← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13614

تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة

ناصر الدين البيضاوي

Полный текст (1 692 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

١٢١ – ٢٤٧ – وقال:" اتقوا الملاعن الثلاثة: البراز في الموارد , وقارعة الطريق , والظل ".رواه معاذ ﵁. " وعن معاذ ﵁: أنه – ﵇ – قال: اتقوا الملاعن الثلاثة: البراز في الموارد , وقارعة الطريق , والظل ". "البراز" بفتح الباء: الفضاء الواسع , والتركيب يدل على الظهور , فكنوا به عن الغائط , ثم اشتق منه: (تبرز) إذا تغوط. و" الموارد ": الأمكنة التي يوافيها الناس , كالأندية. ... ١٢٢ – ٢٤٨ – وقال:" لا يخرج الرجلان يضربان الغائط كاشفين عن عورتهما يتحدثان , فإن الله يمقت على ذلك ", رواه أبو سعيد ﵁ ز " وفي حديث أبي سعيد ﵁: يضربان الغائط ". أي: يسرعان. ... ١٢٣ – ٢٤٩ – وقال:" إن هذه الحشوش محتضرة , فإذا أتى أحدكم الخلاء فليقل: أعوذ بالله من الخبث والخبائث ", رواه زيد بن أرقم ﵁. " وفي حديث زيد بن أرقم ﵁: إن هذه الحشوش محتضرة ". " الحشوش " جمع: حش , وهو البستان من النخيل , ثم كنى

стр. 177

به عن المستراح. ومعنى " محتضرة ": أن الشيطان يحتضرها , ألا ترى أنه – ﵇ – رتب على إتيانها الأمر بالاستعاذة؟ ... ١٢٤ – ٢٥١ – وقالت عائشة:" كان النبي ﷺ إذا خرج من الخلاء قال: غفرانك ". " وفي حديث عائشة ﵂: غفرانك ". وهو بمعنى: المغفرة , ونصبه بأنه مفعول به , والتقدير: أسأل غفرانك , ووجه تعقيبه للخروج عن المستحم أنه كان مشغولا بما يمنعه من الذكر , وما هو نتيجة شرهه على الطعام , واشتغاله بقضاء الشهوات. ... ١٢٥ – ٢٥٦ – عن حذيفة: أن النبي ﷺ أتى سباطة قوم , فبال قائما. قيل: كان ذلك لعذر به , والله أعلم. " وعن حذيفة ﵁: أنه ﵇: أتى سباطة قوم , فبال قائما ". (السباطة) في الأصل: قمامة البيت , ثم استعمل لمطرحها وملقاها مجازا , ثم توسع واستعلم للفناء.

стр. 178

والحديث دليل على نهيه ﵇ عمر عن ذلك للتأديب والتنزيه , لا للحرمة , وقيل: ذلك للحرمة , وفعله ﵇ كان لعذر. ... ٤ - باب السواك من الصحاح: ١٢٦ - ٢٥٧ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بتأخير العشاء , وبالسواك عند كل صلاة ". (باب السواك) (من الصحاح): " عن أبي هريرة ﵁: أنه ﵊ قال: لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بتأخير العشاء , وبالسواك عند كل صلاة ". "لولا": تدل على انتفاء الشيء لثبوت غيره , والحقيقة أنها مركبة من (لو) و (لا) و (لو): تدل على انتفاء الشيء لانتفاء غيره , فتدل هاهنا مثلا على انتفاء الأمر لانتفاء نفي المشقة , وانتفاء النفي ثبوت , فيكون الأمر منفيا لثبوت المشقة.

стр. 179

ومعنى "أشق":أثقل , وفيه دليل على أن الأمر للوجوب لا للندب من وجهين: أحدهما: أنه نفى الأمر مع ثبوت الندبية , ولو كان للندب لما جاز ذلك. وثانيهما: أنه جعل الأمر ثقلا ومشقة عليهم , وذلك إنما يتحقق إذا كان دليلا على الوجوب. ... ١٢٧ - ٢٥٩ - وقال حذيفة: كان النبي ﷺ إذا قام للتهجد من الليل يشوص فاه بالسواك ". " وقال حذيفة ﵁: كان النبي ﷺ إذا قام للتهجد " الحديث. (التهجد): إزالة الهجود , وهو النوم. وشاص "يشوص" شوصا: إذا غسل وتنظف. ... ١٢٨ - ٢٦٠ - وقالت عائشة ﵂: قال رسول الله ﷺ : عشر من الفطرة: قص الشارب , وإعفاء اللحية , والسواك , واستنشاق الماء , وقص الأظفار, وغسل البراجم , ونتف الإبط , وحلق العانة ,

стр. 180

وانتقاص الماء - يعني: الاستنجاء - ". قال الراوي: ونسيت العاشرة إلا أن تكون المضمضة. وفي رواية:" الختان " بدل: " إعفاء اللحية ". " وعن عائشة ﵂: أنه ﵇ قال: عشر من الفطرة " الحديث. " الفطرة ": السنة , والمعنى: أنها من سنة إبراهيم ,أي: من السنة التي فطر إبراهيم على التدين بها , أو فطر الناس عليها , وركب في عقولهم استحسانها. و" إعفاء اللحية ": إرسالها وتركها لتكثر , و" قص الشارب ": قطعه , و" البراجم ": مفاصل الأصابع , واحدها) برجمة) بضم الباء. و" انتقاص الماء " يريد به: الاستنجاء , هكذا قال الراوي , وقيل: معناه: أن يغسل الذكر بعدما بال ليرتد البول وينتقص , ويعضده رواية أبي داود:"الانتضاح " , ولذلك قيل: هو تصحيف , والصحيح: انتقاص الماء , من (النفض) بمعنى: النضح , فالماء على الأول: الماء الذي يستنجى به , وعلى الثاني: البول. ... من الحسان: ١٢٩ - ٢٦٢ - وقال:" أربع من سنن المرسلين: الحياء

стр. 181

والتعطر , والسواك , والنكاح - ويروى:"الختان " - , رواه أبو أيوب. (من الحسان): " وعن أبي أيوب ﵁: أنه ﵇ قال: أربع من سنن المرسلين: الحناء , والتعطر , والسواك , والنكاح ". روي: الحناء , والحياء , والختان) , فالأول: على تقدير مضاف , كالاستعمال والخضاب , فإن الحناء نفسه لا يكون سنة وطريقة , وهو أوفق للتعطر. والثاني: مؤول بما يقيتضيه الحياء ويوجبه , كالتستر والتجنب عن الفواحش والرذائل ,فإن الحياء نفسه أمر جبلي - ليس بالكسب - حتى يعد من السنن. ... ٥ - باب سنن الوضوء من الصحاح: ١٣٠ - ٢٦٥ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ :" إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثا , فإنه لا يدري أين باتت يده ".

