Полный текст (970 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.
стр. 491
قوله وقد أخلفت يقول لم تحمل. قال والسقاب يعني الحيران الذكور، قال والإناث هي الحول وقوله
يجاذب يعني بضرع ليس فيه لبن، يقال من ذلك قد تجدد الضرع وذلك إذا ذهب لبنه وذلك أقوى
للناقة وأشد لها.
وزافتْ كما زافَ القرِيعُ مُخاطِراً ... ولُفَّ القَرَى والحالِبانِ فألبَدا
قوله وزافت، يعني تبخترت الناقة في مشيتها كالمتبختر، ورفعت رأسها. قال والقريع فحل الشول
الذي يضرب في الإبل. وقوله مخاطرا يريد هذا الفحل مساميا لفحل آخر فهو يخطر بذنبه للايعاد
والغضب. وقوله ولف القرى، يعني دق وضمر والقرى الظهر، قال والحالبان عرقان يكتنفان السرة.
وقوله فألبدا، يقول صار على عجزه مثل اللبود من أثر سلحه وبوله، وذلك مما يصيبه إذا أكل الربيع
وخطرانه بذنبه.
وتُصبحُ يومَ الخمسِ وهيَ شملَّةٌ ... مرُوحاً تغَالى الصحصحانَ العمرَّدا
أقولُ لهُ يا عبد قيسٍ صبابةً ... بأيَّ ترى مُستوقدَ النَّارِ أوقدا
فقالَ أرَى ناراً يُشَبُّ وقُودُها ... بحيثُ استفاضَ الجزعُ شيحاً وغرقَدا
قوله يشب وقودها، يعني تلهبها وتحرقها. وقوله استفاض يعني اتسع وكثر كما كثر شجر هذا
الجزع. وهو حافة الوادي والنهر، كما تقول شط النهر وجزع النهر سواء بمعنى واحد. قال والغرقد
شجر تدوم خضرته الشتاء والصيف. ويروى بحيث استفاض القنع.
أُحِبُّ ثرَى نجدٍ وبالغورِ حاجةٌ ... فغارَ الهوىَ يا عبدَ قيسٍ وأنجَدا
وإني لَمِن قومٍ تكونُ خُيولُهمْ ... بثُغرٍ وتلقاهُمْ مقانبَ قُوَّدا
стр. 492
ويروى تحل بيوتهم. المقتب ما بين الخمسين إلى المائة. وقوله قودا يعني قادة. والثغر كل موضع
يخاف منه العدو.
يحُشُّون نِيرانَ الحرُوبِ بِعارِضِ ... علتهُ نُجومُ البِيضِ حتَّى توقَّدا
الحش إدخال الحطب تحت القدر، شبه إيقاد الحرب بذلك. وعارض سحاب قد أخذ الأفق شبه القوم
في الحرب به.
وكُنَّا إذا سِرْنا لحيٍّ بأرضِهمْ ... تركناهُمُ قتلَى وفلاًّ مُشرَّدا
ومُكتبلاً في القدِّ ليسَ بنازعِ ... لهُ منْ مراسِ القدِّ رِجلاً ولا يدا
قوله مكتبلا يعني مقيدا بالكبل. قال ومراس القد معالجته إياه ليفكه.
وإنِّي لتبتز الرئيس فوارِسي ... إذا كُلُّ عجعاجٍ منَ الخُورِ عرَّدا
قوله عرد يعني جبن وهاب. يقول قد عرد الرجل في الحرب، وذلك إذا جبن أن يتقدم وهاب القتال.
وقوله تبتز يعني تستلب بزته، وهو ما عليه من الحديد وغيره، ومنه قولهم: من عز بز. يقول من
غلب سلب بزة صاحبه. قال وعجعاج ضعيف يعج ويضج يصيح، ليس عنده إلا الجلبة والصياح لا
غير. قال والخور الضعاف من الرجال، ويقال إن كثرة الكلام في الحرب من الفشل والجبن.
رددْنا بِخبراءِ العُنابِ نِساءكُمْ ... وقدْ قُلنَ عِتقُ اليومِ أو رقُّنا غَدا
قال سعدان، وقال أبو عبيدة: أغار بحير بن عبد الله القشيري على رباع من بني يربوع - من بني
عمرو بن تميم بني العنبر - وأكثرهم بأقرية العناب، وهو قريب من المروت. قال فأتى الصريخ بني يربوع
стр. 493
فردوا لهم منه. أقرية مسايل تصب في الروض واحدها قرى. قال يوم العناب هو يوم
المروت، قتل فيه بحير بن عبد الله بن سلمة بن قشير، قتله قعنب بن عتاب بن الحارث بن عمرو
بن همام بن رياح. وفيه يقول جرير:
ونحن تداركنا بحيرا وقد حوى ... نهاب العنابين الخميس ليربعا
قال ومن روى ونحن تداركنا البحيرين إذ حوى، أراد بحيرا وأخاه فراسا، وقد مر حديثه فيما أمليناه
في موضعه. وقد حوى يريد وقد جمع الغنيمة.
فأصبحنَ يزجُرنَ الأيامنَ أسعُدا ... وقدْ كُنَّ لا يزجرنَ بالأمسِ أسعُدا
فَما عِبتَ مِنْ نارِ أضاءَ وقُودُها ... فِراساً وبسطامَ بن قيس مُقيَّدا
يريد فراس بن عبد الله بن سلمة بن قشير، وكان أسيرا مع بسطام ابن قيس.
وأوقدتَ بالسِّيدانَ ناراً ذليلَةً ... وعرفْتَ مِنْ سواءاتِ جعثنَ مشهدا
قال أبو عبيدة السيدان موضع، كان له فيه بئر عند كاظمة به قبائل شتى من قيس وتميم، ولها
رجوان، رجا ضأن، ورجا ابل، فكان مجر جعثن ببطن السيدان، وكان تثفيل الفرزدق نفسه ظمياء
المنقرية عند الرجا.
أضاءَ وقُودُ النَّارِ منهِا بصيرةً ... وعبرةَ أعْمَى همُّهُ قدْ تردَّدا
قوله بصيرة يعني طريقة من الدم، وقوله أعمى يعني غالب بن صعصعة أبا الفرزدق.
стр. 494
كأنَّ الَّتي يدعُونَ جعثنَ ورَّكتَ ... على فالجٍ مِنْ بُختِ كرْمان أحردَا
أصابُوا قُفيريًّا بِكُمْ ذَا قرابةٍ ... إذا اختلفتْ فيهِ الدِّلاتانِ أزبَدا
ويروى أضاءت. قفيري من ولد قفيرة. والدلاتان يعني الخصيتين.
هُمْ رَجعُوها بعدَ ما طَالت السُّرى ... عوانَا وردُّوا حُمرةَ الكيِن أسودا
الكين لحم الفرج من داخله. ولحمه من خارجه يقال له الزرنب.
وأورثَني الفرعانِ سعدٌ ومالكٌ ... سناءٌ وعِزًّا في الحياةِ مُخلَّدا
مَتى أُدع بينَ ابني مُغدَّاةَ تلقنِي ... إلى لَوْذِ عزٍّ طامِحِ الرأْسِ أصْيَدا
قال وابنا مغداة، يريد مالكا وسعدا ابني زيد مناة بن تميم، وأمهما المغداة بنت ثعلبة بن دودان بن أسد
بن خزيمة.
أَحُلُّ إذا شئتُ الأيادَ وحزنهُ ... وإنْ شِئتُ أجزاعَ العقيقِ فجلعدا
الاياد من حزن بني يربوع. والجزع منثى الوادي.
فَلو كانَ رأىٌ في عديِّ بِنْ جُندبٍ ... رأوا ظُلمنا لابنيْ سُميرةَ أنكدا
يعني عدي بن جندب بن العنبر بن عمرو بن تميم بن مر.
أيشهدُ مثغُورٌ علينا وقدْ رأى ... سُميرةَ مِنَّا في ثَناياهُ مشهَدا
قوله مثغور، يعني عبيد بن غاضرة بن سمرة بن عمرو بن قرط العنبري، قال وكان عثمان بن
عفان، ﵁، استعمل سمرة بن
стр. 495
عمرو على هوافي النعم - قال والهوافي الضوال يريد ما
ضل منها - قال فبلغ سمرة أن ناقة ضالة في إبل سحيم بن وثيل. قال فأتى الإبل وسحيم غائب
عنها، وفيها غلمة له، قال وأمه ليلى بنت شداد من بني حميري بن رياح ن فقال لها سمرة مري
غلمانك فليعرضوا علي الإبل. فأبت عليه. قال فوقع بينه وبينها كلام، فأهوى اليها كأنه يريدها
بضرب. فقالت فمي فمي، قال وكانت ثنيتاها وقعتا قبل ذلك بحين. قال فلما انصرف سحيم من غيبته
إلى أمه، خبرته الخبر، فسكن من سمرة حتى لقي عبيد بن غاضرة بن سمرة، فأخذه سحيم فدق
ثنيتيه، فاستعدى عليه عثمان بن عفان، ﵁، فانطلق به إلى المدينة وحبست إبل سحيم
حتى ضاعت ضرا وجوعا. فشكي إلى عثمان، ﵁، ذلك. فقال له أبعدك الله عدوت على
ابن عمك فكسرت ثنيتيه. قال سحيم إنه كسر ثنيتي أمي. قال عثمان أفلا استعديت عليه. ثم ان بني
العنبر قالوا يا بني يربوع دو فم صاحبتكم، وندى فم صاحبنا، ففعل القوم ذلك واصطلحوا، ففي ذلك
يقول سحين بن وثيل:
ولن أقر على خسف ومنقصة ... وقد تلفع أصداغي من القدم
قد أترك القرن محطوما نواجذه ... إذا نسائي علا أفواهها بدم
النواجذ أقصى الأضراس، ومنه قولهم قد عض على ناجذه، فلذلك سمى عبيد بن غاضرة مثغورا
لأنه كسر ثغره.
