← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13614

تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة

ناصر الدين البيضاوي

Полный текст (1 692 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

(باب المسح على الخفين) (من الصحاح): " عن المغيرة بن شعبة ﵁: أنه غزا مع رسول الله ﷺ غزوة تبوك " الحديث. (التبرز): الخروج من المبرز. " قبل الغائط ": نحوه , أي: تبرزه لأجله , و" الإداوة ": الركوة , و"أهوى ": قصد الهوي , أي: قصدت الهوي من القيام إلى القعود , وقال الأصمعي: أهويت بالشيء: إذا أومأت. وقوله ﵇:" دعهما , فإني أدخلتهما طاهرتين " يدل على أن العلة المجوزة لإبقائهما والمسح عليهما لبسهما على الطهارة , وقد صرح به في حديث أبي بكرة. ... ١٥٨ - ٣٦١ - عن المغيرة بن شعبة ﵁ أنه قال: وضأت النبي ﷺ في غزوة تبوك , فمسح أعلى الخف وأسفله. قال الشيخ الإمام ﵁: هذا مرسل لا يثبت , وروي متصلا. " وعنه أنه قال: وضأت النبي ﷺ في غزوة تبوك " الحديث. " وضأت" أي: ... سكبت الوضوء على يديه. وقول الشيخ: (هذا مرسل لا يثبت , وروي متصلا عن المغيرة) معناه: أن هذا الحديث , وإن روي متصلا عن المغيرة , لكنه لم يثبت

стр. 212

كذلك , بل هو مرسل , إذ لم يثبت ذلك إلا من رجاء بن حيوة , وهو قال: حدثت عن كاتب المغيرة , أن النبي ﷺ مسح أعلى الخف وأسفله , وعلى هذا يكون مرسلا ومنقطعا , والله أعلم. ... ١١ - باب التيمم من الصحاح: ١٥٩ - ٣٦٦ - وقال عمار ﵁: كنا في سرية فأجنبت , فتمعكت فصليت , فذكرت للنبي ﷺ فقال: " إنما كان يكفيك هكذا " فضرب النبي ﷺ بكفيه الأرض ونفخ فيهما , ثم مسح بهما وجهه وكفيه. وفي رواية قال: فأتيت النبي ﷺ فقال:" إنما يكفيك أن تضرب بيديك الأرض , ثم تنفخ , ثم تمسح بهما وجهك وكفيك ". (باب التيمم) (من الصحاح): " قال عمار: كنا في سرية , فأجنبت , فتمعكت , فصليت , فذكرت للنبي ﷺ " الحديث.

стр. 213

(التمعك): التقلب في التراب والتمرغ فيه. والحديث دليل على أن الجنب والمحدث سيان في التيمم , وأن تخفيف التراب مسنون , ومسح الكفين كاف , وقد قال به أحمد وداود , وهو رواية عن مالك وقول قديم للشافعي , وذهب الجمهور إلى أنه لا بد من ضربتين , يمسح بالضربة الأولى وجهه , وبالأخرة يديه إلى المرفق , لحديث ابن عمر , ومعاضدة القياس والاحتياط له , وقد روي ذلك عن عمار أيضا. ... ١٢ - باب الغسل المسنون من الصحاح: ١٦٠ - ٣٧٢ - وقال:" غسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم ". رواه أبو سعيد الخدري ﵁. (باب الغسل المسنون) " عن أبي سعيد الخدري: أنه ﵊ قال: غسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم ". اختلف العلماء في غسل الجمعة , فذهب أبو هريرة والحسن البصري ومالك إلى وجوبه أخذا بظاهره , وذهب الأكثرون إلى أنه

стр. 214

سنة , لما روى سمرة بن جندب ﵁: أنه ﵇ قال:" من توضأ يوم الجمعة فيها ونعمت , ومن اغتسل فالغسل أفضل ", وقالوا: الواجب هاهنا بمعنى: الثابت الذي ينبغي أن لا يترك , لا ما يؤثم تركه ,كما يقول الرجل لصاحبه , حقك واجب علي , ويشهد له قوله: " حق على كل مسلم أن تغتسل في كل سبعة أيام يوما ", وإنما ذكر بهذا اللفظ تأكيدا للسنة وتحريضا لهم عليه. و (المحتلم):البالغ. وقوله: " فبها ونعمت " كلام يطلق للتجويز والتحسين , وتقديره: فأهلا بتلك الفعلة ونعمت , وقال الأصمعي: تقديره هاهنا: فبالسنة أخذ , ونعمت الخصلة أو الفعلة. ... ١٣ - باب الحيض من الصحاح: ١٦١ - ٣٧٩ - وقالت عائشة ﵂: كنت أغتسل أنا والنبي ﷺ من إناء واحد وكلانا جنب , وكان يأمرني فأتزر , فيباشرني وأنا حائض , وكان يخرج رأسه إلى وهو معتكف فأغسله وأنا حائض.

стр. 215

(باب الحيض) (من الصحاح): " عن عائشة ﵂ قالت: كنت أغتسل أنا والنبي ﷺ من إناء واحد , كلانا جنب "الحديث. يريد بـ (المباشرة) هاهنا: المضاجعة وتواصل البشرتين دون الجماع ,لقولها: فأتزر. ... ١٦٢ - ٣٨٠ - وقالت: كنت أشرب وأنا حائض , ثم أناوله النبي ﷺ فيضع فاه على موضع في فيشرب , وأتعرق العرق وأنا حائض , ثم أناوله النبي ﷺ فيضع فاه على موضع في. " وعنها أنها قالت: كنت أشرب وأنا حائض " الحديث. و (العرق) بفتح العين وسكون الراء , و (التعرق): أخذ اللحم من العظم , و (العرق) أيضا: العظم الذي فصل منه معظم اللحم وبقيت عليه بقية , وجمعه: عراق بالضم , والمراد به هاهنا: العظم. ... ١٦٣ - ٣٨٢ - وقالت: قال لي النبي ﷺ :" ناوليني الخمرة من المسجد ", فقلت: إني حائض! فقال: " إن حيضتك ليست في يدك ".