стр. 182

(باب سنن الوضوء) (من الصحاح): "عن أبي هريرة ﵁: أنه – ﵊ – قال: إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده في الإناء " الحديث. إذا ذكر الشارع حكما وعقبه وصفا مصدرا بالفاء و (إن) , أو بأحدهما , كان ذلك إيماء إلى أن ثبوت الحكم لأجله. ونظير ذلك قوله ﵇:" لا تقربوه طيبا , فإنه يحشر يوم القيامة ملبيا " وقوله:" إنها ليست بنجسة , إنها من الطوافين عليكم أو الطوافات ". وقوله:" فإنه لا يدري أين باتت يده " يدل على أن الباعث على الأمر بالغسل احتمال النجاسة , فإن أكثرهم كانوا يستجمرون وينامون عراة , فربما وصلت أيديهم إلى منافذهم وهم لا يشعرون , فيكون قرينة يقتضي حمل ذلك على التنزيه واستحباب الغسل , فإن توهم النجاسات لا يوجب الغسل. وذهب الحسن البصري وأحمد – في إحدى الروايتين عنه – إلى ظاهر الحديث , وقالا: يجب الغسل , وينجس الماء لو أدخل اليد فيه قبل غسلها. ومن ذلك علم الفرق بين ورود الماء على النجاسة وعكسه , فقال الشافعي: لو أورد الثوب النجس على ماء قليل نجس الماء ولم يطهر الثوب.

стр. 183

والمعنى فيه: أن اتصال النجاسة سبب للنجاسة , فاحتمل ذلك فيما أورد الماء عليها , لسرعة وروده وانفصاله عنها ضرورة , فبقي غيره على الأصل. واستحباب التثليث في الغسل , فإنه لما أمر به في النجاسة الموهومة علم أن النجاسة الحقيقية أولى به. ... ١٣١ – ٢٦٦ – وقال:" إذا استيقظ أحدكم من نومه فتوضأ فليستنثر ثلاثا , فإن الشيطان يبيت على خيشومه ", رواه أبو هريرة. " وعن أبي هريرة ﵁: أنه – ﵊ – قال: إذا استيقظ أحدكم من منامه , فتوضأ , فليستنثر ثلاثا , فإن الشيطان يبيت على خيشومه ". (استنثر) " حرك النثرة , وهي طرف الأنف , وكذلك: نثر وانتثر , ويجوز أن يكون بمعنى: نثرت الشيء , إذا بددته. و (الخيشوم): أقصى الأنف المتصل بالبطن المقدم من الدماغ , الذي هو موضع الحس المشترك ومستقر الخيال , فإذا نام تجتمع فيه الأخلاط , وييبس عليه المخاط , ويكل الحس , ويتشوش الفكر , فيرى أضغاث أحلام , فإذا قام من نومه وترك الخيشوم بحاله استمر الكسل والكلال , واستعصى عليه النظر الصحيح , وعسر الخضوع

стр. 184

والقيام على حقوق الصلاة وآدابها, وهو المراد من بيتوتة الشيطان في الخيشوم, والأمر بطرده بالاستنثار. فإن قلت: ما هذه الفاءات الثلاث؟ قلت: الأول: للعطف , والثاني: جواب الشرط دخل على الأمر , والثالث: فاء السببية دخل على الجملة , ليدل على أن ما بعده علة للأمر بالاستنثار. ... ١٣٢ – ٢٧١ – وقال عبد الله بن عمرو: رأى النبي ﷺ قوما توضؤوا وأعقابهم تلوح لم يمسها الماء , فقال: " ويل للأعقاب من النار , أسبغوا الوضوء ". " عن ابن عمرو ﵄ أنه قال: رأى النبي ﷺ قوما , وأعقابهم تلوح لم يمسها الماء , فقال: ويل للأعقاب من النار , أسبغوا الوضوء ". ذهب عامة العلماء إلى أن الواجب غسل الرجلين , لهذا الحديث ونظائره , كقوله ﵊:" لا يقبل الله صلاة أحدكم حتى يضع الطهور مواضعه , فيغسل وجهه ويديه , ثم يمسح برأسه , ثم يغسل رجليه " وكقوله تعالى: ﴿وأرجلكم﴾ [المائدة: ٦] بالنصب , فإن الظاهر يدل على دخولها تحت حكم الوجوه والأيدي في وجوب الغسل.

стр. 185

وقالت الشيعة: يجب المسح عليهما , ولا يجوز الغسل , لظاهر قوله تعالى: (وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم) [المائدة:٦] بالخفض. وقال داود: يجب الجمع بين الغسل والمسح , ذهابا إلى مقتضى الدليلين. وقال محمد بن جرير: المتوضيء بالخيار بينهما , لتعارض الدليلين. والجواب عن ذلك: أن قراءة الجر تعارض قراءة النصب , فلابد من التأويل , وتأويل الجر بأنه على المجاورة , كقوله تعالى: ﴿عذاب يوم أليم﴾ [هود: ٢٦] وقولهم: حجر [جحر] ضب خرب = أولى من تأويل النصب بأنه محمول على محل الجار والمجرور , لأنه الموافق للسنة الثابتة الشائعة , فيجب المصير إليه. فإن قلت: ما وجه إيراده في هذا الباب؟ قلت: اشتماله على الأمر بإسباغ الوضوء أوجب ذلك , فإنه من السنن , إذ المعني به: تكميله والمبالغة فيه , كالتثليث وتطويل الغرة. ... ١٣٣ – ٢٧٢ – وقال المغيرة بن شعبة ﵁: إن النبي ﷺ توضأ فمسح بناصيته وعلى عمامته وخفيه. " وعن مغيرة بن شعبة ﵁: أنه – ﵇ – مسح على ناصيته وعمامته وخفيه ".

стр. 186

اختلف الفقهاء في المسح على العمامة , فمنعه أبو حنيفة ومالك ﵃ مطلقا , وجوز الثوري وأحمد بن حنبل وداود – ﵏ – الاقتصار على مسحها , إلا أن أحمد اعتبر أن يكون التعمم على طهر كلبس الخف , لما روي عن ثوبان: أنه – ﵇ – بعث سرية في أيام برد , وأمرهم أن يمسحوا على العصائب والتساخين , أي: العمائم والخفاف. وقال الشافعي ﵁: لا يسقط الفرض بالمسح عليها , لظاهر الآية الدالة على وجوب إلصاق المسح بالرأس , والأحاديث المعاضدة لها , لكن لو مسح من رأسه ما ينطلق عليه المسح , وكان يعسر عليها رفعها , فأمر اليد المبتلة عليها بدل سنة الاستيعاب , كان حسنا , لهذا الحديث , وحمل حديث ثوبان على ذلك. ... من الحسان: ١٣٤ – ٢٧٥ – وعن سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل قال: قال رسول الله ﷺ :" لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه ". (من الحسان): " عن سعيد بن زيد ﵁: أنه – ﵇ – قال: لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه ".