مَتَى ألقَ مثغُوراً عَلى سُوءِ ثغرهِ ... أضعْ فوقَ ما أبقَى مِنَ الثَّغْرِ مبرَدا
منعناكُمُ حتَّى ابتنيتُمْ بُيُوتكُمْ ... وأصدرَ راعيكُمْ بِفلجٍ وأوردَا
بشُعثٍ على شُعثٍ مغاوِيرَ بالضُّحى ... إذا ثَوَّبَ الدَّاعِي لروعٍ وندَّدا
стр. 496
ثوب ردد صوته مرة بعد مرة. وندد مثله.
كَرادِيسَ أوراداً بكُلِّ مُناجِدٍ ... تعوَّدَ ضربَ البيضِ فِيما تعوَّدا
ويروى أوراد. قوله كراديس، يقول هم فرق جماعة بعد جماعة. والكردوس ما بين الأربعين إلى
الخمسين من الخيل. وكل مجتمع من الخيل فهو كردوس. وإذا عظم فهو كتيبة. وقوله بك مناجد، أي
ذي نجدة، يقول بكل فارس ذي نجدة في القتال يريد له إقدام وجرأة.
إذا كفَّ عنهُ مِنْ يديْ حُطميَّةٍ ... وأبدَى ذِراعي شيظمٍ قدْ تخدَّدا
قوله حطمية يعني درعا ثقيلة. وشيظم طويل خفيف من الرجال له رواء حسن. وقوله قد تخدد قد
تفرق لحمه وذلك لاضطراب جسمه. قال وانما تخدد لطول علاجه وممارسته الحروب. حطمية
منسوبة إلى حطمة بن محارب. يقول ذهب رهلة عنه كقول العجاج: وضمرت من كان حرا فضمر.
عَلى سابحٍ نهدٍ يُشبَّهُ بالضُّحى ... إذا عادَ فيهِ الرَّكضُ سيداً عمرَّدا
السابح من الخيل الجواد السريع البعيد الشحوة، وهي فتح يديه. والنهد المشرف. والعمرد والنشيط
من كل شيء. والطويل الخفيف.
أرَى الطَّيرَ بالحجَّاجِ تجرِى أيامِناً ... لكُمْ يا أميرَ المؤمنينَ وأسعُدا
رجعتَ لبيتِ الله عهدَ نبيِّه ... وأصلحْت ما كانَ الخُبيبانِ أفسَدا
فَما مُخدرٌ وردٌ بخفَّانَ زأرهُ ... إلى القرنِ زجرَ الزاجرينَ تورَّدا
بِأمضَى مِنَ الحجَّاجِ في الحرْب مُقدماً ... إذا بعضُهُمْ هابَ الخياضَ فعرَّدا
قوله الخياض يعني المخاوضة. وعرد جبن وهاب.
стр. 497
تصدَّى صنادِيدُ العِراقِ لوجههِ ... وتُضحِي لهُ غُرُّ الدهاقينِ سُجَّدا
وللقَين والخنزيرِ منِّي بديهةٌ ... وإنْ عاودُوني كنتُ للعودِ أحمدا
قال وكان سبب هجاء جرير لمثغور، فيما حدثنا به أبو عبيدة، عن المنتجع بن نبهان العدوي: أن
لقمان الخزاعي قدم على صدقات الرباب فكانت وجوه مصاد تحضر، وفيهم عمر بن لجأ بن جرير
أحد بني مصاد فأنشده:
تاوبني ذكر لزولة كالخبل ... وما حيث تلقى بالكثيب ولا السهل
تحل وركن من ظمية دونها ... وجو قسي مما يحل به أهلي
تريدين أن أرضى وأنت بخيلة ... ومن ذا الذي يرضي الاخلاء بالبخل
حتى فرغ منها، فقال له لقمان ما زلنا نسمع بالشام أنها كلمة جرير. فقال عمر إني لأكذب شيخ في
الأرض إن ادعيت شعر جرير. قال ثم أنشده على رءوس الناس جميعا والرباب حضور. قال فأبلغ
لقمان جرير قول عمر، قال وزعم أنك سرقتها منه. فقال له جرير وأنا أحتاج أن أسرق قول عمر
وهو الذي يقول وقد وصف إبله فجعلها كالجبال، وجعل فحلها كالظرب فقال:
كالظَّرِب الأسود من ورائها ... جرَّ العجوزِ الثِّنيَ من خفائها
والله ما شهره من نمط واحد، وانه لمختلف الفنون. قال فأبلغ لقمان عمر قول جرير وما عاب عليه
من قوله. فقال عمر يعيب علي قولي: جر العجوز الثني من خفائها. وإنما أردت لينه ولم أرد أثره.
فقد قال أقبح من ذلك وهو قوله:
стр. 498
وأوثق عند المردفات عشية ... لحاقا إذا ما جرد السيف لامع
فلحقهن بعد ما نكحن وأحبلن. قال فأبلغ لقمان جريرا قوله، وما عاب عليه من شعر، فأحفظه - أي
أغضبه - حتى هجاه. قال أبو جعفر محمد بن حبيب، قال عمارة قال جرير، والله لقد عاب علي
عمر بن لجأ بيتا أحب إلي من حرزة - يعني ابنه - فقال جرير:
يا تيم تيم عدي لا أبا لكم ... لا يقذفنكم في سوءة عمر
أحين صرت سماما يا بني لجأ ... وخاطرت بي عن أحسابها مضر
خل الطريق لمن يبني المنار به ... وابرز ببرزة حيث اضطرك القدر
فأجابه عمر بن لجأ فقال:
لقد كذبت وشر القوم أكذبه ... ما خاطرت بك عن أحسابها مضر
بل أنت نزوة خوار على أمة ... من يسبق الحلبات اللؤم والخور
قال فهذا بدء ما كان جرى بينهما. قال والتحم التهاجي بينهما. قال وأما أبو اليقظان سحيم، وهو
لقب، وهو عامر بن حفص، فزعم أن جريرا قال إن هذا ليس بعيب، فبيني وبينك رجل عالم بما
اختلفنا فيه. قال فجعلا بينهما عبد الله بن غاضرة بن سمرة بن عمرو العنبري، وكان حاضرا ذلك
اليوم يسمع كلاهما. قال فسألاه أن ينظر في شعرهما فتابع ابن لجأ وعاب على جرير ما قال.
فقال جرير:
стр. 499
أيشهد مثغور علينا وقد رأى ... سميرة منا في ثناياه مشهدا
وقال عمر بن لجأ يقضي للفرزدق على جرير، ولبني دارم على بني يربوع، ويفضل الفرزدق على
جرير:
لما رأيت ابن ليلى عند غايته ... في كفه قصبات السبق والخطر
هبتَ الفرزدقَ واستعفيتني جزعا ... للموت تعمد والموت الذي تذر
إن قال يوما جرير إن لي نفرا ... من صالحي الناس فاسأله من النفر
أمعرِضٌ أم مُعبد أم بنو الخطفى ... تلك الأخابث ما طابوا ولا كثروا
وقال أيضا يفضل دارما عليهم:
أيكون دِمنُ قرارةٍ موطوءةٍ ... نبتت بخبثٍ مثلَ آل محمد
ويروى نبت كنبت آل محمد.
أيهات حلت في السماء بيوتهم ... وأقام بيتك بالحضيض الأقعد
أو سرت بالخطفى لتدرك دارما ... أيهات جار بك الطريق المهتدي
وقال عمر أيضا:
ما كان ذنبي في الفرزدق أن هجا ... فهجوته فتخير الأمثالا
стр. 500
فغدوتما وكلاكما متبرع ... ندب الموالي إذ أراد نضالا
فدعا الفرزدق حاجبا وعُطاردا ... والأقرعين وحابسا وعقالا
ودعوت قنة والمعيد وقرهدا ... والمعرضين وخيطفا وثمالا
سبق الفرزدقبالمكارم والعلا ... وابن المراغة ينعت الاطلالا
قال ومعيد، يعني جد جرير أبا أمه. والمعرضان يريد معرضا وأخاه. قال وهما من أخوال جرير من
الحارثة - قال أبو عبد الله لا أعرفه إلا من بني الحرام - والخيطفي جده وهو حذيفة بن بدر بن
سلمة. وكان معرض يحمق، قال وكان مما ذكر من حماقته، أن اخوته غزوا في الجاهلية وخلفوه عند
أهلهم، وقالوا له تكون عند نسائنا أن يسبين. قال فلما ذهب اخوته، أتى النساء وأولادهن، فأتى بهن
ركية واسعة يقال لها الجوفاء، بشبكة من شباك بني كليب فألقاهم فيها أجمعين. قال وكان فم الركية
ضيقا وأسفلها واسعا. قال ثم أخذ صفيحة واسعة فأطبقها عليهم. ثم اتبع اخوته فلما لحق بهم، قالوا له
لم تركت نساءنا أولادهن. قال قد جلجلتهن في الجوفاء جلجالة. قال فرجعوا فأخرجوهم وقد مات
بعضهم. وكاد بعضهم يموت من الجوع والغم. قال وكان من حماقته أيضا أنه كان في قطعة لقاح
لأهله. قال فجعلت تنزع إلى الرمل وما أنبتت الرمال من الضعة. وهي النصي، والصليان،
والفرنوة، والحلمة، والحماط، وهو الحماض، وما أنبت الرمل من سائر نباته، وهم بالشباك. قال وهذه
كلها مما ترعاه الإبل، وتسمن عليه. قال فلما أصبح واصطبح من لقاحه وأراد أن ينام، خشي أن
تذهب الإبل. قال فأخذ حبالا له فربط بها أولادها في أعناقها إلى خشب الطلح. قال وكان شديدا قوي
الأصل ثابتا في الأرض. ثم نام فلم يستيقظ حتى كان عشية. قال فتخنقت الفصال وموتت. قال فأتى
أهله يمشي
стр. 501
وترك الإبل تدور بأولادها. قال فكان ذلك أيضا مما شهره بالموق. قال وخطب أيضا إلى
ابن عم له غلام اختاله. قال فأبى الغلام أن يملكه إياها. قال فأتاه في غنم له يرعاها فشدخه بصخرة،
قال ثم أتى به قارة بالشباك يقال لها الجبوة، قال فجعله في إرمي في رأسها - والارمى جماعة إرم
وعي الأعلام. ومن قال إرم قال آرام ومن قال إرمي قال إرميات - قال فأطبق عليه بالحجارة، قال
فجعل الحي يتبعون الفتى ولا يدرون أين هو ولا يخافونه عليه. فبينما هو كذلك إذ رأى رجلا من
قبل تلك القارة، فقال له يا فلان لعلك رأيت الدم بين الحجرين؟ فقال أي دم؟ فقال لا شيء. فعرفوا أنه
قد قتل الفتى. وخرجوا يتبعونه من حيث جاء الرجل فوجدوه مشدوخا قتيلا. فشدت عليه أم الغلام
بالسيف وهو موثق فضربته على عنقه فنبا عنه السيف وهو بيدها. فقال بعض بني كلاب:
وما جبنت ليلى ولكن سيفها ... نبا نبوة عن معرض وهو باتر
قال فصار مثلا في العرب بالحماقة والرعونة وذكرته في أشعارها. قال وهي أم التي كان يخطب
فقتل به فقطع الله عقبه ونسله، فهذا ما كان من حديثه وحمقه. وقال عمر بن لجأ أيضا:
أترجو أن تنال بني عقال ... رجاء منك تطلبه بعيد
فانك قد قرعت صفاة قوم ... تفلل عن مناكبها الحديد
رأيتك يا فرزدق عدت لما ... أتاك الوقع وانقشع الوعيد
فأجابه الفرزدق فقال:
رأى عبدُ قيسٍ خفقةً شوَّرتْ بِها ... يَدا قابسٍ ألْوَى بِها ثُمَّ أخْمَدا
стр. 502
قوله عبد قيس، يريد عدي بن جندب بن العنبر. وقوله شورت بها، يعني رفعتها يريد النار. وقال
قابس أي مقتبس نورا، وألوى: أشار. ويروى أهوى بها حين أهمدا. قال ومعنى أهمد وأخمد واحد
وهو إطفاؤها.
