٢٥ - قصة المرأة المخزومية التي سرقت:
٦٧١ - من حديث عائشة ﵂: "أن قريشًا أهمهم شأن المرأة المخزومية التي سرقت، فقالوا: من يكلم فيها رسول الله ﷺ ؟ فقالوا: ومن يجترئ عليه إلا أسامة حب رسول الله ﷺ ، فكلمه أسامة، فقال رسول الله ﷺ : (أتشفع في حد من حدود الله؟) ثم قام فاختطب، فقال: (أيها الناس إنما أهلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وأيم الله، لو أن فاطمة بنت محمَّد سرقت لقطعت يدها) (١).
٢٦ - خطبته ﵊ يوم الفتح:
٦٧٢ - من حديث أبي شريح الخزاعي الذي سبق تخريجه وسأذكر الجزء الذي فيه الخطبة فقط: قال رسول الله ﷺ : (إن مكة حرمها الله ولم يحرمها الناس، فلا تحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دمًا ولا يعضد بها شجرة، فإن أحد ترخص بقتال رسول الله فيها، فقولوا له: إن الله قد أذن لرسوله، ولم يأذن لكم، وإنما أذن لي فيها ساعة من نهار. وقد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس، وليبلغ الشاهد الغائب) (٢) وانظر لفظًا آخر للحديث برقم: ٦٦١، بشيء من الزيادة.
٦٧٣ - ومن حديث أبي هريرة ﵁ قال: "لما فتح الله على رسول الله ﷺ مكة، قام في الناس، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: (إن الله حبس عن مكة الفيل وسلط عليها رسوله والمؤمنين، وإنها لن تحل لأحد كان قبلي، وإنها لن تحل لأحد بعدي. فلا ينفر صيدها، ولا يختلى شوكها ولا تحل ساقطتها (٣)، إلا لمنشد (٤). ومن قتل له قتيل فهو بخير النظرين، إما أن يفدى
стр. 422
وإما أن يقتل).
فقال العباس: إلا الاذخر يا رسول الله! فإنا نجعله في قبورنا وبيوتنا، فقال رسول الله ﷺ (إلا الإذخر) فقام أبو شاه -رجل من أهل اليمن- فقال: اكتبوا لي يا رسول الله! فقال رسول الله ﷺ : (اكتبوا لأبي شاة).
قال: فقلت للأوزاعي: ما قوله: اكتبوا لي يا رسول الله؟ قال: هذه الخطبة التي سمعها من رسول الله). لفظ مسلم (١).
٦٧٤ - ومن حديث ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ يوم الفتح فتح مكة: (لا هجرة؛ ولكن جهاد ونية، وإذا استنفرتم، فانفروا) (٢).
وقال يوم الفتح، فتح مكة (إن هذا البلد حرمه الله منذ خلق السموات والأرض. فهو حرام بحرمة الله تعالى إلى يوم القيامة، وإنه لم يحل القتال فيه لأحد قبلي.
ولم يحل لي إلا ساعة من نهار، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة، لا يعضد شوكه (٣)، ولا ينفر صيده، ولا يلتقط إلا من عرفها، ولا يختلى خلاها (٤).
فقال العباس: يا رسول الله إلا الإذخر (٥). فإنه لقينهم (٦) ولبيوتهم. فقال:
стр. 423
(إلا الإذخر) (١) لفظ مسلم.
٦٧٥ - ومن حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄: إن رسول الله ﷺ خطب يوم الفتح بمكة، فكبر ثلاثًا، ثم قال: (لا إله إلا الله وحده، صدق وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده، ألا إن كل مأثرة كانت في الجاهلية تذكر وتدعى من دم أو مال تحت قدمي إلا ما كان من سقاية الحاج، وسدانة البيت، ثم قال: ألا إن دية الخطأ شبه العمد ما كان بالسوط والعصا مائة من الإبل، منها أربعون في بطنها أولادها) (٢).
٦٧٦ - ومن حديثه أيضًا قال: لما فتحت مكة على رسول الله ﷺ قال: (كفوا السلاح إلا خزاعة عن بني بكر)، فأذن لهم حتى صلى العصر، ثم قال: (كفوا السلاح). فلقي رجل من خزاعة رجلًا من بني بكر من غد بالمزدلفة فقتله. فبلغ ذلك رسول الله ﷺ ، فقام خطيبًا، فقال: ورأيته مسند ظهره إلى الكعبة: قال: (إن أعدى الناس على الله من قتل في الحرم أو قتل غير قاتله، أو قتل بذحول (٣)) فقام إليه رجل فقال: إن فلانًا ابني وفي رواية عاهرت (٤) بأمه في الجاهلية" فقال رسول الله ﷺ : (لا دعوة في الإِسلام، ذهب أمر الجاهلية، الولد للفراش، وللعاهر الأثلب، قالوا: وما الأثلب؟ قال: (الحجر)، قال: (وفي الأصابع عشر عشر، وفي المواضع خمس خمس)، قال: وقال: (لا صلاة بعد الغداة حتى تطلع الشمس)، ولا صلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس، قال: (ولا تنكح المرأة على عمتها، ولا على خالتها، ولا يجوز لامرأة عطية إلا بإذن زوجها) (٥).
стр. 424
٦٧٧ - ومن حديث جابر بن عبد الله ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول عام الفتح وهو بمكة: (إن الله ورسوله حرم بيع الخمر والميتة، والخنزير والأصنام).
فقيل: يا رسول الله أرأيت شحوم الميتة، فإنه يطلى به السفن، ويدهن بها الجلود، ويستصبح بها الناس، فقال: (لا، هو حرام) ثم قال رسول الله ﷺ عند ذلك: (قاتل الله اليهود، إن الله لما حرم عليها شحومها أجملوه (١) ثم باعوه، فأكلوا ثمنه) (٢).
٢٧ - صلاته ﵇ يوم الفتح:
٦٧٨ - من حديث أم هانئ: قال ابن أبي ليلى: "ما حدثنا أحد أنه رأى النبي ﷺ يصلي الضحى غير أم هانئ، فإنها قالت: إن النبي ﷺ دخل بيتها يوم فتح مكة، فاغتسل، وصلى ثماني ركعات، فلم أر صلاة قط أخف منها، غير أنه يتم الركوع والسجود" (٣).
وفي لفظ آخر عنها: "أن رسول الله ﷺ صلى يوم الفتح ثمان ركعات، وذلك ضحى".
في رواية هذا الحديث أن النبي ﷺ دخل بيت أم هانئ، واغتسل عندها وصلى الضحى، وفي رواية الحديث الذي أخرجه مالك في الموطأ، ومسلم في الصحيح، وقد سبق ذكره في إجارة أم هانئ لرجل أهدر دمه أنها ذهبت إلى النبي ﷺ ، فوجدته يغتسل، وفاطمة تستره، وقد جمع بين هاتين الروايتين بأن الحادثة تكررت منه ﷺ ، والمحتمل أنه نزل ببيتها في أعلى مكة، وكانت هي
стр. 425
في بيت آخر بمكة، فجاءت إليه فوجدته يغتسل، فيصح القولان (١).
وقد حكى القاضي عياض عن قوم أنه ليس في حديث أم هانئ دلالة على أنه صلى الضحى، قالوا: وإنما هي سنة الفتح، وقد صلاها خالد بن الوليد في بعض فتوحه كذلك.
وقال عياض أيضًا: ليس حديث أم هانئ بظاهر في أنه قصد ﷺ بها سنة الضحى، وإنما فيه أنها أخبرت عن وقت صلاته فقط، وقد قيل: إنها كانت قضاء عما شغل عنه تلك الليلة من حزبه فيه، وتعقبه النووي بأن الصواب صحة الاستدلال به لما رواه أبو داود وغيره من طريق كريب، عن أم هانئ أن النبي ﷺ صلى يسبحة الضحى، ولمسلم في كتاب الطهارة من طريق أبي مرة عن أم هانئ في قصة اغتساله يوم الفتح "ثم صلى ثمان ركعات سبحة الضحى" فتح الباري: ٣/ ٥٤.
قلت: وسواء كانت هذه الصلاة التي صلاها ﵇ هي صلاة الفتح أو سنة الضحى، فالمهم أنه ﷺ صلاها، فإن صلاها المرء كسنة للضحى فهو على خير، وإن صلاها عند الفتح فهو على خير، والصحيح الذي أرجحه أن سنة الضحى ثابتة لكثرة الأحاديث الواردة في الحث عليها، وإن كان البعض من السلف يرى أنها غير ثابتة كما جاء عن ابن عمر ﵄ عند البخاري "قال مورق لابن عمر ﵄: أتصلي الضحى؟ قال: لا. قلت: فعمر؟ قال: لا، قلت: فأبو بكر؟ قال: لا. قلت: فالنبي ﷺ ؟ قال: لا أخاله" (٢).
وكان سبب توقف ابن عمر في ذلك أنه بلغه عن غيره أنه صلاها، ولم يثق بذلك عمن ذكره، وقد جاء عنه الجزم بأنها محدثة لما روى سعيد بن منصور بإسناد صحيح عن مجاهد عن ابن عمر أنه قال: إنها محدثة لأنها لمن أحسن ما أحدثوا، ولما روى ابن أبي شيبة بإسناد صحيح عن الحكم بن الأعرج عن الأعرج قال: سألت ابن عمر عن صلاة الضحى فقال: بدعة، ونعمت البدعة. ولما روى عبد الرزاق بإسناد صحيح عن سالم عن أبيه قال: لقد قتل عثمان وما أحد يسبحه، وما أحدث الناس شيئًا أحب إلي منها، ولما روى ابن أبي شيبة بإسناد
стр. 426
صحيح عن الشعبي عن ابن عمر قال: ما صليت الضحى منذ أسلمت، إلا أن أطوف بالبيت، أي فأصلي في ذلك الوقت لا على نية صلاة الضحى بل على نية الطواف. وفي الجملة ليس في أحاديث ابن عمر هذه ما يدفع مشروعية صلاة الضحى، لأن نفيه محمول على عدم رؤيته، لا على عدم الوقوع في نفس الأمر، قال عياض وغيره: إنما أنكر ابن عمر ملازمتها، وإظهارها في المساجد، وصلاتها جماعة، لا أنها مخالفة للسنة، ويؤيده ما رواه ابن أبي شيبة عن ابن مسعود أنه رأى قومًا يصلونها، فأنكر عليهم وقال: إن كان ولا بد ففي بيوتكم (١).
