← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13614

تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة

ناصر الدين البيضاوي

Полный текст (1 692 стр.). Показаны 1296–1335 · переход к 1301.

стр. 1296

وقيل: هو نفي لتأخيرهم المحرم إلى صفر, والمراد به: المنع عنه. ويحتمل أن يكون نفيا لما يتوهم أن شهر صفر تكثر فيه الدواهي والفتن. وفي رواية: "ولا نوء ولا صفر" (النوء): سقوط نجم من منازل القمر مع طلوع الصبح, وهي ثمانية وعشرون نجما, يسقط في كل ثلاثة عشرة ليلة نجم منها في المغرب مع طلوع الفجر, ويطلع آخر يقابله في المغرب من ساعته, وكانوا يزعمون: أنه لا بد وأن يحدث عند كل نوء منها مطر, أو ريح, أو غير ذلك, ويضيفون الحوادث إليه, فأنكر عليهم ذلك ونفاه. ... ١١٧٤ - ٣٥٤٠ - وعن جابر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا عدوى, ولا صفر, ولا غول" "وفي حديث جابر: ولا غول" (الغول) أيضا من زعماتهم, يقولون: هو ضرب من الجن يتشخص لمن يمشي وحده في الفلاة, أو في الليلة الليلاء, ويمشي قدامه, فيظن الماشي خلفه: أنه إنسان, فيتبعه حتى يوقعه في مهلكة. وقوله: "لا غول"يحتمل أن يكون المراد به: نفيه رأسا, ويحتمل أن يكون المراد به: نفيه على الوجه الذي يزعمونه, ويدل عليه أنه جاء

стр. 1297

في الأحاديث ما يدل على وجوده. ... من الحسان: ١١٧٥ - ٣٥٤٣ - عن قطن بن قبيصة, عن أبيه: أن النبي ﷺ قال: "العيافة والطرق والطيرة من الجبت" (من الحسان): "عن قطن بن قبيصة, عن أبيه: أن النبي ﷺ قال: العيافة والطرق والطيرة من الجبت" (قبيصة) هذا: هو ابن مخارق بن عبد الله الهلالي, عداده في أهل البصرة. و"العيافة": الزجر, وهو التفاؤل بأسماء الطيور, وأصواتها, وألوانها, كما يتفاءل بالعقاب على العقوبة, والغراب على الغربة, وبالهدهد على الهدى, والفرق بينهما وبين الطيرة هي التشاؤم بها, وقد يستعمل في التشاؤم بغيرها. و"الطرق":الضرب بالحصا, وهو ضرب من الكهانة يعلمها النساء. و"الجبت" في الأصل: الجبس, وهو الفسل الذي لا خير فيه, وقيل: أصله: جبس, فبدلت التاء بالسين تنبيها على المبالغة في

стр. 1298

الفسولة, كما بدلت في (النات) في قول الشاعر عمرو بن يربوع: شرار النات ثم استعير لما عبد من دون الله, وللساحر والسحر, لخساستها وعدم اعتبارهما. وقد فسر في الحديث على كل واحد منها, ولا بد من إضمار في الأولين مثل: إنه مما يماثل عبادة الجبت, أو من قبيلها, أو من أعمال الجبت, أي: الساحر. ... ١١٧٦ - ٣٥٤٤ - عن عبد الله بن مسعود, عن رسول الله ﷺ قال: "الطيرة شرك, الطيرة شرك, قاله ثلاثا- ما منا إلا - ولكن الله يذهبه بالتوكل" قيل: قوله: "وما منا" قول ابن مسعود. "وعن ابن مسعود, عن رسول الله ﷺ قال: الطيرة شرك, الطيرة شرك قاله ثلاثا. وما منا ولكن الله يذهبه بالتوكل. إنما سماها شركا, لأنهم كانوا يرون ما يتشاءمون به سببا مؤثرا في حصول المكروه, وملاحظة الأسباب في الجملة شرك خفي, فكيف إذا انضم إليها جهالة وسوء اعتقاد؟! "وما منا " قيل: إنه قول ابن مسعود, والمعنى: ما منا إلا من يعرض له توهم بسبب الطيرة

стр. 1299

لتعوذهم بها, فحذف المستثنى كراهة أن يتفوه به. ... ١١٧٧ - ٣٥٤٦ - وعن سعد بن مالك: أن رسول الله ﷺ قال: لا هامة, ولا عدوى, ولا طيرة, وإن تكن الطيرة في شيء ففي الدار والفرس والمرأة" "وفي حديث سعد: فإن تكن الطيرة في شيء ففي الدار والفرس والمرأة" أراد بالطيرة هاهنا: الشؤم, وقد روي بلفظه, وربط هذه الشرطية بالفاعل. قوله: "ولا طيرة"يدل على أن الشؤم أيضا منفي عنها, والمعنى: أن الشؤم لو كان له وجود في شيء لكان في هذه الأشياء, فإنها أقبل الأشياء له, لكن لا وجود له فيها, فلا وجود له أصلا. ... ١١٧٨ - ٣٥٥٠ - وروي عن فروة بن مسيك أنه قال: يا رسول الله! أرض عندنا هي أرض ريعنا وميرنا, وإن وباءها شديد؟ فقال: "دعها عنك فإن من القرف التلف" "وفي حديث فروة بن مسيك: أن من القرف التلف" "القرف": مداناة الوباء والمرض, وأصله: التهمة.