أَعِدْ نظراً يا عبدَ قيسٍ فرُبَّما ... أضاءتْ لَكَ النَّارُ الحِمارِ المُقيَّدا
قال يعني حمارا من حمير بني كليب. قال وذلك أنهم أصحاب حمير يهجوهم بذلك ويؤنبه ويضع
من قدره نسبه إلى رعية الحمير.
حمارُ كُليبيين لمْ يشهِدُوا بِهِ ... رِهاناً ولمْ يُلفوْا على الخَيلِ روَّدا
أي لم يركبوا الخيل فيما يرتاد من الكلأ والنجعة.
عَسَى أنْ يُعيدَ المُوقِدُ النَّارَ فالتَمسْ ... بعينيكَ نارَ المُصطلى حيثُ أوقَدا
فما جهِدُوا يومَ النِّسارِ ولمْ تعُدْ ... نِساؤُهُمُ منهُمْ كميُّا مُوسَّدا
حِماراً بمَرُّوتِ السِّخامة قاربَتْ ... كُليبيَّةُ قينيهِ حتَّى تردَّدا
كُليبيَّةً لمْ يجعلِ اللهُ وجهَها ... كريماً ولمْ تزجُرْ لَها الطَّيرُ أسعَدَا
إذا عدلَتْ نِحيينِ فوقَ عجانها ... وحثَّت برجليْها الحِمارَ فقرْمَدا
روى عمارة، إذا عدلت نحيين منها بوطبها، قوله اذا عدلت نحيين، يقول اذا ركبت الحمار وصيرت
الزقين، وهما النحيان على الحمار وحثت يقول حركت الحمار ليسرع المشي. والقرمدة المشي القليل
المتقارب على تؤدة.
فَويلٌ لَها مِنْ مُبتغِي الزَّادِ عنِدْها ... وإنْ شاءَ أرخَتْ حولهُ الرَجلَ واليَدا
стр. 503
يقول هي بخيلة بالزاد جواد بالفاحشة. ويروى فويل بها للمبتغي الزاد. ويروى فويل لأم المبتغي
الزاد عندها. وإن شاء أرخت عنده الرجل.
فكيفَ وقَدْ فقَّأتُ عينيكَ تبتغِي ... عِناداً لِنابيْ حيةٍ قَدْ تربَّدا
مِنَ الصُّمِّ تكفِي مرَّةً مِنْ لُعابهِ ... وَمَا عاد إلاَّ كانَ في العودِ أَحمدَا
تَرَى ما يمسُّ الأرضَ مِنهُ إذا سَرَى ... صُدوعاً تفأى بِالدَّكادِكِ صُلَّدا
ويروى تفئين الدكادك عندا. ويروى تفاءى، تفأى تفلق وتشقق. وصلدا: قد يبست وصلبت.
لَئنْ عِبتَ نارَ ابنِ المراغَة إنَّها ... لألأمُ نارٍ مُصطلينَ ومَوْقِدا
إذا أَثقبُوها بالكِدادَةِ لمْ تُضئ ... رَئيساً ولا عِند المُنحنينَ مَرفَدا
ولكِنَّ ظَربى عِندَها يصطلُونَها ... يصُفُّونَ للزَّرْبِ الصَّفِيحَ المُسنَدَّا
ويروى ولكن ظرابى. قال وموضع الظرابى نصب يعني تضيء ظرابى. والزرب حظيرة للغنم
تحبس فيها. قال والجمع منه أزراب. قال والصفيح صخور رقاق عراض. والمسند المبني. يقول
سوند بعضه إلى بعض.
قنافِذُ درَّامُونَ خلفَ جِحاشهِمْ ... لِما كانَ إيَّاهمْ عطيَّةُ عوَّدا
ودارجون أي مشاؤون. قوله درامون يقول يمشون مشيا في سرعة وتقارب خطو.
إذا عسكرتْ أُمُّ الكُليبيِّ حولَهُ ... وطِيفاً لِظُنبُوبٍ النِّعامةِ أَسودا
عمدتَ إلى بدرِ السِّماءِ ودُونهُ ... نَفائفُ تثني الطَّرْفَ أَنْ يتصعَّدا
هجوتَ عُبيداً أَنْ قَضى وهُو صادِقٌ ... وقبلَكَ ما غارَ القضاءُ وأنجدا
стр. 504
يعني عبيدا الراعي. أن قضى أنس أشعر منك.
وقبلَكَ ما أَحمتْ عدِيٌّ دِيارَها ... وأَصْدَرَ راعِيهمِ بِفَلجٍ وأوردا
هُمُ منعُوا يومَ الصُّليعاء سربَهُمْ ... بطعنٍ ترى فِيهِ النَّوافِذَ عُندا
وهُمْ منعُوا منكُمْ إرابَ ظُلامةٍ ... فَلَمْ تبسُطُوا فيها لساناً ولا يَدا
ومِنْ قبْلها عُذْتُم بأسِيافِ مازنٍ ... غَداةَ كسوا شَيبانَ عضْباً مُهَنَّدا
قال أبو عثمان، قال أبو عبيدة: حدثنا عامر بن عبد الملك، قال لما بلغ الأخطل تهاجي جرير
والفرزدق، قال لابنه مالك انحدر إلى العراق حتى تسمع منها فتأتيني بخبرهما، قال فانحدر مالك
حتى لقيهما، ثم استمع منهما، ثم لقى أباه، فقال وجدت جرير يغرف من بحر، ووجدت الفرزدق
ينحت من صخر. فقال الأخطل الذي يغرف من بحر أشعرهما. قال: ثم قال الأخطل يفضل جريرا
على الفرزدق:
إني قضيت قضاء غير ذي جنف ... لما سمعت ولما جاءني الخبر
أن الفرزدق قد شالت نعامته ... وعضه حية من قومه ذكر ..
قال أبو عبيدة، ثم إن بشر بن مروان ولي الكوفة، فقدم عليه الأخطل، فبعث اليه محمد بن عمير بن
عطارد بن حاجب بن زرارة بألف درهم، وبغلة، وكسوة، وبخمر، وقال له: لا تعن على شاعرنا
واهج هذا الكلب، الذي يهجو بني دارم، فانك قد كنت قضيت له على صاحبنا، فقل له أبياتا، فاقض
لصاحبنا عليه. فقال في ذلك الأخطل:
اخسأ كليب اليك إن مجاشعا ... وأبا الفوارس نهشلا أخوان
стр. 505
وإذا وضعت أباك في ميزانهم ... رجحوا وشال أبوك في الميزان
ولقد تجاريتم إلى أحسابكم ... وبعثتم حكماً من السلطان
فإذا كليب ليس تعدل دارما ... حتى توازي حزرما بأبان
أجرير إنك والذي تسمو له ... كعسيفة فخرت بحدج حصان
وكسفيهة يعني هاهنا امرأة. حصان يريد عروسا حصنت بزوج - قال ومثله قول دختنوس بنت
لقيط:
فخر البغى بحدج رب ... تها إذا ما الناس شلوا
تاج الملوك وصهرهم في دارم ... أيام يربوع مع الرعيان
فإذا وردت الماء كان لدارم ... صفواته وسهوله الأعطان
قال أبو عبيدة فبلغ ذلك جريرا، فقال يرد حكمه، ويهجو محمد بن عمير بن عطارد، ويهجو بني
تغلب في كلمة له طويلة، والكلمة هذه القصيدة.
ولقد علمنا ما أبوك بدارم ... فالحق بأصلك من بني دهمان
ويروى ما أبوك بحاجب. قال وبنو دهمان من بني نصر بن معاوية. قال وكان رسول الله صلى الله
عليه وسلم استعمل عطارد بن حاجب على بعض ما استعمله عليه. قال وأغار عليه مالك بن عوف
النصري، صاحب يوم حنين، فسبى نساء وأخذ مالا، فرمى جرير عمير بن عطارد أبا محمد ابن
عمير أن أمه سبيت يومئذ، فحملت بعمير فجعله من بني دهمان، من بني نصر بن معاوية.
