← Сира

Сира · id 13606

صحيح السيرة النبوية - إبراهيم العلي

إبراهيم العلي

Полный текст (585 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

١٩ - عمرة النبي ﵇ من الجعرانة: وقد ذكر هذه العمرة أصحاب المغازي والسير مثل عروة بن الزبير، وموسى بن عقبة وابن إسحاق، وابن هشام، وابن حبان، والواقدي، وقد أنكره ابن عمر ﵁، ونقل ذلك عنه مولاه نافع، أخرج البخاري من طريق أيوب عن نافع قال: لم يعتمر رسول الله ﷺ من الجعرانة، ولو اعتمر لم يخف على عبد الله. وأخرج مسلم من هذا الوجه عن نافع قال: ذكر عند ابن عمر ﵄ عمرة رسول الله من الجعرانة، فقال: لم يعتمر منها، وهذا الذي نفاه قد أثبته غيرهما والمثبت مقدم على النافي. قال النووي: هذا محمول على نفي علمه، أي أنه لم يعلم بذلك، وقد ثبت أن النبي ﷺ اعتمر من الجعرانة، والإثبات مقدم على النفي لما فيه من زيادة العلم، وقد ذكر مسلم في كتاب الحج اعتمار النبي ﷺ من الجعرانة عام حنين من رواية أنس ﵁. وحديث أنس أخرجه أحمد والشيخان وأبو داود والترمذي، وقد ورد من حديث ابن عباس، أخرجه أبو داود والترمذي وابن ماجة وحسنه الترمذي، ومن حديث جابر رواه البزار والطبراني في الأوسط ورجاله رجال الصحيح كما قال الهيثمي، ومن حديث محرش الكعبي رواه أحمد والحميدي وأبو داود والترمذي والنسائي، قال الحافظ ابن كثير: قد أطبق النقلة ممن عداهما على رواية ذلك من أصحاب الصحاح والسنن، والمسانيد، وذكر ذلك أصحاب المغازي والسير كلهم. ووجه الخفاء في القضية ما جاء في حديث محرش الكعبي "أن رسول الله خرج ليلًا معتمرًا، فدخل مكة ليلًا، فقضى عمرته ثم خرج من ليلته، فأصبح بالجعرانة كبائت" إلى آخر الحديث، وفيه: "ومن أجل ذلك خفيت عمرته على الناس". ٧١٧ - من حديث أنس ﵁ قال: "اعتمر رسول الله ﷺ أربع عمر كلهن في ذي القعدة إلا التي كانت مع حجته، عمرة من الحديبية في ذي القعدة، وعمرة من العام المقبل في ذي القعدة، وعمرة من الجعرانة حيث قسم غنائم حنين

стр. 457

في ذي القعدة، وعمرة مع حجته" (١). ٧١٨ - من حديث ابن عباس ﵁ قال: "اعتمر رسول الله ﷺ أربع عمر، عمرة الحديبية والثانية حين تواطؤا على عمرة من قابل، والثالثة من الجعرانة، والرابعة التي قرن مع حجته" (٢). ٧١٩ - من حديث يعلى بن منبه ﵁ قال: "جاء رجل إلى النبي ﷺ ، وهو بالجعرانة وعليه جبة، وعليها خلوق، أو قال: أثر صفرة، فقال: كيف تأمرني أصنع في عمرتي؟ قال: وأنزل على النبي ﷺ الوحي، فستر بثوب، وكان يعلى يقول: وددت أني أرى النبي ﷺ ، وقد أنزل الوحي عليه، قال: فرفع عمر طرف الثوب عنه، فنظرت إليه، فإذا له غطيط "قال" وأحسبه كغطيط البكر، فلما سري عنه قال: (أين السائل عن العمرة؟ اغسل عنك الصفرة، أو قال أثر الخلوق، واخلع عنك جبتك، واصنع في عمرتك ما أنت صانع في حجتك). قال: وأتى النبي ﷺ رجل قد عض رجلًا، فانتزع يده، فسقطت ثنيتا الذي عضه، قال: فأبطلها النبي ﷺ ، وقال: (أردت أن تقضمه كما يقضم الفحل) (٣).

стр. 458

المبحث الثالث: ابن اللتبية الأزدي وجمع الصدقات لما رجع الرسول ﷺ إلى المدينة، ودخلت سنة تسع للهجرة بعث رسول الله ﷺ المصدقين ليأخذوا الصدقات من الأعراب، وكان من بينهم ابن اللتبية الأزدي، وله قصة في جمع الصدقة أسوقها هنا لطرافتها: ٧٢٠ - من حديث أبي حميد الساعدي ﵁ قال: "استعمل رسول الله ﷺ رجلًا من الأزد يقال له ابن اللتبية على الصدقة، فلما قدم، قال: هذا لكم، وهذا أهدي لي"، فقام رسول الله ﷺ على المنبر، فحمد الله، وأثنى عليه، وقال: (ما بال عامل أبعثه فيقول: هذا لكم، وهذا أهدي لي، أفلا قعد في بيت أبيه أو بيت أمه حتى ينظر أيهدى إليه أم لا، والذي نفس محمد بيده، لا ينال أحد منكم منها شيئًا إلا جاء به يوم القيامة يحمله على عنقه إن كان بعيرًا له رغاء، أو بقرة لها خوار، أو شاة تيعر)، ثم رفع يديه حتى رأينا عفرتي إبطيه، ثم قال: (اللهم هل بلغت مرتين) (١). المبحث الرابع: إسلام عدي بن حاتم الطائي ٧٢١ - من حديث أبي عبيدة بن حذيفة عن عدي بن حاتم ﵁: قال أبو عبيدة: كنت أحدَّثُ عن عدي بن حاتم فقلت هذا عدي في ناحية الكوفة، فلو أتيته، فكنت أنا الذي أسمعه منه، فأتيته فقلت: إني كنت أحدث عنك حديثًا، فأردت أن أكون أنا الذي أسمعه منك. قال: لما بعث الله عر وجل النبي ﷺ فررت منه حتى كنت في أقصى أرض المسلمين مما يلي الروم. قال: فكرهت مكاني الذي أنا فيه حتى كنت له أشد كراهية له مني من حيث جئت، قال: قلت: لأتين هذا الرجل فوالله إن كان صادقًا فلأسمعن منه، وإن كان كاذبًا ما هو بضائري. قال: فأتيته واستشرفني الناس وقالوا: عدي بن حاتم، عدي بن حاتم،

стр. 459

قال: أظنه قال ثلاث مرار، قال: فقال لي: (يا عدي بن حاتم أسلم تسلم)، قال: قلت: إني من أهل دين. قال: (يا عدي بن حاتم أسلم تسلم). قال: قلت: إلى من أهل دين، قالها ثلاثًا. قال: (أنا أعلم بدينك منك). قال: قلت: أنت أعلم بديني مني؟ قال: (نعم) قال: (أليس ترأس قومك؟) قال: قلت: بلى. قال: فذكر محمد الركوسية قال كلمة التمسها يقيمها فتركها قال: (فإنه لا يحل في دينك المرباع). قال: فلما قالها، تواضعت لها. قال: (وإني قد أرى أن مما يمنعك خصاصة تراها ممن حولي، وأن الناس علينا إلبًا واحدًا هل تعرف مكان الحيرة؟) قال: قلت: قد سمعت بها ولم آتها. قال: (لتوشكن الظعينة أن تخرج منها بغير جوار حتى تطوف بالكعبة، ولتوشكن كنوز كسرى بن هرمز تفتح)، قال: قلت: كسرى بن هرمز؟، قال: (كسرى بن هرمز ثلاث مرات)، (وليوشكن أن يبتغي من يقبل ماله منه صدقة فلا يجد)، قال: فلقد رأيت اثنتين، قد رأيت الظعينة تخرج من الحيرة بغير جوار حتى تطوف بالكعبة وكنت في الخيل التي أغارت على المدائن، وأيم الله لتكونن الثالثة إنه لحديث رسول الله ﷺ حدثنيه) (١).

стр. 460

الفصل العاشر غزوة تبوك أو غزوة العسرة ١ - ما تبوك: تبوك اسم مشهور في القديم والحديث وقد وصفها ياقوت في معجم البلدان فقال: تبوك بالفتح ثم بالضم وواو ساكنة، وكان موضعًا بين وادي القرى والشام، وقيل بركة لأبناء سعد من بني عذرة. وقال أبو زيد: "تبوك بين الحجر وأول الشام على أربع مراحل من الحجر، نحو نصف طريق الشام، وهو حصن به عين ونخل وحائط ينسب إلى النبي ﷺ ، وقال ياقوت: وتبوك تقع بين جبل حسمي وجبل شروري، حسمي غربيها وشروري شرقيها، وبين تبوك والمدينة اثنتا عشرة مرحلة". ٢ - وقتها: قال الحافظ في الفتح: "كانت غزوة تبوك في شهر رجب من سنة تسع قبل حجة الوداع بلا خلاف، وعند ابن عائذ من حديث ابن عباس أنها كانت بعد الطائف بستة أشهر، وليس مخالفًا لقول من قال في رجب إذا حذفنا الكسور لأنه ﷺ قد دخل المدينة من رجوعه من الطائف في ذي الحجة" (١). وقد قال ابن إسحاق: "إن رسول الله ﷺ أمر أصحابه بالتهيؤ لغزو الروم، وذلك في زمان من عسرة الناس، وشدة من الحر، وجدب من البلاد، وحين طابت الثمار، والناس يحبون المقام في ثمارهم وظلالهم، ويكرهون الشخوص على الحال من الزمان الذي هم عليه، وكان رسول الله ﷺ قلما يخرج في غزوة إلا كنى عنها، وأخبر أنه يريد غير الوجه الذي يصمد (٢) له إلا ما كان من غزوة تبوك، فإنه بينها للناس، لبعد الشقة، وشدة الزمان، وكثرة العدو الذي يصمد له، ليتأهب الناس لذلك أهبته، فأمر الناس بالجهاز، وأخبرهم أنه يريد الروم" (٣).