стр. 216

" وقالت: قال لي رسول الله ﷺ : ناوليني الخمرة من المسجد " الحديث. " الخمرة " بالضم: سجادة صغيرة تؤخذ من سعف النخل , مأخوذة من (الخمر) بمعنى: التغطية ,فإنها تخمر موضع السجود أو وجه المصلي عن الأرض. و (الحيضة) بكسر الحاء: فعلة من (الحيض) , بمعنى: الحال التي تكون الحائض عليها من التحيض والتجنب. وقد روي بالفتح , وهي المرة من الحيض. وفيه دليل على أن للحائض أن تتناوله شيئا من المسجد. ... ١٤ - باب المستحاضة من الصحاح: ١٦٤ - ٣٨٧ - قالت عائشة ﵂: جاءت فاطمة بنت أبي حبيش ﵂ إلى النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله! إني امرأة أستحاض فلا أطهر , أفأدع الصلاة؟ فقال: " لا , إنما ذلك عرق وليس بحيض , فإذا أقبلت حيضتك فدعي الصلاة , وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم ثم صلي ".

стр. 217

(باب المستحاضة) (من الصحاح): " قالت عائشة: جاءت فاطمة بنت أبي حبيش ﵄ إلى النبي ﷺ , فقالت: يا رسول الله! إني امرأة أستحاض " الحديث. يقال: (استحيضت المرأة تستحاض) على البناء للمفعول. وقوله: (وإنما ذلك عرق , وليس بحيض) معناه: أن ذلك دم عرق انشق , وليس بحيض , فإنه دم تميزه القوة المولدة بإذن الله ﵎ من أجل الجنين , ويدفعه إلى الرحم في مجار مخصوصة , فيجتمع فيه , ولذلك سمي: حيضا , من قولهم: استحوض الماء , أي: اجتمع , فإذا كثر وامتل الرحم , ولم يكن فيه جنين أو كان أكثر مما يحتمله ينصب منه. وقوله:" فإذا أقبلت حيضتك " يحتمل أن يكون المراد به: الحالة التي كانت تحيض فيها , فيكون ردا إلى العادة. وأن يكون المراد به: الحال التي تكون للحيض من قوة الدم في اللون والقوام , ويؤيد [هـ] ما روى ابن شهاب , عن عروة , عن فاطمة بنت أبي حبيش: أن النبي ﷺ قال لها: " إذا كان دم الحيضة فإنه دم أسود يعرف , فإذا كان ذلك فدعي الصلاة ", فيكون ردا إلى التمييز , وقد اختلف العلماء فيه , فأبو حنيفة منع اعتبار التمييز مطلقا , والباقون عملوا بالتمييز في حق المبتدأة , واختلفوا فيما إذا تعارضت العادة

стр. 218

والتمييز , فاعتبر مالك وأحمد وأكثر أصحابنا التمييز , ولم ينظروا إلى العادة , وعكس ابن خيران. ... من الحسان: ١٦٥ – ٣٩١ – وقالت حمنة بنت جحش: كنت أستحاض حيضة كثيرة شديدة , فجئت إلى النبي ﷺ أستفتيه , فقال:" إني أنعت لك الكرسف , فإنه يذهب الدم ", فقلت: هو أكثر من ذلك , قال: " تلجمي " قلت: هو أكثر من ذلك إنما أثج ثجا , قال:" إنما هي ركضة من ركضات الشيطان , فتحيضي ستة أيام أو سبعة أيام في علم الله , ثم اغتسلي , فصلي أربعا وعشرين ليلة وأيامها , أو ثلاثا وعشرين ليلة وأيامها , وصومي , وكذلك افعلي في كل شهر كما تحيض النساء وكما يطهرن , ميقات حيضهن وطهرهن ". وفي رواية:" وإن قويت على أن تؤخري الظهر وتعجلي العصر فتغتسلين وتجمعين بين الصلاتين , وتؤخرين المغرب وتعجلين العشاء , ثم تغتسلين وتجمعين بين الصلاتين فافعلي , وصومي إن قدرت على ذلك " قال رسول الله ﷺ :" وهذا أعجب الأمرين إلي ". (من الحسان): " قالت حمنة بنت جحش: كنت أستحاض حيضة كثيرة شديدة ,

стр. 219

فجئت إلى النبي ﷺ أستفتيه , فقال: إني أنعت لكم الكرسف , فإنه يذهب الدم " الحديث. " الكرسف ": القطن , والمعنى: أصفه لك لتعالجي به. " وتلجمي " أي: شدي اللجام. وقوله:" إنما هي ركضة من ركضات الشيطان " , أي: إنما هي ضربة من ضرباته , [و] حركة من حركاته , ولعلها أضيفـ[ت] إليه , لأنها لا تكاد تخلو عن تقصير في العبادة. والثج: السيلان , يقال: ﴿ماء ثجاجا﴾ [النبأ:١٤] أي: سيال. وتحيضي: اقعدي أيام حيضك عن الصلاة والصوم وسائر ما تدعه الحيض , والظاهر أنها كانت مبتدأة , فردها رسول الله ﷺ إلى غالب عادة النساء , وهو الست أو السبع , و (أو): ليس للتخيير ولا لشك الراوي , بل العددان لما استويا في أنهما غالب العادات ردها الشارع إلى الأوفق منهما لعادات النساء المماثلة لها في السن , والمشاركة لها في المزاج بسبب القرابة أو المسكن. و (في علم الله) ,أي: فيما علمك الله , أو في علمه الذي بينه للناس وشرعه لهم. ***

стр. 220

(٤) كتاب الصلاة

стр. 221

(٤) كتاب الصلاة ١ - باب من الصحاح: ١٦٦ - ٣٩٥ - عن أنس ﵁ قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله! إني أصبت حدا فأقمه علي , ولم يسأله عنه , وحضرت الصلاة , فصلى مع رسول الله ﷺ , فلما قضى النبي ﷺ الصلاة قام الرجل , فقال: يا رسول الله! إني أصبت حدا فأقم في كتاب الله , قال:" أليس قد صليت معنا؟ " قال: نعم , قال:" فإن الله قد غفر لك ذنبك أو حدك ". (كتاب الصلاة) (من الصحاح): " عن أنس ﵁ قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ , فقال: يا رسول الله! إني أصبت حدا " الحديث.