стр. 506
هلا طعنت الخيل يوم لقيتها ... طعن الفوارس من بني عقفان
عقفان بن الحارث بن ييد، وهو الحرام بن يربوع. سمي يزيد الحرام بأمه الحرام بنت العنبر بن
عمرو بن تميم.
ألقوا السلاح إليّ آل عطارد ... وتعاظموا ضرطا على الدكان
يا ذا العباية إن بشرا قد قضى ... ألا تجور حكومة النشوان
فدع الحكومة لستم من أهلها ... إن الحكومة في بني شيبان
قال أبو عبيدة، سمعت أبا العباس ينشد هذا البيت بعقب فدع الحكومة:
قتلوا كليبكم بلقحة جارهم ... يا خزر تغلب لستم بهجان
كذب الأخيطل إن قومي فيهم ... تاج الملوك وراية النعمان
فاقبض يديك فإنني في مشرف ... صعب الذرى متمتع الأركان
قال فرد عليه الفرزدق كلمته التي قال:
إن الأراقم أن ينال قديمَها ... كلبٌ عَوَى متهتِّمُ الأسنان
ما ضر تغلبَ وائلٍ أهجوتَها ... أم بُلت حيث تناطَحَ البحران
قال أبو عبيدة: فلما هجا جرير الأخطل ندم الأخطل وقال، ما أدجلني بين رجلين من بني تميم. قال
فسقط المتعرضون بين جرير والفرزدق، وتكاوح الشر بين الأخطل وجرير والفرزدق - تكاوح أي
استقبل بعضهم بعضا - قال أبو عبيدة ولما بلغ الأخطل قول جرير: فاقبض يديك فإنني في مشرف.
قال الأخطل قبض يدي رماه الله بداء.
стр. 507
وقال الأخطل يقضي عليه في كلمة له:
إن العَرارةَ والنُّبوح لدارم ... والمستخفُّ أخوهم الأثقالا
العرارة الرئاسة. والنبوح الجماعات.
المانِعوك الماء حتى يشربوا ... عفواته ويقسموه سجالا
وبنو المراغةِ حابِسوا أعيارهم ... قذف الغريبَةِ ما يذقن بِلالا
ومانعوا. ويروى وابن المراغة حابس أعياره.
فانعق بضأنك يا جرير فانما ... منَّتْكَ نفسك في الخلاء ضلالا
منتك نفسك أن تكون كدارم ... أو أن تُوازن حاجباً وعقالا
وإذا وضعت أباك في ميزانِهم ... قفزت حديدته إليكَ فشالا
وقال الأخطل أيضاً:
فاعدل لسانك عن زُرارةَ إنهم ... كلأٌ لما منعوا عليك وخيم
قال أبو عبيدة، وسئل الأخطل عنهم بالكوفة، أيهم أشعر. فقال أما جرير فأغزرنا وأنسبنا، أما
الفرزدق فقال فأفقرنا، وأما أنا فأوصف للخمر وأمدح للملوك.
стр. 508
قال أبو عبيدة فلما بلغ الأخطل قول جرير:
لاقيتَ مطلع الجراء بنابهِ ... روق شبيبته وعمرك فإني
قال الأخطل صدق إنه لشاب ولقد وليت، ولقد أديل نابغة بني جعدة مني حيث عيرته بالكبر. قال
وذلك قوله:
لقد جارى أبو ليلى بِقُحمٍ ... ومنتكث على التقريب واني
إذا ألقى الخبار كبا لفيه ... يخر على الجحافل والجِرانِ
قال أبو عبيدة حدثني أدهم العبدي، وهو ختن لابن الكلبي، وكان عالما بأيام الناس ذا سن وتجربة،
عن رجل أراه من بني سعد. قال كنت مع نوح بن جرير في أصل سدر - أو قال شجرة - فقلت
قبحك الله وقبح أباك، فانه أفنى عمره في مدح عبد ثقيف الحجاج، وأما أنت فانك مدحت قثم بن
العباس، فعجزت أن تمدحه بمآثره ومآثر آبائه، حتى مدحته بقصر بناه أو كلام يشبه هذا. فقال أما
والله لئن سؤتني في هذا الموضع لقد سؤت فيه أبي. إني قلت له يوما وأنا آكل معه، يا أبت أأنت
أشعر أم الأخطل؟ وفي فيه لقمة وفي يده أخرى، فجرض بالتي في فيه، ورمى بالتي في يده. ثم قال
يا بني لقد سررتني وسؤتني، فأما ما سررتني فيه فتعاهدك هذا وشبهه، وأما ما سؤتني فيه فذكرك
رجلا قد مات، يا بني لو أدركت الأخطل وله ناب آخر لأكلني، ولكن أعانني عليه خصلتان: كبر
سنه، وخبث دينه. وقال الأخطل:
لما جرى هو والفرزدق لم يكن ... نزقا ولا عند المَئينِ ضبورا
لاقى لآل مجاشع لما جرى ... ربذا يثير بشدة تغبيرا
стр. 509
يجري به عُدُسٌ وزيد للمدى ... وجرى بصعصعة الوئيد بشيرا
قوله الوئيد يريد الموؤدة وهو فعيل في موضع مفعول يريد قوله:
ومنا الذي منع الوائدات ... وأحيا الوئيد فلم يُوْأَدِ
وقال الأخطل:
هجوت تميما أن هجوا آل دارم ... وأمسكت من يربوعها بالمخنق
فإن يك أقوام أضاعوا فإنني ... وصلت الذي بيني وبين الفرزدق
وقال الأخطل أيضا:
بني الخطفى عُدُّوا أبا مثل دارم ... وعميه أوعدوا أبا مثل مالك
وإلا فهروا دارما إن دارما ... أناخَ بعاديٍّ عريض المبارك
وقال الأخطل أيضا:
وإذا عددتَ بيوتَ قومك لم تجد ... بيتا كبيت عطارد ولبيدِ
وإذا تعاظمت الأمور بدارمٍ ... طأطأتَ رأسك عن قبائلِ صيدِ
وإذا عددتَ قديمهم وقديمكم ... أربَوا عليك بطارف وتليدِ
وقال جرير يهجو الفرزدق والأخطل:
أَجَدَ رَواحُ القوم أَمْ لا تَرَوُّحُ ... نَعَمْ كُلُّ مَنٍْ يُعْنَى بِجُمْلٍ مُتَرَّحُ
стр. 510
ويروى أجد رواح القوم أم لا تروح. يعني لا تروح أنت. ويروى أم لا تروح.
إذا ابتسمتَ أبْدتْ غُرُوباً كأَنَّها ... عَوارِضُ مُزْنٍ تستهِلُّ وتَلمَحُ
قوله غروب، يعني تحزيزاً يكون في الأسنان وذلك لحداثتها، وهو مما يستحب للمرأة وقد ذكرته
الشعراء. وقوله كأنها عوارض مزن الواحد عارض، قال وهي السحابة تراها قد نشأت في الأفق.
وهو من قول الله ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضاً مُّسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ﴾ وقوله تستهل تتحلب بالمطر. يقول
لوقع مطرها صوت. ومنه قولهم قد استهل الصبي وذلك إذا صاح، يقول فلهذا المطر صوت أو وقع
شديد من كثرته وشدته. وقوله وتلمح يقول تلمح بالبرق شبه أسنانها لصفائها بالبرق.
لقَدْ هاجَ هَذا الشَّوْقُ عَيْناً مَرِيضَةً ... أَجالَتْ قَذىً ظلَّتْ بِهِ العيْنُ تَمرَحُ
يقال مرحت العين بالدمع، وذلك إذا أدامته بالهملان، وتتابع سيلانها وكثر.
بِمُقْلَةِ أَقْنَى ينفِضٌ الطَّلَّ باكِرٍ ... تجلَّى الدُّجَى عَنْ طَرْفِهِ حينَ يُصْبِحُ
باكر نعت للاقنى، ويروى باكراً. ويروي تجلي الدجى. وقوله أقنى وهو صقر في منقاره حدب
وارتفاع من وسطه. والدجى الظلم الواحدة دجية. ويروى حين يلمح.
وأَعطيتُ عمراً مِنْ أُمامَةَ حُكمهُ ... وللمُشْترِي مِنْهُ أُمامَةَ أرْبحُ
صَحا القلبُ عَنْ سَلْمَى وقَدْ برَّحَتْ بِهِ ... ومَا كانَ يلقَى مِنْ تَماضُر أَبْرَحُ
стр. 511
قوله برحت به يريد شقت عليه. وقوله أبرح يعني أشق. كما تقول هو شديد بل هو أشد، كأنه أراد
بل هو أصعب. وتماضر امرأة شبب بها، وسلمى امرأة جرير.
رأَيْتُ سُلَيْمى لا تُبالي الَّذي بِنا ... وَلا عَرضاً مِنْ حاجَةٍ لا تُسَرَّحُ
إذا سايَرَتْ أسْماءُ سَوْماً ظَعائِناً ... فأَسْماءُ مِنْ تلكَ الظَّعائِن أَمْلَحُ
ظَلَلْنَ حَوالَيْ خِدْرِ أَسْماءَ وانْتَحَى ... بِأَسْماءَ موَّارُ المِلاطيْنِ أَرْوَحُ
قوله انتحى يريد نحا محوها فأرادها. قال والملاطان الجنبان. والموار الذي يكثر الحركة، يريد
بعيرا كثير السير يمور في سيره لا يقر ولا يسكن. قال والأرواح الواسع ما بين القوائم.
