Полный текст (970 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.
стр. 806
الخليط هم القوم المختلطون بالمجاورة. قال: فذهبوا.
لا يُلبثُ القُرَناء أن يتفرّقوا ... ليلٌ يَكُرُّ عليهمُ ونهارُ
أفَأمّ حَزرَةَ يا فرزدقُ عبتُمُ ... غَضِبَ المَليكُ عليكُمُ القَهّارُ
كانتْ إذا هَجرَ الحَليلُ فِراشَها ... خُزِنَ الحديثُ وعَفّتِ الأسرارُ
هجره، هاهنا، أن يغيب عنها فيهجر فراشها. فأما إذا أقربت فهي أكرم عليه من أن يهجر فراشها.
وقوله خزن الحديث، يقول: لا تحدّث أحداً بريبة. يقول: وإن هجرها حليلها، وهو زوجها، لم تُظهر
له سراً، وإن غضبت على زوجها عند هجرانه فراشها. قال: والسر هو النكاح بعينه. وهو من قوله
الله : ﴿وَلَكِن لاَّ تُوَاعِدُوهُنَّ سِرّاً﴾ يعني نكاحاً. والمعنى في ذلك يقول: ليس عندها إلا العفاف.
ليسَتْ كأمّكَ إذْ يعضُ بقُرطِها ... قَين وليسَ على القُرونِ خمِارُ
قال: زعموا أن صائغاً أتى بني ضبّة، فصاغ لامّ الفرزدق حلياً، وهي صبية في أهلها، فعلق قُرطها،
فذهب يعض القرط ليُخرجه، فعض أذنها، فصاحت، فعيره بذلك جرير ولا عار فيه.
سنُثيرُ قَينَكُمُ ولا يُوفي بِها ... قَين بِقارِعَةِ المِقَرّ مُثارُ
المقر جبل بكاظمة وفيه قبر غالب.
وُجِدَ الكَتيفُ ذَخيرَةً في قبرهِ ... والكَلبتانِ جمُعنَ والمِيشارُ
الكتيف ضبّات الحديد. وقوله والميشار، يقال من ذلك مئشار مهموز، وميشار لا همز.
يبكي صَداهُ إذا تهزّمَ مِرجَلٌ ... أو إنْ تثَلّمَ بُرمَةٌ أعشارُ
стр. 807
ويروى إذا تصدع مرجل. أو إن تهزّم برمة. وتفلّق. وقوله يبكي صداه، قال: الصدى، هاهنا، بدن
الميت. وقوله إذا تهزم يعني إذا تصدّع. وقوله مرجل يعني قدراً، هاهنا.
رَجَفَ المِقَرُ وصاحَ في شرقّيِه ... قَين عليهِ دَواخِنٌ وشَرارا
قَتَلتْ أباكَ بنو فُقيم عَنوَةً ... إذ جُرّ ليسَ على أبيكَ إزار
قال أبو عثمان: قد مر حديث هذا البيت فيما أملناه.
عَقروا رَواحِلَهُ فليسَ بقَتلِهِ ... قَتلٌ وليسَ بِعَقْرهِنً عِقار
يقول لا يُدرك به ثأر.
حَدراء أنكرتِ القُيونَ وريحَهُمْ ... والحُرّ يمنعُ ضَيمَهُ الإنكارُ
لمّا رأت صدأ الحديدِ بجِلدِهِ ... فاللونُ أورقُ والبَنانُ قِصار
قوله فاللون أورق، قال: الأورق من الإبل الذي له لون كلون الرماد، يضرب إلى السواد.
قال الفرزدقُ رقّعي أكيارَنا ... قالتْ وكيفَ تُرقّعُ الأكيارُ
رقّعْ مَتاعَكَ إنّ جَدي خالدٌ ... والقَين جَدّكَ لم تَلدكَ نِزارُ
وسَمعتُها اتصلَتْ بِذُهْل إنهم ... ظَلموا بِصِهرهِم القُيونَ وجاروا
ويروى نُبئتها اتصلت بذهل إنهم فضحوا بذكرهم القيون. وسمعتها اتصلت بذهل، أي سمعتها قالت:
يا لذهل.
دَعتِ المُصَوّرَ دَعوةً مَسموعةً ... ومعَ الدعاء تَضرعٌ وحِذارُ
قوله دعت المصور، يريد الله . يريد قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الأَرْحَامِ﴾.
стр. 808
عاذَتْ برَبّكَ أنْ يكونَ قَرينُها ... قَيناً أحَمّ لِفَسوِهِ إعصارُ
قوله أحم أي أسود. وقوله لفسوه إعصار أي غبار من شدة فُسائه.
أوصَتْ بِلائمَة لِزيقِ وابنِه ... إنّ الكَريمَ تَشينُهُ الأصهارُ
ويروى يازيق صهركم اللئيم يشينكم إن الكريم تشينه. وقوله بلائمة أراد أنها تقول: لمَ زوجتموني
مثله.
إنّ الفضيحةَ لو بُليِت بقَينِهِمْ ... ومعَ الفضيحةِ غُربةٌ وضرِارُ
ويروى لو منيت بقينهم. ويروى لو بنيت. أي لو بُني بك. ويروى وصغار. وقوله ضرار، يقول
صرت يا حدراء مع ضرائر. يقول: صرت إلى غربة إذ فارقت أهلك. وصرت إلى هذه الحال.
شُدّوا الحُبَى وبِشارُكُمْ عَرقَ الخُصَى ... بعدَ الزُبيرِ وبعدَ جِعثِنَ عارُ
يقول: لا تحتبوا، وإذا احتبى الرجل عرقت خصيتاه. يقول: فمباشرتكم عرق الخصى عار بعد
الزبير وجعثن. قال: وإنما المعنى في ذلك، يقول: ليس مثلكم يحتبي مع ما بكم من الذحل.
هَلاّ الزبيرَ مَنعْتَ يومَ تَشَمّسَتْ ... حربٌ تضرّم نارُها مِذْكارُ
ويروى تُصرّف نابها. وقوله مذكار، يقول: تلد الذكور وهو شر، وإنما ضربه مثلا في الحرب.
وقوله تشمست، يعني امتنعت كما تمتنع الشموس من الخيل، فلا تنقاد ولا تنساق.
ودعا الزُبير فما تحرّكتِ الحُبَى ... لو سُمْتَهُمْ جُحَفَ الخَزيرِ لَثاروا
قوله فما تحركت الحبى، يقول: فما حُلّت. جحف يعني أكلا شديداً. ويروى جخف بالخاء معجمة.
стр. 809
غَرُوا بِعَقدِهمِ الزبير كأنهمْ ... أثوارُ محرَثَةٍ لهُنّ خُوارُ
قوله أثوار، يعني ثيراناً تحرث عليها. وخوار صوت.
والصّمّتين أجرْتُمُ فغَدرتُمُ ... وابنُ الأصَمّ بحَبل بَيبَةَ جارُ
الصمة قتله ثعلبة بن حصبة بن أزنم وهو أسيره. وابن الأصم، أراد معيّة بن الصمة بن جداعة بن
غزية بن جشم. وقد مر حديث الصمتين في موضعه. وبيبة بن قرط بن سفيان بن مجاشع.
إنّ التي بُعِجَتْ بَفَيشَةِ مِنْقَر ... يا شَبّ ليسَ لشأنها إسرارُ
أراد شبّة بن عقال بن صعصعة بن عقال بن محمد بن سفيان. قال: وكانت جعثن امرأة شبّة.
وَفّتْ لجِعثِنَ دَينَ جِعثِنَ منْقَرٌ ... لا عِلّةٌ بهمِ ولا إعسارُ
قطعوا بِجِعثِنَ ذا الحَماطِ تقَحماً ... وإلى خَشاخِشَ جَريهُا أطوار
خشاخش رمل معروف. أطوار حال بعد حال. ويروى جرّها.
لَقيَتْ صُحارَ بَني سِنان فيهِمِ ... خَدِباً كأعصَلِ ما يكون صُحارُ
أعصل أصلب وأشد. ويروى كأعضل. أي أشد وأقوى. حدب متفلت كأنه مُستروح يُلقي نفسه
عليها. وروى عُمارة خدبا. والخدب الشديد. وقوله صحار، يريد صحار بن زيد بن علقمة بن عصام
بن سنان بن خالد بن منقر، وهو ممن اتهم بجعثن. وخدبا يعني متعظما.
طُعنَتْ بأيرِ مُقاعِسيّ مخْلِج ... فأصيبَ عرْقُ عِجانِها النّعّارُ
ويروى طُعنت بمثل جبين أير مقاعس فاقُتد عرق. مخلج
стр. 810
مجذب. وقوله النعار، هو العرق الذي لا يرقأ.
يقال من ذلك نعر العرق بالدم، وذلك إذا سال بالدم فغلبهم سيلانه.
أخْزاكَ رَهطُ ابن الأشَدّ فأصبَحَت ... أكبادُ قومِكَ ما لهنّ مَرارُ
قوله ابن الأشد، يعني سنان بن خالد بن منقر. قال: وإنما سمي الأشد لشدته، وله يقول جرير:
وبِنا عَدَلتَ بيَ خَضافِ مجُاشِعاً ... وعَدَلتَ خالَكَ بالأشَدّ سِنانِ
باتتْ تُكلّفُ ما عَلِمتَ ولم تكُنْ ... عُونٌ تُكَلّفُهُ ولا أبكارُ
باتَ الفرزدقُ عائِذاً وكأنها ... قَعوٌ تَعاوَرَهُ السُّقاةُ مُعارُ
قال: القعو بكرة من خشب كلها، فإن كان جنباها حديداً، فهو خطاف، يُستقى عليها باليد.
دُعِيَ الطبيبُ طبيبُ جِعثِنَ بعدما ... عَصَتِ العُروقُ وأدبَرَ المِسبارُ
قال: المسبار الميل الذي يقاس به الجرح، فيُنظر ما غوره وما قدره. ومنه قول العرب: سبرت فلاناً
فعرفت مذهبه. يعني اختبرته فعرفت طريقته.
شَبّهْتُ شِعرَتَها إذا ما أبركتْ ... أذُني أزَبّ يَفُرُهُ السمسارُ
قوله السمسار هو بائع الخيل. قال أبو عبد الله: بائع الحمير.
سَبّوا الحِمارَ فسوفَ أهجو نِسوَةً ... للكيرِ وَسطَ بُيوتِهنّ أوارُ
ويروى الحمير. وقوله أوار، يعني لهب النار وتضرّمها ووقودها. والأوار حرار النار ووهجها.
مِنْ كُلّ مُبْسِقَةِ العِجان كأنها ... جَفرٌ تَغَضّفَ مِنْ جُوَيّةَ هارُ
стр. 811
ويروى من حذنّة. وقوله مبسقة العجان، يعني منتفخة العجان كما يبسق ضرع الشاة، وذلك إذا
اقربت. وقوله تغضّف، يعني تهدّم. وجويّة موضع. وهار منهار. وهو من قول الله : ﴿هَارٍ
فَانْهَارَ بِهِ﴾ أي انهار فذهب سيلاناً.