стр. 222

صغائر الذنوب تقع مكفرات بما يتبعها من الحسنات , وكذا ما خفي من الكبائر , لعموم قوله تعالى: ﴿إن الحسنات يذهبن السيئات﴾ [هود:١١٤] وقوله ﵇:" أتبع الحسنة السيئة تمحها ". فأما ما ظهر منها وتحقق عند الحاكم لم يسقط حدها إلا بالتوبة , وفي سقوطه بها خلاف , وخطيئة هذا الرجل في حكم المخفي , لأنه ما بينها , فلذلك سقط حدها بالصلاة , سيما وقد انضم إليها ما أشعر بإنابته عنها وندامته عليها , والترديد من شك الراوي. ... ١٦٧ - ٣٩٧ - وقال:" بين العبد وبين الكفر ترك الصلاة " رواه جابر. " وعن جابر ﵁: أنه ﵇ قال: بين العبد وبين الكفر ترك الصلاة ". من ترك الصلاة المفروضة عمدا جاحدا لوجوبها كفر وفاقا , ومن تركها كسلا وتهاونا , فذهب النخعي وابن المبارك وأحمد وإسحاق إلى تكفيره , وحكي ذلك عن عمر وابن مسعود وغيرهما من الصحابة لهذا الحديث وأمثاله , وذهب الآخرون إلى أنه لا يكفر , وحملوا ذلك على المبالغة في الزجر وتعظيم الوزر , ومتعلق الظرف محذوف , تقديره: ترك الصلاة وصلة بين العبد والكفر توصله إليه.

стр. 223

ويحتمل أن يؤول بأن الحد الواقع بينهما: ترك الصلاة , فمن تركها دخل الحد وحام حول الكفر ودنا منه. ... من الحسان: ١٦٨ - ٣٩٨ - عن عبادة بن الصامت ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ :" خمس صلوات افترضهن الله تعالى , من أحسن وضوءهن , وصلاهن لوقتهن , وأتم ركوهن وخشوعهن , كان له على الله تعالى عهد أن يغفر له , ومن لم يغفل فليس له على الله عهد , إن شاء غفر له , وإن شاء عذبه ". (من الحسان): " عن عبادة بن الصامت ﵁ قال: قال النبي ﷺ : خمس صلوات افترضهن الله تعالى " الحديث. شبه وعد الله بإثابته المؤمنين على أعمالهم بالعهد الموثوق به الذي لا يخالف , ووكل أمر التارك إلى مشيئته تجويز العفو , ومن ديدن الكرام محافظة الوعد والمسامحة في الوعيد. ... ١٦٩ - ٤٠١ - وقال:" العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن

стр. 224

تركها فقد كفر " رواه بريدة. " وعن بريدة بن الحصيب الأسلمي: أنه ﵇ قال: العهد الذي بيننا وبينهم " الحديث. الضمير الغائب للمنافقين , شبه الموجب لإبقائهم وحقن دمائهم بالعهد المقتضي لإبقاء المعاهد والكف عنه , والمعنى: أن العمدة في إجراء أحكام الإسلام عليهم: تشبههم بالمسلمين في حضور صلواتهم ولزوم جماعتهم وانقيادهم للأحكام الظاهرة , فإذا تركوا ذلك كانوا وسائر الكفار سواء. ... ٢ - باب المواقيت من الصحاح: ١٧٠ - ٤٠٢ - عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ " وقت الظهر إذا زالت الشمس ما لم يحضر العصر , ووقت العصر ما لم تصفر الشمس , ووقت صلاة المغرب إذا غابت الشمس ما لم يسقط الشفق , ووقت صلاة العشاء إلى نصف الليل الأوسط , ووقت صلاة الصبح من طلوع الفجر ما لم تطلع الشمس , فإذا طلعت الشمس فأمسك عن الصلاة , فإنها تطلع بين قرني الشيطان ".

стр. 225

(باب المواقيت) (من الصحاح): "عن ابن عمر [و] ﵄: أنه ﵇ قال: وقت الظهر إذا زالت الشمس "الحديث. (زوال الشمس): انتقالهـ[ا] من خط نصف النهار. وقوله:" ما لم تحضر العصر " دليل على أنه لا اشترك بين الوقتين. وقال مالك: إذا صار ظل كل شيء مثله من موضع زيادة الظل كان بقدر أربع ركعات من ذلك الوقت مشتركا بين الظهر والعصر , لأن جبريل صلى العصر في اليوم الأول والظهر في اليوم الثاني في ذلك الوقت. والشافعي أول ذلك بانطباق آخر الظهر وأول العصر على الحين الذي صار ظل كل شيء مثله لهذا الحديث , ولأنه لا يتمادى قدر ما يسع أربع ركعات , فلابد من تأويل , وتأويله - على ما ذكرنا - أولى , قياسا على سائر الصلوات. وقوله:" وقت العصر ما لم تصفر الشمس " يريد به وقت الاختيار , وكذا ما ورد في حديث جبريل , لقوله ﵇:" من أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح , ومن أردك ركعة قبل العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر " وكذا قوله في وقت العشاء , فإن الأكثرين ذهبوا إلى أن وقت جوازه يمتد إلى

стр. 226

طلوع الفجر الصادق , لما روى أبو قتادة: أنه ﵇ قال: " ليس التفريط في النوم , إنما التفريط في اليقظة , أن يؤخر صلاة حتى يدخل وقت صلاة أخرى " , خص الحديث في الصبح , فيبقى على عمومه في الباقي. وقوله:" ما لم يسقط الشفق " يدل على أن وقت المغرب يمتد إلى غروب الشفق , وإليه ذهب الشافعي قديما والثوري وأحمد وإسحاق وأصحاب الرأي. وذهب مالك والأوزاعي وابن المبارك والشافعي في قوله الجديد: إلى أن صلاة المغرب لها وقت واحد , لأن جبريل صلاها في اليومين في وقت واحد , و (سقوط الشفق): غروبه , والمراد به: الحمرة التي تلي الشمس , كما رواه ابن عمر وابن عباس ﵃ , وهو قول مكحول وطاوس ومالك والثوري وابن أبي ليلى والشافعي وأحمد وإسحاق ومحمد بن حسين وأبي يوسف.,وروي عن أبي هريرة: أنه البياض الذي يعقب الحمرة , وبه قال ابن عبد العزيز والأوزاعي وأبو حنيفة. و" قرني الشيطان ": ضفيرتاه , شبه تسويل الشيطان لعبدة الشمس عبادتها وحثه إياهم على سجودها وقت طلوعها بحمله إياها برأسه إليهم واطلاعها عليهم. ***