стр. 461

٣ - لم سميت غزوة العسرة: قال القرطبي في تفسير قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ﴾: "أي وقت العسرة والمراد جميع أوقات تلك الغزوة، ولم يرد ساعة بعينها، وقيل: ساعة العسرة أشد الساعات التي مرت بهم في تلك الغزاة. والعسرة صعوبة الأمر. قال جابر: اجتمع عليهم عسرة الظهر، وعسرة الزاد، وعسرة الماء. قال الحسن: كانت العشرة من المسلمين يخرجون على بعير يعتقبونه بينهم، وكان زادهم التمر المتسوس والشعير المتغير والإهالة المنتنة، وكان النفر يخرجون ما معهم -إلا التمرات بينهم، فهذا بلغ الجوع من أحدهم أخذ التمر فلاكها حتى جيد طعمها، ثم يعطيها صاحبه حتى يشرب عليها جرعة من ماء كذلك حتى تأتي على آخرهم، فلا يبقى من التمرة إلا النواة. فمضوا مع النبي ﷺ على صدقهم ويقينهم ﵃. وقال عمر ﵁ وقد سئل عن ساعة العسرة: خرجنا في قيظ شديد، فنزلنا منزلًا أصابنا فيه عطش شديد حتى ظننا أن رقابنا ستنقطع من العطش، وحتى إن الرجل لينحر بعيره، فيعصر فرثه، فيشربه، ويجعل ما بقي على كبده. فقال أبو بكر: يا رسول الله، إن الله قد عودك في الدعاء خيرًا، فادع لنا. قال: (أتحب ذلك)، قال: نعم، فرفع يديه، فلم يرجعهما حتى أظلت السماء ثم سكبت فملأوا ما معهم، ثم ذهبنا ننظر فلم نجدها جاوزت العسكر. وروى أبو هريرة وأبو سعيد قالا: كنا مع النبي ﷺ في غزوة تبوك، فأصاب الناس مجاعة وقالوا: يا رسول الله، لو أذنت لنا، فنحرنا نواضحنا، فأكلنا وادهنا. فقال رسول الله ﷺ : (افعلوا)، فجاء عمر وقال: يا رسول الله إن فعلوا قل الظهر، ولكن ادعهم بفضل أزوادهم، فادع الله عليها بالبركة لعل الله أن يجعل في ذلك البركة. قال: (نعم)، ثم دعا بنطع فبسط، ثم دعا بفضل الأزواد، فجعل الرجل يجيء بكف ذرة، ويجيء الآخر بكف تمر، ويجيء الآخر بكسرة حتى اجتمع النطع من ذلك شيء يسير. قال أبو هريرة: فحزرته فإذا هو قدر ربضة العنز، فدعا رسول الله ﷺ بالبركة، ثم قال: (خذوا في أوعيتكم)، فأخذوا في أوعيتهم حتى والذي لا إله

стр. 462

إلا هو- ما بقي في العسكر وعاء إلا ملأوه، وأكل القوم حتى شبعوا، وفضلت فضلة فقال النبي ﷺ : (أشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله لا يلقى الله بهما عبد غير شاكٍ فيهما فيحجب عن الجنة) أخرجه مسلم في صحيحه بلفظه ومعناه والحمد لله. قال ابن عرفة: سمي جيش تبوك جيس العسرة لأن رسول الله ﷺ ندب الناس إلى الغزو في حمارة القيظ، فغلظ عليهم وعسر، وكان إبان إبتياع الثمرة، قال: وإنما ضرب المثل بجيش العسرة لأن رسول الله ﷺ لم يغز قبله في عدد مثله. لأن أصحابه يوم بدر كانوا ثلثمائة وبضعة عشر، ويوم أحد سبعمائة، ويوم خيبر ألفًا وخمسماية، ويوم الفتح عشرة آلاف، ويوم حنين اثني عشر ألفًا، وكان جيشه في غزوة تبوك ثلاثين ألفًا وزيادة، وهي آخر مغازيه ﷺ . وخرج رسول الله ﷺ في رجب، وأقام بتبوك شعبان وأيامًا من رمضان، وبث سراياه وصالح أقوامًا على الجزية، وفي هذه الغزاة خلف عليًّا على المدينة فقال المنافقون: خلفه بغضًا له، فخرج خلف النبي ﷺ وأخبره فقال ﵇ (أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى) وبين أن قعوده بأمر النبي ﷺ يوازي في الأجر خروجه معه؛ لأن المدار على أمر الشارع. وإنما قيل لها: غزوة تبوك لأن النبي ﷺ رأى قومًا من أصحابه يبوكون حسي تبوك، أي يدخلون فيه القدح ويحركونه ليخرج الماء، فقال: (ما زلتم تبوكونها بوكًا) فسميت تلك الغزوة غزوة تبوك" الحسين (بالكسر) ما تنشفه الأرض من الرمل فهذا صار إلى صلابة أمسكته، فتحفر عنه الرمل، فتستخرجه وهو الإحشاء قاله الجوهري" (١). ٤ - الإخبار عن وجهة الجيش: كان من نهجه ﵊ أنه إذا أراد أن يغزو منطقة أو قومًا ورى عن المنطقة، أو عن القوم بأنه يريد آخرين، مثل أنه إذا كان يريد غزوة في الشمال سأل عن منطقة في الجنوب من أجل أن يخفي حركته وحركة الجيش الذي معه، ومن أجل أن لا يفوت على جيش المسلمين عنصر المفاجأة الذي يكون في كثير من الأحيان عنصرًا أساسيًّا من عناصر هزيمة القوم الذين يراد غزوهم، إلا أنه

стр. 463

في هذه الغزوة أعلن عن وجهته التي يريد؛ لأن العدو كثير، والمسافة بعيدة، والحر شديد، فلا بد من الاستعداد والتزود. ٧٢٢ - من حديث كعب بن مالك ﵁ قال: "كان رسول الله ﷺ قلما يريد غزوة يغزوها إلا ورى (١) بغيرها، حتى كانت غزوة تبوك، فغزاها رسول الله ﷺ في حر شديد، استقبل سفرًا بعيدًا ومفازًا (٢) استقبل غزو عدد كثير، فجلا (٣) للمسلمين أمرهم ليتاهبوا أهبة (٤) عدوهم، أخبرهم بوجهه الذي يريد" (٥). ٥ - دعوة الرسول ﷺ المسلمين للتبرع لإعداد الجيش: حث الرسول ﵊ أغنياء الصحابة على التصدق، وهو ما يسمى بلغة العصر التبرع -لتجهيز الجيش الإِسلامي الضخم الذي احتشد للخروج مع النبي ﷺ وإكمال تموينه؛ لأن بيت مال المسلمين بالمدينة ليس فيه ما يكفي لتموين وتجهيز هذا الجيش الكبير. وما كاد الأغنياء وميسوري الحال من الصحابة يتبلغون نداء الرسول ﷺ الحاث على التصدق والتبرع لإكمال تجهيز الجيش المغازي هذا حتى تسابقوا إلى ميدان التبرع والتصدق طمعًا فيما عند الله تعالى من ثواب، وكان التبرع من هؤلاء الكرام على أعلى مستويات السخاء فتم للرسول ﷺ جمع أموال عظيمة من المتصدقين في وقت قليل جدًّا، تمكن بهذه الأموال من تموين الجيش وإكمال تجهيزه حيث وفر للجيش وسائل النقل، والأسلحة، والأكل لأفراده الذين لا يقدرون على أن يوفروها لأنفسهم من مالهم الخاص. وكان من أعظم هؤلاء جميعًا سخاء عثمان بن عفان ﵁، فقد ضرب الرقم القياسي في البذل والسخاء حين جاء بالمال الكثير لتجهيز المقاتلين

стр. 464

وتموينهم جعلت رسول الله ﷺ يُسَّر جدًّا به ويرض عنه ويدعو له، فقد جاء: ٧٢٣ - من حديث عبد الرحمن بن سمرة ﵁ قال: "جاء عثمان بن عفان إلى النبي ﷺ : بألف دينار في ثوبه حين جهز النبي ﷺ جيش العسرة قال: فصبها في حجر النبي ﷺ ، فجعل النبي ﷺ يقلبها بيده ويقول: (ما ضر ابن عفان ما عمل بعد اليوم يرددها مرارًا) (١). ٧٢٤ - وأما علبة بن زيد فخرج من الليل فصلى من ليلته ما شاء الله، ثم بكى، وقال: اللهم أنك قد أمرت بالجهاد، ورغبت فيه، ثم لم تجعل عندي ما أتقوى به مع رسول الله ﷺ ولم تجعل في يد رسولك ما يحملني عليه، وإني أتصدق على كل مسلم بكل مظلمة أصابني فيها مال أو جسد أو عرض. ثم أصبح مع الناس، فقال رسول الله ﷺ : (أين المتصدق هذه الليلة؟) فلم يقم أحد، ثم قال: (أين المتصدق فليقم) فقام إليه فأخبره فقال رسول الله ﷺ : (أبشر فوالذي نفسي بيده لقد كتبت في الزكاة المتقبلة) (٢). ٦ - لمز المنافقين للمتصدقين: ٧٢٥ - من حديث أبي مسعود الأنصاري ﵁ قال: "لما أمرنا بالصدقة كنا نتحامل، فجاء أبو عقيل بنصف صاع، وجاء إنسان بأكثر منه، فقال المنافقون: إن الله لغني عن صدقة هذا، وما فعل هذا الآخر إلا رئاء فنزلت ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إلا جُهْدَهُمْ﴾ الآية" (٣).

стр. 465

٧ - قصة أصحاب أبي موسى الأشعري: ٧٢٦ - من حديث أبي موسى الأشعري ﵁ قال: "أرسلني أصحابي إلى رسول الله ﷺ أسأله الحملان لهم إذا هم معه في جيش العسرة وهي غزوة تبوك، فقلت: يا نبي الله، إن أصحابي أرسلوني إليك لتحملهم، فقال: (والله لا أحملكم على شيء)، ووافقته وهو غضبان ولا أشعر، ورجعت حزينًا من منع النبي ﷺ ومن مخافة أن يكون النبي ﷺ وجد في نفسه علي، فرجعت إلى أصحابي فأخبرتهم الذي قال النبي ﷺ ، فلم ألبث إلا سويعة إذ سمعت بلالًا ينادي: أي عبد الله بن قيس، فأجبته فقال: أحب رسول الله ﷺ يدعوك. فلما أتيته قال: (خذ هذين القرنين لستة أبعرة ابتاعهن حينئذ من سعد -فانطلق بهن إلى أصحابك فقل: إن الله -أو قال- إن رسول الله ﷺ يحملكم على هؤلاء، فاركبوهن). فانطلقت إليهم بهن فقلت: إن النبي ﷺ يحملكم على هؤلاء، ولكني والله لا أدعكم حتى ينطلق معي بعضكم إلى من سمع مقالة رسول الله ﷺ لا تظنوا أني حدثتكم شيئًا لم يقله رسول الله ﷺ . فقالوا لي: إنك عندنا لمصدق، ولنفعلن ما أحببت، فانطلق أبو موسى بنفر منهم حتى أتو الذين سمعوا قول رسول الله ﷺ ، منعه إياهم ثم إعطاءهم بعد، فحدثوهم بمثل ما حدثهم به أبو موسى" (١). ٨ - متى خرج النبي ﷺ من المدينة: ٧٢٧ - من حديث كعب بن مالك ﵁: "أن النبي ﷺ خرج يوم الخميس في غزوة تبوك، وكان يحب أن يخرج يوم الخميس" (٢).

