Полный текст (1 692 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
الضياع والتحريف – واجبة التبليغ مأمورة النقل , فكيف بالأحاديث , فإنها قليلة الرواة قابلة للإخفاء والتغيير؟!
وقوله " حدثوا عن بني إسرائيل " تجويز وإباحة للتحدث عنهم , ولا حرج بفرقة بين الأمرين ,فإن قول القائل: افعل هذا ولا حرج = يفيد الإباحة عرفا ورفع الحرج المفهوم من قوله: (أمتهوكون أنتم؟) ونحوه.
وإنما يجوز التحث عنهم إذا لم ير كذب ما قاله علما أو ظنا , لقوله ﵇:" من حدث بحديث يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين " روي بضم الياء بمعنى: يظن ووبفتحها من قولهم: فلان يرى ,من الرأي كذا , وإنما سماه كاذبا , لأنه يعين المفتري , ويشاركه بسبب نشره وإشاعته.
...
٨٤ - ١٤٩ – وقال ﷺ :" من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين , وإنما أنا قاسم والله يعطي , ولا تزال من أمتي أمة قائمة بأمر الله لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك ". رواه معاوية ﵁.
" في حديث معاوية: إنما أنا قاسم , والله يعطي ".
معناه: أنا قاسم أقسم العلم بينكم , فالقي إلى كل واحد ما يليق به ووالله يوفق من يشاء منكم لفهمه والتفكر في
стр. 142
معناه , والعمل بمقتضاه.
...
٨٥ – ١٥٠ – وقال ﷺ :" الناس معدن كمعادن الذهب والفضة خيارهم في الإسلام خيارهم في الجاهلية إذا فقهوا ", رواه أبو هريرة ﵁.
" عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : الناس معادن كمعادن الذهب والفضة " الحديث.
(المعدن): المستقر والمستوطن , من (عدنت البلد) إذا توطنته , فكما أن المعدن منها ما لا يحصل منه شيء يعبأ به ,ومنها ما يحصل بكد وتعب كثير شيء يسير , ومنها ما هو بعكس ذلك , ومنها ما يظفر فيه بمغارات مملوءة من الذهب الإبريز , فمن الناس من لا يعي ولا يفقه ولا تغني عنه الآيات والنذر , ومنهم من يحصل له علم قليل بسعي واجتهاد طويل , ومنهم من أمره بالعكس ,ومنهم من يفيض عليه من حيث لا يحتسب بلا شوق وطلب معالم كثيرة , وتنكشف له المغيبات , ولم يبق بينه وبين القدس حجاب ز
...
٨٦ – ١٥١ – وقال ﷺ :" لا حسد إلا في اثنتين ك رجل أعطاه الله مالا فسلطه على هلكته في الحق , ورجل آتاه الله حكمة فهو يقضي
стр. 143
بها ويعلمها ", رواه ابن مسعود ﵁ ز
" عن ابن مسعود ﵁: أن النبي ﷺ قال: لا حسد إلا في اثنتين "الحديث.
(الحسد) في الأصل: عبارة عن أن يتمنى الرجل زوال نعمة غيره وانتقالهـ[ا] إليه , وهو بهذا المعنى مذموم كله , وقد يطلق ويراد به الغبطة: وهو أن يتمنى حصول مثلها له , وهو بهذا المعنى حسن مرضي إذا كان المتمنى ما يتقرب به إلى الله , كطلب المال للإنفاق في الخير والعلم للعمل به وإرشاد الخلق.
...
٨٧ – ١٥٢ – وقال ﷺ :" إذا مات ابن الإنسان انقطع عنه عمله إلا من ثلاثة: إلا من صدقة جارية , أو علم ينتفع به , أو ولد صالح يدعو له ",رواه ابو هريرة ﵁.
" عن أبي هريرة ﵁ , عن النبي ﷺ أنه قال: إذا مات ابن آدم انقطع عنه عمله إلا من ثلاثة "الحديث.
لما ثبت أنه سبحانه يثيب المكلف بكل فعل يتوقف وجوده توقفا بوجه ما على كسبه , سواء فيه المباشرة والتسبب ووكان ما يتجدد حالا فحالا من منافع الوقف وويصل إلى المستحقين من نتائج فعل الواقف , واستفادة المتعلم من مآثر المتقدمين وتصانيفهم بتوسط
стр. 144
إرشادهم , وصالحات أعمال الولد تبعا لوجوده الذي هو مسبب عن فعل الوالد = كان ثواب ذلك لاحقا بهم , غير منقطع عنهم.
فإن قلت: قوله ﷺ :" من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة وومن سن سنة سيئة فله وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة ", وقوله ﵇:"كل ميت يختم على عمله , إلا المرابط في سبيل الله , فإنه بنمو له عمله إلى يوم القيامة "يكاد يخل بهذا الحصر , سيما الحديث الأخير , فإنه ينافي قطريه؟
قلت: أما قوله: " من سن سنة حسنة " فغير خارج عن هذه الأقسام , فإن وضع السنن وتأسيسها من باب التعليم.
وأما قوله:" من سن سنة سيئة " فالمراد به المعاصي , والمراد بالعمل هاهنا: الطاعة , لغلبته فيه , فلا تعارض.
وأما قوله:" كل ميت يختم على عمله " فمعناه: أن الرجل إذا مات لا يزاد في ثواب ما عمل , ولا ينقص منه شيء وإلا الغازي , فإن ثواب مرابطته ينمو ويضاعف , وليس فيه ما يدل على أن عمله يزاد بضم غيره أو لا يزاد.
...
٨٨ – ١٥٣ – وقال:" من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة , ومن يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة , ومن ستر مسلما ستره الله في الدنيا والآخرة
стр. 145
والله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه وومن سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله له به طريقا إلى الجنة , وما اجتمع قوم في مسجد من مساجد الله تعالى يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة ووغشيتهم الرحمة , وحفت بهم الملائكة , وذكرهم الله فيمن عنده , ومن بطأ به عمله لم يسرع به نسبه ط, رواه أبو هريرة ﵁.
" وعنه , عن النبي ﷺ قال ك من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة "الحديث.
" نفس " بمعنى: فرج , والنفس: السعة يقال: فلان في نفس من أمره ,أي: سعة.
و"الكربة ": الغم ,وجمعها: الكرب , والكربية: الشدة ز
وقوله:"غشيتهم " أي غطتهم وأحاطت بهم , و" السكينة ": الوقار والطمأنينة , مأخوذة من: السكون , و" حفت بهم ": أحدقتهم وأحاطت بهم , من: الحفيف وهو الجانب.
