Полный текст (1 692 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.
стр. 456
قوله: " ولا يجمع بين متفرق , ولا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة " الظاهر: أنه نهي للمالك عن الجمع والتفريق , قصدا إلى سقوط الزكاة أو تقليلها , كما إذا ملك أربعين شاة , فخلط بأربعين لغيره , لتعود واجبة من شاة إلى نصفها , أو كان له عشرون شاة مخلوطة بمثله , ففرق حتى لا يكون نصابا , فتتعلق به , وهو قول أكثر أهل العلم.
وقيل: [نهي] للساعي أن يفرق المواشي على المالك , ليزيد الواجب , كما إذا كان له مئة وعشرون شاة , وواجبها شاة , ففرقها المصدق , فجعلها أربعين أربعين , ليكون فيها ثلاث شياه , [أ] وأن يجمع بين متفرق لتجب فيه الزكاة أو يزيد , كما كان لرجلين أربعون شاة متفرقة , فجمعها لتجب فيها الزكاة , أو كان لكل واحد منهما مئة وعشرون , فجمع بينهما ليصير الواجب ثلاث شياه , وهو قول من لم يعتبر الخلطة , ولم يجعل لها تأثيرا كالثوري وأبي حنيفة.
وهذا التأويل حينئذ يفقر قوله: (خشية الصدقة) إلى إضمار , مثل: أن تقل الصدقة , وظاهر قوله عقيب ذلك: " وما كان من خليطين فإنهما يتراجعان بينهما بالسوية " يعضد الوجه الأول , ومن صور التراجع أن يكون لأحد الخليطين ثلاثون بقرا , وللآخر أربعون , فأخذ الساعي تبيعا من صاحب الثلاثين , ومسنة من صاحب الأربعين , فيرجع باذل التبيع بأربعة
стр. 457
أسباعه على صاحب المسنة , وهو بثلاثة أسباعها على باذل التبيع.
وعلى الوجه الثاني يؤول بمثل ما إذا كان مئة وإحدى وعشرين شاة مشتركة بين اثنتين أثلاثا , وأخذ العامل من عرض المال شاتين فحصه صاحب الثلثين من المأخوذ شاة وثلث , والواجب عليه شاة , فيرجع بالثلث الزائد عن واجبه على صاحب الثلث , وظاهر لفظ الحديث كما ترى يأبى عنه.
قوله: " وفي الرقة ربع العشر " , (الرقة): الدراهم المضروبة , وأصله: الورق , والتاء بدل عن الواو كما في: عدة , ويجمع على رقين , مثل: ثنين وعزين.
...
٣٨٤ – ١٢٦٤ – وعن عبد الله بن عمر ﵄ , عن النبي ﷺ قال: " فيما سقت السماء والعيون أو كان عثريا العشر , وما سقي بالنضح نصف العشر ".
" وعن عبد الله بن عمر , عن النبي ﷺ : فيما سقت السماء والعيون أو كان عثريا العشر , وما سقي بالنضح نصف العشر ".
(العثري) بفتح العين والثاء: الزرع الذي يشرب بالعروق , وقيل: العذي , وهو [الزرع الذي لا يسقيه إلا ماء المطر] , والمعنى
стр. 458
الثاني – وإن كان المشهور بين أهل اللغة – إلا أن الأول أليق بالحديث , لئلا التكرار وعطف الشيء على نفسه , سمي بذلك لأنه لا يحتاج في سقيه إلى عمل , ويؤيده بدله: " ما سقي منه بعلا ".
و (النضح): السقي بالسواقي , والفارق بينه وبين أخواته: كثرة المؤنة , ولم يختلف في ذلك أحد من أهل العلم.
...
٣٨٥ – ١٢٦٥ – وقال رسول الله ﷺ :" العجماء جرحها جبار , والبئر جبار , والمعدن جبار , وفي الركاز الخمس ".
" وعن أبي هريرة: أنه قال رسول الله ﷺ : العجماء جبار , والبئر جبار , والمعدن جبار , وفي الركاز الخمس "
(العجماء): البهيمة , وهي في الأصل: تأنيث أعجم , وهو الذي لا يقدر على الكلام , سميت بذلك لأنها لا تتكلم ,.
و (الجبار): الهدر , والمراد: أن البهيمة إذا أتلفت شيئا ولم يكن معها قائد ولا سائق , وكان نهارا فلا ضمان , فإن كان معها أحد فهو ضامن , لأن الإتلاف حصل بتقصيره , وكذا إن كان ليلا , لأن المالك قصر في ربطه , إذ العادة أن تربط الدواب ليلا , وتسرح نهارا.
وقوله:" والبئر جبار , والمعدن جبار " معناه: أن من استأجر حافزا ليحفر له بئرا أو شيئا من المعدن , فانهار عليه البئر أو المعدن لا ضمان عليه , وكذا إن وقع فيها إنسان وهلك إن لم يكن الحفر
стр. 459
عدوانا , وإن كان , ففيه خلاف.
وقوله: " وفي الركاز الخمس " يريد به: المعدن عند أهل العراق , لما روي بأنه سئل عنه , فقال: " الذهب والفضة الذي خلقه الله في الأرض يوم خلقه " ودفين أهل الجاهلية عند أهل الحجاز , وهو الموافق لاستعمال العرب , والمناسب لوجوب الخمس فيه , واشتقاقه من: الركز مصدر: ركزت الرمح , ويقال: أركز الرجل: إذا وجد ركازا.
...
من الحسان:٣٨٦ – ١٢٦٨ – وقال رسول الله ﷺ : " المعتدي في الصدقة كمانعها ".
(من الحسان):
" عن أنس أنه قال: قال رسول الله ﷺ : المتعدي في الصدقة كمانعها ".
معناه: أن العامل المتعدي في الصدقة الآخذ أكثر ما يجب , والمانع الذي يمتنع عن أداء الواجب , كلاهما في الوزر سواء.
***
стр. 460
٣٨٧ – ١٢٧٢ – عن سهل بن أبي حثمة ﵁ حدث أن رسول الله ﷺ كان يقول: " إذا خرصتم فدعوا الثلث , فإن لم تدعوا الثلث فدعوا الربع ".