لَخَواء مُزْبِدَةٌ إذا ما قَبقَبَتْ ... هَدرتْ فألْثَقَ ثَوبَها التّهدارُ
لخواء يعني هي عظيمة إحدى شقي البطن. يعيبها بذلك.
تُغلِي المُشاقَةَ تَبتغي دَسمَ أستِها ... فمِنَ المُشاقَةِ عندَها أكرارُ
تَلقَى بَنات أبي الجَلَوَبقِ نُزّعاً ... نحوَ القُيونَ وما بِهنّ نِفارُ
أبو الجلوبق لقب لمجاشع. وقوله بنات أبي الجلوبق، هو نبز نبزهم به، يعيبهم بذلك.
وتخَيرّت ليلى القُيونَ وريحَهُمْ ... ما كانَ في صدأ القُيونِ خِيارُ
حَنّتْ وحَنّ إلى جُبير نسوَةٌ ... خُورٌ يَطُفْنَ بهِ وهُنّ ظُوارُ
تُدعَى لَصَعْصَة الضّلال وأحصنتْ ... للقَين يابنَ قُفيرةَ الأطهارُ
وخَضافِ قدْ وَلَدتْ أباكَ مجاشِعاً ... وبَنيهِ قد ولَدتهمُ النّخوارُ
خضاف نبز لأم مجاشع، وهم يعيرون به في الجاهلية. ويروى وبنوه قد ولدتهم.
يا شَبّ وَيحكَ ما لَقيتَ مِنْ التي ... أخزَتْكَ ليلَةَ نُجّدَ الأستارُ
يا شَبّ وَيحكَ إنها مِنْ نِسوة ... خُورٍ لهُنّ إذا انتشَين خُوارُ
أي هن فواسد. وقوله خور، أي هن ضعاف. وقوله إذا انتشين، يقول: إذا شربن فطابت أنفسهن،
صحن وعلت أصواتهن، كما يخور الثور.
стр. 812
نَثَلَتْ عليك مِنَ الخَزيرِ كأنها ... جَفرٌ تخَرّمَ حافتيهِ جِفارُ
نثلت سلحت من أكل الخزير. أي كانت إلى جانبه جفار، فتخرم بعضها إلى بعض فاتسع.
إنّ الفرزدقَ لن يُزاولَ لُؤمَهُ ... حتى يزولَ عنِ الطريقِ صرِار
فيمَ المِراء وقدْ سبقتُ مجاشعاً ... سبقاً تقطّعُ دونَهُ الأبصارُ
يقول: سبقتهم سبقاً، وتقدّمتهم تقدّما، لا يراني من خلفي.
قَضَتِ الغَطارفُ مِنْ قُريش فأعترَفْ ... يا ابنَ القُيونِ عليكَ والأنصارُ
قوله قضت الغطارف من قريش، قال: الغطارف سادة القوم وسمحاؤهم، الذين يقومون بما ناب
قومهم من شدة ومكروه ونازلة، فهم عتاقهم. قال: والاعتراف الإقرار والرضى بما قُضي عليهم
وألزموهم. يريد فأقر بذلك من فضلنا وقديمنا وفخرنا.
هل في مائينَ وفي مائينَ سَبقتُها ... مَدّ الأعِنّةِ غايَةٌ وحِضارُ
كَذَبَ الفرزدقُ إنّ عُودَ مجاشعِ ... قَصِفٌ وإنّ صَليبهُم خَوّارُ
صليبهم خشبتهم. وقوله قصف، يعني عودهم ضعيف يتقصف من ضعفه. وقوله صليبهم، يريد
سيدهم الذي يعتمدون عليه. يقول هو خوّار ضعيف لا خير عنده، فكيف بمن سواه.
ما كانَ يخلفُ يا بَني زَيدِ أستِها ... منكُمْ مخَيلَةُ باطِلٍ وفَخارُ
وإذا بَطنتَ فأنتَ يا ابنَ مجاشِع ... عندَ الهَوانِ جُنادِفٌ نَثّارُ
الجنادف القصير من الرجال. والقصر عند العرب عيب في الرجال والنساء. وقد عابت الشعراء
القصر في شعرها في الجاهلية والإسلام. وقوله نثّار، يعني أنت كثير الكلام، يريد تنثر كلامك نثراً لا تعرف ما
стр. 813
يرجع عليك منه، مثل الثرثار من الرجال، وهو الكثير الكلام.
سَعدٌ أبَوا لكَ أنْ تَفي بجِوارِهِم ... أو أنْ يَفي لكَ بالجِوار جِوارُ
يريد بقوله سعد أبوا لك، يعني غدرهم بالزبير، حيث أجاروه ثم خذلوه، حتى قتله ابن جُرموز في
بلادهم وديارهم.
تِلكَ التي شَدّخوا بَواطِنَ كَينِها ... أضخَى مُخالِطَ بَولِها الإمغارُ
قوله الأمغار، يعني خروج الدم مع البول. شبّه حمرة الدم بحمرة المغرة. يقول: من كثرة ما نُكحت
صارت كذلك.
قد طالَ قرعُكَ قبلَ ذاكَ صَفاتَنا ... حتى صَممتَ وفُلّلَ المنقارُ
يابنَ القُيونِ وطالَ ما جَرّبتني ... والنّزعُ حيثُ أمِرّتَ الأوتارُ
ما في مُعاوَدَتي الفرزدقَ فاعلَموا ... لمُجاشع ظَفرٌ ولا استبشارُ
إنّ القصائِدَ قدْ جَدَعنَ مجاشِعاً ... بالسّمٌ يُلحَمُ نَسجُها ويُنارُ
قوله قد جدعن مجاشعاً، يقول قد قطعن الآذان والأنوف لما نزل بهم من شدة قولي، وما ذكرت من
مساويهم في شعري، فأصابهم من ذلك ما يصيب من قُطع أنفه وأذنه.
ولَقُوا عَاصي قدْ عَيَيتَ بِنَقضها ... ولقدْ نُقِضتَ فما بكَ استمرارُ
قوله عواصي، يعني هذه القصيدة صعبة، قد مرت على الناس عاصية لمن لامها، لا تقبل منه، ولا
تلتفت إليه، فضربه مثلاً لذلك.
قد كان قَومُكَ يحسبونَك شاعِراً ... حتى غَرِقْتَ وضَمّكَ التيارُ
يقول: لما سمعوا شعري ازدروا شعرك. والتيار الموج فشبه شعره بالبحر بأمواجه فغرّقه.
стр. 814
نَزعَ الفرزدقُ ما يَسرُ مجاشِعاً ... منهُ مُراهَنةٌ ولا مِشوارُ
قوله مشوار إنما يريد مختبر الخيل.
قَصرُتْ يداكَ عنِ السماء فلم يكُنْ ... في الأرضِ للشجرِ الخبيثِ قرارُ
أثنتْ نَوارُ على الفرزدقِ خَزيَةً ... صَدقَتْ وما كذَبتَ عليكَ نَوارُ
إنّ الفرزدقَ لا يزالُ مقنّعاً ... وإليهِ بالعمل الخبيثِ يُشارُ
قوله مقنعاً، يقول: يقنّع رأسه يستحيي مما يأتي من المخازي.
لا يخفَينّ عليكَ أنّ مجاشعاً ... لو يُنفَخونَ منَ الخؤورِ لَطاروا
إذ يُوسرَونَ فما يُفَكُ أسيرُهُمْ ... ويُقتّلونَ فتَسَلمُ الأوتارُ
يقول: من ضُعفهم لا يفك أسيرهم من بخلهم، ولا يطلبون وتراً فيدركونه.
ويُفايَشونَكَ والعظامُ ضَعيفةٌ ... والمُخُ ممتَخَرُ الهُنانَة رارُ
الهنانة المخ الرقيق. وقوله يفايشونك، يقول يفاخرونك بالكذب بما ليس بهم من الفخر في قديم ولا
حديث. وقوله والعظام ضعيفة، يقول: ليس لهم مآثر يعدونها عند الفخار، فأمرهم ضعيف لا يصدقون
فيما يقولون. قال: وإنما يريد أنه ليس بعظامهم مخ، فهم ضعفاء. والهنانة الشحم والرار المخ الرقيق.
وإنما يريد أنه ليس لعظامهم مخ فنسبهم، إلى الضعف. قال أبي ﵀ ممتخر منتزع.
شَهِدَ المُهَمّلُ أنّ جيشَ مجاشِع ... رَضَعوا الأيورَ على الخَزيرِ فخاروا
قوله شهد المهمّل، يريد المهمّل بن عبد الله بن قيس، أحد بني العدوية، وكان شريفاً، وله يقول الفرزدق:
стр. 815
كما تَعرِف الأضيافُ نارَ المُهَمّل
نظروا إليكَ وقد تقلّبَ هامُهُمْ ... نظرَ الضّباعِ أصابهُنّ دَوارُ
قوله وقد تقلّب هامهم، يعني تقلّبت رءوسهم ودارت.
لا تُغْلَبُنَّ على ارتضاعِ أيورِكُمْ ... أوصى بِذاكَ أبوكُمُ المِهمارُ
ويروى لا تظمئون. وقوله المهمار، يريد الكلام الذي يهمر فيكثر كلامه.
يَسرَ الدُهَيمَ بَنو عَقال بَعدما ... نَكَحوا الدُّهَيمَ فقُبّحَ الأيسارُ
يقول: قامروا على الدهيم، وهو اسم ناقة. والأيسار المقامرون.
وبكى البَعيثُ على الدهيم وقد رَغا ... لأبي البَعيث مِنَ الدُّهَيمِ حُوارُ
وإذا أرادَ مجاشعيّ سَوءة ... نكحَ الدُّهَيمَ وفي استِهِ استيخارُ
قُرنَ الفرزدقُ والبَعيثُ وأمُهُ ... وأبو الفرزدقِ قُبّحَ الإستارُ
إنّ البَعيثَ عِجانُ سَوء قادَهُ ... وسطَ الحَجيج لَيُنحَرَ البَقّارُ
أضحى يُرَمّزُ حاجبيه كأنهُ ... ذِبخٌ لهُ بقَصيمتينِ وجارُ
الذيخ الضبعان، وهو الذكر من الضباع. ووجار جُحر.
أمٌ البَعيثِ كأنّ حمرَةَ بَظْرِها ... رِئةُ المُغِدّ يَبينُها الجَزّارُ
المغد البعير الذي قد أصابته غدة ورئته أشد حمرة من غيرها، وذلك للداء الذي قد أصابه من الغدة.
قال: والعرب إذا دعت على الرجل
стр. 816
قالت: أصابه الله بغدة كغدة البعير. فرئة المغد أشد حمرة من قبل الداء.
وتقولُ إذْ رضِيَتْ وأرضَتْ سَبعَةً ... لا يغْضَبَنّ عليكُمُ البَيْزارُ
البيزار اسم عبد كان لبني جرول تتهم به نساؤهم.
