← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13614

تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة

ناصر الدين البيضاوي

Полный текст (1 692 стр.). Показаны 1541–1580 · переход к 1546.

стр. 1541

"وعن أبي سعيد: أنه ﵇ قال: لو أن دلوا من غساق يهراق في الدنيا لأنتن أهل الدنيا" (الغساق): عرق أهل النار وصديدهم, وقيل: دموعهم يسقونها مع الحميم, من (غسقت عينه) , إذا سالت. و (أنتن الشيء): إذا تغير, وصار ذا نتن. ... ١٤٣٤ - ٤٤١٤ - عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله ﷺ : "يلقى على أهل النار الجوع فيعدل ما هم فيه من العذاب, فيستغيثون, فيغاثون بطعام ﴿ومن ضريع*لا يسمن ولا يغني من جوع﴾ , فيستغيثون بالطعام, فيغاثون بطعام ذي ﴿غصة﴾ فيذكرون أنهم كانوا يجيزون الغصص في الدنيا بالشراب, فيستغيثون بالشراب, فيرفع إليهم ﴿الحميم﴾ بكلاليب الحديد, فإذا دنت من وجوههم شوت وجوههم, فإذا دخلت بطونهم قطعت ما في بطونهم, فيقولون: ادعوا خزنة جهنم, فيقولون: ﴿أولم تك تأتيكم رسلكم بالبينات قالوا بلى قالوا فادعوا ...﴾ قال: فيقولون: ادعوا مالكا, فيقولون: ﴿يا مالك ليقض علينا ربك﴾ قال: فيجيبهم ﴿إنكم ماكثون﴾ "؟ قال الأعمش: نبئت أن بين دعائهم وإجابة مالك إياهم ألف عام.

стр. 1542

قال: "فيقولون: ادعوا ربكم فلا أحد خير من ربكم, فيقولون: ﴿قالوا ربنا غلبت علينا شقوتنا وكنا قوما ضالين * ربنا أخرجنا منها فإن عدنا فإنا ظالمون﴾ قال: فيجيبهم ﴿اخسؤا فيها ولا تكلمون﴾ قال: فعند ذلك بئسوا من كل خير, وعند ذلك يأخذون في الزفير والحسرة والويل" ويروى هذا موقوفا على أبي الدرداء. "وفي حديث أبي الدرداء: فيغاثون بطعام من ضريع" أي: شبرق, وهو نبت ذو شوك, وقيل: الحجارة المحماة. ... ١٤٣٥ - ٤٤١٧ - عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لو أن رضراضة مثل هذه, وأشار إلى مثل الجمجمة, أرسلت من السماء إلى الأرض في مسيرة خمس مئة سنة لبلغت الأرض قبل الليل, ولو أنها أرسلت من رأس السلسلة لسارت أربعين خريفا الليل والنهار قبل أن تبلغ أصلها أو قعرها" "وفي حديث عبد الله بن عمرو: لو أن رضراضة [مثل هذه, -وأشارإلى مثل خمخمة- أرسلت من السماء إلى الأرض" الرضراضة: الحجارة المدقوقة, وكذلك الرضراض, من (الرض) وهو الكسر, والمنقول عن الترمذي: "رصاصة", وهي القطعة من الرصاص.

стр. 1543

و (الخمخمة) بالخاء المعجمة: ضرب من الأكل. ... ١٤٣٦ - ٤٤١٦ - عن أبي برذة عن أبيه ﵄, عن النبي ﷺ : "إن في جهنم واديا يقال له: هبهب, يسكنه كل جبار" "وعن أبي بردة: أنه ﵇ قال: إن في جهنم واديا يقال له: هبهب يسكنه كل جبار" سمي بذلك إما للمعانة من شده اضطرام النار والتهابه, من (هبهب السراب) , إذا لمع, أو لسرعة اتقاد ناره بالعصاة واشتعالها فيهم, من (الهبهب) الذي هو السريع, أو لشدة أجيج النار فيه, من (الهبهاب) , وهو الصياح. ... ٨ - باب خلق الجنة والنار من الصحاح: ١٤٣٧ - ٤٤١٩ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "تحاجت الجنة والنار, فقالت النار: أوثرت بالمتكبرين والمتجبرين,

стр. 1544

وقالت الجنة: فما لي لا يدخلني إلا ضعفاء الناس وسقطهم وغرتهم؟ فقال الله للجنة: إنما أنت رحمتي أرحم بك من أشاء من عبادي, وقال للنارك إنما أنت عذابي أعذب بك من أشاء من عبادي, ولكل واحدة منكما ملؤها, فأما النار فلا تمتلئ حتى يضع الله رجله فيها, وتقول: قط قط قط, فهنالك تمتلئ ويزوى بعضها إلى بعض فلا يظلم الله من خلقه أحدا, وأما الجنة فإن الله ينشئ لها خلقا" (باب خلق الجنة والنار) "في حديث أبي هريرة: فأما النار فلا تمتلئ حتى يضع الله رجله تقول: قط, قط, قط, فهنالك تمتليء" روي هذا الحديث بعبارات مختلفة, فروي: "حتى يضع الجبار قدمه" وروي: "فيضع الرب قدمه" وروي: "حتى يضع الله رجله", واختلف في معناه: فمن قائل: إن الرواية الصحيحة هي الأولى, والمراد من (الجبار): أحد الجبابرة الذين خلقهم الله تعالى لها تنتظر النار وروده, وتلتمس دخوله, فإذا وضع هو قدمه فيها سكنت, وامتلأت به, لعظم جرمه, وفرط عتوه. والروايتان الأخريتان لعلهما أخطأ بهما الراوي, لنقله الحديث بالمعنى حسب ما فهمه. ومن قائل قال: المراد بـ (الجبار): هو الله تعالى, للروايتين الأخيرتين.

стр. 1545

١٤٣٨ - ٤٤٢٠ - وعن أنس ﵁, عن النبي ﷺ قال: "لا تزال جهنم يلقى فيها وتقول: ﴿هل من مزيد﴾ حتى يضع رب العزة فيها قدمه, فينزوي بعضها إلى بعض وتقول: قط قط قط بعزتك وكرمك, ولا يزال في الجنة فضل حتى ينشئ الله لها خلقا فيسكنهم فضل الجنة" "ولما روي في حديث أنس: حتى يضع رب العزة فيها قدمه" والمراد بـ (القدم): قوم قدمهم للنار, أو تقدم في سابق حكمه: أنه سيخلقهم لها. ومن روى: أراد به: جماعته التي خلقهم لها, شبههم بجماعة الجراد, لتكاثفهم, وازدحامهم, وحقارة شأنهم, فإن (الرجل) جماعة الجراد, وأخطأ في نقله بالمعنى. ومن قائل قال: إن معناه: يقهرها ويدفع شرها بقدرته, حتى تسكن, من قولهم: وطئنا بني فلان, أي: قهرناهم ذلا. ويؤيده قوله بعد ذلك: "وينزوي بعضها إلى بعض" أي: ينضم. و"قط"معناه: كفى, يقال: قطك هذا الشيء بمعنى: كفاك, والله تعالى أعلم

