Полный текст (1 692 стр.). Показаны 1506–1545 · переход к 1511.
стр. 1506
المناقشة في الحساب: التشدد والاستقصاء فيه, فلا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها.
...
١٤٠١ /م- ٤٣٠٣ - وقال ﷺ : "إن الله يدني المؤمن فيضع عليه كنفه ويستره فيقول: أتعرف ذنب كذا؟ فيقول: نعم, أي رب! حتى إذا قرره بذنوبه ورأى في نفسه أنه هلك قال: سترتها عليك في الدنيا, وأنا أغفرها لك اليوم, فيعطى كتاب حسناته, وأما الكفار والمنافقون فينادى بهم على رؤوس الخلائق: ﴿هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ألا لعنة الله على الظالمين﴾ ".
"وفي حديث ابن عمر: إن الله يدني المؤمن فيضع عليه كنفه"
"كنفه": حفظه وستره عن أهل الموقف, وصونه عن الخزي, مستعار من كنف الطائر: وهو جناحه, يصون به نفسه, ويستر به بيضه فيحفظه, وأصله: الجانب, ويقال: كنفت الرجل: إذا صنته.
"وفيه: حتى قرره بذنوبه"
أي: جعله مقرا بأن أظهر له ذنوبه, وألجأه على الإقرار بها.
...
١٤٠٢ - ٤٣٠٤ - وقال ﷺ : "إذا كان يوم القيامة دفع الله إلى كل مسلم يهوديا أو نصرانيا فيقول: هذا فكاكك من النار"
"عن أبي بردة: أنه ﵇ قال: إذا كان يوم القيامة دفع الله إلى كل مسلم يهوديا أو نصرانيا, قيقول: هذا فكاكك من النار"
لما كان لكل مكلف مقعد من الجنة ومقعد من النار, فمن آمن حق الإيمان بدل مقعده بالنار بمقعد من الجنة, ومن لم يؤمن فبالعكس = كانت
стр. 1507
الكفرة كالخلف للمؤمنين في مقاعدهم من النار, والنائب منابهم منها.
وأيضا لما سبق القسم الإلهي بامتلاء جهنم, كان إملاؤها من الكفار خلاصا للمؤمنين, ونجاة لهم من النار, فهم في ذلك للمؤمنين كالفداء والفكاك, وهو في الأصل ما يخلص به الرهن, ويفك به.
ولعل تخصيص اليهود والنصارى بالذكر, لا شتهارهما بمضارة المسلمين, ومقابلتهما إياه في تصديق الرسول ﷺ المقتضي لنجاته.
...
١٤٠٣ - ٤٣٠٧ - عن أبي هريرة ﵁ قال: يارسول الله! هل نرى ربنا يوم القيامة؟ قال: "هل تضارون في رؤية الشمس في الظهيرة ليست في سحابة؟ " قالوا: لا, قال: "فهل تضارون في رؤية القمر ليلة البدر في سحابة, قالوا: لا, قال: "فوالذي نفسي بيده, لا تضارون في رؤية ربكم إلا كما تضارون في رؤية أحدهما, قال: "فيلقى العبد فيقول: أي فل! ألم أكرمك وأسودك وأزوجك وأسخر لك الخيل والإبل وأذرك ترأس وتربع؟ فيقول: بلى" قال: "فيقول: أفظننت أنك ملاقي؟ فيقول: لا, فيقول: فإني قد أنساك كما نسيتني, ثم يلقى الثاني, فذكر مثله, ثم يلقى الثالث فيقول له مثل ذلك, فيقول: يا رب! آمنت بك وبكتابك وبرسلك, وصليت وصمت وتصدقت, ويثني بخير ما استطاع, فيقول: هاهنا إذا, ثم يقال: الآن نبعث شاهدا عليك, ويتفكر في نفسه: من ذا الذي يشهد علي؟ فيختم على فيه, ويقال لفخذه: انطقي, فتنطق فخذه ولحمه وعظامه بعمله, وذلك ليعذر من نفسه, وذلك المنافق وذلك الذي سخط الله عليه"
стр. 1508
"وفي حديث أبي هريرة: والذي نفسي بيده لا تضارون في رؤية ربكم إلا كما تضارون في رؤية أحدهما"
"لا تضارون"بالتشديد والتخفيف: من الضرر والضير, أي: تكون رؤيته تعالى رؤية جلية بينة, لا تقبل مراء ولا مرية فيخالف فيها بعضكم بعضا ويكذبه, كما لا يشك "في رؤية أحدهما" يعني الشمس والقمر, ولا ينازع فيها, فالتشبيه إنما وقع في الرؤية باعتبار جلائها وظهورها بحيث لا يرتاب فيها, لا في سائر كيفياتها, ولا في المرئي, فإنه منزه عن الجسمية, وعما يؤدي إليها.
وروي من طريق آخر: "لا تضامون"بالتشديد من الضم, أي: لا ينضم بعضكم إلى بعض في طلب رؤيته لإشكاله وخفائه كما يفعلون في الهلال, أو لا يضمكم شيء دون رؤيته فيحول بينكم وبينها.
وبالتخفيف من الضيم, أي: لا ينالكم ضيم في رؤيته فيراه بعض دون بعض, بل تستوون فيها, وأصله: تضيمون, فنقلت فتحة الياء إلى الضاد, فصارت ألفا لسكونها وانفتاح ما قبلها, وكذلك "تضارون" بالتخفيف.
وأما المشدد: فيحتمل أن يكون مبينا للفاعل على معنى: لا تضايرون بعضكم بالمخالفة والمجادلة في صحة الرؤية, فسكنت الراء الأولى وأدغمت في الثانية, وأن يكون مبنيا للمفعول على معنى: لا تضارون, أي: لا تنازعون في رؤيته.
"وفيه: فيلقى العبد فيقول: أي فل"
стр. 1509
"أي": أحد حروف النداء, و"فل" أصله: فلان, رخم للنداء.
"وفيه: أذرك ترأس وتربع"
أي: ألم أذرك ولم أمكنك على قومك, فتصير رئيسهم, وتأخذ مرباعهم, وهو ربع الغنيمة, وكان ملوك الجاهلية يأخذونه.
"وفيه: فيختم على فيه, ويقال لفخذه: انطقي فتنطق فخذه ولحمه وعظامه بعمله, وذلك ليعذر من نفسه"
أي: ليزال عذره من قبل نفسه بشهادة أعضائه على كثرة ذنوبه.
...
من الحسان:
١٤٠٤ - ٤٣٠٨ - عن أبي أمامة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "وعدني ربي أن يدخل الجنة من أمتي سبعين ألفا لا حساب عليهم ولا عذاب, مع كل ألف سبعون ألفا, وثلاث حثيات من حثيات ربي"
"عن أبي أمامة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: وعدني ربي أن يدخل الجنة من أمتي سبعين ألفا لا حساب عليهم ولا عذاب, مع كل ألف سبعون ألفا, وثلاث حثيات من حثيات ربي "
(الحثية) و (الحثوة): ما يحثيه الإنسان بيديه من ماء أو تراب أو غيرهما, ويستعمل فيما يعطيه الإنسان بكفيه دفعة من غير وزن وتقدير,
стр. 1510
ثم يستعار لما يعطى من غير تقدير, والمعنى: أنه وعدني أن يعطيني من أمتي بعد هذا العدد المعين مرات ما يخفى على العادين قدره, ويدخلهم الجنة بغير حساب, وإضافة الحثيات إلى ربه تعالى للمبالغة في الكثرة.
...