стр. 1300

و"فروة": هو فروة بن مسيك بن الحارث بن سلمة بن الحارث المرادي. ... ٣ - باب الكهانة من الصحاح: ١١٧٩ - ٣٥٥١ - عن معاوية بن الحكم ﵁ قال: قلت: يا رسول الله! أمورا كنا نصنعها في الجاهلية, كنا نأتي الكهان؟ قال: "فلا تأتوا الكهان"قال: قلت: كنا نتطير؟ قال: "ذلك شيء يجده أحدكم في نفسه فلا يصدنكم", قال: قلت: وما منا رجال يخطون؟ قال: "كان نبي من الأنبياء يخط فمن وافق خطه فذاك" (باب الكهانة) (من الصحاح): حديث معاوية بن الحكم مشروح في (كتاب الصلاة) فمن أشكل عليه فليطلب منه. ... ١١٨٠ - ٣٥٥٢ - عن عائشة ﵂ قالت: سأل الناس

стр. 1301

رسول الله ﷺ عن الكهان؟ فقال لهم رسول الله ﷺ : "ليسوا بشيء", قالوا: يا رسول الله ﷺ ! فإنهم يحدثون أحيانا بالشيء يكون حقا؟ فقال رسول الله ﷺ : "تلك الكلمة من الحق يخطفها الجني فيقرها في أذن وليه قر الدجاجة, فيخلطون فيها أكثر من مئة كذبة" "وفي حديث عائشة: قالوا: يا رسول الله! فإنهم يحدثون أحيانا بالشيء يكون حقا, فقال: تلك الكلمة من الحق يحفظها الجني, فيقرها في أذن قر الزجاجة, فيخلطون فيها أكثر من مئة كذبة" من أسباب ما يحصل للناس من تقدمة المعرفة بالأمور التي ستحدث: لأن بعض الجواهر الأرضية الغائبة عن الأبصار التي يقال لها: الجن تتصل بالجواهر القدسية السماوية التي يقال لها: الملائكة اتصالا ما بسبب ما بينهما من التناسب, فينقش بما فيها من النقوش, ويستفيد بعض ما لها من العلوم بحسب الاستعداد, وهي معنى قوله: "يحفظها الجني" وقد صرح به بعض التصريح في رواية أخرى فقال: "الملائكة تحدث في العنان, فتسمع الشياطين الكلمة" ثم يلقي بعض ما يلفقه إلى نفوس بعض الأشخاص التي تناسبه, وهو معنى قوله: "فيقرها في أذن وليه قر الزجاجة" أي: يصبه في أذنه صب الزجاجة ما فيها دفعة, ومنه: قررت الكلام في أذنه, إذا

стр. 1302

وضعت فاك على أذنه, فأسمعته كلامك, وروي: "قر الزجاجة", ويكون المعنى: يصوت بها في أذن صاحبه, من قولهم: قرت الدجاجة قرا وقريرا, إذا قطعت صوتها, والله أعلم.

стр. 1303

(٢٢) كتاب الرؤيا

стр. 1304

(٢٢) كتاب الرؤيا من الصحاح: ١١٨١ - ٣٥٦٤ - وقال: "الرؤيا الصالحة من الله, والحلم من الشيطان, فإذا رأى أحدكم ما يحب فلا يحدث به إلا من يحب, وإذا رأى ما يكره فليتعوذ بالله من شرها ومن شر الشيطان وليتفل ثلاثا, ولا يحدث بها أحدا فإنها لن تضره" "عن أبي هريرة أنه ﵊ قال: الرؤيا الصالحة من الله, والحلم من الشيطان" "الرؤيا": ما يراه النائم, وكذلك الحلم, ويكثر استعماله فيما لا عبرة به, ولا أصل له, والرؤيا الصالحة إعلام وتنبيه من الله بتوسط الملك, ولذلك عدها في الحديث السابق من أجزاء النبوة, وتحقيقه: أن النفوس البشرية خلقت بحيث لها بالذات تعلق واتصال بالملك الموكل على عالمنا, هذا الموكل إليه تدبير أمره, وهو المسمى في هذا الباب بملك الرؤيا, لكنها ما دامت مستغرقة في أمر البدن وتدبير معاشها وتدبر أحوالها, كانت معوقة من ذلك, فإذا نام, وحصل لها

стр. 1305

أدنى فراغ, اتصلت بطباعها, فينطبع فيها من المعاني والعلوم الحاصلة له من مطالعة اللوح المحفوظ, والإلهامات الفائضة عليه من جناب القدس= ما هو أليق بها من أحوالها وأحوال ما يقرب إليها من الأهل والولد والمال والبلد وغير ذلك, فتحاكيه القوة المتخيلة بصورة جزئية مناسبة إلى الحس المشترك, فتنطبع فيه, فتصير محسوسة مشاهدة, ثم إن كانت تلك المناسبة ظاهرة جلية, كانت الرؤيا غنية عن التعبير, وإلا كانت مفتقرة إليه, وهو تحليل تلك المناسبة بالرجوع قهقرى إلى المعنى المتلقي من الملك. وأما الرؤيا الكاذبة فسببه الأكثري تخيل فاسد تركبه القوة المتخيلة بسبب أفكار فاسدة اتفقت لها حال اليقظة, أو سوء مزاج أو امتلاء ونحو ذلك, فيلقيه على الحس المشترك, وقد يكون بسبب استعراض الحس, والتفاته إلى بعض المخزونات الخيالية المرتسمة في الخيال من مشاهدة المحسوسات حال اليقظة. ولما كان للشيطان مدخل في هذه الأقسام, لأنها تتولد من الاستغراق في أمر البدن, والانهماك في الشهوات, والإعراض الكلي عن عالم الملكوت والاعتناء بأمره, أضاف الحلم إلى الشيطان. ... ١١٨٢ - ٣٥٦٦ - وقال: "إذا اقترب الزمان لم تكد تكذب رؤيا المؤمن, ورؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة, وما كان

стр. 1306

من النبوة فإنه لا يكذب" رواه محمد بن سيرين, عن أبي هريرة ﵁, عن النبي ﷺ , قال محمد: وأنا أقول: الرؤيا ثلاث: حديث النفس, وتخويف الشيطان, وبشرى من الله, فمن رأى شيئا يكرهه فلا يقصه على أحد, وليقم فليصل, قال: وكان يكره الغل في النوم ويعجبه القيد, ويقال: القيد ثبات في الدين, وأدرج بعضهم الكل في الحديث. "وعنه أنه ﵊ قال: إذا اقترب الزمان لم تكد تكذب رؤيا المؤمن" المراد باقتراب الزمان: دنو الساعة, ومجيء آخر الزمان, وقيل: تقارب الأيام والليالي, يريد: إذا كان فصل الربيع, فإنه حينئذ يكون المزاج مستقيما, والهواء معتدلا, والأول أصح, لأنه جاء في رواية أخرى: "إذا كان آخر الزمان لم تكد تكذب رؤيا المؤمن". واختلف في خبر (كاد) المنفي, والأظهر أنه يكون أيضا منفيا, لأن حرف النفي الداخل على (كاد) ينفي قرب حصوله, والنافي قرب حصول الشيء أدل على نفيه في نفسه, ويدل عليه قوله تعالى: ﴿إذا أخرج يده لم يكد يراه﴾ [النور:٤٠]. ... ١١٨٣ - ٣٥٧٠ - وعن أبي موسى ﵁, عن النبي ﷺ قال:

стр. 1307

"رأيت في المنام أني أهاجر من مكة إلى أرض بها نخل, فذهب وهلي إلى أنها اليمامة, أو هجر, فإذا هي المدينة يثرب, ورأيت في رؤياي هذه أني هززت سيفا فانقطع صدره, فإذا هو ما أصيب من المؤمنين يوم أحد, ثم هززته أخرى فعاد أحسن ما كان, فإذا هو ما جاء الله به من الفتح واجتماع المؤمنين". "وفي حديث أبي موسى: فذهب وهلي إلى أنها اليمامة, أو هجر, فإذا هي المدينة" (الوهل) بالسكون: الوهم, وبالتحريك: الفزع, أي ذهب ظني إلى أن الأرض التي رأيت المهاجرة إليها يمامة أو هجر, وكانت المدينة. وفيه: "ثم هززته", أي: حركت السيف مرة أخرى. ... ١١٨٤ - ٣٥٧١ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "بينا أنا نائم, أتيت بخزائن الأرض, فوضع في كفي سواران من ذهب فكبرا علي, فأوحي إلي: أن أنفخهما, فنفختهما فذهبا, فأولتهما الكذابين اللذين أنا بينهما: صاحب صنعاء, وصاحب اليمامة". وفي رواية: "يقال لأحدهما: مسيلمة صاحب اليمامة, والعنسي صاحب صنعاء" "عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : بينا أنا نائم أتيت

стр. 1308

بخزائن الأرض, فوضع في كفي سواران من ذهب, فكبرا على, فأوحي إلي أن انفخهما, فنفختهما, فذهبا, فأولتهما الكذابين اللذين أنا بينهما, صاحب صنعاء, وصاحب اليمامة". "أن"هي المفسرة, وصح وقوعها بعد قوله: (أوحي) , لتضمنه معنى القول, وإنما أمر بنفخهما ليدل على سهولة أمرهما, وإنما يذهبان بأدنى سعي. ووجه تأويل السوارين بالكذابين- والعلم عند الله تعالى- أن السوار يشبه قيد اليد, والقيد فيها يمنعها عن البطش, ويكفها عن الاعتمال والتصرف على ما ينبغي, فيشابه من يقوم بمعارضته, ويأخذ بيده, فيصده عن أمره. و"صنعاء": بلدة باليمن, وصاحبها الأسود العنسي, تنبأ بها في آخر عهد الرسول ﷺ , فقتله فيروز الديلمي في مرض وفاة الرسول صلوات الله عليه, فبلغه الخبر, فقال- ﵊: "فاز فيروز" و"اليمامة": بلاد للعرب كان اسمها جوا, وكانت فيها امرأة يقال لها: اليمامة, وكانت مشهورة بأنها تبصر الراكب من مسيرة ثلاثة أيام, بحيث ضرب بها المثل, فقيل: أبصر من اليمامة, فأضيف إليها, وقيل: جو اليمامة, فلما كثرت تلك الإضافة تركت, وسميت باسمها, وصاحبها مسيلمة قتله الوحشي قاتل حمزة في خلافة الصديق ﵁.

стр. 1309

١١٨٥ - ٣٥٧٣ - عن سمرة بن جندب ﵁ قال: "كان النبي ﷺ إذا صلى أقبل علينا بوجهه فقال: "من رأى منكم الليلة رؤيا؟ قال: فإن رأى أحد قصها, فيقول: "ما شاء الله! " فسألنا يوما فقال: " هل رأى منكم أحد رؤيا؟ " قلنا: لا, قال: "لكني رأيت الليلة رجلين أتياني, فأخذا بيدي فأخرجاني إلى أرض مقدسة, فإذا رجل جالس, ورجل قائم بيده كلوب من حديد, يدخله في شدقه فيشقه حتى يبلغ قفاه, ثم يفعل بشدقه الآخر مثل ذلك, ويلتئم شدقه فيشقه هذا, فيعود فيصنع مثله, قلت: ما هذا؟ قالا: انطلق, فانطلقنا حتى أتينا على رجل مضطجع على قفاه, ورجل قائم على رأسه بفهر أو صخرة يشدخ به رأسه, فإذا ضربه تدهده الحجر, فانطلق إليه ليأخذه, فلا يرجع إلى هذا حتى يلتئم رأسه, وعاد رأسه كما كان, فعاد إليه فضربه, فقلت: ما هذا؟ قالا: انطلق, فانطلقنا حتى أتينا إلى نقب مثل التنور, أعلاه ضيق وأسفله واسع, تتوقد تحته نار, فإذا اتقدت ارتفعوا حتى يكادوا يخرجون منها, فإذا خمدت رجعوا فيها, وفيها رجال ونساء عراة, فقلت: ما هذا؟ قالا: انطلق, فانطلقنا حتى أتينا على نهر من دم, فيه رجل قائم, وعلى شط النهر رجل بين يديه حجارة, فأقبل الرجل الذي في النهر, فإذا أراد أن يخرج رمى الرجل بحجر في فيه, فرده حيث كان, فجعل كلما جاء ليخرج رمى في فيه بحجر فيرجع كما كان, فقلت: ما هذا؟ قالا: انطلق, فانطلقنا حتى