стр. 1546

٩ - باب بدء الخلق, وذكر الأنبياء ﵈ من الصحاح: ١٤٣٩ - ٤٤٢٢ - عن عمران بن حصين ﵁: أنه قال: إني كنت عند النبي ﷺ إذ جاءه قوم من بني تميم, فقال: "اقبلوا البشرى يا بني تميم". قالوا: بشرتنا فأعطنا, فدخل ناس من أهل اليمن, فقال: "اقبلوا البشرى يا أهل اليمن إذ لم يقبلها بنو تميم,. قالوا: قبلنا, جئناك لنتفقه في الدين, ولنسألك عن أول هذا الأمر ما كان؟ قال: كان الله ولم يكن شيء قبله, وكان عرشه على الماء, ثم خلق السماوات والأرض, وكتب في الذكر كل شيء". ثم أتاني رجل فقال: يا عمران! أدرك ناقتك فقد ذهبت, فانطلقت أطلبها, وايم الله لوددت أنها قد ذهبت ولم أقم". (باب بدء الخلق وذكر الأنبياء ﵈ "في حديث عمران بن حصين: كان الله ولم يكن شيء قبله, وكان عرشه على الماء, ثم خلق السماوات والأرض" معناه: أنه تعالى الأول الذي هو قبل كل شيء, ولا شيء قبله, وأن أول ما أبدعه من أجسام هذا العالم: العرش والماء, وسائر

стр. 1547

الأجسام متأخرة عنهما في الحدوث والوجود, وقد سبق في (باب الإيمان بالقدر) مزيد تقرير وشرح لهذا الكلام. ... ١٤٤٠ – ٤٤٢٦ – وعن أنس ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: "لما صور الله آدم في الجنة تركه ما شاء الله أن يتركه, فجعل إبليس يطيف به ينظر ما هو, فلما رآه أجوف عرف أنه خلق خلقا لا يتمالك" "وعن أنس: أن رسول الله ﷺ قال: لما صور الله آدم في الجنة تركه ما شاء الله أن يتركه, فجعل إبليس يطيف به, وينظر ما هو, فلما رآه أجوف عرف أنه خلق خلقا لا يتمالك" الأخبار متظاهرة على أنه تعالى خلق آدم من تراب قبض من وجه الأرض, وخمر حتى صار طينا, ثم تركه حتى صار صلصالا, وكان ملقى بين مكة وطائف ببطن نعمان, ولكن ذلك لا ينافي تصويره في الجنة, لجواز أن تكون طينته لما خمرت في الأرض, ونزلت فيها حتى مضت عليه الأطوار, واستعدت لقبول الصورة الإنسانية = حملت إلى الجنة, فصورت, ونفخ فيها الروح. وقوله تعالى: ﴿يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة﴾ [البقرة:٣٥] لا دلالة له أصلا على أنه أدخل الجنة بعدما نفخ فيه الروح, إذ المراد بالسكون: الاستقرار والتمكن, والأمر به لا يوجب أن يكون قبل الحصول في الجنة, كيف وقد تظافرت الروايات على أن حواء خلقت من آدم في

стр. 1548

الجنة, وهي أحد المأمورين به؟! ولعل آدم –﵇ لما كانت مادته التي هي البدن من العالم السفلي, وصورته التي بها يتميز عن سائر الحيوانات ويضاهي به الملائكة من العالم العلوي= أضاف الرسول –صلوات الله عليه- تكون مادته إلى الأرض, لأنها نشأت فيها, وأضاف حصول صورته إلى الجنة, لأنها منها, والله أعلم. وقوله: "لا يتمالك", أي: لا يكون له قوة وثبات, بل يكون متزلزل الأمر, متغير الحال, معرضا للآفات. ... ١٤٤١ – ٤٤٢٨ – وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "اختتن إبراهيم النبي ﷺ وهو ابن ثمانين سنة بالقدوم" "وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : اختتن إبراهيم –صلوات الله عليه- وهو ابن ثمانين سنة بالقدوم" "القدوم"بالتخفيف: قرية بالشام, وهي المراد به في الحديث. ... ١٤٤٢ - ٤٤٢٩ – وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لم يكذب إبراهيم إلا ثلاث كذبات: ثنتين منهن في كتاب الله تعالى: قوله: ﴿إني سقيم﴾ , وقوله: ﴿بل فعله كبيرهم هذا﴾.

стр. 1549

وقال: بينا هو ذات يوم وسارة إذ أتى على جبار من الجبابرة, فقيل له: إن ها هنا رجلا معه امرأة من أحسن الناس, فأرسل إليه فسأله عنها: من هذه؟ قال: أختي. فأتى سارة فقال لها: إن هذا الجبار إن يعلم أنك امرأتي يغلبني عليك, فإن سألك فأخبريه أنك أختي, فإنك أختي في الإسلام, ليس على وجه الأرض مؤمن غيري وغيرك, فأرسل إليها فأتى بها, وقام إبراهيم يصلي, فلما دخلت عليه ذهب يتناولها بيده فأخذ –ويروى فغط حتى ركض برجله- فقال: ادعي الله لي ولا أضرك, فدعت الله فأطلق, ثم تناولها الثانية فأخذ مثلها أو أشد, فقال: ادعي الله لي ولا أضرك, فدعت الله فأطلق, فدعا بعض حجبته فقال: إنك لم تأنني بإنسان إنما أتيتني بشيطان, فأخدمها هاجر, فأتته وهو قائم يصلي, فأومأ بيده مهيم؟ قالت: رد الله كيد الكافر في نحره وأخدم هاجر". قال أبو هريرة: تلك أمكم يا بني ماء السماء. "وفي حديثه الآخر: لم يكذب إبراهيم إلا ثلاث كذبات, ثنتين منهن في ذات الله تعالى, قوله: ﴿إني سقيم﴾ [الصافات:٨٩] , قوله: ﴿بل فعله كبيرهم هذا﴾ [الأنبياء: ٦٣] " قد بينا: أن ما ذكره –﵇ من المعاريض, ولكن لما كانت صورته الكذب سمي كذبا. وقوله: "في ذات الله"أي: في أمره, وما يختص به, ولم يكن