وقد جمع الحاكم الأحاديث الواردة في صلاة الضحى في جزء مفرد، وذكر لغالب هذه الأقوال مستندًا، وبلغ عدة رواة الحديث في إثباتها نحو العشرين نفسًا من الصحابة" (٢).
٢٨ - سرية خالد إلى بني جذيمة:
٦٧٩ - من حديث عبد الله بن عمر ﵄ قال: "بعث النبي ﷺ خالد بن الوليد إلى بني جذيمة، فدعاهم إلى الإِسلام، فلم يحسنوا أن يقولوا: أسلمنا، فجعلوا يقولون صبأنا صبأنا، فجعل خالد يقتل منهم، ويأسر، ودفع إلى كل رجل منا أسيره، حتى إذا كان يوم أمر خالد أن يقتل كل رجل منا أسيره، فقلت: والله لا أقتل أسيري، ولا يقتل رجل من أصحابي أسيره، حتى قدمنا على النبي ﷺ ، فذكرناه، فرفع النبي ﷺ يديه فقال: (اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد)، مرتين" (٣).
٦٨٠ - ومن حديث ابن عباس ﵄: (أن النبي ﷺ بعث سرية قال: فغنموا، وفيهم رجل فقال لهم: إني لست منهم إني عشقت فلحقتها فدعوني أنظر إليها نظرة، ثم اصنعوا لي ما بدا لكم، فهذا امرأة آدماء طويلة، فقال لها: اسلمي حبيش قبل نفاذ العيش ثم قال:
стр. 427
أرَيتَك إذا طالبتُكُم فوَجدَتُكُم … بحَليَة أو ألفيُتكُم بالخوائق (١)
ألم يك أهلًا أن يُنول عاشقٌ … تكلف إدلاج السُّرى والودائق (٢)
فلا ذَنب لي قدْ قلت إذا أهْلنا … معًا أثيبي بوُدّ قبلَ إحدَى الصفائق (٣)
أثيبي بوُدّ قبل أن تشْحط النَّوى … ويَنْأى الأمير بالحبيب المفارق (٤)
ثم قال: قالت: نعم فديتك، قال: فقدموه، فضربوا عنقه، فجاءت المرأة، فوقعت عليه، فشهقت شهقة، أو شهقتين، ثم ماتت، فلما قدموا على رسول الله ﷺ أخبروه الخبر، فقال رسول الله ﷺ : (أما كان فيكم رجل رحيم) (٥).
٢٩ - مدة إقامته ﷺ في مكة عام الفتح:
٦٨١ - من حديث ابن عباس ﵁ قال: "أقام النبي ﷺ بمكة تسعة عشر يومًا يصلي ركعتين" (٦).
وقد جاء من روايات عدة أنه مكث ثمانية عشر يومًا، وهي عند أبي داود من حديث عمران بن حصين، وأخرى سبعة عشر يومًا وبعضها خمسة عشر يومًا، وقد جمع البيهقي بين هذا الاختلاف بأن من قال تسع عشرة يومًا عد يومي الدخول والخروج، ومن قال سبع عشرة يومًا حذفهما، ومن قال ثماني عشرة
стр. 428
عد أحدهما وأما رواية "خمسة عشر" فضعفها النووي في الخلاصة، وليس بجيد لأن رواتها ثقات رقم ينفرد بها ابن إسحاق فقد أخرجها النسائي.
وإذا ثبت أنها صحيحة فليحمل على أن الراوي ظن أن الأصل رواية سبعة عشر، فحذف منها يومي الدخول والخروج، فذكر أنها خمسة عشر، واقتضى ذلك أن رواية تسعة عشر أرجح الروايات، وبهذا أخذ إسحاق بن راهويه، ويرجحها أيضًا أنها أكثر ما وردت به الروايات الصحيحة" (١).
стр. 429
المبحث الثاني: غزوة حنين شوال سنة ثمان للهجرة
قال تعالى ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ (٢٥) ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ (٢٦) ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (١).
وحنين: واد إلى جنب ذي المجاز قريب من الطائف، وبينه وبين مكة بضعة عشر ميلًا من جهة عرفات، قال أبو عبيد البكري: سمي باسم حنين بن قابثة بن مهلائيل (٢).
١ - وقتها:
قال أهل المغازي: خرج رسول الله ﷺ إلى حنين لخمس خلت من شوال، وبه قال ابن إسحاق في المغازي، وهكذا روي عن ابن مسعود، وبه قال عروة ابن الزبير، واختاره أحمد، وابن جرير في تاريخه.
وقيل لليلتين بقيتا من رمضان، وجمع بعضهم بأنه بدأ الخروج في أواخر رمضان، وسار سادس شوال، وكان وصوله إليها في عاشره، وبه قال الواقدي (٣).
٢ - سببها:
٦٨٢ - قال ابن إسحاق: حدثنا عاصم بن عمر بن قتادة، عن عبد الرحمن بن جابر عن أبيه جابر بن عبد الله وعمرو بن شعيب، والزهري وعبد الله بن أبي بكر ابن حزم وعبد الله بن المكرم بن عبد الرحمن الثقفي عن حديث حنين حين سار إليهم رسول الله ﷺ وساروا إليه فبعضهم يحدث ما لا يحدث به بعض، وقد اجتمع حديثهم: "أن رسول الله ﷺ لما فرغ من فتح مكة، جمع مالك بن عوف
стр. 430
النصري: بني نصر، وبني جشم، وبني سعد بن بكر، وأوزاعًا من بني هلال، وهم قليل، وناسًا من بني عمرو بن عامر، وعوف بن عامر، وأوعبت معه ثقيف الأحلاف، وبنو مالك، ثم سار بهم إلى رسول الله ﷺ ، وساق معه الأموال والنساء والأبناء.
فلما سمع بهم رسول الله ﷺ ، بعث عبد الله بن أبي حدرد الأسلمي، فقال: اذهب، فادخل في القوم حتى تعلم لنا من علمهم، فدخل فيهم، فمكث فيهم يومًا أو اثنين، ثم أتى رسول الله ﷺ فأخبره خبرهم.
فقال رسول الله ﷺ لعمر بن الخطاب: (ألا تسمع ما يقول ابن أبي حدرد)، فقال عمر ﵁: كذب، فقال: ابن أبي حدرد، والله لئن كذبتني يا عمر لربما كذبت بالحق، فقال عمر: ألا تسمع يا رسول الله ما يقول ابن أبي حدرد فقال: (قد كنت يا عمر ضالًّا فهداك الله).
ثم بعث رسول الله إلى صفوان بن أمية، فسأله أدراعًا عنده مائة درع، وما يصلحها من عدتها، فقال: أغصبًا يا محمَّد، فقال: (بل عارية مضمونة حتى نؤديها عليك) ثم خرج رسول الله ﷺ سائرًا".
وزاد ابن إسحاق بالإسناد الأول: أن مالك بن عوف أقبل فيمن معه ممن جمع من قبائل قيس وثقيف، ومعه دريد بن الصمة شيخ كبير في شجار (١) له يعاد به حتى نزل الناس بأوطاس (٢) فقال دريد -حين نزلوا بأوطاس فسمع رغاء البعير (٣)، ونهيق الحمير (٤) ويعار النساء (٥)، وبكاء الصغير-: بأي واد أنتم؟ فقالوا: بأوطاس، قال: نعم مجال الخيل، لا حزن (٦) ضرس (٧)، ولا سهل (٨)
стр. 431
دهش (١)، ما لي أسمع رغاء البعير، ونهيق الحمار، ويعار الشاء؟ فقالوا: ساق مالك مع الناس أموالهم وذراريهم ونساءهم.
قال: فأين مالك؟ فدعي مالك، فقال: يا مالك! إنك قد أصبحت رئيس قومك، وإن هذا يوم كائن له ما بعده من الأيام، فما دعاك إلى أن تسوق مع الناس أموالهم وأبناءهم ونساءهم؟ قال: أردت أن أجعل خلف كل رجل أهله وأمواله ليقاتل عنهم، قال: فانقض (٢) به دريد، وقال: يا راعي ضأن والله، وهل يرد وجه المنهزم شيء؟ إنها إن كانت لك لم ينفعك إلا رجل بسيفه ورمحه، وإن كانت عليك فضحت في أهلك ومالك، فارفع الأموال والنساء، والذراري إلى علياء قومهم، وممتنع بلادهم.
ثم قال دريد: وما فعلت كعب وكلاب، فقالوا: لم يحضرها منهم أحد، فقال: غاب الحد (٣) والجد لو كان يوم علاء ورفعة لم تغلب عنه كعب وكلاب، ولوددت لو فعلتم ما فعلت كعب وكلاب فمن حضرها؟ فقالوا: عمرو بن عامر، وعوف بن عامر، فقالوا: ذانك الجذعان (٤) لا يضران ولا ينفعان، فكره مالك أن يكون لدريد فيها رأي، فقال: إنك قد كبرت، وكبر علمك والله لتطيعن يا معشر هوازن، أو لأتكئن على هذا السيف حتى يخرج من ظهري، فقالوا: أطعناك.