стр. 1310

انتهينا إلى روضة خضراء فيها شجرة عظيمة, وفي أصلها شيخ وصبيان, وإذا رجل قريب من الشجرة بين يديه نار يوقدها, فصعدا بي الشجرة فأدخلاني دارا أوسط الشجرة لم أر قط أحسن منها, فيها رجال شيوخ وشبان ونساء وصبيان, ثم أخرجاني منها فصعدا بي الشجرة, فأدخلاني دارا هي أفضل وأحسن, فيها شيوخ وشبان, فقلت لهما: إنكما قد طوفتماني الليلة فأخبراني عما رأيت, قالا: نعم, أما الذي رأيته يشق شدقه فكذاب يحدث بالكذبة فتحتمل عنه حتى تبلغ الآفاق, فيصنع به ما ترى إلى يوم القيامة, والذي رأيته يشدخ رأسه فرجل علمه الله القرآن, فنام عنه بالليل ولم يعمل بما فيه بالنهار, يفعل به ما رأيت إلى يوم القيامة, والذي رأيته في النقب فهم الزناة, والذي رأيته في النهر آكل الربا, والشيخ الذي رأيته في أصل الشجرة إبراهيم ﵇ والصبيان حوله فأولاد الناس, والذي يوقد النار مالك خازن النار, والدار الأولى التي دخلت دار عامة المؤمنين, وأما هذه الدار فدار الشهداء, وأنا جبريل, وهذا ميكائيل, فارفع رأسك, فرفعت رأسي فإذا فوقي مثل السحاب -وفي رواية: مثل الربابة البيضاء- قالا: ذاك منزلك, قلت: دعاني أدخل منزلي, قالا: إنه بقي لك عمر لم تستكمله فلو استكملته أتيت منزلك". "وفي حديث سمرة بن جندب: ورجل قائم بيده كلوب من حديد"

стр. 1311

(الكلوب) والكلاب: ما يتعلق بالشيء مع شدة, فيجذب به. "وفيه: رجل قائم على رأسه بفهر أو صخرة, يشدخ به رأسه, فإذا ضربه تدهده الحجر" (الفهر): حجر ملء الكف, يذكر ويؤنث, والجمع: أفهار. و (الصخرة): الحجرالعظيم. و (التدهده): التدحرج. ... من الحسان: ١١٨٦ - ٣٥٧٤ - عن أبي رزين العقيلي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "رؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة, وهي على رجل طائر ما لم يحدث بها, فإذا حدث بها وقعت -وأحسبه قال:- لا يحدث إلا حبيبا أو لبيبا" وفي رواية: "الرؤيا على رجل طائر ما لم تعبر, فإذا عبرت وقعت,-أحسبه قال: -ولا تقصها إلا على واد أو ذي رأي" "وفي حديث أبي رزين العقيلي: وهي على رجل طائر ما لم يحدث بها, فإذا حدث بها وقعت" الضمائر للرؤيا, والمعنى: أنها كالشيء المعلق برجل الطائر, لا استقرار لها ما لم يتكلم بها أو بتعبيرها, وتدل عليه الرواية الأخرى,

стр. 1312

ولعله أراد به: المنع عن التحدث بما يكره, والتوهم لنزوله, إذ الغالب أنه من أضغاث الأحلام, أو حث المعبر على أن يعبرها تعبيرا حسنا, فإن الوهم يفعل ما لا تفعل الرؤيا, ولذلك قال: "لا تقصها إلا على واد أو ذي رأي" أي: على حبيب لا يقع في قلبه لك إلا خير, أو عاقل لبيب, لا يقول إلا بفكر بليغ ونظر صحيح, ولا يواجهك إلا بخير, والله أعلم.

стр. 1313

(٢٣) كتاب الأدب

стр. 1314

(٢٣) كتاب الأدب من الصحاح: ١١٨٧ - ٣٥٧٩ - عن عبد الله بن عمرو ﵄: أن رجلا سأل النبي ﷺ : أي الإسلام خير؟ قال: "تطعم الطعام, وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف" "في حديث ابن عمر: أي الإسلام خير؟ " أي: أي خصال أهل الإسلام وآدابهم أفضل؟ يدل عليه الجواب بالإطعام والسلام على من عرف أو لم يعرف, ولعل تخصيصهما لعلمه بأنهما يناسبان حال السائل, ولذلك أسندهما إليه, فقال: "تطعم الطعام وتقرأ السلام" ... ١١٨٨ - ٣٥٨٧ - وقال: "إذا سلم عليكم أهل الكتاب فقولوا: وعليكم" "وعن أنس: أنه ﵊ قال: إذا سلم عليكم أهل

стр. 1315

الكتاب فقولوا: وعليكم" هذا الجواب إذا لم يتوهم منه تعريض بالدعاء علينا, كان دعاء لهم بالإسلام, فإنه مناط السلامة في الدارين. وإذا توهم مثل إنهم كانوا يقولون: السام عليكم, فيلوون به ألسنتهم, بحيث يلتبس بالسلام, كان تقديره: وأقول: عليكم ما تريدون بنا أو تستحقونه, ولا يكون (عليكم) عطفا على (عليكم) في كلامهم, وإلا لتضمن ذلك تقرير دعائهم, ولذلك كان في الحديث الذي قبله: "فقل: عليك"بغير واو, وقد روي ذلك بالواو أيضا, وتأويله ما قلناه. ... من الحسان: ١١٨٩ - ٣٥٩٥ - عن أبي جري الهجيمي ﵁ قال: أتيت النبي ﷺ فقلت: عليك السلام يا رسول الله! فقال: "لا تقل عليك السلام, فإن عليك السلام, تحية الموتى". "في حديث أبي جري الهجيمي: عليك السلام تحية الموتى" كان من عادتهم تقديم السلام في تحية الأحياء, ليكون أول ما يقرع السمع لفظ السلام, ليأمن منه صاحبه, ويسكن روعه, وتأخيره في تحية الأموات تفرقة بين التحتين, وقد جاء التقديم فيهما على الأصل, كما سبق ذكره في (كتاب الجنائز).

