Полный текст (1 692 стр.). Показаны 1576–1615 · переход к 1581.
стр. 1576
رسول الله ﷺ في ليلة إضحيان, فجعلت أنظر إلى رسول الله ﷺ وإلى القمر وعليه حلة حمراء فإذا هو أحسن عندي من القمر"
"وفي حديث جابر بن سمرة: رأيت النبي ﷺ في ليلة إضحيان"
يريد ليلة مضيئة لا غيم فيها, يقالك ليلة إضحيان وإضحيانة -بكسر الهمزة- وضحياء, [من (الضحو)]
...
١٤٧٣ - ٤٥١٨ - عن أبي هريرة ﵁ قال: ما رأيت شيئا أحسن من رسول الله ﷺ كأن الشمس تجري في وجهه, وما رأيت أحدا أسرع في مشيه من رسول الله ﷺ كأنما الأرض تطوى له, إنا لنجهد أنفسنا, وإنه لغير مكترث.
"وفي حديث أبي هريرة: إنا لنجهد أنفسنا, وإنه لغير مكترث"
(الجهد والإجهاد): الحمل على الشيء فوق طاقته, وروي: "لنجهد" بفتح النون وضمها, أي: لنحمل على أنفسنا من الإسراع عقيبه فوق طاقتها, وإنه لا يبالي به, فكأنه يمشي على هينة.
و (الاكتراث): المبالاة بالشيء, من (كرثه الغم) , إذا اشتد عليه.
...
١٤٧٤ - ٤٥١٩ - عن جابر بن سمرة ﵁ قال: كان في ساقي رسول الله ﷺ حموشة, وكان لا يضحك إلا تبسما, وكنت إذا نظرت
стр. 1577
إليه قلت: أكحل العينين, وليس بأكحل"
"وفي حديث جابر: كان في ساقي رسول الله ﷺ حموشة"
حموشة الساق: دقتها, يقال: (حمشت قوائم الدابة) إذا دقت, وشفة حمشة: قليلة اللحم.
...
٣ - باب
في أخلاقه وشمائله ﷺ
من الصحاح:
١٤٧٥ - ٤٥٢٣ - عن أنس ﵁ قال: "كان النبي ﷺ أحسن الناس وأجود الناس وأشجع الناس, ولقد فزع أهل المدينة ذات ليلة, فانطلق الناس قبل الصوت, فاستقبلهم النبي ﷺ قد سبق الناس إلى الصوت, وهو يقول: لم تراعوا لم تراعوا, وهو على فرس لأبي طلحة عري ما عليه سرج في عنقه سيف, فقال: لقد وجدته بحرا"
(باب أخلاقه وشمائله ﷺ
"وفي حديث أنس ﵁: وهو يقول: لم تراعوا لم تراعوا"
(الروع): الفزع, والمعنى: لا خوف ولا فزع, وروي: "لن تراعوا" فيكون خبرا في معنى النهي.
وفيه: "وفي عنقه سيف"
стр. 1578
أي: كان في عنق الفرس الذي ركبه حبل من ليف السعف.
وفيه: "لقد وجدته بحرا"
أي: جوادا واسع الجري.
...
١٤٧٦ - ٤٥٣٠ - وعن أنس ﵁ قال: لم يكن رسول الله ﷺ فاحشا ولا لعانا, ولا سبابا, كان يقول عند المعتبة: "ما له؟ ترب جبينه"
"وفي حديث آخر له: كان يقول عند المعتبة: ما له ترب جبينه "
أي: غاية ما يقول عند الغضب والمخاصمة هذه الكلمة, وهي أيضا ذات وجهين, إذ يحتمل أن يكون دعا على المقول له, بمعنى: رغم أنفك, وأن يكون دعا له, بمعنى: سجد الله وجهك.
...
١٤٧٧ - ٤٥٣٣ - وعن عائشة ﵂ قالت: ما رأيت النبي ﷺ مستجمعا قط ضاحكا حتى أرى منه لهواته, إنما كان يبتسم"
"وفي حديث عائشة ﵂: ما رأيت رسول الله ﷺ مستجمعا قط ضاحكا"
стр. 1579
أي: ضاحكا كل الضحك, مقبلا بكله عليه.
...
من الحسان:
١٤٧٨ - ٤٥٣٩ - عن عائشة ﵂ قالت: لم يكن رسول الله ﷺ فاحشا ولا متفحشا, ولا سخابا في الأسواق, ولا يجزي بالسيئة السيئة, ولكن يعفو ويصفح"
"وفي حديث عائشة ﵂: لم يكن رسول الله ﷺ فاحشا, ولا متفحشا"
نفت عنه تولي الفحش والتفوه به طبعا وتكلفا.
...
١٤٧٩ - ٤٥٤٢ - وقالت: كان بشرا من البشر, يفلي ثوبه, ويحلب شاته, ويخدم نفسه.
"وفي حديثها الآخر: يفلي ثوبه"
أي: يلقط القمل منه.
...
١٤٨٠ - ٤٥٤٧ - وعن جابر ﵁ قال: كان في كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم
стр. 1580
ترتيل وترسيل.
"وعن جابر: كان في كلام رسول الله ﵇ ترتيل وترسيل"
(الترتيل في القراءة): التبيين, و (الترسيل): التؤدة فيها.
...
٤ - باب
المبعث وبدء الوحي
من الصحاح:
١٤٨١ - ٤٥٥٦ - عن عائشة ﵂ قالت: أول ما بدىء به رسول الله ﷺ من الوحي الرؤيا الصادقة في النوم, فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح, ثم حبب إليه الخلاء, وكان يخلو بغار حراء فيتحنث فيه -وهو التعبد- الليالي ذوات العدد قبل أن ينزع إلى أهله ويتزود لذلك, ثم يرجع إلى خديجة فيتزود لمثلها, حتى جاءه الحق وهو في غار حراء, فجاءه الملك فقال: "اقرأ", قال: "ما أنا بقاريء", قال: "فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد, ثم أرسلني, فقال: اقرأ, فقلت: ما أنا بقاريء, فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد, ثم أرسلني, فقال: اقرأ, قلت: ما أنا بقاريء, فأخذني فغطني
стр. 1581
الثالثة حتى بلغ مني الجهد, ثم أرسلني فقال: ﴿اقرأ باسم ربك الذي خلق *خلق الإنسان من علق * اقرأ وربك الأكرم * الذي علم بالقلم * علم الإنسان ما لم تعلم﴾ " فرجع بها رسول الله ﷺ يرجف فؤاده حتى ذهب عنه الروع, فقال لخديجة ﵂ وأخبرها الخبر: "لقد خشيت على نفسي" فقالت خديجة: كلا والله لا يخزيك الله أبدا, إنك لتصل الرحم, وتصدق الحديث, وتحمل الكل, وتكسب المعدوم, وتقري الضيف, وتعين على نوائب الحق, ثم انطلقت به خديجة إلى ورقة بن نوفل, ابن عم خديجة, فقالت له: يا ابن عم! اسمع من ابن أخيك, فقال له ورقة: يا ابن أخي! ماذا ترى؟ فأخبره رسول الله ﷺ خبر ما رأى, فقال ورقة: هذا الناموس الذي أنزل الله على موسى, يا ليتني فيها جذعا, ليتني أكون حيا إذ يخرجك قومك, فقال رسول الله ﷺ : "أو مخرجي هم؟ ", قال: نعم, لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي, وإن يدركني يومك أنصرك نصرا مؤزرا, ثم لم ينشب ورقة أن توفي, وفتر الوحي حتى حزن النبي ﷺ –فيما بلغنا- حزنا غدا منه مرارا كي يتردى من رؤوس شواهق الجبال, فكلما أوفى بذورة جبل لكي يلقي نفسه منه تبدى له جبريل فقال: "يا محمد! إنك رسول الله حقا" فيسكن لذلك جأشه وتقر نفسه"
стр. 1582
(باب المبعث وبدء الوحي)
"في حديث عائشة ﵂: وكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح"
شبه ما جاءه في اليقظة ووجده في الخارج طبقا لما رآه في المنام بالصبح في إنارته ووضوحه, و (الفلق): الصبح, لكنه لما كان مستعملا في هذا المعنى وفي غيره, كالخلق كله في قوله تعالى: ﴿قل أعوذ برب الفلق﴾ [الفلق:١] , والمطمئن من الأرض الواقع بين الربوتين, ومقطرة السجان, وهي خشبة فيها حروف تدخل فيها رجل المحبوسين, والشق في الشيء باعتبار معنى الشق فيه = أضيف إليه للتخصيص والبيان إضافة العام إلى الخاص, كقولهم: عين الشيء, ونفسه.