إنْ تَكْفِ أمّكَ يا بَعيثُ فرُبما ... صَدَرتْ ومَرّنَ بَظْرَها الإصْدارُ
يعني رعت فتصدر على قعود. ويروى بطنها.
إذ كانَ يُلعِبُها وأنتَ حَزَوّرُ ... عِلجا ضَبارَةَ بغثَرٌ وشُقارُ
قال: الحزور الغلام الذي قد اشتد وصلُب واستوت قوّته. قال الأصمعي: والحزور في هذا الموضع،
أشد ما يكون من الرجال. وقوله يُلعبها، يحملها على اللعب معه.
قد طالَ رِعيتُها العَواشي بعدما ... سقطَ الجليدُ وهَبّتِ الأصرارُ
أي ترعى العواشي تخرج بالليل للريب. قال: والعواشي الإبل التي تطيل العشاء. والأصرار
واحدها صر، وهي من الرياح الباردة.
ذَهبَ القَعودُ بلَحمِ مَقعَدَةِ استِها ... وكأنّ سائرَ لحمِها الأفهارُ
القعود بكر يركبه الرعاة يقضون عليه حوائجهم.
ليستْ لِقَومي بالكَتيفِ تجارَةُ ... لكنّ قومي بالطّعانِ تجِارُ
الكتيف الضبات من الحديد الواحدة كتيفة، يعيّرهم بذلك أنهم حدّادون.
يحمِى فوارسيَ الذينَ لخَيلِهمْ ... بالثغر قد علمَ العدوُ مُغارُ
стр. 817
الثغر الموضع الذي يُخاف منه العدو، وما يخافون من ناحيته.
تَدمى شَكائِمُها وخيلُ مجاشع ... لم يَندَ مِنْ عَرَقٍ لهُنّ عِذارُ
الشكائم حدائد اللجم الواحدة شكيمة.
إنّا وقَينكُمُ يُرَقّعُ كيرَهُ ... سرِنا لنَغْتَصِبَ المُلوكَ وساروا
أي سرنا إلى الملوك وساروا إلينا.
عَضّتْ سَلاسِلُنا على ابنَي مُنذِر ... حتى أقرّ بحُكمِنا الجَبارُ
قوله على ابني منذر، يعني حين أسرتهما بنو يربوع يوم طخفة. قال: وقد مر حديث طخفة فيما
أمليناه من الكتاب.
وابنَي هُجَيمَةَ قد تركنا عَنوةً ... لابنَي هُجَيمَةَ في الرّماحِ خُوارُ
قال: ابنا هجيمة، قيس والهرماس من غسان، قتلهما عتيبة بن الحارث، وذلك يوم كنهل.
ورئيسُ مملكة وطِئنَ جَبينَهُ ... يغشى حواجِبَهُ دمٌ وغُبارُ
نحمي مخاطرَةً على أحسابِنا ... كَرُمَ الحُماةُ وعَزّتِ الأخطارُ
وإذا النساءُ خرَجنَ غير تبرّز ... غِرنا وعندَ خُروجِهِنّ نَغارُ
ومجاشِعٌ فَضحوا فوارسَ مالِكِ ... فرَبا الخَزيرُ وضُيَّعَ الأدبارُ
أغمامَ لو شَهدَ الوَقيطَ فوارسي ... ما قَيدَ يُعتَلُ عَثجَلٌ وضِرارُ
قوله عثجل، هو عثجل بن المأموم بن شيبان بن علقمة بن زرارة بن عدس. وضرار بن القعقاع بن
معبد بن زرارة. وقد مر حديثهما فيما أمليناه من الكتاب، في يوم الوقيط.
يا بنَ القُيونِ وكيفَ تطلُبُ مجدَنا ... وعليكَ مِنْ سِمَةِ القُيونِ نِجارُ
стр. 818
قوله نجار، يعني عليك سمة يُعرفون بها.
فأجابه الفرزدق فقال:
أعَرَفتَ بين رُوَيّتينِ وحنْبَل ... دِمَناً تَلوحُ كأنها الأسطارُ
رويّتين وحنبل موضعان معروفان. والدمن ما دمّن، إذا نزلوا من الرماد والبعر، وما سوّدوا في
مقامهم من طبيخ وغيره. وقوله تلوح، يقول ترى ذلك بيناً. والأسطار الأثر الخفي، قد درسته الأمطار
وطول الزمن. وقال: هي رويّة واحدة فثنّاها. وأنشد:
هل تَذكُرونَ غَداةَ تُطرَدُ سَبيكُمْ ... بالصمد بَين رُوَيّة وطِحالِ
لَعِبَ العَجاجُ بكُلّ معرفَة لها ... ومُلثّةُ غَبَياتُها مِدرارُ
ويروى لعب الرياح. وقوله لعب العجاج يريد اختراق الرياح. والملثة يريد دوام مطرها أياماً. يقال
قد ألثّ المطر، وذلك إذا دام أياماً لا يُقلع. والغبية المطر الشديد ساعة ثم يقلع.
فعَفتْ مَعالِمها وغيّر رَسمَها ... ريحُ تَروّحُ بالحصى مِبكارُ
ويروى درست وغيّرَ كل معرفة لها ريحٌ. قال أحمد بن عبيد: يقال عفا الشيء وعفا غيره. وقوله
فعفت معالمها، يريد عفّته. يقول ذهّبته فخُفف لحال الوزن. قال: والرسم آثار الديار. ثم قال: تروّح
بالحصى، يقول: هذه الرياح تروّح على هذا الرسم بالحصى. مبكار أي هذه الريح تبكر الحصى
فتلقيه على هذه الرسوم فتُعفيه، أي تدرسه بكرة وعشية.
فترى الأثافي والرمادَ كأنهُ ... بَوٌّ عليهِ رَوائِمٌ أظفارُ
стр. 819
قال: الأثافي الحجارة التي توضع تحت القدر إذا اطبخوا. والرماد يكون تحت قدورهم. يقول: فلم
يبق من آثار الديار إلا الأثافي والرماد. ثم شبّه الأثافي والرماد بالبو. والبو جلد فصيل يُحشى ثماماً،
وهو حشيش ينبت في البر، تُعطف عليه الناقة، والناقتان، والثلاث. وأظآر جمع ظئر.
ولقد يحُلُّ بِها الجميعُ وفيهِمُ ... حُورُ العيونِ كأنهُنّ صِوارُ
ويروى ولقد عهدت بها الجميع وفيهم. حور العيون البقر. وإنما قال حور العيون لشدة بياضها، وإنما
سمي الحواري حوارى، لشدة بياضه. وكذلك الحور لشدة بياضها، وشدة سواد الأشفار والحدقة، وذلك
مما يشتد به بياضها. وإنما سمي الحواريون مع عيسى بن مريم ﵇ لشدة بياض ثيابهم.
ويقال إنهم كانوا قصّارين.
يأنَسنَ عندَ بُعولهِنّ إذا التقَوا ... وإذا همُ بَرزوا فهُنّ خِفارُ
ويروى إذا خلوا. وقوله وإذا هم برزوا فهن خفار، يقول: إذا صرن عند أزواجهن فهن خفار: أي
حييات. يقال للمرأة إنها لخفرة، إذا كانت شديدة الحياء.
شُمُسٌ إذا بلغَ الحديثُ حَياءهُ ... وأوانسٌ بكَريمِهِ أغرارُ
قول أوانس يقول هن غير معبّسات ولا مُكلحات، لهن أخلاق حسنة يأنسن إلى من يثقن به، ولا
يستوحشن منه. وقوله بكريمه، يريد بكريم الحديث لا فُحش فيه. وقوله أغرار، يقال للرجل الذي لا
يعرف الأمور غر، وكذلك يقال للمرأة أيضاً التي لا تدري ما الناس فيه، هي غر، أي لم تجرب
الأمور، ولم تعرف الأشياء. يقول: هن غوافل عن مكر النساء، وما هن فيه من الإرب والدهاء.
وكلامُهُنّ كأنما مرفوعُهُ ... بِحَديثهِنّ إذا التَقَين سِرارُ
стр. 820
يقول: كلامهن فيما بينهن كأنه مسارة، وذلك من شدة الحياء.
رُجُحٌ ولَسنَ مِنَ اللواتي بالضُحَى ... لِذُيولهِنّ على الطريقِ غُبارُ
وإذا خَرجنَ يَعُدنَ أهلَ مُصابَة ... كانَ الخُطا لسرِاعِها الأشبارُ
هُنّ الحَرائِرُ لم يَرِثنَ لمُعرِضٍ ... مالاً وليسَ أبٌ لهُنّ يجُارُ
معرض جد جرير من قبل أمه.
فاطرَحْ بعينكَ هل ترى أحداجَهُمْ ... كالدّومِ حينَ تحُمّلُ الأخدارُ
قوله هل ترى أحداجهم، قال: الأحداج مراكب النساء، الواحد حدج كما ترى. وقوله كالدوم، هو
شجر المقل. ويقال بل هو السدر البري: ويقال هو كل سدر أين كان. والقول هو الأول.
يغشى الإكامَ بهِنّ كُلّ مخُيّس ... قد شاكَ مختلِفاتُهُ مَوّارُ
مختلفاته أنيابه. موار يقول هو واسع الجلد، يمور في مشيه كالمتبختر، لأنه قوي نشيط.
وإذا العيونُ تكارَهتْ أبصارُها ... وجرى بهِنّ معَ السرّابِ قِفارُ
ويروى تطاوحت. وقوله تكارهت أبصارنا، يقول لا تنظر بملء عيونها. قال: وذلك من شدة ترقرق
السراب ووقدان الحر واحتذامه. يقول: فإنما تفتح عيونها على كره ومشقة لذلك.
نَظَرَ الدّلهمَسُ نظرَةً ما ردَّها ... حَوَلٌ بِمُقلَتِهِ ولا عُوّارُ
الدلهمس رجل من بني كليب، كان رفيقاً للفرزدق. وقوله لا عُوار، قال: العوار، قال: العوار قذى
يصيب العين من رمد أو وجع.
فرأى الحُمولَ كأنما أحداجُها ... في الآل حينَ سَما بِها الإظهارُ
стр. 821
ويروى فرأى الشفاء كأنما أظعانها في الدو حين. وقوله سما بها، يريد حزاها الآل فرفعها في
المنظر. قال: وكذلك ترى الشيء في الآل وهو صغير كبيراً. وقوله الإظهار، قال: وذلك حين يُدخل
في الظهيرة. يقول: سارت هذه الإبل في وقت الظهيرة.
نخلُ بَكادُ ذُراهُ مِنْ قِنوانِهِ ... بِذُرَيعَتَين يُميلُهُ الإيقارُ
قوله من قنوانه القنوان، العذوق. وهو من قول الله تعالى: ﴿قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ﴾ قد انتهى حملها ودنا
إنضاجها. قال: والأيقار يريد كثرة الحمل. يقول: قد أثقل هذه النخيل ما عليها، وأوقرها كثرته.
