Полный текст (1 692 стр.). Показаны 1366–1405 · переход к 1371.
стр. 1366
العالم, فالمراد بالتعارف: ما بينها من التشابه والتناسب, وبالتذكير: ما بينها من التنافي والتباين, والله أعلم.
وقوله: "مجندة" أي: مجموعة, كقولهم: ألف مؤلفة.
...
١٢٥٨ - ٣٨٩٢ - عن أبي هريرة عن النبي ﷺ : "أن رجلا زار أخا له في قرية أخرى, فأرصد الله له على مدرجته ملكا قال: أين تريد؟ قال: أريد أخا لي في هذه القرية, قال: هل لك عليه من نعمة تربها؟ قال: لا, غير أني أحببته في الله, قال: فإني رسول الله إليك بأن الله قد أحبك كما أحببته فيه"
"وفي حديث أبي هريرة: فأرصد الله له على مدرجته"
أي: أقعد له على طريقه.
وفيه: "قال: هل لك عليه من نعمة تربها": أي: تصلحها بالقيام على شكرها, من قولهم: رب الضيعة, إذا أصلحها.
...
من الحسان:
١٢٥٩ - ٣٨٩٧ - عن أبي مالك الأشعري قال: كنت عند النبي ﷺ إذ قال: "إن لله عبادا ليسوا بأنبياء ولا شهداء, يغبطهم النبيون
стр. 1367
والشهداء بقربهم ومقعدهم من الله يوم القيامة" فقال أعرابي: حدثنا يا رسول الله! من هم؟ فقال: "هم عباد من عباد الله من بلدان شتى وقبائل شتى, لم يكن بينهم أرحام يتواصلون بها, ولا دنيا يتباذلون بها, يتحابون بروح الله, يجعل الله وجوههم نورا, وتجعل لهم منابر من نور قدام عرش الرحمن, يفزع الناس ولا يفزعون, ويخاف الناس ولا يخافون"
"عن أبي مالك الأشعري قال: كنت عند النبي ﷺ قال: إن لله عبادا ليسوا بأنبياء, ولا شهداء, يغبطهم النبيون والشهداء بقربهم ومقعدهم من الله يوم القيامة, فقال أعرابي: حدثنا يا رسول الله من هم؟ فقال: هم عباد من عباد الله, من بلدان شتى وقبائل شتى, لم يكن بينهم أرحام يتواصلون بها, ولا دنيا يتباذلون بها, يتحابون بروح الله, يجعل الله وجوههم نورا, وتجعل لهم منابر من نور قدام الرحمن, يفزع الناس, ور يفزعون, ولا يخاف الناس, ولا يخافون"
لكل ما يتحلى به الإنسان ويتعاطاه من علم وعمل فإن له عند الله منزلة, لا يشارك فيه صاحبه من لم يتصف بذلك, وإن كان له من نوع آخر ما هو أرفع قدرا وأعز ذخرا, فيغبطه بأن يتمنى ويحب أن يكون له مثل ذلك, مضمونا إلى ما له من المراتب الرفيعة والمنازل الشريفة, وذلك معنى قوله: "يغبطهم النبيون والشهداء" فإن الأنبياء قد استغرقوا فيما هو أعلى من ذلك, من دعوة الخلق, وإظهار الحق, وإعلاء الدين, وإرشاد العامة, وتكميل الخاصة, إلى غير ذلك من كليات أشغلتهم
стр. 1368
عن العكوف على مثل هذه الجزئيات, والقيام بحقوقها, والشهداء وإن نالوا رتبة الشهادة, وفازوا بالفوز الأكبر, فلعلهم لم يعاملوا مع الله معاملة هؤلاء فإذا رأوهم يوم القيامة في منازلهم, وشاهدوا قربهم وكرامتهم عند الله تعالى, ودوا أن كانوا ضامين خصالهم إلى خصالهم, فيكونوا جامعين بين الحسنيين, فائزين بالمرتبتين.
هذا والظاهر: أنه لم يقصد في ذلك إلى إثبات الغبطة لهم على حال هؤلاء, بل بيان فضلهم, وعلو شأنهم, وارتفاع مكانهم, وتقريرها على آكد وجه وأبلغه, والمعنىك أن حالهم عند الله يوم القيامة بمثابة لو غبط النبيون والشهداء يومئذ مع جلالة قدرهم ونباهة أمرهم حال غيرهم لغبطوهم.
"بروح الله", أي: بالقرآن, لقوله تعالى ﴿وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا﴾ [الشورى:٥٢] , سمي بذلك لأنه يحيى به القلب, كما يحيى بالروح البدن, والمعنى: أنهم يتحابون بداعية الإسلام, ومتابعة القرآن فيما حثهم عليه من موالاة المسلمين ومصادقتهم.
ولعل قوله: "تجعل لهم منابر من نور قدام الرحمن" تمثيل لمنزلتهم ومحلهم, مثلها بما هو أعلى ما يجلس عليه في المجالس والمحافل على أعز الأوضاع وأشرافها, من جنس ما هو أبهى وأحسن ما يشاهد, ليدل على أن رتبتهم في الغاية القصوى من العلا والشرف والبهاء, والله أعلم.
стр. 1369
١٢٦٠ - ٣٨٩٨ - عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ لأبي ذر: "يا أبا ذر! أي عرا الإيمان أوثق؟ " قال: الله ورسوله أعلم! قال: "الموالاة في الله, والحب في الله, والبغض في الله"
"عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ لأبي ذر: يا أبا ذر! أي عرى الإيمان أوثق"
"عرى" جمع: عروة, وهو في الأصل يقال لما يتعلق به من طرف الدلو والكوز ونحوهما, ولشجرة تخضر في الشتاء والصيف, فاستعير في الحديث من المعنى الأول لما يتمسك به في أمر الدين, ويتعلق به من شعب الإسلام ونواحيه, أو من المعنى الثاني لما ينفع في المنزلين, ويبقى أثرها في الدارين.
...
١٧ - باب
ما ينهى من التهاجر والتقاطع
واتباع العورات
من الصحاح:
١٢٦١ - ٣٩٠٦ - وقال: "إياكم والظن! فإن الظن أكذب الحديث, ولا تحسسوا, ولا تجسسوا, ولا تناجشوا, ولا تحاسدوا, ولا تباغضوا, ولا تدابروا, وكونوا عباد الله إخوانا"
стр. 1370
ويروى: "ولا تنافسوا"
"عن أبي هريرة: أنه ﵊ قال: إياكم والظن, فإن الظن أكذب الحديث, ولا تحسسوا, ولا تجسسوا, ولا تناجشوا, ولا تحاسدوا, ولا تباغضوا, ولا تدابروا, وكونوا عباد الله إخوانا"
التحذير عن الظن فيما يجب فيه القطع, أو التحدث به مع الاستغناء عنه, أو عما يظن كذبه.