стр. 1550

فيه غرض لنفسه, لأنه قصد بالأولى أن يتخلف عن القوم بهذا العذر, فيفعل بالأصنام التي يعبدونها ما فعل, وبالثانية إلزام الحجة عليهم بأنهم ضلال سفهاء في عبادة ما لا يضر, ولا ينفع. "وفيه: فأتى سارة فقال لها: إن هذا الجبار إن يعلم أنك امرأتي يغلبني عليك, فإن سألك فأخبريه: أنك أختي". كان من ديدن هذا الجبار أو من دينه أن لا يتعرض إلا لذوات الأزواج, فلذلك قال: "إن يعلم أنك امرأتي يغلبني عليك" ويحتمل أن يكون المراد منه: أنه إن علم ذلك ألزمني بالطلاق, أو قصد قتلى حرصا عليك" "وفيه: فلما دخلت عليه ذهب يتناولها بيده, فأخذ –ويروى: فغط- حتى ركض برجله". (الغط): الضغط وحبس النفس, والمراد به: الخنق هاهنا, أي: أخذ بمجاري نفسه حتى سمع له غطيط. "ركض برجله" أي: ضرب, وأصل الركض: الدفع. "وفيه: فأومئ يده مهيم" هي كلمة يستفهم بها, ومعناها: ما حالك؟ وما شأنك؟ جعلت مفسرة للإيماء, أي: أومأ بيده إيماء يفهم منه معناها. "وفيه: فتلك أمكم يا بني ماء السماء" قيل: أراد بهم العرب, سموا بذلك, لأنهم يتبعون المطر,

стр. 1551

ويتعيشون به, والعرب وإن لم يكونوا بأجمعهم من بطن هاجر, لكن غلب أولاد إسماعيل على غيرهم. وقيل: أراد بهم الأنصار, لأنهم أولاد عامر بن حارثة الأزدي جد نعمان بن المنذر, وهو كان ملقبا بماء السماء, لأنه كان يستمطر به. ويحتمل أنه أراد بهم بني إسماعيل, وسماهم بذلك لطهارة بسبهم, وشرف أصولهم. ... ١٤٤٣ - ٤٤٣٢ – وقال رسول الله ﷺ : "نحن أحق بالشك من إبراهيم إذ قال: ﴿رب أرني كيف تحي الموتى﴾ , ويرحم الله لوطا لقد كان يأوي إلى ركن شديد, ولو لبثت في السجن طول ما لبث يوسف لأجبت الداعي" "وفي حديث أبي هريرة: نحن أحق من إبراهيم إذ قال: ﴿رب أرني كيف تحي الموتى﴾ [البقرة:٢٦٠] ". معناه: نحن أحق منه بالسؤال الذي سأله, يريد به تعظيم أمره, وتفخيم شأنه, وأن سؤاله هذا لم يكن لنقصان في عقيدته, بل لكمال فكرته, وعلو همته, الطالبة لحصول الاطمئنان بالوصول إلى درجة العيان والترقي من علم اليقين إلى عين اليقين. وفي بعض الروايات: "نحن أحق بالشك من إبراهيم " ومعناه

стр. 1552

ما ذكرناه, أي: لم يكن صدور هذا السؤال منه, لشك اختلج في صدره, إذ لو كان الشك يعتريه فنحن أحق بالشك منه, ولكنا لا نشك, فكيف يجوز أن يشك هو فيه؟! وقوله بعد ذلك: "ويرحم الله لوطا لقد كان يأوي إلى ركن شديد"استعظام لما قاله, واستغرب لما بدر منه حينما أجهده قومه, فقال: ﴿أو ءاوي إلى ركن شديد﴾ [هود: ٨٠] , إذ لا يكن أشد وأمنع من الركن الذي كان يأوي إليه, وهو عصمة الله وحفظه. ... ١٤٤٤ – ٤٤٣٣ – وقال: "إن موسى صلوات الله عليه كان رجلا حييا ستيرا لا يرى من جلده شيء استحياء, فآذاه من آذاه من بني إسرائيل فقالوا: ما يتستر هذا التستر إلا من عيب بجلده: إما برص أو أدرة, وإن الله أراد أن يبرئه, فخلا يوما وحده ليغتسل, فوضع ثوبه على حجر, ففر الحجر بثوبه, فجمح موسى في إثره يقول: ثوبي يا حجر, ثوبي يا حجر, حتى انتهى إلى ملأ من بني إسرائيل فرأوه عريانا أحسن ما خلق الله, وقالوا: والله ما بموسى من بأس, وأخذ ثوبه وطفق بالحجر ضربا, فوالله إن بالحجر لندبا من أثر ضربه"ثلاثا أو أربعا أو خمسا. "وفي حديثه الذي بعد هذا الحديث: فجمح موسى في إثره"

стр. 1553

أي: أسرع في السير, وفي القرآن: ﴿وهم يجمحون﴾ [التوبة:٥٧] , أي: يسرعون. "وفيه: فوالله إن بالحجر لندبا " بالتحريك. أي: أثرا, وهو في الأصل: أثر الجرح. ... ١٤٤٥ – ٤٤٣٤ – وقال: "بينا أيوب يغتسل عريانا فخر عليه جراد من ذهب, فجعل أيوب يحتثي في ثوبه, فناداه ربه: يا أيوب ألم أكن أغنيك عما ترى؟ قال: بلى وعزتك, ولكن لا غنى بي عن بركتك" "وفيه: فخر عليه جراد من ذهب, فجعل أيوب يحثي في ثوبه" أي: يصبه فيه. ... ١٤٤٦ – ٤٤٣٥ – عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: استب رجل من المسلمين ورجل من اليهود, فقال المسلم: والذي اصطفى محمدا على العالمين, فقال اليهودي: والذي اصطفى موسى على العالمين, فرفع المسلم يده عند ذلك فلطم وجه اليهودي, فذهب اليهودي إلى النبي ﷺ فأخبره بما كان من أمره وأمر

стр. 1554

المسلم, فدعا النبي ﷺ المسلم فسأله عن ذلك, فأخبره, فقال النبي ﷺ : "لا تخيروني على موسى, فإن الناس يصعقون بوم القيامة فأصعق معهم فأكون أول من يفيق, فإذا موسى باطش بجانب العرش, فلا أدري كان فيمن صعق فأفاق قبلي, أو كان ممن استثنى الله" وفي رواية: "فلا أدري أحوسب بصعقة يوم الطور أو بعث قبلي, ولا أقول إن أحدا أفضل من يونس بن متى" وفي وراية: "لا تخيروا بين الأنبياء" وفي رواية: "لا تفضلوا بين أنبياء الله" "وفي حديث آخر لهك لا تخيروني على موسى" أي: لا تجعلوني خيرا منه, بمعنى: لا تفضلوني عليه, وإنما نهى عنه لأدائه إلى العصبية, وإفضائه إلى الإفراط فيه. واختصاص موسى بأن لا يصعق عند نفخة الفزع, أو يفيق قبل سائر الناس, وإن دل علة فضله, وعلو شأنه, فلا يدل على تفضيله على جميع الأنبياء مطلقا, لإمكان اختصاص بعضهم بما يفضل ذلك. ... ١٤٤٧ – ٤٤٣٨ – وعن أبي بن كعب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ :

стр. 1555

"إن الغلام الذي قتله الخضر طبع كافرا, ولو عاش لأرهق أبويه طغيانا وكفرا" "وفي حديث أبي: لو عاش لأرهق أبويه طغيانا وكفرا" أي: حملهما على أمر شديد, أو ضلال وكفر, أو ألحق بهما شرا وبلاء وطغيانا وكفرا, ليعمهما بعقوقه, وسوء صنيعه, أو قرن بإيمانهما طغيانه وكفره. ... ١٤٤٨ – ٤٤٣٩ – وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "إنما سمي الخضر لأنه جلس على فروة بيضاء, فإذا هي تهتز من خلقه خضراء" "وفي حديث أبي هريرة: إنما سمي الخضر, لأنه جلس على فروة خضراء, فإذا هي تهتز من خلقه خضراء" المراد بـ (الفروة): الهشيم اليابس, شبهه بالفروة. و"خضراء": روي على زنة (فعلاء) , و (خضرا) -بالتنوين- يريد به: نباتا أخضر ناعما. ... ١٤٤٩ – ٤٤٤٠ – وعن أبي هريرة ﵁ قال: جاء ملك

стр. 1556

الموت إلى موسى فقال له: أجب ربك, قال: فلطم موسى عين ملك الموت ففقأها, قال: فرجع الملك إلى الله تعالى فقال: إنك أرسلتني إلى عبد لك لا يريد الموت وقد فقأ عيني, قال: فرد الله إليه عينه, وقال: ارجع إلى عبدي فقل: الحياة تريد؟ فإن كنت تريد الحياة, فضع يدك على متن ثور, فما وارت يدك من شعرة فإنك تعيش بها سنة, قال: ثم مه؟ قال: ثم تموت, قال: فالآن من قريب, رب! أدنني من الأرض المقدسة رمية بحجر, قال رسول الله ﷺ : "والله لو أني عنده, لأريتكم قبره إلى جنب الطريق عند الكثيب الأحمر" "وفي حديثه الآخرك فما توارت يدك من شعرة" هكذا مذكور في"صحيح مسلم", ولعل الصوابك "فما وارت يدك"بالرفع, وأخطأ بعض الرواة, ويدل عليه ما روى البخاري في "صحيحه"ك "فله غطت يده بكل شعرة سنة" ويحتمل أن يكون (يدك) منصوبا بنزع الخافض, وفي (توارت) ضمير لـ (ما) , أنثه لكونه فسره بالشعرة.

стр. 1557

١٤٥٠ – ٤٤٤٢ - وعن جابر ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: عرض علي الأنبياء, فإذا موسى ضرب من الرجال كأنه من رجال شنوءة, ورأيت عيسى بن مريم فإذا أقرب من رأيت به شبها عروة بن مسعود, ورأيت إبراهيم فإذا أقرب من رأيت به شبها صاحبكم –يعني: نفسه-, ورأيت جبريل فإذا أقرب من رأيت به شبها دحية بن خليقة" "وفي حديث جابر: عرض علي الأنبياء, فإذا موسى ضرب من الرجال, كأنه من رجال شنوءة" أرواحهم مثل بهذه الصورة, ولعل صورهم كانت كذلك, أو صورة ابدانهم كوشفت له في نوم أو يقظة. و (الضرب): الرجل الخفيف. و"شنوءة": قبيلة من اليمن, يقال لهم: أزد شنوءة, وهي في اللغة: التباعد عن الأدناس, لعلهم لقبوا بذلك لطهارة نسبهم, وحسن سيرهم وأفعالهم. ... ١٤٥١ – ٤٤٤٣ – عن ابن عباس ﵄, عن النبي ﷺ قال: "رأيت ليلة أسري بي موسى رجلا آدم طوالا جعدا كأنه من رجال شنوءة, ورأيت عيسى رجلا مربوع الخلق إلى الحمرة والبياض سبط الرأس, ورأيت مالكا خازن النار, والدجال في آيات أراهن الله إياه ﴿فلا تكن في مرية من لقائه﴾ ".

стр. 1558

"وفي حديث ابن عباس: في آيات أراهن الله إياه, ﴿فلا تكن في مرية من لقائه﴾ [السجدة:٢٣] ". هذا من قول الراوي, ألحقه بالحديث دفعا لاستبعاد السامعين, وإماطة لما عسى يختلج في صدورهم. ... ١٤٥٢ - ٤٤٤٤ – عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ليلة أسري بي لقيت موسى –فنعته- فإذا رجل مضطرب رجل الشعر, كأنه من رجال شنوءة, ولقيت عيسى ربعة أحمر, كأنما خرج من ديماس –يعني: الحمام- ورأيت إبراهيم صلوات الله عليه, وأنا أشبه ولده به, قال: وأتيت بإناءين أحدهما لبن والآخر فيه خمر, فقيل لي: خذ أيهما شئت, فأخذت اللبن فشربته, فقيل لي: هديت الفطرة, أما إنك لو أخذت الخمر غوت أمتك". "وفي حديث أبي هريرة: ليلة أسرى بي لقيت موسى, فنعته, فإذا هو رجل مضطرب". يريد به: أنه كان مستقيم القد حادا, فإن الحاد يكون قلقا متحركا, كأن فيه اضطرابا, ولذلك يقال رمح مضطرب, إذا كان طويلا مستقيما, وقيل: معناه: أنه كان مضطربا من خشية الله, وهذا صفة النبيين والصديقين, كما روي: أنه –﵇ كان يصلي

стр. 1559

ولقلبه أزيز كأزيز المرجل من البكاء, وأن إبراهيم –﵇ كان يسمع وجيب قلبه في الصلاة على ميلين. "وفيه: فقيل لي: هديت الفطرة" أي: الفطرة الأصلية التي فطر الناس عليها, فإن منها الإعراض عما فيه غائلة وفساد, كالخمر المخل بالعقل الداعي إلى الخير, الوازع عن الشر, المؤدي إلى صلاح الدارين, وخير المنزلتين, والميل إلى ما فيه نفع خال عن مضرة دنيوية, ومعرة دينية, كشرب اللبن, فإنه من أصلح الأغذية, وأول ما به حصلت التربية. ... ١٤٥٣ – ٤٤٤٥ – عن ابن عباس قال: سرنا مع رسول الله ﷺ بين مكة والمدينة, فمررنا بواد فقال: "أي واد هذا؟ "فقالوا وادي الأزرق, قال: "كأني أنظر إلى موسى, فذكر من لونه وشعره شيئا, واضعا أصبعيه في أذنيه, له جوار إلى الله بالتلبية مارا بهذا الوادي" قال: ثم سرنا حتى أتينا على ثنية فقال: "أي ثنية هذه؟ " قالوا: هرشى أو: لفت, فقال: "كأني أنظر إلى يونس على ناقة حمراء, عليه جبة صوف, خطام ناقته خلبة مارا بهذا الوادي ملبيا" "وفي حديث ابن عباس: خطام ناقته خلبة" أي: ليفة, و (الخلب): ليف النخيل.