стр. 227

٣ - باب تعجيل الصلاة من الصحاح: ١٧١ - ٤٠٥ - قال أبو برزة الأسلمي ﵁: كان رسول الله ﷺ يصلي الهجير التي تدعونها الأولى حين تدحض الشمس , ويصلي العصر ثم يجيء أحدنا إلى رحله في أقصى المدينة والشمس حية , ونسيت ما قال في المغرب , وكان يستحب أن يؤخر العشاء , ولا يحب النوم قبلها والحديث بعدها , وكان ينفتل من صلاة الغداة حين يعرف الرجل جليسه , ويقرأ بالستين إلى المئة , وفي رواية: ولا يبالي بتأخير العشاء إلى ثلث الليل. (باب تعجيل الصلاة) (من الصحاح): " قال أبو برزة الأسلمي: كان رسول الله ﷺ يصلي الهجيرة " الحديث. (الهجيرة والهاجرة): نصف النهار , والمراد بها: صلاتها , أعني: صلاة الظهر , وتسمى الأولى لأنها أول صلاة النهار , و (دحوض الشمس): زوالها , من: دحضت رجله تدحض دحضا: إذا زلقت , كأنها حين تزول تدحض من كبد السماء , و (حياة الشمس): استعارة من

стр. 228

بقاء لونها وقوة ضوئها وشدة حرها. و" ينفتل " أي: ينقلب. وقوله:" يقرأ بالستين إلى المئة " معناه: أنه يقرأ هذا القدر من الآيات في الصلاة. ... ١٧٢ - ٤٠٧ - قال أنس ﵁: كنا إذا صلينا خلف رسول الله ﷺ بالظهائر سجدنا على ثيابنا اتقاء الحر. " وقال أنس: كنا إذا صلينا خلف رسول الله ﷺ بالظهائر سجدنا على ثيابنا اتقاء الحر ". حمل أكثر الفقهاء "ثيابنا " على الملبوس , وأوله الشافعي بالمصلى ونحوه , ولم يجوز السجود على ثوب هو لابسه , لما روي عن خباب أنه قال: شكونا إلى رسول الله ﷺ حر الرمضاء , فلم يشكنا , أي: لم يزل شكوانا , وقول جابر: كنت أصلي الظهر مع رسول الله ﷺ فأخذت قبضة من الحصباء لتبرد في كفي , أضعها لجبهتي أسجد عليها لشدة الحر , فلو جاز السجود بكور عمامته , أو على طرف ثوبه لم يحتج إلى تبريد الحصباء.

стр. 229

١٧٣ - ٤٠٨ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " إذا اشتد الحر فأبردوا بالصلاة " وفي رواية:" بالظهر , فإن شدة الحر من فيح جهنم ". " وعن أبي هريرة: أنه قال ﵇: إذا اشتد الحر فأبردوا بالصلاة , وفي رواية: بالظهر " الحديث. (الإبراد): كسر الحر , والمراد به: تأخير الظهر إلى أن يقع الظل في الطريق , فيأتي فيه طالب الجماعة. وقوله:" فإن شدة الحر من فيح جهنم " أي: من ثوران حرها , وسطوعها: علة للأمر. ... ١٧٤ - ٤٠٨ - م - " واشتكت النار إلى ربها , فقالت: يا رب! أكل بعضي بعضا , فأذن لها بنفسين: نفس في الشتاء ونفس في الصيف , أشد ما تجدون من الحر , وأشد ما تجدون من الومهرير ". (واشتكاء النار من أكل بعضها بعضا): مجاز عن كثرتها وغليانها وازدحام أجزائها , بحيث يضيق عنها مكانها , فيسعى كل جزء في إفناء الجزء الآخر , والاستيلاء على مكانها , و (نفسها): لهبها وخروج ما يبرز منها , مأخوذ من نفس الحيوان , وهو الهواء الدخاني الذي تخرجه القوة الحيوانية ويبقى منه حوالي القلب.

стр. 230

وقوله: "أشد ما تجدون من الحر": خبر مبتدأ محذوف , أي: ذلك أشد وتحقيقه: أن أحوال هذا العالم عكس أمور ذاك العالم وآثارها , فكما جعل مستطابات الأشياء وما يستلذ به الإنسان في الدنيا أشباه نعائم الجنان ومن جنس ما أعد لهم فيها , ليكونوا أميل إليها وأرغب فيها , ويشهد لذلك قوله تعالى: ﴿كلما رزقوا منها من ثمرة رزقا قالوا هذا الذي رزقنا من قبل﴾ [البقرة:٢٥] = جعل الشدائد المؤلمة والأشياء المؤذية نموذجا لأحوال الجحيم وما يعذب به الكفرة والعصاة , ليزيد خوفهم , وانزجارهم عما يوصلهم إليه , فما يوجد من السموم المهلكة فمن حرها , وما يوجد من الصراصر المجمدة فمن زمهريرها , وهو طبقة من طبقات الجحيم , ويحتمل هذا الكلام وجوه أخر , والله أعلم بالحقائق. ١٧٥ - ٤١٥ - وقالت عائشة ﵂: كان رسول الله ﷺ ليصلي الصبح ,فتنصرف النساء متلفعات بمروطهن ما يعرفن من الغلس. " وقالت عائشة ﵂: كان رسول الله ﷺ ليصلي الصبح , فينصرف النساء " الحديث. (التلفع): شد اللفاع , وهو ما يغطي الوجه , و (المروط) جمع: مرط بالكسر , وهو كساء من صوف أو خز يؤتزر به , والمعنى: أنهن

стр. 231

يتلحَّفْن بالمروط , " ما يعرفن من الغلس ": وهو ظلمة آخر الليل. ... ١٧٦ - ٤١٧ - عن أبي ذر ﵁ قال: قال لي النبي ﷺ :" يا أبا ذر كيف بك إذا كانت عليك أمراء يميتون الصلاة - أو قال: يؤخرون الصلاة " , قلت: يا رسول الله فما تأمرني؟ قال: " صل الصلاة لوقتها , فإن أدركتها معهم فصلها , فإنها لك نافلة ". " وعن أبي ذر ﵁: أنه ﵇ قال: يا أبا ذر! كيف بك إذا كانت عليك أمراء يميتون الصلاة " الحديث. (إماتة الصلاة): مجاز عن إضاعتها وتأخيرها لعدم المبالاة بها , والضمير في " فصلها " للصلاة , وفي بعض النسخ:" فصله " بهاء ساكنة للوقف. والحديث دليل على أن من صلى منفردا , ثم صادف جماعة سن له أن يعيد معهم , وتكون الأولى فرضا , والثانية نفلا. ... من الحسان: ١٧٧ - ٤٢٨ - وقال:" أعتموا بهذه الصلاة , فإنكم قد فضلتم بها على سائر الأمم ولم تصلها أمة قبلكم " رواه معاذ بن جبل.