"وفيه: كان يخلو بغار حراء فيتحنث فيه"
"حراء" بالمد: اسم جبل بمكة, يذكر ويؤنث.
و (التحنث): التعبد كأن المتعبد يتحرز عن الإثم, ويتحنث عنه بعبادته.
"وفيه: حتى جاءه الحق"
قيل: أراد به الوحي, وقيل: جبريل, على حذف المضاف, أي: رسول الحق.
"وفيه: وتكسب المعدوم"
أي: تكسب ما لا يكون موجودا ولا حاصلا لنفسك, وتقري به
стр. 1583
الضيف, فيكون المجموع سببا لأن لا يخزيه الله, أو تكسبه غيرك بمعنى: تحصله, وتعطيه غيرك, يقال: كسبت مالا, وكسبته غيري.
وقيل: أراد بالمعدوم: المعدم, وهو الفقير, سمي معدوما للمبالغة, كأنه صار من غاية فقره واحتياجه معدوما, والمتصدق عليه يكسبه, ويجعله موجودا.
"وفيه: وتعين على نوائب الحق"
أي: تعين الملهوفين على ما يحيق بهم من النوائب التي يحق أن يعان عليها, ويجتهد في إزاحتها, وسد خلتها.
"وفيه: فقال ورقة: هذا الناموس الذي أنزل الله على موسى يا ليتني فيها جذعا"
"الناموس": يريد به جبريل ﵇ سمي بذلك لأنه السفير بين الله ورسله, وصاحب السر بينه وبينهم, من (نامست الرجل) , إذا ساررته.
والكناية في"فيها"للنبوة, دل عليها المعنى.
و"جذعا"نصب على الحال, والعامل وصاحبها محذوفان, والتقدير: يا ليتني أدركها جذعا, أي: شابا حتى كان عمري مصروفا في الإسلام, لا في النصرانية.
أو على أنه خبر (كان) محذوفة, كأنه قال: يا ليتني كنت في نبوته شابا أقوى على نصرته.
стр. 1584
فعلى الأول المتمنى إدراك نبوته حال الشباب, وعلى الثاني كونه شابا في عهدها.
وهو في الأصل اسم للفتى السن من الحيوان إذا كان ذا ضراوة وقوة, فاستعمل لكل حيوان يعرف سنه إذا كان على سن يكون فيه كذلك, فيقال للشاة إذا دخلت في السنة الثانية, وللبقر, والخيل, والبغال إذا دخلت في السنة الثالثة, وللإبل إذا دخلت في السنة الخامسة, ويقال: فلان في هذا الأمر جذع, إذا كان حديثا فيه.
"وفيه: وإن يدركني يومك أنصرك نصرا مؤزرا, ثم لم ينشب ورقة أن توفي"
"يومك"يريد به: الزمان الذي أظهر فيه الدعوة, أو عاداه قومه فيه, وقصدوا إيذاءه وإخراجه.
و (المؤزر): البالغ في القوة, من (الأزر) , وهو القوة.
و"لم ينشب", أي: لم يلبث, ولم يبرح, وأصله: أنه لم يتعلق بشيء, ولم يشتغل, فكنى به عن ذلك.
وفي آخره: "فيسكن لذلك جأشه"
أي: اضطراب قلبه وقلقه.
стр. 1585
١٤٨٢ – ٤٥٥٧ – عن جابر ﵁: أنه سمع رسول الله ﷺ يحدث عن فترة الوحي قال: "فبينا أنا أمشي إذ سمعت صوتا من السماء, فرفعت بصري, فإذا الملك الذي جاءني بحراء قاعد على كرسي بين السماء والأرض, فجئت منه رعبا, حتى هويت إلى الأرض, فجئت أهلي فقلت: زملوني, زملوني, فزملوني, فأنزل الله تعالى: ﴿يا أيها المدثر * قم فأنذر﴾ -إلي قوله-: ﴿فاهجر﴾ , ثم حمي الوحي وتتابع".
"وفي حديث جابر: فجئت منه رعبا"
(جئت الرجل) –بالهمز- على بناء ما لم يسم فاعله, فهو مجؤوت, إذا فزع, وكذلك (جئف) , وأصلهما: القلع عن المكان, كأن الفزع قلع عن مكانه فزعا.
و"رعبا": نصب على المفعول لأجله, فإن الفزع انقباض يعتري الإنسان بسبب خوف, أو إصابة مكروه.
...
١٤٨٣ – ٤٥٥٨ – عن عائشة ﵂: أن الحارث بن هشام ﵁ سأل رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله! كيف يأتيك الوحي؟ فقال رسول الله ﷺ : "أحيانا يأتيني مثل صلصلة الجرس, وهو أشد علي, فيفصم عني وقد وعيت عنه ما قال, وأحيانا يتمثل
стр. 1586
لي الملك رجلا فيكلمني فأعي ما يقول", قالت عائشة ﵂: ولقد رأيته ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد, فيفصم عنه وإن جبينه ليتفصد عرقا"
"وفي حديث عائشة: أن الحارث بن هشام سأل رسول الله ﷺ فقال: يا نبي الله! كيف يأتيك الوحي؟ فقال ﷺ : أحيانا مثل صلصلة الجرس, وهو أشد علي, فيفصم عني وقد وعيت ما قال, وأحيانا يتمثل لي الملك رجلا فيكلمني, فأعي ما يقول".
(الصلصلة): صوت الحديد إذا حرك مرة بعد أخرى, وتداخل صوته, ولذلك قيل: هو أبلغ من الصليل.
"فيفصم عني" أي: يقلع ويقطع, من (أفصم عنه المرض) , إذا ذهب.
والمعنى: أن الوحي تارة يأتيه بأن يسمع صوتا مجردا فينتقش في النفس, ويفهم منه معنى, وتارة يستقل بحيث يتمثل له الملك, ويخاطبه خطاب الرجل الرجل, فتكون الحالة الأولى أشد على النفس وأهول, وحصول الاطلاع على الوحي والوقوف على ما هو المقصود فيها = أصعب وأعسر, فلذلك قال: "وهو أشد علي"
وفي آخره: "وإن جبينه ليتفصد عرقا"
أي: يسيل, ومنه: الفصد.