والمراد بـ (من عنده): الملأ الأعلى والطبقة الأولى من الملائكة.
وقوله:" من بطأ به [عمله] لم يسرع به نسبه " أي: من أخره عمله لسوئه أو قصوره , لم يقدمه شرف نسبه.
стр. 146
٨٩ – ١٥٦ – وقال عبد الله بن مسعود ﵁: كان رسول الله ﷺ يتخولنا بالموعظة في الأيام كراهة السآمة علينا.
" عن ابن مسعود ﵁ كأنه قال: كان رسول الله ﷺ يتخولنا بالموعظة كراهة السآمة علينا".
" يتخولنا ": يتعهدنا , من: خال يخول خولا , وروي: " يتخوننا ", والمعنى واحد.
و" السآمة ": الملال , يقال: سئم – بالكسر – يسأم سآمة.
قال زهير:
سئمت تكاليف الحياة ومن يعش
ثمانين حولا لا محالة يسأم
والمعنى: أنه يراقبنا ويحافظ على أريحيتنا , زلا يكثرنا الوعظ , حذرا عن الملال.
...
٩٠ – ١٦٠ – وقال:" لا تقتل نفس ظلما إلا كان على ابن آدم الأول كفل من دمها , لأنه أول من سن القتل ", رواه ابن مسعود ﵁.
" وعنه أنه – ﵇ – قال: لا تقتل نفس ظلما إلا كان على
стр. 147
ابن آدم الأول كفل من دمها ".
معناه: قابيل أول ولد ولد لآدم , بسبب أنه سن القتل في بني آدم بقتله أخاه هابيل ظلما ز
" كفل " أي: نصيب من دم كل امريء يقتل ظلما.
...
من الحسان:
٩١ – ١٦١ – عن أبي الدرداء ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ :"من سلك طريقا يطلب فيه علما سلك الله به طريقا من طرق الجنة ,وإن الملائكة لتضع أجنحتها رضا لطالب العلم , وإن العالم ليستغفر له من في السماوات ومن في الأرض , والحيتان في جوف الماء , وإن فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب , وإن العلماء ورثة الأنبياء , وإن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما ووإنما ورثوا العلم , فمن أخذه أخذ بحظ وافر".
" عن أبي الدرداء ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﷺ : من سلك طريقا يطلب فيه علما سلك الله به طريقا إلى الجنة " الحديث.
نكر العلم , ليتناول أنواع العلوم الدينية , ويندرج فيه القليل والكثير.
و (وضع الملائكة أجنحتها لطالب العلم): مجاز عن الانقياد له
стр. 148
والانعطاف عليه , كقوله تعالى: ﴿واخفض لهما جناح الذل من الرحمة﴾ [الإسراء:٢٤] أو عن تسهيل مسلكه والإسراع به إلى متوجهه ومقصوده.
وإنما يستغفر له أهل السماوات , لأنهم عرفوا بتعريفه وعظموا بقوله , وأهل الأرض لأن بقاءهم وصلاحهم مربوط برأيه وفتواه ووالعبادة كمال ونور يلازم ذات العابد ولا يتخطاه , فشابه نور الكواكب , والعلم كمال يوجب للعالم في نفسه شرفا وفضلا , ويتعدى منه إلى غيره فيستضيء بنوره ويكمل بواسطته , لكنه كمال ليس للعالم من ذاته , بل نور يتلقاه من النبي ﷺ , ولذلك شبهه بالقمر.
...
٩٢ - ١٦٣ – وقال أبو سعيد الخدري ﵁: إن النبي ﷺ قال: "إن الناس لكم تبع , وإن رجالا يأتونكم من أقطار الأرض يتفقهون في الدين , فإذا أتوكم فاستوصوا بهم خيرا ".
" وفي حديث أبي سعيد ﵁: استوصوا بهم خيرا ".
أي: وصوا , وتحقيقه: اطلبوا الوصية والنصيحة لهم عن أنفسكم.
...
٩٣ – ١٦٤ – وقال:" الكلمة الحكمة ضالة الحكيم , فحيث وجدها فهو أحق بها ",رواه أبو هريرة ﵁ , غريب.
" عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ : الكلمة الحكيمة ضالة الحكيم ,
стр. 149
فحيث وجدها فهو أحق بها ".
" الكلمة " هاهنا بمعنى: الكلام , و" الحكمة ": المحكمة , وهي التي تدل على معنى فيه دقة الحكيم الفطن المتقن , الذي له غور في المعاني و (ضالته): مطلوبه.
والمعنى: أن الناس متفاوتة الإقدام في فهم المعاني واستنباط الحقائق المحتجبة واستكشاف الأسرار المرموزة , فمن قصر فهمه عن إدراك حقائق الآيات ودقائق الأحاديث ينبغي أن لا ينكر على من رزق فهمها , وألهم تحقيقها , ولا ينازع فيها , كما لا ينازع صاحب الضالة في ضالته إذا وجدها , وأن من سمع كلاما ولم يفهم معناه ,أو لم يبلغ كنهه فعليه أن لا يضيعه , ويحمله إلى من هو أفقه منه , فلعله يفهم منه ما لا يفهمه , ويستنبط ما لا يتأتى له أن يستنبط , كما أن الرجل إذا وجد ضالة في مضيعة فسبيله أن لا يضيعـ[ها] , بل يأخذها ويتفحص عن صاحبها حتى يجده , فيرد [ها] عليه , وأن العالم إذا سئل عن معنى ,ورأى في السائل دراية وفطانة يستعد بها فهمه , فعليه أنه يعلمه ولا يمنع منه.
...
٩٤ – ١٦٥ – وقال:" طلب العلم فريضة على كل مسلم ",رواه أنس ﵁.
" عن أنس ﵁ , عن النبي ﷺ أنه قال: طلب العلم فريضة على كل مسلم ".
стр. 150
المراد من (العلم): ما لا مندوحة للعبد من تعلمه , كمعرفة الصانع , والعلم بوحدانيته , ونبوة رسوله , وكيفية الصلاة , فإن تعلمه فرض عين.
...
٩٥ – ١٦٧ – وقال:" خصلتان لا تجتمعان في منافق: حسن سمت , ولا فقه في الدين " رواه أبو هريرة ﵁.
" وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ : خصلتان لا تجتمعان في منافق: حسن سمت , ولا فقه في الدين ".
(السمت) في الأصل: الطريق , ثم استعير لهدي أهل الخير, يقال: ما أحسن سمته! أي ك هديه.