стр. 466

٩ - تشييع علي للنبي ﷺ : ٧٢٨ - من حديث سعد بن أبي وقاص ﵁: "أن عليًّا ﵁ خرج مع النبي ﷺ حتى جاء ثنية الوداع، وعلي ﵁ يبكي يقول: تخلفني مع الخوالف فقال: (أو ما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا النبوة) (١). ١٠ - تخلف علي بأمر النبي ﷺ : ٧٢٩ - من حديث سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: (خلف رسول الله ﷺ علي بن أبي طالب في غزوة تبوك، فقال: يا رسول الله ﷺ ، أتخلفني في النساء والصبيان، فقال: (أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى، غير أنه لا نبي بعدي) (٢). ١١ - دعاء الرسول ﷺ للمسلمين بالبركة في ظهورهم: ٧٣٠ - من حديث شريح بن عبيد (أن فضالة بن عبيد الأنصاري كان يقول: غزونا مع النبي ﷺ غزوة تبوك، فجهد بالظهر جهدًا شديدًا (٣) فشكوا إلى النبي ﷺ ما بظهرهم من الجهد، فتحين بهم مضيقًا (٤)، فسار النبي ﷺ فيه فقال: (مروا باسم الله)، فمر الناس عليه بظهرهم، فجعل ينفخ بظهرهم (٥): (اللهم

стр. 467

احملهم عليها في سبيلك، إنك تحمل على القوي والضعيف (١)، وعلى الرطب واليابس في البر والبحر). قال: فما بلغنا المدينة حتى جعلت تنازعنا أزمتها (٢) قال فضالة: هذه دعوة النبي ﷺ القوي والضعيف فما بال الرطب واليابس، فلما قدمنا الشام غزونا غزوة قبرس في البحر، فلما رأيت السفن وما يدخل فيها عرفت دعوة النبي ﷺ " (٣). ١٢ - نهيه ﷺ عن شرب ماء ثمود: ٧٣١ - من حديث ابن عمر ﵄ قال: "إن الناس نزلوا مع رسول الله ﷺ في أرض ثمود، الحجر، واستقوا من بئرها، واعتجنوا به، فأمرهم رسول الله ﷺ أن يهريقوا ما استقوا من بئارها، وأن يعلفوا الإبل العجين، وأمرهم أن يستقوا من البئر التي كان تردها الناقة" (٤). ٧٣٢ - ومن حديث ابن عمر ﵄ أيضًا قال: "مررنا مع رسول الله ﷺ على الحجر، فقال لنا رسول الله ﷺ : (لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم، إلا أن تكونوا باكين حذرًا أن يصيبكم مثل ما أصابهم)، ثم زجر (٥) فأسرع حتى خلفها" (٦).

стр. 468

خطبته ﵊ في الحجر من ديار ثمود: ٧٣٣ - من حديث جابر بن عبد الله ﵄ قال: "لما مر النبي ﷺ بالحجر قال: (لا تسألوا الآيات، فقد سألها قوم صالح، فكانت ترد من هذا الفج (١)، وتصدر من هذا الفج، فعتوا عن أمر ربهم فعقروها، وكانت تشرب ماءهم يومًا، ويشربون لبنها يومًا، فعقروها، فأخذتهم صيحة أهمد الله من تحت أديم السماء منهم إلا رجلًا واحدًا كان في حرم الله). قيل: من هو يا رسول الله؟ قال: (هو أبو رغال، فلما خرج من الحرم أصابه ما أصاب قومه) (٢). ١٣ - دعاء النبي ﷺ بإمطار السماء وامتلاء أوعية الصحابة: ٧٣٤ - من حديث ابن عباس ﵄ قال: "قيل لعمر بن الخطاب: حدثنا من شأن ساعة العسرة، فقال عمر: خرجنا إلى تبوك في قيظ شديد، فنزلنا منزلًا أصابنا فيه عطش، حتى ظننا أن رقابنا ستنقطع، حتى إن كان الرجل ليذهب يلتمس الرجل، فلا يرجع حتى يظن أن رقبته ستنقطع، حتى أن كان الرجل لينحر بعيره فيعصر فرثه فيشربه، ويجعل ما بقي على كبده. فقال أبو بكر الصديق ﵁: يا رسول الله! إن الله قد عودك في الدعاء خيرًا فادع الله لنا، قال: (أتحب ذلك؟) قال: نعم، فرفع يديه فلم يرجعهما حتى قالت السماء، فأظلت ثم سكبت، فملأوا ما معهم ثم ذهبنا ننظر، فلم نجدها جاوزت العسكر" (٣).

стр. 469

مقالة المنافق عند نزول المطر: ٧٣٥ - قال ابن إسحاق حدثني عاصم بن عمرو بن قتادة، عن محمود بن لبيد، عن رجال من بني عبد الأشهل: "قال: قلت لمحمود: هل كان الناس يعرفون النفاق فيهم؟ قال: نعم والله، إن كان الرجل ليعرفه من أخيه ومن أبيه، ومن عمه وفي عشيرته، ثم يلبس بعضهم بعضًا على ذلك. ثم قال محمود: لقد أخبرني رجال من قومي عن رجل من المنافقين معروف نفاقه، كان يسير مع رسول الله حين سار، فلما كان من أمر الناس بالحجر ما كان، ودعا رسول الله ﷺ حين دعا، فأرسل الله السحابة فأمطرت حتى ارتوى الناس، قالوا: أقبلنا عليه نقول: ويحك هل بعد هذا شيء! قال: سحابة مارة" (١). ١٤ - ضياع ناقة النبي ﷺ ومقالة المنافق ابن اللصيت: قال ابن إسحاق: "ثم إن رسول الله ﷺ سار حتى إذا كان ببعض الطريق ضلت ناقته، فخرج أصحابه في طلبها، وعند رسول الله ﷺ رجل من أصحابه، يقال له عمارة بن حزم وكان عقبيًّا بدريًّا، وهو عم بني عمرو بن حزم، وكان في رحله زيد بن اللصيت القينقاعي، وكان منافقًا. ٧٣٦ - قال ابن إسحاق، فحدثني عاصم بن عمرو بن قتادة، عن محمود بن لبيد، عن رجال من بني عبد الأشهل، قالوا: "فقال زيد بن اللصيت، وهو في رحل عمارة، وعمارة عند رسول الله ﷺ : أليس محمد يزعم أنه نبي، ويخبركم عن خبر السماء، وهو لا يدري أين ناقته؟، فقال رسول الله ﷺ وعمارة عنده: (إن رجلًا قال: هذا محمد يخبركم أنه نبي، ويزعم أنه يخبركم بأمر السماء، وهو لا يدري أين ناقته، وإني والله ما أعلم إلا ما علمني الله، وقد دلني الله عليها، وهي في هذا الوادي، في شعب هذا وكذا، قد حبستها شجرة بزمامها، فانطلقوا حتى تأتوني بها)، فذهبوا فجاءوا بها. فرجع عمارة بن حزم إلى رحله، فقال: والله لعجبٌ من شيء حدثناه رسول الله ﷺ آنفًا، عن مقالة قائل أخبره الله عنه بكذا وكذا، للذي قال زيد بن اللصيت، فقال رجل ممن كان في رحل عمارة ولم يحضر رسول الله ﷺ : زيد

стр. 470

والله قال هذه المقالة قبل أن تأتي، فأقبل عمارة على زيد يجأ في عنقه (١) ويقول: إليَّ عباد الله، إن في رحلي لداهية، وما أشعر، اخرج أي عدو الله من رحلي فلا تصحبني" (٢). ١٥ - دعاؤه ﵇ بزيادة الطعام: ٧٣٧ - من حديث أبي هريرة أو أبي سعيد الخدري شك الأعمش قال: "لما كان يوم غزوة تبوك أصاب الناس مجاعة، فقالوا: يا رسول الله! لو أذنت لنا فنحرنا نواضحنا (٣) فكلنا وادهنا، فقال رسول الله ﷺ (افعلوا)، فجاء عمر ﵁ فقال: يا رسول الله! إن فعلت قبل الظهر، ولكن ادعهم بفضل أزوادهم، وادع الله لهم فيها بالبركة لعل الله أن يجعل في ذلك، فقال رسول الله ﷺ : (نعم). فدعا بنطع فبسطه، ثم دعا بفضل أزوادهم، فجعل الرجل يأتي بكف ذرة ويجيء الآخر بكف تمر، ويجيء الآخر بكسرة، حتى اجتمعوا على النطع من ذلك شيء يسير، فدعا رسول الله ﷺ بالبركة، ثم قال لهم: (خذوا في أوعيتكم)، فأخذوا في أوعيتهم حتى ما تركوا في العسكر وعاءً إلا ملأوه، فكلوا حتى شبعوا وفضلت فضالة، فقال رسول الله ﷺ : (أشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، لا يلقى الله بهما عبد غير شاك فحجب عن الجنة) (٤). ١٦ - إخباره ﵇ بالإعصار وتحذيره الصحابة من القيام: ٧٣٨ - من حديث أبي حميد الساعدي ﵁ قال: "خرجنا مع رسول

стр. 471

الله ﷺ في غزوة تبوك، فأتينا وادي القرى، على حديقة لامرأة فقال رسول الله ﷺ : (اخرصوها) (١)، فخرصناها، وخرصها رسول الله عشرة أوسق (٢)، وقال للمرأة: (أحصيها حتى نرجع إليك إن شاء الله ، فانطلقنا حتى قدمنا تبوك، فقال رسول الله ﷺ : (ستهب عليكم الليلة ريحٌ شديدة، فلا يقم فيها أحد منكم، فمن كان له بعير فليشد عقاله). فهبت ريح شديدة، فقام رجل فحملته الريح حتى ألقته بجبلي طيء، وجاء رسول الله ابن العلماء صاحب إيليا ....) (٣). ١٧ - قصة عين تبوك وازدياد الماء فيها: ٧٣٩ - من حديث معاذ بن جبل ﵁ قال أبو الطفيل عامر بن واثلة "إن معاذ بن جبل أخبره أنهم خرجوا مع رسول الله ﷺ عام تبوك، فكان رسول الله ﷺ يجمع بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء، قال: فأخر الصلاة يومًا، ثم خرج فصلى الظهر والعصر جميعًا، ثم دخل، ثم خرج فصلى المغرب والعشاء جميعًا، ثم قال: (إنكم ستأتون غدًا إن شاء الله عين تبوك، وإنكم لن تأتوها حتى يضحى النهار، فمن جاءها فلا يمس من مائها شيئًا حتى آتي). قال: فجئنا وقد سبق إليها رجلان والعين مثل الشراك تبض بشيء من ماء فسألهما رسول الله ﷺ : (هل مسستما من مائها شيئًا؟) قالا: نعم، فسبهما، وقال لهما ما شاء الله أن يقول، ثم غرفوا من العين قليلًا قليلًا، حتى اجتمع في شيء، ثم غسل رسول الله فيه وجهه، ثم أعاده فيها، فجرت العين بماء كثير، فاستقى الناس ثم قال رسول الله ﷺ : (يوشك يا معاذ إن طالت بك حياة أن ترى ما ها هنا قد مليء جنانًا) (٤).