١٤٠٥ - ٤٣١٠ - وقال رسول الله ﷺ : "إن الله يستخلص رجلا من أمتي على رؤوس الخلائق يوم القيامة, فينشر عليه تسعة وتسعين سجلا, كل سجل مثل مد البصر, ثم يقول: أتنكر من هذا شيئا؟ أظلمك كتبتي الحافظون؟ فيقول: لا, يارب! فيقول: أفلك عذر؟ قال: لا, يا رب! فيقول: بلى, إن لك عندنا حسنة, وإنه لا ظلم عليك اليوم, فتخرج بطاقة فيها: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله, فيقول: احضر وزنك, فقول: يا رب! ما هذه البطاقة مع هذه السجلات؟ فيقول: إنك لا تظلم, قال: فتوضع السجلات في كفة والبطاقة في كفة, فطاشت السجلات وثقلت البطاقة, فلا يثقل مع اسم الله شيء"
"وفي حديث ابن مسعود: فتوضع السجلات في كفة, والبطاقة في كفة"
"البطاقة": الصحيفة الصغيرة, وهي في الأصل: اسم رقيعة يرقم فيها قيمة الثوب, سميت بذلك, لأنهه تشد بطاقة من هدب الثوب.
стр. 1511
٤ - باب
الحوض والشفاعة
من الصحاح:
١٤٠٦ - ٤٣١٢ - قال رسو الله ﷺ : "بينا أنا أسير في الجنة إذا أنا بنهر حافتاه قباب الدر المجوف, قلت: ما هذا يا جبريل؟ قال: هذا الكوثر الذي أعطاك ربك, فإذا طينه مسك أذفر"
(باب الحوض والشفاعة)
"وفي رواية أنس: فإذا طينه مسك أذفر"
أي: كثير الرائحة ذكيها, والذفر: كل رائحة ذكية.
...
١٤٠٧ - ٤٣١٤ - وقال: "إن حوضي أبعد من أيلة من عدن, لهو أشد بياضا من الثلج, وأحلى من العسل باللبن, ولآنيته أكثر من عدد النجوم, وإني لأصد الناس عنه كما يصد الرجل إبل الناس عن حوضه" قالوا: يا رسول الله! أتعرفنا يومئذ؟ قال: نعم, لكم سيما ليست لأحد من الأمم, تردون علي غرا محجلين من أثر الوضوء"
ويروى: "ترى فيه أباريق الذهب والفضة كعدد نجوم السماء"
стр. 1512
ويروى: "يغت فيه ميزابان يمدانه من الجنة, أحدهما من ذهب, والآخر من ورق"
"وفي حديث: حوضي أبعد من إيلة من عدن"
"أيلة": بلدة من الساحل مما يلي بحر اليمن, و"عدن"آخر بلاد اليمن مما يلي بحر الهند, والمعنى: أن بعد ما بين طرفي الحوض أزيد من بعد مبتدأ من أيلة من عدن, أي: من بعد ما بينهما, واختلاف الأحاديث في مقدار الحوض, لأنه ﵇ قدره على سبيل التمثيل والتخمين لكل أحد على حسب ما رآه, وعرفه.
وفيه: "يغت ميزابان"
أي: يدفق دفقا متتابعا دائما بقوة, فكأنه من ضغط الماء, لكثرته عند خروجه, وأصل الغت: الضغط.
...
١٤٠٨ - ٤٣١٦ - عن أنس: أن النبي ﷺ قال: "يحبس المؤمنون يوم القيامة حتى يهموا بذلك, فيقولون: أنت آدم, أبو الناس, خلقك الله بيده, وأسكنك جنته, وأسجد لك ملائكته, وعلمك أسماء كل شيء, اشفع لنا عند ربك حتى يريحنا من مكاننا هذا, فيقول: لست هناكم, ويذكر خطيئة التي أصاب, أكله من الشجرة وقد نهي عنها, ولكن ائتوا نوحا أول نبي بعثه الله إلى أهل الأرض, فيأتون نوحا
стр. 1513
فيقول: لست هناكم, ويذكر خطيئته التي أصاب, سؤاله ربه بغير علم, ولكن ائتوا إبراهيم خليل الرحمن". قال: "فيأتون إبراهيم فيقول: إني لست هناكم, ويذكر ثلاث كذبات كذبهن, ولكن ائتوا موسى عبدا آتاه الله التوراة وكلمه وقربه نجيا, قال: فيأتون موسى فيقول: إني لست هناكم, ويذكر خطيئته التي أصاب, قتله النفس, ولكن ائتوا عيسى عبد الله ورسوله وروح الله وكلمته, قال: فيأتون عيسى فيقول: لست هناكم, ولكن ائتوا محمدا عبد الله غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر". قال: "فيأتونني, فاستأذن على ربي في داره, فيؤذن لي عليه, فإذا رأيته وقعت ساجدا, فيدعني ما شاء الله أن يدعني, فيقول: ارفع محمد! وقل تسمع, واشفع تشفع, وسل تعطه, قال: "فأرفع رأسي, فأثني على ربي بثناء وتحميد يعلمنيه, ثم أشفع فيحد لي حدا فأخرج, فأخرجهم من النار فأدخلهم الجنة, ثم أعود فاستأذن على ربي في داره, فيؤذن لي عليه, فإذا رأيته وقعت ساجدا, فيدعني ما شاء الله أن يدعني, ثم يقول: ارفع محمد! وقل تسمع, واشفع تشفع, وسل تعطه, قال: فأرفع رأسي فأثني على ربي بثناء وتحميد يعلمنيه, ثم أشفع فيحد لي حدا فأخرج, فأدخلهم الجنة, ثم أعود الثالثة, فأستأذن على ربي في داره, فيؤذن لي عليه, فإذا رأيته وفعت ساجدا, فيدعني ما شاء الله أن يدعني, ثم يقول: ارفع محمد! وقل تسمع, واشفع تشفع, وسل تعطه, قال: فأرفع رأسي, فأثنى على ربي بثناء وتحميد يعلمنيه, ثم أشفع, فيحد لي حدا فأخرج, فأدخلهم
стр. 1514
الجنة, حتى ما يبقى في النار إلا من قد حبسه القرآن" أي: وجب عليه الخلود, ثم تلا هذه الآية: ﴿عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا﴾ وقال: "وهذا المقام المحمود الذي وعده نبيكم ﷺ "
"وفي حديث أنس: حتى يهموا بذلك"
روي على البناء للمجهول من (أهمه) , إذا أحزنه, أي: يهمهم الحبس بسبب الذنوب.
"وفيه: لو استشفعنا إلى ربنا, فيريحنا من مكاننا"
أي: يخلصنا منه, ويزيل همنا, مأخوذ من (الراحة) , ونصبه بـ (أن) المقدرة بعد الفاء الواقعة جوابا للواو المتضمنة معنى التمنى والطلب.
"وفيه: فيقول: لست هناكم"
أي: يقول لهم آدم ﵇: لست في المكان والمنزل الذي تحسبونني فيه, يريد: مقام الشفاعة.
وقوله: "يذكر خطيئته التي أصاب"وهي "أكله من الشجرة"اعتذار عن التقاعد والتأني عن الشفاعة, والراجع إلى الموصول محذوف, أي: التي أصابها, و"أكله": بدل من "خطيئته.
وقوله: "وائتوا نوحا أول نبي بعثه الله إلى الأرض" يمكن أن يستدل به على أن آدم لم يكن نبيا.
و (سؤال نوح ربه بغير علم) قوله: ﴿إن ابني من أهلي وإن
стр. 1515
وعدك الحق﴾ [هود:٤٥].