стр. 1587
١٤٨٤ - ٤٥٥٩ – عن عبادة بن الصامت ﵁ قال: كان النبي ﷺ إذا أنزل عليه الوحي كرب لذلك وتربد وجهه.
وفي رواية: نكس رأسه, ونكس أصحابه رؤوسهم, فلما سري عنه رفع رأسه.
"وفي حديث عبادة: إذا نزل عليه الوحي كرب لذلك وتربد وجهه"
المستكن في (كرب) , إما للرسول, والمعنى: أنه كان لشدة اهتمامه بالوحي كمن أخذه غم, أو لخوف ما عسى يتضمنه الوحي من التشديد والوعيد, بمعنى: اشتد, فإن الأصل في الكرب الشدة.
"وتربد وجهه", أي: تغير, يقال: تربد وجهه من الغضب, إذا تعبس وتغير, من (الربدة) , وهي لون يضرب إلى الغبرة.
وفيه: "فلما أتلي عنه"
أي: سري وكشف, قيل: هو من (أتليته) , إذا أحلته, لأن الملك إذا قضى إليه الوحي وأداه, فقد أحال عليه البلاغ بعد, ويدل عليه: أن في بعض النسخ: "أتلي عليه"
стр. 1588
١٤٨٥ – ٤٥٦١ - عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: بينما رسول الله ﷺ يصلي عند الكعبة, وجمع قريش في مجالسهم, إذ قال قائل: أيكم يقوم إلى جزور آل فلان فيعمد إلى فرثها ودمها وسلاها, ثم يمهله حتى إذا سجد وضعه بين كتفيه؟ فانبعث أشقاهم, فلما سجد وضعه بين كتفيه, وثبت النبي ﷺ ساجدا, فضحكوا حتى مال بعضهم على بعض من الضحك, فانطلق منطلق إلى فاطمة ﵂ فأخبرها, فأقبلت تسعى, وثبت النبي ﷺ ساجدا حتى ألقته عنه, وأقبلت عليهم تسبهم, فلما قضى رسول الله ﷺ الصلاة قال: "اللهم عليك بقريش" ثلاثا –وكان إذا دعا دعا ثلاثا, وإذا سأل سأل ثلاثا –اللهم! عليك بعمرو بن هشام, وعتبة بن ربيعة, وشيبة بن ربيعة, والوليد بن عتبة, وأمية بن خلف, وعقبة بن أبي معيط, وعمارة بن الوليد" قال عبد الله: فوالله لقد رأيتهم صرعى يوم بدر, ثم سحبوا إلى القليب قليب بدر, ثم قال رسول الله ﷺ : ", اتبع أصحاب القليب لعنة"
"وفي حديث ابن مسعود: فيعمد إلى فرثها, ودمها, وسلاها"
(الفرث): ماء الكرش.
و (السلا) بالفتح: ما يكون فيه الولد, وجمعها: أسلاء.
стр. 1589
١٤٨٦ – ٤٥٦٢ - عن عائشة ﵂ أنها قالت: يا رسول الله! هل أتى عليك يوم كان أشد من يوم أحد؟ قال: "لقد لقيت من قومك, وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة, إذ عرضت نفسي على ابن عبد ياليل بن عبد كلال فلم يجبني إلى ما أردت, فانطلقت وأنا مهموم على وجهي, فلم أستفق إلا بقرن الثعالب, فرفعت رأسي فإذا أنا بسحابة قد أظلتني, فنظرت فإذا فيها جبريل, فناداني فقال: إن الله سمع قول قومك وما ردوا عليك, وقد بعث إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم", قال: "فناداني ملك الجبال وسلم علي, ثم قال: يامحمد! إن الله قد سمع قول قومك, وأنا ملك الجبال, وقد بعثني ربك إليك لتأمرني بأمرك, إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين" فقال رسول الله ﷺ : "بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئا"
"وفي حديث عائشة: فلم أستفق إلا بقرن الثعالب"
الاستفاقة والإفاقة بمعنى: غير أن الأول أبلغ.
و"قرن الثعالب": جبل صغير بين مكة والطائف, و (القرن): الحبل الصغير, أي: لم أفق مما كنت فيه من الغنم والحيرة في الأمر إلا بما وجدت في هذا الموضع, وأوحي إلي فيه, فأقام الظرف مقام المظروف.
"وفيه: إن شئت أطبق عليهم الأخشبين"
стр. 1590
(الأخشبان): جبلان بين مكة ومنى, و (الأخشب): الجبل العظيم, وكل شيء جسيم.
...
١٤٨٧ - ٤٥٦٣ - عن أنس ﵁: أن رسول الله ﷺ كسرت رباعيته يوم أحد وشج في رأسه, فجعل يسلت الدم عنه ويقول: "كيف يفلح قوم شجوا نبيهم وكسروا رباعيته؟! ".
"وفي حديث أنس: فجعل يسلت الدم عنه"
أيك يزيله من رأسه, من (سلتت المرأة خضابها): إذا أزالته.
...
٥ - باب
علامات النبوة
من الصحاح:
١٤٨٨ - ٤٥٦٦ - قال أنس ﵁: إن رسول الله ﷺ أتاه جبريل وهو يلعب مع الغلمان, فأخذه فصرعه, فشق عن قلبه, فاستخرج منه علقة فقال: "هذا حظ الشيطان منك" ثم غسله في طست من ذهب بماء زمزم, ثم لأمه وأعاده في مكانه, وجاء الغلمان يسعون إلى أمه -يعني: ظئره- فقالوا: إن محمدا قد قتل, فاستقبلوه وهو منتقع اللون, قال أنس ﵁: فكنت أرى أثر ذلك المخيط في صدره
стр. 1591
(باب علامات النبوة)
"في حديث أنس: ثم لأمه وأعاده في مكانه"
أي: جمعه وسواه.
"وفيه: فاستقبلوه وهو منتقع اللون"
أي: متغيره, يقال: انتقع لونه وامتقع بمعنى.
...
١٤٨٩ - ٤٥٧٣ - وقال: "ليفتتحن عصابة من المسلمين كنز آل كسرى الذي في الأبيض"
"وعن أبي هريرة: أنه ﵇ قال: ليفتتحن عصابة من المسلمين كنز آل كسرى الذي في الأبيض"
يريد به: خزائنهم وأموالهم المضبوطة في قصر كان لهم في المدائن, يقال له: سفيذ كوشك.
...
١٤٩٠ - ٤٥٧٥ - وقال أنس ﵁: كان رسول الله ﷺ يدخل على أم حرام بنت ملحان, وكانت تحت عبادة بن الصامت ﵁, فدخل عليها يوما فأطعته, ثم جلست تفلي رأسه, فنام رسول الله ﷺ , ثم استيقظ وهو يضحك, قالت: فقلت: وما يضحكك يا رسول الله؟ قال: "ناس من أمتي عرضوا على غزاة في سبيل الله, يركبون ثبج هذا
стр. 1592
البحر, ملوكا على الأسرة" -أو: "مثل الملوك على الأسرة" -, فقلت: يا رسول الله! ادع الله أن يجعلني منهم, فدعا لها, ثم وضع رأسه فنام, ثم استيقظ وهو يضحك, فقلت: يا رسول الله! ما يضحكك؟ قال: "ناس من أمتي عرضوا علي غزاة في سبيل الله " -كما قال في الأولى- فقلت: يا رسول الله! ادع الله أن يجعلني منهم, قال: "أنت من الأولين" فركبت أم حرام البحر في زمن معاوية, فصرعت عن دابتها حين خرجت من البحر فهلكت"
"وفي حديث أنس: يركبون ثبج هذا البحر"
(ثبج الشيء): وسطه, وثبج الرمل: معظمه.