و (التجسس) بالجيم: تعرف الخبر بتلطف, ومنه الجاسوس, وبالحاء: تطلب الشيء بحاسة كاستراق السمع, وإبصار الشيء خفية, وقيل: الأول التفحص عن عورات الناس وبواطن أمورهم بنفسه أو غيره, والثاني أن يتولى ذلك بنفسه, وقيل: الأول مخصوص بالشر, والثاني يعم بالخير والشر.
و (التناجش): أن يزيد هذا على ذلك وذاك على هذا في البيع, و (النجش): رفع الثمن, وقيل: المراد في الحديث النهي عن إغراء بعضهم بعضا على الشر والخصومة.
و (التدابر): التقاطع, مأخوذ من (الدبر) , فإن كل واحد من المتقاطعين يولي دبره صاحبه.
و (التحاسد) و (التنافس) واحد في المعنى, وإن اختلفا في الأصل,
стр. 1371
١٢٦٢ - ٣٩٠٨ - وقال: تعرض أعمال الناس في كل جمعة مرتين, يوم الاثنين ويوم الخميس, فيغفر لكل عبد مؤمن, إلا عبدا بينه وبين أخيه شحناء, فيقال: اتركوا هذين حتى يفيئا"
"وعن أبي هريرة: أنه ﵊ قال: تعرض أعمال الناس في كل جمعة مرتين, يوم الاثنين ويوم الخميس, فيغفر لكل عبد مؤمن, إلا عبد بينه وبين أخيه شحناء, فيقال: اتركوا هذين حتى يفيئا"
أراد بـ (الجمعة): الأسبوع, عبر عن الشيء بآخره وما يتم به ويوجد عنده.
والمعروض عليه هو الله تعالى, أو ملك وكله الله على جميع صحف الأعمال وضبطها.
و (الشحناء): العداوة والبغضاء.
"حتى يفيئا" أي: يرجعا مما كانا عليه.
...
١٢٦٣ - ٣٩١٠ - وعن أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ليس الكذاب الذي يصلح بين الناس ويقول خيرا وينمي خيرا" قالت: ولم أسمعه -تعني النبي ﷺ يرخص في شيء مما يقول الناس كذبا, إلا في ثلاث: "الحرب, والإصلاح بين الناس, وحديث الرجل امرأته وحديث المرأة زوجها"
стр. 1372
"وفي حديث أم كلثوم بنت عقبة: وينمي خيرا"
أي: يبلغ خير ما سمعه, ويدع شره, يقال: نميت الحديث -مخففا- في الإصلاح, ونميته -مثقلا- في الفساد, وكأن الأول من (النماء) , لأنه رفع لما يبلغه, والثاني من (النميمة) , وإنما نفى عن المصلح كونه كذا باعتبار قصده دون قوله, ولذلك نفى النعت دون الفعل.
...
من الحسان:
١٢٦٤ - ٣٩١٣ - وعن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: "لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث, فمن هجر فوق ثلاث فمات دخل النار"
"عن أبي هريرة: أن النبي ﷺ قال: لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث, فمن هجر فوق ثلاث فمات دخل النار"
هذا إذا كان السبب أمرا دنيويا, فإن كان الغرض أمرا دينيا فلا حجر فيه, ولا هذا الحد له, لأنه ﵊ هجر الثلاثة الذين خلفوا, وهم: كعب بن مالك وهلال بن أمية ومرارة بن الربيع, فلم يكلمهم خمسين يوما, وأمر الناس بهجرانهم.
والمراد بـ"أخاه": أخوه في الإسلام دون القرابة, لقوله في
стр. 1373
حديث عائشة: "أن يهجر مسلما"
وقوله: "فمن هجر فوق ثلاث فمات دخل النار" لأنه مات عاصيا غير تائب, وذلك يستدعي ظاهر أن يكون من أهل النار.
وقوله في حديث عائشة: "فقد باء بإثمه" يحتمل أن يكون الضمير المجرور فيه للباييء, فيكون المعنى: أن المسلم خرج من الهجرة, ونفي من الوزر, وبقي الإثم الذي لم يرد السلام, ويحتمل أن يكون للمسلم, والمعنى: أنه ضم إثم هجران المسلم إلى إثم هجرانه, وباء بهما, لأن التهاجر يعد منه وبسببه.
...
١٢٦٥ - ٣٩١٦ - عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله ﷺ : "ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصدقة والصلاة؟ " قال: قلنا: بلى, قال: "إصلاح ذات البين, وإفساد ذات البين هي الحالقة" صحيح.
"وفي حديث أبي الدرداء: وفساد ذات البين هي الحالقة"
يريد بـ (ذات البين": الخصلة التي تكون وصلة بين القوم من قرابة ومودة ونحوهما.
و"الحالقة": المهلكة, يقال: حلق بعضهم بعضا, أي: قتل, مأخوذ من (حلق الشعر).
стр. 1374
١٢٦٦ - ٣٩١٧ - وقال: "دب إليكم داء الأمم قبلكم: الحسد والبغضاء, هي الحالقة, لا أقول: تحلق الشعر, ولكن تحلق الدين"
"وفي الحديث: دب إليكم دأب الأمم قبلكم البغضاء والحالقة"
أي: سرى وانتقل إليكم ما أفسد عليهم دينهم, وأذهب دولتهم, فاجتاحهم, وأهلكهم, كما الحلق في الشعر, وهو البغضاء وقطيعة الرحم.
...
١٢٦٧ - ٣٩١٨ - عن أبي هريرة: أن النبي ﷺ قال: "إياكم والحسد! فإن الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب"
"وعن أبي هريرة: أن النبي ﷺ قال: إياكم والحسد, فإن الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب".
تمسك به من يرى إحباط الطاعات بالمعاصي كالمعتزلة, وأجيب عنه بأن المعنى: أن الحسد يذهب حسناته, ويتلفها عليه, بأن يحمله على أن يفعل بالمحسود من إتلاف مال وهتك عرض وقصد نفس ما يقتضي صرف تلك الحسنات بأسرها في عوضه, كما روي في صحاح (باب الظلم) عن أبي هريرة: أنه ﵊ قال: "إن المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وزكاة وصيام وقيام,
стр. 1375
ويأتي قد شتم هذا, وقذف هذا, وأكل مال هذا, وسفك دم هذا, وضرب هذا, فيعطى هذا من حسناته, وهذا من حسناته, فإن فنيت حسناته قبل أن يقضي ما عليه أخذ من خطاياهم, فطرحت عليه, ثم طرح في النار" ولا إحباط للطاعات بالمعاصي, وإلا لم تكن تبقى لهذا الآتي المتعاطي لتلك الكبائر حسنة يقضي بها حق خصمه.