"وفيه: ويذكر ثلاث كذبات"
إحدى الكذبات المنسوبة إلى إبراهيم ﵇: ﴿إني سقيم﴾ [الصافات:٨٩] , وثانيها: قوله: ﴿بل فعله كبيرهم هذا﴾ [الأنبياء:٦٣] , وثالثها: قوله لسارة: هي أختي.
والحق أنها معاريض, ولكن لما كانت صورتها صورة الكذب سماها أكاذيب, واستنقص من نفسه لها, فإن من كان أعرف بالله وأقرب منه منزلة كان أعظم خطرا, وأشد خشية.
وعلى هذا القياس سائر ما أضيف إلى الأنبياء من الخطايا.
"وفيه: فأستأذن على ربي في داره"
يريد به: الجنة, وأضافها إلى الله تعالى للشرف والكرامة, وبالاستئذان عليه: أن يدخل مكانا لا يقف فيه داع إلا استجيب, ولا يقوم به سائل إلا أجيب, ولم يكن بين الواقف فيه وبين ربه حجاب.
وقوله: "فيحد لي حدا" أي: يبين لي في الشفاعة حدا لا أتخطاه, مثل أن يبين له أنه مرخص في الشفاعة مشفع فيما دون الكفر من المعاصي التي لم تكن من حقوق العباد, كالجنايات والمظالم, أو أن شفاعته مقبولة في حق كل موحد في قلبه أدنى إيمان دون غيره.
стр. 1516
١٤٠٩ - ٤٣١٧ - وعن أنس ﵁ قال: إذا كان يوم القيامة ماج الناس بعضهم في بعض, فيأتون آدم, فيقولون: اشفع لنا إلى ربك, فيقول: لست لها, ولكن عليكم بإبراهيم فإنه خليل الرحمن, فيأتون إبراهيم فيقول: لست لها, ولكن عليكم بموسى فإنه كليم الله, فيأتون موسى فيقول: لست لها, ولكن عليكم بعيسى فإنه روح الله وكلمته, فيأتون عيسى فيقول: لست لها, ولكن عليكم بمحمد, فيأتونني فأقول: أنا لها, فاستأذن على ربي فيؤذن لي, ويلهمني محامد أحمده بها لا تحضلاني الآن, فأحمده بتلك المحامد, ثم أخر له ساجدا فيقال: يا محمد! ارفع رأسك, وقل تسمع, وسل تعطه, واشفع تشفع, فأقول: يا رب! أمتي, أمتي, فيقال: انطلق فأخرج منها من كان في قلبه مثقال شعيرة من إيمان, فأنطلق فأفعل, ثم أعود فأحمده بتلك المحامد, ثم أخر له ساجدا, فيقال: يا محمد! ارفع رأسك, وقل تسمع, وسل تعطه, واشفع تشفع, فأقول: يا رب! أمتي, أمتي, فيقال: انطلق فأخرج من كان في قلبه مثقال ذرة أو خردلة من إيمان, فأنطلق فأفعل, ثم أعود فأحمده بتلك المحامد, ثم أخر له ساجدا, فيقال: يا محمد! ارفع رأسك, وقل تسمع, وسل تعطه, واشفع تشفع, فاقول: يا رب! أمتي, أمتي, فيقال: انطلق فأخرج من كان في قلبه أدنى أدنى أدنى مثقال حبة خردلة من إيمان فأخرجه من النار, فأنطلق فأفعل, ثم أعود الرابعة فأحمده بتلك المحامد, ثم أخر له
стр. 1517
ساجدا, فيقال: يا محمد! ارفع رأسك, وقل تسمع, وسل تعطه, واشفع تشفع, فأقول: يا رب! ائذن لي فيمن قال: لا إله إلا الله, قال: ليس ذلك لك, ولكن وعزتي وجلالي وكبريائي وعظمتي, لأخرجن منها من قال: لا إله إلا الله"
"كما روى أنس في حديثه: فأقول: أمتي أمتي, فيقال: انطلق فأخرج من كان في قلبه أدنى حبة خردلة من إيمان, فأخرجه من النار, فأنطلق فأقعل, ثم أعود الرابعة, فأحمده بتلك المحامد, ثم أخر له ساجدا, فيقال: يا محمد! ارفع رأسك, وقل تسمع, وسل تعطه, واشفع تشفع, فأقول: يا رب ائذن لي فيمن قال: لا إله إلا الله, قال: ليس ذلك إليك"
أي: ليس هذا لك, وإنما أفعل ذلك تعظيما لاسمي, وإجلالا لتوحيدي.
...
١٤١٠ - ٤٣١٨ - عن أبي هريرة ﵁, عن النبي ﷺ قال: "أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال: لا إله إلا الله خالصا من قلبه -أو: - نفسه"
وهو مخصص لهموم قوله في حديث أبي هريرة: "أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال: لا إله إلا الله خالصا من قلبه"
стр. 1518
ويحتمل أن يجري على عمومه, ويحمل على حال ومقام آخر, و"أسعد"ههنا بمعنى: السعيد, إذ لا يسعد بشفاعته من لم يكن من أهل التوحيد, والمراد بـ (من قال": من لم يكن له عمل يستحق به الرحمة, ويستوجب به الخلاص من النار, فإن احتياجه إلى الشفاعة أكثر, وانتفاعه بها أوفر.
...
١٤١١ - ٤٣٢٢ - عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن ناسا قالوا: يا رسول الله! هل نرى ربنا يوم القيامة؟ قال رسول الله ﷺ : "نعم, هل تضارون في رؤية الشمس بالظهيرة صحوا ليس معها سحاب, وهل تضارون في رؤية القمر ليلة البدر صحوا ليس فيها سحاب؟ " قالوا: قالوا: لا يا رسول الله, قال: "ما تضارون في رؤية الله يوم القيامة إلا كما تضارون في رؤية أحدهما, إذا كان يوم القيامة أذن مؤذن: ليتبع كل أمة كا كانت تعبد, فلا يبقى أحد كان يعبد غير الله من الأصنام والأنصاب إلا يتساقطون في النار, حتى إذا لم يبق إلا من كان يعبد الله من بر وفاجر أتاهم رب العالمين قال: فماذا تنتظرون؟ يتبع كل أمة ما كانت تعبد, قالوا: يا ربنا فارقنا الناس في الدنيا أفقر ما كنا إليهم ولم نصاحبهم"
وفي رواية أبي هريرة ﵁: "فيقولون: هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا, فإذا جاء ربنا عرفناه"
стр. 1519
وفي رواية أبي سعيد ﵁: "فيقول: هل بينكم وبينه آية تعرفونه؟ فيقولون: نعم, فيكشف عن ساق فلا يبقى من كان يسجد لله من تلقاء نفسه إلا أذن له بالسجود, ولا يبقى من كان يسجد اتقاء ورياء إلا جعل الله ظهره طبقة واحدة, كلما أراد أن يسجد خر على قفاه, ثم يضرب الجسر على جهنم وتحل الشفاعة, ويقولون: اللهم سلم سلم, فيمر المؤمنون كطرف العين وكالبرق وكالريح وكالطير وكأجاويد الخيل والركاب, فناج مسلم, ومخدوش مرسل ومكدوس في نار جهنم, حتى إذا خلص المؤمنون من النار, فوالذي نفسي بيده ما من أحد منكم بأشد مناشدة في الحق, وقد تبين لكم, من المؤمنين لله يوم القيامة لإخوانهم الذين في النار, يقولون: ربنا كانوا يصومون معنا, ويصلون معنا, ويحجون معنا, فيقال لهم: أخرجوا من عرفتم, فتحرم صورهم على النار, فيخرجون خلقا كثيرا, ثم يقولون: ربنا ما يبقى فيها أحد ممن أمرتنا به, فيقول: ارجعوا فمن وجدتم في قلبه مثقال دينار من خير فأخرجوه, فيخرجون خلقا كثيرا, ثم يقول: ارجعوا فمن وجدتم في قلبه مثقال نصف دينارمن خير فأخرجوه, فيخرجون خلقا كقيرا, ثم يقول: ارجعوا فمن وجدتم في قلبه مثقال ذرة من خير فأخرجوه, فيخرجون خلقا كثيرا, ثم يقولون: ربنا لم نذر فيها خيرا, فيقول الله شفعت الكلائكة, وشفع النبيون, وشفع المؤمنون, ولم يبق إلا أرحم الراحمين, فيقبض قبضة من النار, فيخرج منها قوما لم يعملوا خيرا قط قد عادوا حمما, فيليقهم في نهر في أفواه الجنة يقال
стр. 1520
له: نهر الحياة, فيخرجون كما تخرج الحبة في حميل السيل, فيخرجون كاللؤلؤ في رقابهم الخواتم, فيقول أهل الجنة: هؤلاء عتقاء الرحمن, أدخلهم الجنة بغير عمل عملوه, ولا خير قدموه, فيقال لهم: لكم ما رأيتم ومثله معه"
"وفي حديث أبي سعيد: أتاهم رب العالمين"
أي: أمره.
