Полный текст (1 692 стр.). Показаны 1331–1370 · переход к 1336.
стр. 1331
للعلمية المجردة = جاز, ويدلك عليه التعليل المذكور للنهي.
وقيل: النهي مخصوص بحال حياته, لئلا يلبس خطابه بخطاب غيره, ويدل عليه نهيه عنه في حديث أنس عقيب ما سمع رجلا يقول: يا أبا القاسم! فالتفت إليه النبي ﷺ , فقال: إنما دعوت هذا.
وما روي في (الحسان) عن علي ﵁: أنه قال: يا رسول الله! إن ولد لي بعدك ولد أأسميه محمدا وأكنيه بكنيتك؟ قال: "نعم"
وقيل: مخصوص بما إذا سمي باسمه, ونظيره قولهم: اشرب اللبن ولا تأكل السمك, أي: حين شربته, فيكون النهي عن الجمع بينهما, ويدل عليه ما روي في (الحسان) عن أبي هريرة: أن النبي صلوات الله وسلامه عليه نهى أن يجمع بين اسمه وكنيته, ويسمى محمدا أبا القاسم"
...
من الحسان:
١٢١٢ - ٣٧٠٦ - وعن جابر ﵁: أن النبي ﷺ قال: "إذا سميتم باسمي فلا تكتنوا بكنيتي", غريب.
وفي رواية: "من تسمى باسمي فلا يكتن بكنيتي, ومن اكتنى بكنيتي فلا يتسم باسمي"
стр. 1332
"وعن جابر: من تسمى باسمي فلا يكتن بكنيتي, ومن اكتنى بكنيتي فلا يسم باسمي"
ولعل ذاك أيضا كان مخصوصا بأيام حياته, لحديث علي ﵁, إلا أن يجعل ذلك مخصوصا به.
...
١٢١٣ - ٣٧١٦ - عن عائشة: قالت امرأة: يارسول الله! إني ولدت غلاما فسميته: محمدا وكنيته: أبا القاسم, فذكر لي أنك تكره ذلك, قال: "ما الذي أحل اسمي وحرم كنيتي؟ ", أو: "ما الذي حرم كنيتي وأحل اسمي؟ " غريب
"وحديث عائشة في (الحسان) , وهو: أن امرأة قالت: يا رسول الله! إني ولدت غلاما, فسميته محمدا, وكنيته أبا القاسم, فذكر لي أنه يكره ذلك, قال: ما الذي أحل اسمي وحرم كنيتي؟!
يدل على جواز الجمع أيضا في حال حياته, وهو [و] إن لم يعارض هذه الأحاديث, لكنه لا يبعد تأييد التأويل الأول به, ويحتمل أن يقال: إنما لم ينه عنه في هذه الحديث, لأنه علم أنه لا يبلغ في زمانه السن الذي يدخل به غمار من يصحبه, وينادى بحضرته, والله أعلم.
...
١٢١٤ - ٣٦٩٢ - وقال رسول الله ﷺ : "أخني الأسماء يوم
стр. 1333
القيامة عند الله رجل تسمى: ملك الأملاك"
"وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "أخنى الأسماء يوم القيامة عند الله رجل تسمى: ملك الأملاك"
"أخنى": أسوأ وأقبح, من (الخنا) , وهو القبح, وروي: "أخنع الأسماء" أي: أذلها وأوضعها, من: خنع يخنع -بالفتح فيهما- خنوعا, إذا خضع.
...
١٢١٥ - ٣٦٩٣ - وقال: "أغيظ رجل على الله يوم القيامة وأخبثه رجل كان يسمى: ملك الأملاك, لا ملك إلا الله"
وفي حديثه الذي بعده: "أغيظ رجل عند الله يوم القيامة"
أي: أكثر من يغضب عليه يوم القيامة غضبا, اسم تفضيل بني للمفعول كـ (ألوم) , أضافه إلى المفرد على إرادة الجنس.
...
١٢١٦ - ٣٦٩٩ - وقال: "لا تقولوا: الكرم, فإن الكرم قلب المؤمن"
ويروى: "لا تقولوا: الكرم, ولكن قولوا: العنب, والحبلة"
وعنه: أنه ﵊ قال: لا تقولوا: الكرم, فإن
стр. 1334
الكرم قلب المؤمن"
قيل: إنما هي تسمية للعنب بالكرم, لأنهم سموه به ذهابا إلى أنه يتخذ منه الخمر, وشربها يولد الكرم.
وعلى هذا كان قوله: "فإن الكرم قلب المؤمن" إشارة وبيانا لما هو المقتضي للنهي والمانع عن إطلاق هذا اللفظ عليه, وتقريره: أنه لو اشتق (الكرم) من (الكرم) لشيء باعتبار كونه سببا ومبدأ له, لكان المستحق لهذا الاسم هو قلب المؤمن, الحامل عليه قضية للعقل القويم والدين المستقيم, لا الخمر المؤدي إلى اختلال العقل, وفساد الرأي, وإتلاف المال, وصرفه لا على وجه الصواب.
وفي رواية: "ولا تقولوا: الكرم, ولكن قولوا: العنب, والحبلة"
"العنب": يطلق على الثمر والشجر, وهاهنا الشجر.
و"الحبلة": هي للأصل من العنب, يخفف ويثقل.
...
١٢١٧ - ٣٧٠٣ - وقال رسول الله ﷺ : "لا يقولن أحدكم: خبثت نفسي, ولكن ليقل: لقست نفسي"
وعن عائشة قالت: [قال رسول الله ﷺ ]: "لا يقولن أحدكم: خبثت نفسي, ولكن ليقل: لقست نفسي"
"خبثت نفسي" و"لقست" بالكسر: إذا غثت, ولما كان الخبث
стр. 1335
يطلق على الغثيان, وعلى خباثة النفس, وسوء الخلق = كره إطلاقه, ولذلك أطلق على من لم يقم لصلاة الليل كسلا وتهاونا حيث, قال: "أصبح خبيث النفس كسلان" ذما وزجرا له, ووعيدا على ما فعله.
...
من الحسان:
١٢١٨ - ٣٧١٢ - وعن أبي مسعود الأنصاري قال: سمعت النبي ﷺ يقول في: زعموا: "بئس مطية الرجل! "
"عن أبي مسعود الأنصاري قال: سمعت النبي ﷺ يقول: (زعموا) بئس مطية الرجل"
أراد المنع عن التحدث بكل ما يسمعه الرجل من غير استيقان وتحقق واستكشاف, أو عن النميمة, ويحتمل أنه أراد به المنع عن تصدير الكلام به, فإنه من عادة الكذابين, كما قيل: زعموا مطية الكذب, وأكثر ما يرد في القرآن فهو في معرض الذم, وإنما صح الإسناد إليه, والفعل لا يسند إليه, لأن المراد منه هو المعنى دون اللفظ.