ثم قال مالك للناس: إذا رأيتموهم، فاكسروا جفان سيوفكم، ثم شدوا شدة رجل واحد" (٥).
стр. 432
٣ - استعارة الدروع من صفوان بن أمية:
٦٨٣ - من حديث صفوان بن أمية ﵁: (أن رسول الله ﷺ استعار منه أدراعًا يوم حنين فقال: أغصب يا محمَّد؟ فقال: (لا بل عارية مضمونة) (١).
٤ - قصة الجاسوس الذي جاء يتجسس على المسلمين:
٦٨٤ - من حديث سلمة بن الأكوع ﵁ قال: "غزونا مع رسول الله ﷺ هوازن. فبينما نحن نتضحى مع رسول الله ﷺ إذ جاء رجل على جمل أحمر، فأناخه. ثم انتزع طلقًا من حقبه، فقيد به الجمل. ثم تقدم يتغدى مع القوم. وجعل ينظر، وفينا ضعفة ورقة في الظهر، وبعضنا مشاة، إذ خرج يشتد، فأتى جمله فأطلق قيده، ثم أناخه وقعد عليه، فأثاره، فاشتد به الجمل، فأتبعه رجل على ناقة ورقاء.
قال سلمة: وخرجت أشتد. فكنت عند ورك الناقة. ثم تقدمت. حتى كنت عند ورك الجمل. ثم تقدمت حتى أخذت بخطام الجمل، فأنخته. فلما وضع ركبته في الأرض اخترطت سيفي، فضربت رأس الرجل فندر ثم جئت بالجمل أقوده. عليه رحله وسلاحه. فاستقبلني رسول الله ﷺ ، والناس معه. فقال: من (قتل الرجل؟) قالوا: ابن الأكوع. قال: (له سلبه أجمع) (٢).
٥ - تبشير الرسول ﷺ بغنيمة حنين:
٦٨٥ - من حديث سهيل بن الحنظلية ﵁: "أنهم ساروا مع رسول الله ﷺ يوم حنين، فأطنبوا السير، حتى كانت عشية، فحضرت الصلاة عند رسول الله ﷺ ، فجاء رجل فارس، فقال: يا رسول الله إني انطلقت بين
стр. 433
أيديكم حتى طلعت جبل كذا وكذا، فإذا أنا بهوازن على بكرة آبائهم بظعنهم ونعمهم وشائهم، اجتمعوا إلى حنين، فتبسم رسول الله ﷺ ، وقال: (تلك غنيمة المسلمين غدًا إن شاء الله).
ثم قال: (من يحرسنا الليلة؟) فقال أنس بن أبي مرثد الغنوي: أنا يا رسول؟ قال: (فاركب) فركب فرسًا له فجاء إلى رسول الله ﷺ ، فقال له رسول الله ﷺ : (استقبل هذا الشعب حتى تكون في أعلاه، ولا نغرن من قبلك الليلة).
فلما أصبحنا خرج رسول الله ﷺ إلى مصلاه، فركع ركعتين ثم قال: (هل أحسستم فارسكم؟) قالوا: يا رسول الله، ما أحسسناه فثوب بالصلاة، فجعل رسول الله ﷺ يصلي، وهو يلتفت إلى الشِعب حتى إذا قضى صلاته، وسلم، قال: (أبشروا فقد جاءكم فارسكم).
فجعلنا ننظر إلى الشجرة في الشعب فهذا هو قد جاء حتى وقف على رسول الله ﷺ ، فسلم فقال: إني انطلقت حتى كنت في أعلى هذا الشعب حيث أمرني رسول الله ﷺ ، فلما أصبحت طلعت الشعبين كليهما، فنظرت فلم أر أحدًا، فقال له رسول الله ﷺ : (هل نزلت الليلة؟) قال: لا إلا مصليًا أو قاضي حاجة. فقال له رسول الله ﷺ : (فقد أوجبت فلا عليك ألا تعمل بعدها) (١).
٦ - قصة المفاجأة والهزيمة:
أ - الهزيمة:
٦٨٦ - من حديث أنس ﵁ قال: "لما اجتمع يوم حنين أهل مكة وأهل المدينة أعجبتهم كثرتهم، فقال القوم: اليوم والله ما نقاتل حين اجتمعنا، فكره ﷺ ما قالوا، ما أعجبهم من كثرتهم" (٢).
٦٨٧ - من حديث جابر بن عبد الله ﵁ قال: "لما استقبلنا وادي
стр. 434
حنين قال: انحدرنا في واد من أودية تهامة أجوف حطوط (١) إنما ننحدر فيه انحدارًا قال: وفي عماية الصبح (٢)، وقد كان القوم كمنوا لنا في شعابه، وفي أجنابه، ومضايقه، قد جمعوا وتهيئوا، وأعدوا فوالله ما راعنا ونحن منحطون إلا الكتائب قد شدت علينا شدة رجل واحد، وانهزم الناس راجعين، فاستمروا لا يلوي أحد منهم على أحد، وانحاز رسول الله ﷺ ذات اليمين قال: (إلي أيها الناس، هلم إلي، أنا رسول الله، أنا محمَّد بن عبد الله)، قال: فلا شيء (٣).
احتملت الإبل بعضها بعضًا فانطلق الناس إلا أن مع رسول الله ﷺ رهطًا من المهاجرين والأنصار وأهل بيته غير كثير، وفيمن ثبت معه ﷺ أبو بكر وعمر ومن أهل بيته علي بن أبي طالب، والعباس بن عبد المطلب، وابنه الفضل بن عباس، وأبو سفيان بن الحارث وربيعة بن الحارث وأيمن بن عبيد، وهو ابن أم أيمن، وأسامة بن زيد، قال: ورجل من هوازن على جمل له أحمر في يده راية له سوداء في رأس رمح طويل أمام الناس، وهوازن خلفه، فإذا أدرك طعن برمحه، وإذا فاته الناس رفعه لمن وراءه، فاتبعوه (٤).
قال ابن إسحاق "وحدثني عاصم بن عمرو بن قتادة عن عبد الرحمن بن جابر عن أبيه جابر بن عبد الله قال: (بينما ذلك الرجل من هوازن صاحب الراية على جمله ذلك يصنع ما يصنع، إذ هوى له علي بن أبي طالب، ورجل من الأنصار يريدانه، قال: فيأتيه علي من خلفه فضرب عرقوبي الجمل فوقع على عجزه، ووثب الأنصاري على الرجل، فضربه ضربة أطن قدمه (٥) بنصف ساقه، فانعجف (٦) عن رحله، واجتلد الناس فوالله ما رجعت راجعة الناس من هزيمتهم حتى وجدوا الأسرى مكتفين عند رسول الله ﷺ ".
стр. 435
ب - الثابتون مع رسول الله ﷺ :
٦٨٨ - من حديث البراء بن عازب ﵁ قال: "وقد جاءه رجل فقال: يا أبا عمارة، أتوليت يوم حنين، فقال: أما أنا فأشهد على النبي ﷺ أنه لم يول، ولكن عجل سرعان القوم، فرشقتهم هوازن -وأبو سفيان بن الحارث آخذ برأس بغلته البيضاء يقول: (أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب) (١).
وفي لفظ آخر "وقد سأله رجل من قيس: أفررتم عن رسول الله ﷺ يوم حنين؟ فقال: لكن رسول الله ﷺ لم يفر، كانت هوازن رماة، وأنا لما حملنا عليهم انكشفوا، فأكببنا على الغنائم، فاستقبلنا بالسهام، ولقد رأيت رسول الله ﷺ على بغلته البيضاء، وإن أبا سفيان بن الحارث آخذ بزمامها وهو يقول: (أنا النبي لا كذب).
٦٨٩ - من حديث ابن عمر ﵄ قال: "لقد رأيتنا يوم حنين وإن الفئتين لموليتين، وما مع رسول الله ﷺ بمائة رجل" (٢).
٦٩٠ - من حديث أنس ﵁ قال: "افتتحنا مكة، ثم إننا غزونا حنينًا، فجلى المشركون بأحسن صفوف رأيت، قال: فصفت الخيل، ثم صفت المقاتلة، ثم صفت النساء من وراء ذلك، ثم صفت الغنم، ثم صفت النعم.
قال: ونحن بشر كثير قد بلغنا ستة آلاف (٣). وعلى مجنبة (٤) خيلنا خالد بن
стр. 436
الوليد. فجعلت خيلنا تلوي (١) خلف ظهورنا فلم نلبث أن انكشف خيلنا، وفرت الأعراب. ومن نعلم من الناس.
قال: فنادى رسول الله ﷺ : (يا للمهاجرين!) ثم قال: (يا للأنصار) قال: قال أنس. هذا حديث عمية (٢)، قال: قلنا لبيك يا رسول الله، قال: فتقدم رسول ﷺ . قال: فأيم الله! ما أتيناهم حتى هزمهم الله. قال: فقبضنا ذلك المال. ثم انطلقنا إلى الطائف، فحاصرناهم أربعين ليلة، ثم رجعنا إلى مكة، فنزلنا، قال: فجعل رسول الله ﷺ يعطي الرجل المائة من الإبل" (٣).