"وفيه: فناج مسلم, ومخدوش مرسل, ومكدوس في نار جهنم"
قسم المارة على الصراط ثلاث فرق على اختلاف مراتبهم بحسب العقيدة والعمل"
و (المخدوش): يريد به الذي يخدش بالكلوب, فيرسل إلى النار من عصاة أهل الإيمان.
و (المكدوس): المجموع, يريد به: المغلول, فإنه مجموع الأعضاء في الغل, قيل: مطروح في نار جهنم.
و (التكديس): طرح الشيء على الشيء.
وروي بالشين المعجمة, من (كدشه) , إذا قطعه بأسنانه قطعا, وقيل: من (كدشه) , إذا ساقه سوقا شديدا.
...
١٤١٢ - ٤٣٢٤ - عن أبي هريرة ﵁: أن الناس قالوا: يا رسول الله!
стр. 1521
هل نرى ربنا يوم القيامة؟ فذكر معنى حديث أبي سعيد ﵁ غير كشف الساق, وقال: "ويضرب الصراط بين ظهراني جهنم, فأكون أول من يجوز من الرسل بأمته, ولا يتكلم يومئذ إلا الرسل, وكلام الرسل يومئذ: اللهم سلم سلم, وفي جهنم كلاليب من شوك السعدان لا يعلم قدر عظمها إلا الله, تخطف الناس بأعمالهم, فمنهم من يوبق بعمله, ومنهم من يخردل ثم ينجو, حتى إذا فرغ الله من القضاء بين عباده, وأراد أن يخرج من النارمن أراد أن يخرجه ممن كان يشهد أن لا إله إلا الله, أمر الملائكة أن يخرجوا من كان يعبد الله, فيخرجونهم, ويعرفونهم بآثار السجود, وحرم الله على النار أن تأكل أثر السجود, فكل ابن آدم تأكله النار إلا أثر السجود, فيخرجون من النار قد امتحشوا, فيصب عليهم ماء الحياة, فينبتون كما تنبت الحبة في حميل السيل, ويبقى رجل بين الجنة والنار, وهو آخر أهل النار دخولا الجنة, مقبل بوجهه قبل النار, فيقول: يا رب اصرف وجهي عن النار, قد قشبني ريحها وأحرقني ذكاؤها, فيقول: لا وعزتك, فيعطي الله ما شاء من عهد وميثاق, فيصرف الله وجهه عن النار, فإذا أقبل به إلى الجنة رأى بهجتها سكت ما شاء الله أن يسكت, ثم قال: يا رب قدمني عند باب الجنة, فيقول الله ﵎: أليس قد أعطيت العهود والميثاق أن لا تسأل غير الذي كنت سألت؟ فيقول: يا رب لا أكون أشقى خلقك,
стр. 1522
فيقول: فما عسيت إن أعطيت ذلك أن تسأل غيره, فيقول: لا وعزتك لا أسألك غير ذلك, فيعطي ربه ما شاء من عهد وميثاق, فيقدمه إلى باب الجنة, فإذا بلغ بابها فرأى زهرتها وما فيها من النضرة والسرور, فسكت ما شاء الله أن يسكت, فيقول: يا رب أدخلني الجنة, فيقول الله ﵎: ويلك يا ابن آدم ما أغدرك! أليس قد أعطيت العهود والميثاق أن لا تسأل غير الذي أعطيت؟ فيقول: يا رب لا تجعلني أشقى خلقك, فلا يزال يدعو حتى يضحك الله منه, فإذا ضحك أذن له في دخول الجنة, فيقول: تمن, فيتمنى حتى إذا انقطع أمنيته قال الله تعالى: تمن كذا وكذا, أقبل يذكره ربه, حتى إذا انتهت به الأماني قال الله تعالى: لك ذلك ومثله معه"
وقال أبو سعيد ﵁: قال رسول الله ﷺ : "قال الله تعالى: لك ذلك وعشرة أمثاله"
ويؤيد المعنى الأول: قوله في حديث أبي هريرة: "ومنهم من يخردل" أي: يجزأ قطعا كالخردلة.
"وفيه: فيخرجون قد امتحشوا"
أي: احترقوا, يقال: امتحش غضبا, أي: احترق.
"وفي حديث أبي هريرة: فيقول: يا رب! اصرف وجهي عن النار, قد قشبني ريحها, وأحرقني ذكاؤها"
أي: أفسدني ولوحني, يقال: قشبه الدخان, إذا لوحه, وقيل:
стр. 1523
سمني وأهلكني, من (القشيب) , وهو السم المهلك, والذكاء: اللهب.
...
١٤١٣ - ٤٣٢٥ - عن ابن مسعود ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: "آخر من يدخل الجنة رجل فهو يمشي مرة ويكبو مرة وتسفعه النار مرة, فإذا جاوزها التفت إليها فقال: تبارك الذي نجاني منك لقد أعطاني الله شيئا ما أعطاه أحدا من الأولين والآخرين, فترفع له شجرة فيقول: أي رب أدنني من هذه الشجرة فلأستظل بظلها, وأشرب من مائها, فيقول الله: يا ابن آدم لعلي إن أعطيتكها سألني غيرها, فيقول: لا يا رب, ويعاهده أن لا يسأله غيرها, فيدنيه منها, فيستظل بظلها, ويشرب من مائها ثم ترفع له شجرة هي أحسن من الأولى, فيقول: أي رب أدنني من هذه الشجرة لأشرب من مائها, وأستظل بظلها, فيقول: لعلي إن أدنيتك منها تسألني غيرها, فيعاهده أن لا يسأله غيرها, فيدنيه منها فيستظل بظلها, ويشرب من مائها, ثم ترفع له شجرة عند باب الجنة هي أحسن من الأوليين فيقول: أي رب أدنني من هذه فلأستظل بظلها وأشرب من مائها, فيقول: يا ابن آدم ألم تعاهدني أن لا تسألني غيرها؟ قال: بل يا رب هذه لا أسألك غيرها, وربه يعذره لأنه يرى ما لا صبر له عليه, فيدنيه منها, فإذا أدناه منها سمع أصوات أهل الجنة فيقول: أي رب أدخلنيها, فيقول: يا ابن آدم ما يصريني منك؟ أيرضيك أن أعطيك الدنيا ومثلها معها؟ قال: أي
стр. 1524
رب أتستهزئ مني وأنت رب العالمين". فضحك ابن مسعود فقالوا: مم تضحك؟ قال: هكذا ضحك رسول الله ﷺ فقالوا: مم تضحك يا رسول الله؟ قال: "من ضحك رب العالمين حين قال: أتستهزئ مني وأنت رب العالمين؟ فيقول: إني لا أستهزئ منك, ولكني على ما أشاء قدير"
"وفي حديث ابن مسعود: ما يصريني منك"
هكذا في كتاب"المصابيح", وكثير من نسخ"الصحاح", والصحيح رواية ومعنى.