إنّ المَلامَةَ مِثلُ ما بَكَرتْ بِهِ ... مِن تحتِ ليلَتها عليكَ نَوارُ
وتقولُ كيفَ يميلُ مِثلُكَ للصِبَاً ... وعليكَ مِنْ سِمةِ الحَليم عذارُ
ويروى قالت وكيف. يريد بمسحليه وعارضيه من الشيب، فهو سمة للكبير، والمسالان ما ليس عليه
شعر من الصدغ إلى شحمة الأذن. تقول: كيف يطلب مثلك الصبى، وأنت شيخ، وهو من علامات
الحليم توبّخه بذلك وتعيّره.
والشّيبُ يَنهضُ في السّوادِ كأنّهُ ... ليلٌ يصيحُ بِجانِبيه نهَارُ
يقول: الشيب يعلو السواد حتى يذهب به، كما يُذهب ضوء النهار سواد الليل، فضربه مثلا لليل
والنهار.
إنّ الشبابَ لَرابِحٌ مَنْ باعَهُ ... والشيبُ ليسَ لِبائِعيهِ تجِارُ
قال: إنما ضربه مثلا. يقول: للشباب طالبٌ وليس للشيب طالب.
يا بنَ المراغَةِ أنتَ ألأمُ مَنْ مَشى ... وأذَلُّ مَنْ لِبَنانِهِ أظفارُ
стр. 822
قال: البنان المفاصل العُلى التي فيها أظفار، واحدتها بنانة، والتي دونها البراجم، والتي دونها
الرواجب. والأشاجع عصب ظاهر الكف على كل قصبة أشجع.
وإذا ذَكرتَ أباكَ أو أيّامهُ ... أخزاكَ حيثُ تُقبّلُ الأحجارُ
قوله تقبّلُ الأحجار، يعني الحجر الأسود والبيت الحرام ومقام إبراهيم ﵇ في الحجر. قال:
والمعنى في ذلك يقول: أخزاك أبوك في هذه المواضع التي يجتمع فيها الناس من كل فج عميق.
يقول: فليس له ما يفخر به إذا افتخر الناس وذكروا أيامهم ومآثرهم.
إنّ المَراغَةَ مَرّغَتْ يَربوعَها ... في اللؤمِ حيثُ تجاهَد المِضمارُ
أنتُمْ قَرارَةُ كلّ مَدفَعِ سَوءَة ... ولِكُلّ دافِعَةٍ تَسيلُ قَرارُ
قوله قرارة، هو مجتمع الماء في مطمئن من الأرض يستقر فيه الماء.
إنّي غَمَمتُكَ بالهِجاء وبالحَصى ... ومَكارِمِ لفَعالهِنّ مَنارُ
وروى سعدان عممتك بالعين غير معجمة. وليس بشيء. والرواية الغين. وقوله إني غممتك بالهجاء،
يقول غممتك من هجائي بما صار في رأسك لازماً كالغمامة. وقوله بالحصى، يريد كثرة العدد. تقول
بنو فلان عددهم كثير كالحصى، وذلك إذا كانوا كثيراً.
ولقد عَطَفتُ عليكَ حَرباً مرة ... إنّ الحُروبَ عَواطِفُ أمرارُ
حَرباً وأمّكَ ليسَ مُنْجيَ هارِبٍ ... منها ولو رَكِبَ النّعامَ فِرارُ
فلأفْخَرَنّ عليكَ فخراً لي بِهِ ... قُحَمُ عليكَ مِنَ الفَخارِ كبارُ
стр. 823
قوله قحم عليك، أي عظائم منه تقحّم عليك، يريد فتغلبك.
إني لَيرفعُني عليكَ لِدارِم ... قَرمٌ لهُمْ ونَجيبَةٌ مِذْكارُ
القرم الفحل من الإبل، ذلك أصله، ثم نُقل فصار قرم القوم سيدهم ورئيسهم. وقوله ونجيبة مذكار،
يريد تلد الذكور. ويقال امرأة مئناث إذا ولدت الإناث. فضربه مثلا للإبل، وإنما يريد الفخر في
الناس.
وإذا نَظرتَ رأيتَ فَوقَكَ دارِماً ... في الجَوّ حيثُ تُقَطّعُ الأبصارُ
إنّي لَيَعْطِفُ للئيمِ إذا رَجا ... مني الرّواحَ مُجإبٌ كَرّارُ
إنيّ لأشتمكُمْ وما في قَومكُمْ ... حَسَبٌ يُعادِلُنا ولا أخطارُ
هل يُعدَلَنّ بقاصِعائكَ مَعشرٌ ... لهمُ السماء عليكَ والأنهارُ
والأكرمونَ إذا يُعدُّ قَديمُهُمْ ... والأكثرونَ إذا يُعدُّ كِثارُ
ويروى الأكرمين، والأكثرين. ويروى كَثار بفتح الكاف، كثرة من الناس. يقال في الدار كثار من
الناس. وقوله إذا يعد كثار، يعني مكاثرة يريد مفاخرة.
ولهمْ عليكَ إذا القُرومُ تخَاطَرتْ ... خمطُ الفُحولَةِ مُصعَبٌ خَطارُ
مصعب لم يُذلل ولم يُرض. وقوله خمط الفحولة، يريد تكبّر الفحولة وتعظّمها في غضب. يقال من
ذلك قد تخمّط فلان فلانا، ولذلك إذا تعسّفه وظلمه. يقال تخمّط فلان إذا تكبّر. قال: لا أعلمه يتعدّى.
ولهمْ عليكَ إذا الفُحولُ تَدافَعتْ ... لجُجٌ يَغُمُّكَ موجُهُنّ غِمارُ
ويروى بحرهن غمار. وبحرها غمّار. ويروى إذا البحور تغامست.
قومُ يُرَدُّ بهِم إذا ما استَلأموا ... غَضبُ المُلوكِ وتمنَعُ الأدبار
стр. 824
منعَ النساء لآلِ ضَبّةَ وَقعَةٌ ... ولآلِ سَعد وَقعَةٌ مِبكارُ
فاسألْ غَداةَ جَدودَ أي فَوارِسٍ ... مَنعوا النساءَ لعِوذِهِنَّ جُوارُ
قال: العوذ النوق التي معها أطفال صغار. وقوله جوار وهو مثل خوار الثور، وهو من قول الله
تعالى: ﴿لَا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ إِنَّكُم مِّنَّا لَا تُنصَرُونَ﴾ ويروى فاسأل بقاع جدود أيُّ.
والخيلُ عابسَةٌ على أكتافِها ... دُفَعٌ تَبُلُّ صُدورَها وغُبارُ
قال: والخيل عابسة على أكتافها، يعني أنها كريمة المنظر، وهو من قولهم عبس فلان في وجه
فلان، وذلك إذا نظر إليه بتعبّس وكراهة. قال: وهو من قوله تعالى: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى﴾ وهو من
التعبيس. وقوله دُفع، يعني دُفع الدم من الطعن.
إنّا وأمّكَ ما تَظَلُّ جِيادُنا ... إلاّ شَوازِب لاحَهُنّ غِوارُ
ويروى ما تزال جيادنا. ويروى ما تُرى أفراسنا إلا شوازب. وقوله شوازب، يقول: الخيل ضوامر
مما هن فيه من الجهد، وقوله لاحهن أي غيرّهن. وغوار يعني مغاورة.
قُبّا بِنا وبهِنّ يُدفَعُ والقَنا ... وَغْمُ العَدُوّ وتُنْقَضُ الأوتارُ
ويروى كتّابنا وبهن يمنع والقنا ثغر العدو. قال: والقب اللاصقة البطون بالظهور. وقوله وغم العدو،
يريد ذحل العدو أي تُدرك بالخيل الأوتار. والوتر الذحل أيضاً.
كَمْ كانَ مِنْ مَلك وطِئنَ وسوقَةٍ ... أطلَقْنَهُ وبِساعدَيه إسارُ
كانَ الفِداءَ له صُدورَ رِماحِنا ... والخيلَ إذ رَهجُ الغُبارِ مُثارُ
ولَئنْ سألتَ لتُنبأنّ بأننا ... نسمو بأكرمِ ما تَعُدُ نِزارُ
стр. 825
قال الملائكة الذين تخُيرّوا ... والمُصطَفونَ لِدينه الأخيارُ
أبكى الإلُه على نَبيثَة من بكى ... جَدفا يَنوحُ على صَداهُ حِمارُ
قال أبو عبد الله: لا أعرف نبيثة، وإنما هو بُلية. ويروى أبكى الإله على بلية، وهو موضع دُفنت
فيه أم حزرة. وقوله نبيثة من بكا، قال: والنبيثة التراب الذي يخرج من القبر إذا حفر.
كانتْ مُنافقَةَ الحياةِ وموتهُا ... خزيٌ عَلانيَةٌ عليكَ وعارُ
فلئنْ بكيتَ على الأتان لقد بكى ... جَزعاً غَداةَ فِراقِها الأعيارُ
يَنْهَسنَ أذرُعهُنّ حينَ عَهِدنَها ... ومكانُ جُثوَتِها لهن دُوارُ
ويروى جزعاً وجثوتها لهن. وقوله ومكان جثوتها، يريد مكان قبرها، وهو من قول الله :
﴿فَإِذَا هُم مِّنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ﴾ أي من قبورهم.
تبكي على امرأةٍ وعندكً مثلُها ... قعساء ليسَ لها عليكَ خِمارُ
ولتَكفينَّك فقدَ زوجِتكَ التي ... هَلَكتْ مُوقّعَةُ الظهورِ قِصارُ
قوله موّقعة الظهور، يعني أتنا. يقول فالأتان تكفيك من بعد زوجتك.
أخواتُ أمّكَ كُلُهُنّ حريصةٌ ... ألاّ يُفوتَكَ عندها الإصهارُ
فأخطُبْ وقُلْ لأبيكَ يَشفَعْ إنّهُ ... سَيَكونُ أو سَيُعينكَ المِقدارُ
قوله لأبيك يشفع جزم، لأنه أمر. أراد قل لأبيك ليشفع.
بِكراً عَسَتْ بَكَ أن تكونَ حَظيّةً ... إن المناكِحَ خَيرها الأبكارُ
стр. 826
إنّ الزيارةَ في الحياة ولا أرى ... ميتاً إذا دَخلَ القُبورَ يُزارُ
ولقد همَمتَ بسَوءة وفَعلتَها ... في اللحدِ حيثُ تمكّنَ المِحفارُ
لمّا رأتْ ضَبُعَي بُليّة أجهشَتْ ... والأرضُ غير ثلاثِهِنّ قِفارُ
لمّا جَننتَ اليومَ منها أعظُماً ... يَبرقْنَ بين فُصوصِهِنّ فَقارُ
أفبَعدَ ما أكلَ الضُباعُ رَحيبَها ... تَذرِي الدُموعَ أهانَكَ القَهّارُ
ورَثَيتَها وفَضَحتَها في قبرِها ... ما مِثلَ ذلكَ تفعلً الأخيارُ
وأكلتَ ما ذَخرتْ لنفسكَ دونهَا ... والجَدْبُ فيهِ تَفاضَلُ الأبرارُ
في الجدب تُختبر الناس.