٦٩١ - من حديث ابن مسعود ﵁ قال: "كنت مع النبي ﷺ يوم حنين قال: فولى الناس، وثبت معه ثمانون رجلًا من المهاجرين والأنصار فنكصنا على أقدامنا نحوًا من ثمانين قدمًا، ولم نولهم الدبر وهم الذين أنزل الله عليهم السكينة، قال: ورسول الله ﷺ على بغلته يمضي قدمًا، فحارت به بغلته فمال عن السرج فقلت: ارتفع رفعك الله فقال: ناولني كفًّا من تراب فضرب به وجوههم فامتلأت أعينهم ترابًا قال: (أين المهاجرون والأنصار). قلت: هم أولاء قال: (اهتف بهم)، فهتفت بهم، فجاءوا وسيوفهم بأيمانهم كأنها الشهب، وولى المشركون أدبارهم" (٤).
قال الحافظ في الفتح: "وهذا لا يخالف حديث ابن عمر، فإنه نفى أن يكونوا مائة، وابن مسعود أثبت أنهم كانوا ثمانين، وأما ما ذكره النووي في شرح مسلم: أنه ثبت معه اثنا عشر رجلًا، فكأنه أخذه مما ذكره ابن إسحاق في حديثه أنه ثبت معه العباس وابنه الفضل وعلي، وأبو سفيان بن الحارث، وأخوه ربيعة، وأسامة بن زيد، وأخوه من أمه أيمن بن أم أيمن، ومن المهاجرين أبو بكر وعمر، فهؤلاء تسعة، وتقدم ذكر ابن مسعود في مرسل الحاكم، فهؤلاء
стр. 437
عشرة، ووقع في شعر العباس بن عبد المطلب أن الذين ثبتوا كانوا عشرة ففي وذلك قوله:
نصرنا رسول الله في الحرب تسعة .... وقد فر من قد فر عنه فأقشعوا
وعاشرنا وافي الحمام بنفسه … لما مسه في الله لا يتوجع
ولعل هذا هو الثبت. ومن زاد على ذلك يكون عجل في الرجوع فعد فيمن لم ينهزم" (١).
٧ - هتاف العباس بالأنصار للعودة:
٦٩٢ - من حديث العباس بن عبد المطلب ﵁: "شهدت مع رسول الله ﷺ يوم حنين. فلزمت أنا وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب رسول الله ﷺ ، فلم نفارقه. ورسول الله ﷺ على بغلة له، بيضاء. أهداها له فروة بن نفاثة الجذامي. فلما التقى المسلمون والكفار، ولى المسلمون مدبرين، فطفق رسول الله ﷺ يركض بغلته قبل الكفار.
قال العباس: وأنا آخذ بلجام بغلة رسول الله ﷺ . أكلفها إرادة أن لا تسرع. وأبو سفيان آخذ بركاب رسول الله ﷺ . فقال رسول الله ﷺ : (أي عباس! ناد أصحاب السمرة) (٢) فقال العباس: "وكان رجلًا صيتًا" (٣) فقلت: بأعلى صوتي: أين أصحاب السمرة؟
قال: فوالله! لكان عطفتهم حين سمعوا صوتي، عطفة البقر على أولادها. فقالوا: يا لبيك؟ يا لبيك! قال: فاقتتلوا والكفار، والدعوة في الأنصار،
стр. 438
يقولون: يا معشر الأنصار! يا معشر الأنصار! ثم قصرت الدعوة علي بني الحارث بن الخزرج، فقالوا: يا بني الحارث بن الخزرج!، يا بني الحارث بن الخزرج فنظر رسول الله ﷺ ، وهو على بغلته، كالمتطاول عليها، إلى قتالهم، فقال رسول الله ﷺ : (هذا حين سمي الوطيس) (١).
قال: ثم أخذ رسول الله ﷺ حصيات، فرمي بهن وجوه الكفار. ثم قال: (انهزموا، ورب محمد!) قال: فذهبت أنظر، فإذا القتال على هيئته فيما أرى. قال: فوالله ما هو إلا أن رماهم بحصياته. فما زلت أرى حدّهم كليلًا (٢) وأمرهم مدبرًا" (٣).
قال النووي ﵀ "قال العلماء: في هذا الحديث دليل على أن فرارهم لم يكن بعيدًا، وأنه لم يحصل الفرار من جميعهم، وإنما فتحه عليهم من في قلبه مرض من مسلمة أهل مكة المؤلفة ومشركيها الذين لم يكونوا أسلموا، وإنما كانت هزيمتهم فجأة لانصبابهم عليهم دفعة واحدة، ورشقهم بالسهام، ولاختلاط أهل مكة معهم ممن لم يستقر الإيمان في قلبه، وممن يتربص بالمسلمين الدوائر، وفيهم نساء وصبيان خرجوا للغنيمة، فتقدم أخفاؤهم، فلما رشقوهم بالنبل ولوا، فانقلبت أولاهم على أخراهم إلى أن أنزل الله سكينته على المؤمنين، كما ذكر الله تعالى في القرآن" (٤).
٦٩٣ - من حديث أنس ﵁ قال: "التقى يوم حنين أهل مكة وأهل المدينة، واشتد القتال فولوا مدبرين، فندب رسول الله ﷺ الأنصار فقال: (يا معشر المسلمين أنا رسول الله) فقالوا: إليك والله جئنا، فنكسوا رؤوسهم، ثم قاتلوا حتى فتح الله عليهم" (٥).
وقد جاء في أحاديث المفاجأة والهزيمة، وثبات النبي ﷺ فوائد كثيرة ذكرها
стр. 439
الحافظ في الفتح منها:
وفي الحديث (يعني حديث البراء بن عازب في ثبات النبي) من الفوائد: حسن الأدب في الخطاب، والإرشاد إلى حسن السؤال بحسن الجواب، وذم الإعجاب، وفيه جواز الانتساب إلى الآباء ولو ماتوا في الجاهلية، والنهي عن ذلك محمول على ما هو خارج الحرب، ومثله الرخصة في الخيلاء في الحرب دون غيرها، وجواز التعرض إلى الهلاك في سبيل الله، ولا يقال كان النبي ﷺ متيقنًا للنصر لوعد الله تعالى له بذلك، وهو حق؛ لأن أبا سفيان بن الحارث قد ثبت معه آخذًا بلجام بغلته، وليس هو على اليقين مثل النبي ﷺ .
وفيه ركوب البغلة إشارة إلى مزيد الثبات، لأن ركوب الفحولة مظنة الاستعداد للفرار والتولي، وإذا كان رأس الجيش قد وطن نفسه على عدم الفرار، وأخذ بأسباب ذلك كان ذلك أدعى لاتباعه على الثبات، وفيه شهرة الرئيس نفسه في الحرب مبالغة في الشجاعة وعدم المبالاة بالعدو" (١).
٨ - اشتداد المعركة وقوله ﵇ في ذلك:
٦٩٤ - من حديث جابر بن عبد الله: "أن رسول الله ﷺ قال يوم حنين: (الآن حمي الوطيس)، ثم قال: (هزموا ورب الكعبة) (٢).
٩ - رميه ﵇ الحصى في وجوه الأعداء:
أ - قد سبق ذكر رمي الحصى من حديث ابن مسعود رقم: ٦٩١، ومن حديث العباس بن عبد المطلب رقم: ٦٩٢، وقد جاء أيضًا من حديث أبي عبد الرحمن الفهري في قصة حنين (٣).
٦٩٥ - وقد جاء أيضًا من حديث يزيد بن عامر السسوائي أنه قال: "عند انكشافة انكشفها المسلمون يوم حنين، فتبعتهم الكفار، فأخذ رسول الله ﷺ قبضة
стр. 440
من الأرض، فرمى بها وجوههم، وقال: (ارجعوا شاهت الوجوه)، فما من أحد يلقى أخاه إلا وهو يشكو القذى، ويمسح عينيه" (١).
٦٩٦ - ومن حديث سلمة بن الأكوع ﵁ قال: "غزونا مع رسول الله ﷺ حنينًا، فلما واجهنا العدو تقدمت، فأعلو ثنية، فأستقبل رجلًا من العدو، فأرميه بسهم وتوارى عني، فما دريت ما صنع.
ثم نظرت إلى القوم، فإذا هم قد طلعوا من ثنية أخرى، فالتقوا هم وصحابة للنبي ﷺ ، فولى صحابة النبي ﷺ ، فأرجع منهزمًا وعلي بردتان مؤتزرًا بإحداهما، مرتديًا بالأخرى، قال: فاستطلق إزاري (٢)، فجمعتها جمعًا، ومررت على رسول الله ﷺ منهزمًا (٣) وهو على بغلته الشهباء، فقال رسول الله ﷺ : (لقد رأى ابن الأكوع فزعًا).
فلما غشوا رسول الله ﷺ نزل عن البغلة، ثم قبض قبضة من تراب من الأرض، ثم استقبل به وجوههم، فقال: (شاهت الوجوه) (٤) فما خلق الله منهم إنسانًا إلا ملأ عينيه ترابًا بتلك القبضة، فولوا مدبرين فهزمهم الله، وقسم رسول الله ﷺ غنائمهم بين المسلمين" (٥).
قلت: جاء في الأحاديث السابقة أنه ﷺ قد تناول كفًّا من تراب أو حصى، ورمى بها المشركين، وقد جاء من حديث ابن مسعود، فيما مضى أيضًا أنه طلب منه أن يناوله كفًّا من التراب فرمى به المشركين، ومن حديث ابن عباس أنه طلب من علي أن يناوله التراب، فرمى به المشركين، ويجمع بين هذه الأحاديث أنه ﷺ أولًا قال لصاحبه ناولني، فناوله، فرماهم، ثم نزل عن البغلة، فأخذ
стр. 441
بيده، فرماهم أيضًا، فيحتمل أن الحصى في إحدى المرتين، وفي الأخرى التراب، والله أعلم، كذا قال الحافظ. (١).