стр. 1560

١٤٥٤ – ٤٤٤٦ – عن أبي هريرة ﵁, عن النبي ﷺ قال: "خفف على داود القرآن, فكان يأمر بدوابه فتسرج, فيقرأ القرآن قبل أن تسرج دوابه, ولا يأكل إلا من عمل يده" "وفي حديث أبي هريرة: خفف على داود القرآن, فكان يأمر بدوابه فتسرج, فيقرأ القرآن قبل أن يسرج". "القرآن"الأول يحتمل القراءة والمقروء, والثاني متعين في المقروء, والمراد به: الزبور, ولعله سماه قرآنا, لما كان في قراءته من الإعجاز, كما سمي القرآن, لما في لفظه من الإعجاز. ... ١٤٥٥ - ٤٤٥٠ – وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "أنا أولى الناس بعيسى بن مريم في الأولى والآخرة, الأنبياء إخوة من علات, وأمهاتهم شتى, ودينهم واحد, وليس بيننا نبي" "وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : أنا أولى الناس بعيسى ابن مريم في الأولى والآخرة, الأنبياء إخوة من علات, وأمهاتهم شتى, ودينهم واحد, ليس بيننا نبي" الموجب لكونه أولى الناس بعيسى: أنه كان أقرب المرسلين إليه, وأن دينه متصل بدينه, ليس بينهما نبي, وأن عيسى كان مبشرا به, ممهدا لقواعد دينه, داعيا للخلق إلى تصديقه.

стр. 1561

و (العلة): الضرة, مأخوذ من (العلل) , وهو: الشربة الثانية بعد الأولى, فكأن الزوج عل منها بعدما كان ناهلا من الأخرى. و (أولاد العلات): أولاد الضرات من رجل واحد, والمعنى: أن حاصل أمر النبوة والغاية القصوى من البعثة التي بعثوا جميعا لأجلها = دعوة الخلق إلى معرفة الحق, وإرشادهم إلى ما به ينتظم معاشهم, ويحسن معادهم, فم متفقون في هذا الأصل, وإن اختلفوا في تفاريع الشرع التي هي كالوصلة المؤدية والأوعية الحافظة له, فعبرعما هو الأصل المشترك بين الكل بالأب, ونسبهم إليه, وعبرعما يختلفون فيه من الأحكام والشرائع المتفاوتة بالصورة المتقاربة في الغرض بالأمهات, وهو معنى قوله: "أمهاتهم شتى, ودينهم واحد" وأنه وإن تباينت أعصارهم, وتباعدت أيامهم, فالأصل الذي هو السبب في إخراجهم وإبرازهم كلا في عصره = أمر واحد, وهو الدين الحق الذي فطر الناس مستعدين لقبوله, متمكنين من الوقوف عليه, والتمسك به. فعلى هذا المراد بالأمهات: الأزمنة التي اشتملت عليهم, وانكشفت عنهم. ويحتمل تقرير هذه الأخوة من وجه آخر, وهو أن أرواح الأنبياء

стр. 1562

لما بينها من التشابه والاتصال, كالشيء الواحد المباين بالنوع لسائر الأرواح, فهم كأنهم متحدون بالنفس التي هي بمنزلة الصورة المشبهة بالآباء, مختلفون بالأبدان التي هي بمنزلة المواد المشبهة بالأمهات. وقوله: "الأنبياء إخوة من علات" إلى آخره استئناف فيه دليل على الحكم السابق عليه, فكأن سائلا سأل عما هو المقتضي لكونه أولى الناس به, فأجاب بأن بين الأنبياء أخوة ليست بينهم وبين سائر الناس, ثم بينهما من قرب الزمان واتصال الدعوة ما ليس بين عيسى وغيره من الأنبياء, وهو معنى قوله: "ليس بيننا نبي" أي: بيني وبين عيسى, والله أعلم. ... من الحسان: ١٤٥٦ – ٤٤٥٣ – عن أبي رزين قال: قلت: يا رسول الله! أين كان ربنا قبل أن يخلق خلقه؟ قال: "كان في عماء ما تحته هواء وما فوقه هواء, وخلق عرشه على الماء" وقال يزيد بن هارون: العماء, أي: ليس معه شيء. "عن أبي رزين العقيلي قالك قلت: يا رسول الله! أين كان ربنا قبل أن يخلق خلقه؟ قال: كان في عماء, ما تحته هواء, وما فوقه هواء, وخلق عرشه على الماء" (العماء): روي ممدودا ومقصورا, وهو من (العمى) , والمراد

стр. 1563

به: ما لا يقبله الأوهام, ولا تدركه الفطن والأفهام, عبر عن عدم المكان بما لا يدرك, ولا يتوهم, وعن عدم ما يحويه ويحيط به بالهواء, فإنه يطلق ويراد به الخلاء الذي هو عبارة عن عدم الجسم, ليكون أقرب إلى فهم السامع. ويدل عليه: أن السؤال كان عما قبل أن يخلق خلقه, فلو كان العماء والهواء أمرين موجودين, لكانا مخلوقين, إذ ما من شيء سواه إلا وهو مخلوق خلقه وأبدعه, فلم يكن الجواب طبق السؤال, والله أعلم. ... ١ - باب فضائل سيد المرسلين صلوات الله عليه من الصحاح: ١٤٥٧ - ٤٤٦٩ - وقال: "ما من الأنبياء من نبي إلا قد أعطي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر, وإنما كان الذي أوتيت وحيا أوحى الله إلي, فأرجو أن يكون أكثرهم تابعا يوم القيامة". (باب فضائل سيد المرسلين ﷺ "عن أبي هريرة: أنه ﵇ قال: ما من نبي من الأنبياء إلا قد أعطي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر, وإنما كان الذي أوتيت

стр. 1564

وحيا أوحى الله إلي, فأرجو أن يكون أكثرهم تبعا يوم القيامة" "الآيات": المعجزات. و"مثله"مبتدأ, و"آمن عليه البشر"خبره, والجملة صلة (ما). والمعنى: أن كل نبي قد أعطي له معجزة تدعو الإنسان إلى التصديق والإيمان. والجار يحتمل أن يكون متعلقا بـ (آمن) , لتضمنه معنى الاطلاع, أو بحال محذوف تقديره: آمن البشر واقفا أو مطلعا عليه, والمفعول محذوف. "إنما كان الذي أوتيت وحيا", أي: معظم الذي أوتيت وأفيده, إذ كان له غير ذلك معجزات. والمراد بالوحي: القرآن البالغ أقصى غاية الإعجاز في النظم والمعنى, وهو أكثر فائدة وأعم منفعة من سائر المعجزات, فإنه يشتمل على الدعوة والحجة, ويستمر على مر الدهور والأعصار, ينتفع به الحاضرون عند الوحي المشاهدون له, والغائبون عنه والموجودون بعده إلى يوم القيامة على السواء, ولذلك رتب عليه قوله: "فأرجو أن يكون أكثرهم تبعا يوم القيامة" ... ١٤٥٨ - ٤٤٧٢ - وقال: "إن الله زوى لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها, وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زوى لي منها, وأعطيت