...
١٤٩١ - ٤٥٧٦ - وقال ابن عباس ﵁: إن ضمادا قدم مكة, وكان من أزد شنوءة, وكان يرقي من هذه الريح, فسمع سفهاء أهل مكة يقولون: إن محمدا مجنون, فقال: لو أني رأيت هذا الرجل لعل الله يشفيه على يدي, قال: فلقيه فقال: يا محمد! إني أرقي من هذا الريح, فهل لك؟ فقال رسول الله ﷺ : "إن الحمد لله, نحمده ونستعينه, من يهده الله فلا مضل له, ومن يضلل فلا هادي له, وأشهد أن لا إله إلا الله, وحده لا شريك له, وأن محمدا عبده وسوله, أما بعد" فقال: أعد على كلماتك هؤلاء, فأعادهن عليه
стр. 1593
رسول الله ﷺ ثلاث مرات, فقال: لقد سمعت قول الكهنة, وقول السحرة وقول الشعراء, فما سمعت مثل كلماتك هؤلاء, ولقد بلغن ناعوس البحر, هات يدك أبايعك على الإسلام, قال: فبايعه.
"وفي حديث ابن عباس: ولقد بلغنا ناعوس البحر"
أي: معظمه ولجته: التي يغاص فيه لإخراج اللآلي, من (نعس) , إذا نام, لأن الماء من كثرته ثم لا تظهر حركته, فكأنه نائم.
وقيل: هو لحن وخطأ من بعض الرواة, والصواب: "قاموس البحر", وهو: معظمه, ووسطه, من (القمس) , وهو الغمس.
المعنى: لقد وصلنا إلى لجة البحر, ومحل اللآلي والدرر, فيجب أن نقف عليه, ونغوص فيه استخراجا لفوائده, والتقاطا لفرائده.
وروي: "بلغن"على معنى: كلماتك لقد بلغت في البلاغة والفصاحة الغاية, بحيث لم ير لأحد من الفصحاء مثله, وهذا أشد مناسبة لما قبله.
...
فصل
في المعراج
من الصحاح:
١٤٩٢ - ٤٥٧٧ - عن قتادة ﵁, عن أنس بن مالك ﵁, عن
стр. 1594
مالك بن صعصعة ﵁: أن نبي الله ﷺ حدثهم عن ليلة أسري به: "بينما أنا في الحطيم -وربما قال: في الحجر- مضطجعا, إذ أتاني آت فشق ما بين هذه إلى هذه -يعني: من ثغرة نخره إلى شعرته- فاستخرج قلبي, ثم أتيت بطست من ذهب مملوء إيمانا, فغسل قلبي, ثم حشي, ثم أعيد -وفي وراية: ثم غسل البطن بماء زمزم, ثم ملئ إيمانا وحكمة- ثم أتيت بدابة دون البغل وفوق الحمار أبيض, يضع خطوه عند أقصى طرفه, فحملت عليه, فانطلق بي جبريل, حتى أتى السماء الدنيا, فاستفتح, قيل: من هذا؟ قال جبريل, قيل: ومن معك؟ قال: محمد, قيل: وقد أرسل إليه؟ قال: نعم, قيل: مرحبا به فنعم المجيء جاء, ففتح, فلما خلصت فإذا فيها آدم صلوات الله عليه, فقال: هذا أبوك آدم فسلم عليه, فسلمت عليه, فرد السلام ثم قال: مرحبا بالابن الصالح والنبي الصالح, ثم صعد بي حتى أتى السماء الثانية, فاستفتح, قيل: من هذا؟ قال: جبريل, قيل: ومن معك؟ قال: محمد, قيل: وقد أرسل إليه؟ قال: نعم, قيل: مرحبا به فنعم المجيء جاء, ففتح, فلما خلصت إذا يحيى وعيسى صلوات الله عليهما, وهما ابنا خالة, قال: هذا يحيى وعيسى فسلم عليهما, فسلمت, فردا ثم قالا: مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح, ثم صعد بي إلى السماء الثالثة, فاستفتح, قيل: من هذا؟ قال: جبريل, قيل: ومن معك؟ قال: محمد, قيل: وقد أرسل
стр. 1595
إليه, قال: نعم, قيل: مرحبا به فنعم المجيء جاء, ففتح, فلما خلصت إذا يوسف, قال: هذا يوسف فسلم عليه, فسلمت عليه, فرد ثم قال: مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح, ثم صعد بي حتى أى السماء الرابعة, فاستفتح, قيل: من هذا؟ قال: جبريل, قيل: ومن معك؟ قال: محمد, قيل: وقد أرسل إليه؟ قال: نعم, قيل: مرحبا به فنعم المجيء جاء, ففتح, فلما خلصت فإذا إدريس, قال: هذا إدريس فسلم عليه, فسلمت عليه, فرد ثم قال: مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح, ثم صعد بي حتى أتى السماء الخامسة, فاستفتح, قيل: من هذا؟ قال: جبريل, قيل: ومن معك؟ قال: محمد, قيل: وقد أرسل إليه؟ قال: نعم, قيل: مرحبا به فنعم المجيء جاء, فلما خلصت فإذا هارون, قال: هذا هارون فسلم عليه, فسلمت عليه, فرد ثم قال: مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح, ثم صعد بي حتى أتى السماء السادسة, فاستفتح, قيل: من هذا؟ قال: جبريل, قيل: ومن معك؟ قال: محمد؟ قيل: وقد أرسل إليه؟ قال: نعم, قيل: مرحبا به فنعم المجيء جاء, فلما خلصت فإذا موسى, قال: هذا موسى فسلم عليه, فسلمت عليه, فرد ثم قال: مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح, فلما جاوزت بكى, قيل له: ما يبكيك؟ قال: أبكي لأن غلاما بعث بعدي يدخل الجنة من أمته أكثر ممن يدخلها من أمتي, ثم صعد بي إلى السماء السابعة,
стр. 1596
فاستفتح جبريل, قيل: من هذا؟ قال: جبريل, قيل: ومن معك؟ قال: محمد, قيل: وقد بعث إليه؟ قال: نعم, قيل: مرحبا به فنعم المجيء جاء, فلما خلصت فإذا إبراهيم, قال: هذا أبوك فسلم عليه, فسلمت عليه, فرد السلام ثم قال: مرحبا بالابن الصالح والنبي الصالح, ثم رفعت إلى سدرة المنتهى, فإذا نبقها مثل قلال هجر, وإذا ورقها مثل آذان الفيلة, قال: هذه سدرة المنتهى, فإذا أربعة أنهار: نهران باطنان, ونهران ظاهران, قلت: ما هذان يا جبري؟ قال: أما الباطنان فنهران في الجنة, وأما الظاهران فالنيل والفرات, ثم رفع لي البيت المعمور, ثم أتيت بإناء من خمر وإناء من لبن وإناء من عسل, فأخذت اللبن, فقال: هي الفطرة التي أنت عليها وأمتك, ثم فرضت علي الصلاة خمسين صلاة كل يوم, فرجعت فمررت على موسى, فقال: بم أمرت؟ قلت: أمرت بخمسين صلاة كل يوم, قال: إن أمتك لا تستطيع خمسين صلاة في كل يوم, وإني والله قد جربت الناس قبلك وعالجت بني إسرائيل أشد المعالجة, فارجع إلى ربك فسله التخفيف لأمتك, فرجعت, فوضع عني عشرا, فرجعت إلى موسى فقال مثله, فرجعت فوضع عني عشرا, فرجعت إلى موسى فقال مثله, فرجعت فوضع عني عشرا, فرجعت إلى موسى فقال مثله, فرجعت فأمرت بعشر صلوات كل يوم, فرجعت إلى موسى فقال مثله, فرجعت فأمرت بخمس صلوات كل يوم, فرجعت إلى
стр. 1597
موسى فقال: بم أمرت؟ قلت: أمرت بخمس صلوات كل يوم, قال: إن أمتك لا تستطيع خمس صلوات كل يوم, إني قد جربت الناس قبلك وعالجت بني إسرائيل أشد المعالجة, فارجع إلى ربك فسله التخفيف لأمتك" قال: " سألت ربي حتى استحييت ولكني أرضى واسلم" قال: "قلما جاوزت نادى مناد: أمضيت فريضتي, وخففت عن عبادي"
(فصل في المعراج)
"عن أنس بن مالك عن مالك بن صعصة: أن نبي الله ﷺ حدثهم عن ليلة أسري به" الحديث.