стр. 1336
٩ - باب
البيان والشعر
من الصحاح:
١٢١٩ - ٣٧١٩ - عن ابن عمر ﵄ قال: قدم رجلان من المشرق فخطبا فعجب الناس لبيانهما, فقال رسول الله ﷺ : "إن من البيان لسحرا"
١٢٢٠ - ٣٧٢٠ - وقال: "إن من الشعر حكمة"
"عن ابن عمر قال: قدم رجلان من المشرق, فخطبا, فعجب الناس لبيانهما, فقال رسول الله ﷺ : إن من البيان لسحر"
وقال: "إن من الشعر لحكمة"
"البيان": جمع الفصاحة في اللفظ, والبلاغة باعتبار المعنى, و (السحر) في الأصل: الصرف, قال تعالى: ﴿فأنى تسحرون﴾ [المؤمنون:٨٩] , أي: تصرفون, وسمي السحر سحرا, لأنه مصروف عن جهته, والمراد به هاهنا: أن من البيان ما يصرف قلوب السامعين إلى قبول الباطل, ويروجه عليهم, ويحيل لهم ما ليس بحق حقا, ويشغلهم بتمويه اللفظ عن تدبر المعنى, فيكون صفة ذم, ويؤيده ما ورد صريحا في مذمته, ويكون المقصود من الكلام منع الحاضرين عن استعجابه والاغترار به, وحثهم على أن يكون مجامع نظرهم في الاستحسان
стр. 1337
والاستقباح إلى جانب المعنى, فإن جنس البيان –وإن كان محمودا في الجملة- فإن فيه ما هو مذموم, لكونه معربا عن باطل, وجنس الشعر-وإن كان مذموما في الجملة- لكنه قد يكون منه ما هو محمود, لاشتماله على حكمة, أو أن منه ما يستغرب, ويقضى له بالعجب, ويقصر عنه العامة, كالسحر الذي لا يقدر عليه كل أحد, فيكون صفة مدح, ولذلك قال فيه عمر بن عبد العزيز: هذا هو السحر الحلال, وجمعه الرسول صلوات الله عليه بما هو مدح.
...
١٢٢١ – ٣٧٢٣ - وعن عمرو بن الشريد, عن أبيه, قال: ردفت رسول الله ﷺ يوما فقال: "هل معك من شعر أمية بن أبي الصلت شيء؟ " قلت: نعم, قال: "هيه", فأنشدته بيتا, فقال: "هيه" ثم أنشدته بيتا, فقال: "هيه" حتى أنشدته مئة بيت.
"وفي حديث شريد بن سويد الثقفي: ردفت رسول الله ﷺ يوما فقال: هل معك من شعر أمية بن أبي الصلت؟ قلت: نعم, قال: هيه, فأنشدت بيتا.
"أمية بن [أبي] الصلت" ثقفي, من شعراء الجاهلية, أدرك مبادىء الإسلام, وبلغه خبر المبعث, لكنه لم يوفق للإيمان بالرسول صلوات الله عليه, وكان رجلا مترهبا, غواصا في المعاني, معتنيا بالحقائق, مضمنا لها في أشعاره, ولذلك استنشده شعره, وقال فيه:
стр. 1338
"أسلم شعره, وكفر قلبه"
و"هيه":اسم فعل, ومعناه: طلب الحديث واستزادته, وقد يطلق في استزادة الفعل أيضا, و (إيه) بمعناه.
...
١٢٢٢ – ٣٧٢٤ - وعن جندب: أن النبي ﷺ كان في بعض المشاهد وقد دميت إصبعه فقال:
"هل أنت إلا إصبع دميت ... وفي سبيل الله ما لقيت"
"عن جندب بن سفيان البجلي: أنه – ﵊ – كان في بعض المشاهد, وقد دميت أصبعه, فقال:
هل أنت إلا إصبع دميت ... وفي سبيل الله ما لقيت"
اعترض عليه وعلى أمثاله بأنها تدل على أنه- عليه لصلاة والسلام – أمشأ الشعر, وقد نفى الحق سبحانه عنه أن يكون شاعرا في مواضع كثيرة من كتابه العزيز, وأجيب عنه بوجوه:
الأول: أن المروي عنه من باب الرجز, وهو ليس بشعر.
والثاني: أن قوله تعالى: ﴿وما علمناه الشعر﴾ [يس:٦٩] , ﴿وما هو بقول شاعر﴾ [الحاقة:٤١] , ونظائرهما = مسوقة لتكذيب الكفار فيما بهتوه, ولا يقال لمن تفوه ببيت واحد علة ندور: إنه شاعر.
والثالث: أنه لم يقصد بذلك الشعر, ولا عمد إلى مراعاة الوزن,
стр. 1339
لكنه اتفق أن جرى ذلك على لسانه موزونا, وأمثال ذلك كثيرة في القرآن وفي منثورات الفصحاء, لكن لما لم يكن للقائل بها قصد إلى وزن, ولا التفات إليه, لم يعد شعرا, ولا القائل به شاعرا, ثم إن منها ما أنشده, والإنشاد لغيره, كما رواه البراء عنه يوم الخندق, وأوله:
والله لولا الله ما اهتدينا ... ولا تصدقنا ولا صلينا
فإنه من كلمات ابن رواحة.
...
١٢٢٣ - ٣٧٢٧ – وعن عائشة ﵂: أن رسول الله ﷺ قال: "اهجوا قريشا, فإنه أشد عليهم من رشق النبل"
وقالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول لحسان: "إن روح القدس لا يزال يؤيدك ما نافحت عن الله ورسوله"
وقالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "هجاهم حسان فشقى واشفى"
"وعن عائشة قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول لحسان: "إن روح القدس لا يزال يؤيده ما نافحت عن الله ورسوله"
"روح القدس": جبريل, سمي بالروح لأنه يأتي بما فيه حياة القلوب, فهو كالمبدأ لحياة القلب, كما أن الروح مبدأ حياة الجسد, وأضيف إلى القدس لأنه مجبول على الطهارة والنزاهة عن العيوب.
стр. 1340
في (تأييده له): إمداده بالجواب, وإلهامه لما هو الحق والصواب.
و (المنافحة): المدافعة, والاجتهاد في الذب عن الشيء.
وفي حديثها الآخر: "هجاهم حسان فشفى واستشفى"
أي: فشفى المسلمين من الغيظ, واستشفى نفسه, وقيل: معناهما واحد كـ (حجم) و (احتجم) , والجمع بينهما للتأكيد.
...
١٢٢٤ – ٣٧٣٠ – وقال رسول الله ﷺ : "لأن يمتلئ جوف رجل قيحا يريه خير من أن يمتلئ شعرا"
"وعن أبي هريرة: قال النبي ﷺ : لأن يمتلئ جوف رجل قيحا يريه خير من أن يمتلئ شعرا"
"يريه" أي: يفسده, والضمير للجوف, يقال: ورى يرى وريا, إذا فسد.