" عن سهل بن أبي حثمة – بالحاء المهملة -: أن رسول الله ﷺ كان يقول: إذا خرصتم فدعوا الثلث , فإن لم تدعوا الثلث فدعوا الربع ".
الخطاب مع المصدقين , أمرهم أن يتركوا للمالك ثلث ما خرصوا عليه أو ربعه , توسعة عليه حتى يتصدق به على جيرانه ومن يمر عليه ويطلب منه , فلا يحتاج أن يغرم ذلك من ماله , وهو قول الشافعي ﵁ وعامة علماء الحديث.
وأما أصحاب الرأي فلا عبرة بالخرص عندهم , لإفضائه إلى الربا , وزعموا: أن الأحاديث الواردة فيه إنما كانت قبل ورود النهي عن الربا , فلما حرمت الربا نسخ ذلك , ويكذبه حديث عتاب بن أسيد عن النبي ﷺ أنه قال في زكاة الكروم: " إنها تخرص كما يخرص النخل , ثم تؤدى زكاته زبيبا , كما تؤدى زكاة النخل تمرا " فإنه أسلم أيام الفتح , والربا كانت محرمة قبله , ثم إن قلنا بوجوب الزكاة في الذمة , فلا ربا في الخرص , وإن قلنا بوجوبها في عين المال وأن المستحق شريك فيه , والخرص تضمين , فكأن الساعي افترض نصيبه
стр. 461
ربطا من المالك , ليؤدي التمر بدله فهو مستثنى للحاجة , كالغرماء.
...
٣٨٨ – ١٢٧٤ – عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : " في العسل في كل عشرة أزق زق ".
" عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ في العسل: في كل عشرة أزق زق ".
تمسك به الأوزاعي وأصحاب الرأي وأحمد وإسحاق , وأوجبوا فيه العشر , وقد طعن في إسناده الإمام أبو عيسى الترمذي.
...
٣٨٩ – ١٢٧٩ – وروى ربيعة عن غير واحد: أن رسول الله ﷺ أقطع لبلال بن الحارث المزني معادن القبلية , وهي من ناحية الفرع , فتلك المعادن لا يؤخذ منها إلا الزكاة إلى اليوم.
" عن ربيعة بن عبد الرحمن , عن غير واحد: أن ر سول الله ﷺ أقطع لبلال بن الحارث المزني معادن القبلية , وهي [من] ناحية الفرع فتلك المعادن لا يؤخذ منها إلا الزكاة ".
(القبلية) بفتح القاف والباء [و] بكسر اللام: اسم موضع , من (الفرع) , وهي ناحية بأعالي المدينة , واستدل به لجواز إقطاع
стр. 462
المعادن , ولعلها كانت باطنة , فإن المعادن الظاهرة لا يجوز إقطاعها , لما روي: أن أبيض بن حمال استقطع ملح مأرب من النبي ﷺ , فأراد أن يقطعه - وروي - فأقطعه - , فقيل: إنه كالماء العد , قال: فلا إذن ".
وإن الواجب في معادن ربع العشر , وهو قول عمر بن عبد العزيز ومالك , وأحد أقوال الشافعي.
والحديث - مع إرساله - لا يفصح عنه , فإن قوله: " لا يؤخذ منها إلا الزكاة " لا يعين أن يكون المأخوذ ربع العشر , فإن من أوجب الخمس أوجبه زكاة.
...
٣ - باب
صدقة الفطر
من الصحاح:
٣٩٠ - ١٢٨٠ - عن ابن عمر ﵄ قال: فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر صاعا من تمر , أو صاعا من شعير , على العبد والحر , والذكر والأنثى , والصغير والكبير من المسلمين , وأمر بها أن تؤدى
стр. 463
قبل خروج الناس إلى الصلاة.
(باب صدقة الفطر)
(من الصحاح):
" عن ابن عمر قال: فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر صاعا من تمر " الحديث.
(فرض) في اللغة بمعنى: قدر , وفي الشرع بمعنى: أوجب , ولفظ الشارع متى دار بين معنيين شرعي وغير شرعي تعين حمله على الشرعي ما أمكن , إذ الغالب أن يتكلم كل مصطلح على ما اصطلح عليه.
جعل وجوبها على السيد للعبد كالوجوب عليه , فنسب إليه مجازا , إذ ليس هو أهلا لأن يكلف بالواجبات المالية , فإنه لا يملك , ويؤيد ذلك: عطف (الصغير) عليه , فمن ملك عبدا مسلما لزمه فطرته إن وجدها , سواء المسلم فيه والكافر ,وسواء كان للتجارة أو الخدمة , لعموم الحديث وإطلاقه.
وذهب أصحاب الرأي: إلى أنه لا يجب إخراجها عن عبيد التجارة , استغناء بزكاة التجارة , ولا يعلمون أن متعلق أحدهما غير متعلق الآخر , فلا يمنع وجوب أحدهما وجوب الآخر , وعن عبد الكافر , ولو ملك مسلم عبدا كافرا لم يجب عليه فطرته , لمفهوم قوله: " من المسلمين " ولأنها طهرة للمخرج عنه , فلا يناسب
стр. 464
إخراجها عن الكافر.
وقال عطاء والنخعي وابن المبارك والثوري وأصحاب الرأي بوجوبه.
وقوله: " وأمر بها " يريد به: أمر استحباب , لجواز التأخير إلى آخر اليوم عند الجمهور , واختلفوا في جواز التأخير عن اليوم , جوزه ابن سيرين والنخعي , ومنعه الباقون.
...
٣٩١ - ١٢٨١ - وقال أبو سعيد الخدري: كنا نخرج زكاة الفطر صاعا من طعام , أو صاعا من شعير , أو صاعا من تمر , أو صاعا من أقط , أو صاعا من زبيب.
" قال أبو سعيد الخدري: كنا نخرج زكاة الفطر صاعا من طعام " الحديث.
يريد بالطعام: الحنطة , سموا به لأنه أشرف ما يقتات به وأنفع ما يطعم.