стр. 1316

٢ - باب الاستئذان من الصحاح: ١١٩٠ - ٣٦١٢ - وقال عبد الله بن مسعود ﵁: قال لي النبي ﷺ : "إذنك على أن ترفع الحجاب وأن تسمع سوادي حتى أنهاك". "في حديث عبد الله بن مسعود: قال لي النبي ﷺ : إذنك علي أن يرفع الحجاب, وأن تسمع سوادي حتى أنهاك". "سوادي", أي: سراري, يريد به: الإسرار, وإنما سمي السرار سواده, لأنه يتقارب له سواد المتناجين, وهو كل شخص مظل, وجمعه: أسوده, وجمع الجمع: أساود. ... من الحسان: ١١٩١ - ٣٦١٦ - وعن كلدة بن حنبل: أن صفوان بن أمية بعث بلبن وجداية وضغابيس إلى النبي ﷺ , والنبي ﷺ بأعلى الوادي, قال: فدخلت عليه ولم أسلم ولم أستأذن, فقال النبي ﷺ : "ارجع فقل: السلام عليكم, أأدخل؟ "

стр. 1317

"في حديث كلدة بن حنبل الأسلمي: أن صفوان بن أمية بعث بلبن وجداية وضغابيس". (الجداية) بالكسر: ولد الظبي, بمنزلة الجدي من الغنم, وقد تفتح. و (الضغابيس): جمع ضغبوس, وهو القثاء الصغير, وقد يشبه به الرجل الضعيف. و"كلدة": أخو صفوان من الأم. ... ٣ - باب المصافحة والمعانقة من الصحاح: ١١٩٢ - ٣٦٢٠ - عن أبي هريرة ﵁ قال: "خرجت مع رسول الله ﷺ حتى أتى جناب فاطمة فقال: أثم لكع؟ -يعني حسنا- فلم يلبث أن جاء يسعى حتى اعتنق كل واحد منهما صاحبه" "وفي حديث أبي هريرة: خرجت مع النبي ﷺ حتى أتى جناب فاطمة, فقال: أثم لكع؟ يعني: حسنا" (الجناب) بالفتح: مقدم الباب.

стр. 1318

و (اللكع): الصغير, وقد يستعمل للعبد واللئيم والأحمق على الاستعارة, لصغر قدرهم, وقلة عقولهم. ... من الحسان: ١١٩٣ - ٣٦٢٦ - عن عائشة ﵂ قالت: قدم زيد بن حارثة ﵁ المدينة ورسول الله ﷺ في بيتي, فأتاه فقرع الباب, فقام إليه رسول الله ﷺ عريانا يجر ثوبه, والله ما رأيته عريانا قبله ولا بعده, فاعتنقه وقبله. "عن عائشة قالت: قدم زيد بن حارثة المدينة, ورسول الله ﷺ في بيتي, فأتاه, فقرع الباب, فقام إليه عريانا, يجر ثوبه, والله ما رأيت عريانا قبله ولا بعده, فاعتنقه وقبله" أرادت: عريانا استقبل رجلا واعتنقه, فاختصرت الكلام, لدلالة الحال. ... ١١٩٤ - ٣٦٢٩ - عن أسيد بن حضير رجل من الأنصار قال: بينما هو يحدث القوم وكان فيه مزاح, بينما يضحكهم فطعنه النبي ﷺ في خاصرته بعود, فقال: أصبرني, فقال: "اصطبر", قال: إن عليك قميصا وليس علي قميص, فرفع النبي ﷺ عن قميصه, فاحتضنه وجعل

стр. 1319

يقبل كشحه, قال: إنما أردت هذا يا رسول الله!. "وفي حديث أسيد بن حضير: فقال: أصبرني ... اصطبر" "أصبرني" أي: مكني من القصاص, حتى أطعن خاصرتك كما طعنت خاصرتي, "قال" أي: الرسول, "اصطبر" أي: اقتص, يقال أصبره القاضي فاصطبر, أي: مكنه من القصاص, وحكم له به, فاقتص, واستوفى القصاص. وفيه: "فرفع النبي ﷺ عن قميصه, فاحتضنه, وجعل يقبل كشحه" "احتضنه": اعتنقه, وأخذه في حضنه, وهو ما دون الإبط إلى الكشح, وهو ما بين الخاصرة إلى الضلع. ... ١١٩٥ - ٣٦٣٣ - وعن عائشة ﵂ أنها قالت: ما رأيت أحدا كان أشبه سمتا وهديا ودلا-وفي رواية - حديثا وكلاما برسول الله ﷺ من فاطمة, كانت إذا دخلت عليه قام إليها فأخذ بيدها فقبلها وأجلسها في مجلسه, وكان إذا دخل عليها قامت إليه فأخذت بيده فقبلتها وأجلسته في مجلسها. "وفي حديث عائشة ﵂: ما رأيت أحدا كان أشبه سمتا وهديا ودلا برسول الله ﷺ من فاطمة ﵍"

стр. 1320

(السمت) في الأصل: القصد, والمراد به: طريقة أهل الخير وسمتهم. و (الهدى) و (الدل) المراد به: المشي على هيئة ووقار, والله أعلم. ... ٤ - باب القيام من الصحاح: ١١٩٦ - ٣٦٣٦ - عن أبي سعيد الخدري ﵁ أنه قال: لما نزلت بنو قريظة على حكم سعد بعث إليه رسول الله ﷺ وكان قريبا منه, فجاء على حمار فلما دنا من المسجد قال رسول اله ﷺ للأنصار: "قوموا إلى سيدكم". "في حديث أبي سعيد: فلما دنا من المسجد قال رسول الله ﷺ للأنصار: قوموا إلى سيدكم" قيل: أمرهم بالقيام إلى سعد بن معاذ, لتعظيمه, وقيل: إنما أمرهم, ليعينوه في النزول من الحمار, إذ كان به مرض وأثر جرح أصاب أكحله يوم الأحزاب.

стр. 1321

من الحسان: ١١٩٧ - ٣٦٤٢ - عن سعيد بن أبي الحسن قال: جاءنا أبو بكرة في شهادة, فقام له رجل من مجلسه فأبى أن يجلس فيه وقال: إن النبي ﷺ نهى عن ذا, ونهى النبي ﷺ أن يمسح الرجل يده بثوب من لم يكسه. "في حديث سعيد بن أبي الحسن قال: جاءنا أبو بكرة في شهادة, فقام له رجل من مجلسه, فأبى أن يجلس فيه, وقال: إن النبي ﷺ نهى عن ذا, ونهى النبي ﷺ أن يمسح الرجل يده بثوب من لم يكسه" "في شهادة" أي: جمع حاضرين ونحن فيهم, وإنما نهى عن القيام, لئلا يتمكن في النفوس حب الجاه والمفاخرة, ولأنه كان من عادة العجم يقومون لعتاتهم وجبابرتهم, فكره ذلك, أما إن قام لأخيه المسلم استكانة لنفسه وتعظيما لدينه, فقد أحسن, ويدل عليه ظاهر الحديث أبي سعيد. والنهي الثاني أراد به: المنع عن التصرف في مال الغير, والتحكم على من لا ولاية له عليه, والله أعلم.