والمراد بـ (الشعر): ما تضمن نسبيا أو هجاء أو مفاخرة, كما هو الغالب في أشعار الجاهلين.
...
من الحسان:
١٢٢٥ – ٣٧٣١ – عن كعب بن مالك ﵁: أنه قال النبي ﷺ : إن
стр. 1341
الله تعالى قد أنزل في الشعر ما أنزل, فقال النبي ﷺ : "إن المؤمن يجاهد بسيفه ولسانه, والذي نفسي بيده, لكأنما ترمونهم به نضح النبل"
"في حديث كعب بن مالك: والذي نفسي بيده لكأنما ترمونهم به نضح النبل"
الضمير في"به" للشعر.
و"نضح النبل": رميه, مستعار من نضح الماء, والمعنى: أن هجاءهم أثر فيهم تأثير النبل, وقام مقام الرمي في النكاية بهم.
...
١٢٢٦ – ٣٧٣٢ - عن أبي أمامة ﵁, عن النبي ﷺ قال: "الحياء والعي شعبتان من الإيمان, والبذاء والبيان شعبتان من النفاق"
"وعن أبي أمامة عن النبي ﷺ : الحياء والعي شعبتان من الإيمان, والبذاء والبيان شعبتان من النفاق"
لما كان الإيمان باعثا على الحياء والتحفظ في الكلام والاحتياط فيه عدا من الإيمان, وما يخالفهما من النفاق.
وعلى هذا يكون المراد بـ (العي): ما يكون بسبب التأمل في المقال, والتحرز عن الوبال, لا لخلل في اللسان, و (البيان): ما يكون سببه الاجتراء وعدم المبالاة بالطغيان, والتحرز عن الزور والبهتان.
стр. 1342
و"البذاء": فحش الكلام.
...
١٢٢٧ – ٣٧٣٣ – عن أبي ثعلبة الخشني ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: "إن أحبكم إلي وأقربكم مني يوم القيامة أحاسنكم أخلاقا, وإن أبغضكم إلي وأبعدكم مني مساوئكم أخلاقا, الثرثارون المتشدقون المتفيهقون"
"وعن أبي ثعلبة الخشني: أن رسول الله ﷺ قال: إن أحبكم إلي وأقربكم مني يوم القيامة أحاسنكم أخلاقا, وإن أبغضكم إلي وأبعدكم مني مساوئكم أخلاقا, الثرثارون المتشدقون المتفيهقون"
(أفعل) التفضيل إذا أضيف على معنى أن المراد به زائد على المضاف إليهم في الخصلة التي هو وهم مشاركون فيها = جاز فيه الإفراد والتذكير في الحالات كلها, وتطبيقها لما هو وصف له, لفظا أو معنى, وقد جمع الوجهان في الحديث, فأفرد (أحب) و (أبغض) , وجمع (أحاسن) و (أساوئ)
في رواية من روى (أساوئكم) بدل "مساوئكم", وهو جمع: مسوأ, كـ (محاسن) في جمع (محسن) , وهو إما مصدر ميمي نعت به, ثم جمع, أو اسم مكان بمعنى: الأمر الذي فيه السوء, فأطلق على المنعوت به مجازا.
و"أخلاقا" نصب على التمييز
стр. 1343
و (الثرثار): كثير الكلام, والمراد به: من كثر كلامه زورا ورياء وخروجا عن الحق.
و (المتشدق): المتكلف في الكلام, فيلوي به شدقه, وقيل: المستهزئ بالناس الذي يلوي بهم وعليهم شدقه.
و (المتفيهق): الذي يتوسع في الكلام, يملأ فاه من التكبر والرعونة, من (الفهق) , وهو الامتلاء, يقال: فهق الحوض فهقا, وأفهقته, إذا ملأته.
...
١٢٢٨ – ٣٧٣٤ – عن سعد بن أبي وقاص قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تقوم الساعة حتى يخرج قوم يأكلون بألسنتهم كما تأكل البقر بألسنتها"
"عن سعد بن أبي وقاص قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تقوم الساعة حتى يخرج قوم يأكلون بألسنتهم, كما تأكل البقر بألسنتها"
"يأكلون بألسنتهم" أي: يتوسلون بألسنتهم إلى تحصيل ما يأكلون, كما تتوسل البقرة بها في الاحتشاش, و [سمى] التوسل إلى تحصيل المأكولات والمشروبات أكلا.
ويحتمل أنه جعل أكلهم ما حصلوه بكلامهم الذي هو من نتائج ألسنتهم وحصائدهم أكلا باللسان, ثم مثله بأكل البقرة باللسان, وهذا باب من أبواب البلاغة, ونظيره قول أبي تمام:
стр. 1344
ويصعد حتى يظن الجهول ... بأن له حاجة في السماء
...
١٢٢٩ – ٣٧٣٥ – عن عبد الله بن عمرو: أن رسول الله ﷺ قال: "إن الله يبغض البليغ من الرجال, الذي يتخلل بلسانه كما تتخلل الباقرة بلسانها"غريب
وفي معناه قوله في حديث ابن عمر: "الذي يتجلجل بلسانه كما تتجلجل الباقرة بلسانها" إن صح أنه بالجيم, فيكون تشبيها له في تكلمه بالهجر وفحش الكلام بالجلالة في تناول النجاسة, والمشهور: (يتخلخل) بالخاء المعجمة, فيكون تشبيها لإدارة لسانه حول الأسنان والفم حال التكلم تفاصحا بما تفعل البقرة بلسانها, و"الباقرة": جماعة البقر, واستعماله بالتاء قليل.
...
١٢٣٠ – ٣٧٣٧ – عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من تعلم صرف الكلام ليسبي به قلوب الرجال –أو: الناس- لم يقبل الله منه يوم القيامة صرفا ولا عدلا"
"وفي حديث أبي هريرة: من تعلم صرف الكلام"
أي: الزيادة من القول, والتصرف فيه كيف شاء.
стр. 1345
١٢٣١ – ٣٧٣٨ – عن عمرو بن العاص: أنه قال يوما –وقام رجل فأكثر القول- قال عمرو: لو قصد في قوله لكان خيرا له, سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لقد رأيت –أو: أمرت- أن أتجوز في القول, فإن الجواز هو خير"
"وفي حديث عمرو: وأمرت أن أتجوز في الكلام"
(التجوز" في القول, والجواز فيه: الاختصار, لأنه إسراع وانتقال من التكلم إلى السكوت.
...
١٢٣٢ – ٣٧٣٩ – عن صخر بن عبد الله بن بريدة عن أبيه, عن جده ﵁, قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن من البيان سحرا, وإن من العلم جهلا, وإن من الشعر حكما, وإن من القول عيالا"
"وفي حديث بريدة: وإن من العلم جهلا"
إن بعض العلوم ما يستغنى عنه الرجل, فيشتغل به, فيشغله عن تعلم ما يفتقر إليه, فيصير علمه بما لا يعنيه جهلا بما يعنيه.