وقوله: " أو صاعا من شعير " على التنويع دون التخيير , فإن من يكون البر غالب قوته تعين عليه إخراجه , ولا يجوز له إخراج ما دونه في الشرف , والمعنى: كنا نخرج هذه الأنواع على حسب ما يقتضيه حالنا.
وقوله: " أو صاعا من أقط " يدل على أن من كان الأقط قوته يجزئه
стр. 465
إخراج صاع منه , وهو أحد قولي الشافعي , والقول الآخر ومذهب أبي حنيفة: أنه لا يجزيء لأنه لا تجب فيه الزكاة , فلا يجزيء إخراجه في الزكاة , وهذا القياس - مع أنه في مقابلة النص - خال عن الجامع.
...
٤ - باب
من لا يحل له الصدقة
من الصحاح:
٣٩٢ - ١٢٨٨ - وقالت عائشة ﵂: كانت في بريرة ثلاث سنن: إحدى السنن أنها عتقت , فخيرت في زوجها , وقال رسول الله ﷺ : " الولاء لمن أعتق " ودخل رسول الله ﷺ والبرمة تفور بلحم , فقرب إليه خبز وأدم من أدم البيت , فقال: " ألم أر برمة فيها لحم؟ ", قالوا: بلى , ولكن ذلك لحم تصدق به على بريرة , وأنت لا تأكل الصدقة , قال: " هو عليها صدقة , ولنا هدية ".
(باب من لا تحل له الصدقة)
(من الصحاح):
" في حديث عائشة: دخل رسول الله ﷺ , والبرمة تفور بلحم , فقرب إليه خبز وأدم " الحديث.
стр. 466
" ألم أر ": استفهام بمعنى التقرير , و (الصدقة): منحة لثواب الآخرة , و (الهدية): أن يملك الرجل غيره تقربا إليه وإكراما له , ففي الصدقة نوع ترحم وذل للآخذ , ولذلك حرم أخذها على الرسول صلوات الله عليه , بخلاف الهدية.
فإذا تصدق على المحتاج بشيء ملكه , وصار له كسائر ما يملكه ويستكسبه , فله أن يهدي به غيره , كما له أن يهدي بسائر أمواله بلا فرق , فيحل للرسول - صلوات الله عليه - أن يتناوله , لزوال ما هو المحذور من الصدقة , سيما وقد كان من عادته أن يقبل الهدايا ويثيب عليها.
...
من الحسان:
٣٩٣ - ١٢٩٣ - وقال:: لا تحل الصدقة لا تحل الصدقة لغني , ولا لذي مرة سوي ".
(من الحسان):
" عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : لا تحل الصدقة لغني , ولا لذي مرة سوي ".
المراد بـ (الصدقة): الزكاة , و (المرة): القوة , من: أمررت الحبل: إذا حكمت فتله , و (سوي): مستو , أي: قويم الخلق معتدله ,
стр. 467
مصون على الخلل والانحراف إلى أحد طرفي الإفراط والتفريط , والمعنى: أن الزكاة لا تحل على الغني , ولا على قوي يقدر على الكسب , وإليه ذهب أكثر أهل العلم , وقال أصحاب الرأي: تحل الزكاة لمن لا يملك مئتي درهم , وإن كان كسوبا , واستثنى من ذلك العامل , فإنه يأخذ في مقابلة عمله , والغازي المتطوع , والغارم لإصلاح ذات بين , والمؤلفة قلوبهم , فإن الداعي إلى إعطائهم أمور ليست الحاجة.
...
٥ - باب
من لا تحل له المسألة
ومن تحل له
من الصحاح:
٣٩٤ - ١٢٩٧ - عن قبيصة بن مخارق قال: " تحملت حمالة , فأتيت رسول الله ﷺ أسأله فيها , فقال: " أقم حتى تأتينا الصدقة , فنأمر لك بها , ثم قال: " يا قبيصة! إن المسألة لا تحل إلا لأحد ثلاثة: رجل تحمل حمالة , فحلت له المسألة حتى يصيبها ثم يمسك , ورجل أصابته جائحة اجتاحت ماله , فحلت له المسألة حتى يصيب قواما من عيش - ورجل أصابته فاقة حتى يقوم ثلاثة من ذوب الحجا من قومه: لقد أصابت فلانا فاقة , فحلت له المسألة حتى يصيب قواما من عيش - أو قال: سدادا من
стр. 468
عيش - فما سواهن من المسألة - يا قبيصة - سحت , يأكلها صاحبها سحتا ".
(باب من لا تحل له الصدقة ومن تحل له)
" عن قبيصة بن مخارق قال: تحملت حمالة , فأتيت رسول الله ﷺ أسأله فيها " الحديث.
(الحمالة) بفتح الحاء: ما يتحمله الإنسان عن غيره من دية وغرامة , والمراد بها في الحديث: أن يكون بين القوم تشاجر وتحارب في دم أو مال , فيسعى الرجل في إصلاح ذات بينهم , والتزم ما لا يبذل في تسكين تلك النائرة.
قوله: " اجتاحت ماله " أي: استأصلته وأهلكته الحاجة , " قواما من عيش " معناه: ما يقوم به عيشه , و (السداد) بكسر السين: ما يسد به الخلل , ومنه: سداد القارورة.
قوله: " ورجل أصابته فاقة , حتى يقوم ثلاثة من ذوي الحجى من قومه: لقد أصابت فلانا فاقة , فحلت له المسألة " , وليس من باب الشهادة , ولا يريد به التنصيص على أن الفاقة لا تثبت إلا بثلاثة شهود , إذ لم يسمع أن أحدا من الأمة قال به , ولم نجد لهذا العدد من الرجال مدخلا في شيء من الشهادات , بل لعله ذكره على وجه الاستحباب وطريقة الاحتياط , ليكون أدل على براءة السائل عن التهمة , وأدعى الناس إلى سد حاجته.
стр. 469
و (الحجى): العقل , و (السحت): كل حرام يحيق آكله منه عار , ولذلك غلب في الرشا , سمي بذلك لأنه يكون فيه هلكة , من قولهم: أسحت الله الظالم وسحته , بمعنى: أهلكه واستأصله , قال الله تعالى: ﴿فيسحتكم بعذاب﴾ [طه: ٦١] أي: يهلككم.