...
١٢٦٨ - ٣٩٢٣ - عن سعيد بن زيد, عن النبي ﷺ قال: "إن من أربى الاستطالة في عرض المسلم بغير حق"
"عن سعيد بن زيد, عن النبي ﷺ قال: من أربى الربا الاستطالة في عرض المسلم بغير حق"
"الاستطالة في عرض المسلم": أن يتناول منه أكثر مما يستحقه على ما قيل له, أو أكثر مما رخص له فيه, ولذلك مثله بالربا, وعده من عداده, ثم فضله على سائر أفراده, لأنه أكثر مضرة, وأشد فسادا, فإن العرض شرعا وعقلا أعز على النفس من المال, وأعظم منه خطرا, ولذلك أوجب الشارع بالمجاهرة بهتك الأعراض مل لم يوجب بنهب الأموال.
...
١٢٦٩ - ٣٩٢٥ - وعن أنس, عن النبي ﷺ قال: "من حمى مؤمنا من منافق يعيبه, بعث الله ملكا يحمي لحمه يوم القيامة من نار
стр. 1376
جهنم, ومن قفا مسلما بشيء يريد شينه به حبسه الله على جسر جهنم حتى يخرج مما قال"
"وفي حديث أنس: ومن قفى مسلما بشيء يريد شينه"
أي: ومن أتبع مسلما قبيحا بأن يقذفه ويرميه بسوء, أو أتبعه من يستكشف عوراته, وأصل (القفو): الاتباع, يقال: قفوت أثره, إذا تبعته, وقفيته فلانا: أتبعته, مأخوذ من (القفا).
...
١٢٧٠ - ٣٩٢٧ - عن المستورد بن شداد: أن رسول الله ﷺ قال: "من أكل برجل مسلم أكلة فإن الله يطعمه مثلها من جهنم, ومن كسي ثوبا برجل مسلم فإن الله يكسوه مثله من جهنم, ومن قام برجل مقام سمعة ورياء فإن الله يقيمه مقام سمعة ورياء يوم القيامة"
"عن المستورد: أن رسول الله ﷺ قال: من أكل برجل مسلم أكلة فإن الله يطعمه مثلها من جهنم, ومن كسي ثوبا برجل مسلم فإن الله يكسوه مثله من جهنم, ومن قام برجل مقام سمعة ورياء فإن الله يقوم له مقام سمعة ورياء يوم القيامة"
"من أكل برجل مسلم" أي: بسبب أن يقذف مسلما, أو يقع في عرضه, ويتعرض له بالأذية, والمعنى: أن من آذى مسلما, وطعن فيه, لينال من عدوه مطعوما أو ملبوسا, أو سخر من مسلم عند غني
стр. 1377
لذلك, جعل له مثل ما ينال به من نار جهنم.
"ومن قام برجل مقام سمعة ورياء" أي: قام ينسبه إلى ذلك, ويشهر به فيما بين الناس, فضحه الله وشهره بذلك على رؤوس الأشهاد يوم القيامة, وعذبه عذاب المرائين.
و (الأكلة) بالضم: ما يؤكل دفعة, وهو اللقمة, وجمعها: أكلات, والله أعلم.
...
١٨ - باب
الحذر والتأني في الأمور
من الصحاح:
١٢٧١ - ٣٩٢٩ - قال رسول الله ﷺ : "لا يلدغ المؤمن من جحر واحد مرتين"
"عن أبي هريرة: أنه ﵊ قال: لا يلدغ المؤمن من جحر واحد مرتين"
يريدك أن كمال عقل المؤمن يقتضي الحزم والتيقظ في الأمور, فمن شأن المؤمن الحازم أن يكون على حذر مما تضرر به مرة, فوجد منه مكروها, ولا يثق على من خدعه كرة, ونقض عهده تارة.
قيل كان سبب وروده: أنه ﵊ من على رجل
стр. 1378
من مكة على أن لا يخلب, فلما عاد إلى مأمنه نقض العهد, ثم اتفق أن وقع في الأسر كرة أخرى, فأمر بقتله, فسأل عنه أن يمن عليه مرة ثانية, فقال ﵊ ذلك.
...
من الحسان:
١٢٧٢ - ٣٩٣٤ - عن مصعب بن سعد, عن أبيه -قال الأعمش: لا أعلمه إلا عن النبي ﷺ قال: التؤدة في كل شيء خير إلا في عمل الآخرة"
"قال الأعمش: لا أعلمه إلا عن النبي ﷺ قال: التؤدة في كل شيء إلا في عمل الآخرة"
"التؤدة": التأني والسكون, فعلة من (الوئيد) , وهو المشي بثقل, والمعنى: أن التأني في كل شيء مستحسن إلا في أمر الآخرة.
...
١٢٧٣ - ٣٩٣٥ - عن عبد الله بن سرجس: أن النبي ﷺ قال: "السمت الحسن والتؤدة والاقتصاد, جزء من أربعة وعشرين جزءا من النبوة"
"عن عبد الله بن سرجس: أنه ﵊ قال:
стр. 1379
"السمت الحسن والتؤدة والاقتصاد جزء من أربع وعشرين جزءا من النبوة.
"السمت": الطريقة, و"الاقتصاد": التوسط في الأمور, والتحرز عن طرفي الإفراط والتفريط, والمعنى: أن هذه من أخلاق الأنبياء, ومما لا يتم أمر النبوة دونها, وأمثال هذه التقادير مما لا يهتدي إلى تعيينها إلا بنور الوحي, وكان الصواب أن يقول: (من أربعة) على التذكير, فلعل التغيير وقع من بعض الرواة جهلا بقواعد العربية, أي: على سبيل الغفلة, وإن كان في لفظ الشارع فلعله أنث على تأويل الخصلة, أو لاجراء الجزء مجرى الكل في التذكير والتأنيث.
...
١٢٧٤ - ٣٩٣٦ - وعن ابن عباس: أن نبي الله ﷺ قال: "إن الهدي الصالح, والسمت الصالح, والاقتصاد, جزء من خمسة وعشرين جزءا من النبوة"
"وقال ﵊: المجالس بالأمانة إلا ثلاثة مجالس: سفك دم حرام, أو فرج حرام, [أو اقتطاع] مال بغير حق"
يريد أن المؤمن ينبغي إذا حضر مجلسا, ورأى أهله على منكر أن يستر عوراتهم, ولا يشيع ما رأى منهم, إلا أن يكون أحد هذه
стр. 1380
الثلاثة, فإنه فساد كبير, وإخفاؤه إضرار عظيم.