стр. 1565

الكنزين الأحمر والأبيض, وإني سألت ربي لأمتي أن لا يهلكها بسنة عامة, وأن لا يسلط عليهم عدوا من سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم, وإن ربي قال: يا محمد! إني إذا قضيت قضاء فإنه لا يرد, وإني أعطيتك لأمتك أن لا أهلكهم بسنة عامة, وأن لا أسلط عليهم عدوا من سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم, ولو اجتمع عليهم من بأقطارها, حتى يكون بعضهم يهلك بعضا ويسبي بعضهم بعضا" "وفي حديث آخر له: إن الله زوى لي الأرض" أي: جمعها وطواها وقرب أطرافها حتى رأيت مشارقها ومغاربها, وهذا على سبيل التخييل والتمثيل. "وفيه: وأعطيت الكنزين, الأحمروالأبيض" يريد بالكنز الأحمر: خزائن كسرى, فإن الغالب على نقود ممالك كسرى الذهب, وبالكنز الأبيض: خزائن قيصر, فإن الغالب نقود الروم الدراهم. ... ١٤٥٩ - ٤٤٧٤ - عن عطاء بن يسار ﵁ قال: لقيت عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁ قلت: أخبرني عن صفة رسول الله ﷺ في التوراة, قال: أجل, والله إنه لموصوف في التوراة ببعض صفته في القرآن: ﴿يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا﴾ , وحرزا للأميين, أنت عبدي ورسولي, سميتك المتوكل, ليس بفظ ولا غليظ

стр. 1566

ولا سخاب في الأسواق, ولا يدفع بالسيئة السيئة ولكن يعفو ويغفر, ولن يقبضه حتى يقيم به الملة العوجاء بأن يقولوا: لا إله إلا الله, وتفتح بها أعين عمي, وآذان صم, وقلوب غلف, ورواه عطاء بن ابن سلام. "وفي حديث عبد الله بن عمرو ﵄: حرزا للأميين" أي: حصنا وموئلا للعرب, يتحصنون به عن غوائل الشيطان, أو عن سطوة العجم وتغلبهم. وإنما سموا أميين, لأن أغلبهم لا يقرؤون ولا يكتبون. "وفيه: ليس بفظ, ولا غليظ, ولا سخاب في الأسواق" يريد بـ (الفظ): غليظ القلب, سيئ الخلق, وبـ (الغليظ): الضخم الكريه الخلق, و (السخاب): الصخاب, وهو الذي يكثر الصياح. "وفيه: حتى يقيم الملة العوجاء" يريد به: ملة إبراهيم صلوات الله عليه, فإنها قد اعوجت في أيام الفترة, فزيدت ونقصت, وبدلت وغيرت, وما زالت كذلك حتى قام الرسول ﵇ فأقامها. ... من الحسان: ١٤٦٠ - ٤٤٧٦ - عن أبي مالك الأشعري ﵁ قال: قال

стр. 1567

رسول الله ﷺ : "إن الله أجاركم من ثلاث خلال: أن لا يدعو عليكم نبيكم فتهلكوا جميعا, وأن لا يظهر أهل الباطل على أهل الحق, وأن لا تجتمعوا على ضلالة" "عن أبي مالك الأشعري قال: قال رسول الله ﷺ : إن الله ﷺ أجاركم من ثلاث خلال: أن لا يدعو عليكم نبيكم فتهلكوا, وأن لا يظهر أهل الباطل على أهل الحق, وأن لا تجتمعوا على ضلالة" (أجار الله): أبعده ووقاه. والمراد بـ (الظهور): الظفر المؤدي إلى قمع الحق وإبطاله بالكلية, ولعله أراد بذلك: أن أهل الكفر والإيمان إذا تحاربوا على الدين, ولم يكن لهم غرض سواه, لم يكن للكفار على المؤمنين ظفر. ... ١٤٦١ - ٤٤٧٧ - وعن عوف بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لن يجمع الله على هذه الأمة سيفين, سيفا منها, وسيفا من عدوها" معناه: أن سيوفهم وسيوف أعدائهم لا يجتمعان عليهم, فيؤديان إلى استئصالهم, بل إذا جعلوا بأسهم بينهم, سلط الله عليهم العدو,

стр. 1568

فيشغلهم به عن أنفسهم, ويكف عنها بأسهم. ... ١٤٦٢ - ٤٤٨١ - عن أبي سعيد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر, وبيدي لواء الحمد ولا فخر, وما من نبي يومئذ آدم فمن سواه إلا تحت لوائي, وأنا أول من تنشق عنه الأرض ولا فخر" "وفي حديث أبي سعيد: وبيدي لواء الحمد ولا فخر" في العرصات مقامات لأهل الخير والشر, يرفع في كل مقام لمن كان أسوة لأهله لواء يعرف به, وأعلى تلك المقامات مقام الحمد, وهو مقام نبينا ﵇, وإليه أشار بقوله تعالى: ﴿عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا﴾ [الإسراء:٧٩]. وإنما سمي ذلك, لأن صاحبه كان أحمد الخلائق, أو كان يحمد ربه في السراء والضراء, فاستحق بهذه هذا المقام, أو لأنه يكون محمود العاقبة, أو تفتح له في ذلك المقام محامد لم تفتح مثلها على أحد من العالمين, أو يعطى ما يرضى به ويحمده, قال تعالى: ﴿ولسوف يعطيك ربك فترضى﴾ [الضحى:٥]. "ولا فخر", أي: لا أقول ذلك افتخارا به ومباهاة, وإنما أذكره محدثا بنعمة الله تعالى, وإظهار لفضله.

стр. 1569

٢ - باب أسماء النبي ﷺ وصفاته من الصحاح: ١٤٦٣ - ٤٤٩٤ - وعن أبي موسى الأشعري قال: "كان رسول الله ﷺ يسمي لنا نفسه أسماء, فقال: أنا محمد وأحمد والمقفي والحاشر ونبي التوبة ونبي الرحمة" (باب أسماء النبي ﷺ وصفاته) "في حديث أبي موسى الأشعري: أنا محمد, وأنا أحمد, والمقفي" "المقفي": المتبع, من (قفا أثره) , إذا اتبعه, يعني: أنه آخر الأنبياء الآتي أثرهم, لا نبي بعده, وقيل: معناه: المتبع لآثارهم, امتثالا لقوله تعالى: ﴿فبهداهم اقتده﴾ [الأنعام:٩٠]. ... ١٤٦٤ - ٤٤٩٨ - عن عبد الله بن سرجس ﵁ قال: رأيت النبي ﷺ وأكلت معه خبزا ولحما -أو قال: ثريدا- ثم درت خلفه, فنظرت إلي خاتم النبوة بين كتفيه عند ناغص كتفه اليسرى, جمعا, عليه خيلان كأمثال الثآليل. "وفي حديث عبد الله بن سرجس: فنظرت إلى خاتم النبوة بين