стр. 187

هذه الصيغة حقيقة في نفي الشيء , ويطلق مجازا على نفي الاعتداد به , لعدم صحته , كقوله ﵇:" لا صلاة إلا بطهور " , أو كماله: كقوله:" لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد " والأول أشيع وأقرب إلى الحقيقة , فيتعين المصير إليه ما لم يمنعه مانع , وهاهنا محمولة على نفي الكمال خلافا لأهل الظاهر , لما روى ابن عمر وابن مسعود: أنه – ﵇ – قال:" من توضأ ,فذكر اسم الله , كان طهورا لجميع بدنه , ومن توضأ , ولم يذكر اسم الله , كان طهورا لأعضاء وضوئه " ولم يرد به الطهور عن الحدث ,فإنه لا يتجزأ بل الطهور عن الذنوب. ... ١٣٥ – ٢٨٦ – عن أبي أمامة , ذكر وضوء رسول الله ﷺ ,قال: كان رسول الله ﷺ يمسح المأقين , قال: وقال:" الأذنان من الرأس " , وقيل: هذا من قول أبي أمامة. " وعن أبي أمامة ﵁: أنه ﵇ كان يمسح المأقين ". (المأق) بالهمز: طرف العين الذي يلي الأنف , وإن ثبت مجيئه للطرفين , فالمعنى به هذا , لأنه المفرغة , فيحتاج إلى زيادة تنظيف ومبالغة فيها , إسباغا للوضوء. ***

стр. 188

١٣٦ - ٢٨٧ - وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: أن أعرابيا سأل النبي ﷺ عن الوضوء , فأراه ثلاثا ثلاثا , ثم قال: " هكذا الوضوء , فمن زاد على هذا فقد أساء وتعدى وظلم ". " وعن عمر [و] بن شعيب عن أبيه عن جده ﵃: أن أعرابيا سأل النبي ﷺ عن الوضوء , فأراه ثلاثا ثلاثا , ثم قال: هكذا الوضوء , فمن زاد على هذا فقد أساء وتعدى وظلم ". أي: أساء الأدب , فإن الازدياد استنقاص لما استكمله الشارع , و"تعدى" عما حد له وجعله غاية التكميل ,و"ظلم " بإتلاف الماء ووضعه في غير موضعه. والحديث مسند إن كان الضمير في (جده) راجعا إلى (أبيه) ومرسل إن كان راجعا إلى (عمرو) لأن جده محمد بن عبدالله بن عمرو , وهو ليس بصحابي. ... ٦ - باب الغسل من الصحاح: ١٣٧ - ٢٩٢ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ :" إذا

стр. 189

جلس أحدكم بين شعبها الأربع , ثم جهدها فقد وجب الغسل وإن لم ينزل ". (باب الغسل) (من الصحاح): " عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : إذا جلس رجل بين شعبها الأربع وجهدها , وجب الغسل , وإن لم ينزل ". قيل ك " شعبها الأربع ": يداها ورجلاها , وقيل: رجلاها وشفراها , ولذلك كنى عنها بالشعب. و" جهدها": جامعها , قال ابن الأعرابي: (الجهد) بالفتح: من أسماء النكاح , ولعله كناية مأخوذة من (الجهد) بمعنى المبالغة. واختلف العلماء في وجوب الغسل بالإيلاج , فذهب جمهور الصحابة ومن بعدهم إلى أن إيلاج الحشفة في الفرج يوجب الغسل وإن لم ينزل , لهذا الحديث وغيره من الأخبار المعاضدة له , وذهب سعد بن أبي وقاص في آخرين من الصحابة: إلى أنه لا يجب الغسل ما لم ينزل , وقال به الأعمش وداود , وتمسكوا بقوله ﵇:" الماء من الماء ",أي: الاغتسال بالماء من أجل خروج الماء , وذلك يفيد الحصر عرفا. وأجيب بأنه منسوخ بقول أبي بن كعب: كان الماء من الماء شيئا

стр. 190

في أول الإسلام , ثم ترك ذلك بعد , وأمر بالغسل إذا مس الختان بالختان , وقد روي مثله عن زيد بن خالد. وقول ابن عباس: إن الماء من الماء في الاحتلام , معناه: أنه يدل على وجوب الاغتسال من أجل خروج الماء , وذلك لا يستلزم عدم وجوبه لغيره , فلا يعارض الحديث الموجب الغسل بالإيلاج. لا يقال: هذا التركيب يفيد قصر الحكم عليه عرفا , وقد جاء في بعض الروايات:" إنما الماء من الماء " ولفظة (الماء) تفيد الحصر على ما عرفت , لأنه – وإن ثبت ذلك – فهو دلالة مفهوم , والمفهوم لا يعارض المنطوق. نعم , مقدمة هذا الحديث ترد هذا التأويل , فإن مسلم بن حجاج روى في جامعه عن أبي سعيد الخدري قال: خرجت مع رسول الله ﷺ يوم الإثنين إلى قباء , حتى إذا كنا في بني سالم وقف رسول الله ﷺ على باب عتبان , فصرخ به , فخرج يجر إزاره ,فقال رسول الله ﷺ :" أعجلنا الرجل ", فقال عتبان: يا رسول الله! أرأيت الرجل يعجل عن امرأته ولم يمن , ماذا عليه؟ قال رسول الله ﷺ :"إنما الماء من الماء ". ... ١٣٨ – ٢٩٤ – وقالت أم سليم: يا رسول الله ّ! إن الله لا يستحيي

стр. 191

من الحق , فهل على المرأة من غسل إذا احتلمت ظ قال: نعم , إذا رأت الماء " فغطت أم سلمة وجهها وقالت: يا رسول الله! أو تحتلم المرأة؟ قال:" نعم تربت يمينك فبم يشبهها ولدها؟ إن ماء الرجل غليظ أبيض , وماء المرأة رقيق أصفر , فمن أيهما علا وسبق يكون من الشبه ". " عن أم سلمة زوج النبي ﷺ : أن أم سليم قالت: يا رسول الله! إن الله لا يستحيي من الحق , فهل على المرأة من غسل إذا احتلمت؟ قال: نعم , إّذا رأت الماء , فغطت أم سلمة وجهها وقالت: يا رسول الله! أو تحتلم المرأة؟ قال: نعم , تربت يمينك ّ! فبم يشبهها ولدها؟ إن ماء الرجل غليظ أبيض , وماء المرأة رقيق أصفر , فمن أيهما علا أو سبق يكون منه الشبه ". " أم سليم ": ابنة ملحان , واسمه: مالك بن خالد بن زيد النجاري , امرأة أبي طلحة الأنصاري. " لا يستحيي ": لا يترك ترك الحيي , وإنما قدمت ذلك اعتذارا عن شؤالها , فإنه مما يستحيي منه وقوله:"تربت يمينك " وإن كان أصله الدعاء بمعنى: لا أصبت خيرا , من (ترب الرجل) بمعنى: افتقر , وأصاب الترب , ليس المراد منه الدعاء , بل التنبيه على استعجالها وإنكارها احتلام المرأة ليس بصواب , والعرب تطلق أمثال ذلك في مخاطباتهم للتعجب والتنبيه.