تقُولُ سُليمى لَيسَ في الصَّرْم راحَةٌ ... بَلَى إنَّ بعض الصَّرْمِ أَشْفَى وأَرْوحُ
أُحبُّك إنَّ الحبَّ داعيَةُ الهَوَى ... وقَدْ كادَ ما بَيْنِي وبَيْنَكِ يَنْزَحُ
قال الصرم القطيعة، فقال من ذلك صرم فلان فلانا وذلك إذا قطعه ثم قال إن بعض الصرم أشفى
وأروح.
وقوله يُنزح، يقول قد كاد ما بيني وبينك يذهب، وهو من قول الرجل قد نزحت البئر يريد ذهبت
بما فيها.
أَلا تزجُرِينَ القائِلينَ لِيَ الخَنا ... كَما أَنا مَعْنِىٌّ ورَاءِك منْفَحُ
يقول ألا تنهين من يقول مالا يبغي من القول القبيح، ولا يجمل ولا يحسن أن يتكلم به. وقوله منفح،
يقول أنفح عنك مالا ينبغي من القول القبيح، وهو من قولك نفخ فلان دابة فلان إذا ضربه برجله.
стр. 512
أَلمَّا عَلَى سَلْمى فَلَمْ أَرَ مِثْلَها ... خَليلَ مُصافاةٍ يُزارُ ويُمدحُ
وقَدْ كانَ قَلبِي مِنْ هَواها وذَكْرَةٍ ... ذَكرْنا بِها سَلمى عَلى النَّأْيُ يَفْرَحُ
إذا جِئْتُها يَوماً مِنَ الدَّهْرِ زائراً ... تغيَّرَ مِغْيارٌ مِنَ القَوْمِ أكلحُ
فَلِلَّهِ عينٌ لا تزالُ لِذِكرِها ... عَلى كُلِّ حالٍ تستهِلُّ وتسفَحُ
وَما زالَ عَنِّي قائدُ الشَّوْقِ والهَوَى ... إذا جِئُتُ حَتَّى كادَ يبدُو فيفضَحُ
أَصُونُ الهَوىَ مِنْ رَهبَةَ أَنْ تغُرَّها ... عُيُونٌ وأعداءٌ مِنَ القَوْمِ كٌشَّحُ
فَما بَرِحَ الوجدُ الَّذِي قَدْ تلبَّستْ ... بِهِ النَّفسُ حتَّى كادَ للِشَّوْقِ يذْبَحُ
يقول خنقته العبرة عند الشوق، فلم يفض عبرته حتى كان يذبحه الوجد فيختنق بالعبرة. قال ذو
الرمة:
أجل عبرةً كانت لعرفانِ منزلٍ ... لميةَ لو لم تُسْهِلِ الماءَ تَذْبَحُ
لشَتَّانَ يَوْمٌ بيْنَ سِجْفٍ وكلَّةٍ ... ومرُّ المطَايا تغتَدِي وتروَّحُ
أعائِفَنا ماذا تعيفُ وَقَد مَضَتْ ... بوارِحُ قُدَّامَ المطيِّ وسُنَّحُ
نقِيسُ بقيَّاتِ النِّطافِ على الحَصَى ... وهُنَّ عَلى طيِّ الحَيازِيمِ جُنَّحُ
ويومٍ مِنَ الجوزاءُ مُستوقِد الحَصَى ... تكادُ صَياصِي العِينِ مِنْهُ تصيَّحُ
الصياصي واحدتها صيصية وهي القرن. تصيح تشقق. ويروى فيه، أي في اليوم، والعين بقر
الوحش.
شَديدِ اللَّظَى حامِي الودِيقَةِ رِيحُهُ ... أشَدُّ أذىً مِنْ شمسِهِ حينَ تَصْمحُ
الوديقة حين تدق الشمس وهو أشد حر النهار، يقال من ذلك
стр. 513
الشمس تدق ودوقا، وذلك إذا دنت من الأرض. قال الأصمعي وهو مشتق من قول العرب قد ودقت الناقة وغيرها،
إذا دنت شهوتها وقربت من أن يضر بها الفحل. والوادق المشتهية للفحل. فهو مشتق من ذلك.
بِأغبرَ وهَّاجٍ السَّمُومِ تَرى بِهِ ... دفُوفَ المهارَى والذفَّارى تنُتَحُّ
أغبر طريق. ويروى والدفاري تنتح. وفي قوله بأغبر قال الأغبر البلد الذي لا نبات فيه فقد أغبر
من الجدوبة وقلة المطر، وقوله تنتح يقول تسيل عرقا والدفوف الجنوب يريد جنوب الإبل.
نصَبْتُ لَهُ وجْهِي وعنْساً كأنَّها ... مِنْ الجهْدِ الاسآدِ قرُمٌ مُلوَّحُ
قال الأصمعي الاسآد سير الليل والنهار متصلا. قال والعنس الناقة القوية أي جهدها السير
والدؤوب، فهي كالطلح من شدة السير قال والاسآد سير الليل كله. والقرم الفحل. والملوح الكال
المعيى.
ألَمْ تعْلَمِي أَنَّ النَّدَى مِنْ خلِيقتي ... وكُلُّ أرِيبٍ تاجرٍ يتربَّحُ
يقول كل تاجر أريب يتربح أي يربح في بيعه وشراه، وكذا أنا أزداد في الندى والكرم بأربي
ومعرفتي. قال والخليقة والطبيعة والنحيزة والشيمة بمعنى واحد. وهو الأمر الذي جُبل عليه الرجل
فهو لا يقدر أن ينتقل عنه إلى غيره. قال والأريب من الرجال العاقل الداهي المنكر العارف بماله
وما عليه، يقال أنت أريب من الرجال إذا كان كذلك. ويتربح من الربح. قال والندى السخاء والفعال
الجميل.
فَلا تصْرِمِيني أَنْ تَريْ رَبَّ هجمةٍ ... يُريحُ بِذَمٍّ ما أَراحَ ويسرحُ
ويروى فلا تعذليني رب صاحب هجمة. ويروى فلا تعذليني إنه رب هجمة. ويروى فلا تصرميني
إنه رب هجمة. يقول فلا تقطعيني إذ
стр. 514
رأيت رب هجمة. قال والهجمة من الابل ما بين الخمسين إلى الثمانين.
وقوله يريح بذم ما أراح ويسرح. فهو مذموم غير محمود عند الناس في تعبه وجهده.
يَراها قَليلاً لا تَسُدُّ فُقُورَهُ ... عَلى كُلِّ بَثٍّ حاضِرٍ يتترحُ
يقول يرى إبله قليلة وإن كانت كثيرة، وذلك من بخله وضيق صدره، يقول فهي حينئذ لا تسد فقره
والجمع فقور، يقال فقر وفقور مثل ضرب وضروب. يقول فهو أبدا مغموم ذو بث أي كئيب حزين.
قال أبو عبد الله، أخبرنا أبو العباس عن ابن الأعرابي، قال يتقرح يتشكى ثم يتترح وهو من الترح،
يقال للرجل إذا دعى عليه ماله ترحه الله، أي أصابه الله بترح، أي بحزن، ومعناه يتحرق، ويقال ما
من فرحة إلا تتبعها ترحة.
رأتْ صِرْمَةً للحنظليِّ كأَنَّها ... شَظِيُّ القَنا مِنْها مُناقٍ ورُزَّحُ
يقول رأت عاذلته صرمة من إبلي، قال أبو عبيدة والصرمة من الإبل ما بين العشرين إلى الثلاثين.
وقوله للحنظلي يعني نفسه. أي تغنينا عن مكسب النقافين. والنقاف الذي يتبع الأحياء فيسأل فتوهب
له الشاة والفصيل. ثم قال كأنها شظي القنا، يريد كأنها قنا قد تكسر هزالا وضرا، فمنها ما فيه بقية
وبه شيء من نقى وهو المخ. قال أبو عبد الله، سمعت أحمد بن يحيى يقول، تشظى القوم إذا تفرقوا.
قال والرزح الساقطة من الإعياء والجهد والضر.
سيكفِيك وَالأضيافَ إنْ نَزلُوا بِنا ... إذا لَمْ يَكُنْ رَسلٌ شِواءٌ مُلَوَّحُ
ثم قال لعاذلته وان كانت إبلي على هذه الحال، فانا ننحر للأضياف إذا نزلوا بنا، فنطعمهم شواء
ملوحا قد لوحته النار فأنضجته. إذا لم يكن رسل وهو اللبن ويروى شواء مملح.
стр. 515
وجَامِعَةٌ لا يُجعلُ السِّتْرُ دُونَها ... لأَضيافِنا والفائِزُ المُتمنِّحُ
قوله وجامعة، يعني اجتماعهم على القدر. والفائز هو القدح. يقول لا يسترها من الناس أن
يحضروا، فينحر لهم ويطعمهم عند ضرب القداح، ونحر الجزر فأمرنا ظاهر مكشوف.
رَكودٌ تَسامَى بِالمحالِ كأَنَّها ... شَمُوسٌ تذُبُّ القائِدينَ وتضْرحُ
ركود يعني القدر. والمحال الفقر، كل فقرة محالة وطبقة. وشموس فرس تضرب برجليها ويروى
تبذ.
إذا ما تَرامَى الغَليُ في حَجراتِها ... تَرى الزَّورَ في أَرجائِها يتطوَّحُ
أَلَمْ ينْهِ عنِّي النَّاسُ أَنْ لستُ ظالماً ... برياًّ وأنِّي للمُتاحِينَ مِتْيَحُ
المتاحون المتعرضون. متيح عريض.
فمِنْهُمُ رمِيٌّ قَدْ أُصيبَ فُؤادُهُ ... وآخرُ لاقَى صكَّةً فمُرَنَّحُ
بَنِي مالِكٍ أَمسى الفرزدقُ جاحِراً ... سُكيتاً وبذَّتْهُ خناذِيذٌ قُرَّحُ
الخناذيذ الكرام من الفحول، الواحد خنذيذ.