...
١٩ - باب
الرفق والحياء وحسن الخلق
من الصحاح:
١٢٧٥ - ٣٩٤١ - عن عائشة ﵂: أن رسول الله ﷺ قال: "إن الله رفيق يحب الرفق, ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف, وما لا يعطي على ما سواه"
"عن عائشة: أن رسول الله ﷺ قال: إن الله رفيق, يحب الرفق, ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف, وما لا يعطي على ما سواه"
"الرفق": ضد العنف, وهو اللطف, وأخذ الأمر بأحسن الوجوه وأيسرهاو ومعنى أن الله رفيق: أنه لطيف بعباده, يريد بهم اليسر, ولا يريد بهم العسر, والظاهر: أنه لا يجوز إطلاقه على الله تعالى اسما, لأنه لم يتواتر, ولم يستعمل هاهنا أيضا على قصد الإسمية, وإنما أخبر به عنه تمهيدا للحكم الذي بعده, وكأنه قال: إن يرفق عباده في أمورهم, فيعطيهم بالرفق ما لا يعطيهم على ما سواه.
وإنما ذكر قوله: "وما لا يعطي على ما سواه" بعد قوله:
стр. 1381
"ما لا يعطي على العنف" ليدل على أن الرفق أنجح الأسباب كلها, وأنفعها بأسرها.
...
١٢٧٦ - ٣٩٤٦ - وقال: "إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى: إذا لم تستح فاصنع ما شئت"
"وعن ابن مسعود, عنه ﵊ أنه قال: "إنما مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى: إذا لم تستحي فاصنع ما شئت"
أي: مما أبلغ الناس من كلام الأنبياء المتقدمين: أن الحياء هو المانع عن اقتراف القبائح, والاشتغال بمنهيات الشرع, ومستهجنات العقل, فمن لا يستحي من الله ولا من الخلق كان مطلقا خليع العذار, لا وازع له, ولا مانع من أن يفعل ما يشاء, شبه حاله في استجماع الدواعي وارتفاع الموانع بحال المأمور المطالب بالفعل, وقيل: الأمر هاهنا بمعنى الخبر, أي: صنعت ما شئت, أو للتهديد, كما في قوله تعالى: ﴿اعملوا ما شئتم﴾ [فصلت:٤٠].
وإضافة الكلام إلى النبوة للإشعار بأنه من فضائل النبوة ونتائج الوحي.
...
١٢٧٧ - ٣٩٤٧ - عن النواس بن سمعان قال: سألت
стр. 1382
رسول الله ﷺ عن البر والإثم, فقال: "البر حسن الخلق, والإثم ما حاك في صدرك وكرهت أن يطلع عليه الناس"
"وفي حديث النواس بن سمعان: الإثم ما حاك في صدرك"
أي: أثر فيه, بأن أقلقه, ولم يطمئن له, وهذا باعتبار المؤمن المعتقد الملهم بالحق, فلعله ﵊ علم ذلك منه.
...
من الحسان:
١٢٧٨ - ٣٩٥٣ - عن حارثة بن وهب, قال رسول الله ﷺ : "لا يدخل الجنة الجواظ ولا الجعظري" قال: الجواظ: الذي جمع ومنع, والجعظري: الغليظ الفظ.
"عن عكرمة بن وهب قال: قال رسول الله ﷺ : لا يدخل الجنة الجواظ ولا الجعظري"
"الجواظ": المختال, من (جاظ جوظانا) , إذا اختال, وقيل: الجموع المنوع, من (جاظ) , إذا جمع ومنع, وقيل: هو السمين, وقيل: الصياح المهذار.
و"الجعظري": الفظ الغليظ, وقيل: القصير المنتفخ بما ليس عنده, وقيل: العظيم الجسيم الأكول.
والمانع لمن شأنه هذا أن يدخل الجنة حينما يدخلها الآخرون
стр. 1383
عجبهم وسوء خلقهم, وشرههم على الطعام, وإفراطهم في الكلام.
قيل: هذا الحديث مرسل, لأن عكرمة بن وهب لم يثبت في عداد الصحابة.
...
١٢٧٩ - ٣٩٥٨ - عن أبي هريرة, عن النبي ﷺ قال: "المؤمن غر كريم, والفاجر خب لئيم"
"وعن أبي هريرة عن النبي ﷺ : المؤمن غر كريم, والفاجر خب لئيم"
(الغر): الذي يكون سليم النفس, حسن الظن بالخلق, يغره الناس, وينخدع بأقوالهم وظواهر أحوالهم, و (الخب) ضده.
...
١٢٨٠ - ٣٩٥٩ - وقال: "المؤمنون هينون لينون, كالجمل الأنف, إن قيد انقاد, وإن أنيخ على صخرة استناخ" مرسل.
"وفي الحديث المرسل التالي له: المؤمنون هينون لينون كالجمل الأنف"
"الأنف": الذي عقر الخشاش أنفه, يقال: أنف البعير, فهو أنف, بوزن: حذر.
قال أبو سعيد الضرير: رواه أبو عبيد: "كالجمل الآنف"بوزن
стр. 1384
(فاعل) , والصحيح: (الأنف) على فعل, كالفقر والظهر, وأقول: إن صحت الرواية فلعله أراد نعته بالبناء الذي على مطلق الحدوث دون الثبات والمبالغة.
والكاف في محل الرفع على أنه خبر ثالث على معنى: أن كلا منهم مثل الجمل الآنف, أو النصب على أنها صفة مصدر محذوف تقديره: لينون مثل لين الجمل الأنف, والله أعلم.
...
٢٠ - باب
الغضب والكبر
من الصحاح:
١٢٨١ - ٣٩٦٢ - عن أبي هريرة ﵁: أن رجلا قال للنبي ﷺ أوصني, قال: "لا تغضب", فردد مرارا, قال: "لا تغضب"
"عن أبي هريرة: أن رجلا قال للنبي ﷺ : أوصني, قال: لا تغضب, فردد مرارا, قال: لا تغضب"
لعله ﵊ علم من حاله أن اختلال أمره من الغضب واستيلائه عليه, فأجابه بذلك لكل مرة, أو اختصر على جواب موجز جامع, فإن جميع المفاسد العملية التي تعرض الإنسان
стр. 1385
وتعتريه إنما تعرض له من فرط شهوته واستيلاء غضبه, ثم إن ما يعتوره من القوة الشهوانية مكثور بالنسبة إلى ما يقتضيه الغضب, غير ملتفت إليه, فلما سأله الرجل أن يشير إليه بما يتوسل به إلى التجنب عن القبائح, والتحرز عن مظانها = نهاه عن الغضب الداعي إلى ما هو أعظم ضرا وأكثر وزرا, فإن ارتفاع السبب يوجب ارتفاع مسبباته لا محالة.