ب - الرعب الذي أوقعه الله في قلوب المشركين يوم حنين:
٦٩٧ - من حديث يزيد بن عامر السسوائي "وكان شهد حنينًا مع المشركين، ثم أسلم قال أبو السائب: سألناه عن الرعب الذي ألقاه الله في قلوبهم يوم حنين، كيف كان، فأخذ حصاة، فرمى بها طستًا فطن قال: كنا نجد في أجوافنا مثل هذا" (٢).
١٠ - دعاء النبي ﷺ يوم حنين:
٦٩٨ - من حديث البراء بن عازب ﵁ قال رجل للبراء: أكنتم وليتم يوم حنين يا أبا عمارة؟ فقال: أشهد على نبي الله ﷺ ما ولى. ولكنه انطلق أخفاء الناس، وحُسَّرٌ إلى هذا الحي من هوازن، وهم قوم رماة. فرموهم برشق من نبل، كأنها رجل من جراد (٣) فانكشفوا: فأقبل القوم إلى رسول الله ﷺ ، وأبو سفيان بن الحارث يقول به بغلته، فنزل، ودعا، واستنصر، وهو يقول:
(أنا النبي لا كذب … أنا ابن عبد المطلب)
(اللهم نزل نصرك).
قال البراء: كنا والله إذا احمر البأس نتقي به، وإن الشجاع منا للذي يحاذي به يعني النبي ﷺ " (٤).
стр. 442
١١ - ثبات أبي سفيان بن الحارث مع رسول الله ﷺ :
وقد سبق ذكر ثباته من حديث العباس بن عبد المطلب (١)، ومن حديث البراء ابن عازب (٢) ومن حديث جابر بن عبد الله (٣)، وهذا مما يدل على شجاعته، وتضحيته، وصدق إيمانه ﵁.
أوامر الرسول ﷺ الصارمة بحق المشركين يوم حنين:
٦٩٩ - من حديث أنس ﵁: "أن رسول الله ﷺ قال يوم حنين: (جزوهم جزًّا)، وأومأ بيده إلى الحلق" (٤).
١٢ - أساليب النبي التشجيعية يوم حنين في القتال:
أ - أبو طلحة ﵁:
٧٠٠ - من حديث أنس ﵁ قال: "قال رسول الله ﷺ يومئذ يعني يوم حنين: (من قتل كافرًا، فله سلبه)، فقتل أبو طلحة يومئذ عشرين رجلًا، وأخذ أسلابهم" (٥)
ب - أبو قتادة ﵁:
٧٠١ - من حديث أبي قتادة ﵁ قال: "خرجنا مع رسول الله ﷺ عام حنين. فلما التقينا كانت للمسلمين جولة (٦). قال: فرأيت رجلًا من
стр. 443
المشركين قد علا رجلًا من المسلمين (١)، فاستدرت إليه حتى أتيته من ورائه، فضربته على حبل عاتقه (٢)، وأقبل علي فضمني ضمة وجدت منها ريح الموت (٣). ثم أدركه الموت. فأرسلني، فلحقت عمر بن الخطاب. فقال: ما للناس؟ فقلت: أمر الله.
ثم إن الناس رجعوا، وجلس رسول الله ﷺ فقال: (من قتل قتيلًا، له عليه بينة، فله سلبه) (٤) قال: فقمت فقلت: من يشهد لي؟ (٥)، ثم جلست ثم قال مثل ذلك. فقال فقمت فقلت: من يشهد لي؟ ثم جلست. ثم قال ذلك. الثالثة فقمت.
فقال رسول الله ﷺ (ما لك؟ يا أبا قتادة!) فقصصت عليه القصة فقال رجل من القوم: صدق. يا رسول الله! سلب ذلك القتيل عندي. فأرضه من حقه، وقال أبو بكر الصديق: لاها الله (٦) إذًا لا يعمد (٧) إلى أسد من أسد الله يقاتل عن الله وعن رسوله، فيعطيك سلبه. فقال رسول الله ﷺ : (صدق. فأعطه إياه) فأعطاني قال: فبعت الدرع، فابتعت به مخرفًا (٨) في بني سلمة. فإنه لأول مال تأثلته (٩) في الإِسلام.
وفي حديث الليث: فقال أبو بكر: كلا لا يعطيه أضيبع في قريش ويدع أسدًا من أسد الله" (١٠).
стр. 444
١٣ - شجاعة ممثلة النساء أم سليم يوم حنين:
٧٠٢ - من حديث أنس ﵁ قال: "إن أم سليم اتخذت يوم حنين خنجرًا (١)، فكان معها فرآها أبو طلحة. فقال: يا رسول الله هذه أم سليم معها خنجر، فقال لها رسول الله ﷺ : (ما هذا الخنجر؟) قالت: اتخذته إن دنا مني أحد من المشركين بقرت به بطنه. فجعل رسول الله ﷺ يضحك. قالت: يا رسول الله! اقتل من بعدنا (٢) من الطلقاء (٣) انهزموا بك (٤). فقال رسول الله ﷺ : (يا أم سليم إن الله قد كفى وأحسن) (٥).
١٤ - اعتصام بعض الفارين بأوطاس، وملاحقة المسلمين لهم:
٧٠٣ - من حديث أبي موسى الأشعري: قال: "لما فرغ النبي ﷺ من حنين بعث أبا عامر على جيش إلى أوطاس، فلقي دريد بن الصمة، فقتل دريد، وهزم الله أصحابه قال أبو موسى: وبعثني مع أبي عامر، فرمي أبو عامر في ركبته، رماه جشمي بسهم فأثبته في ركبته، فانتهيت إليه فقلت: يا عم! من رماك؟ فأشار أبو عامر إلى أبي موسى، فقال: إن ذلك قاتلي، تراه ذلك الذي رماني.
قال أبو موسى فقصدت له، فاعتمدته، فلحقته، فلما رآني ولى عني ذاهبًا، فاتبعته وجعلت أقول له: ألا تستحي؟ ألست عربيًّا؟ ألا تثبت؟ فكف فالتقيت أنا وهو فاختلفنا ضربتين أنا وهو فقتلته. ثم رجعت إلى أبي عامر، فقلت: قد قتل الله صاحبك، قال: فانتزع هذا السهم، فنزعته، فنزا منه الماء (٦) فقال: يا ابن أخي، انطلق إلى رسول الله ﷺ ، فأقرئه عني السلام، ثم قل له إنه يقول
стр. 445
لك استغفر لي.
قال: واستخلفني أبو عامر على الناس يسيرًا، ثم مات. فلما رجعت إلى النبي ﷺ ، دخلت عليه، وهو في بيت على سرير مرمل وعليه فراش، وقد أثر رمال السرير بظهر رسول الله ﷺ . وجنبيه، فأخبرته بخبرنا، وخبر أبي عامر، وقلت له: قال: قل له يستغفر لي.
فدعا رسول الله ﷺ بماء فتوضأ، ثم رفع يديه، فقال: (اللهم اغفر لأبي عامر عبدك)، حتى رأيت بياض إبطيه، ثم قال: (اللهم اجعله يوم القيامة فوق كثير من خلقك، أو من الناس)، فقلت: يا رسول الله! ولي فاستغفر. فقال: (اللهم اغفر لعبد الله بن قيس ذنبه، وأدخله يوم القيامة مدخلًا كريمًا).
قال أبو بردة إحداهما لأبي عامر، والأخرى لأبي موسى" (١).
١٥ - حصار الطائف: في شوال سنة ثمان:
قد سبق من حديث أنس ﵁ رقم: ٦٩٠ أن الرسول ﵊ ومن معه من المسلمين جاهدوا المشركين في الطائف أربعين ليلة.
وقد حدثث بعض الأحداث أثناء الحصار أسوقها فيما يلي:
أ - أسلوب النبي في الحث في رماية السهام على حصن الطائف:
٧٠٤ - من حديث أبي نجيح عمرو بن عبسة السلمي ﵁ قال: حاضرنا مع رسول الله ﷺ قصر الطائف، فسمعت رسول الله ﷺ يقول: (من بلغ بسهم فله درجة في الجنة).
فبلغت يومئذ بستة عشر سهمًا، وسمعت رسول الله ﷺ . يقول: (من رمى بسهم في سبيل الله فهو عدل محرر، ومن شاب شيبة في سبيل الله كانت له نورًا يوم القيامة).
(وأيما رجل أعتق رجلًا مسلمًا فإن الله جاعل كل عظم من
стр. 446
عظامه، وفاء كل عظم بعظم، وأيما امرأة مسلمة أعتقت امرأة مسلمة، فإن الله جاعل كل عظم من عظامها وفاء كل عظم من عظام محررها من النار) واللفظ لأحمد (١).
ب - نزول بعض العبيد من الطائف وإعتاق النبي لهم:
٧٠٥ - من حديث أبي عثمان النهدي قال: "سمعت سعدًا، وهو أول من رمى بسهم في سبيل الله وأبا بكرة، وكان تسور حصن الطائف في أناس، فجاء إلى النبي ﷺ ، فقالا: سمعنا النبي ﷺ يقول: "من ادعى إلى غير أبيه، وهو يعلم، فالجنة عليه حرام).
وقال هشام، وأخبرنا معمر عن عاصم عن أبي العالية، أو أبي عثمان النهدي -قال: سمعت سعدًا وأبا بكرة عن النبي ﷺ ، قال: عاصم: قلت: لقد شهد عندك رجلان حسبك بهما. قال: أجل، أما أحدهما فأول من رمى بسهم في سبيل الله، وأما الآخر فنزل إلى النبي ﷺ ثالث ثلاثة وعشرين من الطائف" (٢).