(ما يصريك مني): أي: ما يقطعك مني, ويفصل بيني وبينك, فيقطع مسألتك عني, من قولهم: اختصمنا إلى الحاكم فصرى بيننا, أي: قطع ما بيننا وفصل, وأصل الصري: المنع, ومنه التصرية.
"وفيه: أي رب! أتستهزئ مني وأنت رب العالمين؟ فضحك ابن مسعود إلى آخره.
(الاستهزاء بالشيء إذا أسند إلى الله تعالى): يراد إنزاله الهوان عليه, وإحلاله إياه محل الاستهزاء به.
و (الضحك من الله تعالى): مجاز عن كمال الرضا.
وإنما ضحك رسول الله ﷺ استعجابا وسرورا بما رأى من كمال رحمة الله تعالى ولطفه على عبده المذنب, وكمال الرضا عنه.
стр. 1525
١٤١٤ - ٤٣٣٤ - وقال: "إذا صار أهل الجنة إلى الجنة, وأهل النار على النار جيء بالموت حتى يجعل بين الجنة والنار, ثم يذبح, ثم ينادى مناد: يا أهل الجنة لا موت, ويا أهل النار لا موت, فيزداد أهل الجنة فرحا إلى فرحهم, ويزداد أهل النار حزنا إلى حزنهم"
"وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : إذا صار أهل الجنة إلى الجنة, وأهل النار [إلى] النار, جيء بالموت حتى يجعل بين الجنة والنار, ثم يذبح"
لعل الموت تمثل للناس على صورة حيوان, كما روي في غير هذه الرواية, "يؤتى بالموت بكبش أغبر" ليتيقنوا غاية اليقين أن لا موت بعد ذلك, فيزداد فرح أهل الجنة, وحزن أهل النار, فإن العيان أعلى مراتب اليقين والعرفان, والله أعلم.
...
من الحسان:
١٤١٥ - ٤٣٣٥ - عن ثوبان ﵁ قال: قال النبي ﷺ : "حوضي من عدن إلى عمان البلقاء, ماؤه أشد بياضا من اللبن, وأحلى من العسل, وأكوابه عدد نجوم السماء, من شرب منه شربه لم يظمأ بعدها أبدا, أول الناس ورودا فقراء المهاجرين, الشعث رؤوسا الدنس ثيابا, الذين لا ينكحون المتنعمات, ولا يفتح لهم السدد", غريب.
стр. 1526
"في حديث ثوبان: ولا يفتح لهم السدد"
أي: الأبواب الواحد: شدة, سمي بذلك, لأن المدخل يسد به.
...
١٤١٦ - ٤٣٣٧ - عن الحسن, عن سمرة قال: قال رسول الله ﷺ : "إن لكل نبي حوضا, وإنهم ليتباهون أيهم أكثر واردة, وإني أرجو أن أكون أكثرهم واردة", غريب.
"وفي حديث سمرة: وإنهم ليتباهون أيهم أكثر واردة"
(التباهي): التفاخر, و (المباهاة): المفاخرة.
...
١٤١٧ - ٤٣٤٠ - عن ابن مسعود ﵁, عن النبي ﷺ قال: قيل: له: وما المقام المحمود؟ قال: "ذاك يوم ينزل الله تعالى على كرسيه فيئط كما يئط الرحل الجديد من تضايقه به, وهو يسعه ما بين السماء والأرض, ويجاء بكم حفاة عراة غرلا, فيكون أول من يكسي إبراهيم صلوات الله عليه, يقول الله تعالى: اكسوا خليلي, فيؤتى بريطتين بيضاوين من رياط الجنة, ثم أكسى على أثره, ثم أقوم عن يمين الله مقاما يغبطني الأولون والآخرون"
"وعن ابن مسعود, عن النبي ﷺ : قيل له: ما المقام المحمود؟
стр. 1527
قال: ذلك يوم القيامة, ينزل الله على كرسيه فيئط كما يئط الرحل الجديد من تضايقه, وهو يسعه ما بين السماء والأرض, ويجاء بكم حفاة عراة غرلا, فيكون أول من يكسى إبراهيم ﷺ يقول الله تعالى: اكسوا خليلي, فيؤتى بريطتين بيضاوين من رياط الجنة, ثم أكسى على أثره, ثم أقوم على يمين الله مقاما يغبطني الأولون والآخرون"
مثل التجلي لعباده بنعت العظمة والكبرياء, والإقبال عليهم للعدل والقضاء, وإدناء المقربين منهم على مراتبهم, وكشف الحجاب فيما بينه وبينهم بنزول السلطان من غرف القصر إلى صدر الدار, وجلوسه على كرسي الملك للحكومة والفصل, وإقامة خواصه وأهل كرامته حواليه قداما ووراء ويمينا وشمالا على تفاوت مراتبهم لديه.
وقوله: "يئط كما يئط الرحل": مبالغة وتصوير لعظمة التجلي على طريقة الترشيح.
و (الريطة): الملاءة الرقيقة من الكتان التي لا تكون لفقين, يؤتى بها من الشام, وجمعها: رياط, ولما كانت الحكاية المسرودة مشتملة على شرح المقام المحمود, وهو المقام الذي يكون عن يمين الرحمن يوم العرض والجزاء, وكان أمره لا يتضح إلا بذكرها, حسن وقوعها جوابا عن السؤال عنه.
стр. 1528
٥ - باب
صفة الجنة وأهلها
من الصحاح:
١٤١٨ - ٤٣٥٢ - وقال: "إن المؤمن في الجنة لخيمة من لؤلؤة واحدة مجوفة طولها ستون ميلا, في كل زاوية منها للمؤمن أهل لا يراهم الآخرون, يطوف عليهم المؤمنون, وجنتان من فضة آنيتهما وما فيهما, وجنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما, وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن"
(باب صفة الجنة وأهلها)
"في حديث ابن مسعود: وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا حجاب الكبرياء على وجهه في جنات عدن"
المعنى: أن العبد إذا دخل الجنة, فتبوأ جنة عدن, وهي دار الإقامة والثبات, من قولهم: عدن بالمكان, إذا استقر, ومنه (المعدن) لمستقر الجواهر= رفع ما بينه وبين ربه من الموانع والحجب التي منشؤها كدورة الجسمية, ونقصان البشرية, والانهماك في المحسوسات الحادثة, والاشتغال بالمتغيرات الفانية, ولم يبق ما يحجزه عن النظر إلى ربه, ويصده عن رؤيته إلا عظمة [الـ] ألوهية, وأبهة الكبرياء.