...
٣٩٤ - ١٢٩٩ - وقال: " ما يزال الرجل يسأل الناس حتى يأتي يوم القيامة ليس في وجهه مزعة لحم ".
" وفي حديث ابن عمر: ما يزال الرجل يسأل حتى يأتي يوم القيامة ليس في وجهه مزعة لحم ".
(المزعة) بضم الميم وكسرها: القطعة , من: مزعت اللحم: إذا قطعته , والمراد به: ما يلحقه في الآخرة من الهوان وذل السؤال.
...
٣٩٥ - ١٣٠٢ - وقال حكيم بن حزام: سألت رسول الله ﷺ فأعطاني , ثم سألته فأعطاني , ثم قال لي: " يا حكيم! , إن هذه المال خضرة حلو , فمن أخذه بسخاوة نفس بورك له فيه , ومن أخذه بإشراف نفس لم يبارك له فيه , وكان كالذي يأكل ولا يشبع , واليد العليا خير من اليد السفلى , قال حكيم: فقلت: يا رسول الله! , والذي بعثك بالحق , لا أرزأ أحدا بعدك شيئا حتى أفارق الدنيا ".
" وفي حديث حكيم بن حزام: لا أرزأ بعدك أحدا شيئا ", أي:
стр. 470
لا أثقل أحدا بالسؤال والأخذ منه غيرك , والإرزاء: إصابة الضر , و (الرزء): المصيبة , أو: لا أسال أحدا أنقصه ماله , من الرزء , وهو النقصان , يقال: ما رزأته ماله , أي: ما نقصته , ومنه: رزأت الرجل أرزؤه رزءا: إذا أصبت منه خيرا.
٣٩٦ - ١٣٠٨ - وقال: " من سأل الناس وله ما يغنيه جاء يوم القيامة ومسألته في وجهه خموش , أو خدوش , أو كدوح " , قيل: يا رسول الله! وما يغنيه؟ , قال: " خمسون درهما , أو قيمتها من الذهب ".
٣٩٦ - م - ١٣٠٩ - وقال: " من سأل وعنده ما يغنيه فإنما يستكثر من النار ", قالوا يا رسول الله , وما يغنيه؟ , قال: " قدر ما يغديه , أو يعشيه ".
وفي رواية: " شبع ليلة ويوم ".
وقال: " من سأل منكم وله أوقية أو عدلها , فقد سأل إلحافا ".
" وعن ابن مسعود , عن النبي ﷺ أنه قال: من سأل الناس وله ما يغنيه " الحديث.
(الخدش): قشر الجلد بعود ونحوه , و (الخمش): قشر بالأظفار , و (الكدح): العض , وهي في أصلها مصادر , لكنها لما جعلت أسماء للآثار جوز جمعها , ولما كان السؤال على ثلاثة أصناف: مقل ومفرط ,
стр. 471
ومتوسط ذكر هذه الآثار الثلاثة المتفاوتة بالشدة والضعف وردد بينها.
وقوله: " خمسون درهما " في جواب: " ما يغنيه " بظاهره يدل على أن من ملك خمسين درهما أو عدلها , أي: مثلها من جنس آخر فهو غني لا يحل له السؤال وأخذ الصدقة , وبه قال ابن المبارك وأحمد وإسحاق.
والظاهر: أن من وجد قدر ما يغذيه ويعيشه على دائم الأوقات , وفي أغلب الأحوال فهو غني كما ذكر في الحديث الذي بعده , سواء حصل له ذلك بكسب يد أو تجارة , لكن لما كان الغالب عليهم التصرف والتجارة , وكان يكفي هذا القدر أن يكون رأس مال يحصل بالتصرف فيه ما يسد الحاجة في غالب الأمر = قدره تخمينا في هذا الحديث , وقدر في الحديث الثالث ما يقرب منه , وقال: " من سأل منكم وله أوقية أو عدلها ", والأوقية يومئذ: أربعون درهما , وعلى هذا لا تنافي بينها ولا نسخ.
وقيل: حديث " ما يعيشه " منسوخ بحديث الأوقية , وهو بهذا الحديث , ثم هو منسوخ بما روي مرسلا أنه قال: " ومن سأل الناس , وله عدل خمس أواق , فقد سأل إلحافا ", وعليه أصحاب الرأي.
***
стр. 472
(٧)
كتاب الصوم
стр. 473
(٧)
كتاب الصوم
١ - باب
من الصحاح:
٣٩٧ - ١٣٩١ /م - قال رسول الله ﷺ :" إذا دخل رمضان فتحت أبواب السماء ".
وفي رواية: " فتحت أبواب الجنة , وغلقت أبواب جهنم , وسلسلت الشياطين ".
وفي رواية: " فتحت أبواب الرحمة ".
(كتاب الصوم)
(من الصحاح):
" عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : إذا دخل رمضان فتحت أبواب السماء ". وفي رواية:" فتحت أبواب الجنة " الحديث.
(فتح أبواب السماء): كناية عن تواتر نزول الرحمة وتوالي
стр. 474
صعود الطاعة بلا مانع ومعاق , ويشهد له الرواية الأخيرة.
و (تغليق أبواب جهنم): عبارة عن انتفاء ما يدخل به صاحبه النار , فإن الصائم فيه يتنزه عن كبائر الذنوب والفواحش , وتكون صغائره مكفرة ببركة الصوم.
و (تصفيد الشياطين بالسلاسل): مجاز عن امتناع التسويل عليهم , واستعصاء النفوس عن قبول وساوسهم وحسهم أطماعهم عن الإغواء , وذلك لأنه إذا دخل رمضان , واشتغل الناس بالصوم , وانكسرت فيهم القوة الحيوانية التي هي مبدأ الشهوة والغضب الداعيين إلى أنواع الفسوق والمعاصي , وصفت أذهانهم , واشتعلت قرائحهم , وصارت نفوسهم كالمرائي المتقابلة المتحاكية , فتنبعث قواهم العقلية داعية إلى الطاعات ناهية عن المعاصي , فتجعلهم مجمعين على وظائف العبادات , عاكفين عليها , معرضين عن أصناف المعاصي عازفين عنها , فتفتح لهم أبواب الجنان , وتغلق عليهم أبواب النيران , ولا يبقى للشيطان عليهم سلطان , وهذه - وإن كانت مخصوصة بالصائمين لهذا الشهر - فلا يبعد في أن تشمل بركتهم من عداهم , ويحيط بمن وراءهم.