стр. 192

وقوله:" فبم يشبهها ولدها " استدلال على أن لها منيا كما للرجل مني , والولد مخلوق منهما , إذ لو لم يكن لها ماء , وكان الولد من مائه المجرد لم يكن يشبهها , لأن الشبه بسبب ما بينهما من المشاركة في المزاج الأصلي المعين المعد لقبول التشكلات والكيفيات المعينة من مبدعه ﵎ , فإن غلب ماء الرجل ماء المرأة وسبق , نزع الولد إلى جانبه , ولعله يكون ذكرا , وإن كان بالعكس , نزع الولد إلى جانبها , ولعله يكون أنثى. ... ١٣٩ – ٢٩٦ – وعن ابن عباس ﵄: أنه قال: قالت ميمونة ﵂: وضعت للنبي ﷺ غسلا فسترته بثوب , وصب على يديه فغسلهما , ثم أدخل يمينه في الإناء , فأفرغ بها على فرجه , ثم غسله بشماله , ثم ضرب بشماله الأرض فدلكهما دلكا شديدا , ثم غسلها , فمضمض واستنشق , وغسل وجهه وذراعيه , ثم أفرغ على رأسه ثلاث حفنات ملء كفيه , ثم غسل سائر جسده , ثم تنحى فغسل قدميه , فناولته ثوبا فلم يأخذه , فانطلق وهو ينفض يديه. " وعن ابن عباس قال: قالت ميمونة ﵂: وضعت للنبي ﷺ غسلا , فسترته بثوب , وصب على يديه , فغسلهما , ثم أدخل يمينه في الإناء , فأفرغ بها على فرجه , ثم غسله بشماله , ثم ضرب بشماله الأرض , فدلكهما دلكا شديدا , ثم غسلها , فمضمض

стр. 193

واستنشق وغسل وجهه وذراعيه , ثم أفرغ على رأسه ثلاث حفنات ملء كفيه , ثم غسل سائر جسده , ثم تنحى , فغسل قدميه , فناولته ثوبا , فلم يأخذه , فانطلق وهو ينفض يديه ". (الغسل) بالضم: يطلق اسما للفعل المخصوص , ولما يغتسل به , وهو المراد هاهنا , وروي (غسلا) بالكسر , وهو في الأصل لما يغسل به الرأس من الخطمي ونحوه , فاستعير للماء. و (الإفراغ): الصب. و (الحفنة): ملء الكفين , ولا يكاد يستعمل إلا في الشيء اليابس , كذا قال الجوهري , فاستعماله في الماء مجاز , ولعلها يتجوز بها لملء كفه , فقالت: ملء كفيه , لتميط هذا الوهم. ومن فوائد هذا الحديث الدلالة على أن الأولى تقديم الاستنجاء , وإن جاء تأخيره , لأنهما طهارتان مختلفتان , فلا يجب الترتيب بينهما , وذكر المزني في " المنثور ": أن المحدث لو قدم التوضؤ على الاستنجاء لم يصح وضوؤه , لأن بقاء ما يحدث بمنزلة حدوثه. واستعمال اليسرى فيه. ودلكها على الأرض مبالغة في إنقائها , وإزالة ما عبق بها. والوضوء قبل الغسل , واختلف في وجوبه , فأوجبه داود مطلقا ,

стр. 194

وقوم إذا كان محدثا أو كان الفعل مما يوجب الجنابة والحدث , ومنصوص الشافعي ﵁: أن الوضوء يدخل في الغسل , فيجريه لهما , وهو قول مالك. وتأخير غسل الرجلين إلى آخر الغسل , وهو مذهب أبي حنيفة وقول للشافعي ﵂ , والمذهب: أن لا يؤخر , لرواية عائشة. والتنحي – أي: التباعد – عن مكانه لغسل الرجلين. وترك النشف , لأنه – ﵇ – لم يأخذ الثوب. وجواز النفض , والأولى تركه , لقوله ﵇:" إذا توضأتم فلا تنفضول أيديكم ", ومنهم من حمل النفض هاهنا عن تحريك اليدين في المشي وهو تأويل بعيد. ... ١٤٠ – ٢٩٧ – وقالت عائشة ﵂: إن امرأة سألت النبي ﷺ عن غسلها من المحيض , فأمرها كيف تغتسل , ثم قال: خذي فرصة من مسك فتطهري بها ", قالت: كيف أتطهر بها؟ قال: "سبحان الله! تطهري بها " قالت: كيف أتطهر بها؟ فاجتذبتها إلي فقلت: تتبعي بها أثر الماء ". " وعن عائشة – ﵂ – قالت: إن امرأة سألت النبي ﷺ عن غسلها من المحيض " الحديث

стр. 195

(الفِرْصة): قطعة من الصوف والقطن ونحوهما , من (فرصت الشيء): إذا قطعته. و"من مسك": متعلق بمحذوف , تقديره: مطيبة من مسك , لما روي:" فرصة ممسكة " ,والمراد: أن تتبع أثر الدم طيبا , لتقطع رائحة الأذى. وأنكر القتبي أن تكون (ممسكة) من المسك , وزعم أنه من: مسكت كذا , إذا أمسكته , ومعناه: محتملة تحتملينها معك تعالجين بها قبلك , واستشهد له بقوله:" فتطهري بها " , وفيه نظر , لأنه يستلزم تغليط راوي هذه الرواية التي اتفق عليها الشيخان , لفظا بأن يقال: كان من: (مسك) بالفتح ,أي: من جلد عليه صوف , فكسر غلطا , أو معنى بأن فهم من (ممسكة) المطيبة بالمسك , ثم رواه بالمعنى , إذ القصة واحدة. ولأن ما روي أنه – ﵇ – بعدما ما وصف لها الغسل , قال: " ثم تأخذ " يناسب التطيب دون الاستطابة , فإنها لا تؤخر. ... ١٤١ – ٢٩٨ – وقالت أم سلمة: قلت: يا رسول الله! إني امرأة أشد ضفر رأسي , أفأنقضه لغسل الجنابة؟ فقال:" لا , إنما يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات , ثم تفيضين عليك الماء فتطهرين ". " وعن أم سلمة – ﵂ – قالت: قلت: يا رسول الله!