لَقَدْ أَحرزَ الغاياتِ قبلَ مُجاشعٍ ... فَوارِسُ غُرٌّ وابنُ شعرةَ يكدحُ
وَما زالَ فِينا سابِقٌ قَدْ عَلِمْتُمُ ... يُقَلَّدُ قبلَ السَّابقينَ ويمدَحُ
عَلَتْكَ أَواذِيٌّ مِنَ البحرِ فاقتبِضْ ... بِكفَّيْكَ فانْظُرْ أيَّ لُجيَّهْ تقْدَحُ
لقَوْمِي أَوَفى ذِمَّةً مِنْ مُجاشِعٍ ... وخيرٌ إذا شَلَّ السَّوامَ المُصَبِّحُ
تَخِفُّ مَوازِينُ الخناثَى مُجاشِعٍ ... ويثقُلُ مِيزانِي عليْهِم فيَرْجحُ
فخرتُ بِقيسٍ وافتخرتَ بِتغلبٍ ... فسوفَ تَرى أيَّ الفَريقيْن أربحُ
стр. 516
فَأَمَّا النِّصارَى العابِدُونَ صَليبهُمْ ... فخابُوا وأمَّا المُسلُمِونَ فَّافْلحُوا
ألَمْ يأتِهمْ أَنَّ الأخيطَلِ قَدْ هَوَى ... وطُوَّحَ في مَهواةِ قَوْم تطوَّحُوا
تَداركَ مسعاةَ الأخيطِلِ لُؤَمهُ ... وظهرٌ كظَهْر القاسِطيَّة أفطحُ
قال عزاه إلى قاسط بن أفصى بن دعمي بن جديلة بن أسد بن ربيعة. وقوله أفطح يعني عريضا.
لَنا كُلَّ عامٍ جِزْيَةٌ تتَّقِى بِها ... عليكَ ومَا تلقَى مِنَ الذُّلِّ أبرحُ
ومَا زالَ ممنُوعاً لِقَيْسٍ وخِنْدفٍ ... حِمىً تتخَطَّاهُ الخَنازِيرُ أَفيحُ
ويروى لا تخطاه. ويروى لم تخطاه. ويروى لم توطأه.
إذا أخذتْ قيسٌ عليكَ وخِندفٌ ... بِأَقطارِها لَمْ ثَدْر مِنْ أَينَ تسرَحُ
قوله تسرح يعني تغدو بماشيتك إلى الرعي. قال والمسرح بالغداة، والرواح بالعشي. وهو من قوله
تعالى ﴿حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ﴾ قال والأقطار النواحي. يقول إذا أخذت قيس عليك الطرق، لك
يكن لك رواح ولا مسرح، يعني انجحرت من خوفها فلم تظهر.
لَقَدْ سُلَّ أَسيافُ الهُذيل عليكُمُ ... رِقاقَ النَّواحِي ليسَ فيهنَّ مِصْفَحُ
يعني الهذيل بن زفر بن الحارث، وهو من بني نفيل بن عمرو بن كلاب بن ربيعة بن عامر بن
صعصعة. ووقائعه ببني تغلب في الإسلام. قال أبو جعفر، مصفح يضرب بعرضه، أي هم يجاذبونكم
القتال ليس عندهم رفق بكم فيضربوكم بعروض السيوف.
стр. 517
وَخاضَتْ حُجُولُ الوردِ بالمرجِ منكُمُ ... دِماءٌ وأفواهُ الخنازِيرِ كُلَّحُ
قوله بالمرج، يعني مرج الكحيل، وهو يوم لقيس على بني تغلب. وقوله وأفواه الخنازير، يعني بني
تغلب وذلك أنهم - يعني قيسا - كانوا يقاتلون ابن مروان مع ابن الزبير.
لقيتُمْ بأْيدِي عامرٍ مَشْرفيَّةً ... تعضُّ بِهامِ الدَّار عِينِ وتجرَحُ
بمُعترِكٍ تَهْوَى لِوَقْعِ ظُباتِها ... خَذارِيفُ هامٍ أَوْ مَعاصِمُ تُطرَحُ
قوله خذاريف قطع مما يقطعها السيوف. قال والمعصم موضع السوار من السواعد. قال فهذه
السيوف. تقطع كل شيء وتقطع الأيدي أيضا.
سَمالَكُمُ الجحَّافُ بِالخَيْلِ عنوَة ... وأَنْتَ بِشَطِّ الزَّابِيين تنوَّحُ
عليْهِمْ مُفاضاةُ الحَدِيدِ كأَنَّها ... أضاً يومَ دجنٍ في أجالِيدَ ضَحْضَحُ
قال يعني الجحاف بن حكيم السلمي. وقوله مفاضاة، يعني دروعا واسعة. وقوله أضا قال والواحدة
أضاة. وجمعها أضا كما تقول حصاة وحصى. قال والضحضح من الأرض، يكون فيه ماء رقيق
يجتمع من أمطار وعيون وغير ذلك، فسمي ضحضحا. قال وجمع أضا إضاء كثيرة ممدود وهو
مكسور الأول. وقال النابغة الذبياني في ذلك تصديقا له:)
طلين بكديون وأشعرن كرة ... فهن إضاء صافيات الغلائل
стр. 518
وقوله أجاليد واحدها جلد، وهو الأرض الصلبة المستوية. يقال أجلاد وأجاليد وجلد للواحد.
وظَلَّ لَكُمْ يوْمٌ بِسنْجارَ فَاضِحٌ ... ويومٌ بأَعطانِ الرَّحُو بَيْن أفضَحُ
قوله يوم بسنجار، كان يوما لقيس على بني تغلب، وذلك في الحرب التي كانت بينهم في الإسلام.
وقوله ويوم بأعطان الرحو بين، يعني يوم البشر، وذلك حين أوقع الجحاف ببني تغلب. قال وأنشد
مؤرج للأخطل بيته في الجحاف وهو قوله:
لقد كان في يوم الرحوب وقيعة ... إلى الله منها المشتكى والمعول
قال أبو عبد الله، الذي أحفظ وقيعة. قال فكأنه يهون هذه الوقعة حتى صغرها. قال والناس يروون:
لقد أوقع الجحاف بالبشر وقعة ... إلى الله منها المشتكى والمعول
قوله صغرها أي لم يرو البيت الرواية الأخرى.
وضيَّعْتُمُ بالبِشْرِ عَوْراتِ نِسوةٍ ... تكشَّفَ عنهُنَّ العباءُ المُسَيَّحُ
قال العباء المسيح، يريد الكساء المخطط، وهي الأكسية التي فيها سواد وبياض. قال وإنما أخبر أن
لباس نسائهم الأكسية، شبههن بالإماء يهجوهن بذلك ويخبر أن ذلك اللباس لهن.
بِذَلَكِ أَحْمَيْنا البِلادَ عليكُمُ ... فماَلَكَ فِي ساحاتِها مُتَزَحْزَحُ
قوله أحمينا البلاد عليكم، يقول جعلناها حمى فلا تقربونها ولا
стр. 519
تطمعون في ناحية نحميها. ولا يقدرون أن يقربوا ما حمينا، وذلك لعزنا وقوتنا ومنعتنا.
ثم قال فمالك في ساحاتها متزحزح، أي لا تروم ما حفظناه. وقوله أحميناه أي جعلناه حمى. قال وإذا جالد عنها قيل حماها.
أَبا مالكٍ مالَتْ بِرأْسكَ نَشْوَةٌ ... وعرَّدْتَ إذْ كبشُ الكَتيبة أَمْلَحُ
قوله أبا مالك، تريد يا أبا مالك فنصب على الدعاء المضاف. قال أبو مالك هو الأخطل ويكنى أبا
مالك. وقوله وعردت يقول جبنت فلم تقدم، ومنه يقال حمل فلان فأحسن وحمل فلان فعرد، وذلك إذا
جبن فلم يقدم وكَعَّ عن الأقدام. قال والأملح من الكباش الأسود يعلوه بياض فيصير كأنه لون الرماد،
وإنما يريد بذلك أن رئيس القوم في الحديد وهكذا لونه يريد أن رئيسهم مما لا يفارقه الحديد لونه لون
الحديد، وقد تغيرت ريحه من ريح الحديد.
إذا ما رَأَيْتَ اللِّيتَ مِنْ تَغلِبيَّة ... فقُبِّحَ ذاكَ اللِّيتُ والمُتوشَّحُ
كسر اللام، الليت مجرى القرط من العنق.
تَرَى مَحجِراً مِنْها إذا ما تنقَّبَتْ ... قبيحاً ومَا تَحتَ النِّقابينِ أَقبحُ
إذا جُرِّدَتْ لاحَ الصَّلِيبُ عَلَى اسْتِها ... ومِنْ جِلْدِها زَهْمُ الخنازِيرِ ينْفحُ
ويروى ينضح، ويروى ومن عرضها، ويرزى زهم الخنانيص، ويروى ومن عرفها. قوله زهم هو
الشحم والودك، يقول فثيابهن قد تغير ريحها من الودك.
وَلَمْ تَمْسَحِ البَيْتَ العَتِيقَ أَكُفُّها ... ولَكِنْ بِقُرْبانِ الصَّليبِ تَمسَّحُ
стр. 520
ويروى وما تمسح البيت العتيق أكفهم.
يقِئْنَ صُباباتٍ مِنَ الخَمْرِ فوْقَها ... صَهِيرُ خَنازِيرِ السَّوادِ المُمَلَّحُ
ويروى تقيء. وقوله يقئن صبابات يريد صبابات الخمر. والصبابة بقية الشيء. يقول تقيء هؤلاء
النساء من النصارى ما شربن من بقيات الخمر. ويقئن من القيء. وقوله صهير أي مصهور. يقول
هو مذاب يقال قد صهرته الشمس وذلك إذا أحرقته وهو من قوله تعالى ﴿يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ﴾
أي ينضج ما في بطونهم.
زاد أبو جعفر:
فَما لَكَ فِي نجدٍ حَصاةٌ تعُدُّها ... وَلا لَكَ فِي غَورَيْ تِهامَةَ أَبْطَحُ
قال فلما سمعه الأخطل قال ما أبالي والمسيح.