***
стр. 475
٣٩٨ - ١٣٩٤ - وقال: " كل عمل ابن آدم يضاعف , الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف , قال الله تعالى: إلا الصوم فإنه لي , وأنا أجزي به , يدع شهوته وطعامه من أجلي ".
وقال: " للصائم فرحتان: فرحة عند فطره , وفرحة عند لقاء ربه , ولخلوف فم الصائم أطيب عند الله تعالى من ريح المسك , والصيام جنة , فإذا كان يوم صوم أحدكم , فلا يرفث , ولا يصخب , فإن سابه أحد أو قاتله فليقل: إني آمرؤ صائم ".
وعنه , عن النبي ﷺ أنه قال: " كل عمل ابن آدم يضاعف , الحسنة بعشر أمثالها إلى سبع مئة ضعف " الحديث.
لما أراد بقوله:" كل عمل " الحسنات من الأعمال , وضع الحسنة موضع الضمير الراجع إليه , و" إلا الصوم ": مشتثنى عن كلام غير محكي دل عليه ما قبله , والمعنى: أن الحسنات يضاعف جزاؤها من عشر أمثالها إلى سبع مئة مثل , بحسب ما بينها من التفاوت , ويدل على أدناها قوله تعالى: ﴿من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها﴾ [الأنعام: ١٦٠] , وعلى أقصاها قوله: ﴿مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة﴾ [البقرة: ٢٦١].
" إلا الصوم " فإن ثوابه لا يقادر قدره , ولا يقدر إحصاءه إلا الله
стр. 476
تعالى , فلذلك يتولى جزاءه بنفسه , ولا يكله إلى ملائكته , والموجب لاختصاص الصوم بهذا الفضل أمران:
أحدهما: أن سائر العبادات مما يطلع عليه العباد , والصوم سر بينه وبين الله تعالى , يفعله خالصا لوجه الله , ويعامله به طالبا لرضاه , وإليه أشار بقوله: " فإنه لي ".
وثانيهما: أن سائر الحسنات راجعة إلى صرف المال , [أ] واشتغال البدن بما فيه رضاه , والصوم يتضمن كسر النفس وتعريض البدن للنقصان والنحول , مع ما فيه من الصبر على مضض الجوع وحرقة العطش , فبينه وبينها أمد بعيد , وإليه أشار بقوله:" يدع شهوته وطعامه لأجلي ".
قوله: " فرحة عند فطره " أي: فرحة بإتمام الفعل والخروج عن العهدة , " وفرحة عند لقاء ربه " أي: بنيل الجزاء , وهو لقاء ربه.
وقوله: " لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك " تفضيل لما يستكره من الصائم على أطيب ما يستلذ من جنسه , ليقاس عليه ما فوقه من آثار الصوم ونتائجه.
و (الرفث): الفحش , و (الصخب): الصياح والخصومة , والصخاب: الصياح.
***
стр. 477
٢ - باب
رؤية الهلال
من الصحاح:
٣٩٩ - ١٣٩٦ - قال رسول الله ﷺ : " لا تصوموا حتى تروا الهلال , ولا تفطروا حتى تروه , فإن غم عليكم فاقدروا له ".
(باب رؤية الهلال)
(من الصحاح):
" عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : لا تصوموا حتى تروا الهلال " الحديث.
" لا تصوموا " نهي عن الصوم على قصد أنه صوم رمضان إلا [أن] يثبت , وهو أن يرى هو أو من يثق به ويحكم بقوله , والمنفرد بالرؤية إذا لم يحكم بشهادته يجب عليه عندنا أن يصوم لرمضان , ويسر بإفطار عيده.
" فإن غم عليكم " أي: غطي الهلال بغيم , من: غممت الشيء: إذا غطيته , وفيه ضمير , ويجوز أن يكون مسندا إلى الجار والمجرور , بمعنى: إن كنتم مغموما عليكم " فاقدروا " أي: قدروا عددا الشهر الذي كنتم فيه ثلاثين يوما , إذ الأصل بقاء الشهر ودوام خفاء الهلال ما أمكن. وقيل: فاقدروا له منازل القمر ومسيره حتى يتبين لكم أن
стр. 478
الشهر تسعة وعشرون أو ثلاثون.
ولهذا قال: المنجم إذا علم بحسابه أنه من رمضان فعليه أن يصومه , والرواية الثانية تدل على المعنى الأول.
...
٤٠٠ - ١٣٩٩ - وقال: " شهرا عيد لا ينقصان: رمضان , ذو الحجة ".
عن أبي بكرة: أنه ﵇ قال: " شهرا عيد لا ينقصان , رمضان وذو الحجة ".
أي: لا ينقص عددهما غالبا , [أو] ولا ينقص ثواب العمل في أحدهما عن ثواب العمل في الآخر , أو لا ينقصان في الثواب وإن نقص عددهما , يعني: لا ينقص ثواب رمضان يكون تسعة وعشرين يوما عن ثواب رمضان يكون ثلاثين , ولا ثواب ذي الحجة ناقص عن ثواب ذي حجة كامل.
...
من الحسان:
٤٠١ - ١٤٠١ - قال ﷺ : " إذا انتصف شعبان فلا تصوموا ".
(من الحسان):
" عن أبي هريرة: أنه ﵊ قال: إذا انتصف
стр. 479
شعبان فلا تصوموا ".
المقصود من النهي: استجمام من لم يقو على تتابع الصيام الكثير في بقية شعبان , ليقوى بذلك على صيام شهر رمضان , فاستحب إفطاره فيها , كما استحب إفطار عرفة للحاج ليقوى على الدعاء , أما من لم يصعب عليه ذلك , ولم يضعف به , فلا يتوجه النهي نحوه , ألا ترى أنه ﵇ جمع بين صوم الشهرين وصيام جميع أيامهما , أو أكثر أيام شعبان حتى ظنت أم سلمة أنه صام جميعها؟
...