...
١٢٨٢ - ٣٩٦٣ - وقال: "ليس الشديد بالصرعة, إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب"
"عن أبي هريرة: أنه ﵊ قال: ليس الشديد بالصرعة, إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب"
"الصرعة" كالخدعة واللعبة: الذي يغلب كل من يصارعه, والمعنى: أن القوي في الحقيقة ليس من يصارع الرجال ويغلب عليهم, بل القوي من يقاوم نفسه, ويغلب عليها, بحيث يملكها حينما تكون أكثر تمردا وأشد تفرعنا, وذلك عند الغضب.
...
١٢٨٣ - ٣٩٦٤ - وقال: "ألا أخبركم بأهل الجنة؟ كل ضعيف متضعف, لو أقسم على الله لأبره, ألا أخبركم بأهل النار؟ كل
стр. 1386
عتل جواظ مستكبر"
"وفي حديث حارثة بن وهب في الرواية الثانية: "جياظ زنيم"
["الجياظ": بمعنى: الجواظ.
و"الزنيم": المنتسب المنتمي إلى قوم ليس هو منهم, مأخوذ من (الزنمتين) , وهما الزائدتان المتدليتان من حلق [الشاة] أو أذنها, فإنه أيضا زائد في القوم, وقيل: هو الذي تكون له علامة في الشر يعرف بها, ويتميز بها عن أشباهه, كالشاة المتميزة بزنمتيها].
...
١٢٨٤ - ٣٩٦٦ - وقال: "لا يدخل الجنة أحد في قلبه مثقال ذرة من كبر" فقال رجل: إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنا, ونعله حسنا؟ قال: إن الله جميل يحب الجمال, الكبر: بطر الحق وغمط الناس"
"وفي حديث ابن مسعود: الكبر بطر الحق, وغمط الناس"
(البطر): الحيرة, والمعنى: التحير في الحق, والتردد فيه, وعدم الميز بينه وبين الباطل, وقيل: معناه التكبر عن الحق, وعدم الالتفات إليه, وقيل: معناه إبطاله وتضييعه, من قولهم: ذهب دم فلان بطرا, أي: هدرا.
стр. 1387
و"غمط الناس": احتقارهم, والتهاون بحقوقهم, وقد روي: "غمص الناس", والمعنى واحد.
...
من الحسان:١٢٨٥ - ٣٩٧٠ - عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن رسول الله ﷺ قال: "يحشر المتكبرون أمثال يوم القيامة في صورة الرجال, يغشاهم الذل من كل مكان, يساقون إلى سجن في جهنم يسمى: بولس, تعلوهم نار الأنيار, يسقون من عصارة أهل النار طينة الخبال"
"عن عبد الله بن عمرو عن النبي ﷺ "يحشر المتكبرون أمثال الذر يوم القيامة في صورة الرجال, يغشاهم الذل من كل مكان, يساقون إلى سجن في جهنم, يسمى بولس, تعلوهم نار الأنيار, يسقون من عصارة أهل النار, طينة الخبال"
مثل المتكبرين في ذلهم وحقارتهم بالذر في صغر قدرها وحقارة جرمها, بحيث لا يحس بها ما لم تشرق الشمس عليها, ويدل عليه قوله: "يغشاهم الذل من كل مكان" أي: يتضاعف ذلهم, ويتوجه إليهم من كل جهة جزاء بمثل ما عملوا بالناس, وعلى هذه جرت السنة الإلهية.
стр. 1388
و"بولس": فوعل من (الإبلاس) بمعنى: اليأس, ولعل هذا السجن إنما سمي به, لأن الداخل فيه أيس من الخلاص عما قريب, وإن صحت الرواية فيه بضم الباء وكسر اللام أو فتحها, فلعله أعجمي, إذ ليس في الأسماء مثاله.
"تعلوهم نار الأنيار" أي: تغشاهم وتحيط, كالماء يعلو الغريق, و (أنيار) جمع: نار, كـ (أنياب) جمع: ناب, وإضافة النار إليها للمبالغة, كأن هذه النار لفرط إحراقها وشدة حرها تفعل بسائر النيران ما تفعل النار بغيرها.
"وطينة الخبال": سبق شرحها في (باب حد الخمر)
...
١٢٨٦ - ٣٩٧٣ - عن أسماء بنت عميس: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "بئس العبد عبد تخيل واختال, ونسي الكبير المتعال, بئس العبد عبد تجبر واعتدى, ونسي الجبار الأعلى, بئس العبد عبد سها ولها, ونسي المقابر والبلى, بئس العبد عبد عتا وطغى, ونسي المبتدأ والمنتهى, بئس العبد عبد يختل الدنيا بالدين, بئس العبد عبد يختل الدين بالشبهات, بئس العبد عبد طمع يقوده, بئس العبد عبد هوى يضله, بئس العبد عبد رغب يذله"غريبز
"وفي حديث أسماء بنت عميس: بئس العبد عبد تخيل, واختال,
стр. 1389
ونسي الكبير المتعال"
أي: تخيل في نفسه شرفا وفضلا على غيره, ثم خال ذلك, فاختال علي, أي: تكبر, ونسي أن الكبرياء والتعالي ليس إلا للواحد القهار.
وفيه: "بئس العبد عبد يختل الدنيا بالدين, بئس العبد عبد يختل الدين بالشبهات"
"يختل" أي: يطلب بخداع, كما يطلب الصائد الصيد, من قولهم: ختل الذئب الصيد, إذا تخفى له, وختل الصائد, إذا مشى للصيد قليلا قليلا لئلا يحس به, شبه فعل من يري ورعا ودينا, ليتوسل به إلى المطالب الدنيوية بختل الذئب الصائد.
وفيه: "بئس العبد عبد رغب يذله"
(الرغب): شره الطعام, وأصله: سعة الجوف, بمعنى: الرحب, وإضافة العبد إليه للإهانة, كقولهم: عبد البطن, ولأن مجامع همته واجتهاد مقصور عليه, وعائد إليه.
...
٢١ - باب
الظلم
من الصحاح:
١٢٨٧ - ٣٩٧٧ - عن ابن عمر: أن النبي ﷺ لما مر بالحجر
стр. 1390
قال: "لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم إلا أن تكونوا باكين, أن يصيبكم مثل ما أصابهم" ثم قنع رأسه, وأسرع السير حتى اجتاز الوادي.