стр. 1346
١٠ - باب
حفظ اللسان والغيبة والشتم
من الصحاح:
١٢٣٣ - ٣٧٥٠ - وقال: "إذا قال الرجل: هلك الناس, فهو أهلكهم"
"عن أبي هريرة: أنه-﵊ قال: إذا قال الرجل: هلك الناس فهو أهلكهم"
"أهلكهم"بضم الكاف, ولعله الصواب, والمعنى: أنه أحقهم بالهلاك, وأقربهم إليه, وهذا إذا قاله تعجبا بنفسه, واستخفافا بغيره, أو ذهابا إلى خلود المذنبين في النار, ويأسا بهم من رحمة الله تعالى وغفرانه وعفوه.
وروي بالفتح: والمعنى: أنهم ليسوا هالكين إلا من قبله, ومن جهة نسبته الهلاك إليهم, فظاهر أن ذلك لا يؤثر فيهم, ولا يقتضي هلاكهم.
...
١٢٣٤ - ٣٧٥٥ - وقال: "إذا رأيتم المداحين فاحشوا في وجوههم التراب"
"عن المقداد: أنه ﵊ قال: إذا رأيتم
стр. 1347
المداحين فاحثوا في وجوههم التراب"
الظاهر أن المراد به: زجر المادح, والحث على منعه منه, وذلك إذا أطرى, أو اتخذ مكسبا, وجعله وصلة إلى ما يتوقع من الممدوح, وقيل: المراد بهك أن يخيب المادح, ولا يعطى شيئا على مدحه, وقيل: معناه: أعطوهم عطاء قليلا, فشبهه لقلته بالتراب.
و (أعطاه بالحثي) على سبيل الترشيح, أو للمبالغة في تقليل العطاء والاستهانة بهم.
...
١٢٣٥ - ٣٧٥٨ - عن عائشة ﵂: أن رجلا استأذن على النبي ﷺ فقال: "ائذنوا له, فبئس أخو العشيرة هو", فلما جلس تطلق النبي ﷺ في وجهه, وانبسط إليه, فلما انطلق الرجل قالت عائشة ﵂: يا رسول الله! قلت له: كذا وكذا, ثم تطلقت في وجهه, وانبسطت إليه! فقال رسول الله ﷺ : "متى عهدتي فحاشا؟ إن شر الناس عند الله منزلة يوم القيامة من تركه الناس اتقاء شره"
ويروى: "اتقاء فحشه"
"وفي حديث عائشة: أن رجلا استأذن على رسول الله ﷺ فقال: ائذنوا له, فبئس أخو العشيرة, فلما جلس تطلق النبي ﷺ في وجهه, وانبسط إليه"
стр. 1348
علق (على) بـ (استأذن) لتضمنه معنى الدخول, أي: استأذن في الدخول عليه.
وقوله: "فبئس أخو العشيرة" تعريف له بسوء الفعل, وخبث النفس, وذلك يدل على جواز ذكر مساوىء الخبيث, ليتحرز منه, ويتوقى شره.
وقولها: "تطلق" أي: أظهر له الطلاقة والانشراح, من دأب الكريم أن يكون بشاشا, طلق الوجه, منبسطا إلى كل من يقبل عليه, ويتوجه إليه, وإن كان خبيثا مخبثا, أو عدوا مكاشحا, ويدل على ذلك تمام الحديث.
...
١٢٣٦ - ٣٧٥٩ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "كل أمتي معافى إلا المجاهرين, فإن من المجاهرة: أن يعمل الرجل بالليل عملا ثم يصبح وقد ستره الله فيقول: يا فلان! عملت البارحة كذا وكذا, وقد بات يستره ربه, ويصبح يكشف ستر الله عنه"
"وعن أبي هريرة: قال رسول الله ﷺ : كل أمتي معافى إلا المجاهرون وإن من المجانة أن يعمل الرجل بالليل عملا, ثم يصبح وقد ستره الله, فيقول: يا فلان! عملت البارحة كذا وكذا"
"معافى": اسم مفعول من (عافاه الله) إذا أعفاه.
стр. 1349
و (المجاهرون) يريد بهم: الذين يجاهرون بالمعاصي, ويكشفون ما ستره الله عليهم, كما شرحه في باقي الحديث.
و"المجانة": أن لا يبالي الإنسان بما يفعل, يقال: مجن بالفتح, يمجن بالضم, مجونا ومجانة, فهو ماجن, والجمع: مجان.
...
من الحسان:
١٢٣٧ - ٣٧٦٨ - عن أبي سعيد رفعه, قال: "إذا أصبح ابن آدم فإن الأعضاء كلها تكفر اللسان فتقول: اتق الله فينا, فإنما نحن بك, فإن استقمت استقمنا, وإن اعوججت اعوججنا"
"وفي حديث أبي سعيد: إذا أصبح ابن آدم فإن الأعضاء كلها يكفر اللسان"
أي: يتواضع لها, من قولهم: كفر اليهودي, إذا خضع مطأطئا رأسه, وانحنى لتعظيم صاحبه, مأخوذ من (الكافرة) , وهي الكاذبة التي هي أصل الفخذ, فإنه ينثني عليها.
...
١٢٣٨ - ٣٧٨١ - وعن عائشة ﵂ قالت: قلت للنبي ﷺ : حسبك من صفية كذا وكذا, تعني: قصيرة, فقال: "لقد
стр. 1350
قلت كلمة لو مزج بها البحر لمزجته" صح.
"وقالت عائشة: قلت للنبي ﷺ : حسبك من صفية أنها كذا, تعني: قصيرة, فقال: لقد قلت لو مزج بها ماء البحر لمزجته"
عبارة هذا الحديث في النسخ مختلفة, والأصوب ما ذكرناه.
و"كذا" إشارة إلى شبرها, و (المزج): الخلط والتغيير بضم غيره إليه, والمعنى: أن هذه الغيبة لو كانت مما يمزج بالبحر لغيرته عن حاله مع كثرته وغزارته, فكيف بأعمال نزر [ة] خلطت بها.
...
١١ - باب
الوعد
من الحسان:
١٢٣٩ - ٣٧٨٩ - عن عبد الله بن أبي الحسماء أنه قال: بايعت النبي ﷺ قبل أن يبعث, وبقيت له بقية, فوعدته أن آتية بها في مكانه فنسيت, فذكرت بعد ثلاث, فإذا هو في مكانه, فقال: "لقد شققت علي, أنا هاهنا منذ ثلاث أنتظرك"
стр. 1351
"في حديث عبد الله بن أبي الحمساء: بايعت النبي ﷺ قبل أن يبعث"
أي: عاملته بيعا.
