام، ثم خرجت إلى أصحابي، وقد حال رأيي عما كان عليه، وكتمت أصحابي إسلامي".
اجتماع عمرو وخالد على الإِسلام:
" ثم خرجت عامدًا إلى رسول ﷺ لأسلم، فلقيت خالد بن الوليد، وذلك قبيل الفتح، وهو مقبل من مكة، فقلت: أين يا أبا سليمان؟
قال: والله لقد استقام المنسم (١)، وإن الرجل لنبي، أذهب والله فأسلم، فحتى متى، قال: قلت: والله ما جئت إلا لأسلم. قال: فقدمنا المدينة على رسول الله ﷺ ، فتقدم خالد بن الوليد، فأسلم، وبايع، ثم دنوت، فقلت: يا رسول الله، إني أبايعك على أن يغفر لي ما تقدم من ذنبي، ولا أذكر ما تأخر.
قال: فقال رسول الله ﷺ : (يا عمرو، بايع، فإن الإِسلام يجب ما كان قبله، وإن الهجرة تجب ما كان قبلها، قال: فبايعته ثم انصرفت).
قال ابن إسحاق: وقد حدثني من لا أتهم أن عثمان بن طلحة بن أبي طلحة كان معهما أسلم حين أسلما) (٢).
٦١٤ - ومن طريق عمرو بن العاص ﵁ قال: " .... فلما جعل الله الإِسلام في قلبي أتيت النبي ﷺ فقلت: ابسط يمينك فلأبايعك. فبسط يمينه، قال: فقبضت يدي، قال: (ما لك يا عمرو؟) قال: قلت: أردت أن أشترط. قال: (تشترط بماذا؟) قلت: أن يغفر لي. قال: (أما علمت أن الإِسلام يهدم ما كان قبله، وأن الهجرة تهدم ما كان قبلها، وأن الحج يهدم ما كان قبله؟ …) (٣).
стр. 386
المبحث الساس عشر: غزوة مؤتة
١ - وقت الغزوة:
قال ابن إسحاق ﵀: "حدثني محمَّد بن جعفر بن الزبير عن عروة بن الزبير قال: بعث رسول الله ﷺ بعثه إلى مؤتة في جمادى الأولى سنة ثمان" (١).
وقال الحافظ في الفتح: "وفي مغازي أبي الأسود عن عروة بعث رسول الله ﷺ الجيش إلى مؤتة في جمادى من سنة ثمان، وكذا قال ابن إسحاق وموسى ابن عقبة وغيرهما من أهل المغازي لا يختلفون في ذلك، إلا ما ذكر خليفة في تاريخه أنها كانت سنة سبع" (٢).
٢ - تعيين القادة على جيش مؤتة:
٦١٥ - من حديث ابن عمر ﵄ قال: "أمَّر رسول الله ﷺ في غزوة مؤتة زيد بن حارثة فقال رسول الله ﷺ : إن قتل زيد فجعفر، وإن قتل جعفر فعبد الله بن رواحة، قال عبد الله: كنت فيهم في تلك الغزوة، فالتمسنا جعفر بن أبي طالب فوجدناه في القتلى، ووجدنا ما في جسده بضعًا وتسعين من طعنة ورمية" (٣).
٣ - وداع أهل المدينة الجيش الخارج إلى مؤتة:
٦١٦ - من حديث عروة بن الزبير "مرسلًا" قال: "بعث رسول الله ﷺ بعثة إلى مؤتة في جمادى الأولى سنة ثمان، واستعمل عليهم زيد بن حارثة، وقال: إن أصيب زيد فجعفر بن أبي طالب على الناس، فإن أصيب جعفر، فعبد الله بن رواحة على الناس.
стр. 387
فتجهز الناس، لم تهيئوا للخروج، هم ثلاثة آلاف، فلما حضر خروجهم ودع الناس أمراء رسول الله ﷺ ، وسلموا عليهم، فلما ودع عبد الله بن رواحة؟ مع من ودع من أمراء رسول الله ﷺ بكى، فقالوا: ما يبكيك يا ابن رواحة؟ فقال: أما والله ما بي حب الدنيا ولا صبابة بكم، ولكني سمعت رسول الله ﷺ ﷺ يقرأه آية من كتاب الله ، يذكر فيها النار ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا﴾ (١) فلست أدري كيف لي بالصدر بعد الورود. فقال المسلمون: صحبكم الله ودفع عنكم، وردكم إلينا صالحين، فقال عبد الله بن رواحة:
لكني أسأل الرحمن مغفرة … وضربة ذات فرغ (٢) تقذف الزبدا (٣)
أو طعنة بيدي حران مجهزة (٤) … بحربة تنفذ الأحشاء والكبدا (٥)
حتى يقال إذا مروا على جدثي (٦) … أرشده الله من غاز وقد رشدا (٧)
٤ - تخلف عبد الله بن رواحة لحضور صلاة الجمعة:
٦١٧ - من حديث ابن عباس ﵄ قال: "بعث رسول الله ﷺ ابن رواحة في سرية فوافق ذلك يوم الجمعة، قال فقدم أصحابه وقال: أتخلف، فأصلي مع النبي ﷺ الجمعة، ثم ألحقهم، قال: فلما رآه رسول الله ﷺ قال: (ما منعك أن تغدو مع أصحابك؟) قال: أردت أن أصلي معك الجمعة قال: فقال رسول الله ﷺ : (لو أنفقت ما في الأرض ما أدركت غدوتهم) (٨).