стр. 196

إني امرأة أشد ضفر رأسي "الحديث. (الضفر والتضفير): نسج الشعر وغيره عريضا , ومنه يقال للعقيصة: الضفيرة. و (الحثو والحثية):مثل الحفنة , من (الحثو) , وهو الإثارة , يقال: حثا يحثو حثوا وحثى يحثي حثيا. وهذا نظير حديث ميمونة , وقيل يحتمل أن يكون المراد بالحثية: القبضة الواحدة التي تعم البدن. والتنصيص بـ (الثلاث) على وجه الاستحباب , وهو غير شديد , لقوله – ﵇ – بعده:" ثم تفيضين الماء عليك ". واختلف العلماء في وجوب نقض الضفيرة إذا كان الماء يصل إلى جميع أجزائها , فذهب الجمهور إلى أنه لا يجب لهذا الحديث , وخالفهم النخعي مطلقا , وأحمد بن حنبل في الغسل عن الحيض وحده. فإن كان الضفر يمنع وصول الماء إلى باطنها , وجب نقضها وفاقا , لقوله ﵇:" من ترك موضع شعرة من الجنابة لم يغسلها فعل بها كذا وكذا من النار ". وهذا الحديث مخصوص بالصورة الأولى , ولعله – ﵇ – بنى الحكم على ما شاهده. ***

стр. 197

من الحسان: ١٤٢ - ٣٠٦ - وقالت عائشة ﵂: كان رسول الله ﷺ يغسل رأسه بالخطمي وهو جنب يجتزيء بذلك , ولا يصب عليه الماء ". (من الحسان): " عن عائشة ﵂ قالت: كان النبي ﷺ يغسل رأسه بالخطمي وهو جنب يجتزيء بذلك , ولا يصب عليه الماء ". (الخطمي) بالكسر: نبت يغسل به الرأس. (ويجتزيء به) أي: يقتصر عليه , وفيه تسامح , لأن ظاهره يدل على أنه كان يقتصر على استعمال الماء المخلوط بالخطمي , ومن المعلوم أن الذي يغسل رأسه به يفيض الماء على رأسه بعده مرارا , ليزيل أثره , فلعله أراد أنه ﵇ يقتصر على ما يزيله , ولا يفيض بعد إزالته ماء مجددا للغسل , والله أعلم. ... ٧ - باب مخالطة الجنب وما يباح له من الصحاح: ١٤٣ - ٣٠٨ - قال أبو هريرة ﵁: لقيني رسول الله ﷺ وأنا

стр. 198

جنب , فأخذ بيدي فمشيت معه حت قعد , فانسللت فأتيت الرحل فاغتسلت , ثم جئت وهو قاعد , فقال:" أين كنت يا أبا هر؟ " فقلت له: لقيني , وأنا جنب , فكرهت أن أجالسك وأنا جنب , فقال: " سبحان الله , إن المؤمن لا ينجس ". (باب مخالطة الجنب وما يباح له) (من الصحاح): " عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: لقيني رسول الله ﷺ , وأنا جنب , فأخذ بيدي , فمشيت معه حتى قعد , فانسللت , فأتيت الرحل فاغتسلت , ثم جئت وهو قاعد " الحديث. (الجنب): من أجنب , يقال: جنب الرجل وأجنب , إذا لحقته الجنابة , سمي بذلك لأنه مأمور بأن يجتنب مواضع الصلاة ويتباعد عنها , أو لمجانبته الناس حتى يغتسل. و (انسللت): انجردت ,من: سل السيف. وقوله:" إن المؤمن لا ينجس " في هذا الموضع يمكن أن يحتج به على من قال: الحدث نجاسة حكمية , وإن من وجب عليه وضوء أو غسل فهو نجس حكما. ... ١٤٤ - ٣١٤ - وقال ابن عباس ﵂: خرج النبي ﷺ من الخلاء ,

стр. 199

فأتي بطعام , فذكروا له الوضوء , فقال:" أريد أن أصلي فأتوضأ؟! ". " وعن ابن عباس قال: خرج النبي ﷺ من الخلاء "الحديث. قوله:"أريد " تقديره: أأريد أن أصلي , فأتوضأ؟ فحذفت همزة الاسفهام استثقالا للجمع بين همزتين , وهي للإنكار , أي: ما أريد أن أصلي فأتوضأ , والمعنى: أن التوضؤ يجب للصلاة لا للطعام. ... من الحسان: ١٤٥ - ٣٢٠ - وقال:" لا تدخل الملائكة بيتا فيه صورة , ولا كلب , ولا جنب "روا علي ﵁. وهذا فيمن يتخذ تأخير الاغتسال عادة تهاونا بها. (من الحسان): " عن علي ﵁: أنه ﵊ قال: لا تدخل الملائكة بيتا فيه صورة ولا كلب ولا جنب ". يريد بالملائكة: الملائكة النازلين بالبركة والرحمة , والطائفين على العباد للزيارة واستماع الذكر , وأضرابهم , لا الكتبة , فإنهم لا يفارقون المكلفين طرفة عين في شيء من أحوالهم الحسنة والسيئة ,لقوله تعالى: ﴿ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد﴾ [ق: ١٨] ونحوه.

стр. 200

وإنما أبوا دخول بيت فيه صورة , لحرمة التصوير ومشابهة بيوت الأصنام , وبيت فيه كلب , لأن فيه نجسا , فيشبه المبرز والمزبلة ونحوهما , واستثني عن ذلك ما يجوز اقتناؤه , ككلب الزرع والصيد , لجواز اقتنائه شرعا , وبيت فيه جنب تهاون في الغسل , وأخره حتى يمر عليه وقت صلاة , وجعل ذلك دأبا وعادة , فإنه مستخف بالشرع , متساهل في الدين , غير مستعد لاتصالهم والاختلاط بهم , لا أي جنب كان , فإنه ثبت: أن الرسول ﷺ كان يطوف على نسائه بغسل واحد. ... ١٤٦ - ٣٢١ - وعن عمار بن ياسر ﵁: أن النبي ﷺ قال: "ثلاثة لا تقربهم الملائكة: جيفة الكافر , والمتضمخ بالخلوق , والجنب إلا أن يتوضأ ". وقد ذكر في حديث عمار) أن الملائكة لا يقربون جيفة كافر) وسببه ظاهر. و" المتضمخ بالخلوق " أي: المتلطخ به , وهو طيب له صبغ يتخذ من الزعفران أو غيره , والسبب فيه: أنه توسع في الرعونة وتشبه بالنساء , وذلك يؤذن بخسة النفس وسقوطها. ***