آثرتَ نفسكَ باللّويّة والتي ... كانتْ لها ولمِثلها الأذخارُ
قال: اللوية طعام تدّخره المرأة، فتوثر به زوجها، وصَبيها، وبعض قرابتها، من والد أو والدة
وغيرهما.
وترى اللئيمَ كَذاكَ دونَ عِيالِهِ ... وعلى قَعيدَتِهِ لهُ اسئثارُ
ويروى قعيدة بيته. وقوله وعلى قعيدته، قال: قعيدة الرجل ربة بيته، وهي امرأته. يقول: يستأثر
عليها في المأكل والمشرب، يعيره بذلك. يقول ليس كذلك يفعل الحر ر يستأثر على امرأته شيئا.
ينسى حَليلتهُ إذا ما أجدَبتْ ... ويهَيجُهُ لِبُكائِها القُسبارُ
ويروى أخصب ذكرها. وقوله القُسبار، هو ذكر الرجل العظيم.
أنَسيتَ صُحبَتَها ومَنْ يَكُ مُقرفاً ... تخرجُ مُغيّبَ سِرّهِ الأخبارُ
لمّا شَبِعتَ ذَكَرتَ ريحَ كِسائِها ... وتَرَكتها وشِتاؤها هَرّارُ
قوله وتركتها، يعني خالدة بنت سعد بن أوس أم حزرة. وقوله وشتاؤها هرّار، يريد شتاؤها شديد
البرد يهر الناس من شدته.
стр. 827
هَلاّ وقد غَمَرتْ فُؤادَكَ كثبةٌ ... والضّأنُ مخصِبَةُ الجَنابِ غِزارُ
ويروى لو كنت إذ غمرت فؤادك. يقول: فهلاّ ذكرتها إذ غمرت فؤادك. يقول إذا غلب على فؤادك.
حبها، فحقها عندك أن لا تنساها. وقوله كثبة، يريد كثبة من لبن قال: وهو الشيء من اللبن لا يبلغ
أن يمتلئ منه الإناء. يقول: غمرت فؤادك علته وغلبت عليه. وقوله والضأن مخصبة، يريد كثرة
اللبن. والجناب الفناء وإنما يريد الخصب وكثرة اللبن.
هَجْهَجتَ حينَ دَعَتكَ إذْ لم تأتِها ... حيثُ السّباعٌ شَوارِعٌ كُشّارُ
ويروى حين دعتك أو لأتيتها أفراً وهن شوارع. يقول: حين دعتك، يريد استغاثت بك. وشوارع
يريد في لحمها. وقوله هجهجت، يعني زجرت السباع عنها. وقوله كشار، يقول إذا السباع فاتحة
أفواهها. يقال كشر في وجهه، وذلك إذا فتح فاه وكلح وعبس.
نهَضتْ لِتُحرِزَ شِلوَها فتَجوّرَتْ ... والمُخ مِنْ قَصَبِ القَوائِمِ رارُ
ويروى فتهورت. قوله شلوها، يعني بقية ما ترك الضبعان من بدنها. وقوله فتجوّرت، يقول سقطت
من الجهد. وقوله رار، يعني مُخها رقيق يذهب ويجيء في العظم، وذلك لشدة الهزال. قال وإذا
سمنت الدابة غلظ عظمها، وجمس مجها، واشتد وصلب.
قالتْ وقد جَنحَت على مملولها ... والنارُ تخبُو مرّةً وتُثارُ
عَجفاء عاريَةُ العظامِ أصابهَا ... حدثُ الزمانِ وجَدّها العَثّارُ
أبَني الحَرامِ فَتاتُكُمْ لا تهزَلَنْ ... إنّ الهُزالَ على الحَرائِرِ عارُ
لا تًتركَنّ ولا يَزالَنْ عِندها ... مِنكُمْ بحَدّ شِتائِها مَيّارُ
وبِحقّها وأبيكَ تهزَلُ ما لها ... مالُ فيَعصِمَهّا ولا أيسارُ
стр. 828
وترى شُيوخَ بَني كُليب بعدما ... شَمِطَ اللّحَى وتَسَعسَعَ الأعمارُ
قوله تسعسع الأعمار، يريد فنيت الأعمار وذهبت. قال الأصمعي: يقال من ذلك قد تسعسع الرجل،
وذلك إذا ذهب لحمه، واضطرب فكأنه مأخوذ من ذلك.
يَتَكلّمونَ معَ الرجالِ تَراهُمُ ... زُبّ اللحَى وقُلوبهُمْ أصفارُ
يقول: قلوبهم صفر خاوية لا عقول لهم.
أعَجِلتَ أم قد راثَ ريحُ شوائِنا ... أم ليسَ للكَمَرِ الكِبارِ قُتارُ
ما امتَلّ مُطبِخٌ كما في قِدرِها ... ست يدصنَ وسابعٌ قَيشارُ
ويروى سبع يدصن وثامن قُسبار.
ونُسَيّةٌ لبَني كُليب عندهُمْ ... مثلُ الخَنافِسِ بَينَهُنّ وبارُ
مُتَقَبضاتَّ عندَ شرّ بُعولَة ... شَمَطَتْ رُءوسُهُمْ وهُمْ أغمارُ
مِنْ كلّ حَنكَلةٍ يُواجِهُ بَعلَها ... بَظرٌ كأنّ لِسانَهُ مِنقارُ
الحنكلة القصيرة السوداء، وقوله من كل حنكلة، هي العجوز الكبيرة. يقال من ذلك امرأة حنكلة إذا
كانت كبيرة، ورجل حنكل إذا كان كبيراً.
أمَةُ اليَدَين لَئيمَةٌ آباؤها ... سَوداء حيثُ يُعلّقُ التّقصارُ
قوله أمة اليدين، يقول أيديهن أيدي الإماء، مشققة من المهنة والعمل بها. يقول:
стр. 829
وهن سود غلاظ، سود حيث يعلّق التقصار، يعني موضع القلادة، وإنما نسبهن إلى العمل والمهنة يعيرهم بذلك.
كانتْ تَطيّبُ بالفُساء ولم يَلِجْ ... بيتاً لها بِذَكِيّةٍ عَطّارُ
ممّنْ يُباكُرُهُ النّشيلُ وعندَهُ ... صفراء من زَبدِ الكُرومِ عُقارُ
ويَبيتُ تُسهرُهُ العُروقُ وما بِهِ ... حمى فتدخُلَهُ ولا أصفارُ
جمع صفر البطن. يقول: قد كظّته البطنة فمن الكظة لا يقدر ينام.
مُتَعالِمُ النّفَرِ الذينَ هُمُ هم ... بالتّبلِ لا غُمُرٌ ولا أفتارُ
جمع فاتر.
فارْبِطْ لأمكَ عن أبيكَ أتانَهُ ... واخسَأ فما بكَ للكرامِ فَخارُ
كم كانَ قبلَكَ مِنْ لَئيم خائِنِ ... تُرِكَتْ مَسامِعُهُ وهُنّ صِغارُ
стр. 830
قال أبو عثمان: أنبأنا الأصمعي وأبو عبيدة قالا: قدم الأخطل، واسمه غياث بن غوث، على بشر بن
مروان بالكوفة، فوجد عنده محمد ابن عمير بن عطارد بن حاجب بن زرارة. فقال محمد للأخطل: إن
الأمير سيسألك عن الفرزدق وجرير، فأعد لذلك جواباً وانظر ما ماذا أنت قائل، فقد عرفت قرابتنا
والرحم بيننا. فقال: كفيتك. وأم عبد الله ومجاشع ابني دارم الحلال، بنت ظالم بن ذبيان ابن الأشرس
بن كنانة بن زيد بن عمرو بن غنم بن تغلب. قال: فلما دخل عليه الأخطل، سأله عن الفرزدق
وجرير. فقال له الأخطل: أصلح الله الأمير، أما الفرزدق فأشعر العرب. فقال الفرزدق يذكر تفضيل
الأخطل إياه على الشعراء، يمدح بني تغلب ويهجو جريراً:
يا ابنَ المراغَةِ والهِجاء إذا التَقَتْ ... أعناقُهُ وتماحَكَ الخَصمان
خبر الهجاء إذا التقت، أي الهجاء في هذه الوقت، يريد إذا التقت أعناقه، يريد إذا تناشده القوم، ورد
بعضهم على بعض. وقوله تماحك الخصمان، قال: التماحك اللجاجة. يقال تماحك القوم، وتخاصموا،
واختلفوا، وتنازعوا، كله بمعنى واحد، وذلك إذا تماروا في إنشاد الشعر، فقال بعضهم: هذا أشعر.
وقال آخرون: هذا أشعر. فتلك المماحكة فيه.
ما ضرّ تَغْلِبَ وائِلٍ أهجوتَها ... أم بُلْتَ حيثُ تَناطَحَ البَحرانِ
في رواية أبي عمرو، وابن الأعرابيّ، والحرمازي، ما ضرّ تغلب وائل في آخر القصيدة. قال:
والمعنى في ذلك، يقول الهجاء إذا التقت أعناقه، لا يضر تغلب وائل ما قلت، فيها لما قد سبق في
العرب من فضلها.
يابنَ المَراغَةِ إنّ تَغلِبَ وائل ... رفعوا عِناني فوقَ كل عِنانِ
كانَ الهُذيلُ يقودُ كلّ طِمِرَّةً ... دَهماء مُقرَبَة وكل حِصانِ
قال أبو عبد الله: كلام العرب في هذا، فرس مقرب، وخيل مقربة،
стр. 831
يريد مقرّبة، فخفف لوزن البيت، يعني فيقرّبون أكرم الخيل وأجودها وأسرعها للطلب والهرب.
يقول: فإذا فجئهم العدو، وثبوا عليها، فإما هربوا، وإما طلبوا.
يَصْهِلنَ بالنظرِ البعيد كأنما ... إرْنانهُا بِبَوائن الأشطانِ
ويروى للشبح البعيد. وقوله إرنانها ببوائن، يعني صوتها. والرنة الصوت من البكاء وغيره. قال:
والأشطان الحبل، واحدها شطن. قال الأصمعي: وقوله ببوائن الأشطان، بأبآر بوائن. قال: والبئر
البيون، البائنة التي يصيب حبلها نواحي البئر، فهو يميد فيها. فإذا استُقي منها، قام رجلان يُنحيّان
الدلو بالشّطن - وهو الحبل - عن حائط البئر لئلا ينقطع الحبل. يقول: كأنها تصهل من أبآر بوائن،
لسعة أجوافها، وهو كما قال الجعدي:
وتَصهِلُ في مثلِ جَوفِ الطّويّ ... صَهيلا يُبينُ لِلمُعرِبِ
قال: وهو الرجل الذي يرتبط الخيل العراب. قال: وإنما ضرب ذلك مثلاً لصهيل الخيل، وشدة
أصواتها، وذلك لسعة أجوافها، وهذا مما يُستحب من الخيل. ويكرهون المُخطف الجنبين اللاصق
البطن بالظهر. قال أحمد بن عبيد: إنما أراد غلظ أصواتها، وأن في أصواتها جشّة، وهذا مما يُسحب
في الخيل. وإذا كانت البئر بيوناً، اتخذت لها أشطان، تُنحّي الدلو من عوج البئر لئلا تتخرّق.