فصل
من الصحاح:
٤٠٢ - ١٤٠٩ - وقال: " لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر " رواه سهل بن سعد.
(فصل)
(من الصحاح):
" عن سهل بن سعد: أنه ﵇ قال: لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر ".
لما اشتمل تعجيل الفطر على مخالفة أهل الكتاب , فإنهم يؤخرونه
стр. 480
إلى اشتباك النجوم كان المتدينون به بخير , من حيث إنهم متمسكون بشريعة محمد صلوات الله عليه , معرضون عما يخالفها.
...
٤٠٣ - ١٤١١ - وقال أبو هريرة ﵁: نهى رسول الله ﷺ عن الوصال في الصوم , فقال له رجل: إنك تواصل يا رسول الله! قال: " وأيكم مثلي؟ , إني أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني ".
" وعن أبي هريرة: نهى رسول الله ﷺ عن الوصال في الصوم " الحديث.
" الوصال ": تتابع الصوم من غير إفطار بالليل , والموجب للنهي عنه: إيراث الضعف والسآمة , والعجز عن المواظبة على كثير من وظائف الطاعات والقيام بحقوقها , وللعلماء اختلاف في أنه تحريم أو نهي تنزيه , والظاهر الأول.
وقوله: " وأيكم مثلي؟ " يريد به: الفرق بينه وبين غيره , بأنه سبحانه يفيض عليه ما يسد مسد طعامه وشرابه , من حيث إنه يشغله عن إحساس الجوع والعطش , ويقويه على الطاعات , ويحرسه عن تخلل يفضي إلى كلال القوى وضعف الأعضاء , ولا كذلك غيره.
***
стр. 481
من الحسان:
٤٠٤ - ١٤١٢ - عن حفصة ﵂ , عن النبي ﷺ قال: " من لم يجمع الصيام من الليل قبل الفجر فلا صيام له " ويروى موقوفا على حفصة.
(من الحسان):
" عن حفصة , عن النبي ﷺ قال: من لم يجمع الصيام من الليل قبل الفجر فلا صيام له ".
(أجمع) على الأمر , وأزمع عليه: إذا صمم العزم , ومنه قوله تعالى: ﴿وما كنت لديهم إذ أجمعوا أمرهم﴾ [يوسف: ١٠٢] أي: أحكموه بالعزيمة.
وظاهره: أنه لا يصح الصوم لمن لم يعزم عليه من الليل قبل طلوع الفجر مطلقا , فرضا كان أو نفلا , وإليه ذهب ابن عمر وجابر بن زيد ومالك والمزني وداود , وذهب الباقون: إلى صحة النفل بنية من النهار , وخصصوا هذا الحديث بما روي عن عائشة أنها قالت: كان النبي ﷺ يأتيني , فيقول: " أعندك غداء " فأقول: لا , فيقول:" إني صائم " وفي رواية: " إذا صائم " و (إذا): للاستقبال والاستئناف.
واتفقوا على اشتراط التبييت في كل فرض لم يتعلق بزمان بعينه ,
стр. 482
كالقضاء والكفارة والنذر المطلق , واختلفوا فيما له زمان معين كصوم رمضان والنذر المطلق , فشرطه الأكثرون فيه أخذا بعموم الحديث , غير أن مالكا وإسحاق وأحمد في إحدى الروايتين عنه قالوا: لو نوى أول ليلة من رمضان صوم جميع الشهر أجزأه , لأن صوم الكل كصوم يوم , وهو قياس مردود في مقابلة النص , ولم يشترط أصحاب الرأي , وخصصوا الحديث بما روي أنه ﷺ بعث إلى أهل العوالي يوم عاشوراء: " إن من أكل منكم فليمسك بقية نهاره , ومن لم يأكل فليصم " وكان صوم عاشوراء حينئذ فرضا , وبالقياس على النفل.
والجواب عن الحديث: أن صوم عاشوراء لم يكن فرضا , وإلا لأمر الآكلين بالقضاء , وعن القياس: أن المعنى في النفل التكثير والترغيب فيه بالترفيه والتسهيل , وذلك مفقود في الفرض , وأنه معارض بالقياس على سائر الفرائض.
...
٣ - باب
تنزيه الصوم
من الصحاح:
٤٠٥ - ١٤٢٠ - قال رسول الله ﷺ : " من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه ".
стр. 483
(باب تنزيه الصوم)
(من الصحاح):
" عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : من لم يدع قول الزور والعمل به , فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه " الحديث.
المقصود من إيجاب الصوم وشرعه: ليس نفس الجوع وعطشه , بل ما يتبعه من كسر الشهوة وإطفاء ثائرة الغضب , وتطويع النفس الأمارة للنفس المطمئنة , فإذا لم يحصل له شيء من ذلك , ولم تتأثر به نفسه , ولم يكن له من من صيامه إلا الجوع والعطش لا يبالي الله تعالى بصومه , ولا ينظر إليه نظر قبول , إذ لم يقصد به مجرد جوعه وعطشه , فيحتفل به ويقبل منه.
وقوله: " فليس لله حاجة " مجاز عن عدم الالتفات والقبول والميل إليه , نفي السبب , وأراد نفي المسبب.
...
٤٠٦ - ١٤٢١ - وقالت عائشة ﵂: كان رسول الله ﷺ يقبل ويباشر وهو صائم , وكان أملككم لإربه ".
" وفي حديث عائشة ﵂: وكان أملككم لإربه ".
أي: لحاجة نفسه , تريد: الشهوة , تعني: لا يستولي سلطان
стр. 484
شهوته ولا يغلب عليه بحيث يحمله على ما لا ينبغي أن يفعل.
...
٤٠٧ - ١٤٢٥ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: هلكت , وأهلكت , فقال: " ما شأنك؟ " قال: وقعت على امرأتي في نهار رمضان , قال: " فأعتق رقبة " قال: ليس عندي , قال: " فصم شهرين متتابعين ", قال: لا أستطيع , قال: " فأطعم ستين مسكينا ", قال: لا أجد , قال: اجلس , فجلس , فأتى النبي ﷺ بعرق فيه تمر - والعرق: المكتل الضخم - قال: " خذ هذا فتصدق به " قال: على أفقر منا؟ , فضحك النبي ﷺ حتى بدت نواجذه , قال: " أطعمه عيالك ".