стр. 232

(من الحسان): " عن معاذ بن جبل ﵁: أنه ﵇ قال: أعتموا بهذه الصلاة , فإنكم قد فضلتم بها " الحديث. (أعتم الرجل): إذا دخل العتمة , كما يقال: أصبح: إذا دخل في الصباح , والعتمة: ظلمة الليل , وقال الخليل: العتمة من الليل ما بعد غيبوبة الشفق , [أي: صلوها بعدما] دخلتم الظلمة , وتحقق لكم سقوط الشفق , ولا تستعجلوا فيها , فتوقعوها قبل وقتها , وعلى هذا لم يدل على أن التأخير فيه أفضل , ويحتمل أن يقال: إنه من العتم الذي هو الإبطاء , يقال: أعتم الرجل قراه: إذا أخره. والتوفيق بين قوله:" لم تصلها أمة قبلكم " وقوله في حديث جبريل:" هذا وقت الأنبياء من قبلكم ": أن يقال - والله أعلم -: إن صلاة العشاء كانت تصليها الرسل نافلة لهم , ولم تكتب على أممهم كالتهجد , فإنه وجب على الرسول - صلوات الله عليه - ولم يجب علينا , أو يجعل هذا إشارة إلى وقت الإسفار , فإنه قد أشرك فيه جميع الأنبياء الماضية والأمم الدارجة , بخلاف سائر الأوقات. ***

стр. 233

١٧٨ - ٤٣٠ - وقال رسول الله ﷺ :" أسفروا بالفجر فإنه أعظم للأجر " رواه رافع بن خديج. " وعن رافع بن خديج ﵁: أنه ﵇ قال: أسفروا بالفجر , فإنه أعظم للأجر ". أي: طولوا صلاة الفجر وأمدوها إلى الإسفار , فإنه أوفق للأحاديث الصحيحة الواردة بالتغليس والتعجيل فيه. ... فصل من الصحاح: ١٧٩ - ٤٣٢ - وقال ﵇:" من صلى البردين دخل الجنة ", رواه أبو موسى. (فصل في فضائل الصلاة) (من الصحاح): " عن أبي موسى ﵁: أنه ﵇ قال: من صلى البردين دخل الجنة ". (البردان والأبردان): الغداة والعشي , سميا بذلك لأنهما يكونان أبرد من وسط النهار , والمراد به: صلاتا الصبح والعصر , وإنما خصتا

стр. 234

بهذا الفضل لأنهما مشهودتان , تشهدهما ملائكة الليل وملائكة النهار , ولأن الصبح مما يثقل على النفوس , إذ النوم والكسل يغلب عليها في وقته , والعصر يقام عن قيام الأسواق واشتغال الناس بالمعاملات. والمعنى: أن المسلم إذا حافظ عليهما وأتى بهما كلا في وقتيهما - مع ما فيه من التثاقل والمشاغل - كان الظاهر من حاله أن يحافظ على غيره أشد محافظة , وما عسى يقع منه تفريط فبالحري أن يقع مكفرا , فيغفر له ويدخل الجنة. ... ١٨٠ - ٤٣٤ - وقال:" من صلى الصبح فهو في ذمة الله , فلا يطلبنكم الله من ذمته بشيء , فإنه من يطلبه من ذمته بشيء يدركه , ثم يكبه على وجهه في نار جهنم ", رواه جندب القسري. " وعن جندب القسري - وهو جندب بن عبد الله بن سفيان البجلي - أنه ﵇ قال: من صلى الصبح فهو في ذمة الله " الحديث. المواظبة على صلاة الصبح , لما فيها من الكلفة والمشقة مظنة خلوص الرجل ومئنة إيمانه , ومن كان مؤمنا خالصا فهو في ذمة الله وعهده. وقوله:" فلا يطلبنكم الله من ذمته " وإن دل ظاهره على النهي عن مطالبة الله إياهم بشيء من عهده , لكن المعنى: نهاهم عما يوجب

стр. 235

مطالبته تعالى إياهم من نقض عهده وإخفاء ذمته , بالتعرض لمن له ذمته , ويحتمل أن يكون المراد بالذمة: الصلاة المقتضية للأمان , فيكون المعنى: لا تتركوا صلاة الصبح , فينتقض به العهد الذي بينكم وبين ربكم , فيطلبكم به , ومن طلبه الله للمؤاخذة بما فرط في حقه والقيام بعهده أدركه , ومن أدركه كبه على وجهه في نار جهنم. ... ١٨١ - ٤٣٥ - وقال:" لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا عليه , ولو يعلمون ما في التهجير لاستبقوا إليه , ولو يعلمون ما في العتمة والصبح لأتوهما ولو حبوا ", رواه أبو هريرة ﵁. " عن أبي هريرة ﵁: أنه ﵊ قال: لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول " الحديث. " النداء ": الأذان , أي: لو يعلمون ما في التأذين من الفضل والثواب , ثم لم يجدوا له طريقا إلا (الاستفهام) - أي: الاقتراع وطلب السهم بالقرعة , من: ساهمته فسهمته أسهمه: إذا قارعته - اقترعوا حرصا ومنافسة به , ويحتمل أن يكون المراد به: الإقامة , على تقدير مضاف , وهو أوفق لما بعده , أي: لو يعلمون ما في حضور الإقامة , وتحرم الإمام والوقوف في الصف الأول , ولم يجدوا مجالا إلا بالاستهام لاستهموا.

стр. 236

و" ثم " هاهنا: للإشعار بتعظيم الأمر وبعد الناس عنه. و" التهجير ": السير في الهاجرة , والمراد به: السعي إلى الجمعة وجماعة الظهر , لا يقال الأمر بالإبراد ينافيه , لأنا نمنع ذلك , فإن كثيرا من أصحابنا حملوا الأمر به على الرخصة , فعلى هذا يكون الإبراد رخصة , والتهجير سنة , ومن حمل ذلك على الندب فله أن يقول: الإبراد تأخير الظهر أدنى تأخير , بحيث يقع الظل , ولا يخرج بذلك عن حد التهجير , فإن الهاجرة تطلق على الوقت إلى أن يقرب العصر , والله أعلم. ... ٤ - باب الأذان من الصحاح: ١٨٢ - ٤٤٣ - قال أنس ﵁: ذكروا النار والناقوس , فذكروا اليهود والنصارى , فأمر بلال أن يشفع الأذان , وأن يوتر الإقامة إلا الإقامة. (باب الأذان) (من الصحاح): " قال أنس ﵁: ذكروا النار والناقوس , فذكروا اليهود والنصارى " الحديث.