يقطَعْنَ كلّ مدىً بعيدٍ غَوْلُهُ ... خَببَ السباعِ يُقَدنَ بالأرسانِ
ويروى تقاد. وقوله كل سدى، يعني كل غاية بعيدة، وهو من قوله تعالى: ﴿أَمَداً بَعِيداً﴾ يعني غاية
بعيدة، يريد مجرى يُنتهى إليه. وغوله يعني بعده.
стр. 832
وكأنّ راياتِ الهُذَيلِ إذا بَدَتْ ... فوقَ الخميسِ كَواسِرُ العِقبانِ
يعني الهذيل بن هبيرة. قال: والخميس الجيش الضخم الكثير الأهل. وقوله كواسر العقبان، يعني
المنحطة من العقبان، وهو أسرع لها. قال وإنما شبه الخيل في سرعتها بسرعة العقبان إذا كسرت،
يعني إذا انحطت للوقوع. قال: وإنما شبه الرايات بالعقبان أيضاً.
وَرَدوا إرابَ بِجَحفَلٍ مِنْ وائِلٍ ... لجبِ العَشيِّ ضُبارِكِ الأركانِ
قوله وردوا إراب، قال: إراب موضع، وهو يوم أغار جزء بن سعد الرياحي ببني يربوع على بكر
بن وائل، وهم خلوف، فأصاب سبيهم وأموالهم. وأغار الهذيل على بني يربوع وهم خلوف، فأصاب
سبيهم وأموالهم. فالتقيا على إراب فاصطلحا على أن خلّى جزء ما في يدية من سبي بكر بن وائل
وأموالهم، وخلّى الهذيل الهذيل ما في يديه من سبي بني يربوع وأموالهم. وخلّوا بين الهذيل وبين
الماء، فسقى خيله وإبله، وشرب هو وأصحابه وفي هذا اليوم وفي غيره يقول جرير:
ونحنُ تَدارَكنا ابنَ حِصنٍ ورَهطَهُ ... ونحنُ منَعنا السبيَ يومَ الأراقِمِ
وقوله بجحفل، يعني جيشاً كثير الخيل. وقوله لجب العشي، يريد الأصوات. وإنما قال بالعشي،
وذلك أن الخيل وأصحابها يريدون النزول للعلف وغير ذلك، فالأصوات في ذلك الوقت كثيرة. وقوله
ضبارك، يقول هذا الجيش العظيم ضخم مثل ضبارم، وهو الغليظ. والأركان النواحي. يقول فأركان
هذا الجيش شديدة ضخمة.
ويَبيتُ فيهِ مِنَ المَهافَةِ عائذاً ... ألفٌ عليهِ قَوانِسُ الأبدانِ
يقول: يعتاذ بهذا الجيش جيش فيه ألف ليمنعه عليهم السلاح. والقوانس أعالي البيض. والأبدان
الدروع غير السوابغ.
стр. 833
تَرَكوا لتَغلبَ إذْ رأوا أرماحهم ... بإرابَ كلّ لَئِيمَة مِدرانِ
قوله مدران، يعني كثيرة الوسخ. قال: والدرن هو الوسخ بعينه. يقول: خلّوا نساءهم وهربوا.
تُدمِي وتغلبُ بَمنَعونَ بَناتِهمْ ... أقدامَهُنّ حِجارَةُ الصّوانِ
قال: وذلك لأنهن يُسقن حفاة على أرجلهنّ إذا سُبين، أي تُدمي أقدامهن حجارة الصوان.
يَمشينَ في أثرِ الهُذيلِ وتارَةً ... يُردَفْنَ خَلفَ أواخِرِ الرُكبان
والحَوفَزانُ أميرهُمْ مُتضائِلُ ... في جمعِ تغلِبَ ضارِبٌ بِجِرانِ
قال الأصمعي، وأبو عبيدة: وكان من خبر الهذيل أنه غزا بلاد بن سعد بن زيد مناة في تغلب، وغزا
الحوفزان - واسمه الحارث بن شريك - في بكر بن وائل. قال: وكلاهما يريد بني سعد، فلما التقى
الجيشان، سار الحوفزان تحت لواء الهذيل، فلا ندري ما فعلا بعد. وذلك أنا لم نسمع لهما جميعاً
بغارة على أحد من الناس. ثم إن الفرزدق قال هذا الشعر وروي عنه.
أحبَبنَ تَغلِبَ إذْ هَبَطنَ بلادهُمْ ... لمّا سَمِنّ وكُنّ غيرَ سِمان
يَمشينَ بالفضَلات وَسطَ شرُوبهِمْ ... يَتْبَعْنَ كُلّ عَقيرَة ودُخانِ
قوله يمشين بالفضلات، يعني بالخمور يسقين الرجال ويخدمنهم. وقوله وسط شروبهم، هم القوم
يشربون الخمر. وقوله يتبعن كل عقيرة، يريد يتسمعن الغناء فيتبعن الصوت فيطلبنه.
يَتبايعونَ إذا انتَشَوا ببَناتِكُمْ ... عندَ الإياب بأوكَسِ الأثمانِ
واسألْ بِتَغلِبَ كيفَ كانَ قديمُها ... وقديمُ قَومِكَ أولَ الأزمانِ
стр. 834
قومُ همُ قَتلوا ابنَ هندٍ عَنوَةً ... عَمرا وهُمْ قَسَطوا على النُعمانِ
قَتَلوا الصنائِعَ والمُلوكَ وأوقَدوا ... نارَينِ قد عَلَتا على النّيرانِ
قال: صنائع الملوك، يعني أنصار الملك الذين يغزون معه، يستعين بهم. قال: والوضائع سائر أهل
المملكة وجماعتهم ممن لا يُعرف. قال أحمد بن عبيد: الوضائع يضع الملك على كل قوم مائة،
وأكثر، وأقل، على قدر قلّتهم وكثرتهم، يغزون معه إذا أرادوا الغزو. والصنائع قوم يصطنعهم الملك
فيلزمون خدمته.
قال: فذكروا أن عمرو بن هند، وأمه هند بنت الحارث بن عمرو بن حجر، آكل المُرار، وأبوه
المنذر بن ماء السماء وقال: وماء السماء هي أمه، بنت عوف بن جُشم بن هلال بن ربيعة بن زيد
مناة بن عمرو بن عدي بن نصر بن ربيعة بن مالك بن الحارث بن عمرو بن نمارة بن لخم. هذا
نسب أهل اليمن. وأما ما يقول علماؤنا، فيقولون: نصر بن الساطرون بن أسيطرون، ملك الحضر،
وهو جرمقانيّ من أهل الموصل، من رُستاق باجرمي. وكان ملك عمرو بن هند ست عشرة سنة.
فقال ذات يوم لجلسائه: هل تعلمون أن أحداً من أهل مملكتي يأنف أن تخدم أمه أمي؟ فقالوا: لا، ما
خلا عمرو بن كلثوم، فإن أمه ليلى بنت مهلهل أخي كليب، وعمها كليب، وهو وائل بن ربيعة،
وزوجها كلثوم وابنها عمرو. قال: فسكت عمرو على ما في نفسه، ثم بعث عمرو إلى عمرو بن كلثوم
يستزيره، وأن يُزير ليلى هنداً. قال: فقدم عمرو في فرسان بني تغلب، ومعه أمه ليلى، فنزل شاطئ
الفرات، وبلغ عمرو بن هند قدومه، قال: فأمر بخيمة، فضربت فيما بين الحيرة والفرات. وأرسل
إلى وجوه أهل مملكته، فصنع لهم طعاماً، ثم دعا الناس إليه، فقُرّب إليهم الطعام على باب السرادق،
وهو وعمرو بن كلثوم وخواص من الناس في السرادق. ولأمه هند في جانب السرادق قُبة، وأم
عمرو بن كلثوم معها في القبة.
стр. 835
وقد قال عمرو بن هند لأمه: إذا فرغ الناس من الطعام فلم يبق إلا الطُّرف، فنحي خدمك عنك، فإذا
دعوت بالطرف، فاستخدمي ليلى، ومُريها فلتناولك الشيء بعد الشيء يريد طرف الفواكه وغير ذلك
بعد الطعام. قال: ففعلت هند ما أمرها ابنها، حتى إذا دعا بالطرف، قالت هند لليلى: ناوليني ذلك
الطبق. قالت: لتقم صاحبة الحاجة إلى حاجتها. فقالت: ناوليني، وألحت عليها، فقالت ليلى: وا ذُلاّه
يال تغلب. قال: فسمعها عمرو، فثار الدم في وجهه، والقوم يشربون. ونظر عمرو بن هند إلى عمرو
بن كلثوم.
فعرف الشر في وجهه، وقد سمع قول أمه، وا ذلاه يال تغلب! ونظر إلى سيف عمرو بن هند، وهو
معلّق بالسرادق، ولم يكن بالسرادق سيف غيره. قال: فثار إلى السيف مُصلتا، فضرب به رأس
عمرو بن هند فقتله. ثم خرج فنادى: يال تغلب، فانتهبوا ماله وخيله، وسبوا النساء، ولحقوا
بالجزيرة.
وقد كان مهلهل بن ربيعة، وكلثوم بن عتّاب، وعمرو بن كلثوم، اجتمعوا في بيت كلثوم على شراب.