" وعن أبي هريرة قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: هلكت , قال: ما شأنك؟ قال: وقعت على امرأتي في رمضان , قال: فأعتق رقبة " الحديث.
دل الحديث على أن من واقع في نهار رمضان , أي: أفطر بالوقاع فيه , فعليه تحرير رقبة , فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين , فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا , فإنه أمره بالأول , ثم رتب الثاني بالفاء على فقده , ثم رتب الثالث على العجز عن الثاني.
وحكي عن ابن جبير والنخعي وقتادة: أنهم قالوا: لا كفارة
стр. 485
عليه , ولعل الحديث لم يصل إليهم , وعن مالك: أن المجامع مخير بين الخصال الثلاث.
واختلف في قدر الطعام , فقال الأوزاعي ومالك والشافعي وأحمد: يطعم ستين مدا ستين مسكينا , إذ صح عن أبي هريرة أنه قال: " فأتى بعرق قدر خمسة عشر صاعا " , وقاسوا عليه سائر الكفارات , إلا فدية الأذى لحديث ورد فيها.
وقال الثوري وأصحاب الرأي: يطعم كل مسكين نصف صاع , وكذا في سائر الكفارات , لما روي مرسلا في كفارة الظهار: أنه ﵇ قال لسلمة بن صخر: " أطعم عنك ستين مسكينا وسقا من تمر " , ولما روي عن محمد بن إسحاق بن يسار.
(العرق): مكتل يسع ثلاثين صاعا , وهو مكتل ضخم ينسج من خوص النخل.
واختلف في قوله: " أطعمه عيالك " , فمنهم من قال: إنه مخصوص به , ومنهم من جعله منسوخا , ومنهم من جوز صرف الكفارة إلى من في نفقته.
والأحسن: ما قاله الشافعي وهو: أن الرجل لما أخبره أن لا أجوع منه في المدينة لم ير أن يتصدق على الأجانب ويدع عياله في الضر , فأمره أن ينفق عليهم ويؤخر الكفارة إلى اليسار.
***
стр. 486
من الحسان:
٤٠٨ - ١٤٣٤ - عن شداد بن أوس قال: رأى النبي ﷺ رجلا يحتجم لثمان عشرة ليلة خلت من رمضان , قال: " أفطر الحاجم والمحجوم ".
قال المصنف ﵀: وتأوله بعض من رخص في الحجامة , أي: تعرضا للإفطار , والمحجوم للضعف , والحاجم لأنه لا يأمن من أن يصل شيء إلى جوفه بمص الملازم.
(من الحسان):
" عن شداد بن أوس قال: رأى النبي ﷺ رجلا يحتجم لثماني عشرة خلت من رمضان , قال: أفطر الحاجم والمحجوم ".
ذهب إلى ظاهر الحديث جمع من الأئمة , قالوا: يفطر الحاجم والمحجوم , ومنهم أحمد وإسحاق , وقال قوم منهم مسروق والحسن وابن سيرين: تكره الحجامة للصائم , ولا يفسد الصوم بها , وحملوا الحديث على التغليظ , وأولوا قوله: " أفطر الحاجم والمحجوم " بأنهما نقصا أجر صيامهما , وأبطلاه بارتكاب هذا المكروه.
وقال الأكثرون: لا بأس بها , إذ صح عن ابن عباس: أن رسول الله ﷺ احتجم وهو محرم , واحتجم وهو صائم , وإليه ذهب مالك والشافعي وأصحاب الرأي , وقالوا: معنى قوله: " أفطر ": تعرض
стр. 487
للإفطار , كما يقال: هلك فلان: إذا تعرض للهلاك , أما المحجوم فللضعف الذي يلحقه منها , وأما الحاجم فلأنه لا يأمن من أن يصل شيء إلى باطنه بمص الملازم , والله أعلم.
...
٤ - باب
صوم المسافر
من الصحاح:
٤٠٩ - ١٤٣٩ - وقال جابر ﵁: كان رسول الله ﷺ في سفر , فرأى زحاما ورجلا قد ظلل عليه , فقال: " ما هذا؟ " قالوا: صائم , قال: " ليس من البر الصوم في السفر ".
(باب صوم المسافر)
(من الصحاح):
" قال جابر: كان رسول الله ﷺ في سفر , فرأى زحاما ورجلا قد ظلل عليه " الحديث.
ذهب جمهور العلماء إلى أن المسافر سفرا طويلا مباحا مخير في الصوم والفطر , لحديث عائشة وأبي سعيد المذكور قبل هذا الحديث , وروي عن ابن عمر وابن عباس أنهما قالا: يجب عليه الفطر , ولا يجوز له الصوم , وإليه ذهب داود , لظاهر هذا الحديث ولما
стр. 488
روي: أنه بلغ النبي ﷺ أن ناسا صاموا , فقال: " أولئك العصاة " وهو ضعيف , إذ يصح منه ﵇ وممن كانوا معه في الأسفار أنهم صاموا من غير نكير.
وهذا الحديث لا يدل على حرمة الصوم , فإن عدم كونه من البر لا يدل على عدم جوازه , ثم إنه مخصوص بسببه , مقصور على من يجهده الصوم ويؤديه إلى مثل حال ذلك الرجل , والحديث الثاني فيمن أبى قلبه عن قبول رخصة الله تعالى , فأما من اعتقد أن الفطر مباح , ولا يتأذى بالصوم فهو أفضل له من الفطر , لأنه أخذ بالحزم , واقتناص لفرصة الأداء وفضل الوقت , وبه قال أنس وعثمان بن العاص والنخعي وسعيد بن جبير وابن المبارك ومالك والثوري والشافعي وأصحاب الرأي.
...
من الحسان:
٤١٠ - ١٤٤٣ - روى عن النبي ﷺ أنه قال: " إن الله وضع عن المسافر شطر الصلاة , والصوم عن المسافر , وعن المرضع , والحبلى ".