فأجابه الفرزدق فقال:
تَكاثَرُ يَرْبُوعٌ عليكَ ومالِكٌ ... عَلى آلِ يربُوعٍ فمَالَكَ مسرَحُ
ويروى تكثر. قوله فما لك مسرح، يقول أنت ذليل لا تقدر على أن يكون لك مسرح تسرح فيه إبلك
فترعى، وذلك أنك تخاف أن تنتهب.
إذا اقتسَمَ النَّاسُ الفَعالَ وجدْتَنا ... لَنا مِقْدَحا مَجْدٍ وللِنَّاسِ مِقْدَحُ
стр. 521
المقدح المغرفة. وهذا مثل، أي نغرف به المجد، أي نحن أوفرهم نصيبا.
فأَغْضِ بشُفريْكِ الذَّلِيلَيْنِ واجْتَدِحْ ... شَرابَكَ ذا الغَيْلِ الَّذِي كُنْتَ تجدَحُ
قال الشفر منبت شعر العين. قال والشعر هو الهدب والهلب سواء بمعنى واحد. وقوله الذي كنت
تجدح، يريد خض شرابك فاشربه، يقال من ذلك يا غلام اجدح لنا شرابنا، وهو سويق أو غيره،
يجعل في القدح ثم يحرك بخشبة في القدح ليختلط بالماء فذلك الجدح. وقوله فأغض، يريد فغمض
واصبر على الذل والمهانة، والغيل لبن الحبلى.
ورَدَّ عليكُمْ مُردفاتٍ نِساءَكُمْ ... بِنا يَومَ ذِي بَيْضٍ صَلادِمُ قُرَّحُ
قال أبو عبيدة، أخبرنا أبو العباس الأحول، أن عمارة بن عقيل كان يرويها بيض بكسر الباء.
وكُلُّ طَويلِ السَّاعِدَينِ كأنَّهُ ... قرِيعُ هِجانٍ يخبِطُ النَّاسَ شَرْمَحُ
فَأَنزلهُنَّ الضَّرْبُ والطَّعْنُ بالقَنا ... وبَيضٌ بأيمان المُغيرةِ تجرحُ
رَددْنَ عَلى سُودِ الوُجُوه كأنَّهُمْ ... ظَرابِيُّ أَوْهُمْ في القرامِيصِ أَقْبَحُ
إذا سألوهُنَّ العِناقَ منعنهُمْ ... وفدَّيْنَ حَّيي مالِكٍ حينَ أَصْبَحُوا
يقول وجدن بني مالك آثر عندهن من رجالهن.
جَرِيرٌ وقيسٌ مِثلُ كَلبٍ وثُلَّةٍ ... يَبيتُ حواليْها يَطُوفُ وينبحُ
وما هُوَ مِنْها غيرَ أَنَّ نِباحَهُ ... لِيُولِغَ فِي البانِها حِينَ يُصْبِحُ
وَعانَقَ مِنَّا الحوفزانَ فردَّهُ ... إلى الحيِّ ذُو درءٍ عَنِ الأصلِ مُرْزِحُ
стр. 522
يعني الحوفزان بن شريك، أغار على بني يربوع بذي بيض، فسبى وأخذ المال وظفر بهم وملأ
يديه. ذو درء ذو دفع. مرزح ثابت لا يزول.
وقال الفرزدق في هجائه بني جعفر بن كلاب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة، قال وذلك أن ذا
الأهدام متوكل بن عياض بن حكم بن طفيل ابن مالك بن جعفر بن كلاب هجاه بقوله:
إن الخيانة والفواحش والخنا ... تحقق فيها نهشل ومجاشع
واللؤم عند بني فقيم شاهد ... لا لؤمهم خاف ولا هو نازع
وتقول ضبة يوم جاء نفيرها ... منا اللئيم وكان منا الراضع
قوله خاف، أي مستخف مستتر، والمختفي المظهر للشيء. وأهل الحجاز يسمون النباش المختفي
لإخراجه ثياب الموتى. فقال الفرزدق يهجو بني جعفر:
عَرفتَ بأَعْلاَ رَائِسِ الفأوِ بَعْدَما ... مَضَتْ سَنةٌ أَيامُها وشُهورُها
قال أبو عمرو، الفأو متسع الوادي، والرائس فم الوادي حين تلقاه داخلا أو تتركه خارجا. وقوله
بأعلا رائس، قال رائس الوادي أعلاه. قال والفأو مطمئن من الوادي يضيق ثم يخرج إلى سعة.
قال أحمد بن عبيد: هذه القصيدة يقال لها ذات الأكارع، وهي من جيد شعره ودمغ بها قيسا.
مَنازِلُ أَعْرتْها جُبيرةُ والتقتْ ... بِها الريح شَرْقيَّاتُها ودَبورهُا
стр. 523
ويروى حلتها جبيرة، ويروى أعرتها جبيرة تلتقي. ويروى مصرياتها ودبورها. قال قوله جبيرة هي
جبيرة بنت أبي بذال، وهو رجل من بني قطن بن نهشل، واسمه بشر بن صبيح بن أربد بن حمزة
ابن قطن بن نهشل. وقوله شرقياتها، يريد مر الصبا والجنوب، وهي التي تهب من ناحية المشرق
وتهب من الدبور. والدبور بين الشمال والجنوب.
كأَنْ لَمْ تُحوِّضْ أَهلُها الثَّورَ يجتني ... بِحافاتِها الخَطمِيَّ غضًّا نَضِيرُها
الثور مجتمع الماء والثور قطعة من الأقط العظيمة، وقوله كأن لم تحوض، يقول يجعلونه حياضا
ويروى كأن لم تخوض بالخاء والأول بالحاء. وأنشد لسلمة بن الخرشب الأنماري يصف مكانا كثير
العشب.
ومختاض تبيض الربد فيه ... تُحُومي نبته فهو العميم
قال وقوله ومختاض، هو بلد هاهنا، يقول يخاض خوضا من كثرة مائه ونباته، فهو ملتف لا يسلك
فيه إلا خوضا، كما يقال يخوض العيش خوضا.
أَناةٌ كَرِئمِ الرَّملِ نوَّامةُ الضُّحَى ... بطِيءٌ عَلَى لَوثِ النِّطاقِ بكُوُرهُا
قوله أناة، يقول هذه المرأة حكيمة رزينة لها ركانة ووقار، ليست بخفيفة ولا نزقة ولا فرفارة وشبهها
برئم الرمل، قال والرئم الذي يسكن الرمل، وهو أحسن لونا من غيره، فشبه تلك المرأة بهذه الرئم
стр. 524
وجعلها نوامة الضحى. يقول لها من يكفيها، يريد كأن الدهن جرى فوقها من صفائه وحسنه وكثرة
مائه، ولونه كلون الرمل. وقال نوامة الضحى لأنها من بنات الملوك. لوث طى لاثه لوثا ولثاه. ومن
لثاه قول العجاج: لاث به الآشاء والعبرى، يريد لائث كما قالوا هار وهائر:
إذا حَسَرتْ عَنْها الجَلابِيب وارتدتْ ... إلى الزَّوجِ ميَّالاً يكادُ يصُورُها
ويروى إذا وضعت من الفرع ميالا، يعني شعرها، يعني يعطفها شعرها من كثرته وكثافته فقال، يكاد
يعطفها إلى الشق الذي تميل إليه من كثرة شعرها، وقوله يصور يقول يكاد يجمعها ويعطفها شعرها
من كثرته، وهو من قول الله تعالى ﴿فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ﴾ كذا فسره ابن عباس ﵄.
ومُرتجَّةِ الأَرْدافِ مِنْ آلِ جَعْفَرٍ ... مُخَضَّبةِ الأطرافِ بِيضٌ نُحُورُها
قولح مرتجة الأرداف، يقول عجيزتها إذا مشت، يقول اضطربت عجيزتها فذهبت وجاءت من
ضخمها وعظمها، وهو مما تنعته الشعراء. ويحب من المرأة أن تكون ضخمة العجيزة، ومما حُكي
في الحديث، أن عظم عجيزة المرأة نصف الحسن، وبياض المرأة نصف الحسن. قال أبو عبد الله،
أخبرنا أحمد بن يحيى عن ابن الأعرابي، قال: قالت عائشة ﵂ لقوم من تيم، إنكم
تعاونوا الرقيق، فعليكم بالبياض والطول فانهما يعتفران نصف الحسن. قال ابن الأعرابي الاعتفار
أخذ الشيء على قهر.
كَأَنَّ نَقاً مِنْ عالجٍ أزرَتْ بِهِ ... بِحيثُ التقتْ أَوْراكُها وخُصُورُها
стр. 525
ويروى أردافها. يقول كأن عجيزتها نقل من الرمل في ضخمه وعظمه.
فَقَدْ خِفُتُ مِنْ تَذْرافِ عينيَّ إثرَها ... عَلَى بصرى والعينُ يعمى بصِيرُها
تفجَّرَ ماءُ العينِ كُلَّ عشِيَّةٍ ... وللِشَّوْقِ ساعاتٌ تهيجُ ذُكُورُها
وما زِلْتُ أُزجِي الطَّرفَ مِنْ حيثُ يمَّمَتْ ... مِنَ الأَرْضِ حتَّى رَدَّ عَينِي حَسِيرها
يعني حسرت. قال ومعنى حسير أي محسور، قال وهو من قوله تعالى ﴿يَنقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا
وَهُوَ حَسِيرٌ﴾ أي كال معي كالمنقطع.
فَردَّ عليَّ العينَ وهْيَ مريضَةٌ ... هذَالِيلُ بَطْنِ الرَّاحتينِ وَقُورُها
قال والهذاليل رمال مستدقة من الرمل، الواحد هذلول. ويروى أهاضيم بطن الراحتين. وقورها
واحدة القور قارة وهي جبال صغار.