٩٦ – ١٧٢ – وقال:" من طلب العلم ليجاري به العلماء , أو ليماري به السفهاء , أو يصرف وجوه الناس إليه أدخله الله النار ", رواه كعب بن مالك ﵁.
" وعن كعب بن مالك ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: من طلب العلم ليجاري به العلماء "الحديث.
(المجاراة): المفاخرة ,مأخوذ من (الجري) لأن كل واحد
стр. 151
من المتفاخرين يجري مجرى الآخر.
و (المماراة): المحاجة والمجادلة ,من (المرية) وهو الشك , فإن كل واحد من المحاجين يشك فيما يقوله صاحبه , أو يشككه بما يورد على حجته ,أو من (المري) , وهو مسح الحالب الضرع ليستنزل اللبن , فإن كلا من المتناظرين يستخرج ما عند صاحبه.
و (السفهاء): الجهال , فإن عقولهم ناقصة مرجوحة بالإضافة إلى عقول العلماء.
...
٩٧ – ١٧٣ – وقال:" من تعلم علما مما ينبغي به وجه الله , لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضا من الدنيا لم يجد عرف الجنة يوم القيامة " يعني: ريحها , رواه أبو هريرة ﵁.
" وعنه: أنه – ﵇ – قال: من تعلم علما مما يبتغى به وجه الله لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضا من الدنيا لم يجد عرف الجنة "أي: ريحها.
...
٩٨ – ١٧٤ – وقال:" نضر الله عبدا سمع مقالتي فحفظها ووعاها وأداها فرب حامل فقه غير فقيه , ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه ".
стр. 152
وقال:" ثلاث لا يغل عليهن قلب مسلم: إخلاص العمل لله , والنصيحة للمسلمين , ولزوم جماعتهم , فإن دعونهم تحيط من ورائهم ".رواه ابن مسعود ﵁.
" عن ابن مسعود ﵁: أن النبي ﷺ قال: نضر الله امرأ سمع مقالتي فحفظها " الحديث.
(النضرة): الطراوة والبهاء , والنضر والنضار والنضير: الذهب الخالص وكل جوهر خالص صافي اللون , و (نضر) يجيء لازما ومتعديا , يقال: نضر وجهه , ونضر الله وجهه , وبمعناه: نضر – بالضم – نضارة , ونضر , بالكسر , وروي: (نضر الله) – بالتشديد – بمعنى: نعمه ودعا رسول الله ﷺ بمثل عمله , فإنه جدد بحفظه ونقله طراوة الدين وجلبابه.
" فرب حامل فقه ": إشارة إلى فائدة النقل والداعي إليه.
وقوله:" ثلاث لا يغل عليهن " إلى آخره: استئناف فيه تأكيد لما قبله فإنه – ﵇ – لما ذكر ما يحرض على تعلم السنن ونشرها , قفاه برد ما عسى يعرض مانعا – وهو الغل – من ثلاثة أوجه:
أحدها: أن تعلم الشرائع ونقلها ينبغي أن يكون خالصا لوجه الله , مبرأ عن شوائب المطامع والأغراض الدنيوية , وما كان كذلك لا يتأثر عن الحقد والحسد , وغيرهما مما يتعلق بأمور الدنيا ,ولا يليق بأمر الآخرة.
وثانيها: أن أداء السنن إلى المسلمين نصيحة لهم , وهي من
стр. 153
وظائف الأنبياء , فمن تعرض لذلك وقام به , كان خليفة لمن يبلغ عنه , وكما لا يليق بالأنبياء أن يهملوا أعاديهم ويعرضوا عنهم , ولا ينصحوا لهم , لا يحسن من حامل الأخبار وناقل السنن أن يمنحها صديقه , ويمنع عدوه.
وثالثها: أن التناقل والتحاور ونشر الأحاديث إنما يكون في أغلب الأمر بين الجماعات , فحث على لزومها , ومنع عن التأبي عنها لحقد وضغينة تكون بينه وبين حاضريها = تبيان ما فيها من الفائدة العظمى , وهو إحاطة دعائهم من ورائهم , فيحرسهم عن مكائد الشيطان وتسويله.
وروي: (لا يغل) على بناء المفعول و (لا يغل) ,من (الإغلال) بمعنى: الخيانة , أي: لا يخون قلب مسلم في هذه الأشياء الثلاثة , وعلى هذا: المقصود من ذلك هو الحث على الإخلاص.
...
٩٩ - ١٧٧ - وقال:" من قال في القرآن برأيه فأصاب فقد أخطأ " رواه جندب ﵁.
" وعن جندب أنه ﵇ قال: من قال في القرآن برأيه , فأصاب فقد أخطأ ".
المفسر للقرآن برأيه: من شرع في التفسير من غير أن يكون له وقوف على لغة العرب ووجوه استعمالها , من الحقيقة والمجاز
стр. 154
والمجمل والمفصل والعام والخاص , وعلم بأسباب نزول الآيات والناسخ والمنسوخ منها , وتعرف لأقوال الأئمة وتأويلاتهم , وهو - وإن اتفق له أن يوافق ما قاله المراد بالآية والمعنى بها - فهو مخطيء من حيث إنه ضل السبيل , وقال ما قاله من غير سند ودليل.
...
١٠٠ - ١٧٨ - وقال:" المراء في القرآن كفر " رواه أبو هريرة ﵁.
" وعن أبي هريرة ﵁: أنه ﵇ قال: المراء في القرآن كفر ".
المراد بـ (المراء فيه): التدارؤ , وهو أن يروم تكذيب القرآن بالقرآن , ليدفع بعضه ببعض , فيطرق إليه قدحا وطعنا , ومن حق الناظر في القرآن أن يجتهد في التوفيق بين الآيات والجمع بين المختلفات ما أمكنه , فإن القرآن يصدق بعضه بعضا , فإن أشكل عليه شيء من ذلك , ولم يتيسر له التوفيق , فليعتقد أنه من سوء فهمه , وليكله إلى عامله , وهو الله تعالى ورسوله ﵇ , كما قال تعالى: ﴿فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول﴾ [النساء: ٥٩].
١٠١ - ١٨١ - وقال:" أنزل القرآن على سبعة أحرف , لكل آية
стр. 155
منها ظهر وبطن , ولكل حد مطلع ", رواه ابن مسعود ﵁.
" عن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : أنزل القرآن على سبعة أحرف , لكل آية منها ظهر وبطن , ولكل حد مطلع ".
قيل: أراد بها: اللغات السبع المشهود لها بالفصاحة من لغات العرب , وهي: لغة قريش , وهذيل , وهوازن , واليمن , وبني تميم , ودوس , وبني الحارث.