جـ - إذن الرسول ﵇ بالقفول من الطائف:
٧٠٦ - من حديث ابن عمر ﵄ قال: "حاصر رسول الله ﷺ أهل الطائف، فلم ينل منهم شيئًا، قال: (إنا قافلون غدًا -إن شاء الله). فقال المسلمون: أنرجع ولم نفتحه؟ فقال لهم رسول الله ﷺ : (اغدوا على القتال غدًا)، فأصابهم جراح فقال لهم رسول الله ﷺ : (إنا قافلون غدًا إن شاء الله)،
стр. 447
فأعجبهم ذلك، فضحك النبي ﷺ " (١).
د - دعاء الرسول ﷺ باهتداء ثقيف:
٧٠٧ - من حديث جابر بن عبد الله ﵄ قال: "قالوا: يا رسول الله أحرقتنا نبال ثقيف، فادع الله عليهم، قال: (اللهم اهد ثقيفًا) (٢).
١٦ - قسمة الغنائم:
أ - طريقته في القسمة:
٧٠٨ - من حديث عمرو بن تغلب ﵁ قال: "أعطى رسول الله ﷺ قومًا، ومنع آخرين، فكأنهم عتبوا عليه فقال: (إني أعطي أقوامًا أخاف هلعهم وجزعهم، وأكل قومًا إلى ما جعل الله في قلوبهم من الخير والغنى منهم عمرو ابن ثعلب).
قال عمرو: فما أحب أن لي بكلمة رسول الله ﷺ حمر النعم".
وفي لفظ آخر: "أن رسول الله ﷺ أتي بمال، أو سبي - فقسمه، فأعطى رجالًا، وترك رجالًا. فبلغه أن الذين ترك عتبوا، فحمد الله، ثم أثنى عليه، ثم قال: (أما بعد، فوالله إني لأعطي الرجل والذي أدع أحب إلي من الذي أعطي، ولكني أعطي أقوامًا لما أرى في قلوبهم من الجزع والهلع، وأكل أقوامًا إلى ما جعل الله في قلوبهم من الغنى والخير، فيهم عمرو بن ثغلب)، فوالله ما أحب أن لي بكلمة رسول الله عليه وسلم حمر النعم" (٣).
стр. 448
ب - إعطاؤه لصفوان بن أمية:
٧٠٩ - من حديث ابن شهاب قال: "غزا رسول الله ﷺ غزوة الفتح، فتح مكة، ثم خرج رسول الله ﷺ بمن معه من المسلمين، فاقتتلوا بحنين، فنصر الله دينه والمسلمين، وأعطى رسول الله ﷺ يومئذ صفوان بن أمية مائة من النعم، ثم مائة. ثم مائة.
قال ابن شهاب: حدثني سعيد بن المسيب أن صفوان قال: والله! لقد أعطاني رسول الله ﷺ ما أعطاني، وإنه لأبغض الناس إلي. فما برح يعطيني حتى إنه لأحب الناس إلي) (١).
جـ - إعطاؤه لأبي سفيان بن حرب:
٧١٠ - من حديث رافع بن خديج ﵁ قال: "أعطى رسول الله ﷺ أبا سفيان بن حرب، وصفوان بن أمية، وعيينة بن حصن والأقرع بن حابس كل إنسان منهم، مائة من الإبل. وأعطى عباس بن مرداس دون ذلك. فقال عباس بن مرداس:
أتجعل نهبي ونهب العبيد … بين عيينة والأقرع
فما كان بدر ولا حابس … يفوقان مرداس في المجمع
وما كنت دون امرئ منهما … ومن تخفض اليوم لا يرفع
قال: فأتم له رسول الله ﷺ مائة" (٢).
د - الأعرابي الجلف ورفض البشرى:
٧١١ - من حديث أبي موسى الأشعري ﵁ قال: "كنت عند النبي ﷺ وهو نازل بالجعرانة بين مكة والمدينة ومعه بلال، فأتى النبي ﷺ أعرابي، فقال: ألا تنجز لي ما وعدتني؟ فقال له: (أبشر). فقال: قد أكثرت علي من أبشر. فأقبل على أبي موسى وبلال كهيئة الغضبان، فقال: (رد البشرى،
стр. 449
فأقبلا أنتما). قالا: قبلنا، ثم دعا بقدح فيه ماء فغسل يديه ووجه فيه، ومج فيه ثم قال: اشربا منه، وأفرغا على وجوهكما ونحوركما وأبشرا، فأخذا القدح ففعلا. فنادت أم سلمة من وراء الستر أن أفضلا لأمكما، فأفضلا لها منه طائفة" (١).
هـ - مقولة المنافق اعدل فإنك لم تعدل:
٧١٢ - من حديث عبد الله بن مسعود ﵁ قال: "فلما كان يوم حنين آثر رسول الله ﷺ ناسًا في القسمة، فأعطى الأقرع بن حابس مائة من الإبل، وأعطى عيينة مثل ذلك، وأعطى أناسًا من أشراف العرب، وآثرهم يومئذ في القسمة. فقال رجل: والله إن هذه لقسمة ما عدل فيها، وما أريد فيها وجه الله.
قال: فقلت: والله! لأخبرن رسول الله ﷺ . قال: فأتيته، فأخبرته بما قال: قال: فتغير وجهه حتى كان كالصرف. ثم قال: (فمن يعدل إن لم يعدل الله ورسوله) قال: ثم قال: (يرحم الله موسى. قد أوذي بأكثر من هذا فصبر) قال: قلت: لا جرم لا أرفع إليه بعدها حديثًا" واللفظ لمسلم (٢).
و- خطبته ﷺ بعد توزيع الغنائم:
٧١٣ - من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: "شهدت رسول الله ﷺ يوم حنين، وجاءته وفود هوازن فقالوا: يا محمد إنا أصل (٣) وعشيرة، فمنَّ علينا منَّ الله عليك، فإنه قد نزل بنا من البلاء ما لا يخفى عليك، فقال: (اختاروا بين نسائكم وأموالكم وأبنائكم) فقالوا: خيرتنا بين أحسابنا وأموالنا نختار أبناءنا، فقال: (ما كان لي ولبني عبد المطلب، فهو لكم، فإذا صليت الظهر قولوا: إنا نستشفع برسول الله على المؤمنين، وبالمؤمنين على رسول الله ﷺ في نسائنا وأبنائنا).
стр. 450
قال: ففعلوا فقال رسول الله ﷺ : (أما ما كان لي ولبني عبد الطلب فهو لكم)، وقال المهاجرون: ما كان لنا فهو لرسول الله ﷺ ، وقالت الأنصار مثل ذلك، وقال عيينة بن بدر: أما ما كان لي ولبني فزارة فلا، وقال الأقرع ابن حابس: أما أنا وبنو تميم فلا، وقال عباس بن مرداس: أما أنا وبنو سليم فلا.
فقال الحيان: كذبت بل هو لرسول الله ﷺ . فقال رسول الله ﷺ : (يا أيها الناس ردوا عليهم نساءهم وأبناءهم، فمن تمسك بشيء من الفيء، فله علينا ستة فرائض من أول شيء يفيئه الله علينا).
وفي رواية "فردوا على الناس أبناءهم ونساءهم ثم ركب راحلته، وتعلق به الناس يقولون: اقسم علينا فيئنا بيننا، حتى ألجأوه إلى سمرة (١) فخطفت رداءه، فقال: (يا أيها الناس ردوا علي ردائي، فوالله لو كان لكم بعدد شجر تهامة نعم لقسمته بينكم ثم لا تلقوني بخيلًا ولا جبانًا ولا كذوبًا).
ثم دنا من بعيره، فأخذ وبرة من سنامه، فجعلها بين أصابعه السبابة والوسطى، ثم رفعها، فقال: (يا أيها الناس ليس لي من هذا الفيء ولا هذه إلا بالخمس، والخمس مردود عليكم، فردوا الخياط والمخيط، فإن الغلول يكون على أهله يوم القيامة عارًا ونارًا وشنارًا).
فقام رجل معه كبة من شعر فقال: إني أخذت هذه أصلح بها بردعة بعير لي دبر، قال: (أما ما كان لي ولبني عبد المطلب فهو لك)، فقال الرجل: يا رسول الله أما إذ بلغت ما أرى فلا أرب لي بها ونبذها" (٢).
١٧ - مجيء وفد هوازن مسلمين وإعادة السبي لهم:
قد سبق طرف من هذا في الحديث الذي سبق من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وقد جاء أيضًا بشيء من الزيادة والتفصيل وأكثر صحة من الحديث
стр. 451
الذي ذكرت:
٧١٤ - من حديث مروان بن الحكم والمسور بن مخرمة: "أن رسول الله ﷺ قام حين جاءه وفد هوازن مسلمين، فسألوه أن يرد إليهم أموالهم وسبيهم، فقال لهم رسول الله ﷺ : (معي من ترون، وأحب الحديث إلي أصدقه، فاختاروا إحدى الطائفتين: إما السبي وإما المال. وقد كنت استأنيت بكم) وكان أنظرهم رسول الله ﷺ بضع عشرة ليلة حين قفل من الطائف فلما تبين لهم أن رسول الله ﷺ غير راد إليهم إلا إحدى الطائفتين. قالوا: فإنا نختار سبينا.
فقام رسول الله ﷺ في المسلمين، فأثنى على الله بما هو أهله ثم قال: (أما بعد فإن إخوانكم قد جاءونا تائبين، وإني قد رأيت أن أرد إليهم سبيهم، فمن أحب منكم أن يطيب ذلك فليفعل، ومن أحب منكم أن يكون على حظه حتى نعطيه إياه من أول ما يفيء الله علينا فليفعل). فقال الناس: قد طبنا بذلك يا رسول الله. فقال رسول الله ﷺ : (إنا لا ندري من أذن منكم في ذلك ممن لم يأذن. فارجعوا حتى يرفع إلينا عرفاؤكم أمركم)، فرجع الناس، فكلمهم عرفاؤهم، ثم رجعوا إلى رسول الله ﷺ ، فأخبروه أنهم قد طيبوا وأذنوا. هذا الذي بلغني عن سبي هوازن" (١).