"عن ابن عمر: أن النبي ﷺ لما مر بالحجرقال: لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم إلا أن تكونوا باكين, أن يصيبكم ما أصابهم, ثم قنع رأسه وأسرع السير حتى اجتاز الوادي"
"الحجر": منازل ثمود, كان على مسيره إلى تبوك, فخاف عليهم أن يدخلوها ساهين غير متعظين ولا معتبرين بما أصابهم بذنوبهم, فلذلك استثنى عن النهي.
"أن يصيبكم": نصب على المفعول لأجله, أي: مخافة أن يصيبكم"
"ثم قنع رأسه" أي: أطلق, فلم يلتفت يمينا ولا شمالا, كالخائف الوجل عن الشيء بحيث لا يستطيع أن ينظر إليه.
"حتى اجتاز الوادي" أي: قطع عرضه, وخرج عن جده.
وقيل: "قنع رأسه" معناه: أنه ستره بقناع كالطيلسان, كيلا يقع بصره عليها.
...
١٢٨٨ - ٣٩٨٠ - وقال: "لتؤدن الحقوق إلى أهلها يوم القيامة حتى يقاد للشاة الجلحاء من الشاة القرناء"
стр. 1391
"وفي حديث أبي هريرة: حتى تقاد الشاة الجلحاء من القرناء"
"الجلحاء": التي لا قرن لها, و"القرناء": ضده.
...
من الحسان:
١٢٨٩ - ٣٩٨١ - عن حذيفة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تكونوا إمعة, تقولون: إن أحسن الناس أحسنا, وإن ظلموا ظلمنا, ولكن وطنوا أنفسكم: إن أحسن الناس أن تحسنوا, وإن أساؤوا فلا تظلموا"
"في حديث حذيفة: لا تكونوا إمعة"
أي: تابعا لغيره, لا رأي له, ولا تدبر, فيكون في مجامع لأمور مع متبوعه, أي: أحسن أو أساء, كما ذكره في باقي الحديث.
...
٢٢ - باب
الأمر بالمعروف
من الصحاح:
١٢٩٠ - ٣٩٨٥ - وقال: "يجاء بالرجل يوم القيامة فيلقى في النار فتندلق أقتابه في النار, فيطحن فيها كطحن الحمار برحاه, فيجتمع أهل
стр. 1392
النار عليه, فيقولون: أي فلان! ما شأنك؟ أليس كنت تأمرنا بالمعروف وتنهاه عن المنكر؟ قال: كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه, وأنهاكم عن المنكر وآتيه"
"في حديث أبي سعيد: فتندلق أقتابه"
أي: تخرج أمعاؤه خروجا سريعا, من قولهم: اندلق السيف من الغمد, إذا خرج من غير سل, و (الأقتاب): جمع: قتب, بوزن (حبر) , وهي المعي, وهي مؤنثة, ولذلك تصغر على (قتيبة).
...
من الحسان:
١٢٩١ - ٣٩٩٢ - وقال: "لن يهلك الناس حتى يعذروا من أنفسهم"
"قال النبي ﷺ : لن يهلك الناس حتى يعذروا من أنفسهم"
قيل: إنه من (أعذر فلان) , إذا كثر ذنبه, فكأنه سلب عذرة بكثرة اقتراف الذنوب, أو من (أعذر غيره) , إذا جعله معذورا, فكأنهم أعذروا من يعاقبهم بكثرة ذنوبهم, أو من (أعذر) أي: صار ذا عذر, والمعنى: حتى يذنبون, فيعذرون أنفسهم بتأويلات زائغة وأعذار فاسدة من قبلها, ويحسبون أنهم يحسنون صنعا.
стр. 1393
١٢٩٢ - ٣٩٩٤ - وعن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : "لما وقعت بنوإسرائيل في المعاصي نهتهم علماؤهم فلم ينتهوا, فجالسوهم في مجالسهم, وواكلوهم وشاربوهم, فضرب الله قلوب بعضهم ببعض, ولعنهم على لسان داود وعيسى بن مريم ﴿ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون﴾ " قال: فجلس رسول الله ﷺ وكان متكئا فقال: "لا والذي نفسي بيده, حتى تأطرونهم أطرا"
وفي رواية: "كلا والله, لتأمرن بالمعروف, ولتنهون عن المنكر, ولتأخذن على يدي الظالم, ولتأطرنه على الحق أطرا, أو لتقصرنه على الحق قصرا, أو ليضربن الله بقلوب بعضكم على بعض, ثم ليلعننكم كما لعنهم"
"وفي حديث ابن مسعود: حتى تأطرونهم أطرا"
أي: تعطفونهم على الحق عطفا, والله أعلم.
стр. 1394
(٢٤)
كتاب الرقاق
стр. 1395
(٢٤)
كتاب الرقاق
الرقاق: الفقر, فعال من الرقة, لأنه يتضمن رقة الحال.
من الصحاح:
١٢٩٣ - ٣٩٩٩ - وعن جابر: أن رسول الله ﷺ مر بجدي أسك ميت, فقال: "أيكم يحب أن هذا له بدرهم؟ " فقالوا: ما نحب أنه لنا بشيء, فقال: "فوالله, للدنيا أهون على الله من هذا عليكم"
"عن جابر: أن رسول الله ﷺ مر بجدي أسك"
(الأسك): صغير الأذن, ضيق الصماخ, والمصدر: السكك.
...
١٢٩٤ - ٤٠٠٣ - وقال: "تعس عبد الدينار, وعبد الدرهم, وعبد الخميصة, إن أعطي رضي, وإن لم يعط سخط, تعس وانتكس, وإذا شيك فلا انتقش, طوبى لعبد آخذ بعنان فرسه في سبيل الله أشعث رأسه, مغبرة قدماه, إن كان في الحراسة كان في الحراسة, وإن كان في الساقة كان في الساقة, إن استأذن لم يؤذن له,
стр. 1396
وإن شفع لم يشفع"
"وفي حديث أبي هريرة: تعس عبد الدينار, وعبد الدرهم, وعبد الخميصة, إن أعطي رضي, وإن لم يعط سخط, تعس وانتكس, وإذا شيك فلا انتقش"
"تعس" أي: سقط على وجهه, وقد يقال بمعنى: هلك.
والمعنى: أنه خاب وخسر وتعرض للهلاك من استعبده المال وأخذ بمجامع قلبه.
و"الخميصة": قيل: هي هاهنا بمعنى: المخمصة, وهي المجاعة.
و"انتكس": انقلب, وصار أعلاه أسفله وأسفله أعلاه.