وقيل: أراد بها: القراءات السبع المعروفة التي اختارها الأئمة السبعة , وهم: عاصم , وحمزة , والكسائي من أهل الكوفة , وابن كثير من مكة , ونافع من المدينة , وأبو عمرو من البصرة , وابن عامر من الشام.
وقيل: أراد به: أجناس الاختلافات التي تؤول إليها اختلافات القراءات , فإن اختلافها إما أن يكون في المفردات أو المركبات , والثاني كالتقديم والتأخير , مثل: ﴿وجاءت سكرة الموت بالحق﴾ [ق: ١٩].
و (جاءت سكرة الحق بالموت) , والأول إما أن يكون بوجود الكلمة وعدمها مثل: ﴿فإن الله هو الغني الحميد﴾ [الحديد: ٢٤] , قريء بالضمير وعدمه , أو بتبديل الكلمة بغيرها مع اتفاق المعنى ,مثل: ﴿كالعهن المنفوش﴾ [القارعة: ٥] , و (كالصوف المنفوش) , أو اختلافه مثل: ﴿وطلح منضود﴾ [الواقعة:٢٩] و (طلع منضود) , وبتغييرها إما بتغيير هيئة كإعراب مثل: ﴿هن أطهر لكم﴾ [هود: ٧٨] بالرفع والنصب , أو صورة مثل: ﴿وانظر إلى العظام كيف ننشزها﴾ [البقرة:٢٥٩] و (ننشرها)
стр. 156
أو حرف , مثل: ﴿باعد﴾ و ﴿بعد﴾ ﴿بين أسفارنا﴾ [سبأ:١٩].
وقيل: أراد [أن] في القرآن ما هو مقروء على سبعة أحرف أو أوجه , كقوله تعالى ﴿فلا تقل لهما أف﴾ [الإسراء] , فإنه قريء بالضم , والفتح والكسر منونا , وغير منون والسكون.
وقيل: معناه: أنه أنزل مشتملا على سبعة معان: الأمر , والنهي , والقصص , والأمثال , والوعد , والوعيد , والموعظة.
وأقول: المعاني السبعة هي: العقائد , والأحكام , والأخلاق , والقصص , والأمثال ووالوعد والوعيد.
وقوله (ولكل آية ظهر وبطن) قيل: ظهر الآية: لفظها المتلو , وبطنها: معناها الذي يفهم منه , وقيل: ظهرها: ما ظهر منها من المعنى الجلي المكشوف , وبطنها: ما خفي من معناها , ويكون سرا بين الله تعالى وبين المصطفين من أوليائه.
" ولكل حد مطلع " أي: لكل حد وطرف من الظهر والبطن مطلع , أي: مصعد , أو موضع يطلع عليه بالترقي إليه , فمطلع الظاهر: تعلم العربية والتمرن فيها , ويتبع ما يتوقف عليه معرفة الظاهر من أسباب النزول والناسخ والمنسوخ وغيرذلك , ومطلع الباطن: تصفية النفس , والرياضة بآداب الجوارح في اتباع مقتضى الظاهر والعمل بمقتضاه , كما قال ﵇:" من عمل بما علم , ورثه الله علم ما لم يعلم ".
стр. 157
١٠٢ – ١٨٢ - وقال:" العلم ثلاثة: آية محكمة , أو سنة قائمة , أو فريضة عادلة , وما كان سوى ذلك فهو فضل ", رواه عبد الله ابن عمرو ﵁.
" وقال ﵇: [العلم] ثلاثة: آية محكمة , أو سنة قائمة , أو فريضة عادلة , وما كان سوى ذلك فهو أفضل ".
قيل: المراد بـ (الآية المحكمة): الثابتة الباقي حكمها من القرآن وبـ (السنة القائمة): الحديث الصحيح المستقيم سنده وبـ (الفريضة العادلة):الأحكام.
...
١٠٣ – ١٨٥ – وقال معاوية ﵁: إن النبي ﷺ نهى عن الأغلوطات.
" وعن معاوية: أنه ﵇: نهى عن الأغلوطات ".
" الأغلوطات " جمع: أغلوطة , وهي أفعولة , من (الغلط) كالأحدوثة , يريد بها: المسائل التي يغالط بها المفتي , ليشوش فكره , ويسقط رأيه.
стр. 158
(٣)
كتاب الطهارة
стр. 159
(٣)
كتاب الطهارة
من الصحاح:
١٠٤ - ١٩١ - عن أبي مالك الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ :" الطهور شطر الإيمان , والحمد لله تملأ الميزان , وسبحان الله والحمد لله تملآن - أو تملأ - ما بين السماوات والأرض , والصلاة نور , والصدقة برهان , والصبر ضياء ,والقرآن حجة لك أو عليك , كل الناس يغدو , فبائع نفسه , فمعتقها أو موبقها ", وفي رواية أخرى:" ولا إله إلا الله والله أكبر يملآن ما بين السماء والأرض ".
(كتاب الطهارة)
(من الصحاح):
" عن أبي مالك الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : الطهور شطر الإيمان ", الحديث.
قد جاء فعول في كلام العرب لمعان مختلفة:
منها: المصدر, وهو قليل, كالقبول والولوع والوزوع.
стр. 160
ومنها: الفاعل, كالعفو والصفوح والشكور , وفيه مبالغة ليست في الفاعل.
ومنها: المفعول, كالركوب والضبوث والحلوب.
ومنها: ما يفعل به, مثل الوضوء والغسول والفطور.
ومنها: الاسمية, كالذنوب , وقد حمل الشافعي ﵁ قوله: ﴿وأنزلنا من السماء ماء طهورا﴾ [الفرقان:٤٨] على المعنى الرابع , لقوله تعالى ﴿ليطهركم به﴾ [الأنفال:١١] ,ولقوله ﵇:" وجعلت لي الأرض مسجدا وترابها طهورا ".
وهو هاهنا بمعنى المصدر , والمراد به: المشترك بين طهارتي الحدث والخبث.
وبـ (الإيمان): الصلاة , كما في قوله تعالى: ﴿وما كان الله ليضيع إيمانكم﴾ [البقرة: ١٤٣] ,أي: صلاتكم إلى بيت المقدس.
وإنما جعل الطهارة شطر الصلاة – وشطر الشيء نصفه – لأن صحة الصلاة والاعتداد بها باجتماع أمرين: الأركان والشرائط , وأظهر الشروط وأقواها: الطهارة , فجعل الطهارة كأنها الشرط كله , والشرط شطر ما لا بد منه حتى ينعقد صحيحا.