قال: وعمرو يومئذ غلام، وليلى أم عمرو تسقيهم، فبدأت بأبيها مهلهل، ثم سقت زوجها كلثوم بن
عتاب، ثم ردّت الكأس على أبيها، وابنها عمرو عن يمينها، فغضب عمرو من صنيعها، وقال:
صَدَدْت الكأسَ عَنا أمّ عَمرو ... وكانَ الكأسُ مجراها اليَمينا
وما شرٌ الثلاثة أمّم عَمروٍ ... بِصاحِبِكِ الذي لا تَصحَبينا
ويروى بصاحبك الذي لا تعلمينا. قال: فلطمه أبوه، وقال: يا لُكَعُ! بلى والله شر الثلاثة. أتجترئ أن
تتكلم بهذا الكلام بين يدي. قال: فلما
стр. 836
قتل عمرو بن هند قالت أمه: بأبي أنت وأمي: أنت والله خير
الثلاثة اليوم. وفي ذلك اليوم يقول أفنون التغلبي واسمه صُريم بن معشر. قال: وكان يُشبّبُ بنساء
قومه. فقالت امرأة منهم: لأسمّين نفسي وابنتي اسماً لا يُشبب به صريم. قال: فسمّت بنتاً لها
مضنونة. فقال صريم عند ذلك، ليريها أن ذلك لا ينفعها:
مَنّيِتنا الوُدّ يا مَضنونَ مَضنونا ... زَمانَنا إنّ للشُبّانِ أفنونا
قال فسمى أفنونا بهذا البيت:
لَعَمْرُكَ ما عَمرُو بنُ هِندٍ وقدْ دَعا ... لِتَخْدُمَ ليلى أمّهُ بِمُوفّقِ
فقامَ ابنُ كلثومٍ إلى السيفِ مُصلتاً ... وأمسَكَ مِنْ نَدمانِهِ بالمُخَنّقِ
قال الأصمعي: وأما قوله وأوقدوا نارين قد علتا على النيران. قال: وذلك أنهم كانوا في يوم خزارى،
أسروا خمسين رجلا من بني آكل المُرار، وكان يوم خزازى للمنذر بن ماء السماء. قال: ولبني تغلب
وقضاعة على آكل المُرار من كندة، وعلى بكر بن وائل. ففي ذلك يقول عمرو بن كلثوم:
ونحنُ غَداةَ أوقدَ في خَزازَى ... رَفَدْنا فوقَ رَفدِ الرّافِدينا
وكُنا الأيمَنينَ إذا التَقَينا ... وكانَ الأيسرَينَ بنو أبينا
فآبوا بالنّهابِ وبالسّبايا ... وأبنا بالملوكِ مُصَفّدينا
стр. 837
قال: وقتلوا شرحبيل بن الحارث بن عمرو بن حجر، يوم الكلاب. وقتلوا غلفاء، وهو معدي كرب
بن الحارث بن عمرو يوم أوارة. ففي ذلك يقول جابر بن حُنيّ أخو بني معاوية بن بكر:
نُعاطِي المُلوكَ الحقّ ما قَصَدوا بنا ... وليسَ علينا قَتلُهُمْ بِمُحَرّم
ويومَ الكُلابِ استنزلَتْ أسلاتُنا ... شَرُحبيلَ إذْ آلا أليّةَ مُقسِمِ
لَيَسْتَلبَنْ أفراسَنا فاستَزَلّهُ ... أبو حَنَشٍ عَنْ سرجِ شَقّاء صلدِم
تَناوَلهُ بالرُمح حتى ثَنى لهُ ... فَخَرّ صريعاً لليَدَينِ وللفَمِ
وعمرُو بنُ هندٍ قدْ صَقَعنا جَبينَهُ ... بِشَنعاء تشفي صَورَةَ المُتَظَلّمِ
لولا فَوارِسُ تغلبَ ابنةِ وائلٍ ... نزلَ العدُوُ عليكَ كلّ مكان
حَبسوا ابنَ قيصرَ وابتَنَوا بِرماحِهِم ... يومَ الكُلابِ كأكرَمِ البُنيانِ
ولقدْ عَلمتُ لَيَذرِفَنْ ذا بطنِهِ ... يَربوعُكُمْ لمُوَقصِ الأقرانِ
إنّ الأراقِمَ لن ينالَ قديمَها ... كلبٌ عَوَى مُتَهَتّمُ الأسنانِ
قومٌ إذا وُزِنوا بَقَوم فُضّلوا ... مِثلي مُوازِنِهمْ على المِيزانِ
فأجابه جرير، ويهجو محمد بن عمير بن عطارد والأخطل:
لمِن الدّيارُ بِبرُقَةِ الرّوحان ... إذ لا نَبيعُ زمانَنا بِزَمان
إنْ زُرتُ أهلَكِ لم يُبالُوا حاجتي ... وإذا هَجَرتُكِ شَفّني هِجراني
ويروى لم تبالي. شفّني يقول حزنني، يقال من ذلك شَفّ فلاناً كذا وكذا، أي حزنه وبلغ منه.
стр. 838
هل رامَ جَوُّ سُويقَتَين مكانَهُ ... أو حُلّ بعدَ مَحلّنا البردان
قوله هل رام جو سويقتين مكانه، يقول هل زال من مكانه. قال: والبُردان مكانان معروفان، يقال
هما منقعا ماء.
راجَعْتُ بعدَ سُلُوَهِنّ صَبابَةً ... وعَرَفْتُ رَسمَ مَنازِل أبكاني
قال: السلو أن يسلى الرجل الشيء أي ينساه فيذهب من قلبه، والصبابة أن يرق قلب الرجل، فيأخذه
البكاء من عشق أو فقد إلف. قال: ورسم المنازل آثار الديار. يقول: لما رأيت خراب المنازل
ودروسها أبكاني ذلك.
أصبَحْنَ بعدَ نعيم عَيشٍ مُؤنِقٍ ... قَفراً وبعدَ نَواعِم أخدانِ
قال: العيش المؤنق المعجب الذي يعجب من رآه من بهجته. قال: والقفر من الأرضين، التي لا نبت
فيها ولا أحد. قال: والقفر لا أنيس به، ويكون فيه نبت وشجر ووحش وغير ذلك. والمرت لا نبت
فيه ولا شجر ولا شيء.
قد رابَني نَزَعٌ وشَيبٌ شائِعٌ ... بعدَ الشّبابِ وعَصرِه الفَينانِ
شَعَفَ القُلوبَ وما تُقَضّى حاجَةٌ ... مِثلُ المَها بِضرَيمَةِ الحَومان
ويروى بصرائم. الحومان مكان يغلظ وينقاد.
نزلَ المَشيبُ على الشّبابِ فراعَني ... وعَرفتُ مَنزِلَهُ على أخداني
حُورُ العُيون يَمِسنَ غيرٌ جوادِقٍ ... هَزّ الجَنوبِ نَواعِمَ العَيدان
قال: الحور العيون من النساء، ما مان بياض العين أكثر من السواد. ومنه سميت الحوراء، حوراء
لذلك. ومنه سمي الحواري من الدقيق، والحواريون أصحاب عيسى ﵇ لبياض ثيابهم. ويقال إنهم
стр. 839
كانوا قصّارين. وقوله يمسن أي يتبخترن. يقال ماس الرجل فهو يميس ميساً، وذلك إذا مشى
فتبختر في مشيه. والجوادف من النساء القصار. والعيدان النخل الطوال الواحدة عيدانة.
وإذا وَعدنَكَ نائلا أخلَفنَه ... وإذا غَنيتَ فهُنّ عنكَ غَوانِ
أصحا فُؤادُكَ أي حينِ أوان ... أم ل يَرُعْكَ تَفَرقُ الجيرانِ
بَكَرتْ حمامَةُ أيكَة محزونَةٌ ... تدعو الهديلَ فهَيّجَتْ أحزاني
لا زلتِ في غَلَل يَسرُّكِ ناقِع ... وظلالِ أخضرِ ناعِمِ الأغصانِ
ولقدْ أبيتُ ضَجيعَ كلّ مخُضّب ... رَخصِ الأنامِلِ طَيّبِ الأردانِ
عَطِر الثيابِ مِنَ العَبيرِ مُذَيّل ... يمشي الهُوينا مَشيَةَ السكرانِ
صَدَعَ الظعائِنُ يومَ بِنّ فُؤادَهُ ... صَدعَ الزجاجَةِ ما لذِاكَ تَدان
قال الأصمعي: الظعائن الإبل التي عليها النساء، فإن لم يكن على الإبل نساء، فلا يقال لها ظعائن،
وذلك قول أبي عبيدة.
هل تُؤنِسان وديرُ أروى بَيننا ... بالأعزَلَين بَواكِرَ الأظعان
قال عمارة: دير أروى بالشأم. والأعزلان واديان بالمروت. وقوله تؤنسان، يريد تبصران. ويروى
دوننا.
رَفّعتُ مائِرَةَ الدُّفوفِ أمَلّها ... طُولُ الوَجيفِ على وجَى الأمران
الأمران واحدها مرن، وهو ما وقّح به الخف - قال أبو عبد الله رقّح بالراء - ولين به، ومرن، أي
لين. قال: وذلك إذا حفي الخف فيُلين بالشحم والبعر، وكل ما وقّح به الخف فهو مرن.
حَرفاً أضرّ بِها السّفارُ كأنها ... جَفنٌ طَويتَ بِهِ نِجادَ يَمان
ويروى أضر بها الوجيف. وقوله حرفاً فنصب، أي رفّعت مائرة الدفوف حرفاً، قال: ودف الناقة
جنبها، يقول: قد أضر بهذه الناقة
стр. 840
سفري وإعمالي إياها في الهواجر. وقوله نجاد يمان، حمائل السيف.
واحداتها حِمالة.
وإذا لقيتَ على زَرودَ مجاشعاً ... تَركوا زَرودَ خَبيثَةَ الأعطان
قَتلوا الزبير وقيلَ إنّ مجاشِعاً ... شَهِدوا بِجَمع ضَياطِر عُزلان
ويروى ضاع الزبير. ويروى قُتل. ويروى غزلان. وهم القُلف. وقال أحمد بن عبيد: واحد
الضياطر ضيطر وضيطرى. وقال سعدان: قوله ضياطر، واحدها ضيطر، وهو رجل منتفخ
الجنبين. ويقال أيضاً الضيطار العبد والتابع. قال سعدان: وأنشدنا الأصمعي وتشقى الرماح
بالضياطرة الحمر. وهم الأتابع الذين يخدمون الناس في العساكر. وقوله عُزلان، الواحد أعزل وهو
من الرجال الذي لا رُمح معه، ولا سلاح، ولو كانت معه عصى ما كان بأعزل.
مِنْ كُلّ مُنتفِخِ الوريدِ كأنهُ ... بَغلُ تَقاعَسَ فَوقَهُ خُرجان
يا مُستجيرَ مجاشِع يخشى الرّدى ... لا تأمنَنّ مجاشِعاً بِأمان
قال: وذلك أنهم غدروا بالزبير، وقد استجار بمجاشع، فخذلوه حتى قُتل بين أظهرهم ولم ينصروه،
فلزمهم عار ذلك أبداً.
إنّ ابنَ شِعرَةَ والقَرينَ وضَوطَرى ... بِئسَ الفَوارِسُ ليلةَ الحَدَثان
يقال ضيطر وضوطر سواء، وهو الرجل المنتفخ الجنبين العريض. وقوله ابن شعرة، يعني محمد
بن عمير بن عطارد بن حاجب بن زرارة. قال: والقرين، يعني عبد الله بن حكيم بن زياد بن علقمة
بن حوي ابن سفيان بن مجاشع.
تَلّقَى صِفِنّ مجاشِع ذا لحيَة ... ولهُ إذا وضَع الإزارَ حِران
تثنية حر أي هو امرأة. ويروى ضفن أيضاً، والضفن الضخم من
стр. 841
الرجال، الثقيل الذي لا خير عنده ولا قوة.