стр. 472

٧٤٠ - من حديث حذيفة ﵁ قال: "خرج النبي ﷺ يوم غزوة تبوك، فبلغه أن في الماء قلة، فأمر مناديًا، فنادى في الناس أن لا يسبقني في الماء أحد فأتى الماء، وقد سبقه قوم فلعنهم" (١). ١٨ - قصة المتخلفين بعذر ومشاركتهم للغازي في الأجر: ٧٤١ - من حديث أنس بن مالك ﵁: "أن رسول الله ﷺ رجع من غزوة تبوك فدنا من المدينة، فقال: (إن بالمدينة أقوامًا ما سرتم مسيرًا، ولا قطعتم واديًا إلا كانوا معكم). قالوا: يا رسول الله، وهم بالمدينة؟ قال: (وهم بالمدينة، حبسمهم العذر) (٢). ١٩ - قصة أبي خيثمة ولحوقه بالجيش في تبوك: لم يتخلف أحد من المؤمنين الصادقين عن رسول الله ﷺ في غزوة تبوك من غير عذر، سوى أربعة نفر، كلهم من الأنصار، لا عن شك وارتياب، وإنما أدركهم الضعف البشري، وأثر عليهم أكثر من غيرهم، وهؤلاء هم: كعب بن مالك، وهلال بن أمية، ومرارة بن الربيع، وأبو خيثمة. أما أبو خيثمة فقد تغلب على ضعفه البشري أمام مغريات الحياة، فسارع إلى اللحاق برسول الله ﷺ ، أما الثلاثة الآخرون، فقد تخلفوا في المدينة وقعد بهم الضعف البشري يقولون كل يوم نلحق بالرسول ﷺ حتى انتهت مهمة الرسول في تبوك، وعاد إلى المدينة فعاقبهم بالمقاطعة. وستأتي قصتهم بزيادة تفصيل في مكانها إن شاء الله وكيف قبل الله توبتهم أما

стр. 473

أبو خيثمة الذي هزم النفس الأمارة بالسوء، وسحق الضعف البشري في نفسه فقد لحق بالرسول ﷺ ، وقد جاءت قصته مبسوطة عند ابن إسحاق في السيرة بدون إسناد، وذكرها أيضًا عروة بن الزبير وموسى بن عقبة قريبًا من سياق ابن إسحاق في السيرة (١)، وقد جاءت الإشارة إلى قصة أبي خيثمة في خلال حديث توبة كعب وصاحبيه الذي سيأتي ذكره لاحقًا ولكني ساجتزأ منه ما يتعلق بحال أبي خيثمة في هذا الموطن: ٧٤٢ - من حديث كعب بن مالك ﵁: " .... فبينما هو على ذلك رأى رجلًا مبيضًا يزول به السراب، فقال رسول الله ﷺ : (كن أبا خيثمة)، فهذا هو أبو خيثمة الأنصاري، وهو الذي تصدق بصاع التمر حين لمزه المنافقون" (٢). ٢٠ - قصة قباء أكيدر بن عبد الملك صاحب دومة الجندل: بعث رسول الله ﷺ أثناء إقامته في تبوك خالد بن الوليد ﵁ إلى في أكيدر بن عبد الملك صاحب دومة الجندل، فأخذه خالد بن الوليد، وكان عليه قباء من ديباج مخوص بالذهب، فاستلبه خالد منه، وبعث به إلى رسول الله- ﷺ . ٧٤٣ - من حديث أنس ﵁ قال: "إن أكيدر دومة الجندل أهدى لرسول الله ﷺ حلة من سندس، فعجب الناس منها، فقال: (والذي نفس محمد بيده، إن مناديل سعد بن معاذ في الجنة أحسن من هذا) (٣).

стр. 474

٢١ - الخمس التي أعطيها رسول الله ﷺ : ٧٤٤ - من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: (أن رسول الله ﷺ عام غزوة تبوك قام من الليل يصلي، فاجتمع وراءه رجال من أصحابه يحرسونه حتى إذا صلى، وانصرف إليهم، فقال لهم: "لقد أعطيت الليلة خمسًا ما أعطيهن أحد قبلي، أما أنا، فأرسلت إلى الناس كلهم عامة وكان من قبلي إنما برسل إلى قومه، ونصرت على العدو بالرعب، ولو كان بيني وبينهم مسيرة شهر لمليء منه رعبًا، وأحلت لي الغنائم آكلها، وكان من قبلي يعظمون أكلها كانوا يحرقونها، وجعلت لي الأرض مساجد وطهورًا أينما أدركتني الصلاة تمسحت وصليت، وكان من قبلي يعظمون ذلك، إنما كانوا يصلون في كنائسهم وبيعهم، والخامسة هي ما هي؟ قل لي: سل، فإن كل نبي قد سأل، فأخرت مسألتي إلى يوم القيامة فهي لكم، ولمن شهد أن لا إله إلا الله) (١). ٢٢ - قصة وفاة ذي البجادين ونزول الرسول ﷺ في قبره: ٧٤٥ - من حديث عبد الله بن مسعود ﵁ أنه كان يحدث قال: (قمت من جوف الليل، وأنا مع رسول الله ﷺ في غزوة تبوك، فرأيت شعلة من نار في ناحية العسكر، فاتبعتها أنظر إليها. قال: فإذا رسول الله ﷺ وأبو بكر وعمر، وإذا عبد الله ذو البجادين قد مات، وإذا هم قد حفروا له، ورسول الله ﷺ في حفرته، وأبو بكر وعمر يدليانه، وإذا هو يقول: (أدنيا إليَّ أخاكما) فدلياه إليه، فلما هيأه لشقه، قال: (اللهم إني قد أمسيت راضيًا عنه فارض عنه). قال: يقول ابن مسعود: يا ليتني كنت صاحب الحفرة) (٢). قال ابن هشام: وإنما سمي ذو البجادين لأنه كان يريد الإِسلام، فمنعه قومه، وضيقوا عليه، حتى خرج من بينهم، وليس عليه إلا بجاد، وهو الكساء الغليظ، فشقه باثنين فأتزر بواحدة وارتدى بالأخرى، ثم أتى رسول الله ﷺ فسمي ذا البجادين (٣).

стр. 475

٢٣ - إرساله ﷺ إلى قيصر الروم: ٧٤٦ - من حديث أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (من ينطلق بصحيفتي هذه إلى قيصر وله الجنة)، فقال رجل من القوم: وإن لم يقتل؟ قال: وإن لم يقتل، فانطلق الرجل به فوافق قيصر، وهو يأتي بيت المقدس قد جعل له بساط لا يمشي عليه غيره، فرمى بالكتاب على البساط وتنحى. فلما انتهى قيصر إلى الكتاب أخذه ثم دعا رأس الجاثليق (١) وأقرأه فقال: ما علمي في هذا الكتاب إلا كعلمك - فنادى قيصر: من صاحب الكتاب؟ فهو آمن، فجاء الرجل فقال: إذا قدمت فأتني فلما قدم أتاه فأمر قيصر بأبواب قصره، فغلقت ثم أمر مناديًا فنادى: ألا أن قيصر تبع محمدًا وترك النصرانية. فأقبل جنده وقد تسلحوا حتى أطافوا بقصره فقال لرسول رسول الله ﷺ : قد ترى أني خائف على مملكتي، ثم أمر مناديًا فنادى: ألا أن قيصر قد رضي عنكم، وإنما اختبركم لينظر كيف صبركم على دينكم فارجعوا، فانصرفوا. وكتب قيصر إلى رسول الله ﷺ : إني مسلم، وبعث إليه بدنانير، فقال رسول الله ﷺ حي قرأ الكتاب: (كذب عدو الله، ليس بمسلم وهو على النصرانية)، وقسم الدنانير" (٢). ٧٤٧ - قال الإِمام أحمد: حدثنا إسحاق بن عيسى قال حدثني يحيى بن سليمان عن عبد الله بن عثمان بن خثيم عن سعيد بن أبي راشد قال: "لقيت التنوخي رسول هرقل إلى رسول الله ﷺ بحمص، وكان جارًا لي شيخًا كبيرًا قد بلغ الفند أو قرب، فقلت: ألا تخبرني عن رسالة هرقل إلى النبي ﷺ ورسالة رسول الله ﷺ إلى هرقل؟ فقال: بلى، قدم رسول الله ﷺ تبوك، فبعث دحية الكلبي إلى هرقل،