وقال بعض المحققين: الطهور: تزكية النفس عن العقائد الزائغة والأخلاق الذميمة , وهي شطر الإيمان الكامل , فإنه عبارة عن مجموع
стр. 161
أحدهما: تزكية النفس عن ذلك.
وثانيهما: التحلية بالاعتقادات الحقة والشمائل المحمودة.
" وسبحان الله والحمد لله تملآن ما بين السماوات والأرض ", أي: يملأ ما يترتب عليهما من الثواب – بفرض الجسمية – ما بين السماوات والأرض.
واشتقاق (النور): من نار ينور: إذا نفر لما فيه من الحركة والاضطراب , و (البرهان): الدليل الواضح , و (الضياء): النور القوي , والإضاءة: فرط الإنارة , قال الله تعالى: ﴿هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا﴾ [يونس:٥] , فـ"الصلاة نور " يهتدي بها في ظلمات الهوى , فإنها تنهى عن الفحشاء والمنكر , أو: نور يسعى بين يدي صاحبها يوم القيامة ,"والصدقة برهان ",أي: دليل واضح على صدق صاحبها في دعوى الإيمان , أو على أنه على الهدى والفلاح , و"الصبر ضياء" تنكشف به الكرات , وتنقلع به الظلمات , إذ الصبر: ثبات النفس على المكاره وحبسها عن الشهوات , فمن صبر على ما أصابه من مكروه – علما بأنه من قضاء الله وقدره – هان عليه ذلك , وكفى عنه شره , وادخر له أجره , ومن اضطرب فيه وأكثر الجزع له , لم ينفع تعبه , ولم يدفع سعيه شيئا من قدر الله , بل يتضاعف به همه , ويتحبط به أجره , وكذا من صبر على مشاق التكاليف والكف عن الملاهي والمحرمات فاز في الدارين
стр. 162
فوزا عظيما , ومن استأثر الاستراحة واتبع الهوى , فقد خسر خسرانا مبينا.
و" القرآن حجة " لمن عمل به , يدل على فوزه ونجاته , وحجة على من أعرض عنه , يدل [علي] سوء مآبه.
و (الغدو): ضد الرواح , مأخوذ من: الغدوة , وهو ما بين الصبح والطلوع.
و (البيع): المبادلة , والمعنى به هاهنا: صرف النفس واستعماله في عرض ما يتوخاه ويتوجه نحوه , فإن كان خيرا يرضى به الله تعالى , فقد أعتق نفسه عن عذابه , وإن كان شرا فقد أوبقها , أي: أهلكها , بأن جعلها بسببه عرضة لأليم عقابه.
...
١٠٥ – ١٩٢ – وقال:" ألا أخبركم بما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات؟ إسباغ الوضوء على المكاره , وكثرة الخطا إلى المساجد , وانتظار الصلاة بعد الصلاة , فذلكم الرباط , فذلكم الرباط , فذلكم الرباط ,رواه أبو هريرة ﵁.
" عن أبي هريرة ﵁: أنه – ﵊ – قال: ألا أخبركم بما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات؟ إسباغ الوضوء على المكاره " الحديث.
стр. 163
"إسباغ الوضوء على المكاره ": إتمامه وتكميله حال ما يكره استعمال الماء , كالتوضؤ بالماء البارد في الشتاء.
و" الرباط ": المرابطة , وهي ملازمة ثغر العدو , مأخوذ من (الربط) وهو الشد , والمعنى: أن هذه الأعمال هي المرابطة الحقيقية , لأنها تسد طرق الشيطان على النفس , وتقهر فيها الهوى , وترعبها في التقى , وتمنعها عن قبول الوساوس واتباع الشهوات , فيغلب بها حزب الله جنود الشيطان , وذلك هو الجهاد الأكبر , إذ الحكمة في شرع الجهاد تكميل الناقصين ومنعهم عن الإفساد والإغواء.
...
١٠٦ – ١٩٥ – وقال:" ما من امريء مسلم تحضره صلاة مكتوبة , فيحسن وضوءها وخشوعها وركوعها , إلا كانت كفارة لما قبلها من الذنوب ما لم يأت كبيرة , وذلك الدهر كله ", رواه عثمان ﵁.
" وعن عثمان ﵁: أنه – ﵇ – قال: ما من امريء مسلم تحضره صلاة مكتوبة " الحديث.
" الصلاة المكتوبة ": المفروضة , من: كتب كتابا , إذا فرض وهو مجاز من (الكتبة) , فإن الحاكم إذا كتب شيئا على أحد كان ذلك حكما وإلزاما.
стр. 164
و (إحسان الوضوء): الإتيان بفرائضه وسننه.
و (خشوع الصلاة):الإخبات فيها بانكسار الجوارح , و (إحسانها): أن يأتي بكل ركن على وجه أكثر تواضعا وخضوعا , وتخصيص الركوع بالذكر تنبيه على إنافته على غيره , وتحريض عليه , فإنه من خصائص صلاة المسلمين.
و" ما لم يأت كبيرة " أي: لم يعمل , وفي "كتاب مسلم ": "ما لم يؤت " – بكسر التاء – من (الإيتاء) على بناء الفاعل , والأكثر: " ما لم تؤت " على بناء المفعول , وكأن الفاعل يعطي العمل , أو يعطيه الداعي له والمحرض عليه , أو الممكن له منه.
" وذلك الدهر كله ": إشارة إلى التكفير ,أي: لو كان يأتي بالصغائر كل يوم , ويؤدي الفرائض كملا يكفر كل فرض ما قبله من الذنوب , كما قال ﵊:" الصلوات الخمس , والجمعة إلى الجمعة , ورمضان إلى رمضان مكفرات ما بينهن , إذا اجتنبت الكبائر ". أو إلى ما قبلها ,أي: المكتوبة تكفر ما قبلها , ولو كان ذنوب العمر كله.
...
من الحسان:
١٠٧ – ٢٠٠ – قال رسول الله ﷺ :" استقيموا ولن تحصوا
стр. 165
واعملوا أن خير أعمالكم الصلاة , ولا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن ", رواه ثوبان ﵁.
" عن ابن عمرو ﵄: أنه ﵊ قال: استقيموا ولن تحصوا "الحديث.