стр. 201

٨ - باب أحكام المياه من الصحاح: ١٤٧ - ٣٢٤ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " لا يبولن أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري ثم يغتسل فيه ". (باب أحكام المياه) (من الصحاح): " عن أبي هريرة ﵁: أنه ﵊ قال: لا يبولن أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري , ثم يغتسل فيه ". " الدائم ": الراكد , وهو " الذي لا يجري ":صفة ثابتة تؤكد الوصف الأول , و"ثم يغتسل فيه ": عطف على الصلة , وترتب الحكم على ذلك يشعر بأن الموجب للمنع أنه يتنجس فيه , فلا يجوز الاغتسال به , وتخصيصه بالدائم يفهم منه أن الجاري لا ينجس , ولذلك قال الشافعي في القديم: إن الماء الجاري لا ينجس إلا بالتغير. ... ١٤٨ - ٣٢٥ - وقال:" لا يغتسل أحدكم في الماء الدائم وهو جنب ", رواه أبو هريرة ﵁.

стр. 202

" وعنه: أنه ﵇ قال: لا يغتسل أحدكم في الماء الراكد وهو جنب ". تقييد الحكم بالحال يدل على: أن المستعمل في غسل الجنابة إذا كان راكدا لا يبقى على ما كان , وإلا لم يكن للنهي والتقييد فائدة , وذلك إما بزوال الطهارة كما قاله أبو حنيفة , أو بزوال الطهورية كما قاله الشافعي في الجديد. ... ١٤٩ - ٣٢٧ - وقال السائب بن يزيد: ذهبت بي خالتي إلى النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله! إن ابن أختي وجع , فمسح برأسي , فدعا لي بالبركة , ثم توضأ , فشربت من وضوئه , ثم قمت خلف ظهره , فنظرت إلى خاتم النبوة بين كتفيه مثل زر الحجلة. " وعن سائب بن زيد [يزيد] بن سعيد بن ثمامة أنه قال: ذهبت بي خالتي إلى النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله! إن ابن أختي وجع " الحديث. هذا السائب كناني , وقيل: حليف بني أمية , ترب ابن الزبير , ولد سنة ثنتين من الهجرة , وتوفي سنة ست وثمانين , وقيل: سنة إحدى وتسعين , وخالته أخت النمر بن قاسط الكندي. وقوله:" فشربت من وضوئه ": يجوز أن يكون المراد به: ما فضل به , وأن يكون المراد: ما انفصل من أعضاء وضوئه , وعلى هذا يكون

стр. 203

دليلا على طهارة المستعمل , وللمانع أن يحمله على التداوي. و" خاتم النبوة ": أثر كان بين كتفيه نعت به في الكتب المتقدمة , فكان علامة يعلم بها أنه النبي الموعود للبشرية في تلك الكتب , وصيانة لنبوته عن تطرق التكذيب والقدح إليها صيانة الشيء المستوثق بها بالختم. و (الزر): البيضة , و"الحجلة " بفتح الجيم: القبج. ... من الحسان: ١٥٠ - ٣٢٨ - عن ابن عمر ﵄: أن رسول الله ﷺ قال: إذا كان الماء قاتين لم يحمل نجسا " , ويروى:" فإنه لا ينجس ". (من الحسان): " عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : إذا كان الماء قلتين لم يحمل نجسا ". (القلة): الجرة التي يسقى بها , سميت بذلك لأنها تقل باليد , وقيل: القلة ما يستقله البعير , وفي تقدير القلتين بالأمناء خلاف , فقيل: خمس مئة رطل , وقيل: ست مئة رطل , وقيل: خمس مئة من , وسند جميع ذلك مذكور في الكتب الفقهية , فليطلب منها. والحديث بمنطوقه يدل على أن الماء إذا بلغ قلتين لم ينجس

стр. 204

بملاقاة النجاسة ,فإن قوله:" لم يحمل " معناه: لم يقبل , كما يقال: فلان لا يحتمل ضيما, إذا امتنع عن قبوله ودفع عن نفسه. وذلك إذا لم يتغير بها , فإن تغير بها كان نجسا , لقوله ﵇:" خلق الماء طهورا لا ينجسه شيء , إلا ما غير طعمه أو ريحه ". وبمفهومه على أن ما دونه ينجس بملاقاة النجاسة , وإن لم يتغير , لأنه ﵇ علق عدم التنجس ببلوغه قلتين , والمعلق بشرط عدم عند عدمه , فيلزم تغاير الحالين في التنجس وعدمه , والمفارقة بين الصورتين حال التغير منتفية إجماعا , فتعين أن يكون حين ما لم يتغير , وذلك ينافي عموم الحديث المذكور , فمن قال بالمفهوم وجوز تخصيص المنطوق به كالشافعي خصص عمومه به , فيكون كل واحد من الحديثين مخصصا للآخر , ومن لم يجوز ذلك لم يلتفت إليه , وأجرى الحديث الثاني على عمومه كمالك , فإنه قال: لا يتنجس الماء إلا بالتغير , قل أو كثر. ... ١٥١ - ٣٢٩ - وقال أبو سعيد الخدري ﵁: قيل: يا رسول الله! أنتوضأ من بئر بضاعة , وهي بئر تلقى فيها الحيض ولحوم الكلاب والنتن؟ فقال ﷺ :" إن الماء طهور لا ينجسه شيء ". " وعن أبي سعيد الخدري ﵁ أنه قال: قيل يا رسول الله! أنتوضأ من بئر بضاعة , وهي بئر تلقى فيها الحيض ولحوم الكلاب

стр. 205

والنتن؟ فقال: إن الماء طهور لا ينجسه شيء ". هذا يؤيد الحديث السابق , فإن بئر بضاعة كان بئرا كثير الماء يكون ماؤها أضعاف قلتين , لا يتغير بوقوع هذه الأشياء فيه. قال قتيبة بن سعيد: سألت قيم البئر عن عمقها , فقال: أكثر ما يكون الماء فيه إلى العانة , وإذا نقص يكون إلى ما دون العورة. وقال أبو داود: مددت ردائي عليها , فإذا عرضها ستة أذرع. وذراع وربع وفي مثله عرضا وعمقا قلتان. ... ٩ - باب تطهير النجاسات من الصحاح: ١٥٢ - ٣٤٠ - وقال أبو هريرة: قام أعرابي , فبال في المسجد , فتناوله الناس , فقال النبي ﷺ : " دعوه , وأهريقوا على بوله سجلا - أو ذنوبا - من ماء , فإنما بعثتم ميسرين , ولم تبعثوا معسرين ". ويروى: أنه دعاء فقال:" إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول ولا القذر , وإنما هي لذكر الله , والصلاة , وقراءة القرآن ",