стр. 1570

كتفيه عند ناغض كتفه اليسرى جمعا, عليه خيلان كأمثال الثآليل" (الناغض): ما ارتفع من الكتف. "جمعا", أي: مجتمعا. و"خيلان": جمع: خال, وهي بثرة تضرب إلى السواد. و"الثآليل": جمع: ثؤلول, وهو خراج صلب يخرج على الجسد, وأكثر ما يكون إنما يكون على الأطراف. ... ١٤٦٥ - ٤٥٠١ - عن أنس ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ ليس بالطويل ولا بالقصير, وليس بالأبيض الأمهق ولا بالآدم, وليس بالجعد القطط ولا بالسبط, بعثه الله على رأس أربعين سنة, فأقام بمكة عشر سنين وبالمدينة عشر سنين, وتوفاه الله على رأس ستين سنة, وليس في رأسه ولحيته عشرون شعرة بيضاء" "وفي حديث أنس: كان رسول الله ﷺ ليس بالطويل البائن, ولا بالقصير, ولا بالأبيض الأمهق, ولا بالآدم الأسمر, وليس بالجعد القطط" "البائن": الباعد عن حد الاعتدال, أو الظاهر البين طوله, من (بان) إذا بعد وظهر. و"الأبيض الأمهق": الذي بياضه خالص لا تشوبه حمرة ولا غيرها, كلون الثلج.

стр. 1571

و"الجعد القطط": الذي يكون شديد الجعودة, وكذلك (القطط). ... ١٤٦٦ - ٤٥٠٤ - وقال: كان ضخم الرأس والقدمين, لم أر بعده ولا قبله مثله, وكان بسط الكفين" وفي رواية: كان شثن القدمين والكفين. "وفيه: وكان شثن القدمين والكفين" (الشثن) بالثاء: الغليظ الأطراف, يقال: شثن -بالضم والكسر- إذا غلظ. ... ١٤٦٧ - ٤٥٠٨ - عن أبي الطفيل ﵁ قال: رأيت رسول الله, كان أبيض مليحا مقصدا. "وفي حديث أبي الطفيل عامر بن واثلة الليثي: رأيت رسول الله ﷺ كان أبيض مقصدا" (المقصد): يريد به المتوسط بين الطويل والقصير, والحاد والجسيم. ... ١٤٦٨ - ٤٥١٠ - وعن أنس ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ أزهر

стр. 1572

اللون, كأن عرقه اللؤلؤ, إذا مشى تكفأ, وما مست ديباجة ولا حريرة ألين من كف رسول الله ﷺ , ولا شممت مسكا ولا عنبرا أطيب من رائحة النبي ﷺ " "وفي حديث أنس: إذا مشى تكفأ" أي: يميل إلى القدام, من قولهم: (أكفأه وكفأه) , إذا أماله, تقول: كفأت الإناء, فانكفأ وتكفأ. ... ١٤٦٩ - ٤٥١١ - عن أنس ﵁ عن أم سليم ﵂: أن النبي ﷺ كان يأتيها فيقبل عندها, فتبسط نطعا فيقيل عليه, وكان كثير العرق, فكانت تجمع عرقه فتجعله في الطيب, فقال النبي ﷺ : "يا أم سليم! ما هذا؟ "قالت: عرقك نجعله في طيبنا, وهو من أطيب الطيب" "وفي حديث عن أم سليم: أن النبي ﷺ كان يأتيها فيقيل عندها" قيل: إنما كان يأتيها ولا يتحاشى عن المقيل لديها, لأنها كانت من محارمه بنسب أو رضاع, ولو صح ذلك, فلعله من قبل جده عبد المطلب, فإنه ولد بالمدينة, وكانت أمه سلمى بنت عمرو شريف بني النجار, وأم سليم ابنة ملحان من بني النجار أيضا, فلا يبعد أن يكون

стр. 1573

بينه وبين أحد من أصولها قرابة أو رضاع يوجب محرمية بينها وبين الرسول ﷺ . من الحسان: ١٤٧٠ - ٤٥١٣ - عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ ليس بالطويل ولا بالقصير, ضخم الرأس واللحية, شثن الكفين والقدمين, مشربا حمرة, ضخم الكراديس, طويل المسربة, إذا مشى تكفأ تكفأ كأنما ينحط من صبب, لم أر قبله ولا بعده مثله ﷺ . صح. "وفي حديث علي ﵁: مشرب حمرة, ضخم الكراديس, طويل المسربة, إذا مشى تكفأ تكفأ تكفؤا, كأنما ينحط من صبب" "مشرب حمرة", أي: مخلوط لونه بالحمرة, والإشراب: خلط لون بآخر. و"الكراديس": جمع: كردوس, وهو كل عظمين التقيا في مفصل, كالمنكبين والركبتين والوركين, ويقال للقطعة العظيمة من الخيل. و"المسربة"بضم الراء: الشعر الآخذ من السرة إلى الركبة.

стр. 1574

و (التكفؤ): الميل. و (الصبب): الحدور, وهو ما انحدر من الأرض أيضا, وجمعه: أصباب. يريد أنه كان يمشي مشيا قويا, يرفع رجليه من الأرض رفعا بائنا, لا كمن يمشي اختيالا. ... ١٤٧١ - ٤٥١٤ - وعن علي ﵁, كان إذا وصف النبي ﷺ , قال: لم يكن بالطويل الممغط ولا بالقصير المتردد, كان ربعة من القوم, ولم يكن بالجعد القطط ولا بالسبط, كان جعدا رجلا ولم يكن بالمطهم ولا بالمكلثم, وكان في وجهه تدوير, أبيض مشرب, أدعج العينين, أهدب الأشفار, جليل المشاش والكتد, أجرد ذو مسربة, شثن الكفين والقدمين, إذا مشى ينقلع كأنما يمشي في صبب, وإذا التفت التفت معا, بين كتفيه خاتم النبوة, وهو خاتم النبيين, أجود الناس كفا, وأرحبهم صدرا, وأصدق الناس لهجة, وألينهم عريكة, وأكرمهم عشيرة, من رآه بديهة هابه, ومن خالطه معرفة أحبه, يقول ناعته: لم أر قبله ولا بعده مثله ﷺ . "وفي حديثه الآخر: لم يكن بالطويل الممغط, ولا بالقصير المتردد" :الممغط"بالغين المعجمة: الذاهب طولا, من (المغط) , وهو