وفيه: "لقد شققت علي" أي: حملت المشقة علي, وأوصلتها إلي.
...
١٢ - باب
المزاح
من الصحاح:
١٢٤٠ - ٣٧٩٢ - عن أنس ﵁ قال: إن كان النبي ﷺ ليخالطنا حتى يقول لأخ لي صغير: "يا أبا عمير! ما فعل النغير؟ " كان له نغير يلعب به فمات.
"وفي حديث أنس: "ما فعل النغير؟ "
هو تصغير (نغر) كـ (صرد) , وهو طائر يشبه العصفور, وله منقار أحمر, والجمع: نغران, كـ (صردان).
стр. 1352
من الحسان:
١٢٤١ - ٣٧٩٧ - وعن أنس ﵁: أن رجلا من البادية اسمه: زاهر بن حرام كان يهدي للنبي ﷺ من البادية فيجهزه رسول الله ﷺ إذا أراد أن يخرج, فقال النبي ﷺ : "إن زاهرا باديتنا, ونحن حاضروه", وكان النبي ﷺ يحبه, وكان دميما, فأتى النبي ﷺ يوما وهو يبيع متاعه, فاحتضنه من خلفه وهو لا يبصره, فقال: أرسلني, من هذا؟ فالتفت فعرف النبي ﷺ , فجعل لا يألو ما ألزق ظهره بصدر النبي ﷺ حين عرفه, وجعل النبي ﷺ يقول: "من يشتري العبد؟ " فقال: يا رسول الله! إذا والله تجدني كاسدا, فقال النبي ﷺ : "لكن عند الله لست كاسدا"
"وفي حديث أنس: وكان دميما"
"دميما" أي: كريه اللقاء.
وفيه: "فاحتضنه من خلفه" أي: أخذه من حضنه, وهو دون الإبط إلى الكشح.
...
١٢٤٢ - ٣٧٩٩ - عن النعمان بن بشير أنه قال: استأذن أبو بكر ﵁ على النبي ﷺ , فسمع صوت عائشة ﵂ عاليا, فلما دخل تناولها ليلطمها, وقال: لا أراك ترفعين صوتك على
стр. 1353
رسول الله ﷺ , فجعل رسول الله ﷺ يحجزه, وخرج أبو بكر مغضبا, فقال النبي ﷺ حين خرج أبو بكر: "كيف رأيتني أنقذتك من الرجل؟ " قالت: فمكث أبو بكر أياما, ثم استأذن فوجدهما قد اضطجعا, فقال لهما: أدخلاني في سلمكما كما أدخلتماني في حربكما, فقال النبي ﷺ : قد فعلنا, قد فعلنا"
"وفي حديث النعمان بن بشير: فجعل النبي ﷺ يحجزه"
أي: يمنعه.
...
١٣ - باب
المفاخرة والعصبية
من الصحاح:
١٢٤٣ - ٣٨٠٣ - عن البراء بن عازب: أنه قال في يوم حنين: كان أبو سفيان بن الحارث آخذا بعنان بغلته -يعني: بغلة رسول الله ﷺ فلما غشيه المشركون نزل فجعل يقول:
"أنا النبي لا كذب ... أنا ابن عبد المطلب"
قال: فما رئي من الناس يومئذ أشد منه.
стр. 1354
"في حديث البراء بن عازب:
أنا النبي لا كذب ... أنا ابن عبد المطلب"
قيل: انتسب إلى عبد المطلب للتعريف دون المفاخرة, وإنما ذكره ولم يذكر عبد الله, لأنه لم يره, وكان عبد المطلب هو الذي رباه, وقيل: كان عبد المطلب رأى في المنام شجرة عظيمة خرجت من صلبه, وتفرقت أغصانها في الشرق والغرب, وارتفعت فروعها إلى السماء, فقصها على الكهنة, فعبروها بأنه نبي آخر الزمان, يخرج من صلبك, فأشار بهذا إلى أني هو الولد الذي رآه في المنام, وعبر به رؤياه.
وهذا وأمثاله مقول على وجه الشكر والتحدث بالنعم وتبكيت الخصم الألد دون المفاخرة, ولذلك قال ﵊: "أنا سيد ولد آدم ولا فخر"
...
من الحسان:
١٢٤٤ - ٣٨٠٧ - عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "لينتهين أقوام يفتخرون بآبائهم الذين ماتوا, إنما هم فحم من جهنم, أو ليكونن أهون على الله من الجعل الذي يدهده الخرء بأنفه, إن الله قد أذهب عنكم عبية الجاهلية وفخرها بالآباء, إنما هو مؤمن تقي, أو فاجر شقي, الناس كلهم بنوآدم, وآدم من تراب"
стр. 1355
"عن أبي هريرة, عن النبي ﷺ : لينتهين أقوام يفتخرون بآبائهم الذين ماتوا, إنما هم فحم من جهنم, أو ليكونن أهون عند الله من الجعل الذي يدهده الخراء بأنفه, إن الله قد أذهب عنكم عبية الجاهلية"
"أو" هاهنا للتخيير والتسوية, والمعنى: أن الأمرين سواء في أن يكون حال آبائهم الذين يفتخرون بهم, وأنت مخير في توصيفهم بأيهما شئت.
و (الدهدهة): الدحرجة.
و (الخراء):العذرة.
و"عبية الجاهلية": الكبر والتفاخر بالآباء, وقيل: المراد بها ما كان لهم من عادات المكروهة, يقال: فلان فيه عبية بضم العين وكسرها, إذا كان فيه نخوة وتجبر, والضم أشهر, وهي إما أن تكون (فعلية) من (عباب الماء) , وهو زخيره وارتفاعه, أو (فعولة) منه -كـ (العمية) من (العمم) , وهو الطول -إلا أن اللام فيها قلبت ياء- كما قلبت في: تقضي البازي, أو من (عباه) , إذا هيأه, لأن المتكبر ذو تصنع وتعبية, بخلاف من يكون مسترسلا على سجيته, ونظيرها صيغة ومعنى (الأبية) , وهي إما من (الإياب) بمعنى: العباب, أو (الإباء) بمعنى: الامتناع.
стр. 1356
وقوله: "إنما هو مؤمن تقي" ... إلى آخره إشارة إلى علة المنع من التفاخر, ومعناه: أن الناس سواء باعتبار النسب والأصل, فإن أباهم آدم, ومادتهم الأصلية التي خلقوا منها هي التراب, وإنما التفاوت فيما بينهم باعتبار ما هم عليه من الإيمان والكفر والصلاح والفسق.
...