المراد بـ (الاستقامة): اتباع الحق والقيام بالعدل وملازمة المنهج المستقيم , وذلك خطب عظيم لا يتصدى لإحصائه إلا من استضاء قلبه بالأنوار القدسية , وتخلص عن الظلمات الإنسية , وأيده الله من عنده , وأسلم شيطانه بيده وقليل ما هم , فأخبرهم بعد الأمر بذلك: أنكم لا تقدرون على إيفاء حقه والبلوغ إلى غايته , كيلا تغفلوا عنه , ولا تتكلوا على ما تأتون به , ولا تيأسوا من رحمة الله , فيما تذرون عجزا وقصورا , لا تقصيرا.
وقيل: و (لن تحصوا) معناه: ولن تحصوا ثوابه , و (الإحصاء) في الأصل , وهو العد ,من (الحصى) بمعنى العدد , والله أعلم.
***
стр. 166
٢ - باب
ما يوجب الوضوء
من الصحاح:
١٠٨ - ٢٠٤ - وقال علي ﵁: كنت رجلا مذاء , فكنت أستحي أن أسأل النبي ﷺ , فأمرت المقداد فسأله , فقال: " يغسل ذكره ويتوضأ".
(باب ما يوجب الوضوء)
(من الصحاح):
" قال علي ﵁: كنت رجلا مذاء وكنت أستحي أن أسأل النبي ﷺ , فأمرت المقداد , فسأله , فقال: يغسل ذكره ويتوضأ".
(المذاء): كثير المذي , من (أمذى) , وللشافعي قولان فيما إذا خرج من أحد السبيلين خارج غير معتاد كالدم والمذي:
أحدهما: أنه يتعين غسله , ولا يجوز الاقتصار على الحجر , لندوره , وخصوصا في المذي , للزوجته وانتشاره , ويعضده ظاهر هذا الحديث.
والثاني: جواز الاقتصار نظرا إلى المخرج.
والمراد من الأمر بالغسل: لتتقلص عروقه , وينقطع المذي.
***
стр. 167
١٠٩ - ٢٠٥ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : توضؤوا مما مست النار ".
" وعن أبي هريرة ﵁: أنه ﵇ قال: توضؤوا مما مست النار ".
(الوضوء) في أصل اللغة هو: غسل بعض الأعضاء وتنظيفه , من (الوضاءة) بمعنى النظافة , والشرع نقله إلى الفعل المخصوص , وقد جاء هاهنا على أصله , والمراد فيه وفي نظائره: غسل اليدين لإزالة الزهومة , توفيقا بينه وبين حديث ابن عباس وأم سلمة ونحوهما.
ومنهم من حمله على المعنى الشرعي , وزعم أنه منسوخ بحديث ابن عباس , وذلك إنما يتقرر لو علم تاريخهما وتقدم الأول.
لا يقال: ابن عباس متأخر الصحبة , فيكون حديثه ناسخا , لأنا نقول: تأخر الصحبة وحده لا يقتضي تأخر الحديث.
نعم , لو كانت صحبته بعد وفاة الآخر أو غيبته , دل ذلك على تأخره وأما لو اجتمعا عند رسول الله ﷺ فلا , لجواز أن يسمع القدم صحبة بعد سماعه.
***
стр. 168
من الحسان:
١١٠ - ٢١٦ - وقال:" وكاء السه العينان فمن نام فليتوضأ". رواه علي ﵁.
قال الشيخ الإمام ﵀: وهذا في غير القاعد لما صح:
(من الحسان):
" وعن علي ﵁: أنه ﵇ قال: وكاء السه العين فمن نام فليتوضأ".
(الوكاء): ما يشد به الشيء ,و (السه): الدبر ,وأصله: سته لجمعه على: أستاه وتصغيره على: ستيهة , والمعنى: أن الإنسان إذا تيقظ أمسك ما في بطنه , فإذا نام زال اختياره واسترخت مفاصله , فلعله يخرج منها ما ينقض طهره , وذلك إشارة إلى أن نقض الطهارة بالنوم وسائر ما يزيل العقل ليس لأنفسها , بل لأنها مظنة خروج ما ينتقض الطهر به. ولذلك خص عنه النوم ممكن المقعد من الأرض في حديث أنس.
...
١١١ - ٢٢٢ - وقد روى أبو هريرة عن رسول الله ﷺ أنه قال:" إذا أفضى أحدكم بيده إلى ذكره ليس بينه وبينها شيء فليتوضأ".
" عن أبي هريرة ﵁: أنه ﵇ قال: إذا أفضى أحدكم
стр. 169
بيده إلى ذكره , ليس بينه وبينها شيء فليتوضأ ".
"أفضى ": وصل , لازم عداه بالباء , وهذا وحديث بسرة دليل على أن المس ناقض للوضوء ,وهو قول سعد وابن عمر وابن عباس , ومذهب الأوزاعي والشافعي وأحمد والمزني , والمشهور عن مالك.
وروي خلافه عن علي ﵁ وابن مسعود وعمار وحذيفة وعمران بن حصين , وهو مذهب أبي حنيفة وأصحابه , ومعتمده: ما روى قيس بن طلق بن علي عن أبيه عن النبي ﷺ أنه قال:" هل هو إلا بضعة منك؟ " وقد طعن الباحثون عن أحوال الرواة في قيس. وزعم الشيخ: أنه منسوخ بحديث أبي هريرة , لأنه أسلم بعد مراجعة طلق إلى اليمن بسنتين , وذلك يدل على تأخر حديثه عن حديث طلق , فيكون ناسخا.
وأول يعضهم بأنه في الإفضاء بظهر الكف , وهو غير ناقض , لأنه روي في مقدم هذا الحديث:
أن رجلا سأل فقال: كنت أحك فخذي فأفضيت بيدي ذكري , وفيه نظر , لأن تخصيص الحديث به ينافي التعليل المومأ إليه بقوله:" هل هو إلا بضعة منك " والله أعلم.
...
٣ - باب
أدب الخلاء
من الصحاح:
١١٢ - ٢٢٦ - عن أبي أيوب الأنصاري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ :
стр. 170
" إذا أتيتم الغائط فلا تستقبلوا القبلة , ولا تستدبروها , ولكن شرقوا أو غربوا ".
قال المصنف: هذا الحديث في الصحراء , أما في البنيان فلا بأس به , لما روي.
(باب أدب الخلاء)
(من الصحاح):
"عن أبي أيوب الأنصاري ﵁: أنه – ﵇ – قال: إذا أتيتم الغائط فلا تستقبلوا القبلة ولا تستدبروها , ولكن شرقوا أو غربوا ".
" الغائط" لغة: المكان المطمئن من الأرض , وفي العرف يراد به: البراز , لأن العرب يقصدون الغيطان لقضاء الحاجة , وظاهر الحديث يدل على عدم جواز الاستقبال والاستدبار عند قضاء الحاجة مطلقا, وإليه ذهب النخعي , والجمهور فرقوا بين البناء والصحراء. قال المصنف: هذا الحديث في الصحراء , أما في البنيان فلا بأس به , لما روي:
...