стр. 1529
١٤١٩ – ٤٣٥٣ – وقال: "إن في الجنة مئة درجة, ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض, والفردوس أعلاها درجة, منها تفجر أنهار الجنة الأربعة, ومن فوقها يكون العرش, فإذا سألتم الله فسألوه الفردوس"
"وفي حديث عبادة بن الصامت, وهو الحديث التالي لهذا الحديث: والفردوس أعلاها درجة, منها تفجر الأنهار الأربعة"
"الفردوس": حديقة في الجنة, وهو في الأصل اسم البستان, يقال لروضة دون اليمامة: فردوس, وجمعه: فراديس.
و"الأنهار الأربعة": هي الأربعة المذكورة بقوله تعالى: ﴿فيها أنهار من ماء غير آسن وأنهار من لبن لم يتغير طعمه وأنهار من خمر لذة للشاربين وأنهار من عسل مصفى﴾ [محمد:١٥]
...
١٤٢٠ – ٤٣٥٧ – وقال: "من يدخل الجنة بنعم ولا يبأس ولا تبلى ثيابه, ولا يفنى شبابه"
"وعن أبي هريرة: أنه –﵇ قال: من يدخل الجنة ينعم لا يبأس"
معناه: أن الجنة دار الثبات والقرار, وأن يتغير لا يتطرق إليها, فلا يشوب نعيمها بؤس, ولا يعتريه فساد ولا يتغير فإنها ليست دار
стр. 1530
الأضداد. ومحل الكون والفساد.
...
١٤٢١ - ٤٣٥٩ – وقال: "إن أهل الجنة يتراءون أهل الغرف من فوقهم كما تتراءون الكوكب الدري الغابر في الأفق من المشرق والمغرب لتفاضل ما بينهم" قالوا: يا رسول الله! تلك منازل الأنبياء لا يبلغها غيرهم, قال: "بلى والذي نفسي بيده, رجال آمنوا بالله وصدقوا المرسلين"
"وفي حديث أبي سعيد: إن أهل الجنة يتراءون أهل الغرف من فوقهم كما تتراءون الكوكب الدري الغابر في الأفق من المشرق والمغرب"
المعنى: أن تباعد ما بين أهل الغرف وأصحاب الجنة تباعد ما بين محل الكوكب من السماوات ومستقر الناس من الأرضين, وأنهم يضيئون لأهل الجنة إضاءة الكوكب الدري.
و"الدري": بضم الدال: منسوب إلى الدر, لصفاء لونه, وخلوص جوهره.
و"الغابر": الباقي, يريد به الباقي في الأفق بعد انتشار ضوء الفجر, فإنما يستر الكوكب المضيء في ذلك الوقت, وروي: "الغائر" بالهمز, من (الغور) , وهو الانحطاط, وهو لا يناسب قوله: "من
стр. 1531
المشرق" ولعله تصحيف.
...
١٤٢٢ – ٤٣٦٠ – وقال: "يدخل الجنة أقوام أفئدتهم مثل أفئدة الطير"
"وفي حديثه الآخر: يدخل الجنة أقوام أفئدتهم مثل أفئدة الطير"
يعني: أن قلوبهم في الدقة والرقة واللين, أو في التوكل كقلوب الطير, تغدو خماصا, وتروح بطانا"
...
١٤٢٣ – ٤٣٦٣ – عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "سيحان وجيحان والفرات والنيل, كل من أنهار الجنة"
"وفي حديث آخر له: أنه –﵇ قال: سيحان, وجيحان, والفرات, والنيل, كل من أنهار الجنة"
"سيحان وجيحان": نهران بالشام, وأما سيحون فنهر في السند, وجيحون: نهر ببلخ, جعل الأنهار الأربعة لعذوبة مائها وكثرة منافعها كأنهار من أنهار الجنة, وسماها بأسامي الأنهار الأربعة
стр. 1532
التي هي أعظم أنهار الدنيا وأشهرها وأعذبها وأفيدها عند العرب على سبيل التشبيه والتمثيل, ليعلم أنها في الجنة بمثابتها, وأن ما في الدنيا من أنواع المنافع والنعائم فنموذجات لما يكون في الآخرة, وكذا ما فيها من المضار المردية, والمستكرهات المؤذية.
...
من الحسان:
١٤٢٤ – ٤٣٦٩ – وعن أبي سعيد الخدري ﵁, عن النبي ﷺ : "في قوله: ﴿وفرش مرفوعة﴾ قال: ارتفاعها لكما بين السماء والأرض مسيرة خمس مئة سنة"غريب
"وعن أبي سعيد, عن النبي ﷺ في قوله تعالى: ﴿وفرش مرفوعة﴾ [الواقعة:٣٤] قال: ارتفاعها لكما بين السماء والأرض مسيرة خمس مئة سنة"
الظاهر: أن ارتفاعها هذا القدر ارتفاع الدرجة المفروشة هي فيها, ويدل عليه ما روي أنه –﵇ قال: "إن للجنة مئة درجة ما بين كل درجتين ما بين السماء والأرض"
...
١٤٢٥ – ٤٣٧٢ – وعن سعد بن أبي وقاص ﵁, عن النبي ﷺ قال: "لو أن ما يقل ظفر مما في الجنة بدا لتزخرفت له ما بين خوافق
стр. 1533
السماوات والأرض, ولو أن رجلا من أهل الجنة اطلع فبدا أساوره لطمس ضوءه ضوء الشمس كما تطمس الشمس ضوء النجوم" غريب
"وفي حديث سعد بن أبي وقاص: لو أن ما يقل ظفر مما في الجنة بدا لتزخرفت ما بين خوافق السماوات والأرض"
"ما يقل ظفر": أي: قدر ما يستقل بحمله ظفر, ويحمل عليها.
"لتزخرفت": أي: تزينت.
و (الخوافق): جمع: خافقة, وهي الجانب, وهي في الأصل: الجانب التي تخرج منها الرياح من الخفقان, ويقال: (الخافقان) للمشرق والمغرب, ولمنتهى الأرض والسماء.
...
١٤٢٦ – ٤٣٧٧ – عن سليمان بن بريدة عن أبيه: أن رجلا قال: يا رسول الله! هل في الجنة من خيل؟ قال: "إن الله أدخلك الجنة, فلا تشاء أن تحمل فيها على فرس من ياقوتة حمراء يطير بك في الجنة حيث شئت إلا فعلت ". وسأله رجل فقال: يا رسول الله! هل في الجنة من إبل؟ فقال: "إن يدخلك الله الجنة يكن لك فيها ما اشتهت نفسك ولذت عينك"
وفي وراية: "إن أدخلت الجنة أتيت بفرس من ياقوتة له جناحان
стр. 1534
فحملت عليه طار بك حيث شئت"
"عن سليمان بن بريدة الأسلمي, عن أبيه: أن رجلا قال: يا نبي الله! هل في الجنة من خيل؟ قال: إن الله أدخلك الجنة, فر تشاء أن تحمل فيها على فرس من ياقوتة حمراء تطير بك في الجنة حيث شئت"
"الله"مرفوع بفعل يفسره ما بعده, ولا يجوز رفعه على الابتداء لوقوعه بعد حرف الشرط.
وقوله: "فلا تشاء .... "إلى آخره جواب للشرط, وفيه حذف واختصار, وتقدير الكلام: إن أدخلك الله الجنة, فلا تشاء تحمل على فرس كذلك إلا حملت عليه, والمعنى: أن ما من شيء تشتهيه النفس إلا وتجده في الجنة كيف شاءت, حتى لو اشتهى أأن يركب فرسا على هذه الصفة لوجده, وتمكن منه.