١٢٤٥ - ٣٨١٦ - وعن مطرف قال: انطلقت في وفد بني عامر إلى رسول الله ﷺ فقلنا: أنت سيدنا, فقال: "السيد الله", فقلنا: وأفضلنا فضلا, وأعظمنا طولا, فقال: "قولوا قولكم, أو بعض قولكم, ولا يستجرينكم الشيطان"
"وفي حديث مطرف بن عبد الله بن الشخير العامري, عن أبيه: "قولوا قولكم, ولا يستجرينكم الشيطان"
أي: دعوا المدح, وذروا التكلف, وقولوا القول الذي جئتم لأجله, أو قولكم المعتاد المسترسل فيه على السجية دون المتعمد للإطراء, والتزيد في البناء.
و"لا يستجرينكم الشيطان" أي: لا يتخذنكم كالأجرياء في طاعتكم له, واتباعكم خطواته, يقال: استجريت جريا وتجريته, أي: اتخذت وكيلا, مأخوذ من (الجري) , لأنه يجري مجرى موكله.
стр. 1357
١٢٤٦ - ٣٨٠٩ - وعن أبي بن كعب ﵁ أنه قال: سمعت سول الله ﷺ يقول: "من تعزى بعزاء الجاهلية فأعضوه بهن أبيه ولا تكنوا"
"وعن أبي بن كعب قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: من تعزى بعزاء الجاهلية فأعضوه بهن أبيه, ولا تكنوا"
"تعزى": من العزو, و (العزاء): النسب, و"أعضوه" أي: قولوا له: عضضت هن أبيك, أي: ذكره, "ولا تكنوا" أي: صرحوا له, ولا تكنوا بذكر الهن ونحوه, تنكيلا له واستهانة به.
...
١٢٤٧ - ٣٨١١ - عن ابن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ قال: "من نصر قومه على غير الحق فهو كالبعير الذي تردى, فهو ينزع بذنبه"
"وعن ابن مسعود: أنه ﵊ [قال]: من نصر قومه على غير الحق فهو كالبعير الذي ردى فهو ينزع بذنبه"
"ردى" في البئر, وتردى إذا سقط فيها, والمعنى: أنه أوقع نفسه في الهلكة بتلك النصرة الباطلة.
стр. 1358
١٤ - باب
البر والصلة
من الصحاح:
١٢٤٨ - ٣٨٢٠ - وعن أسماء بنت أبي بكر أنها قالت: قدمت علي أمي وهي مشركة في عهد قريش, فقلت: يا رسول الله! إن أمي قدمت علي وهي راغبة, أفأصلها؟ قال: "نعم, صليها"
"وفي حديث أسماءك إن أمي قدمت علي, وهي راغبة"
أي: طالبة لبري, وطامعة فيه, وأصل الرغبة: الحرص على الشيء, من (الرغب) , وهو سعة الجوف, وفي الحديث: "الرغب شؤم" يريد به: الشره والحرص, ويقال: رجل رغيب البطن, إذا كان أكولا.
...
١٢٤٩ - ٣٨٢٠ /م - وعن عمرو بن العاص قال: سمعت النبي ﷺ يقول: "إن آل أبي فلان ليسوا لي بأولياء, إنما وليي الله وصالح المؤمنين, ولكن لهم رحم أبلها ببلالها"
"وفي حديث عمرو بن العاص: ولكن لهم رحم أبلها ببلا [لـ] ها"
أي: أنديها بما يجب أن تندى بها, وأصلها بما ينبغي أن توصل
стр. 1359
به, ويقال: الوصل بلل يقتضي الالتصاق والاتصال, والهجر يبس يفضي إلى التفتت والانفصال.
...
١٢٥٠ - ٣٨٢٥ - وقال: "خلق الله الخلق, فلما فرغ منه قامت الرحم فأخذت بحقوي الرحمن, فقال: مه؟ قالت: هذا مقام العائذ بك من القطيعة, قال: ألا ترضين أن أصل من وصلك وأقطع من قطعك؟ قالت: بلى, يا رب! قال: فذاك لك"
"وفي حديث أبي هريرة: قامت الرحم فأخذت بحقوي الرحمن, فقال: مه, قالت: هذا مقام العائذ بك من القطيعة"
لما كان من عادة المستجير أن يأخذ بذيل المستجار به أو بطرف إزاره, وربما يأخذ بحقو إزاره, وهو معقده, تفظيعا للأمر, ومبالغة وتوكيدا في الاستجارة, فكأنه يشير به إلى أن المطلوب أن يحرسه ويذب عنه ما يؤذيه, كما يحرس ما تحت إزاره, ويذب عنه, وأنه لاصق به, لا ينفك عنه, فاستعير ذلك للرحم, واستعاذتها بالله من القطيعة, وهي أيضا مجاز أدنى للمعنى المعقول إلى المثال المحسوس المعتاد بينهم, ليكون أقرب إلى فهمهم, وأمكن في نفوسهم.
...
١٢٥١ - ٣٨٢٦ - وقال: "الرحم شجنة من الرحمن, قال الله
стр. 1360
تعالى: من وصلك وصلته, ومن قطعك قطعته"
"وعنه: أنه ﵊ قال: الرحم شجنة من الرحمن"
أي: مشتقة منه, أو مشتبكة به اشتباك العروق, يقال بيني وبينه: شجنة رحم, أي: قرابة مشتبكة, و (الشجنة): عروق الشجر المشتبكة.
...
١٢٥٢ - ٣٨٣٠ - وعن أبي هريرة ﵁: أن رجلا قال: يا رسول الله! إن لي قرابة أصلهم ويقطعوني, وأحسن إليهم ويسيؤون إلي, وأحلم عنهم ويجهلون علي, فقال: "لئن كنت كما قلت فكأنما تسفهم المل, ولا يزال معك من الله ظهير عليهم ما دمت على ذلك"
"وفي حديثه الآخر: فكأنما تسفهم المل"
أي: تلقي في أفواههم من السفوف.
و"المل": الجمر, وقيل: الرماد الحار, وقال الأزهري: أصل الملة: التربة المحماة, يدفن فيها الخبز, والمعنى: أنهم إن ما يشكروك برك وصلتك, فعطاؤك إياهم حرام عليهم, ونار بطونهم.
стр. 1361
من الحسان:
١٢٥٣ - ٣٨٣٤ - عن أبي الدرداء ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: الوالد أوسط أبواب الجنة, فإن شئت فحافظ على الباب أو ضيع"
"في حديث أبي الدرداء: الوالد أوسط أبواب الجنة"
أي: خير الأبواب وأعلاها, والمعنى: أن أحسن ما يتوسل به إلى دخول الجنة, ويتوصل به إلى الوصول إليها = مطاوعة الوالد ومراعاة جانبه.
...
١٢٥٤ - ٣٨٤٠ - وقال: "تعلموا من أنسابكم ما تصلون به أرحامكم, فإن صلة الرحم محبة في الأهل, مثراة في المال, منسأة في الأثر" غريب
"وفي حديث الآخر: فإن صلة الرحم محبة في الأهل, مثراة في المال, منسأة في الأثر"
أي: ثروة في المال, وتأخير في الأجل, وقيل: دوام واستمرار في النسل, والمعنى: أن يمن الصلة يفضي إلى ذلك.