١٨ - مقولة الأنصار في تقسيم الغنائم وخطاب النبي لهم:
لقد جاءت هذه المقولة من حديث عبد الله بن زيد، وأنس بن مالك، وأبي سعيد الخدري، وأبي هريرة ﵃، ورواياتهم بعضها فيها طول وبعضها فيها اختصار، وسنوردها جميعًا لأن كل حديث من هذه الأحاديث فيه ما ليس في الآخر:
٧١٥ - من حديث عبد الله بن زيد ﵁: "أن رسول الله ﷺ لما فتح حنينًا قسم الغنائم، فأعطى المؤلفة قلوبهم، فبلغه أن الأنصار يحبون أن يصيبوا ما أصاب الناس فقام رسول الله ﷺ ، فخطبهم، فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال: (يا معشر الأنصار! ألم أجدكم ضلالًا فهداكم الله بي؟ وعالة (٢) فأغناكم
стр. 452
الله بي؟ ومتفرقين (١) فجمعكم الله بي) ويقولون: الله ورسوله أمنُّ. فقال: (ألا تجيبوني؟) فقالوا: الله ورسوله أمن. فقال: (أما إنكم لو شئتم أن تقولوا كذا وكذا)، وكان من الأمر كذا وكذا" لأشياء عددها. زعم عمرو أن لا يحفظها.
فقال: (ألا ترضون أن يذهب الناس بالشاء (٢) والإبل، وتذهبون برسول الله إلى رحالكم؟ الأنصار شعار والناس دثار (٣)، ولولا الهجرة لكنت امرأ من الأنصار، ولو سلك الناس واديًا وشعبًا، لسلكت وادي الأنصار وشعبهم. إنكم ستلقون بعدي أثرة فاصبروا حتى تلقوني على الحوض) (٤) اللفظ لمسلم.
٧١٦ - من حديث أنس بن مالك ﵁ قال: "إن أناسًا من الأنصار قالوا يوم حنين، حين أفاء الله على رسوله من أموال هوازن ما أفاء (٥)، فطفق رسول الله ﷺ يعطي رجالًا من قريش. المائة من الإبل، فقالوا: يغفر الله لرسول الله، يعطي قريشًا، ويتركنا، وسيوفنا تقطر من دمائهم! " (٦).
قال أنس بن مالك: فحدث ذلك رسول الله ﷺ ، من قولهم. فأرسل إلى الأنصار فجمعهم في قبة من أدم (٧). فلما اجتمعوا جاءهم رسول الله ﷺ فقال: (ما حديث بلغني عنكم) فقال له فقهاء الأنصار: أما ذوو رأينا، يا رسول الله! فلم يقولوا شيئًا. وأما أناس منا حديثة أسنانهم قالوا: يغفر الله لرسوله، يعطي قريشًا ويتركنا، وسيوفنا تقطر من دمائهم!
стр. 453
فقال رسول الله ﷺ : (فإني أعطي رجالًا حديثي عهد بكفر أتألفهم (١). أفلا ترضون أن يذهب الناس بالأموال، وترجعون إلى رحالكم (٢) برسول الله ﷺ ؟ فوالله! لما تنقلبون به خير مما ينقلبون به) فقالوا: بلى يا رسول الله! قد رضينا. قال: (فإنكم ستجدون أثَرةً شديدة (٣)، فاصبروا حتى تلقوا الله ورسوله. فإني على الحوض). قالوا: سنصبر.
قال أنس: فلم نصبر" وفي لفظ آخر له: "قال: جمع رسول الله ﷺ الأنصار، فقال: (أفيكم أحد من غيركم؟ فقالوا: لا. إلا ابن أخت لنا، فقال رسول الله ﷺ : إن ابن أخت القوم منهم).
فقال: (إن قريشًا حديث عهد بجاهلية (٤) ومصيبة. وإني أردت أن أجبرهم (٥) وأتألفهم. أما ترضون أن يرجع الناس بالدنيا، وترجعون برسول الله إلى بيوتكم. لو سلكت الناس واديًا، وسلك الأنصار شعبًا (٦)، لسلكت شعب الأنصار) (٧).
٧١٦ - من حديث أبي سعيد الخدري ﵁: قال ابن إسحاق: حدثني عاصم بن عمر بن قتادة، عن محمود بن لبيد، عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: "لما أعطى رسول الله ﷺ ما أعطى من تلك العطايا، في قريش وفي قبائل العرب، ولم يكن في الأنصار منها شيء وجد هذا الحي من الأنصار في أنفسهم، حتى كثرت منهم المقالة (٨) حتى قال قائلهم: لقد لقي والله رسول الله ﷺ قومه، فدخل عليه سعد بن عبادة، فقال: يا رسول الله، إن هذا الحي من الأنصار قد وجدوا عليك في أنفسهم، لما صنعت في هذا الفيء الذي أصبت، قسمت في قومك، وأعطيت عطايا عظامًا في قبائل العرب، ولم يك في هذا
стр. 454
الحي من الأنصار منها شيء. قال: (فأين أنت من ذلك يا سعد؟) قال: يا رسول الله، ما أنا إلا من قومي، قال: (فأجمع لي قومك في هذه الحظيرة) (١).
قال: فخرج سعد، فجمع الأنصار في تلك الحظيرة. قال: فجاء رجال من المهاجرين، فتركهم فدخلوا، وجاء آخرون فرده. فلما اجتمعوا له أتاه سعد، فقال: قد اجتمع لك هذا الحي من الأنصار، فأتاهم رسول ﷺ ، فحمد لله، وأثنى عليه بما هو أهله، ثم قال: (يا معشر الأنصار: ما قالة بلغتني عنكم، وجدة (٢) وجدتموها علي في أنفسكم؟ الم آتكم ضلالًا فهداكم الله، وعالة (٣) فأغناكم الله، وأعداء فألف الله بين قلوبكم!) قالوا: بلى، الله ورسوله أمن وأفضل.
ثم قال: (ألا تجيبوني يا معشر الأنصار؟) قالوا: بماذا نجيبك يا رسول الله؟ لله ولرسوله المن والفضل. قال ﷺ : (أما والله لو شئتم لقلتم فلصدقتم، ولصُدقتم: أتيتنا مكذبًا فصدقناك، ومخذولًا (٤) فنصرناك، وطريدًا فآويناك. وعائلًا فآسيناك (٥)؟
وجدتم يا معشر الأنصار في أنفسكم في لعاعة (٦) من الدنيا تألفت بها قومًا ليسلموا، ووكلتكم إلى إسلامكم ألا ترضون يا معشر الأنصار أن يذهب الناس بالشاة والبعير، وترجعوا برسول الله إلى رحالكم؟ فوالذي نفس محمَّد بيده، لولا الهجرة لكنت امرءًا من الأنصار، ولو سلك الناس شعبًا، وسلكت الأنصار شعبًا: لسلكت شعب الأنصار، اللهم ارحم الأنصار، وأبناء الأنصار، وأبناء أبناء الأنصار) (٧).
стр. 455
فوائد هذه القصة وعبرها:
ذكر الحافظ ابن حجر ﵀ في الفتح فوائد نفيسة استخلصها من هذه الحادثة وما قال الرسول ﷺ للأنصار، وما قالوا له، أذكرها لعظيم نفعها، وجزالة معانيها، ولما احتوته في طياتها من الخير العظيم، قال ﵀: وبعد شرحه حديث عبد الله بن زيد وبيانه للكثير من معانيه.
وفي الحديث من الفوائد غير ما تقدم: إقامة الحجة على الخصم، وإفحامه بالحق عند الحاجة إليه، وحسن أدب الأنصار في تركهم المحاورة، والمبالغة في الحياء، وبين أن الذي نقل عنهم إنما كان عن شبانهم لا عن شيوخهم وكهولهم.
وفيه مناقب عظيمة لهم لما اشتمل من ثناء الرسول البالغ عليهم، وأن الكبير ينبه الصغير على ما يغفل عنه، ويوضح له وجه الشبهة ليرجع إلى الحق، وفيه المعاتبة واستعطاف المعاتب وإعتابه عن عتبه بإقامة حجة من عتب عليه، والاعتذار والاعتراف.
وفيه علم من أعلام النبوة لقوله: "ستلقون بعدي أثرة " فكان كما قال. وقد قال الزهري في روايته عن أنس في آخر الحديث قال أنس فلم يصبروا" وفيه أن للإمام تفضيل بعض الناس على بعض في مصارف الفيء، وأن له أن يعطي الغني منه للمصلحة، وأن من طلب حقه من الدنيا لا عتب عليه في ذلك.
وفيه مشروعية الخطبة عند الأمر الذي يحدث سواءً كان خاصًّا أم عامًّا، وفيه تسلية من فاته شيء من الدنيا مما حصل له من ثواب الآخرة، والحض على طلب الهداية والألفة والغنى وأن المنة لله ورسوله على الإطلاق، وتقديم جانب الآخرة على الدنيا، والصبر عما فات منها ليدخر ذلك لصاحبه في الآخرة، والآخرة خير وأبقى" (١).