стр. 1322

٥ - باب الجلوس والنوم والمشي من الصحاح: ١١٩٨ - ٣٦٤٧ - عن عباد بن تميم, عن عمه أنه قال: رأيت رسول الله ﷺ في المسجد, مستلقيا واضعا إحدى قدميه على الأخرى. "عن عباد بن تميم عن عمه قال: رأيت رسول الله ﷺ في المسجد مستلقيا واضعا إحدى قدميه على الأخرى" "عمه": عبد الله بن زيد بن عاصم المازني. والتوفيق بين هذا الحديث وبين ما روى جابر: أنه قال ﵊: "لا يستلقين أحدكم, ثم يضع إحدى رجليه على الأخرى": أن يقال: إنه ﷺ لما فعل ذلك كان متسرولا, والنهي مخصوص بالمتزرين, وإنما أطلق اللفظ, لأن الغالب فيهم الاتزار. ... ١١٩٩ - ٣٦٥٠ - عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "بينما رجل يتبختر في بردين وقد أعجبته نفسه, خسف به الأرض, فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة" "وفي حديث أبي هريرة: فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة"

стр. 1323

أي: يتحرك ويغوص فيها, وقد سبق ذكره مرة أخرى. ... من الحسان: ١٢٠٠ - ٣٦٥٣ - وعن قيلة بنت مخرمة: أنها رأت رسول الله ﷺ في المسجد وهو قاعد القرفصاء, قالت: فلما رأيت رسول الله ﷺ المتخشع أرعدت من الفرق. "عن قيلة بنت مخرمة الغنوية: أنها رأت رسول الله ﷺ في المسجد وهو قاعد القرفصاء, قالت: فلما رأيت رسول الله ﷺ المتخشع أرعدت من الفرق" بضم الفاء مدا وقصرا: جلسة المحتبي, على أن الاحتباء بالثوب, والقرفصاء باليد, مأخوذ من (القرفصة) , وهو: أن يجمع الإنسان ويضم إحدى يديه بالأخرى تحت الركبة. و"المتخشع": صفة رسول الله ﷺ , ولا يجوز أن يجعل ثاني مفعولي (رأيت) لأنه هاهنا بمعنى: أبصرت. و"أرعدت من الفرق" جواب (لما) والمعنى: أنه- ﵊ مع اشتهاره بالتخشع لما رأيته هبته بحيث أرعدت من الفرق, وهذا غاية في المهابة, ودليل على أن مهابته أمر سماوي ليس بالتصنع.

стр. 1324

١٢٠١ - ٣٦٥٤ - وعن جابر بن سمرة ﵁ قال: كان النبي ﷺ إذا صلى الفجر, تربع في مجلسه حتى تطلع الشمس حسناء. "عن جابر بن سمرة قال: كان النبي ﷺ إذا صلى الفجر تربع في مجلسه حتى تطلع الشمس حسناء" قيل: الصواب (حسنا) على المصدر, أي: طلوعا حسنا, معناه: أنه كان يجلس متربعا في مجلسه إلى أن ترتفع الشمس, وفي أكثر النسخ: "حسناء" فعلى هذا يحتمل أن يكون صفة لمصدر محذوف, والمعنى ما سبق, أو حالا والمعنى: حتى تطلع الشمس نقية بيضاء زائلة عنها الصفرة التي تتخيل فيها عند الطلوع بسبب ما يعترض دونها على الأفق من الأبخرة والأدخنة. ... ١٢٠٢ - ٣٦٥٩ - عن علي بن شيبان قال: قال رسول الله ﷺ : "من بات على ظهر بيت ليس عليه حجاب فقد برئت منه الذمة" "عن علي بن شيبان قال: قال رسول الله ﷺ : من بات على ظهر بيت ليس عليه حجارة فقد برئت منه الذمة" معناه: من بات على سطح لا سترة له فقد تصدى للهلاك, وأزال العصمة عن نفسه, وصار كالمهدر الذي لا ذمة له, فلعله ينقلب في نومه, فيسقط مهدرا, وأيضا فلأن لكل من الناس عهد

стр. 1325

من الله تعالى الحفظ والكلاءة, فإذا ألقى بيده إلى التهلكة انقطع عنه. و"علي" هذا: حنفي يمامي. ... ١٢٠٣ - ٣٦٦٢ - عن حذيفة ﵁ قال: ملعون على لسان محمد ﷺ من قعد وسط الحلقة. "وعن حذيفة قال: ملعون على لسان محمد ﷺ من قعد وسط الحلقة" أراد بالملعون: المذموم, أو بالقاعد: من قعد وسطها للسخرية, وجعل نفسه ضحكة لأهلها. ... ١٢٠٣/ م - ٣٦٦٣ - وعن جابر بن سمرة قال: جاء رسول الله ﷺ وأصحابه جلوس فقال: "مالي أراكم عزين" "وفي حديث جابر: مالي أراكم عزين" أي: جماعات متفرقة, وقد سبق ذكره. ... ١٢٠٤ - ٣٦٦٥ - وعن أبي هريرة ﷺ قال: إذا أحدكم في الفيء فقلص عنه, فصار بعضه في الشمس فليقم, فإنه مجلس

стр. 1326

الشيطان, ويروى مرفوعا. "وفي حديث أبي هريرة: إذا كان أحدكم في الفيء فقلص عنه" أي: ارتفع بحيث يخلو عنه بعضه, ويكون في الشمس, من قولهم: قلص الثوب, إذا ارتفعت أذياله. ... ١٢٠٥ - ٣٦٦٦ - وعن علي ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ إذا مشى تكفأ تكفؤا كأنما ينحط من صبب" ويروى: كان إذا مشى تقلع. "وعن علي ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ [إذا مشى] تكفأ تكفؤا, كأنما ينحط من صبب" (التكفؤ) بالهمز: الميل تارة إلى اليمين, وتارة إلى الشمال في المشي, من قولهم: تكفأت الميزان, إذا رجحت إحدى كفتيه, ومال إليها, وقيل: معنى قوله: (تكفأ) اعتمد إلى القدام, من قولهم: كفأت الإناء, إذا قلبته, ويؤيده قوله: "كأنما ينحط من صبب" أي: منحدر من الأرض, سمي بذلك لأن الشيء ينصب عنه, وجمعه: أصباب. وقوله في الرواية الأخرى: إذا مشى تقلع, أي: رفع رجليه رفعا بائنا متداركا إحداهما بالأخرى, كما هو عادة أهل الجلادة, وقيل: معناه يسوي في المشي, يقال: كفأه فتكفأ, أي: سواه فتسوى