و"إذا شيك" أي: أصابه شوك, من قولهم: شاكه الشوك إذا دخله.
"فلا انتقش": على البناء للمفعول, من (الانتفاش) وهو استخراج الشوك من الأعضاء.
...
١٢٩٥ - ٤٠٠٤ - عن أبي سعيد الخدري: أن النبي ﷺ قال: "إن مما أخاف عليكم من بعدي ما يفتح عليكم من زهرة الدنيا وزينتها" فقال رجل: يا رسول الله! أو يأتي الخير بالشر؟ فسكت حتى ظننا أنه ينزل عليه, قال: فمسح عنه الرحضاء, وقال: "أين
стр. 1397
السائل؟ " وكأنه حمده, فقال: "إنه لا يأتي الخير بالشر, وإن مما ينبت الربيع يقتل حبطا أو يلم, إلا آكلة الخضراء, أكلت حتى إذا امتدت خاصرتها استقبلت عين الشمس فثلطت وبالت, ثم عادت فأكلت, وإن هذا المال خضرة حلوة, فمن أخذه بحقه ووضعه في حقه فنعم المعونة هو, ومن أخذه بغير حقه كان كالذي يأكل ولا يشبع, ويكون شهيدا عليه يوم القايمة"
"وفي حديث أبي سعيد: فمسح عنه الرحضاء"
كناية عن فراغه من تلقي الوحي, فإنه ﵊ كان تأخذه الرحضاء, وهي: عرق الحمى, كأنها ترحض الجسد, أي: تغسله عند اشتداد برحاء الوحي, فإذا سري عنه مسحها.
وفيه: "وإن مما ينبت الربيع ما يقتل حبطا أو يلم, إلا آكلة الخضر, أكلت حتى امتدت خاصرتها, استقبلت عين الشمس, فثلطت, ثم عادت, ثم أكلت"
"ما يقتل حبطا" أي: يهلك من كثرة تناوله.
يقال: حبطت حبطا -بالفتح-: إذا أصابت مرعى طيبا, فأفرط في الأكل حتى انتفخ بطنه, فهلك.
و (حبطا) نصب على التمييز.
"أو يلم"أي: يكاد أن يقتل.
стр. 1398
"إلا آكلة الخضر": (الخضر) بالكسر: الطري الغض من النبات, بمعنى: أخضر, كما يقال: أعور وعور بمعنى.
وقيل: المراد به هاهنا: ضرب من الجنبة, وهي ما له أصل ثابت في الأرض غائص فيها, لا تستكثر منه النعم.
, (الخضرة): البقلة الغضة.
و (امتداد الخاصرتين): كناية عن الشبع, فإنهما يمتدان إذا امتلأ البطن.
والمراد بـ (عين الشمس): ذاتها, أي: توجهت إلى مسقط ضوئها, واستراحت فيه.
"فثلطت"أي: بالت وتغوطت, يقال: ثلطت الشاة إذا ألقت بعرها.
و"آكلة": نصب على أنه مفعول (يقتل) , واستثناء مفرغ, والأصل: وإنما مما ينبت الربيع ما يقتل آكلة إلا آكلة الخضر على هذا الوجه.
وإنما صح الاستثناء المفرغ من المثبت لقصد التعميم فيه, ونظيره: قرأت إلا يوم كذا.
والمعنى: أن الدنيا مونقة تعجب الناظرين, فمنهم من يستكثرمنها فتهلكه, كالماشية إذا استكثرت من المرعى حتى انتفخ بطنها وحبطت, وذلك مثل المسرف.
стр. 1399
ومنهم من يقنع بما يحتاج إليه منها, ويتحاشى عن الإفراط في تناولها, فيكون محمود العاقبة كآكلة الخضر, وذلك مثل المقتصد.
...
من الحسان:
١٢٩٦ - ٤٠١٨ - عن أبي هريرة, عن النبي ﷺ قال: "ما ينتظر أحدكم إلا غنى مطغيا, أو فقر منسيا, أو مرضا مفسدا, أو هرما مفندا, أو موتا مجهزا, أو الدجال, فالدجال شر غائب ينتظر, أو الساعة, ﴿والساعة أدهى وأمر﴾ ".
"عن أبي هريرة, عن النبي ﷺ قال: ما ينتظر أحدكم إلا غنى مطغيا, أو فقرا منسيا, أو مرضا مفسدا, أو هرما مفندا, أو موتا مجهزا, أو الدجال, فالدجال شر غائب ينتظر, أو الساعة والساعة أدهى وأمر"
(أطغاه المال): إذا جعله طاغيا من البطر والغرور به.
و (الفقر المنسي): الذي يدهش صاحبه فيجعله ناسيا لما يهمه من أمر الدارين.
و (المفند) بالسكون: من (أفنده الكبر) , إذا بلغ صاحبه إلى الفند, وهو الخرف, وأصله: الكذب, يقال: أفند الرجل, إذا تكلم بالفند, أي: الكذب, ثم استعمل للخرف, فإنه عبارة عن ضعف
стр. 1400
الرأي, والتكلم بالمحرف من الكلام عن سنن الصحة ونهج الصواب, فهو من أسباب الكذب, أو ما يشابهه.
و (الموت المجهز): المسرع, يريد به: الفجأة ونحوها مما لم يكن بسبب مرض أو كبر سن, كقتل وغرق وهدم.
"الساعة أدهى"أي: أشد الدواهي وأقطعها, من قولهم: داهية الدهياء, وهو الأمر المنكر الذي لا يهتدي لدواته, و"أمر" من جميع ما يكابده الإنسان في الدنيا من الشدائد لمن غفل عن أمرها, ولم يعد لها قبل حلولها.
...
١٢٩٧ - ٤٠٢٨ - عن عثمان ﵁: أن النبي ﷺ قال: "ليس لابن آدم حق في سوي هذه الخصال: بيت يسكنه, وثوب يواري به عوراته, وجلف الخبز والماء"
"وعن عثمان ﵁: أن النبي ﷺ قال: "ليس لابن آدم حق سوى في هذه الخصال: بيت يسكنه, وثوب يواري به عورته, وجلف الخبز والماء"
أراد بـ (الحق): ما يستحقه الإنسان لافتقاره إليه, وتوقف تعيشه عليه, وما هو المقصود الحقيقي من المال.
وقيل: أراد به ما لم يكن له تبعة حساب إذا كان مكتسبا من وجه حلال.
стр. 1401
والمراد بـ (الخصال) هاهنا: ما يحصل للرجل, ويسعى في تحصيله من الأموال, شبهه بما يخاطر عليه في السبق والرمي ونحوهما.