ويحتمل أن يكون المراد: إن أدخلك الله الجنة, فلا تشاء أن يكون لك مركبا من ياقوتة حمراء تطير بك حيث شئت, ولا ترضى به, فتطلب فرسا من جنس ما تجده في الدنيا حقيقة وصفة, والمعنى: فيكون لك من المراكب ما يغنيك من الفرس المعهود, ويدل على هذا المعنى ما جاء في الرواية الأخرى, وهو: "إن أدخلت الجنة أتيت بفرس من ياقوتة له جناحان, فحملت عليه, طار بك حيث شئت"
ولعله –﵇ لما أراد أن يبين الفرق بين مراكب الجنة ومراكب الدنيا, وما بينهما من التفاوت على سبيل التصوير والتمثيل,
стр. 1535
مثل فرس الجنة في جوهره بما هو عندنا أثبت الجواهر, وأدومها وجوادا, وأنصعها لونا, وأصفاها جوهرا, وفي شدة حركته انتقاله بالطيران, وأكد ذلك في الرواية الأخرى بأن أثبت له جناحان, وعلى هذا قياس ما ورد في صفة آنية الجنة, ورياضها, وأنهارها ... إلى غير ذلك, والعلم بحقائقها عند الله تعالى.
...
١٤٢٧ – ٤٣٨٠ – عن علي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن في الجنة لسوقا ما فيها شراء ولا بيع إلا الصور من الرجال والنساء, فإذا اشتهى الرجل صورة دخل فيها", غريب.
"وعن علي ﵁: قال رسول الله ﷺ : إن في الجنة لسوقا ما فيها شراء ولا بيع, إلا الصورة من الرجال والنساء, فإذا اشتهى الرجل صورة دخل فيها"
ذكر لهذا الحديث معنيان:
أحدهما: أنه أراد بالصورة الهيئة التي يختار الإنسان أن يكون عليها من التلبس والتزين.
وثانيهما: أنه أراد به: الصورة التي تكون للشخص في نفسه من الصور المستحسنة, فإذا اشتهى المرء صورة منها صوره الله بها, وبدلها بصورته, فتتغير الهيئة, والذات كما كان.
وأقول: ظاهر هذا الكلام يستدعي أن الصور تباع وتشترى في
стр. 1536
ذلك السوق, لأن تقدير الكلام: إلا بيع الصور وشراؤها, وإلا لما صح الاستثناء, فلا بد لها من عوض يشتري به, وهو الإيمان, والعمل الصالح, على ما دلت عليه النصوص من الآيات والأحاديث الدالة على أن تفاوت الهيئات والحلي في الآخرة بحسب الأعمال والطاعات, فجعل اختيار العبد لما يوجب صورة من الصور البهية التي تكون لأهل الجنة اختيار لها, وإتيانه به ابتياعا لها, وجعله كالمتملك لها, المتمكن منها متى شاء, والله أعلم.
...
١٤٢٨ – ٤٣٨٢ - عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ : "أدنى أهل الجنة الذي له ثمانون ألف خادم, واثنتان وسبعون زوجة, وينصب له قبة من لؤلؤ وزبرجد وياقوت كما بين الجابية إلى صنعاء"
وبه قال: "من مات من أهل الجنة من صغير أو كبير يردون بني ثلاثين في الجنة, لا يزيدون عليها أبدا, وكذلك أهل النار"
وبه قال: "إن عليهم التيجان, أدنى لؤلؤة منها لتضيء ما بين المشرق والمغرب" غريب
"وفي حديث أبي سعيد: وينصب له قبة من لؤلؤ وزبرجد وياقوت, كما بين الجابية إلى صنعاء"
стр. 1537
يريد: أن القبة معمولة منها, أو مكللة بها, وأن فسحتها وبعد ما بين طرفين, كما بين الموضعين, جابية الشام, وصنعاء اليمن.
...
٦ - باب
رؤية الله تعالى
من الصحاح:
١٤٢٩ - ٤٣٨٧ - وقال جرير بن عبد الله: "كنا جلوسا عند رسول الله ﷺ فنظر إلى القمر ليلة البدر فقال: إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر, لا تضامون في رؤيته, فإن استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا. ثم قرأ ﴿وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها﴾ "
(باب رؤية الله تعالى)
"قال جرير بن عبد الله البجلي: كنا جلوسا عند رسول الله ﷺ , فنظر إلى القمر ليلة البدر, فقال: إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر, لا تضامون في رؤيته, فإن استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها, فافعلوا, ثم قرأ ﴿وسبح بحمد ربك قبل
стр. 1538
طلوع الشمس وقبل غروبها﴾ [طه:١٣٠].
"فتضامون": روي بالتخفيف والتشديد, وقد مر ذكره في ٠باب الحساب).
وترتب قوله: "إن استطعتم أن لا تغلبوا"على قوله: "سترون"بالفاء يدل على أن المواظب على إقامة الصلاة والمحافظ عليها خليق بأن يرى ربه.
وقوله: "لا تغلبوا": معناه: لا تصيروا مغلوبين بالاشتغال عن صلاتي الصبح والعصر, وإنما خصهما بالحث, لما في الصبح من ميل النفس إلى الاستراحة والنوم, والعصر من قيام الأسواق واشتغال الناس بالمعاملات, فمن لم تلحقه فترة في الصلاتين مع ما لهما من قوة المانع, فبالحري أن لا تلحقه في غيرهما.
...
٧ - باب
صفة النار وأهلها
من الصحاح:
١٤٣٠ - ٤٣٩١ - عن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: "ناركم جزء من سبعين جزءا من نار جهنم" قيل: يا رسول الله! إن كانت لكافية, قال: "فإنها فضلت عليهن بتسعة وستين جزءا, كلهن مثل حرها"
стр. 1539
(باب صفة النار)
"في حديث أبي هريرة: أنه ﵇ قال: ناركم جزء من سبعين جزءا من نار جهنم قيل: يا رسول الله! إن كانت لكافية"
معناه: أن النار التي نجدها في الدنيا بالنسبة إلى نار جهنم في حرها وغايتها وسرعة اشتعالها, كالواحد من السبعين, وكأنها فضلت على ما عندنا بتسعة وستين جزءا من الشدة والحرارة, ولذلك تتقد فيما لا تتقد فيها نيران الدنيا كالناس والحجارة.
و"إن"في "إن كانت"هي المخففة من الثقيلة, واللام في "لكافية"هي الفاصلة
...
من الحسان:
١٤٣١ - ٤٤٠٢ - وقال ﷺ : "ضرس الكافر يوم القيامة مثل أحد, وفخذه مثل البيضاء, ومقعده من النار مسيرة ثلاث مثل الربذة"
"في حديث أبي هريرة: وفخذه مثل البيضاء, ومقعده من النار مسيرة ثلاثة أيام مثل الربذة"
قيل: "البيضاء": جبل الشام, و"الربذة": موضع على ثلاث
стр. 1540
مراحل من المدينة قريب من ذات عرق, أي: يزاد في مقدار أعضاء الكافر زيادة في تعذيبه بسبب زيادة المماسة للنار.
...
١٤٣٢ - ٤٤٠٧ - وقال: "إن الحميم ليصب على رؤوسهم فينفذ الحميم حتى يخلص إلى جوفه, فيسلت ما في جوفه حتى يمرق من قدميه, وهو الصهر, ثم يعاد كما كان"
"وعنه ﷺ : إن الحميم ليصب على رؤوسهم, فينفذ الحميم حتى يخلص إلى جوفه, فيسلت ما في جوفه حتى يمرق من قدميه, وهو الصهر, ثم يعاد كما كان"
"يخلص إلى جوفه"أي: يصل إليه.