стр. 1327

١٢٠٦ - ٣٦٦٧ - وعن أبي هريرة قال: ما رأيت أحدا أسرع في مشيه من رسول الله ﷺ , كأنما الأرض تطوى له, إنا لنجهد أنفسنا وإنه لغير مكترث. "وفي حديث أبي هريرة: إنا لنجهد أنفسنا, وإنه لغير مكترث" يجوز فيه فتح النون وضمها, يقال: جهدت الدابة وأجهدتها, إذا حملت عليها في السير فوق طاقتها. و"إنه لغير مكترث" أي: مسرع في المشي, مبال به, متعب نفسه فيه, يقال: اكترث بالأمر, إذا بالى به. ... ١٢٠٧ - ٣٦٦٨ - عن أبي أسيد الأنصاري ﵁: أنه سمع رسول الله ﷺ يقول وهو خارج المسجد, فاختلط الرجال مع النساء في الطريق, فقال للنساء: " استأخرن, فإنه ليس لكن أن تحققن الطريق, عليكن بحافات الطريق" فكانت المرأة تلصق بالجدار حتى إن ثوبها ليعلق بالجدار" "وفي حديث أبي أسيد الأنصاري: فقال للنساء: استأخرن, فإنه ليس لكن أن تحققن الطريق" أي: يسلكن حقه, وحق الشيء وحاقه: وسطه. و (الحافات) بالتخفيف: الجوانب, وجمع: حافة.

стр. 1328

٦ - باب العطاس والتثاؤب من الصحاح: ١٢٠٨ - ٣٦٧١ - عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: إن الله يحب العطاس ويكره التثاؤب, فإذا عطس أحدكم وحمد الله كان حقا على كل مسلم سمعه أن يقول له: يرحمك الله, فأما التثاؤب فإنما هو من الشيطان, فإذا تثاءب أحدكم فليرده ما استطاع, فإن أحدكم إذا تثاءب ضحك منه الشيطان" وفي رواية: "فإن أحدكم إذا قال: ها, ضحك الشيطان" "عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: إن الله يحب العطاس, ويكره التثاؤب" "التثاؤب" بالهمز: التنفس الذي ينفتح منه الفم, وهو إنما ينشأ من الامتلاء وثقل النفس وكدورة الحواس, وذلك يورث الغفلة والكسل وسوء الفهم, ولذلك كرهه الله تعالى, وأحبه الشيطان, وضحك منه. و"العطاس" لما كان سببا لخفة الدماغ, واستفراغ الفضلات عنه, وصفاء الروح النفساني, وتقوية الحواس, كان أمره بالعكس.

стр. 1329

١٢٠٩ - ٣٦٧٤ - وعن أبي موسى ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إذا عطس أحدكم فحمد الله فشمتوه, وإن لم يحمد الله فلا تشمتوه" "وعن أبي موسى قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: إذا عطس أحدكم, فحمد الله فشمتوه" (تشميت العاطس): أن يقال: يرحمك الله, وكأن أصله إزالة الشماتة, فاستعمل للدعاء بالخير, لتضمنه ذلك, وقد يقال بالسين الغير المعجمة, لأنه تسمية الله على الشيء, وذلك إنما يستحقه إذا عرف نعمة الله عليه, وعلم أنه الذي يدفع عنه الأذى ويعافيه, فحمده. ... ٧ - باب الضحك من الصحاح: ١٢١٠ - ٣٦٨٣ - عن عائشة ﵂ قالت: ما رأيت النبي ﷺ مستجمعا ضاحكا حتى أرى منه لهواته, إنما كان يتبسم" "عن عائشة قالت: ما رأيت النبي ﷺ مستجمعا ضاحكا حتى أرى منه لهواته, إنما كان يتبسم" "مستجمعا ضاحكا" أي: مستجمعا في الضحك, بمعنى:

стр. 1330

يضحك تاما, مقبلا بكله على الضحك. و (اللهوات): جمعك لهاة. والله أعلم. ... ٨ - باب الأسامي من الصحاح: ١٢١١ - ٣٦٨٨ - عن جابر ﵁: أن النبي ﷺ قال: سموا باسمي, ولا تكتنوا بكنيتي, فإني إنما جعلت قاسما أقسم بينكم" "عن جابر: أن النبي ﷺ قال: سموا باسمي, ولا تكتنوا بكنيتي, فإني إنما جعلت قاسما بينكم" الكنى تطلق تارة على قصد التعظيم والتوصيف كأبي المعالي وأبي الفضائل, وللنسبة إلى الأولاد كأبي سلمة وأبي شريح, وإلى ما يلابسه كأبي هريرة, فإنه ﵊ رآه ومعه هرة, فكناه بذلك, وللعلمية الصرفة كأبي عمرو وأبي بكر, ولما كان رسول الله ﷺ يكنى أبا القاسم, لأنه يقسم بين الناس من قبل اله تعالى ما يوحي إليه وينزل عليه, وينزلهم منازلهم التي يستحقوها في الشرف والفضل وقسم الغنائم, ولم يكن أحد منهم يشاركه في هذا المعنى = منع أن يكنى به غيره بهذا المعنى, أما لو كنى به أحد للنسبة إلى ابن له اسمه قاسم, أو