"وجلف الخبز والماء": ظرفهما من جراب وركوة, ذكر الظرف, وأراد به المظروف, أي: كسرة خبز وشربه ماء.
...
١٢٩٨ - ٤٠٣١ - وعن أبي أمامة, عن النبي ﷺ قال: "أغبط أوليائي عندي لمؤمن خفيف الحاذ, ذو حظ من الصلاة, أحسن عبادة ربه وأطاعه في السر, وكان غامضا في الناس لا يشار إليه بالأصابع, وكان رزقه كفافا, فصبر على ذلك" ثم نقر بيده فقال: "عجلت منيته, وقلت بواكيه, وقل تراثه"
"وعن أبي أمامة عن النبي ﷺ قال: أغبط أوليائي عندي لمؤمن خفيف الحاذ, ذو حظ من الصلاة أحسن عبادة ربه, وأطاعه في السر, وكان غامضا في الناس, لا يشار إليه بالأصابع, وكان رزقه كفافا, فصبر على ذلك, ثم نقد بيده فقال: عجلت منيته, قلت بواكيه, قل تراثه"
أي: أحق أحبائي وأنصاري بأن يغبط به, ويتمنى مثل حاله مؤمن بهذه الصفة.
و"خفيف الحاذ": خفيف الحال, الذي يكون قليل المال والعيال.
و (الغامض في الناس): الخامل الخافي الذي لا يعرف.
"ثم نقده بيده" أي: ضرب إحدى أنملتيه على الأخرى أو على
стр. 1402
الأرض, من نقدت الشيء بإصبعي, وبعضهم روى: (فنقر) بالراء, أي: صوت بإصبعه.
و (البواكي): جمع: باكية.
و (التراث): الميراث.
...
١٢٩٩ - ٤٠٣٥ - وعن ابن عمر: أن النبي ﷺ سمع رجلا يتجشأ فقال: "أقصر من جشأتك, فإن أطول الناس جوعا يوم القيامة أطولهم شبعا في الدنيا"
"وفي حديث ابن عمر: أن رسول الله ﷺ سمع رجلا يتجشأ فقال: "أقصر من جشائك"
قيل: (الرجل) هو: أبو جحيفة وهب بن عبد الله, قيل: ابن حامد السوائي, من بني عامر بن صعصعة.
و (التجشؤ): كثرة الجشاء.
و"أقصر": أمر من (الإقصار) , وهو: الكف عن الشيء, والمراد به: النهي عن إكثار الطعام, والإفراط فيه, المؤدي إلى الامتلاء المفسد للطعام, المقتضي لكثرة الجشاء.
وقد روي: أن أبا جحيفة لم يأكل ملء بطنه حتى فارق الدنيا.
стр. 1403
١٣٠٠ - ٤٠٢٧ - عن أنس, عن النبي ﷺ قال: "يجاء بابن آدم يوم القيامة كأنه بذج, فيوقف بين يدي الله, فيقول له: أعطيك وخولتك وأنعمت عليك, فما صنعت؟ فيقول: رب! جمعته وثمرته فتركته أكثر ما كان, فارجعني آتك به كله, فيقول له: أرني ما قدمت, فيقول: رب! جمعته وثمرته فتركته أكثر ما كان, فارجعني آتك به كله, فإذا لم يقدم خيرا فيمضى به إلى النار", ضعيف.
"وفي حديث أنس: يجاء بابن آدم يوم القيامة كأنه بذج"
(البذج): ولد الضأن, وجمعه: البذجان, يريد بهذا التشبيه المبالغة في العجز والهوان.
وفيه: "فيقول: رب جمعته وثمرته": نميته وكثرته, يقال: ثمر الله ماله, إذا أكثره.
...
٢ - باب
فضل الفقراء وما كان
من عيش النبي ﷺ
من الصحاح:
١٣٠١ - ٤٠٤٠ - قال رسول الله ﷺ : "رب أشعث مدفوع
стр. 1404
بالأبواب لو أقسم على الله لأبره"
"عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "رب أشعث مدفوع بالأبواب لو أسم على الله لأبره"
(الأشعث): هو المغبر الرأس المتفرق الشعور, وأصل التركيب هو التفرق والانتشار.
والصواب: "مدفوع" بالدال, أي: يدفع عند الدخول على الأعيان والحضور في المحافل, فلا يترك أن يلج الباب فضلا أن يحضر معهم, ويجلس فيما بينهم.
و"لو أقسم على الله لأبره" أي: لو سأل من الله شيئا, وأقسم عليه أن يغفله, لفعله, ولم يخيب دعوته, فشبه إجابة المنشد المقسم على غيره بوفاء الحالف على يمينه, وبره فيها, معناه: لو حلف أن الله يفعله أو لا يفعله, صدقه في يمينه, وأبره فيها, بأن يأتي بما يوافقها.
...
١٣٠٢ - ٤٠٤٢ - وقال: "قمت على باب الجنة, فكان عامة من دخلها المساكين, وأصحاب الجد محبوسون, غير أن أصحاب النار قد أمر بهم إلى النار, وقمت على باب النار, فإذا عامة من دخلها النساء"
"وفي حديث أبي هريرة: وأصحاب الجد محبوسون"
стр. 1405
يريد بهم: الأغنياء, و"الجد"بالفتح: الغني.
...
١٣٠٣ - ٤٠٤٨ - عن أنس: أنه مشى إلى النبي ﷺ بخبز شعير وإهالة سنخة, ولقد رهن النبي ﷺ درعا بالمدينة عند يهودي وأخذ منه شعيرا لأهله, ولقد سمعته يقول: ما أمسى عند آل محمد صاع بر ولا صاع حب, وإن عنده لتسع نسوة"
"وعن أنس: أنه مشى إلى النبي ﷺ بخبز شعير وإهالة سنخة"
(الإهالة): الدسم, وفي المثل: سرعان ذا هالة.
و (السنخة): المتغيرة, يقال: سنخ الطعام وزنخ, إذا تغير.
...
١٣٠٤ - ٤٠٤٩ - وقال عمر ﵁: دخلت على رسول الله ﷺ , فإذا هو مضطجع على رمال حصير, ليس بينه وبينه فراش, قد أثر الرمال بجنبه, متكئا على وسادة من أدم حشوها ليف, قلت: يا رسول الله! أدع الله فليوسع على أمتك, فإن فارس والروم قد وسع عليهم, وهم لا يعبدون الله, فقال::"أو في هذا أنت يا ابن الخطاب! أولئك قوم عجلت لهم طيباتهم في الحياة الدنيا"
وفي رواية: "أما ترضى أن تكون لهم الدنيا ولنا الآخرة"
следующие страницы →