стр. 476

فلما أن جاء كتاب رسول الله ﷺ دعا قسيسي الروم وبطارقتها، ثم أغلق عليه وعليهم بابًا فقال: "قد نزل هذا الرجل حيث رأيتم، وقد أرسل إلى يدعوني إلى ثلاث خصال، يدعوني إلى أن أتبعه على دينه، أو على أن أعطيه ما لنا على أرضنا والأرض أرضنا، أو نلقي إليه الحرب، والله لقد عرفتم فيما تقرءون من الكتب ليأخذن ما تحت قدمي فهلم نتبعه على دينه، أو نعطيه ما لنا على أرضنا، فنخروا نخرة (١) رجل واحد حتى خرجوا من برانسهم، وقالوا: تدعونا إلى أن ندع النصرانية أو نكون عبيدًا لأعرابي جاء من الحجاز؟ فلما ظن أنهم إن خرجوا من عنده أفسدوا عليه الروم رفأهم (٢) ولم يكد، وقال: قلت ذلك لكم لأعلم صلابتكم على أمركم. ثم دعا رجلًا من عرب تجيب كان على نصارى العرب فقال: ادع لي رجلًا حافظًا للحديث عربي اللسان أبعثه إلى هذا الرجل بجواب كتابه، فجاء بي، فدفع إليَّ هرقل كتابًا، فقال: اذهب بكتابي إلى هذا الرجل فما ضيعت من حديثه فأحفظ له منه ثلاث خصال (٣) انظر هل يذكر صحيفته التي كتب إلى بشيء، وانظر إذا قرأ كتابي، فهل يذكر الليل، وانظر في ظهره هل به شيء يريبك. فانطلقت بكتابه حتى جئت تبوك، فإذا هو جالس بين ظهراني أصحابه محتبيًا على الماء فقلت: أين صاحبكم؟ قيل: ها هو ذا، فأقبلت أمشي حتى جلست بين يديه، فناولته كتابي، فوضعه في حجره ثم قال: (فمن أنت؟) فقلت: أنا أحد تنوخ. قال: (هل لك في الإِسلام الحنيفية ملة أبيك إبراهيم؟) قلت: إني رسول قوم، وعلى دين قوم لا أرجع عنه حتى أرجع إليهم، فضحك وقال: (إنك لا تهدي من أحببت، ولكن الله يهدي من يشاء، وهو أعلم بالمهتدين، يا أخا تنوخ إني كتبت بكتاب إلى كسرى فمزقه والله ممزقه وممزق ملكه، وكتبت إلى النجاشي (٤) بصحيفة فحرقها والله ممزقه (٥) وممزق ملكه، وكتبت إلى صاحبك

стр. 477

بصحيفة فأمسكها فلن يزال الناس يجدون منه بأسًا ما دام في العيش خير). قلت: هذه إحدى الثلاثة التي أوصاني بها صاحبي وأخذت سهمًا من جعبتي فكتبتها في جلد سيفي، ثم إنه ناول الصحيفة رجلًا عن يساره قلت: من صاحب كتابكم الذي يقرأ لكم؟ قالوا: معاوية. فهذا في كتاب صاحبي تدعوني إلى جنة عرضها السموات والأرض أعدت للمتقين فأين النار؟ فقال رسول الله ﷺ : (سبحان الله أين الليل إذا جاء النهار؟) قال: فأخذت سهمًا من جعبتي، فكتبته في جلد سيفي، فلما أن فرغ من قراءة كتابي قال: (إن لك حقًّا، وإنك رسول، فلو وجدت عندنا جائزة جوَّزناك بها إنا سفر (١) مرملون). قال: فناداه رجل من طائفة الناس قال: أنا أجوزه ففتح رحله فإذا هو يأتي بحلة صفورية فوضعها في حجري قلت: من صاحب الجائزة؟ قيل لي: عثمان، ثم قال رسول الله ﷺ (أيكم ينزل هذا الرجل؟) فقال فتى من الأنصار: أنا، فقام الأنصاري وقمت معه حتى إذا خرجت من طائفة المجلس ناداني رسول الله ﷺ فقال: (تعال يا أخاتنوخ). فأقبلت أهوي إليه حتى كنت قائمًا في مجلسي الذي كنت بين يديه فحل حبوته (٢) عن ظهره وقال: (ها هنا امض لما أمرت به)، فجلت في ظهره فإذا أنا بخاتم في موضع غضون الكتف (٣) مثل المحجمة الضخمة أيلة" (٤) (٥). ٢٤ - وفود ملك أيلة على رسول الله ﷺ : قد جاء ذكر وفود ملك إيلة على رسول الله من حديث أبي حميد الساعدي ﵁ الذي سبق جزء منه وسأورده هنا كله حتى يستقيم المعنى في ذلك. ٧٤٨ - من حديث أبي حميد الساعدي ﵁ قال: خرجنا مع رسول

стр. 478

الله ﷺ عام تبوك حتى جئنا وادي القرى، فإذا امرأة في حديقة لها فقال رسول الله ﷺ لأصحابه (اخرصوا) فخرص القوم، وخرص رسول الله ﷺ عشرة أوسق، وقال رسول الله ﷺ للمرأة: (أحصي ما يخرج منها حتي أرجع إليك إن شاء الله). قال فخرج حتى قدم تبوك فقال رسول الله ﷺ : (إنها ستهب عليكم الليلة ريح شديدة فلا يقومن فيها رجل، فمن كان له بعير فليوثق عقاله). قال أبو حميد: فعقلناها، فلما كان من الليل هبت علينا ريح شديدة، فقام فيها رجل فألقته في جبل طيء. ثم جاء رسول الله ﷺ ملك أيلة فأهدى لرسول الله بغلة بيضاء، وكساه رسول الله ﷺ بردًا، وكتب له يجيرهم. ثم أقبل وأقبلنا معه، حتى جئنا وادي القرى فقال للمرأة: (كم جاءت حديقتك)، قالت: عشرة أوسق، خرص رسول الله ﷺ . فقال رسول الله ﷺ : (إني متعجل، فمن أحب منكم أن يتعجل فليفعل) قال: فخرج رسول الله ﷺ وخرجنا معه، حتى إذا أوفى على المدينة قال: (هذه طابة) فلما رأى أحدًا قال: (هذا أحد يحبنا ونحبه، ألا أخبركم بخير دور الأنصار؟) قلنا: بلى يا رسول الله قال: (خير دور الأنصار بنو النجار، ثم دار بني عبد الأشهل، ثم دار بني ساعدة، ثم في كل دور الأنصار خير) (١). ٢٥ - مدة إقامته ﷺ بتبوك: ٧٤٩ - من حديث جابر بن عبد الله ﵄ قال: (أقام رسول الله ﷺ بتبوك عشرين يومًا يقصر الصلاة) (٢).

стр. 479

٢٦ - كبد المنافقين رسول الله والمسلمين: أ - الاستهزاء بآيات الله وبرسوله وقراء المسلمين: ٧٥٠ - من حديث ابن عمر ﵄ قال: (قال رجل في غزوة تبوك في مجلس يومًا ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء، لا أرغب بطونًا، ولا أكذب ألسنة، ولا أجبن عند اللقاء. فقال رجل في المجلس: كذبت، ولكنك منافق لأخبرن رسول الله ﷺ ، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ ، ونزل القرآن. قال عبد الله: فأنا رأيته متعلقًا بحقب ناقة رسول الله ﷺ ، والحجارة تنكيه وهو يقول: يا رسول الله إنما كنا نخوض ونلعب، والنبي ﷺ يقول: (أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزؤن) (١). ٧٥١ - من حديث كعب بن مالك ﵁ قال: (قال محشي بن حمير لوددت أني أقاضي على أن يضرب كل رجل منكم مائة على أن ينجو من أن ينزل فينا قرآن، فقال رسول الله ﷺ لعمار بن ياسر: (أدرك القوم، فإنهم قد احترقوا، فسلهم عما قالوا: فإن هم أنكروا وكتموا فقل بلى: قد قلتم كذا وكذا). فأدركهم فقال لهم، فجاءوا يعتذرون، فأنزل الله ﴿لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ﴾ الآية فكان الذي عفا الله عنه محشي بن حمير، فتسمى عبد الرحمن وسأل الله أن يقتل شهيدًا، وألا يعلم بمقتله، فقتل باليمامة لا يعلم مقتله، ولا من قتله، ولا يرى له أثر ولا عين" (٢). قلت: وقد كان هذا القول من محشي بن حمير بعدما قال أولئك قولتهم في قراء القرآن، واستهزأوا بآيات الله تعالى، فتاب الله عليه، وغفر له، والله أعلم. ب - محاولة المنافقين اغتيال الرسول ﷺ : ٧٥٢ - من حديث أبي الطفيل ﵁ قال:: لما أقبل رسول الله ﷺ من غزوة تبوك أمر مناديًا فنادى: (إن رسول الله آخذ بالعقبة فلا يأخذها أحد)،

стр. 480

فبينما رسول الله ﷺ يقوده حذيفة ويسوقه عمار، إذ أقبل وهي متلثمون على الرواحل، فغشوا عمارًا، وهو يسوق برسول الله ﷺ ، وأقبل عمار يضرب وجوه الرواحل، فقال رسول الله ﷺ لحذيفة (قد قد). حتى هبط رسول الله ﷺ من الوادي، فلما هبط ورجع عمار قال: (يا عمار هل عرفت القوم؟) قال: قد عرفت عامة الرواحل، والقوم متلثمون، فقال: (هل تدري ما أرادوا؟). قال: الله ورسوله أعلم. قال: (أرادوا أن ينفروا برسول الله فيطرحوه). قال: فسأل عمار رجلًا من أصحاب النبي ﷺ فقال: نشدتك بالله كم تعلم كان أصحاب العقبة؟ قال: أربعة عشر رجلًا. فقال: إن كنت فيهم فقد كانوا خمسة عشر. قال: فعذر رسول الله ﷺ منهم ثلاثة قالوا: ما سمعنا منادي رسول الله ﷺ ، وما علمنا ما أراد القوم. فقال عمار: أشهد أن الاثني عشر الباقين حرب لله ولرسوله في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد" (١). ٧٥٣ - من حديث أبي الطفيل قال: "كان بين رجل من أهل العقبة، وبين حذيفة بعض ما يكون بين الناس فقال: أنشدك بالله كم كان أصحاب العقبة؟ قال: فقال له القوم أخبره إذ سألك، فقال كنا نخبر أنهم أربعة عشر، فإن كنت منهم، فقد كان القوم خمسة عشر، وأشهد بالله أن اثنى عشر منهم حرب لله ولرسوله في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد، وعذر ثلاثة، قالوا: ما سمعنا منادي رسول الله ﷺ ، ولا علمنا بما أراد القوم، وقد كان في حرة فمشى، فقال: (إن الماء قليل، فلا يسبقني إليه أحد)، فوجد قومًا قد سبقوه، فلعنهم يومئذ) (٢). جـ - إخبار النبي ﷺ حذيفة بأسماء المنافقين: ٧٥٤ - من حديث علقمة قال: (قدمت الشام فصليت ركعتين، ثم قلت: اللهم يسر لي جليسًا صالحًا، فأتيت قومًا فجلست إليهم، فإذا شيخ قد جاء حتى