стр. 237

لَمَّا قدم رسول الله ﷺ المدينة وبنى المسجد شاور الصحابة فيما يجعل علما للوقت , " فذكروا النار والناقوس , فذكروا اليهود والنصارى ", أي: فذكر جمع من الصحابة النار والناقوس , وذكر آخرون النار شعار اليهود والناقوس شعار النصارى , فلو اتخذنا أحد الأمرين شعارا لالتبس أوقاتنا بأوقاتهم. وقوله:" فأمر بلال " يفيد عرفا: أن الرسول - صلوات الله عليه - أمره , فإن من اشتهر بطاعة أمير إذا قال: (أمرت بكذا) فهم منه أمر الأمير له , وأيضا مقصود الراوي: بيان شرعيته , وهي لا تكون إلا إذا كان الأمر صادرا من الشارع , وذلك حين ما ذكر له عبد الله بن زيد الأنصاري رؤياه. وقوله:" أن يشفع الأذان ", أي: أن يأتي بألفاظه شفعا. وقوله:" أن يوتر الإقامة " دليل على أن الإقامة فرادى , وهو مذهب أكثر أهل العلم من الصحابة والتابعين , وإليه ذهب الزهري ومالك والشافعي والأوزاعي وأحم وإسحاق , وقد رواه ابن عمر وبلال وسعد القرظ , وهو كان مؤذن مسجد قباء في عهد رسول الله ﷺ وخليفة بلال في مسجد رسول الله ﷺ بعد عهده , واحتج من زعم أنها مثنى بما روى ذلك عبد الله بن زيد. ... ١٨٣ - ٤٤٦ - عن أبي محذورة: أن النبي ﷺ علمه الأذان تسع

стр. 238

عشرة كلمة , والإقامة سبع عشرة كلمة. وقول أبي محذورة) علمني رسول الله ﷺ الأذان تسع عشرة كلمة , والإقامة سبع عشرة كلمة) وذلك معارض بما روى الإفراد عنها أيضا , وحديث أبي محذورة ما سمعت أحدا قال بموجبه غير محمد بن إسحاق بن خزيمة , لأنه يقتضي الترجيع في الأذان , إذ به يصير تسع عشرة كلمة , والتثنية في الإقامة , والقائل بأحدهما لا يقول بالآخر , وأبو محذورة اسمه: سمرة بن معين القرشي الجمحي , ويقال: جابر بن معين , وقيل: سمرة بن نوذان بن سعد بن جمح. ... ٥ - باب فضل الأذان وإجابة المؤذن من الصحاح: ١٨٤ - ٤٥١ - عن معاوية ﵁ أنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول:" المؤذنون أول الناس أعناقا يوم القيامة ". (باب فضل الأذان) (من الصحاح): " عن معاوية: أنه ﵊ قال: المؤذنون أطول

стр. 239

الناس أعناقا يوم القيامة ". (تعديل عنق الرجل وطوله): كناية عن فر حه وعلو درجته وإنافته على غيره , كما أن حنو القد واطمئنانه وخضوع العنق وانكساره: يعبر بها عن الحيرة والهوان والهم , قال الله تعالى: ﴿فظلت أعناقهم لها خاضعين﴾ [الشعراء: ٤]. ... ١٨٥ - ٤٥٢ - عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ :" إذا نودي للصلاة أدبر الشيطان له ضراط حتى لا يسمع التأذين , فإذا قضى النداء أقبل , حتى إذا ثوب بالصلاة أدبر , حتى إذا قضي التثويب أقبل حتى يخطر بين المرء ونفسه , يقول: اذكر كذا , واذكر كذا لما لم يكن يذكر حتى يظل الرجل لا يدري كم صلى ". " وعن أبي هريرة ﵁: أنه ﵊ قال: إذا نودي للصلاة أدبر الشيطان " الحديث. شبه إشغال الشيطان نفسه وإغفالها عن سماع التأذين: بالصوت الذي يملأ السمع ويمنعه عن سماع غيره , ثم سماه: ضراطا , تقبيحا له. وقوله:" ّإذا ثوب بالصلاة " معناه: إذا أقيم لها , وإنما سميت الإقامة: تثويبا , لأن المؤذن بعدما دعا الناس إلى الصلاة عاد إلى دعائهم بها , من) ثاب) بمعنى: رجع , ولذلك يسمى قوله:" الصلاة

стр. 240

خير من النوم ": تثويبا , لأنه رجوع إلى الأمر بالمبادرة إلى الصلاة. ... ١٨٦ - ٤٥٣ - وقال:" لا يسمع مدى صوت المؤذن جن ولا إنس ولا شيء إلا شهد له يوم القيامة " رواه أبو سعيد الخدري ﵁. " وعن أبي سعيد الخدري ﵁: أنه ﵇ قال: لا يسمع مدى صوت المؤذن " الحديث. (مدى الشيء): غايته , وغاية الصوت تكون أخفى لا محالة , فإذا شهد له من بعد عنه ووصل إليه همس صوته , فأن يشهد له من دنا منه وسمع مباديء صوته كان أولى , وإنما قال ذلك ولم يقل: لم يسمع صوت المؤذن , ليكون أبلغ وأشد تحريضا وحثا لهم على رفع الصوت. ... ١٨٧ - ٤٥٦ - وقال: " من قال حين يسمع النداء: اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة , آت محمدا الوسيلة والفضيلة , والدرجة الرفيعة وابعثه مقاما محمودا الذي وعدته يا أرحم الراحمين , حلت له شفاعتي يوم القيامة ", رواه جابر. " عن جابر ﵁: أنه ﵇ قال: من قال حين يسمع النداء: اللهم رب هذه الدعوة " الحديث.