"فيسلت"أي: يذهب ويمر.
"حتى يمرق"أي: يخرج, من (مرق السهم) , إذا نفذ في الغرض, وخرج منه.
و"الصهر": الإذابة, واللام فيه إشارة إلى قوله تعالى: ﴿يصهر به ما في بطونهم﴾ [الحج:٢٠].
...
١٤٣٣ - ٤٤١٠ - وبه قال: "لو أن دلوا من غساق يهراق في الدنيا لأنتن أهل الدنيا"
стр. 1541
"وعن أبي سعيد: أنه ﵇ قال: لو أن دلوا من غساق يهراق في الدنيا لأنتن أهل الدنيا"
(الغساق): عرق أهل النار وصديدهم, وقيل: دموعهم يسقونها مع الحميم, من (غسقت عينه) , إذا سالت.
و (أنتن الشيء): إذا تغير, وصار ذا نتن.
...
١٤٣٤ - ٤٤١٤ - عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله ﷺ : "يلقى على أهل النار الجوع فيعدل ما هم فيه من العذاب, فيستغيثون, فيغاثون بطعام ﴿ومن ضريع*لا يسمن ولا يغني من جوع﴾ , فيستغيثون بالطعام, فيغاثون بطعام ذي ﴿غصة﴾ فيذكرون أنهم كانوا يجيزون الغصص في الدنيا بالشراب, فيستغيثون بالشراب, فيرفع إليهم ﴿الحميم﴾ بكلاليب الحديد, فإذا دنت من وجوههم شوت وجوههم, فإذا دخلت بطونهم قطعت ما في بطونهم, فيقولون: ادعوا خزنة جهنم, فيقولون: ﴿أولم تك تأتيكم رسلكم بالبينات قالوا بلى قالوا فادعوا ...﴾ قال: فيقولون: ادعوا مالكا, فيقولون: ﴿يا مالك ليقض علينا ربك﴾ قال: فيجيبهم ﴿إنكم ماكثون﴾ "؟
قال الأعمش: نبئت أن بين دعائهم وإجابة مالك إياهم ألف عام.
стр. 1542
قال: "فيقولون: ادعوا ربكم فلا أحد خير من ربكم, فيقولون: ﴿قالوا ربنا غلبت علينا شقوتنا وكنا قوما ضالين * ربنا أخرجنا منها فإن عدنا فإنا ظالمون﴾ قال: فيجيبهم ﴿اخسؤا فيها ولا تكلمون﴾ قال: فعند ذلك بئسوا من كل خير, وعند ذلك يأخذون في الزفير والحسرة والويل"
ويروى هذا موقوفا على أبي الدرداء.
"وفي حديث أبي الدرداء: فيغاثون بطعام من ضريع"
أي: شبرق, وهو نبت ذو شوك, وقيل: الحجارة المحماة.
...
١٤٣٥ - ٤٤١٧ - عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لو أن رضراضة مثل هذه, وأشار إلى مثل الجمجمة, أرسلت من السماء إلى الأرض في مسيرة خمس مئة سنة لبلغت الأرض قبل الليل, ولو أنها أرسلت من رأس السلسلة لسارت أربعين خريفا الليل والنهار قبل أن تبلغ أصلها أو قعرها"
"وفي حديث عبد الله بن عمرو: لو أن رضراضة [مثل هذه, -وأشارإلى مثل خمخمة- أرسلت من السماء إلى الأرض"
الرضراضة: الحجارة المدقوقة, وكذلك الرضراض, من (الرض) وهو الكسر, والمنقول عن الترمذي: "رصاصة", وهي القطعة من الرصاص.
стр. 1543
و (الخمخمة) بالخاء المعجمة: ضرب من الأكل.
...
١٤٣٦ - ٤٤١٦ - عن أبي برذة عن أبيه ﵄, عن النبي ﷺ : "إن في جهنم واديا يقال له: هبهب, يسكنه كل جبار"
"وعن أبي بردة: أنه ﵇ قال: إن في جهنم واديا يقال له: هبهب يسكنه كل جبار"
سمي بذلك إما للمعانة من شده اضطرام النار والتهابه, من (هبهب السراب) , إذا لمع, أو لسرعة اتقاد ناره بالعصاة واشتعالها فيهم, من (الهبهب) الذي هو السريع, أو لشدة أجيج النار فيه, من (الهبهاب) , وهو الصياح.
...
٨ - باب
خلق الجنة والنار
من الصحاح:
١٤٣٧ - ٤٤١٩ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "تحاجت الجنة والنار, فقالت النار: أوثرت بالمتكبرين والمتجبرين,
стр. 1544
وقالت الجنة: فما لي لا يدخلني إلا ضعفاء الناس وسقطهم وغرتهم؟ فقال الله للجنة: إنما أنت رحمتي أرحم بك من أشاء من عبادي, وقال للنارك إنما أنت عذابي أعذب بك من أشاء من عبادي, ولكل واحدة منكما ملؤها, فأما النار فلا تمتلئ حتى يضع الله رجله فيها, وتقول: قط قط قط, فهنالك تمتلئ ويزوى بعضها إلى بعض فلا يظلم الله من خلقه أحدا, وأما الجنة فإن الله ينشئ لها خلقا"
(باب خلق الجنة والنار)
"في حديث أبي هريرة: فأما النار فلا تمتلئ حتى يضع الله رجله تقول: قط, قط, قط, فهنالك تمتليء"
روي هذا الحديث بعبارات مختلفة, فروي: "حتى يضع الجبار قدمه" وروي: "فيضع الرب قدمه" وروي: "حتى يضع الله رجله", واختلف في معناه: فمن قائل: إن الرواية الصحيحة هي الأولى, والمراد من (الجبار): أحد الجبابرة الذين خلقهم الله تعالى لها تنتظر النار وروده, وتلتمس دخوله, فإذا وضع هو قدمه فيها سكنت, وامتلأت به, لعظم جرمه, وفرط عتوه.
والروايتان الأخريتان لعلهما أخطأ بهما الراوي, لنقله الحديث بالمعنى حسب ما فهمه.
ومن قائل قال: المراد بـ (الجبار): هو الله تعالى, للروايتين الأخيرتين.
стр. 1545
١٤٣٨ - ٤٤٢٠ - وعن أنس ﵁, عن النبي ﷺ قال: "لا تزال جهنم يلقى فيها وتقول: ﴿هل من مزيد﴾ حتى يضع رب العزة فيها قدمه, فينزوي بعضها إلى بعض وتقول: قط قط قط بعزتك وكرمك, ولا يزال في الجنة فضل حتى ينشئ الله لها خلقا فيسكنهم فضل الجنة"
"ولما روي في حديث أنس: حتى يضع رب العزة فيها قدمه"
والمراد بـ (القدم): قوم قدمهم للنار, أو تقدم في سابق حكمه: أنه سيخلقهم لها.
ومن روى: أراد به: جماعته التي خلقهم لها, شبههم بجماعة الجراد, لتكاثفهم, وازدحامهم, وحقارة شأنهم, فإن (الرجل) جماعة الجراد, وأخطأ في نقله بالمعنى.
ومن قائل قال: إن معناه: يقهرها ويدفع شرها بقدرته, حتى تسكن, من قولهم: وطئنا بني فلان, أي: قهرناهم ذلا.
ويؤيده قوله بعد ذلك: "وينزوي بعضها إلى بعض" أي: ينضم.
و"قط"معناه: كفى, يقال: قطك هذا الشيء بمعنى: كفاك, والله تعالى أعلم
следующие страницы →