стр. 1575

المد, كأن الطوال من طوله. "المتردد": الذي انضم بعضه إلى بعض من غاية القصر, فكأنه تردد بعضه على بعض, ودخل فيه. قوله: (ليس بالمطهم) أي: الضخم الفاحش السمن. و"ولا بالمكلثم", أي: المدور وجهه غاية التدوير, بل وجهه كان مائلا إلى التدوير, ولذلك قال: (وكان في الوجه تدوير) على التكثير. وفيه: "أدعج العينين" أيك شديد سواد العينين, شديد بياضهما. "أهدب الأشفار"أي: كثير أطراف الجفون, كثير الهدب عليها. "جليل المشاش والكتد": و (المشاش): الغضاريف المتصلة برؤوس العظام, واحدها: مشاشة, و (الكتد) بفتح التاء وكسرها: ما بين الكاهل والظهر. "أجرد" أيك دقيق شعر الأعضاء. و"ألينهم عريكة", أي: جانبا. "من رآه بديهة", أي: فجأة. "هابه", أي: خافه, وقارا وأبهة. ... ١٤٧٢ - ٤٥١٧ - وعن جابر بن سمرة ﵁ قال: رأيت

стр. 1576

رسول الله ﷺ في ليلة إضحيان, فجعلت أنظر إلى رسول الله ﷺ وإلى القمر وعليه حلة حمراء فإذا هو أحسن عندي من القمر" "وفي حديث جابر بن سمرة: رأيت النبي ﷺ في ليلة إضحيان" يريد ليلة مضيئة لا غيم فيها, يقالك ليلة إضحيان وإضحيانة -بكسر الهمزة- وضحياء, [من (الضحو)] ... ١٤٧٣ - ٤٥١٨ - عن أبي هريرة ﵁ قال: ما رأيت شيئا أحسن من رسول الله ﷺ كأن الشمس تجري في وجهه, وما رأيت أحدا أسرع في مشيه من رسول الله ﷺ كأنما الأرض تطوى له, إنا لنجهد أنفسنا, وإنه لغير مكترث. "وفي حديث أبي هريرة: إنا لنجهد أنفسنا, وإنه لغير مكترث" (الجهد والإجهاد): الحمل على الشيء فوق طاقته, وروي: "لنجهد" بفتح النون وضمها, أي: لنحمل على أنفسنا من الإسراع عقيبه فوق طاقتها, وإنه لا يبالي به, فكأنه يمشي على هينة. و (الاكتراث): المبالاة بالشيء, من (كرثه الغم) , إذا اشتد عليه. ... ١٤٧٤ - ٤٥١٩ - عن جابر بن سمرة ﵁ قال: كان في ساقي رسول الله ﷺ حموشة, وكان لا يضحك إلا تبسما, وكنت إذا نظرت

стр. 1577

إليه قلت: أكحل العينين, وليس بأكحل" "وفي حديث جابر: كان في ساقي رسول الله ﷺ حموشة" حموشة الساق: دقتها, يقال: (حمشت قوائم الدابة) إذا دقت, وشفة حمشة: قليلة اللحم. ... ٣ - باب في أخلاقه وشمائله ﷺ من الصحاح: ١٤٧٥ - ٤٥٢٣ - عن أنس ﵁ قال: "كان النبي ﷺ أحسن الناس وأجود الناس وأشجع الناس, ولقد فزع أهل المدينة ذات ليلة, فانطلق الناس قبل الصوت, فاستقبلهم النبي ﷺ قد سبق الناس إلى الصوت, وهو يقول: لم تراعوا لم تراعوا, وهو على فرس لأبي طلحة عري ما عليه سرج في عنقه سيف, فقال: لقد وجدته بحرا" (باب أخلاقه وشمائله ﷺ "وفي حديث أنس ﵁: وهو يقول: لم تراعوا لم تراعوا" (الروع): الفزع, والمعنى: لا خوف ولا فزع, وروي: "لن تراعوا" فيكون خبرا في معنى النهي. وفيه: "وفي عنقه سيف"

стр. 1578

أي: كان في عنق الفرس الذي ركبه حبل من ليف السعف. وفيه: "لقد وجدته بحرا" أي: جوادا واسع الجري. ... ١٤٧٦ - ٤٥٣٠ - وعن أنس ﵁ قال: لم يكن رسول الله ﷺ فاحشا ولا لعانا, ولا سبابا, كان يقول عند المعتبة: "ما له؟ ترب جبينه" "وفي حديث آخر له: كان يقول عند المعتبة: ما له ترب جبينه " أي: غاية ما يقول عند الغضب والمخاصمة هذه الكلمة, وهي أيضا ذات وجهين, إذ يحتمل أن يكون دعا على المقول له, بمعنى: رغم أنفك, وأن يكون دعا له, بمعنى: سجد الله وجهك. ... ١٤٧٧ - ٤٥٣٣ - وعن عائشة ﵂ قالت: ما رأيت النبي ﷺ مستجمعا قط ضاحكا حتى أرى منه لهواته, إنما كان يبتسم" "وفي حديث عائشة ﵂: ما رأيت رسول الله ﷺ مستجمعا قط ضاحكا"

стр. 1579

أي: ضاحكا كل الضحك, مقبلا بكله عليه. ... من الحسان: ١٤٧٨ - ٤٥٣٩ - عن عائشة ﵂ قالت: لم يكن رسول الله ﷺ فاحشا ولا متفحشا, ولا سخابا في الأسواق, ولا يجزي بالسيئة السيئة, ولكن يعفو ويصفح" "وفي حديث عائشة ﵂: لم يكن رسول الله ﷺ فاحشا, ولا متفحشا" نفت عنه تولي الفحش والتفوه به طبعا وتكلفا. ... ١٤٧٩ - ٤٥٤٢ - وقالت: كان بشرا من البشر, يفلي ثوبه, ويحلب شاته, ويخدم نفسه. "وفي حديثها الآخر: يفلي ثوبه" أي: يلقط القمل منه. ... ١٤٨٠ - ٤٥٤٧ - وعن جابر ﵁ قال: كان في كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم

стр. 1580

ترتيل وترسيل. "وعن جابر: كان في كلام رسول الله ﵇ ترتيل وترسيل" (الترتيل في القراءة): التبيين, و (الترسيل): التؤدة فيها. ... ٤ - باب المبعث وبدء الوحي من الصحاح: ١٤٨١ - ٤٥٥٦ - عن عائشة ﵂ قالت: أول ما بدىء به رسول الله ﷺ من الوحي الرؤيا الصادقة في النوم, فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح, ثم حبب إليه الخلاء, وكان يخلو بغار حراء فيتحنث فيه -وهو التعبد- الليالي ذوات العدد قبل أن ينزع إلى أهله ويتزود لذلك, ثم يرجع إلى خديجة فيتزود لمثلها, حتى جاءه الحق وهو في غار حراء, فجاءه الملك فقال: "اقرأ", قال: "ما أنا بقاريء", قال: "فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد, ثم أرسلني, فقال: اقرأ, فقلت: ما أنا بقاريء, فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد, ثم أرسلني, فقال: اقرأ, قلت: ما أنا بقاريء, فأخذني فغطني
следующие страницы →