стр. 241

هذا إشارة إلى الأذان , وإنما أنث لتأنيث خبره , لأنه هو في المعنى , كما فعل ذلك في قولهم: من كانت أمك؟ و " التامة ": صفة مقيدة للخبر , أي: هذه دعوة تامة في إلزام الحجة وإيجاب الإجابة والمسارعة إلى المدعو إليه , و" الصلاة ": عطف على الخبر , ومعناها الدعاء , و"القائمة ": الدائمة , من: أقام الشيء وأقام عليه: إذا حافظه وداوم عليه , كما قال الشاعر: أقامت غزالة سوق الضراب لأهل العراقين حولا قميطا أي: لا يغيرها شارع ولا يبطلها غاشم , و " الوسيلة ": ما يتقرب إلى غيره , كما قال تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة﴾ أي: اتقوه بترك المعاصي , وابتغوا إليه الوسيلة بفعل الطاعات , من: وسل إلى كذا: إذا تقرب إليه. قال لبيد: أرى الناس لا يدرون ما قدر أمرهم ألا كل ذي لب إلى الله واسل والمراد بها هاهنا: منزلة في الجنة , لقوله ﵇ في حديث عبد الله بن عمرو: " ثم سلوا الله لي الوسيلة , فإنها منزلة في الجنة " , وإنما سميت وسيلة لأنها منزلة يكون الواصل إليها قريبا من الله تعالى فائزا بلقائه , فيكون كالوصلة التي يتوسل بالوصول إليه

стр. 242

والحصول فيها إلى الزلفى من الله , والانخراط في عمار الملأ الأعلى , أو: لأنها منزلة سنية , ومرتبة علية يتوسل الناس بمن اختص بها ونزل فيها إلى الله تعالى , وشفيعا مشفعا يخلصهم من أليم عقابه. ... ١٨٨ - ٤٥٩ - وقال: " بين كل أذانين صلاة , بين كل أذانين صلاة " ثم قال في الثالثة: " لمن شاء ", رواه عبد الله بن مغفل. " وعن عبد الله بن مغفل ﵁: أنه ﵇ قال: بين كل أذانين صلاة " الحديث. المراد بـ (الأذانين): الأذان والإقامة , والمعنى: أنه يسن أن يصلي بين كل أذان وإقامة صلاة , ولا يجوز حمله على أن بين كل أذان وأذان الوقت الذي بعده صلاة , لأنها واجبة , لا خير فيها , وقد خير , فقال ﵇ في المرة الثالثة:" لمن شاء ". ... من الحسان: ١٨٩ - ٤٦٠ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " الأئمة ضمناء , المؤذنون أمناء , فأرشد الله الأئمة , وغفر للمؤذنين ".

стр. 243

(من الحسان): " عن أبي هريرة ﵁: أنه ﵇ قال: الأئمة ضمناء " الحديث. الإمام متكفل أمور صلاة الجمع , فيتحمل القراءة عنهم إما مطلقا عند من لا يوجب القراءة على المأموم , أو إذا كانوا مسبوقين , ويحفظ عليهم الأركان والسنن وعدد الركعات , ويتولى السفارة بينهم وبين ربهم في الدعاء , والمؤذن أمين في الأوقات , يعتمد الناس على أصواتهم في الصلاة والصيام وسائر الوظائف المؤقتة. وقوله:" أرشد الله الأئمة وغفر للمؤذنين " دعاء أخرجه في صورة الخبر , تأكيدا وإشعارا بأنه من الدعوات التي تتلقى بالمسارعة إلى إجابتها , وعبر بصيغة الماضي ثقة بالاستجابة , وكأنه أجب سؤاله , وهو يخبر عنه موجودا , والمعنى: أرشد اللهم الأئمة للعلم بما تكفلوه والقيام به والخروج عن عهدته , واغفر للمؤذنين ما عسى يكون لهم من تفريط في الأمانة التي حملوها. ... ١٩٠ - ٤٦٤ - عن أبي هريرة ﵁ , عن رسول الله ﷺ أنه قال:

стр. 244

" المؤذن يغفر له مدى صوته , ويشهد له كل رطب ويابس , وشاهد الصلاة يكتب له خمس وعشرون صلاة , ويكفر عنه ما بينهما ". " وعن أبي هريرة ﵁: أنه ﵇ قال: المؤذن يغفر له مدى صوته ". أي: يستغفر له كل من سمع صوته , فحضر الصلاة , وذلك لأن الصلاة كفارة لما سبق من الخطايا , فمن سمع صوت المؤذن وأسرع إلى الصلاة غفرت خطاياه للصلاة المسببة من ندائه , فكأنه غفر لأجله , ويحتمل أن يكون المراد به: أن المؤذن يغفر له خطاياه , وإن كانت بحيث لو فرضت أجساما ملأت ما بين الجوانب التي يبلغها مدى صوته. ... ١٩١ - ٤٦٥ - وقال عثمان بن أبي العاص ﵁: قلت: يا رسول الل! اجعلني إمام قومي , قال: " أنت إمامهم , واقتد بأضعفهم , واتخذ مؤذنا لا يأخذ على أذانه أجرا ". " وقال عثمان بن أبي العاص: يا رسول الله! اجعلني إمام قومي " الحديث. جعله إمام القوم , وأمره بأن يقتدي بأضعفهم على معنى أن يتبع في أفعاله الصلاة منته , فيأتي بها حسبما يطيقه ويحتمله.

стр. 245

وقوله:" واتخذ مؤذنا لا يأخذ على أذانه أجرا " تمسك به من منع الاستئجار على الأذان , ولا دليل فيه, لجواز أنه ﵇ أمر بذلك أخذا بالأفضل. ... ١٩٢ - ٤٦٩ - وقال: " ثنتان لا تردان: الدعاء عند النداء , وعند البأس حين يلحم بعضهم بعضا ", ويروى:" وتحت المطر " , رواه سهل بن سعد. " وفي حديث سهل بن سعد ﵁: حين يلحم بعضهم بعضا ". أي: حين يقوم القتال ويتشبث بعضهم ببعض , يقال: (لحمه): إذا التصق به التصاق اللحم بالعظم , أو يهم بعضهم بقتل بعض , من: لحم فلان فهو ملحوم ولحيم: إذا قتل , كأنه يجعل لحما. ... ٦ - باب المساجد ومواضع الصلاة من الصحاح: ١٩٣ - ٤٧٨ - قال ابن عباس ﵁: لما دخل النبي ﷺ البيت دعا في نواحيه كلها , ولم يصل حتى خرج , فلما خرج ركع ركعتين في