стр. 456
١٩ - عمرة النبي ﵇ من الجعرانة:
وقد ذكر هذه العمرة أصحاب المغازي والسير مثل عروة بن الزبير، وموسى بن عقبة وابن إسحاق، وابن هشام، وابن حبان، والواقدي، وقد أنكره ابن عمر ﵁، ونقل ذلك عنه مولاه نافع، أخرج البخاري من طريق أيوب عن نافع قال: لم يعتمر رسول الله ﷺ من الجعرانة، ولو اعتمر لم يخف على عبد الله.
وأخرج مسلم من هذا الوجه عن نافع قال: ذكر عند ابن عمر ﵄ عمرة رسول الله من الجعرانة، فقال: لم يعتمر منها، وهذا الذي نفاه قد أثبته غيرهما والمثبت مقدم على النافي.
قال النووي: هذا محمول على نفي علمه، أي أنه لم يعلم بذلك، وقد ثبت أن النبي ﷺ اعتمر من الجعرانة، والإثبات مقدم على النفي لما فيه من زيادة العلم، وقد ذكر مسلم في كتاب الحج اعتمار النبي ﷺ من الجعرانة عام حنين من رواية أنس ﵁.
وحديث أنس أخرجه أحمد والشيخان وأبو داود والترمذي، وقد ورد من حديث ابن عباس، أخرجه أبو داود والترمذي وابن ماجة وحسنه الترمذي، ومن حديث جابر رواه البزار والطبراني في الأوسط ورجاله رجال الصحيح كما قال الهيثمي، ومن حديث محرش الكعبي رواه أحمد والحميدي وأبو داود والترمذي والنسائي، قال الحافظ ابن كثير: قد أطبق النقلة ممن عداهما على رواية ذلك من أصحاب الصحاح والسنن، والمسانيد، وذكر ذلك أصحاب المغازي والسير كلهم.
ووجه الخفاء في القضية ما جاء في حديث محرش الكعبي "أن رسول الله خرج ليلًا معتمرًا، فدخل مكة ليلًا، فقضى عمرته ثم خرج من ليلته، فأصبح بالجعرانة كبائت" إلى آخر الحديث، وفيه: "ومن أجل ذلك خفيت عمرته على الناس".
٧١٧ - من حديث أنس ﵁ قال: "اعتمر رسول الله ﷺ أربع عمر كلهن في ذي القعدة إلا التي كانت مع حجته، عمرة من الحديبية في ذي القعدة، وعمرة من العام المقبل في ذي القعدة، وعمرة من الجعرانة حيث قسم غنائم حنين
стр. 457
في ذي القعدة، وعمرة مع حجته" (١).
٧١٨ - من حديث ابن عباس ﵁ قال: "اعتمر رسول الله ﷺ أربع عمر، عمرة الحديبية والثانية حين تواطؤا على عمرة من قابل، والثالثة من الجعرانة، والرابعة التي قرن مع حجته" (٢).
٧١٩ - من حديث يعلى بن منبه ﵁ قال: "جاء رجل إلى النبي ﷺ ، وهو بالجعرانة وعليه جبة، وعليها خلوق، أو قال: أثر صفرة، فقال: كيف تأمرني أصنع في عمرتي؟ قال: وأنزل على النبي ﷺ الوحي، فستر بثوب، وكان يعلى يقول: وددت أني أرى النبي ﷺ ، وقد أنزل الوحي عليه، قال: فرفع عمر طرف الثوب عنه، فنظرت إليه، فإذا له غطيط "قال" وأحسبه كغطيط البكر، فلما سري عنه قال: (أين السائل عن العمرة؟ اغسل عنك الصفرة، أو قال أثر الخلوق، واخلع عنك جبتك، واصنع في عمرتك ما أنت صانع في حجتك).
قال: وأتى النبي ﷺ رجل قد عض رجلًا، فانتزع يده، فسقطت ثنيتا الذي عضه، قال: فأبطلها النبي ﷺ ، وقال: (أردت أن تقضمه كما يقضم الفحل) (٣).
стр. 458
المبحث الثالث: ابن اللتبية الأزدي وجمع الصدقات
لما رجع الرسول ﷺ إلى المدينة، ودخلت سنة تسع للهجرة بعث رسول الله ﷺ المصدقين ليأخذوا الصدقات من الأعراب، وكان من بينهم ابن اللتبية الأزدي، وله قصة في جمع الصدقة أسوقها هنا لطرافتها:
٧٢٠ - من حديث أبي حميد الساعدي ﵁ قال: "استعمل رسول الله ﷺ رجلًا من الأزد يقال له ابن اللتبية على الصدقة، فلما قدم، قال: هذا لكم، وهذا أهدي لي"، فقام رسول الله ﷺ على المنبر، فحمد الله، وأثنى عليه، وقال: (ما بال عامل أبعثه فيقول: هذا لكم، وهذا أهدي لي، أفلا قعد في بيت أبيه أو بيت أمه حتى ينظر أيهدى إليه أم لا، والذي نفس محمد بيده، لا ينال أحد منكم منها شيئًا إلا جاء به يوم القيامة يحمله على عنقه إن كان بعيرًا له رغاء، أو بقرة لها خوار، أو شاة تيعر)، ثم رفع يديه حتى رأينا عفرتي إبطيه، ثم قال: (اللهم هل بلغت مرتين) (١).
المبحث الرابع: إسلام عدي بن حاتم الطائي
٧٢١ - من حديث أبي عبيدة بن حذيفة عن عدي بن حاتم ﵁: قال أبو عبيدة: كنت أحدَّثُ عن عدي بن حاتم فقلت هذا عدي في ناحية الكوفة، فلو أتيته، فكنت أنا الذي أسمعه منه، فأتيته فقلت: إني كنت أحدث عنك حديثًا، فأردت أن أكون أنا الذي أسمعه منك. قال: لما بعث الله عر وجل النبي ﷺ فررت منه حتى كنت في أقصى أرض المسلمين مما يلي الروم.
قال: فكرهت مكاني الذي أنا فيه حتى كنت له أشد كراهية له مني من حيث جئت، قال: قلت: لأتين هذا الرجل فوالله إن كان صادقًا فلأسمعن منه، وإن كان كاذبًا ما هو بضائري.
قال: فأتيته واستشرفني الناس وقالوا: عدي بن حاتم، عدي بن حاتم،
стр. 459
قال: أظنه قال ثلاث مرار، قال: فقال لي: (يا عدي بن حاتم أسلم تسلم)، قال: قلت: إني من أهل دين. قال: (يا عدي بن حاتم أسلم تسلم). قال: قلت: إلى من أهل دين، قالها ثلاثًا. قال: (أنا أعلم بدينك منك). قال: قلت: أنت أعلم بديني مني؟ قال: (نعم) قال: (أليس ترأس قومك؟) قال: قلت: بلى. قال: فذكر محمد الركوسية قال كلمة التمسها يقيمها فتركها قال: (فإنه لا يحل في دينك المرباع).
قال: فلما قالها، تواضعت لها. قال: (وإني قد أرى أن مما يمنعك خصاصة تراها ممن حولي، وأن الناس علينا إلبًا واحدًا هل تعرف مكان الحيرة؟) قال: قلت: قد سمعت بها ولم آتها. قال: (لتوشكن الظعينة أن تخرج منها بغير جوار حتى تطوف بالكعبة، ولتوشكن كنوز كسرى بن هرمز تفتح)، قال: قلت: كسرى بن هرمز؟، قال: (كسرى بن هرمز ثلاث مرات)، (وليوشكن أن يبتغي من يقبل ماله منه صدقة فلا يجد)، قال: فلقد رأيت اثنتين، قد رأيت الظعينة تخرج من الحيرة بغير جوار حتى تطوف بالكعبة وكنت في الخيل التي أغارت على المدائن، وأيم الله لتكونن الثالثة إنه لحديث رسول الله ﷺ حدثنيه) (١).
стр. 460
الفصل العاشر غزوة تبوك أو غزوة العسرة
١ - ما تبوك:
تبوك اسم مشهور في القديم والحديث وقد وصفها ياقوت في معجم البلدان فقال: تبوك بالفتح ثم بالضم وواو ساكنة، وكان موضعًا بين وادي القرى والشام، وقيل بركة لأبناء سعد من بني عذرة.
وقال أبو زيد: "تبوك بين الحجر وأول الشام على أربع مراحل من الحجر، نحو نصف طريق الشام، وهو حصن به عين ونخل وحائط ينسب إلى النبي ﷺ ، وقال ياقوت: وتبوك تقع بين جبل حسمي وجبل شروري، حسمي غربيها وشروري شرقيها، وبين تبوك والمدينة اثنتا عشرة مرحلة".
٢ - وقتها:
قال الحافظ في الفتح: "كانت غزوة تبوك في شهر رجب من سنة تسع قبل حجة الوداع بلا خلاف، وعند ابن عائذ من حديث ابن عباس أنها كانت بعد الطائف بستة أشهر، وليس مخالفًا لقول من قال في رجب إذا حذفنا الكسور لأنه ﷺ قد دخل المدينة من رجوعه من الطائف في ذي الحجة" (١).
وقد قال ابن إسحاق: "إن رسول الله ﷺ أمر أصحابه بالتهيؤ لغزو الروم، وذلك في زمان من عسرة الناس، وشدة من الحر، وجدب من البلاد، وحين طابت الثمار، والناس يحبون المقام في ثمارهم وظلالهم، ويكرهون الشخوص على الحال من الزمان الذي هم عليه، وكان رسول الله ﷺ قلما يخرج في غزوة إلا كنى عنها، وأخبر أنه يريد غير الوجه الذي يصمد (٢) له إلا ما كان من غزوة تبوك، فإنه بينها للناس، لبعد الشقة، وشدة الزمان، وكثرة العدو الذي يصمد له، ليتأهب الناس لذلك أهبته، فأمر الناس بالجهاز، وأخبرهم أنه يريد الروم" (٣).