"الحطيم": قيل: هو الحجر, سمي حجرا, لأنه حجر عنه بحيطانه, وحطيما, لأنه حطم جداره عن مساواة الكعبة, وعليه ظاهر قوله: "بينما أنا في الحطيم", وربما قال: في الحجر" فلعله ﵇ حكى لهم قصة المعراج مرات, فعبر بالحطيم تارة, وبالحجر أخرى.
وقيل: الحطيم غير الحجر, وهو: ما بين المقام إلى الباب.
وقيل: ما بين الركن والمقام والزمزم والحجر.
والراوي شك في أنه سمع: "في الحطيم", أو::في الحجر"
стр. 1598
١٤٩٣ - ٤٥٧٩ - عن ابن شهاب, عن أنس ﵁ قال: كلن أبو ذر يحدث: أن رسول الله ﷺ قال: "فرج عني سقف بيتي وأنا بمكة, فنزل جبريل ففرج صدري, ثم غسله بماء زمزم, ثم جاء بطست من ذهب ممتلئ حكمة وإيمانا فأفرغه في صدري, ثم أطبقه, ثم أخذ بيدي فعرج بي إلى السماء, فلما جئت إلى السماء الدنيا, فإذا رجل قاعد, على يمينه أسودة, وعلى يساره أسودة, إذا نظر قبل يمينه ضحك, وإذا نظر قبل شماله بكى, فقال: مرحبا بالنبي الصالح والابن الصالح, قلت لجبريل: من هذا؟ قال: هذا آدم, وهذه الأسودة عن يمينه وعن شماله نسم بنيه, فأهل اليمين منهم أهل الجنة, والأسودة التي عن شماله أهل النار, فإذا نظر عن يمينه ضحك, وإذا نظر قبل شماله بكى"
وقال ابن شهاب ﵁: فأخبرني ابن حزم: أن ابن عباس ﵁ وأبا حية الأنصاري كانا يقولان: قال النبي ﷺ : "ثم عرج بي حتى ظهرت بمستوى أسمع فيه صريف الأقلام"
وقال ابن حزم وأنس: قال النبي ﷺ : "ففرض الله على أمتي خمسين صلاة, فرجعت حتى مررت على موسى ﵇, فراجعني, فوضع شطرها, وقال في الآخر: "فراجعته, فقال: هي خمس, وهي خمسون, ما يبدل القول لدي, فرجعت إلى موسى
стр. 1599
فقال: راجع ربك, فقلت: استحييت من ربي, ثم انطلق بي حتى انتهى بي إلى سدرة المنتهى, وغشيها ألوان لا أدري ما هي, ثم أدخلت الجنة, فإذا فيها جنابذ اللؤلؤ, وإذا ترابها المسك"
وقد روى أنس أيضا عن أبي ذر: أنه ﵇ قال: "فرج عني سقف بيتي وأنا بمكة" وسرد الحديث على ما يخالف هذا الحديث في أشياء, فقيل: كان رسول الله ﷺ معراجان:
أحدهما: حال اليقظة على ما رواه مالك.
والثاني: في النوم, وهو ما رواه أبو ذر. ولعله ﵇ أراد بـ"بيتي": بيت أم هانيء, إذ روي أيضا الإسراء منه, فأضافه إلى نفسه تارة, لأنه ساكنه, وإليها أخرى, لأنها صاحبته.
وقوله: "من ثغرة نخره إلى شعرته" أي: من أعلى نحره إلى عانته, والثغرة: من النحر ما بين الترقوتين, والشعرة بالكسر: شعر الركب, وقيل: شعر ركب النساء, فاستعمل هاهنا على الاتساع.
وقوله: "ثم أتيت بسطت من ذهب مملوء إيمانا": لعله من باب التمثيل, أو تمثل له المعاني كما تمثل له أرواح الأنبياء الدارجة بالصور التي كانوا عليها.
стр. 1600
"وفيه: قيل: وقد أرسل إليه؟ ".
أي: أرسل إليه للعروج؟ وقيل: معناه: أوحي إليه, وبعث نبيا؟ والأول أظهر, لأن أمر نبوته كان مشهورا في الملكوت لا يكاد يخفى على خزان السماوات وحراسها, وأوفق للاستفتاح والاستئذان, ولذلك تكرر معه, وتحت هذه الكلمة ونظائرها أسرار يتفطن لها من فتحت بصيرته, واشتعلت قريحته.
وقيل: كان سؤالهم للاستعجاب بما أنعم الله عليه, أو للاستبشار بعروجه, إذ كان من البين عندهم أن أحدا من البشر لا يترقى إلى أسباب السماوات من غير أن يأذن الله له, ويأمر ملائكته بإصعاده, وأن جبريل لا يصعد بمن لم يرسل إليه, ولا يستفتح له أبواب السماء.
"وفيه: فلما تجاوزت بكى"
أي: لما تجاوزت عن موسى بكى تأسفا على أمته, وإشفاقا عليهم, فإنهم قصروا في الطاعة, ولم يتبعوه حق الاتباع مع طول مدته, وامتداد أيام دعوته, فلم ينتفعوا بع انتفاع هذه الأمة بمحمد ﷺ مع قلة عمره, وقصر زمانه.
وإلى ذلك أشار بقوله: "أبكي لأن غلاما بعث بعدي يدخل الجنة من أمته أكثر ممن يدخلها من أمتي"
"وفيه: ثم رفعت لي سدرة المنتهى": أي: قربت إلي, وجعلت بحيث أنظر إليها, وأطلع عليها, وإضافتها إلى المنتهى, لأنها بمكان
стр. 1601
تنتهي إليه أعمال العباد, وينقطع دونه علم الخلائق.
وأما (الأنهار) فقد مر شرحها في (باب صفة الجنة وأهلها) , وأما (عرض الأواني) فمذكور في (باب بدء الخلق, وذكر الأنبياء).
"وفي حديث ابن عباس, وأبي حية الأنصاري: ثم عرج بي حتى ظهرت لمستوى أسمع فيه صريف الأقلام".
(ظهرت له) , أي: علوته, قال تعالى: ﴿ومعارج عليها يظهرون﴾ [الزخرف:٣٣].