стр. 388
٥ - قتال جعفر بن أبي طالب:
٦١٨ - من حديث يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير عن أبيه عباد، قال: (حدثني أبي الذي أرضعني، وكان أحد بني مرة بن عوف، وكان في تلك الغزوة غزوة مؤتة قال: والله لكأني أنظر إلى جعفر حين اقتحم عن فرس له شقراء، ثم عقرها، ثم قاتل حتى قتل وهو يقول:
يا حبذا الجنة واقترابها … طيبة وباردًا شرابها
والروم روم قد دنا عذابها … كافرة بعيدة أنسابها
علي إذ لاقيتها ضرابها (١)
٦ - قتال عبد الله بن رواحة ﵁:
٦١٨ - بنفس إسناد الحديث السابق قال أحد بني مرة بن عوف: " … فلما قتل جعفر أخذ عبد الله بن رواحة الراية، ثم تقدم بها، وهو على فرسه، فجعل يستنزل نفسه، ويتردد بعض التردد ثم قال:
أقسمت يا نفس لتنزلنه … لتنزلن أو لتكرهنه
إن أجلب الناس وشدوا الرنة … ما لي أراك تكرهين الجنة
قد طال ما قد كنت مطمئنة … هل أنت إلا نطفة في شنة (٢)
стр. 389
وقال أيضًا:
يا نفس إلا تقتلي تموتي … هذا حمام الموت قد صليت
وما تمنيت فقد أعطيت .. إن تفعلي فعلهما هديت
يريد صاحبيه: زيدًا وجعفرًا، ثم نزل، فلما نزل أتاه ابن عم له بعرق (١) من لحم فقال: شد بهذا صلبك، فإنك قد لقيت في أيامك هذه ما لقيت، فأخذه من يده ثم انتهس (٢) منه نهسة، ثم سمع الحطمة (٣) في ناحية الناس فقال: وأنت في الدنيا! ثم ألقاه من يده، ثم أخذ سيفه فتقدم، فقاتل حتى قتل" (٤).
٧ - تولي خالد بن الوليد الإمارة وشدة بأسه:
٦١٩ - بنفس الإسناد السابق: " … ثم أخذ الراية ثابت بن أقرم أخو بني العجلان، فقال: يا معشر المسلمين اصطلحوا على رجل منكم قالوا: أنت، قال: ما أنا بفاعل فاصطلح الناس على خالد بن الوليد، فلما أخذ الراية دافع القوم، وحاشى بهم، ثم انحاز وانحيز عنه، حتى انصرف بالناس" (٥).
٦٢٠ - من حديث خالد بن الوليد ﵁ قال: "لقد انقطعت في يدي يوم مؤتة تسعة أسياف، فما بقي في يدي إلا صفيحة يمانية" (٦).
٦٢١ - ومن حديث أبي قتادة ﵁: "بعث رسول الله ﷺ جيش الأمراء وقال: عليكم زيد بن حارثة، فإن أصيب زيد فجعفر، فإن أصيب جعفر فعبد الله بن رواحة الأنصاري، فوثب جعفر فقال: بأبي أنت يا نبي الله ما كنت
стр. 390
أرهب أن تستعمل عليَّ زيدًا، قال: امضوا فإن لا تدري أي ذلك خير، قال: فانطلق الجيش فلبثوا ما شاء الله ثم إن رسول الله ﷺ صعد المنبر، وأمر أن ينادي الصلاة جامعة، فقال رسول الله ﷺ : (ناب خبر، أو ثاب خبر (١) "شك عبد الرحمن".
ألا أخبركم عن جيشكم هذا الغازي، إنهم انطلقوا حتى لقوا العدو، فأصيب زيد شهيدًا، فاستغفروا له)، فاستغفر له الناس، (ثم أخذ اللواء جعفر بن أبي طالب، فشد على القوم حتى قتل شهيدًا، اشهدوا له بالشهادة، فاستغفروا له، ثم أخذ اللواء عبد الله بن رواحة، فأثبت قدميه حتى أصيب شهيدًا، فاستغفروا له، ثم أخذ اللواء خالد بن الوليد ولم يكن من الأمراء، هو أمر نفسه)، فرفع رسول الله ﷺ أصبعيه، وقال: (اللهم هو سيف من سيوفك فانصره)، "وقال عبد الرحمن" مرة (فانتصر به).
فيومئذ سمي خالد سيف الله، ثم قال النبي ﷺ : (انفروا فأمدوا إخوانكم، ولا يتخلفن أحد)، فنفر الناس في حر شديد مشاة وركبانًا) (٢).
٨ - لمن كان النصر في هذه المعركة:
إن سياق أصحاب المغازي والسير فيه اختلاف في وصف معركة مؤتة والحال التي كان عليها الجيش الإِسلامي بين نصر أو هزيمة، فانقسموا إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: قالوا: إن المسلمين قد انتصروا، وممن قال بذلك موسى بن عقبة، والواقدي، والزهري، ورجح هذا الرأي البيهقي، وابن كثير في سيرته.
القسم الثاني: قالوا إن المسلمين هزموا شر هزيمة عرفوها في تاريخهم عقب