стр. 1331

للعلمية المجردة = جاز, ويدلك عليه التعليل المذكور للنهي. وقيل: النهي مخصوص بحال حياته, لئلا يلبس خطابه بخطاب غيره, ويدل عليه نهيه عنه في حديث أنس عقيب ما سمع رجلا يقول: يا أبا القاسم! فالتفت إليه النبي ﷺ , فقال: إنما دعوت هذا. وما روي في (الحسان) عن علي ﵁: أنه قال: يا رسول الله! إن ولد لي بعدك ولد أأسميه محمدا وأكنيه بكنيتك؟ قال: "نعم" وقيل: مخصوص بما إذا سمي باسمه, ونظيره قولهم: اشرب اللبن ولا تأكل السمك, أي: حين شربته, فيكون النهي عن الجمع بينهما, ويدل عليه ما روي في (الحسان) عن أبي هريرة: أن النبي صلوات الله وسلامه عليه نهى أن يجمع بين اسمه وكنيته, ويسمى محمدا أبا القاسم" ... من الحسان: ١٢١٢ - ٣٧٠٦ - وعن جابر ﵁: أن النبي ﷺ قال: "إذا سميتم باسمي فلا تكتنوا بكنيتي", غريب. وفي رواية: "من تسمى باسمي فلا يكتن بكنيتي, ومن اكتنى بكنيتي فلا يتسم باسمي"

стр. 1332

"وعن جابر: من تسمى باسمي فلا يكتن بكنيتي, ومن اكتنى بكنيتي فلا يسم باسمي" ولعل ذاك أيضا كان مخصوصا بأيام حياته, لحديث علي ﵁, إلا أن يجعل ذلك مخصوصا به. ... ١٢١٣ - ٣٧١٦ - عن عائشة: قالت امرأة: يارسول الله! إني ولدت غلاما فسميته: محمدا وكنيته: أبا القاسم, فذكر لي أنك تكره ذلك, قال: "ما الذي أحل اسمي وحرم كنيتي؟ ", أو: "ما الذي حرم كنيتي وأحل اسمي؟ " غريب "وحديث عائشة في (الحسان) , وهو: أن امرأة قالت: يا رسول الله! إني ولدت غلاما, فسميته محمدا, وكنيته أبا القاسم, فذكر لي أنه يكره ذلك, قال: ما الذي أحل اسمي وحرم كنيتي؟! يدل على جواز الجمع أيضا في حال حياته, وهو [و] إن لم يعارض هذه الأحاديث, لكنه لا يبعد تأييد التأويل الأول به, ويحتمل أن يقال: إنما لم ينه عنه في هذه الحديث, لأنه علم أنه لا يبلغ في زمانه السن الذي يدخل به غمار من يصحبه, وينادى بحضرته, والله أعلم. ... ١٢١٤ - ٣٦٩٢ - وقال رسول الله ﷺ : "أخني الأسماء يوم

стр. 1333

القيامة عند الله رجل تسمى: ملك الأملاك" "وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "أخنى الأسماء يوم القيامة عند الله رجل تسمى: ملك الأملاك" "أخنى": أسوأ وأقبح, من (الخنا) , وهو القبح, وروي: "أخنع الأسماء" أي: أذلها وأوضعها, من: خنع يخنع -بالفتح فيهما- خنوعا, إذا خضع. ... ١٢١٥ - ٣٦٩٣ - وقال: "أغيظ رجل على الله يوم القيامة وأخبثه رجل كان يسمى: ملك الأملاك, لا ملك إلا الله" وفي حديثه الذي بعده: "أغيظ رجل عند الله يوم القيامة" أي: أكثر من يغضب عليه يوم القيامة غضبا, اسم تفضيل بني للمفعول كـ (ألوم) , أضافه إلى المفرد على إرادة الجنس. ... ١٢١٦ - ٣٦٩٩ - وقال: "لا تقولوا: الكرم, فإن الكرم قلب المؤمن" ويروى: "لا تقولوا: الكرم, ولكن قولوا: العنب, والحبلة" وعنه: أنه ﵊ قال: لا تقولوا: الكرم, فإن

стр. 1334

الكرم قلب المؤمن" قيل: إنما هي تسمية للعنب بالكرم, لأنهم سموه به ذهابا إلى أنه يتخذ منه الخمر, وشربها يولد الكرم. وعلى هذا كان قوله: "فإن الكرم قلب المؤمن" إشارة وبيانا لما هو المقتضي للنهي والمانع عن إطلاق هذا اللفظ عليه, وتقريره: أنه لو اشتق (الكرم) من (الكرم) لشيء باعتبار كونه سببا ومبدأ له, لكان المستحق لهذا الاسم هو قلب المؤمن, الحامل عليه قضية للعقل القويم والدين المستقيم, لا الخمر المؤدي إلى اختلال العقل, وفساد الرأي, وإتلاف المال, وصرفه لا على وجه الصواب. وفي رواية: "ولا تقولوا: الكرم, ولكن قولوا: العنب, والحبلة" "العنب": يطلق على الثمر والشجر, وهاهنا الشجر. و"الحبلة": هي للأصل من العنب, يخفف ويثقل. ... ١٢١٧ - ٣٧٠٣ - وقال رسول الله ﷺ : "لا يقولن أحدكم: خبثت نفسي, ولكن ليقل: لقست نفسي" وعن عائشة قالت: [قال رسول الله ﷺ ]: "لا يقولن أحدكم: خبثت نفسي, ولكن ليقل: لقست نفسي" "خبثت نفسي" و"لقست" بالكسر: إذا غثت, ولما كان الخبث

стр. 1335

يطلق على الغثيان, وعلى خباثة النفس, وسوء الخلق = كره إطلاقه, ولذلك أطلق على من لم يقم لصلاة الليل كسلا وتهاونا حيث, قال: "أصبح خبيث النفس كسلان" ذما وزجرا له, ووعيدا على ما فعله. ... من الحسان: ١٢١٨ - ٣٧١٢ - وعن أبي مسعود الأنصاري قال: سمعت النبي ﷺ يقول في: زعموا: "بئس مطية الرجل! " "عن أبي مسعود الأنصاري قال: سمعت النبي ﷺ يقول: (زعموا) بئس مطية الرجل" أراد المنع عن التحدث بكل ما يسمعه الرجل من غير استيقان وتحقق واستكشاف, أو عن النميمة, ويحتمل أنه أراد به المنع عن تصدير الكلام به, فإنه من عادة الكذابين, كما قيل: زعموا مطية الكذب, وأكثر ما يرد في القرآن فهو في معرض الذم, وإنما صح الإسناد إليه, والفعل لا يسند إليه, لأن المراد منه هو المعنى دون اللفظ.
следующие страницы →