و (المستوى): على صيغة المفعول اسم مكان من (الاستواء) , واللام إما للعلة بمعنى: علوت لاستعلائه, أو للاستواء عليه, أو بمعنى (إلى) كما في قوله تعالى: ﴿بأن ربك أوحى لها﴾ [الزلزلة:٥].
و"صريف الأقلام": صريرها, وأصله: صوت البكرة عند الاستقاء.
والمعنى: بلغت في الارتقاء إلى رتبة من العلياء اتصلت بمبادئ الكائنات, واطلعت على تصاريف الأحوال, وجري المقادير, فلذلك أخبر -صلوات الله عليه- عن حوادث مستقبلة, وأشياء مغيبة, فانكشفت الحال على ما قال.
...
١٤٩٤ - ٤٥٨٠ - عن عبد الله ﵁ قال: لما أسري برسول الله صلى الله عليه وسلم
стр. 1602
انتهي به إلى سدرة المنتهى, وهي في السماء السادسة, إليها ينتهي ما يعرج به من الأرض فيقبض منها, وإليها ينتهي ما يهبط به من فوقها فيقبض منها, قال: ﴿إذ يغشى السدرة ما يغشى﴾ , قال: فراش من ذهب, قال: فأعطي رسول الله ﷺ ثلاثا: أعطي الصلوات الخمس, وأعطي خواتيم سورة البقرة, وغفر لمن لا يشرك بالله من أمته شيئا المقحمات.
"وفي حديث ابن مسعود ﵁: لما أسري برسول الله ﷺ انتهي به إلى سدرة المنتهى, وهي في السماء السادسة".
من المتعارف المشهور والمروي عن الجمهور: أن سدرة المنتهى في السماء السابعة, فلعل هذا غلط من بعض الرواة, ويدل عليه: أن الحديث روي عنه من طرق متعددة, ولم تذكر فيها السماء السادسة"
"وفيه: إذ قال: ﴿يغشى السدرة ما يغشى﴾ [النجم: ١٦] , قال: فراش من ذهب"
ذكر المفسرون في تفسير ﴿ما يغشى﴾ وجوها أخر, فقيل: يغشاها جم غفير من الملائكة, لقوله ﵇: "رأيت على كل ورقة من ورقاتها ملكا قائما يسبح الله"
وقيل: رفرف من طير خضر, وقد روي ذلك مرفوعا.
وفسر في هذا الحديث: بفراش من ذهب, وهو لا ينافي ذلك, لجواز أن يكون هذا أيضا مما غشيها, ولعله مثل ما يغشى الأنوار التي تنبعث منها وتتساقط على مواقعها بالفراش, وجعلها من الذهب
стр. 1603
لصفائها, وإضاءتها في نفسها.
"وفيه: وغفر لمن لا يشرك بالله من أمته شيئا المقحمات"
يريد بـ"المقحمات": الذنوب العظيمة التي يستحق بها صاحبها أن يدخل النار.
...
١٤٩٥ - ٤٥٨١ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ : "لقد رأيتني في الحجر وقريش تسألني عن مسراي, فسألتني عن أشياء من بيت المقدس لم أثبتها, فكربت كربا ما كربت مثله, فرفعه الله لي أنظر إليه, ما يسألونني عن شيئ إلا أنبأتهم, ولقد رأيتني في جماعة من الأنبياء, فإذا موسى قائم يصلي, فإذا رجل ضرب جعد كأنه من رجال شنوءة, وإذا عيسى قائم يصلي, أقرب الناس به شبها عروة بن مسعود الثقفي, وإذا إبراهيم قائم يصلي, أشبه الناس به صاحبكم -يعني: نفسه- فحانت الصلاة فأممتهم, فلما فرغت من الصلاة قال لي قائل: يا محمد! هذا مالك خازن النار فسلم عليه فالتفت إليه, فبدأني بالسلام"
"وفي حديث أبي هريرة: فكربت كربا ما كربت مثله"
أي: حزنت حزنا شديدا, و (الكرب): الحزن يسد النفس بشدته.
стр. 1604
فصل
في المعجزات
من الصحاح:
١٤٩٦ - ٤٥٨٣ - وقال البراء بن عازب لأبي بكر: يا أبا بكر! حدثني كيف صنعتما حين سريت مع رسول الله ﷺ , قال: أسرينا ليلتنا ومن الغد حتى قام قائم الظهيرة وخلا الطريق لا يمر فيه أحد, فرفعت لنا صخرة طويلة لها ظل لم تأت عليه الشمس, فنزلنا عنده, وسويت للنبي ﷺ مكانا بيدي ينام عليه, وبسطت عليه فروة, وقلت: نم يا رسول الله! وأنا أنفض ما حولك, فنام, وخرجت أنفض ما حوله, فإذا أنا براع مقبل, قلت: أفي غنمك لبن؟ قال: نعم, قلت: أفتحلب لي؟ قال: نعم, فأخذ شاة فحلب في قعب كثبة من لبن, ومعي إداوة حملتها للنبي ﷺ يرتوي فيها, يشرب ويتوضأ, فأتيت النبي ﷺ , فكرهت أن أوقظه فوافقته حتى استيقظ, فصببت من الماء على اللبن حتى برد أسفله, فقلت: اشرب يا رسول الله! فشرب حتى رضيت, ثم قال: "ألم يأن للرحيل؟ "قلت: بلى, قال: فارتحلنا بعد ما مالت الشمس, واتبعنا سراقة بن مالك, فقلت: أتينا يا رسول الله! فقال: "لا تحزن, إن الله معنا" فدعا عليه النبي ﷺ فارتطمت به فرسه إلى بطنها في جلد من الأرض, فقال: إني أراكما دعوتما علي فادعوا لي, فالله لكما أن أرد عنكما الطلب, فدعا له النبي ﷺ فنجا,
стр. 1605
فجعل لا يلقى أحدا إلا قال: كفيتم ما هنا, فلا يلقى أحدا, إلا رده"
(فصل في المعجزات)
"في حديث البراء, عن أبي بكر ﵄: فرفعت لنا صخرة"
أي: أظهرت, ومنه: رفع الحديث, وهو إذاعته وإظهاره.
"وفيه: وأنا أنفض ما حولك"
يريد: أتفحص عن العدو, وأتحسس عن الحال, وأرى هل هناك مؤذ من عدو أو غيره؟ ومنه: النفضة والنفيضة لجماعة تبعث للتجسس عن حال العدو.
"وفيه: فحلب في قعب كثبة من لبن"
(القعب): قدح كبير من خشب مقعر.
و (الكثبة) من اللبن: قدر حلبة, وقيل: ملء القدح من اللبن.
"وفيه: فوافقته حتى استيقظ"
أي: وافقته في النوم, أو تأنيت به حتى استيقظ.
وفي بعض نسخ"البخاري": فوافقته حين استيقظ" أي: وافق إتياني وقت استيقاظه, ويدل عليه: أم مسلم بن الحجاج ذكرفي بعض طرقه: "فوافقته وقد استيقظ"
وفي بعضها: "فوافقته"بتقديم القاف, أي: توقفت إلى أن استيقظ.
стр. 1606
"وفيه: فارتطمت به فرسه إلى بطنها في جلد من الأرض"
أي: خسفت في الأرض, يقال: ارتطم في الوحل إذا وقع فيه بحيث لا يقدر على الخروج منه, وارتطم عليه الأمر: إذا انسد عليه طرقه.
و (الجلد): الأرض الصلبة.
...