стр. 481

جلس إلى جنبي، قلت: من هذا؟ قالوا: أبو الدرداء فقلت: إني دعوت الله أن يسر لي جليسًا صالحًا، فيسرك لي. قال: ممن أنت؟ قلت: من أهل الكوفة. قال: أوليس عندكم ابن أم عبد صاحب النعلين والوساد والمطهرة؟ أوليس فيكم الذي أجاره الله من الشيطان، يعني على لسان نبيه ﷺ ؟ أوليس فيكم صاحب سر النبي ﷺ الذي لا يعلم أحد غيره؛ ثم قال: كيف يقرأ عبد الله ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾ فقرأت عليه ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (١) وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى (٢) وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى﴾ قال: والله لقد أقرأ فيها رسول الله ﷺ من فيه إلى في" (١). ٢٧ - مقالة النبي هذه طابة - هذا أحد جبل يحبنا ونحبه: ٧٥٥ - قد سبق من حديث أبي حميد الساعدي ﵁ الإشارة إلى هذا: وأسوق هنا المقطع الخاص بهذه المقالة من حديثه ﵁ قال: " .... فقال رسول الله ﷺ (إني مسرع فمن شاء منكم فليسرع، ومن شاء فليمكث)، فخرجنا حتى أشرفنا على المدينة فقال: (هذه طابة، وهذا أحد، وهو جبل يحبنا ونحبه …) (٢). ٧٥٦ - وقد أورد البخاري ﵀ مختصرًا عن أبي حميد قال: "أقبلنا مع النبي ﷺ من غزوة تبوك، حتى إذا أشرفنا على المدينة قال: (هذه طابة، وهذا أحد جبل يحبنا ونحبه) أخرجه في كتاب المغازي باب ٨١، حدثنا يحيى بن بكير حديث رقم:٤٤٢٢. ٢٨ - استقبال النبي ﷺ عند ثنية الوداع: ٧٥٧ - من حديث السائب بن يزيد ﵁: "لما قدم النبي ﷺ المدينة من غزوة تبوك تلقاه الناس فلقيته مع الصبيان على ثنية الوداع" (٣).

стр. 482

٢٩ - حديث الثلاثة الذين خلفوا: ٧٥٨ - من حديث كعب بن مالك ﵁ قال: "لم أتخلف عن رسول الله ﷺ في غزوة غزاها قط، إلا في غزوة تبوك، غير أني قد تخلفت في غزوة بدر، ولم يعاتب أحدًا تخلف عنه، إنما خرج رسول الله ﷺ والمسلمون يريدون عير قريش، حتى جمع الله بينهم وبين عدوهم، على غير ميعاد. ولقد شهدت مع رسول الله ﷺ ليلة العقبة (١) حين تواثقنا على الإِسلام (٢). وما أحب أن لي بها مشهد بدر. وإن كانت بدر أذكر في الناس منها (٣). وكان من خبري، حين تخلفت عن رسول الله ﷺ في غزوة تبوك، أني لم أكن قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنه في تلك الغزوة، والله ما جمعت قبلها راحلتين قط، حتى جمعتهما في تلك الغزوة، فغزاها رسول الله ﷺ في حر شديد، واستقبل سفرًا بعيدًا ومفازًا (٤)، واستقبل عدوا كثيرًا، فجلا للمسلمين أمرهم (٥)، ليتأهبوا أهبة غزوهم (٦)، فأخبرهم بوجههم الذي يريد. والمسلمون مع رسول الله ﷺ كثير، ولا يجمعهم كتاب حافظ (يريد، بذلك الديوان). قال كعب: فقل رجل يريد أن يتغيب يظن أن ذلك سيخفي له، ما لم ينزل فيه وحي من الله . وغزا رسول الله ﷺ تلك الغزوة حين طابت الثمار والظلال. فأنا إليها أصعر (٧)، فتجهز رسول الله ﷺ والمسلمون معه، وطفقت أغدو لكي أتجهز معهم، فأرجع ولم أقض شيئًا، وأقول في نفسي: أنا قادر على ذلك إذا أردت.

стр. 483

فلم يزل ذلك يتمادى بي حتى استمر الناس بالجد، فأصبح رسول الله ﷺ غاديًا والمسلمون معه، ولم أقض من جهازي شيئًا ثم غدوت، فرجعت، ولم أقض شيئًا. فلم يزل ذلك يتمادى لي حتى أسرعوا، وتفارط الغزو (١). فهممت أن أرتحل فأدركهم، فيا ليتني فعلت، ثم لم يُقدَّر ذلك لي. فطفقت، إذا خرجت في الناس، بعد خروج رسول الله ﷺ ، يحزنني أني لا أرى لي أسوة، إلا رجلًا مغموصًا عليه في النفاق. أو رجلًا ممن عذر الله من الضعفاء. ولم يذكرني رسول الله ﷺ حتى بلغ تبوكًا، فقال، وهو جالس في القوم بتبوك (ما فعل كعب بن مالك؟) قال رجل من بني سلمة: يا رسول الله حبسه برداه، والنظر في عطفيه (٢). فقال له معاذ بن جبل: بئس ما قلت. والله يا رسول الله! ما علمنا عليه إلا خيرًا، فسكت رسول الله ﷺ . فبينما هو على ذلك رأى رجلًا مبيضًا (٣) يزول به السراب (٤) فقال رسول الله ﷺ : كن أبا خيثمة، فإذا هو أبو خيثمة الأنصاري، وهو الذي تصدق بصاع التمر حين لمزه (٥) المنافقون. فقال كعب بن مالك: فلما بلغني أن رسول الله ﷺ قد توجه قافلًا (٦) من تبوك، حضرني بثي (٧)، فطفقت أتذكر الكذب وأقول: بم أخرج من سخطه غدًا؟ وأستعين علي ذلك كل ذي رأي من أهلي. فلما قيل لي: أن رسول الله ﷺ قد أظل قادمًا (٨) زاح (٩) عني الباطل. حتى عرفت أني لن أنجو منه بشيء أبدًا، فأجمعت صدقه (١٠).

стр. 484

وصبح رسول الله ﷺ قادمًا، وكان إذا قدم من سفر، بدأ بالمسجد فركع فيه ركعتين، ثم جلس للناس، فلما فعل ذلك جاءه المخلفون. فطفقوا يعتذرون إليه، ويحلفون له، وكانوا بضعة وثمانين رجلًا. فقبل منهم رسول الله ﷺ علانيتهم، وبايعهم واستغفر لهم، ووكل سرائرهم إلى الله، حتى جئت. فلما سلمت، تبسم تبسم المغضب ثم قال: (تعال) فجئت أمشي حتى جلست بين يديه. فقال لي: (ما خلفك؟ ألم تكن قد ابتعت ظهرك؟) قال: قلت: يا رسول الله! إني والله! لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا، لرأيت أني سأخرج من سخطه بعذر، ولقد أعطيت جدلًا (١) ولكني، والله! لقد علمت، لئن حدثتك اليوم حديث كذب ترضى به عني، ليوشكن (٢) الله أن يسخطك عليّ، ولئن حدثتك حديث صدق تجد علي فيه (٣) إني لأرجو فيه عقبى الله (٤). والله! ما كان لي عذر، والله! ما كنت قط أقوى، ولا أيسر مني حين تخلفت عنك. قال رسول الله ﷺ : (أما هذا فقد صدق، فقم حتى يقضي الله فيك) فقمت، وثار رجال من بني سلمة فاتبعوني. فقالوا لي: والله! ما علمناك أدنبت ذنبًا قبل هذا. لقد عجزت في أن لا تكون اعتذرت إلى رسول الله ﷺ بما اعتذر به إليه المخلفون. فقد كان كافيك ذنبك، استغفار رسول الله ﷺ لك. قال فوالله! ما زالوا يؤنبونني (٥) حتى أردت أن أرجع إلى رسول الله ﷺ فأكذب نفسي. قال: ثم قلت لهم: هل لقي هذا معي من أحد؟ قالوا: نعم. لقيه معك رجلان، قالا مثل ما قلت، فقيل لهما مثل ما قيل لك. قال: قلت: من هما؟ قالوا: مرارة بن الربيع العامري، وهلال بن أمية الواقفي قال: فذكروا لي رجلين صالحين قد شهدا بدرًا، فيهما أسوة. قال: فمضيت حين ذكروهما لي. قال: فاجتنبنا الناس، وقال: تغيروا لنا حتى تنكرت لي في نفسي الأرض.

стр. 485

فما هي بالأرض التي أعرف. فلبثنا على ذلك خمسين ليلة. فأما صاحباي فاستكانا (١) وقعدا في بيوتهما يبكيان. وأما أنا فكنت أشب القوم وأجلدهم (٢). فكنت أخرج، فأشهد الصلاة، وأطوف في الأسواق، ولا يكلمني أحد. وآتي رسول الله ﷺ ، فأسلم عليه، وهو في مجلسه بعد الصلاة، فأقول في نفسي! هل حرك شفتيه برد السلام، أم لا؟ ثم أصلي قريبًا منه، وأسارقه النظر، فإذا أقبلت على صلاتي نظر إلي، وإذا التفت نحوه أعرض عني. حتى إذا طال ذلك علي من جفوة المسلمين، مشيت حتى تسورت (٣) جدار حائط أبي قتادة، وهو ابن عمي، وأحب الناس إلي. فسلمت عليه. فوالله! ما رد علي السلام، فقلت له: يا أبا قتادة أنشدك بالله (٤) هل تعلم أني أحب الله ورسوله؟ قال: فسكت. فعدت فناشدته فسكت، فعدت فناشدته. فقال: الله ورسوله أعلم. ففاضت عيناي، وتوليت، حتى تسورت الجدار. فبينما أنا أمشي في سوق المدينة، إذا نبطي من نبط أهل الشام (٥)، ممن قدم بالطعام يبيعه بالمدينة يقول: من يدل على كعب بن مالك قال: فطفق الناس يشيرون له إليّ. حتى جاءني فدفع إلي كتابًا من ملك غسان. وكنت كاتبًا، فقرأته فإذا فيه: أما بعد، فإنه قد بلغنا أن صاحبك قد جفاك، ولم يجعلك الله بدار هوان ولا مضيعة (٦)، فالحق بنا نواسك. قال: فقلت: حين قرأتها وهذه أيضًا من البلاء. فتايممت (٧) بها التنور، فسجرتها (٨) بها. حتى إذا مضت أربعون من الخمسين، واستلبث الوحي (٩)، إذا رسول رسول الله ﷺ فقال: (إن رسول الله ﷺ يأمرك أن تعتزل امرأتك)، قال:

стр. 486

فقلت: أطلقها أم ماذا أفعل؟ قال: (لا، بل اعتزلها فلا تقربنها). قال: فأرسل إلى صاحبي بمثل هذا. قال: فقلت لامرأتي: الحقي بأهلك فكوني عندهم حتى يقضي الله في هذا الأمر. قال: فجاءت امرأة هلال بن أمية رسول الله ﷺ . فقالت له: يا رسول الله! إن هلال بن أمية شيخ ضائع ليس له خادم، فهل تكره أن أخدمه؟ قال: (لا، ولكن لا يقربنك) فقالت: إنه والله! ما به حركة إلى شيء، والله ما زال يبكي منذ كان من أمره ما كان إلى يومه هذا. قال: فقال لي بعض أهلي: لو استأذنت رسول الله ﷺ في امرأتك؟ فقد أذن لامرأة هلال بن أمية أن تخدمه. قال فقلت: لا أستأذن فيها رسول الله ﷺ . وما يدريني ماذا يقول رسول الله ﷺ إذا استأذنته فيها، وأنا رجل شاب. قال فلبثت بذلك عشر ليال. فكمل لنا خمسون ليلة من حين نهي عن كلامنا. قال ثم صليت صلاة الفجر صباح خمسين ليلة على ظهر بيت من بيوتنا، فبينما أنا جالس على الحال التي ذكر الله منا، قد ضاقت عليَّ نفسي، وضاقت علي الأرض بما رحبت سمعت صوت صارخ أوفى على سلع (١) يقول بأعلى صوته: يا كعب بن مالك أبشر. قال: فخررت ساجدًا، وعرفت أن قد جاء فرج. قال: فآذن (٢) رسول الله ﷺ بتوبة الله علينا حين صلى صلاة الفجر، فذهب الناس يبشروننا فذهب قبل صاحبي مبشرون، وركض رجل إليَّ فرسًا، وسعى ساع من أسلم قبلي. وأوفى الجبل، فكان الصوت أسرع من الفرس، فلما جاءني الذي سمعت صوته يبشرني، فنزعت له ثوبي فكسوتهما إياه ببشارته، والله! ما أملك غيرهما يومئذ، واستعرت ثوبين فلبستهما، فانطلقت أتأمم (٣) رسول الله ﷺ ، يتلقاني الناس فوجًا فوجًا (٤)، يهنئوني بالتوبة ويقولون: لتهنئك توبة الله عليك. حتى دخلت المسجد، فإذا رسول الله ﷺ جالس في المسجد، وحوله الناس

стр. 487

فقام طلحة بن عبيد الله يهرول حتى صافحني وهنأني. والله! ما قام رجل من المهاجرين غيره. قال: فكان كعب لا ينساها لطلحة. قال كعب: فلما سلمت على رسول الله ﷺ قال: وهو يبرق وجهه من السرور، ويقول: (أبشر بخير يوم مر عليك منذ ولدتك أمك) قال: قلت: أمن عندك؟ يا رسول الله! أم من عند الله؟ فقال: (لا بل من عند الله) وكان رسول الله ﷺ إذا استنار وجهه، كان وجهه قطعة قمر. قال: وكنا نعرف ذلك. قال فلما جلست بين يديه قلت: يا رسول الله! إن من توبتي أن أنخلع (١) من مالي صدقة إلى الله وإلى رسوله ﷺ فقال رسول الله ﷺ : (أمسك بعض مالك، فهو خير لك) قال: فقلت: فإني أمسك سهمي الذي بخيبر. قال، وقلت: يا رسول الله! إن الله إنما أنجاني بالصدق، وإن من توبتي أن لا أحدث إلا صدقًا ما بقيت. قال فوالله! ما علمت أن أحدًا من المسلمين أبلاه (٢) الله في صدق الحديث، منذ ذكرت ذلك لرسول الله ﷺ إلى يومي هذا، أحسن مما أبلاني الله به. والله ما تعمدت كذبة منذ قلت لرسول الله ﷺ إلى يومي هذا، لأني لأرجو أن يحفظني الله فيما بقي. قال: فأنزل الله : ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١١٧) وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ﴾ (٣) حتى بلغ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ (٤). قال كعب: والله ما أنعم الله علي من نعمة قط، بعد إذ هداني للإسلام، أعظم في نفسي، من صدقي رسول الله ﷺ أن لا أكون كذبته فأهلك كما هلك الذين كذبوا، إن الله قال للذين كذبوا حين أنزل الوحي، شر ما قال لأحد،

стр. 488

وقال الله: ﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٩٥) يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ (١). قال كعب: كنا خلفنا أيها الثلاثة. عن أمر أولئك الذين قبل منهم رسول الله ﷺ حين حلفوا له، فبايعهم واستغفر لهم، وأرجأ رسول ﷺ أمرنا حتى قضى الله فيه، فبذلك قال الله : ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾، وليس الذي ذكر الله مما خلفنا، تخلفنا عن الغزو، وإنما هو تخليفه إيانا، وإرجاؤه أمرنا (٢)، عمن حلف له واعتذر إليه فقبل منه" (٣). فوائد قصة الذين خلفوا: وقد استنبط العلماء من هذا الحديث في توبة كعب بن مالك وصاحبيه، فوائد جمة ذكر كثيرًا منها ابن القيم ﵀ في زاد المعاد، وذكر ابن حجر العسقلاني في الفتح فصلًا مفيدًا كثير الفوائد. قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري: ٨/ ١٢٣ - ١٢٤، ما نصه: "وفي قصة كعب من الفوائد غير ما تقدم (يعني في أثناء شرح الحديث): جواز طلب أموال الكفار من ذوي الحرب، وجواز الغزو في الشهر الحرام، والتصريح بجهة الغزو إذا لم تقتض المصلحة ستره، وإن الإِمام إذا استنفر الجيش عمومًا لزمهم النفير ولحق اللوم بكل فرد لو تخلف. وقال السهيلي: إنما اشتد الغضب على من تخلف وإن كان الجهاد فرض كفاية

стр. 489

لكنه في حق الأنصار خاصة فرض عين، لأنهم بايعوا على ذلك ومصداق ذلك قولهم وهم يحفرون الخندق: نحن الذين بايعوا محمدًا … على الجهاد ما بقينا أبدًا فكان تخلفهم عن هذه الغزوة كبيرة، لأنها كالنكث لبيعتهم، كذا قال ابن بطال. قال السهيلي: ولا أعرف له وجهًا غير الذي قال. قلت: وقد ذكرت وجهًا غير الذي ذكره ولعله أقعد، ويؤيده قوله تعالى ﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ﴾ الآية. وعند الشافعية وجه أن الجهاد كان فرض عين في زمن النبي ﷺ ، فعلى هذا فيتوجه العتاب على من تخلف قطعًا، وفيها أن العاجز عن الخروج بنفسه أو بماله لا لوم عليه، واستخلاف من يقوم مقام الإِمام على أهله والضعفة. وفيها ترك فتل المنافقين، ويستنبط منه ترك قتل الزنديق إذا أظهر التوبة. وأجاب من أجازه بأن الترك كان في زمن النبي ﷺ لمصلحة التأليف على الإِسلام، وفيها عظم أمر المعصية، وقد نبه الحسن البصري على ذلك فيما أخرجه ابن أبي حاتم عنه قال: يا سبحان الله ما أكل هؤلاء الثلاثة مالًا حراماَ، ولا سفكوا دمًا حرامًا ولا أفسدوا في الأرض، أصابهم ما سمعتم وضاقت عليهم الأرض بما رحبت، فكيف بمن يواقع الفواحش والكبائر). وفيها أن القوي في الدين يؤاخذ بأشد مما يؤاخذ الضعيف في الدين، وجواز إخبار المرء عن تقصيره، وتفريطه، وعن سبب ذلك وما آل إليه أمره تحذيرًا ويضمه لغيره، وجواز مدح المرء بما فيه من الخير إذا أمن الفتنة، وتسلية نفسه بما لم يحصل له بما وقع لنظيره، وفضل أهل بدر والعقبة، والحلف للتأكيد من غير استحلاف، والتورية عن المقصد، ورد الغيبة. وجواز ترك وطء الزوجة مدة. وفيه أن المرء إذا لاحت له فرصة في الطاعة فحقه أن يبادر إليها، ولا يسوف بها لئلا يحرمها كما قال تعالى ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ ومثله قوله تعالى: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ ونسأل الله تعالى أن يلهمنا المبادرة إلى طاعته، وأن لا يسلبنا ما خولنا من نعمته.