أبُنَيِّ شعرةَ إنّ سَعداً لم تَلدْ ... قَيناً بِلِيتَيهِ عَصيمُ دُخان
أبِنا عَدَلْتَ بني خَضافِ مجاشِعاً ... وعَدَلْتَ خالَكَ بالأشَدّ سِنان
يعني سنان بن خالد بن منقر. قال: وإنما جعله جرير خاله، لأن أم بدر، كاس بنت شهاب بن حوط
بن عوف بن كليب، وأم كاس جحلة بنت بدل بن خديج بن صخر بن منقر. والعلاء بن قرطة الضبي
خال الفرزدق. قال جرير: أبنا عدلت يا فرزدق خالك العلاء، بخالي الأشد سِنان.
شَهَدتْ عَشيّةَ رَحرَحانَ مجاشِعٌ ... بِمَجارِف جُحَفَ الخَزيرِ بِطان
ويروى بمحارف. قال وكان يوم رحرحان لبني عامر بن صععة على بني دارم، وكانوا أسروا فيه
معبد بن زرارة. قال وقد مر حديث رحرحان فيما أمليناه من الكتاب.
وَطئتْ سَنابِكُ خيلِ قَيس منكُمُ ... قتلى مُصرّعه على الأعطان
أنَسيتَ وَيلَ أبيكَ غَدر مجاشِع ... ومجَرّ جِعثِنَ ليلةَ السيدان
يعني غدر مجاشع بالزبير. قال: وجعثن بنت غالب أخت الفرزدق.
لمّا لقيتَ فَوارِساً مِنْ عامر ... سَلّوا سُيوفَهُمُ مِنَ الأجفانِ
ملأتُمُ صُفَف السرُوج كأنّكُمْ ... خُورٌ صَواحِبُ قَرمَل وأفان
يقول سلحتم على السروج، كأنكم نوق خور، وهي الغزاة الكثيرة الألبان. وقوله صواحب قرمل،
يقول أكلن قرملا فسلحن. قال والقرمل والأفاني شجر، يقال في مثل: ذليل عاذ بقرملة. والقرملة نبات
ضعيف يضرب ذلك مثلا للرجل الذليل الضعيف، يستجير من هو أضعف منه. قال: والقرمل
والأفاني نبات ضعيف لا قوة له. وقال
стр. 842
أبو النجم في تصداق ذلك:
يخبِطْنَ مُلاّحاً كَذاوِى القَرْمَلِ
لله دَرُّ يَزيدَ يومَ دَعاكُمُ ... والخيلُ مجليَةٌ على حَلَبان
قال: وهذه وقعة لهم.
لاقَوا فَوارِس يَطعُنونَ ظُهورَهُمْ ... نَشطَ البُزاةِ عَواتِقَ الخِربانِ
النشط جذب خفيف. وقوله نشط البُزاة يريد نزع البزاة. قال: وللخربان ذُكرور الحباريات الواحد
خرب، قال: والعاتق المخلف الذي لم يخرج من ريش جناحه العشر، يطعنون ظهورهم. المعنى في
ذلك أنهم قد انهزموا، فولّوهم ظهورهم، فهم يطعنون ظهورهم.
لا يخفَينّ عليكَ أنّ محُمّداً ... مِنْ نَسلِ كلّ صِفِنّةٍ مِبْطانِ
يعني محمد بن عمير بن عطارد. قال: والضفنة من النساء، الضخمة الكثيرة اللحم، المسترخية،
يعيره بذلك.
إنْ رُمْتَ عبدَ بَني أسيدَةَ عِزّنا ... فانقُلْ مَناكِبَ يَذْبُل وذِقان
وأبان أيضاً. نصب عبد، أراد يا عبد، يعني محمد بن عمير. قال: وإنما المعنى في ذلك يقول: إن
أحسابنا كالجبال الراسية، فإن أراد مفاخرتنا، فهل تستطيع أن تنقل جبلا من مكانه، فضربه مثلا
للجبال، يؤيّسه مما أراد من مفاخرته.
إنّا لَنعرفُ ما أبوكَ بِحاجِبِ ... فالحق بأصلِكَ مِنْ بيَ دُهمان
لمّا انهزَمتَ كَفى الثُغورَ مُشَيعٌ ... منا غَداةَ جَبُنتَ غير جَبان
стр. 843
قال: وإنما عنى عتّاب بن ورقاء. قال وكان محمد بن عمير على أذربيجان، فأغار على أهل موقان
فهزموه، وأخذوا لواءه، فسار إليهم عتاب بن ورقاء الرياحي، فأخذ لواء محمد. ففي ذلك يقول جرير
لعتّاب:
ما كانَ مِنْ مَلك نَراهُ وسُوقَةٍ ... كُنا نَنافِرُهُ على عَتّابِ
أنتَ استلبتَ لنا لواء محُمّد ... وأقمتَ بالجَبلين سُوقَ ضرِابِ
قال: وإنما عنى بذلك قتل عتاب الزبير بن الماحوز بإصبهان، وحرب الأزارقة، وفتحه الري
وطبرستان، وطرده الفرخان، فلحق بجبل الشرز فمات فيه. وفي ذلك يقول أعشى همدان:
أفْلتَ الفَرّخانٌ في جبل الشرّز ... رَكضاً وقدْ أصيبَ بِكَلمِ
قال: وجبل الشرّز في الديلم في مكان منيع أشب.
شَبَثٌ فَخَرتُ بهِ عليكَ ومَعقِلٌ ... وبِمالِكٍ وبِفارِس العَلْهان
قال: يعني شبث بن ربعي الرياحي، ومعقل بن قيس الرياحي، صاحب شرطة علي بن أبي طالب
رضي الله وقد مر حديثه فيما أمليناه من الكتاب. والعلهان عبد الله بن الحارث بن عاصم بن عبيد بن
ثعلبة بن يربوع، وهو أبو مليل. قال أبو عبيدة: وإنما سمي العلهان في يوم بني غبر بملهم. قال:
فجعل يقتلّهم، فقيل اقتلوه، فإنه رجل علهان لا يعقل. قال: وذلك لأنهم قتلوا أخاه فطلبهم بترته.
هَلا طَعَنتَ الخيلَ يومَ لقيتَها ... طَعْنَ الفَوارِسِ مِنْ بَني عُقفان
قال الأصمعي: خرج نفر من الخوارج على الحجاج بن يوسف، وحوشب بن يزيد على شرطة
الكوفة. قال: فتحصن حوشب في القصر،
стр. 844
وأخذ الخوارج على أهل الكوفة بأفواه السكك، مما يلي
الحيرة. فقال إياس بن حصين بن زياد بن عقفان: كم عدة الخوارج؟ قالوا: كذا وكذا. فقال لبنيه: يا
بني لا يخرج إليهم إلا عدتهم. قال: فخرجوا إليهم، فجاء كل رجل من بني عقفان برأس من
الخوارج. قال: وبلغ الخبر، فبعث إلى إياس بن حصين فقال: افرضوا في ثلثمائة في السنة، فقال في
ذلك إياس بن حصين:
ما في ثَلاثٍ ما يجُهّزنَ غازياً ... ولا في ثلاثٍ مَنْعَةٌ لِفَقيرِ
فقال الحجاج، حين بلغه شعره: افرضوا له في الشرف. ففرضوا في ألفي درهم، وهي درجة أهل
الشرف.
ألقُوا السلاحَ إليّ آلَ عُطارِد ... وتَعاظَموا ضرطاً على الدُكان
يا ذا العَباءة إن بِشرا قد قضى ... أنْ لا تجوزَ حُكومةُ النّشوانِ
يريد بشر بن مروان بن الحكم. وقوله يا ذا العباءة، يعني الأخطل. قال: والعباءة الكساء، يعيره
بلبس الكساء.
فدَعوا الحكومةَ لَستُمُ مِنْ أهلِها ... إنّ الحكومَةَ في بَني شَيبان
بَكرٌ أحقُ بأن يكونوا مَقنَعاً ... أو أنْ يَفوا بحقيقةِ الجيران
قَتلوا كُلَيبَكُمُ بلَقحَةِ جارِهم ... يا خُزرَ تغلِبَ لَستُمُ بِهجان
كَذَبَ الأخيطلُ إنّ قومي فيهمُ ... تاجُ المُلوكِ ورايَةُ النُعمان
منهُمْ عُتيبَةُ والمُحِلُ وقَعنَبٌ ... والحَنتَفان ومِنهُمُ الرّدفان
يريد عتيبة بن الحارث بن شهاب، والمحل بن قدامة بن أسود بن أبي ابن الحمرة بن جعفر بن ثعلبة
بن يربوع. وقعنب بن عتاب بن الحارث بن عمرو بن همام بن رياح بن يربوع. ويروى في بعض
قول الرواة وطارق والقعنبان، وهو طارق بن حصبة بن أزنم بن عبيد بن
стр. 845
ثعلبة بن يربوع، أسر قابوس بن المنذر. قال: والحنتفان ابنا أوس بن إهاب بن حميري بن رياح بن يربوع.
قال أبو جعفر: الحنتفان يعني حنتف بن السجف، وأخاه، وهما ثعلبيان.
ومن روى القعنبان، عنى قعنب بن عتاب بن هرمي.
إنيّ لَيُعرَفُ في السرادقِ مَنزلِي ... عندَ المُلوكِ وعندَ كُلّ رِهان
ما زالَ عِيضُ بَني كُليب في حِمّى ... أشِبٍ ألفٍ مَنابِتِ العِيصان
قال: العيص الأصل. والألف الكثير النبت. وإنما ضربه مثلا يريد أن أصلنا لا يُرام منعة.
الضّارِبينَ إذا الكُماةُ تَنازَلوا ... ضرباً يَقُدُ عَواتِقَ الأبدان
الكماة الأبطال الأشداء الذين يُعرف مكانهم في الحرب. والأبدان الدروع، واحدها بدن.
وحمَى الفَوارِسُ مِنْ غُدانَةَ إنهُمْ ... نِعمَ الحُماةُ عَشِيّةَ الإرنان
قال: إنما عنى بذلك وكيع بن حسان بن قيس بن أبي سود، ومن شهدة من بني غُدانة، حين قتل
قتيبة بن مسلم، وغلب على منابر خُراسان، وقد مر حديثه فيما أمليناه من الكتاب. وقوله الإرنان،
يريد عشية تكثر فيها الأصوات، وهي الرنة.
إنّا لَنَستَلِبُ الجَبابِرَ تاجَهُمْ ... قابوسُ يَعلَمُ ذاكَ والجَونان
وقد مر حديث قابوس يوم طخفة.
ولقد شَفَوكَ مِنَ المُكَوّى جَنبُهُ ... واللهُ أنزلَهُ بدارِ هَوانِ
جارَيتَ مُطّلعُ الجِراء بِنابِهِ ... رَوقٌ شَبيبَتُهُ وعُمرُكَ فان
ما زِلتُ مُذ عَظُمَ الخِطارُ مُعاوِداً ... ضَبرَ المِائِينَ وسَبقَ كُلّ رِهان
следующие страницы →