١٤٩٧ – ٤٥٨٥ – وقال أنس ﵁: إن رسول الله ﷺ شاورنا حين بلغنا إقبال أبي سفيان, فقام سعد بن عبادة فقال: يا رسول الله! والذي نفسي بيده, لو أمرتنا أن نخيضها البحر لأخضناها, ولو أمرتنا أن نضرب أكبادها إلى برك الغماد لفعلنا, قال: فندب رسول الله ﷺ الناس, فانطلقوا حتى نزلوا بدرا, فقال رسول الله ﷺ : "هذا مصرع فلان" ويضع يده على الأرض هاهنا وهاهنا, قال: فما ماط أحدهم عن موضع يد رسول الله ﷺ .
"وفي حديث أنس: فقام سعد بن عبادة فقال: يا رسول الله! والذي نفسي بيده لو أمرتنا أن نخيض البحر لأخضناها, ولو أمرتنا أن نضرب أكبادها إلى برك الغماد لفعلنا"
(الإخاضة): الإدخال في الماء, والكناية للخيل والإبل, وإن لم يجر ذكرهما, لقرينة الحال.
стр. 1607
و (ضرب الأكباد): عبارة عن تكليف الدابة للسير بأبلغ ما يمكن.
و"برك الغماد" بكسر الباء وفتحها, وضم الغين: موضع باليمن, وقيل: في أقاصي هجر, وقيل: مدينة من مدائن الحبسة.
"وفيه: فما ماط أحدهم عن موضع يد رسول الله ﷺ ".
أي: فما بعد أحدهم عن مصرعه الذي عينه رسول الله ﷺ بيده, ومنه: (ماط في حكمه) , إذا جار وعدل عن الحق.
...
١٤٩٨ – ٤٥٨٨ – وقال ابن عباس ﵁: بينما رجل من المسلمين يومئذ يشتد في أثر رجل من المشركين أملمه, إذ سمع ضربة بالسوط فوقه, وصوت الفارس يقول: أقدم حيزوم! إذ نظر إلى المشرك أمامه خر مستلقيا, فنظر إليه, فإذا هو قد خطم أنفه وشق وجهه كضربة السوط, فاخضر ذلك أجمع, فجاء الأنصاري فحدث رسول الله ﷺ , فقال: "صدقت, ذلك من مدد السماء الثالثة"
"وفي حديث ابن عباس: أقدم حيزوم"
"أقدم": أمر من (الإقدام) , يذكر زجرا للفرس.
و"حيزوم": علم فرس جبريل, وهو في الأصل: اسم لوسط الصدر, فلعله سمي به لغاية قوته.
"وفيه: فإذا هو قد خطم أنفه"
стр. 1608
أي: كسر, وظهر فيه أثره, من (خطمت البعير) , إذا وسمته بالكي بخط من الأنف إلى أحد خديه.
...
١٤٩٩ – ٤٥٩٠ – وعن البراء ﵁ قال: بعث النبي ﷺ رهطا إلى أبي رافع فدخل عليه عبد الله بن عتيك بيته ليلا وهو نائم فقتله, فقال عبد الله بن عتيك: فوضعت السيف في بطنه حتى أخذ في ظهره فعرفت أني قتلته, فجعلت أفتح الأبواب حتى انتهيت إلى درجة, فوضعت رجلي, فوقعت في ليلة مقمرة, فانكسرت ساقي, فعصبتها بعمامة, فانطلقت إلى أصحابي فانتهيت إلى النبي ﷺ فحدثته فقال: "ابسط رجلك", فبسطت رجلي فمسحها, فكأنها لم أشتكها قط"
"وفي حديث البراء: بعث النبي ﷺ رهطا إلى أبي رافع"
أبو رافع كنية أبي الحقيق اليهودي, أعدى عدو رسول الله ﷺ , نبذ عهده, وتعرض له بالهجاء, وتحصن عنه بحصن كان له, فبعثهم إليه ليقتلوه, فدخل عليه عبد الله بن عتيك فقتله, كما دل عليه الحديث.
...
١٥٠٠ – ٤٥٩١ - وقال جابر: إنا يوم الخندق نحفر, فعرضت كدية شديدة, فجاءوا النبي صصصص فقالوا: هذه كدية عرضت في الخندق, فقال: "أنا نازل" ثم قام وبطنه معصوب بحجر, ولبثنا
стр. 1609
ثلاثة أيام لا نذوق ذواقا, فأخذ النبي ﷺ المعول فضرب فعاد كثيبا أهيل, فانكفأت إلى امرأتي فقلت: هل عندك شيء؟ فإني رأيت بالنبي ﷺ خمصا شديدا, فأخرجت جرابا فيه صاع من شعير, ولنا بهيمة داجن فذبحتها, وطحنت الشعير, حتى جعلنا اللحم في البرمة, ثم جئت النبي ﷺ فساررته فقلت: يا رسول الله! ذبحنا بهيمة لنا, وطحنت صاعا من شعير, فتعال أنت ونفر معك, فصاح النبي ﷺ : "يا أهل الخندق! إن جابرا صنع سورا, فحي هلا بكم" فقال رسول الله ﷺ : "لا تنزلن برمتكم, ولا تخبزن عجينكم حتى أجيء" وجاء فأخرجت له عجينا فبصق فيه وبارك, ثم عمد إلى برمتنا فبصق وبارك, ثم قال: "ادعي خابزة فلتخبز معك, واقدحي من برمتكم ولا تزلوها" وهم ألف, فأقسم بالله لأكلوا حتى تركوه وانحرفوا وإن برمتنا لتغط كما هي, وإن عجيننا ليخبز كما هو"
"وفي حديث جابر: فعرضت كدية شديدة"
أي: قطعة من الأرض غليظة.
"وفيه: فأخذ النبي ﷺ المعول, فضرب فعاد كثيبا أهيل, فانكفأت إلى امرأتي فقلت: هل عندك شيء؟ فإني رأيت بالنبي ﷺ خمصا شديدا"
(الكثيب): التل من الرمل, و (الأهيل) والهيال: المصبوب السيال, والمعنى: أن الكدية التي عجزوا عن رضها صارت بضربة
стр. 1610
واحدة ضربها رسول الله ﷺ كتل من الرمل مصبوب سيال.
و (الانكفاء): الانصراف.
(الخمص) بسكون الميم: الجوع, سمي بذلك لأن البطن يضمر به.
"وفيه: لنا بهيمة داجن"
"بهيمة": تصغير بهمة, وهي الأنثى من ولد الشاة, وقيل: من ولد الضأن ذكرا كان أو أنثى.
و (الداجن): الذي ألف البيت.
"وفيه: واقدحي من برمتكم"
أي: اغترفي, من قدحت المرق: إذا اغترفته, ومنه: المقدحة, وجه إليه الخطاب ولونه إلى الطباخة.
"وفيه: وإن برمتنا لتغط"
أي: تصوت, لشدة غليانه.
...
١٥٠١ – ٤٥٩٢ - وقال أبو قتادة: إن رسول الله ﷺ قال عمار حين يحفر الخندق, فجعل يمسح رأسه ويقول: "بؤس ابن سمية, تقتلك الفئة الباغية"
стр. 1611
"وفي حديث أبي قتادة يقول: بؤس ابن سمية تقتلك الفئة الباغية"
(البؤس): الشدة, و"سمية" –بالضم- اسم أم عمار بن ياسر والمعنى: يا بؤس عمار وما يلقى من شدة حاله, نادى بؤسه وأراد نداءه, ولذلك خاطبه بقوله: "تقتلك الفئة الباغية"يريد به معاوية وقومه, فإنه قتل يوم الصفين.