١١٣ - ٢٢٧ – عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: ارتقيت فوق بيت حفصة بنت عمر لبعض حاجتي , فرأيت رسول الله ﷺ يقضي حاجته مستدبر القبلة مستقبل الشام.
وخص الحديث بما روى ابن عمر:" أن رأى رسول الله ﷺ فوق
стр. 171
بيت حفصة يقضي حاجته مستدبر القبلة مستقبل الشام ".
وتأويله بأنه – ﵇ – لعله انحرف عن القبلة يسيرا , ولم يميز الراوي = ضعيف.
والفرق بين البناء والصحراء: أن الصحراء غالبا لا يخلو عن مصل من ملك أو إنس أو جن فيحاذيه بفرجه , ولا كذلك في البنيان الذي تقضى فيه الحاجة.
...
١١٤ – ٢٣٠ – وقال ابن عباس ﵄: مر النبي ﷺ بقبرين فقال:"إنهما يعذبان ’ وما يعذبان في كبير , أما أحدهما فكان لا يستبريء من البول , ويروى: لا يستنزه من البول – وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة ", ثم أخذ جريدة رطبة فشقها بـ[نصفين] ,ثم غرز في كل قبر واحدة , وقال: لعله أن يخفف عنهما ما لم يبسا ".
" عن ابن عباس ﵄: أنه – ﵊ – مر بقبرين , فقال: إنهما يعذبان , وما يعذبان في كبير " الحديث.
لعله عنى بالكبيرة: ما يستعظمه الناس ولا يجترىء عليه , و (النميمة) – وإن كانت من الذنوب إلا أنها – يجترىء عليها ولا يبالى بها , ودعا أن يخفف عنهما العذاب ما دامت النداوة في تينك الخشبتين , وهو دليل على عذاب القبر.
***
стр. 172
١١٥ – ٢٣١ – وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ :"اتقوا اللاعنين ", قالوا: وما اللاعنان يا رسول الله؟ قال: الذي يتخلى في طريق الناس أو في ظلهم ".
" وعن أبي هريرة ﵁: أنه – ﵇ – قال: اتقوا اللاعنين ,قالوا: وما اللاعنان؟ "الحديث.
سمي الحامل على اللعن والمسبب له لاعنا , كما يسند الفعل إلى مسببه , فيقال: بنى الأمير القلعة.
فإن قلت: كيف طابق الجواب السؤال؟
قلت: فيه إضمار , والتقدير: تخلى الذي يتخلى.
والمراد من " ظلهم ": ما اختاروه أندية ومقيلا ونحو ذلك.
...
١١٦ – ٢٣٣ – وقال:" من توضأ فليستنثر , ومن استجمر فليوتر ", رواه أبو هريرة ﵁.
" وقال ﵇: من توضأ فليستنثر "الحديث.
نثر وانتثر و٠استنثر): إذا استنشق الماء , ثم استخرج ما في أنفه ونثره , وقال الفراء: هو أن يحرك النثرة , وهو الفرجة بين الشاربين.
стр. 173
من الحسان:
١١٧ – ٢٣٧ – وقال أبو موسى: كنت مع النبي ﷺ ذات يوم , فأراد أن يبول , فأتى دمثا في أصل جدار فبال , ثم قال: " إذا أراد أحدكم أن يبول فليرتد لبوله ".
(من الحسان):
" عن أبي موسى الأشعري ﵁ أنه قال: كنت مع النبي ﷺ ذات يوم , فأراد أن يبول , فأتى دمثا " الحديث.
(الدمث): المكان السهل اللين , و (الارتياد):الطلب.
١١٨ – ٢٣٩ – وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " إنما أنا لكم مثل الوالد , فإذا ذهب أحدكم إلى الغائط فلا يستقبل القبلة , ولا يستدبرها لغائط أو بول , وليستج بثلاثة أحجار , ونهى عن الروث والرمة , وأن يستنجي الرجل بيمينه ".
" وعن أبي هريرة ﵁: أنه – ﵇ – قال: إنما أنا لكم مثل الوالد " الحديث.
صدر الحديث بذلك لئلا يستحيى منه , فيسأل عنه ما يشكل.
و (الاستنجاء): إزالة النجو , وهو العذرة , مأخوذ من (النجوة) ,
стр. 174
وهي ما ارتفع من الأرض , لأن قاضي الحاجة يستتر بها.
وقوله:" ليستنج بثلاثة أحجار " دليل للشافعي ﵁ أن التثليث واجب وغن حصل النقاء بواحد.
و"الرمة" بكسر الراء: العظم البالي , وقد علل منع الاستنجاء بالعظم بأنه طعام الجن.
...
١١٩ – ٢٤٣ – وقال رويفع بن ثابت ﵁: قال لي رسول الله ﷺ : "يا رويفع! لعل الحياة ستطول بك بعدي , فأخبر الناس أن من عقد لحيته , أو تقلد وترا , أو استنجى برجيع دابة أو عظم فإن محمدا من بريء ".
" وعن رويفع ﵁: أنه – ﵇ – قال: يا رويفع! لعل الحياة ستطول بك بعدي , فأخبر الناس أن من عقد لحيته , أو تقلد وترا , أو استنجى برجيع دابة أو عظم فإن محمد منه بريء ".
(عقد لحيته): تجعيدها بالمعالجة , وهو منهي عنه لما فيه من التأنيث والتشبيه بمن يفعل ذلك من الكفرة , وقيل: إن أهل الجاهلية كانوا يعقدونها في الحرب , فنهوا عنه.
و (الوتر): وتر القوس , كانوا يقلدون به الفرس لئلا تصيبه العين , فنهاهم عن ذلك وأمرهم بقطعها , ليعلموا أنه لا يرد من قدر الله شيئا.
стр. 175
وقيل: المراد به: خيط يتقلدون به لذلك.
والرجيع: السرقين , مأخوذ من (الرجوع) ’ فإنه رجع من حال إلى حال.
...
١٢٠ – ٢٤٤ – وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " من اكتحل فليوتر , من فعل فقد أحسن , ومن لا فلا حرج , ومن استجمر فليوتر , ومن فعل فقد أحسن ومن لا فلا حرج , ومن أكل فما تخلل فليلفظ , وما لاك بلسانه فليبتلع , من فعل فقد أحسن , ومن لا فلا حرج , ومن أتى الغائط فليستتر ,فإن لم يجد إلا أن يجمع كثيبا من رمل فليستدبره ,فإن الشيطان يلعب بمقاعد بني آدم , من فعل فقد أحسن , ومن لا فلا حرج ".