стр. 1362
١٥ - باب
الشفقة والرحمة على الخلق
من الصحاح:
١٢٥٥ - ٣٨٥٧ - وقال: "أهل الجنة ثلاثة: ذو سلطان مقسط متصدق موفق, ورجل رحيم رقيق القلب لكل ذي قربى ومسلم, وعفيف متعفف ذو عيال, وأهل النار خمسة: الضعيف الذي لا زبر له, الذين هم فيكم تبع, لا يبغون أهلا ولا مالا, والخائن الذي لا يخفى له طمع وإن دق إلا خانه, ورجل لا يصبح ولا يمسي إلا وهو يخادعك عن أهلك ومالك", وذكر البخل والكذب, "والشظير الفحاش"
"عن عياض بن حمار المجاشعي قال: قال رسول الله ﷺ : "أهل الجنة ثلاثة: ذو سلطان مقسط متصدق موفق, ورجل رقيق القلب لكل ذي قربى ومسلم وعفيف متعفف ذو عيال, وأهل النار [خمسة: الضعيف الذي لا زبر له, الذين هم فيكم تبعا, لا يبغون أهلا ولا مالا, والخائن الذي لا يخفى له طمع وإن دق إلا خانة, ورجل لا يصبح ولا يمسي إلا وهو يخادعك عن أهلك, ومالك, وذكر البخل والكذب والشظير والفحاش"
стр. 1363
(المقسط): العادل, والمراد بـ (الموفق): الذي هيئ له أسباب الخير, وفتح له أبواب البر.
"رقيق القلب لكل ذي قربى ومسلم" أي: يرق قلبه, ويترحم لكل من بينه وبينه لحمه القرابة أو وصلة الإسلام.
و (العفيف المتعفف): المجتنب عن المحارم, المتحاشي عن السؤال, المتوكل على الله تعالى في أمره وأمر عياله.
وإذا استقريت أحوال العباد على اختلافها فلعلك لم تجد أحدا يستأهل أن يدخل الجنة, ويحق له أن يكون من أهلها, إلا وهو مندرج تحت هذه الأقسام, غير خارج عنها.
و"الذي لا زبر له": الأبله الذي لا رأى له, ولا عقل يعتد به العقلاء, ويحتفل به, و (الزبر): العقل, وقيل: هو الذي لا تماسك له, فلا يرتدع عن الفواحش, ولا يتورع عن المحارم.
و"الذين هم فيكم تبعا" يريد به: الخدم الذي لا مطمح لهم ولا مطمع إلا ما يملؤون به بطونهم من أي وجه كان, ولا يتخطى همهم إلى ما وراء ذلك من أمر ديني أو دنيوي.
و"الخائن الذي لا يخفى له طمع وإن دق إلا خانه" أي: لا يخفى عليه شيء ما يمكن أن يطمع فيه -وإن دق بحيث لا يكاد يدرك- إلا وهو يسعى في التفحص عنه والتطلع عليه, حتى يجده فيخونه, وهذا هو الإغراق في الوصف بالخيانة, ويحتمل أن يكون (خفي) من الأضداد, والمعنى: لا يظهر له شيء يطمع فيه إلا خانه
стр. 1364
و (الطمع) مصدر بمعنى المفعول.
و"ذكر البخل والكذب" أي: البخيل والكذاب, أقام المصدر مقام اسم الفاعل.
و"الشظير": الفحاش السيئ الخلق, المكثر للفحش.
...
من الحسان:
١٢٥٦ - ٣٨٧٥ - عن عوف بن مالك الأشجعي قال: قال رسول الله ﷺ : "أنا وامرأة سفعاء الخدين كهاتين يوم القيامة -وأومأ الراوي بالسبابة والوسطى- امرأة آمت من زوجها ذات منصب وجمال, حبست نفسها على يتاماها حتى بانوا أو ماتوا"
"عن عوف بن مالك الأشجعي قال: قال رسول الله ﷺ : أنا وامرأة سفعاء الخدين كهاتين يوم القيامة"
"سفعاء الخدين" أي: متغيرة لون الخدين, لما يكابدها من المشقة والضنك, وسفعة الوجه: سواد في خدي المرأة الشاحبة, وهي في الأصل: سواد مشرب حمرة.
وقوله بعد ذلك: (امرأة آمت من زوجها, ذات منصب وجمال, حبست نفسها على يتاماها حتى بانوا أو ماتوا) بدل يجري مجرى البيان والتفسير, وآمت المرأة أيمة وأيوما, إذا صارت بلا زوج.
стр. 1365
وقوله: "حتى بانوا" أي: استقلوا بأمرهم, وانفصلوا عليها.
...
١٦ - باب
الحب في الله والبغض في الله
من الصحاح:
١٢٥٧ - ٣٨٨٩ - قال رسول الله ﷺ : "الأرواح جنود مجندة, فما تعارف منها ائتلف, وما تناكر منها اختلف"
"عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "الأرواح جنود مجندة, فما تعارف منها ائتلف, وما تناكر منها اختلف"
مبدأ المحبة الحقيقية ما بين المتحابين من المناسبة والمجانسة, فإن الجنسية علة الضم, والمعتبر منها ما يكون بين النفوس, فإن أكثر أحوال البدن, سيما ما يتوقف على الإدراك = تابعة لأحوال النفس, فائضة عنها على البدن, ثم إن الأرواح البشرية التي هي النفوس الناطقة مجبولة على ضرايب مختلفة وشواكل متباينة, ويدل عليه ما يشاهده من تباعد أقدامهم في الرحمة والقساوة, والذكاء والبلادة, والعفة والفجور, والبخل والجود, إلى غير ذلك من الخواص والكيفيات النفسانية, وكل منها ينزع ويميل في عالم الخلق إلى ما يشاكله ويماثله في عالم الأمر, وينفر ويناوئ في هذا العالم ما يخالفه وينافيه في ذلك
стр. 1366
العالم, فالمراد بالتعارف: ما بينها من التشابه والتناسب, وبالتذكير: ما بينها من التنافي والتباين, والله أعلم.
وقوله: "مجندة" أي: مجموعة, كقولهم: ألف مؤلفة.
...
١٢٥٨ - ٣٨٩٢ - عن أبي هريرة عن النبي ﷺ : "أن رجلا زار أخا له في قرية أخرى, فأرصد الله له على مدرجته ملكا قال: أين تريد؟ قال: أريد أخا لي في هذه القرية, قال: هل لك عليه من نعمة تربها؟ قال: لا, غير أني أحببته في الله, قال: فإني رسول الله إليك بأن الله قد أحبك كما أحببته فيه"
"وفي حديث أبي هريرة: فأرصد الله له على مدرجته"
أي: أقعد له على طريقه.