تحيَّرَ ذَاوِيهَا إذَا اضَّطرَد السَّفا ... وهاجَتْ لأيَّامِ الثُّرَيَّا حَرُورُها
قال أبو عبد الله، ذاريها بالراء. والسفا شوك البهمى وهو مثل شوك السنبل. وقوله لأيام الثريا يعني
رياح الثريا.
أَتَصْرِفُ أَجْمالَ النَّوَى شاجنيَّةٌ ... أمِ الحفرُ الأعْلَى بِفَلْجٍ مصيرُها
стр. 526
يعني المرأة. وقوله شاجنية، قال وهو ماء يقال له شاجن. قال والمعنى في ذلك يقول انصرفت
فيقول، أتصرف أجمالها إذا ذهب الربيع فتريد شاجن أم تقيم، ومصيرها محضرها أي حيث تصير
إليه.
وَما مِنْهُما إلاَّ بِهِ مِنْ دِيارِها ... مَنازِلُ أَمْسَتْ ما تبِيدُ سُطُورُها
قوله ما تبيد سطورها يريد آثارها ومعالمها.
وَكائِنْ بِها مِنْ عَيْنِ باكٍ وعبَرةٍ ... إذَا امتُرِيَتْ كانتْ سَريعاً دَرُورُها
ويروى إذا استذرفت. ويروى بعبرة. يقول كل من رأى تلك الآثار التي كانت من نعيمهم
واجتماعهم، ذكر ما كانوا فيه من الخير وحزن عليهم وجزع فبكى.
تُرَى قطنٌ أَهلَ الأصارِيمِ إنَّهُ ... غَنِيٌّ إذَا ما كلَّمَتْهُ فَقِيرُها
يعني قطن بن نهشل بن دارم، يريد القبيلة وهم أهل الأصاريم. أنه غنى بكلامها إياه.
تَهادَى إلى بيتِ الصَّلاةِ كأَنَّها ... عَلى الوعثِ ذُو ساقٍ مَهِيضٍ كَسِيرُها
يقول كأنها من ثقلها كجمل مكسور الساق بعد الجبر، فهو يمشي على رمل وعث فهو أثقل له.
كَدُرَّةِ غَوَّاصٍ رَمى في مَهِيبةٍ ... بأَجرامِهِ والنَّفْسُ يخشَى ضَميرُها
في مهيبة، يعني لجة في بحر يهابها من رآها من هولها. وقوله بأجرامه قال الأجرام بدنه كله.
مُوَكَّلةً بالدُّرِّ خَرْساءَ قَدْ بَكَى ... إليْهِ مِنَ الغوَّاصِ مِنْهَا نَذيرُها
стр. 527
قال يريد يخشى ضميرها. موكلة بالدر يعني حية تحفظ الدر في البحر، أي هو في طلب الدرة وقلبه
يخاف الموكلة الخرساء في البحر. نذيرها يريد إنذارها إياه.
فقَالَ أُلاقِي الموتَ أَو أُدْرِكُ الغِنَى ... لِنَفسِيَ والآجالُ جاءَ دهُورُها
وروى أبو عمرو، ألاقي الموت أو أطلب الغنى. يقول: قال الغواص يلقاني الموت في طلب هذه
الدرة أو أدرك الغنى. ثم قال والآجال لابد من لقائها ومجيئها يصبر نفسه.
ولمَّا رأَى ما دُونَها خاطَرَتْ بِهِ ... عَلَى الموتِ نفسٌ لا ينَام فَقِيرُها
يقول النفس وإن استغنت فهي فقيرة أبدا، لا تشبه لحرصها وشرهها.
فَأَهْوَى وَناباهَا حواليْ يَتيمَة ... هيَ الموتُ أَوْ دُنيا يُنادِي بَشِيرُها
قوله وناباها يعني نابي الحية. واليتيمة الدرة، قال وإنما قالوا للدرة يتيمة يريدون ليس لها ثان.
فأَلقَتْ بِكفَّيْهِ المنيَّةُ إذْ دَنا ... بِعضَّةِ أَنْيابٍ سَرِيعُ سُؤورُها
ويروى لوت بذراعيه. وروى أبو عبيدة فلاثت بكفيه. قوله سؤورها، يعني فساورته هذه الحية إذا
دنا الغواص من تلك اللؤلؤة، فهي تسور سؤورا ومساورة. وهي المواثبة: قال ومن همز فقال
سؤورها، همز لتحرك الضمة والواو وشبهها بواوين مثل أقتت. قال
стр. 528
أبو عبد الله، قال الفراء: الواو إذا انضمت همزت وإن كان الأصل غير مهموز.
فَحرَّكَ أَعْلاَ حَبْلِهِ بِحُشاشَةٍ ... ومِنْ فوقِهِ حضراءُ طامٍ بُحورُها
قوله بحشاشة، يقول حرك حبله حين نزل به الموت، ثم قال: ومن فوقه خضراء يعني اللجة.
والطامي الماء الكثير الذي قد طغى، وذلك إذا كثر وجاء بما لا طاقة به من قول الله عز وجب ﴿إِنَّا
لَمَّا طَغَى الْمَاء﴾.
فَما جاءَ حتَّى مَجَّ والماءُ دُونَهُ ... مِنَ النَّفْسِ ألْواناً عبِيطاً نحيرُها
يقول فما جاء من قعر البحر حتى مج، أي قذف بنفسه فمات، كما يقال للرجل مج ريقه وبصق ريقه
سواء بمعنى واحد. وإنما أراد أنه مات فذهب من لسع الحية إياه.
إذا ما أرادُوا أنْ يُحِير مَدُوفةً ... أبَى مَنْ تقضَّى نفسُهُ لا يحيرُها
ويروى من ترقى نفسه، أي تصعد نفسه، أي تخرج من لهاته. يحيرها يسبغها. وقوله مدوفة يريد
ترياقة تداف. وقوله لا يحيرها يقول يردها إلى جوفه ولا يسيغها من عظم ما به من الوجع. قال ومن
أمثال العرب "أراك بشر ما أجار مشفر". يريد ما رد في الجوف. وقيل لأعرابي كيف أكلك؟ قال إني
لضعيف الأكل، غير أني أكبر القوم لقمة وأصغرهم إحارة أي سرعة ابتلاع.
فلمَّا أَرَوْها أُمَّهُ هانَ وجدُها ... رَجاءَ الغِنَى لمَّا أضاءَ مُنيرُها
يقول فلما أروها أمه، أي لما رأت أم الغواص الدرة، وأخبروها بموته هان وجدها على ابنها، لما
أملت من الغني، لما رأتها قد أضاء البيت
стр. 529
لحسنها وكثرة مائها. وقوله رجاة الغنى، قال إذا قالوا رجاة
بالهاء فهو مقصور، وإذا نزعت الهاء فهو ممدود. كذا قاله الأصمعي وأبو عبيدة جميعا، تقول أتيتك
رجاة خيرك ورجاء خيرك. عن أبي عبيدة عن يونس.
وَظَلَّتْ تغالاهَا التِّجارُ ولا تُرَى ... لهَا سيمَةٌ إلاَّ قَلِيلاً كَثِيرُها
ويروى تغاليها، ويروى ولا ترى لها سيمة، السيمة التي يستام بها.
أَلَمْ تعلمِي أنِّي إذا القِدْرُ حُجِّلَتْ ... وأُلقيَ عَنْ وجهِ الفَتاةِ ستورها
قوله حجلت، يقول سترت كما تحجل المرأة في الحجلة إذا سترت، فهو مشتق من ذلك. يقول سترت
بحجلة كما تستر العروس بحجلتها. قال وألقي عن وجه الفتاة ستورها يريد لاعتمالها وامتهانها نفسها
في الجدب. كما قال:
إذا الحسناء لم ترحض يديها ... ولم يقصر لها بصر بستر
يقول إنما طعامها البقل، وما لا تحتاج أن تغسل يديها منه، يصف شدة الجدب - وقوله البقل خطأ
لأنهم في جهد فأي بقل لهم، والبقل نفس الخصب فهذا التفسير خطأ -
ورَاحتْ تشِلُّ الشَّوْلُ والفحلُ خلفَها ... زَفيفاً إلى نِيرانِها زَمهرِيرُها
стр. 530
أي راحت زمهريرها فيه، رفع الزمهرير، يقول من شدة البرد لا ينحى خطمه عن أسته إنما يهر
حسب.
شآميَةٌ تُغشِي الخفَائِرُ نارُها ... ونَبحُ كِلابِ الحَيِّ فِيها هَرِيرها
قال أبو عبد الله، قال أبو العباس، قولهم يماني القياس فيه يمني، فلما أدخلوا الألف قالوا يمان،
وجعلوه مثل قاض ورام، وتقول في النسبة إلى الشأم شأمى وأنشد:
أو ذي هبات كقرقور البريد غدا ... طابت بمجراته الشامية السهك
إذَا الأُفُقُ الغربيُّ أمسى كأَنهُ ... سَدى أَرجُوانٍ واستقلَّتْ عُبُورُها
قوله واستقلت عبورها يريد عند المغرب، وكذلك العبور تطلع عند المغرب أشد ما يكون من البرد.
تَرَى النِّيبَ مِنْ ضَيفِي إذا ما رأينهُ ... ضُموراً على جرَّاتها ما تُحيرُها
يُحاذِرْنَ مِنْ سَيْفِي إذا ما رأينهُ ... معِي قائِماً حتَّى يكُوسَ عقيُرها
قال أبو عبد الله:
يحاذرن من سيفي إذا ما رأينه ... بوادره حتى يكوس عقيرها
الرواية الجيدة. قوله يكوس يريد يمشي على ثلاث، يقول قد عقره لينحره للضيف. يقال من ذلك
كاس البعير فهو يكوس إذا عقرته فمشى على ثلاث.
وقدْ علمتْ أنَّ القرَى لابنِ غالبٍ ... دُراها إذا لَمْ يُقرِ ضيفاً درُورُها
قوله درورها يعني من الدر وهو اللبن. يقول إذا لم يدر لبنها
следующие страницы →