стр. 490

وفيها جواز تمني ما فات من الخير، وأن الإِمام لا يهمل من تخلف عنه في بعض الأمور بل يذكره ليراجع التوبة، وجواز الطعن في الرجل بما يغلب على اجتهاد الطاعن حمية لله ورسوله، وفيها جواز الرد على الطاعن إذا غلب على ظن الراد وهم الطاعن أو غلطه. وفيها أن المستحب للقادم أن يكون على وضوء، وأن يبدأ بالمسجد قبل بيته فيصلي ثم يجلس لمن يسلم عليه، ومشروعية السلام على القادم وتلقيه، والحكم الظاهر، وقبول المعاذير واستحباب بكاء العاصي أسفًا على ما فاته من الخير، وفيها إجراء الأحكام على الظاهر، ووكول السرائر إلى الله تعالى، وفيها ترك السلام على من أذنب، وجواز هجره أكثر من ثلاث، وأما النهي عن الهجر فوق الثلاث فمحمول على من لم يكن هجرانه شرعيًّا، وأن القسم قد يكون عن غضب كما يكون عن تعجب ولا يختص بالسرور. ومعاتبة الكبير أصحابه ومن يعز عليه دون غيره، وفيها فائدة الصدق وشؤم عاقبة الكذب. وفيها العمل بمفهوم اللقب إذا حفته قرينة، لقوله ﷺ لما حدثه كعب (أما هذا فقد صدق) فإنه يشعر بأن من سواه كذب، لكن ليس على عمومه في حق كل أحد سواه؛ لأن مرارة وهلال أيضًا قد صدقا فيختص الكذب بمن حلف واعتذر لا بمن اعترف، ولهذا عاقب من صدق بالتأديب الذي ظهرت فائدته عن قرب، وأخر من كذب للعقاب الطويل، وفي الحديث الصحيح (إذا أراد الله بعبد خيرًا عجل له عقوبته في الدنيا، وإذا أراد به شرًّا أمسك عنه عقوبته فيرد القيامة بذنوبه) وقيل إنما غلظ في حق هؤلاء الثلاثة لأنهم تركوا الواجب عليهم من غير عذر، ويدل عليه قوله تعالى ﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ﴾ وقول الأنصار: نحن الذين بايعوا محمدًا … على الجهاد ما بقينا أبدًا وفيها تبريد حر المصيبة بالتأسي بالنظير، وفيها عظم مقدار الصدق في القول والفعل، وتعليق سعادة الدنيا والآخرة والنجاة من شرهما به، وأن من عوقب بالهجز يعذر عن التخلف عن صلاة الجماعة، لأن مرارة وهلالًا لم يخرجا من بيوتهما تلك المدة، وفيها سقوط السلام على المهجور عمن سلم عليه، إذ لو كان واجبًا لم يقل كعب: هل حرك شفتيه برد السلام، وفيها جواز دخول المرء

стр. 491

دار جاره أو صديقه بغير إذنه ومن غير الباب إذا علم رضاه. وفيها أن قول المرء الله ورسوله أعلم، ليس بخطاب ولا كلام ولا يحنث به من حلف أن لا يكلم الآخر إذا لم ينو به مكالمته دائمًا، وإنما قال أبو قتادة ذلك لما ألح عليه كعب، وإلا فقد تقدم أن رسول ملك غسان لما سأل عن كعب، جعل الناس يشيرون له إلى كعب، ولا يتكلمون بقولهم مثلًا هذا كعب مبالغة في هجره والإعراض عنه. وفيها أن مسارقة النظر في الصلاة لا تقدح في صحتها، وإيثار طاعة الرسول على مودة القريب، وخدمة المرأة زوجها، والاحتياط لمجانبة ما يخشى الوقوع فيه، وجواز تحريق ما فيه اسم الله للمصلحة. وفيها مشروعية سجود الشكر والاستباق إلى البشارة بالخير وإعطاء البشير أنفس ما يحضر الذي يأتيه بالبشارة وتهنئة من تجددت له نعمة، والقيام إليه إذا أقبل، واجتماع الناس عند الإِمام في الأمور المهمة، وسروره بما يسر أتباعه، ومشروعية العارية، ومصافحة القادم والقيام له، والتزام المداومة على الخير الذي ينتفع به، واستحباب الصدقة عند التوبة، وأن من نذر الصدقة بكل ما له لم يلزمه إخراجه جميعه".

стр. 492

الفصل الحادي عشر الأحداث من غزوة تبوك إلى حجة الوداع ١ - قدوم وفد ثقيف: أ - تاريخ قدومهم: قال ابن إسحاق: "قدم رسول الله ﷺ المدينة من تبوك في رمضان، وقدم عليه في ذلك الشهر وفد ثقيف" (١). وقد قال موسى بن عقبة: إن قدوم وفد ثقيف إنما كان بعد حجة أبي بكر الصديق، وتبعه على ذلك البيهقي في الدلائل (٢). ولكن الحافظ ابن كثير استبعد ذلك فقال: "وهذا بعيد، والصحيح أن ذلك كان قبل حجة أبي بكر كما ذكره ابن إسحاق والله أعلم" (٣). ب - شرطهم الذي طلبوه من رسول الله ﷺ -: ٧٥٩ - من حديث وهب قال سألت جابرًا عن شأن ثقيف إذ بايعت، قال: "اشترطت على النبي ﷺ أن لا صدقة عليها ولا جهاد، وأنه سمع النبي ﷺ بعد ذلك يقول: (سيتصدقون ويجاهدون إذا أسلموا) (٤). جـ - طلب عثمان بن أبي العاص من الرسول ﵇ أن يجعله إمام قومه: ٧٦٠ - من حديث عثمان بن أبي العاص ﵁ قال: "قلت يا رسول الله اجعلني إمام قومي فقال: (أنت إمامهم، واقتد بأضعفهم، واتخذ مؤذنًا لا يأخذ على أذانه أجرًا) (٥).

стр. 493

د - شكوى عثمان بن أبي العاص من اعتراض الشيطان له في صلاته: ٧٦١ - من حديث عثمان بن أبي العاص ﵁ قال: "قلت: يا رسول الله إن الشيطان قد حال بيني وبين صلاتي وقراءتي، قال: فقال: (ذاك شيطان يقال له: خنزب، فإذا أحسسته فتعوذ بالله منه، واتفل عن يسارك ثلاثًا)، قال: ففعلت فأذهبه الله عني" (١). ٧٦٢ - ومن حديث عثمان بن أبي العاص أيضًا قال: (لما استعملني رسول الله ﷺ على الطائف، جعل يعرض لي شيء في صلاتي، حتى ما أدري ما أصلي، فلما رأيت ذلك، ورحلت إلى رسول الله ﷺ فقال: (ابن أبي العاص؟) قلت: نعم! يا رسول الله! قال: (ما جاء بك؟) قلت: يا رسول الله! عرض لي شيء في صلواتي، حتى ما أدري ما أصلي. قال: (ذاك الشيطان. أدنه) فدنوت منه. فجلست على صدور قدمي. قال: فضرب صدري يبده، وتفل في فمي، وقال: (اخرج. عدو الله) ففعل ذلك ثلاث مرات، ثم قال: (الحق بعملك) قال: فقال عثمان: فلعمري! ما أحسبه خالطني بعد) (٢). ٢ - وفاة عبد الله بن أبي رأس المنافقين: أ - مرضه وذهاب النبي لعيادته: ٧٦٣ - من حديث أسامة بن زيد ﵁ قال: "دخلت مع رسول الله ﷺ على عبد الله بن أبي في مرضه نعوده، فقال له النبي ﷺ : (قد كنت أنهاك من حب يهود)، فقال: عبد الله: "فقد بغضهم أسعد بن زرارة فمه" (٣). وقد جاء عند أحمد (فمات) وجاء في لفظ أبي داود زيادة (فلما مات

стр. 494

أتاه ابنه فقال: يا رسول الله إن عبد الله بن أبي قد مات، فأعطني قميصك أكفنه فيه، فنزع رسول الله ﷺ قميصه فأعطاه إياه" (١). ب - سبب كسونه بقميص النبي ﷺ : ٧٦٤ - من حديث جابر بن عبد الله ﵄ قال: "لما كان العباس بن عبد المطلب بالمدينة، طلبت الأنصار ثوبًا يكسونه، فلم يجدوا قميصًا يصلح عليه، إلا قميص عبد الله بن أبي فكسوه إياه" (٢). وفي لفظ آخر "لما كان يوم بدر أتى بالعباس ولم يكن عليه ثوب، فنظر النبي ﷺ له قميصًا، فوجدوا قميص عبد الله بن أبي يقدر عليه، فكساه النبي ﷺ إياه، فلذلك نزع النبي ﷺ قميصه الذي ألبسه". قال ابن عيينة: كانت له عند النبي ﷺ يد، فأحب أن يكافئه. جـ - مجيء النبي إلى قبر عبد الله بن أبي ونفثه عليه من ريقه: ٧٦٥ - من حديث جابر بن عبد الله ﵄ قال: "أتى النبي ﷺ عبد الله بن أبي بعدما دفن، فأخرجه فنفث فيه من ريقه، وألبسه قميصه" (٣). د - صلاة النبي على عبد الله بن أبي ومحاولة عمر منعه: ٧٦٦ - من حديث ابن عمر ﵄ قال: "لما توفي عبد الله بن أبي، ابن سلول، جاء ابنه عبد الله بن عبد الله إلى رسول الله ﷺ فسأله أن يعطيه قميصه يكفن فيه أباه، فأعطاه، ثم سأله أن يصلي عليه، فقام رسول الله ﷺ ليصلي عليه. فقام عمر فأخذ بثوب رسول الله ﷺ . فقال: يا رسول الله! تصلي عليه وقد نهاك الله أن تصلي عليه؟ فقال رسول الله ﷺ : (إنما خيرني الله فقال:

стр. 495

﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً﴾، وسأزيده على سبعين) قال: إنه منافق، فصلى عليه رسول الله ﷺ ، فأنزل الله : ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ " (١) (٢). ٣ - إمارة أبي بكر ﵁ في العام التاسع على الحج: قال ابن إسحاق ﵀: "ثم أقام رسول الله ﷺ بقية شهر رمضان وشوال وذا القعدة، ثم بعث أبا بكر أميرًا على الحج من سنة تسع ليقيم للمسلمين حجهم، والناس من أهل الشرك على منازلهم من حجهم، فخرج أبو بكر ﵁ ومن معه من المسلمين" (٣). والمقصود أن رسول الله ﷺ بعث عليًّا ﵁ بعد أبي بكر الصديق ليكون معه، ويتولى علي بنفسه إبلاغ البراءة إلى المشركين نيابة عن رسول الله ﷺ لكونه ابن عمه من عصبته. أ - في أي شهر كان بعث أبي بكر: قال الحافظ في الفتح: "ذكر ابن سعد وغيره بإسناد صحيح، عن مجاهد: أن حجة أبي بكر وقعت في ذي القعدة، ووافقه عكرمة بن خالد فيما أخرجه الحاكم في الإكليل، ومن عدا هذين إما مصرح بأن حجة أبي بكر كانت في ذي الحجة -كالداودي، وبه جزم من المفسرين الرماني والثعلبي والماوردي وتبعهم جماعة- وإما ساكت. والمعتمد ما قاله مجاهد وبه جزم الأزرقي ويؤيده أن ابن إسحاق صرح أن النبي ﷺ أقام بعد أن رجع من تبوك رمضان وشوالًا وذا القعدة ثم بعث أبا بكر أميرًا على الحج، فهو ظاهر في أن بعث أبي بكر كان بعد انسلاخ ذي القعدة، فيكون حجه في ذي الحجة على هذا والله أعلم" (٤).
следующие страницы →