стр. 206

أو كما قال رسول الله ﷺ . (باب تطهير النجاسات) (من الصحاح): " عن أبي هريرة ﵁ قال: قام أعرابي , فبال في المسجد , فتناوله الناس " الحديث. " أهريقوا ": أمر من: أهرق يهريق – بسكون الهاء – اهرياقا , نحو: أسطاع يسطيع اسطياعا , وكان الأصل: أراق , فأبدلت الهمزة هاء , ثم جعلت عوضا عن ذهاب حركة العين , فصارت كأنها من نفس الكلمة , ثم أدخل عليه الهمزة. و (السجل): الدلو إذا كان فيه شيء من الماء و (الذنوب): الدلو المليء ماء , والترديد بينهما من شك الراوي , ويحتمل أن يكون تخييرا من الشارع. وقوله:" بعثتم ميسرين " خطاب مع الحاضرين من الصحابة , جعل بعثته إليهم للتيسير بمنزلة بعثتهم كذلك , لأنهم خلفاؤه ونوابه في ذلك. ... ١٥٣ – ٣٤١ – قالت أسماء بنت أبي بكر ﵄: سألت امرأة رسول الله ﷺ :" أرأيت إحدانا إذا أصاب ثوبها الدم من الحيضة؟ فقال رسول الله ﷺ : " إذا أصاب ثوب إحداكن الدم من الحيضة فلتقرصه , ثم

стр. 207

لتنضحه بماء , ثم نصلي فيه ". وفي رواية:" حتيه , ثم اقرصيه , ثم اغسليه بالماء ". وفي رواية:" ثم رشيه بالماء , وصلى فيه ". " وعن أسماء بنت أبي بكر ﵄ قالت: سألت امرأة رسول الله ﷺ : أرأيت إحدانا إذا أصاب ثوبها الدم من الحيضة؟ " الحديث. (الحيضة) بكسر الحاء: وهي اسم دم الحيض , والجمع: حيض , والحيضة أيضا: الخرقة التي تستثفر بها الحائض , والمراد بها هاهنا: الدم و (الحيضة) بالفتح: المرة من الحيض. والمراد بـ (القرص): الغسل بأطراف الأصابع والأظفار , مبالغة في إزالة لونها. و (النضح): الرش , وقد يستعمل في الصب شيئا فشيئا , وهو المراد هاهنا. وفيه دليل على أن الماء متعين في إزالة النجاسة , لأنه أمر بغسل الحيضة بالماء ,فيجب , وإذا وجب غسل دم الحيض بالماء , وجب غسل سائر النجاسات به , لعدم القائل بالفصل , والإجماع على عدم مفارقتها في ذلك. ***

стр. 208

من الحسان: ١٥٤ – ٣٤٨ – عن لبابة بنت الحارث قالت: كان الحسين بن علي ﵄ في حجر رسول الله ﷺ , فبال , فقلت: أعطني إزارك حتى أغسله , قال: " إنما يغسل من بول الأنثى , وينضح من بول الذكر ". وفي رواية:" يغسل من بول الجارية , ويرش من بول الغلام ". (من الحسان): " عن لبابة بنت الحارث أم ابن عباس ﵃ أنها قالت: كان الحسين ابن علي ﵄ في حجر رسول الله ﷺ " الحديث. والمراد من (النضح): رش الماء بحيث يصل إلى جميع موارد البول من غير جري , و (الغسل): إجراء الماء على موارده , والفارق بين الصبي والصبية: أن بول الصبية – بسبب استيلاء الرطوبة والبرد على مزاجها – يكون أغلظ وأنتن , فتفتقر إزالتها إلى مزيد مبالغة بخلاف الصبي. وقيل: الفرق بأن نجاسة بولها مكررة , لأنها تخالط رطوبة فرجها في الخروج , وهي نجسة. ... ١٥٥ - ٣٤٩ – وقال:" إذا وطيء بنعله أحدكم الأذى فإن التراب له طهور ".

стр. 209

"عن أبي هريرة ﵁: أنه – ﵇ – قال: إذا وطيء بنعله أحدكم الأذى فإن التراب له طهور ". إذا أصاب أسفل الخف أو النعل نجاسة , فدلكه بالأرض حتى يذهب أثرها طهر , وجاز الصلاة فيه عند جمع من فقهاء التابعين , وبه قال الشافعي في القديم , وسنده ظاهر هذا الحديث , وقال في الجديد: لا بد من غسله بالماء , وقال أبو حنيفة: إن كانت النجاسة يابسة جاز الاقتصار فيه على الدلك , وإن كانت رطبة بعد فلا بد من غسلها , وقال مالك: لا بد من الغسل في البول والعذرة , وفي روث الدواب عنه روايتان , فعلى الجديد يؤول الحديث بما إذا وطيء النجاسة يابسة , فإنه ربما يتشبث بها شيء منه , ويزول بالدلك , كما يؤول به قوله في حديث أم سلمة: " يطهره ما بعده ", إذ الإجماع على أن الثوب إذا أصابته نجاسة لا يطهر إلا بالغسل. ... ١٥٦ – ٣٥٢ – وعن أبي المليح عن أبيه ﵄: أن النبي ﷺ نهى عن جلود السباع أن تفترش. " وعن [أبي] المليح , عن أبيه: أنه – ﵇ – نهى عن جلود السباع أن تفترش ". الموجب للنهي أن افتراشها دأب الجبابرة وسجية المترفين , أو

стр. 210

نجاسة ما عليها من الشعر , فإن العادة جرت على افتراشها معه , والشعر ينجس بالموت , ولا يطهر بالدباغ , على ما هو مذهب الشافعي ﵁. ... ١٠ - باب المسح على الخفين من الصحاح: ١٥٧ - ٣٥٨ - عن المغيرة بن شعبة ﵁: أنه غزا مع رسول ﷺ غزوة تبوك , قال المغيرة: فتبرز رسول الله ﷺ قبل الغائط , فحملت معه إداوة , فلما رجع أخذت أهريق على يديه من الإداوة , فغسل يديه ووجهه , وعليه جبة من صوف , ذهب يحسر عن ذراعيه , فضاق كم الجبة , فأخرج يديه من تحت الجبة , وألقى الجبة على منكبيه , وغسل ذراعيه , ثم مسح بناصيته وعلى العمامة , ثم أهويت لأنزع خفيه فقال:" دعهما , فإني أدخلتهما طاهرتين " فمسح عليهما , ثم ركب وركبت , فانتهينا إلى القوم وقد قاموا إلى الصلاة يصلي بهم عبد الرحمن بن عوف ﵁ وقد ركع بهم ركعة , فلما أحس بالنبي ﷺ ذهب يتأخر , فأومأ إليه , فأدرك النبي ﷺ إحدى الركعتين معه , فلما سلم قام النبي ﷺ وقمت , فركعنا الركعة التي سبقتنا.