واتسع في حذف (يا) , وهي لا تحذف عن أسماء الأجناس, وقد روي معها.
...
١٥٠٢ – ٤٥٩٨ – وقال عمران بن حصين ﵁: كنا في سفر مع رسول الله ﷺ , فاشتكى إليه الناس من العطش, فنزل, فدعا فلانا ودعا عليا فقال: "اذهبا فابتغيا الماء" فانطلقا فلقيا امرأة بين مزادتين –أو سطيحتين- من ماء, فجاءا بها إلى النبي ﷺ فاستنزلوها عن بعيرها, ودعا النبي ﷺ بإناء ففرغ فيه من أفواه المزادتين, ونودي في الناس: اسقوا واستقوا, قال: فشربنا عطاشا أربعين رجلا حتى روينا, فملأنا كل قرية معنا وإداوة, وايم الله لقد أقلع عنها وإنه ليخيل إلينا أنها أشد ملأة منها حين ابتدأ.
"وفي حديث عمران بن حصين: فلقيا امرأة بين مزادتين –أو
стр. 1612
سطيحتين- من ماء".
(المزادة): الرواية, وهي في الأصل اسم لما يوضع فيه الزاد.
و (السطيحة): نوع من المزادة تكون من جلدين قوبل أحدهما بالآخر فسطح عليه.
...
١٥٠٣ - ٤٥٩٩ - وقال جابر ﵁: سرنا مع رسول الله ﷺ حتى نزلنا واديا أفيح, فذهب رسول الله ﷺ يقضي حاجته فلم ير شيئا يستتر به, وإذا شجرتان بشاطئ الوادي, فانطلق رسول الله ﷺ إلى إحداهما فأخذ بغصن من أغصانها فقال: "انقادي علي بإذن الله", فانقادت معه كالبعير المخشوش الذي يصانع قائده حتى أتى الشجرة الأخرى, فأخذ بغصن من أغصانها فقال: "انقادي علي بإذن الله", فانقادت معه كذلك, حتى إذا كان بالمنصف مما بينهما قال: "التئما علي بإذن الله" فالتأمتا, فجلست أحدث نفسي, فحانت مني لفتة فإذا أنا برسول الله ﷺ مقبلا, وإذا الشجرتان قد افترقتا, فقامت كل واحدة منهما على ساق"
"وفي حديث جابر: سرنا مع رسول الله ﷺ حتى نزلنا واديا أفيح"
أي: واسعا يقال: دار فيحاء, من الفيح, إذا كانت واسعة.
стр. 1613
"وفيه: فانقادت معه كالبعير المخشوش الذي يصانع قائده"
أي: انقادت الشجرة, أو الغصنة, فنزلت معه إلى الأرض.
"كالبعير المخشوش" أي: الذي جعل الخشاش في أنفه, وهو البرة.
"الذي يصانع"أي: يطاوع وينقاد لقائده, وأصل المصانعة: أن تصنع لصاحبك شيئا, ليصنع لك شيئا.
"وفيه: حتى إذا كان بالمنصف"
أي: توسط ما بين الشجرتين, و"المنصف": نصف الطريق.
"فحانت مني لفتة" أي: التفاتة ونظرة.
...
١٥٠٤ - ٤٦٠٣ - وقال ابن عباس ﵁: شهدت مع رسول الله ﷺ يوم حنين, فلما التقى المسلمون والكفار ولي المسلمون مدبرين, فطفق رسول الله ﷺ يركض بغلته قبل الكفار وأنا آخذ بلجام بغلة رسول الله ﷺ أكفها إرادة أن لا تسرع, وأبوسفيان بن الحارث ﵁ أخذ بركاب رسول الله ﷺ , فنظر رسول الله ﷺ وهو على بغلته كالمتطاول عليها إلى قتالهم فقال: "هذا حين حمي الوطيس! " ثم أخذ حصيات فرمى بهن وجوه الكفار ثم قال: "انهزموا ورب محمد" فوالله ما هو إلا أن رماهم بحصياته, فما زلت أرى حدهم كليلا وأمرهم مدبرا"
"وفي حديث ابن عباس: هذا حين حمي الوطيس"
стр. 1614
هذا مثل ضربه رسول الله ﷺ لم يسبقه إليه أحد, ومعناه: اشتدت الحرب, و"الوطيس": التنور.
...
١٥٠٥ – ٤٦٠٥ – قال البراء: كنا والله إذا احمر البأس نتقي به, وإن الشجاع منا للذي يحاذي به, يعني: رسول الله ﷺ .
"وفي حديث البراء: كنا والله إذا احمر البأس نتقي به"
معناه: كنا إذا اشتدت الحرب واستولى علينا الرعب التجأنا إليه, ونجعله تقاة بين أيدينا, والحمرة تستعمل في الشدة, ومنه قولهم: موت أحمر, وسنة حمراء, وخصوصا في الحرب, فإن احمرار الحرب كناية عن إراقة الدماء.
...
١٥٠٦ – ٤٦٠٧ – عن أبي هريرة ﵁ قال: شهدنا مع رسول الله ﷺ حنينا, فقال رسول الله ﷺ لرجل ممن معهخ يدعي الإسلام: "هذا من أهل النار" فلما حضر القتال قاتل الرجل من أشد القتال وكثرت به الجراح, فجاء رجل فقال: يا رسول الله! أرأيت الذي تحدثت أنه من أهل النار, قد قاتل في سبيل الله من أشد القتال فكثرت به الجراح, فقال: "أما إنه من أهل النار, فكاد بعض المسلمين يرتاب, فبينما هم على ذلك إذ وجد الرجل ألم الجراح
стр. 1615
فأهوى بيده إلى كنانته فانتزع سهما فانتحر به, فاشتد رجال من المسلمين إلى رسول الله ﷺ فقالوا: يا رسول الله! صدق الله حديثك, قد انتحر فلان وقتل نفسه, فقال رسول الله ﷺ : "الله أكبر, أشهد أني عبد الله ورسوله, يا بلال! قم فأذن: لا يدخل الجنة إلا مؤمن, وإن الله ليؤبد هذا الدين بالرجل الفاجر"
"وفي حديث أبي هريرة: فانتزع سهما فانتحر بها, فاشتد رجال من المسلمين إلى رسول الله ﷺ ".
يقال: انتحر فلان: إذا نحر نفسه, والاشتداد: العدو.
...
١٥٠٧ – ٤٦٠٨ – عن عائشة ﵂ قالت: سحر رسول الله ﷺ حتى إنه ليخيل إليه أنه فعل الشيء وما فعله, حتى كان ذات يوم عندي, دعا الله ودعاه, ثم قال: "أشعرت يا عائشة! أن الله قد أفتاني فيما استفتيته, جاءني رجلان: جلس أحدهما عند رأسي والآخر عند رجلي, ثم قال أحدهما لصاحبه: ما وجع الرجل؟ قال: مطبوب, قال: ومن طبه؟ قال: لبيد بن الأعصم اليهودي, قال: في ماذا؟ قال: في مشط ومشاطة وجف طلعة ذكر, قال: فأين هو؟ قال: في بئر ذروان" فذهب النبي ﷺ في أناس من أصحابه إلى البئر فقال: "هذه البئر التي أريتها, وكأن ماءها نقاعة الحناء, وكأن نخلها
следующие страницы →