" وعن أبي هريرة ﵁: أنه قال – ﵇ – قال: من اكتحل فليوتر " الحديث.
(الإيتار) في الأمور محبوب , و (الكثيب): تل الرمل , من (الكثب) وهو الجمع.
والمراد من (لعب الشيطان بالمقاعد إذا لم يسترها): أن تنكشف عورته ويفضح فيما بين الناس.
***
стр. 176
١٢١ – ٢٤٧ – وقال:" اتقوا الملاعن الثلاثة: البراز في الموارد , وقارعة الطريق , والظل ".رواه معاذ ﵁.
" وعن معاذ ﵁: أنه – ﵇ – قال: اتقوا الملاعن الثلاثة: البراز في الموارد ,
وقارعة الطريق , والظل ".
"البراز" بفتح الباء: الفضاء الواسع , والتركيب يدل على الظهور , فكنوا به عن الغائط , ثم اشتق منه: (تبرز) إذا تغوط.
و" الموارد ": الأمكنة التي يوافيها الناس , كالأندية.
...
١٢٢ – ٢٤٨ – وقال:" لا يخرج الرجلان يضربان الغائط كاشفين عن عورتهما يتحدثان , فإن الله يمقت على ذلك ", رواه أبو سعيد ﵁ ز
" وفي حديث أبي سعيد ﵁: يضربان الغائط ".
أي: يسرعان.
...
١٢٣ – ٢٤٩ – وقال:" إن هذه الحشوش محتضرة , فإذا أتى أحدكم الخلاء فليقل: أعوذ بالله من الخبث والخبائث ", رواه زيد بن أرقم ﵁.
" وفي حديث زيد بن أرقم ﵁: إن هذه الحشوش محتضرة ".
" الحشوش " جمع: حش , وهو البستان من النخيل , ثم كنى
стр. 177
به عن المستراح.
ومعنى " محتضرة ": أن الشيطان يحتضرها , ألا ترى أنه – ﵇ – رتب على إتيانها الأمر بالاستعاذة؟
...
١٢٤ – ٢٥١ – وقالت عائشة:" كان النبي ﷺ إذا خرج من الخلاء قال: غفرانك ".
" وفي حديث عائشة ﵂: غفرانك ".
وهو بمعنى: المغفرة , ونصبه بأنه مفعول به , والتقدير: أسأل غفرانك , ووجه تعقيبه للخروج عن المستحم أنه كان مشغولا بما يمنعه من الذكر , وما هو نتيجة شرهه على الطعام , واشتغاله بقضاء الشهوات.
...
١٢٥ – ٢٥٦ – عن حذيفة: أن النبي ﷺ أتى سباطة قوم , فبال قائما.
قيل: كان ذلك لعذر به , والله أعلم.
" وعن حذيفة ﵁: أنه ﵇: أتى سباطة قوم , فبال قائما ".
(السباطة) في الأصل: قمامة البيت , ثم استعمل لمطرحها وملقاها مجازا , ثم توسع واستعلم للفناء.
стр. 178
والحديث دليل على نهيه ﵇ عمر عن ذلك للتأديب والتنزيه , لا للحرمة , وقيل: ذلك للحرمة , وفعله ﵇ كان لعذر.
...
٤ - باب
السواك
من الصحاح:
١٢٦ - ٢٥٧ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بتأخير العشاء , وبالسواك عند كل صلاة ".
(باب السواك)
(من الصحاح):
" عن أبي هريرة ﵁: أنه ﵊ قال: لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بتأخير العشاء , وبالسواك عند كل صلاة ".
"لولا": تدل على انتفاء الشيء لثبوت غيره , والحقيقة أنها مركبة من (لو) و (لا) و (لو): تدل على انتفاء الشيء لانتفاء غيره , فتدل هاهنا مثلا على انتفاء الأمر لانتفاء نفي المشقة , وانتفاء النفي ثبوت , فيكون الأمر منفيا لثبوت المشقة.
стр. 179
ومعنى "أشق":أثقل , وفيه دليل على أن الأمر للوجوب لا للندب من وجهين:
أحدهما: أنه نفى الأمر مع ثبوت الندبية , ولو كان للندب لما جاز ذلك.
وثانيهما: أنه جعل الأمر ثقلا ومشقة عليهم , وذلك إنما يتحقق إذا كان دليلا على الوجوب.
...
١٢٧ - ٢٥٩ - وقال حذيفة: كان النبي ﷺ إذا قام للتهجد من الليل يشوص فاه بالسواك ".
" وقال حذيفة ﵁: كان النبي ﷺ إذا قام للتهجد " الحديث.
(التهجد): إزالة الهجود , وهو النوم.
وشاص "يشوص" شوصا: إذا غسل وتنظف.
...
١٢٨ - ٢٦٠ - وقالت عائشة ﵂: قال رسول الله ﷺ : عشر من الفطرة: قص الشارب , وإعفاء اللحية , والسواك , واستنشاق الماء , وقص الأظفار, وغسل البراجم , ونتف الإبط , وحلق العانة ,
стр. 180
وانتقاص الماء - يعني: الاستنجاء - ".
قال الراوي: ونسيت العاشرة إلا أن تكون المضمضة.
وفي رواية:" الختان " بدل: " إعفاء اللحية ".
" وعن عائشة ﵂: أنه ﵇ قال: عشر من الفطرة " الحديث.
" الفطرة ": السنة , والمعنى: أنها من سنة إبراهيم ,أي: من السنة التي فطر إبراهيم على التدين بها , أو فطر الناس عليها , وركب في عقولهم استحسانها.
و" إعفاء اللحية ": إرسالها وتركها لتكثر , و" قص الشارب ": قطعه , و" البراجم ": مفاصل الأصابع , واحدها) برجمة) بضم الباء.
و" انتقاص الماء " يريد به: الاستنجاء , هكذا قال الراوي , وقيل: معناه: أن يغسل الذكر بعدما بال ليرتد البول وينتقص , ويعضده رواية أبي داود:"الانتضاح " , ولذلك قيل: هو تصحيف , والصحيح: انتقاص الماء , من (النفض) بمعنى: النضح , فالماء على الأول: الماء الذي يستنجى به , وعلى الثاني: البول.
...
من الحسان:
١٢٩ - ٢٦٢ - وقال:" أربع من سنن المرسلين: الحياء
следующие страницы →