стр. 211

(باب المسح على الخفين) (من الصحاح): " عن المغيرة بن شعبة ﵁: أنه غزا مع رسول الله ﷺ غزوة تبوك " الحديث. (التبرز): الخروج من المبرز. " قبل الغائط ": نحوه , أي: تبرزه لأجله , و" الإداوة ": الركوة , و"أهوى ": قصد الهوي , أي: قصدت الهوي من القيام إلى القعود , وقال الأصمعي: أهويت بالشيء: إذا أومأت. وقوله ﵇:" دعهما , فإني أدخلتهما طاهرتين " يدل على أن العلة المجوزة لإبقائهما والمسح عليهما لبسهما على الطهارة , وقد صرح به في حديث أبي بكرة. ... ١٥٨ - ٣٦١ - عن المغيرة بن شعبة ﵁ أنه قال: وضأت النبي ﷺ في غزوة تبوك , فمسح أعلى الخف وأسفله. قال الشيخ الإمام ﵁: هذا مرسل لا يثبت , وروي متصلا. " وعنه أنه قال: وضأت النبي ﷺ في غزوة تبوك " الحديث. " وضأت" أي: ... سكبت الوضوء على يديه. وقول الشيخ: (هذا مرسل لا يثبت , وروي متصلا عن المغيرة) معناه: أن هذا الحديث , وإن روي متصلا عن المغيرة , لكنه لم يثبت

стр. 212

كذلك , بل هو مرسل , إذ لم يثبت ذلك إلا من رجاء بن حيوة , وهو قال: حدثت عن كاتب المغيرة , أن النبي ﷺ مسح أعلى الخف وأسفله , وعلى هذا يكون مرسلا ومنقطعا , والله أعلم. ... ١١ - باب التيمم من الصحاح: ١٥٩ - ٣٦٦ - وقال عمار ﵁: كنا في سرية فأجنبت , فتمعكت فصليت , فذكرت للنبي ﷺ فقال: " إنما كان يكفيك هكذا " فضرب النبي ﷺ بكفيه الأرض ونفخ فيهما , ثم مسح بهما وجهه وكفيه. وفي رواية قال: فأتيت النبي ﷺ فقال:" إنما يكفيك أن تضرب بيديك الأرض , ثم تنفخ , ثم تمسح بهما وجهك وكفيك ". (باب التيمم) (من الصحاح): " قال عمار: كنا في سرية , فأجنبت , فتمعكت , فصليت , فذكرت للنبي ﷺ " الحديث.

стр. 213

(التمعك): التقلب في التراب والتمرغ فيه. والحديث دليل على أن الجنب والمحدث سيان في التيمم , وأن تخفيف التراب مسنون , ومسح الكفين كاف , وقد قال به أحمد وداود , وهو رواية عن مالك وقول قديم للشافعي , وذهب الجمهور إلى أنه لا بد من ضربتين , يمسح بالضربة الأولى وجهه , وبالأخرة يديه إلى المرفق , لحديث ابن عمر , ومعاضدة القياس والاحتياط له , وقد روي ذلك عن عمار أيضا. ... ١٢ - باب الغسل المسنون من الصحاح: ١٦٠ - ٣٧٢ - وقال:" غسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم ". رواه أبو سعيد الخدري ﵁. (باب الغسل المسنون) " عن أبي سعيد الخدري: أنه ﵊ قال: غسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم ". اختلف العلماء في غسل الجمعة , فذهب أبو هريرة والحسن البصري ومالك إلى وجوبه أخذا بظاهره , وذهب الأكثرون إلى أنه

стр. 214

سنة , لما روى سمرة بن جندب ﵁: أنه ﵇ قال:" من توضأ يوم الجمعة فيها ونعمت , ومن اغتسل فالغسل أفضل ", وقالوا: الواجب هاهنا بمعنى: الثابت الذي ينبغي أن لا يترك , لا ما يؤثم تركه ,كما يقول الرجل لصاحبه , حقك واجب علي , ويشهد له قوله: " حق على كل مسلم أن تغتسل في كل سبعة أيام يوما ", وإنما ذكر بهذا اللفظ تأكيدا للسنة وتحريضا لهم عليه. و (المحتلم):البالغ. وقوله: " فبها ونعمت " كلام يطلق للتجويز والتحسين , وتقديره: فأهلا بتلك الفعلة ونعمت , وقال الأصمعي: تقديره هاهنا: فبالسنة أخذ , ونعمت الخصلة أو الفعلة. ... ١٣ - باب الحيض من الصحاح: ١٦١ - ٣٧٩ - وقالت عائشة ﵂: كنت أغتسل أنا والنبي ﷺ من إناء واحد وكلانا جنب , وكان يأمرني فأتزر , فيباشرني وأنا حائض , وكان يخرج رأسه إلى وهو معتكف فأغسله وأنا حائض.

стр. 215

(باب الحيض) (من الصحاح): " عن عائشة ﵂ قالت: كنت أغتسل أنا والنبي ﷺ من إناء واحد , كلانا جنب "الحديث. يريد بـ (المباشرة) هاهنا: المضاجعة وتواصل البشرتين دون الجماع ,لقولها: فأتزر. ... ١٦٢ - ٣٨٠ - وقالت: كنت أشرب وأنا حائض , ثم أناوله النبي ﷺ فيضع فاه على موضع في فيشرب , وأتعرق العرق وأنا حائض , ثم أناوله النبي ﷺ فيضع فاه على موضع في. " وعنها أنها قالت: كنت أشرب وأنا حائض " الحديث. و (العرق) بفتح العين وسكون الراء , و (التعرق): أخذ اللحم من العظم , و (العرق) أيضا: العظم الذي فصل منه معظم اللحم وبقيت عليه بقية , وجمعه: عراق بالضم , والمراد به هاهنا: العظم. ... ١٦٣ - ٣٨٢ - وقالت: قال لي النبي ﷺ :" ناوليني الخمرة من المسجد ", فقلت: إني حائض! فقال: " إن حيضتك ليست في يدك ".
следующие страницы →