стр. 246

قُبُل الكعبة , وقال:" هذه القبلة ". (باب المساجد) (من الصحاح): " قال ابن عباس ﵄: لما دخل النبي ﷺ البيت دعا في نواحيه " الحديث. ذهب عامة العلماء إلى جواز التنفل داخل الكعبة , لحديث ابن عمر , وهو الذي يليه , واختلف في الفرض , فذهب الجمهور إلى جوازه , ومنع منه مالك وأحمد , وحكي عن محمد بن جرير أنه قال: لا يجوز فيها الإتيان بالفرض ولا بالنفل , تمسكا بهذا الحديث , وهو – مع ضعف دلالته – لا يعارض حديث ابن عمر لأنه حكاية دخوله يوم الفتح , فلو كان ابن عباس يحكي غيره فلا تعارض , وإن كان يحكيه – والظاهر ذلك – فالحديث مرسل , لأنه – ﵇ – لما دخل أغلق عليه الباب ولم يكن ابن عباس معه , فلا يقاوم المسند , والمراد: بـ (قبل الكعبة): الجهة التي فيها الباب , والباء يسكن ويحرك. وقوله: " هذه " إشارة إلى الكعبة , و"القبلة ": خبرها , والمعنى: إن أمر القبلة قد استقر عليها , فلا ينسخ إلى غيرها , ويحتمل أن يكون إشارة إلى تلك الجهة , والمراد: أن يعلمهم أن الأفضل أن يقف الإمام من هذا الجانب دون غيره , فإنه مقام إبراهيم صلوات الله عليه. ***

стр. 247

١٩٤ – ٤٨١ – وقال: " لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام , والمسجد الأقصى ,ومسجدي هذا ", رواه أبو سعيد الخدري ﵁. " وعن أبي سعيد الخدري ﵁: أنه – ﵇ – قال: لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد " الحديث. ينبغي للعاقل ألا يشتغل إلا بما له فيه صلاح دنيوي أو فلاح أخروي , ولما كانت ما عدا ذلك من المساجد متساوية الأقدام في الشرف والفضل , وكان التنقل والارتحال لأجلها عبثا ضائعا نهى الشارع عنه , ولهذا قيل: لو نذر أن يعتكف أو يصلي في أحد هذه المساجد تعين , بخلاف سائر المساجد , والمقتضي لشرفها: أنها من أبنية الأنبياء ومتعبداتهم. ... ١٩٥ – ٤٨٢ – وقال: " ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة , ومنبري على حوضي " رواه أبو هريرة. " عن أبي هريرة ﵁: أنه – ﵇ – قال: ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة " الحديث. قيل معناه: إن الصلاة والذكر فيما بينهما يؤدي إلى " روضة من رياض الجنة " , ومن حضر وعظه وسمع قوله سماع تذكر واتعاظ سقي

стр. 248

يوم القيامة من حوضه. وقيل: سمي ما بينهما روضة لأنه مجلس الذكر والدعاء , وقد سمي رسول الله ﷺ مجلس الذكر والدعاء: رياضا , لأنها مؤدية إليها , وشبه المنبر بالحوض , لأن القلوب الصادئة ترده وتستشفي به من علة الجهال. ... ١٩٦ – ٤٨٨ – وقال جابر: أراد بنو سلمة أن ينتقلوا إلى قرب المسجد , فقال النبي ﷺ :" يا بني سلمة! دياركم , تكتب آثاركم , دياركم , تكتب آثاركم ". " وقال جابر: أراد بنو سلمة أن ينتقلوا إلى المسجد " الحديث. " بنو سلمة " بكسر اللام: بطن من الأنصار , وكانت دورهم بعيدة من المسجد , فأرادوا أن يتحولوا إلى قربه , فكره رسول الله ﷺ أن تعري دورهم , أي: أن تصير عراة , أي: فضاء , فنهاهم عنه. و (ديار) جمع: دار , ونصبه على الإغراء , أي: الزموا دياركم , و" تكتب ": جواب الأمر , والمراد بالآثار الخطى إلى المساجد , أي: تعد خطاكم وتكتبها الكتبة للثواب أو ما يؤثر , أي: يكتب في السنن والآثار حرصكم على الطاعات وجدكم واجتهادكم في حضور الجماعات ,

стр. 249

ويقتدي بكم من بعدكم ... ١٩٧ – ٤٩٩ – وقال:" لعنة الله على اليهود والنصارى , اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد ". " وعن عائشة ﵂: أنه – ﵇ – قال: لعنة الله على اليهود والنصارى "الحديث. لما كانت اليهود والنصارى يسجدون لقبور الأنبياء تعظيما لشأنهم ويجعلونها قبلة , ويتوجهون في الصلاة نحوها , فاتخذوها أوثانا = لعنهم ومنع المسلمين عن مثل ذلك ونهاهم عنه , أما من اتخذ مسجدا في جوار صالح , أو صلى في مقبرته , وقصد به الاستظهار بروحه , أو وصول أثر من آثار عبادته إليه , لا التعظيم له والتوجه نحوه فلا حرج عليه , ألا ترى أن مرقد إسماعيل – ﵇ – في المسجد الحرام عند الحطيم , ثم إن ذلك المسجد أفضل مكان يتحرى المصلي لصلاته , والنهي عن الصلاة في المقابر مختص بالمقابر المنبوشة , لما فيها من النجاسة. ... ١٩٨ – ٥٠١ – وقال: " اجعلوا في بيوتكم من صلاتكم ولا تتخذوها قبورا ".

стр. 250

" وعن ابن عمر: أنه – ﵇ – قال: اجعلوا في بيوتكم من صلاتكم , ولا تتخذوها قبورا ". " من صلاتكم ": مفعول " اجعلوا " أي: اجعلوا بعض صلاتكم في البيوت , " ولا تتخذوها قبورا ": تخلونها عن الصلاة , شبه المكان الخالي عن العبادة بالقبر , أو الغافل عنها بالميت , ثم أطلق القبر على مقره. وقيل: معناه: النهي عن الدفن في البيوت , وإنما دفن رسول الله ﷺ في بيت عائشة مخافة أن يتخذ قبره مسجدا , أو يستبدله الناس , وغير ذلك. ... من الحسان: ١٩٩ – ٥٠٣ – عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ :" ما بين المشرق والمغرب قبلة ". (من الحسان): " عن أبي هريرة ﵁ , عن النبي ﷺ أن قال: ما بين المشرق والمغرب قبلة ". يريد ما بين مشرق الشمس في الشتاء – وهو مطلع قلب العقرب – ومغرب الشمس في الصيف , وهو مغرب السماك الرامح.
следующие страницы →