وفيه: "قال: هل لك عليه من نعمة تربها": أي: تصلحها بالقيام على شكرها, من قولهم: رب الضيعة, إذا أصلحها.
...
من الحسان:
١٢٥٩ - ٣٨٩٧ - عن أبي مالك الأشعري قال: كنت عند النبي ﷺ إذ قال: "إن لله عبادا ليسوا بأنبياء ولا شهداء, يغبطهم النبيون
стр. 1367
والشهداء بقربهم ومقعدهم من الله يوم القيامة" فقال أعرابي: حدثنا يا رسول الله! من هم؟ فقال: "هم عباد من عباد الله من بلدان شتى وقبائل شتى, لم يكن بينهم أرحام يتواصلون بها, ولا دنيا يتباذلون بها, يتحابون بروح الله, يجعل الله وجوههم نورا, وتجعل لهم منابر من نور قدام عرش الرحمن, يفزع الناس ولا يفزعون, ويخاف الناس ولا يخافون"
"عن أبي مالك الأشعري قال: كنت عند النبي ﷺ قال: إن لله عبادا ليسوا بأنبياء, ولا شهداء, يغبطهم النبيون والشهداء بقربهم ومقعدهم من الله يوم القيامة, فقال أعرابي: حدثنا يا رسول الله من هم؟ فقال: هم عباد من عباد الله, من بلدان شتى وقبائل شتى, لم يكن بينهم أرحام يتواصلون بها, ولا دنيا يتباذلون بها, يتحابون بروح الله, يجعل الله وجوههم نورا, وتجعل لهم منابر من نور قدام الرحمن, يفزع الناس, ور يفزعون, ولا يخاف الناس, ولا يخافون"
لكل ما يتحلى به الإنسان ويتعاطاه من علم وعمل فإن له عند الله منزلة, لا يشارك فيه صاحبه من لم يتصف بذلك, وإن كان له من نوع آخر ما هو أرفع قدرا وأعز ذخرا, فيغبطه بأن يتمنى ويحب أن يكون له مثل ذلك, مضمونا إلى ما له من المراتب الرفيعة والمنازل الشريفة, وذلك معنى قوله: "يغبطهم النبيون والشهداء" فإن الأنبياء قد استغرقوا فيما هو أعلى من ذلك, من دعوة الخلق, وإظهار الحق, وإعلاء الدين, وإرشاد العامة, وتكميل الخاصة, إلى غير ذلك من كليات أشغلتهم
стр. 1368
عن العكوف على مثل هذه الجزئيات, والقيام بحقوقها, والشهداء وإن نالوا رتبة الشهادة, وفازوا بالفوز الأكبر, فلعلهم لم يعاملوا مع الله معاملة هؤلاء فإذا رأوهم يوم القيامة في منازلهم, وشاهدوا قربهم وكرامتهم عند الله تعالى, ودوا أن كانوا ضامين خصالهم إلى خصالهم, فيكونوا جامعين بين الحسنيين, فائزين بالمرتبتين.
هذا والظاهر: أنه لم يقصد في ذلك إلى إثبات الغبطة لهم على حال هؤلاء, بل بيان فضلهم, وعلو شأنهم, وارتفاع مكانهم, وتقريرها على آكد وجه وأبلغه, والمعنىك أن حالهم عند الله يوم القيامة بمثابة لو غبط النبيون والشهداء يومئذ مع جلالة قدرهم ونباهة أمرهم حال غيرهم لغبطوهم.
"بروح الله", أي: بالقرآن, لقوله تعالى ﴿وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا﴾ [الشورى:٥٢] , سمي بذلك لأنه يحيى به القلب, كما يحيى بالروح البدن, والمعنى: أنهم يتحابون بداعية الإسلام, ومتابعة القرآن فيما حثهم عليه من موالاة المسلمين ومصادقتهم.
ولعل قوله: "تجعل لهم منابر من نور قدام الرحمن" تمثيل لمنزلتهم ومحلهم, مثلها بما هو أعلى ما يجلس عليه في المجالس والمحافل على أعز الأوضاع وأشرافها, من جنس ما هو أبهى وأحسن ما يشاهد, ليدل على أن رتبتهم في الغاية القصوى من العلا والشرف والبهاء, والله أعلم.
стр. 1369
١٢٦٠ - ٣٨٩٨ - عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ لأبي ذر: "يا أبا ذر! أي عرا الإيمان أوثق؟ " قال: الله ورسوله أعلم! قال: "الموالاة في الله, والحب في الله, والبغض في الله"
"عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ لأبي ذر: يا أبا ذر! أي عرى الإيمان أوثق"
"عرى" جمع: عروة, وهو في الأصل يقال لما يتعلق به من طرف الدلو والكوز ونحوهما, ولشجرة تخضر في الشتاء والصيف, فاستعير في الحديث من المعنى الأول لما يتمسك به في أمر الدين, ويتعلق به من شعب الإسلام ونواحيه, أو من المعنى الثاني لما ينفع في المنزلين, ويبقى أثرها في الدارين.
...
١٧ - باب
ما ينهى من التهاجر والتقاطع
واتباع العورات
من الصحاح:
١٢٦١ - ٣٩٠٦ - وقال: "إياكم والظن! فإن الظن أكذب الحديث, ولا تحسسوا, ولا تجسسوا, ولا تناجشوا, ولا تحاسدوا, ولا تباغضوا, ولا تدابروا, وكونوا عباد الله إخوانا"
стр. 1370
ويروى: "ولا تنافسوا"
"عن أبي هريرة: أنه ﵊ قال: إياكم والظن, فإن الظن أكذب الحديث, ولا تحسسوا, ولا تجسسوا, ولا تناجشوا, ولا تحاسدوا, ولا تباغضوا, ولا تدابروا, وكونوا عباد الله إخوانا"
التحذير عن الظن فيما يجب فيه القطع, أو التحدث به مع الاستغناء عنه, أو عما يظن كذبه.
و (التجسس) بالجيم: تعرف الخبر بتلطف, ومنه الجاسوس, وبالحاء: تطلب الشيء بحاسة كاستراق السمع, وإبصار الشيء خفية, وقيل: الأول التفحص عن عورات الناس وبواطن أمورهم بنفسه أو غيره, والثاني أن يتولى ذلك بنفسه, وقيل: الأول مخصوص بالشر, والثاني يعم بالخير والشر.
و (التناجش): أن يزيد هذا على ذلك وذاك على هذا في البيع, و (النجش): رفع الثمن, وقيل: المراد في الحديث النهي عن إغراء بعضهم بعضا على الشر والخصومة.
و (التدابر): التقاطع, مأخوذ من (الدبر) , فإن كل واحد من المتقاطعين يولي دبره صاحبه.
و (التحاسد) و (التنافس) واحد في المعنى, وإن اختلفا في الأصل,
следующие страницы →