(من الحسان):
" عن أنس بن مالك الكعبي - وهو رجل من بني عبد الله بن كعب ,
стр. 489
ولم يعرف له غيره هذا الحديث -: أن النبي ﷺ قال: إن الله وضع عن المسافر شطر الصلاة والصوم , وعن المرضع والحبلى ".
" الصوم " منصوب معطوف على " شطر " ولا يجوز عطفه على " الصلاة " لفساد اللفظ والمعنى , أما لفظا: فلأنه لو عطف عليه للزم منه العطف على عاملين مختلفين , وإنه غير جائز , وأما معنى: فلأن الموضوع عنهم الصوم لا شطره.
والمراد بالوضع: وضع الأداء , ليشترط فيه المعطوف والمعطوف عليه , فيصح نسبته إليهما , إذ الصوم غير موضوع مطلقا , فإن قضاءه واجب عليهم , بخلاف شطر الصلاة , والمراد بها: الصلوات الرباعية التي تقصر.
...
٤١١ - ١٤٤٤ - وقال: " من كانت له حمولة تأوي إلى شبع فليصم رمضان حيث أدركه ".
" وعن سلمة بن المحبق , عن النبي ﷺ أنه قال: من كانت له حمولة تأوي إلى شبع فليصم رمضان حيث - رمضان - أدركه ".
" من كانت له حمولة " أي: دابة يحمل عليها متاعه من إبل وحمار وغيرها , فعولة , من: حمل , بمعنى: محمول عليها.
" تأوي إلى شبع " بالتاء , أي: تأوي الحمولة صاحبها , بمعنى:
стр. 490
تؤويه إلى شبع , فإن (أوى) جاءت لازما ومتعديا , والمعنى: أن من كان له حمولة تأويه إلى حال الشبع ورفاهية , ولم يلحقه في سفره وعثاء
ولا مشقة فليصم رمضان , والأمر فيه محمول على الندب والحث على الأولى والأفضل , للنصوص الدالة على جواز الإفطار في السفر مطلقا.
...
٦ - باب
صيام التطوع
من الصحاح:
٤١٢ - ١٤٥٢ - وقال عمران بن حصين: قال رسول الله ﷺ له أو لآخر:" أصمت من سرر شعبان؟ " , قال: لا , قال: " فإذا أفطرت فصم يومين ".
(باب صوم التطوع)
(من الصحاح):
" عن عمران بن حصين قال: قال رسول الله ﷺ له أو لآخر أصمت من سرر شعبان؟ قال: لا , قال: فإذا أفطرت فصم يومين ".
стр. 491
سر الشهر وسرره وسراره: آخره , سمي بذلك لاستمرار القمر فيه , وحمل الحديث على أنه ﵇ علم أن المخاطب نذر صومه , أو اعتاد صيام سرر الشهور , فأمر بالقضاء بعد عيد الفطر , وخص النهي فيما روى أبو هريرة: أنه ﵇ قال:" لا تقدموا شهر رمضان بصيام يوم أو يومين " بمن يبتديء به من غير إيجاب ولا اعتياد , توفيقا بينهما , وقيل: المراد به: البيض , فإن سر الشيء: وسطه وجوفه , ومنه السرة.
...
٤١٣ - ١٤٥٥ - وقال ابن عباس ﵄: حين صام رسول الله ﷺ يوم عاشوراء وأمر بصيامه قالوا: يا رسول الله! إنه يوم تعظمه اليهود , فقال: " لئن بقيت إلى قابل لأصومن التاسع ".
" قال ابن عباس: حين صام رسول الله ﷺ يوم عاشوراء , وأمر بصيامه " الحديث.
(يوم عاشوراء) و (عشوراء) ممدودان: اليوم العاشر من المحرم , ويشهد له الحديث , وقيل: هو اليوم التاسع , لأنه مأخوذ من أعشار أوراد الإبل , تقول العرب: وردت الإبل عشرا إذا وردت اليوم التاسع.
وقوله: " لأصومن التاسع " أراد به: ضم صوم تاسوعاء إلى
стр. 492
عاشوراء , مخالفة لأهل الكتاب وتمييزا عنهم.
...
٤١٤ - ١٤٦٨ - وقال عبد الله بن عمرو بن العاص: قال لي رسول الله ﷺ : " يا عبد الله! ألم أخبر أنك تصوم النهار , وتقوم الليل؟ ", فقلت: بلى يا رسول الله , قال: ط فلا تفعل , صم وأفطر , وقم ونم , فإن لجسدك عليك حقا , وإن لعينك عليك حقا , وإن لزوجك عليك حقا , وإن لزورك عليك حقا , لا صام من صام الدهر , صوم ثلاثة أيام من كل شهر صوم الدهر كله , صم كل شهر ثلاثة , واقرأ القرآن في كل شهر " قلت: إني أطيق أكثر من ذلك , قال: " صم أفضل الصوم صوم داود , صيام يوم وإفطار يوم , واقرأ في كل سبع ليال مرة , ولا تزد على ذلك ".
" وفي حديث عبد الله بن عمرو: إن لزورك عليك حقا " أي: لزوارك , يقال: زائر وزور , كراكب وركب , وقيل: هو مصدر نعت به كعدل وصوم , يقال: رجل زور ورجال زور.
وفيه:" لا صام من صام الدهر " أي: من صام الدهر فكأنه لم يصم , لأنه إذا اعتاد ذلك لم يجد منه رياضة ولا كلفة يتعلق بها مزيد ثواب.
***
стр. 493
من الحسان:
٤١٥ - ١٤٧٢ - عن عبد الله قال: كان رسول الله ﷺ يصوم من غرة كل شهر ثلاثة أيام , وقلما كان يفطر يوم الجمعة.
(من الحسان):
" عن ابن مسعود قال: كان رسول الله ﷺ يصوم من غرة كل شهر ثلاثة أيام , وقلما كان يفطر يوم الجمعة ".
(غرر الشهر): أوائله , ولعل الغالب فيما اطلع عليه الراوي من أحواله ﵇: أنه كان يصومها , إذ صح: أن عائشة سئلت: أكان رسول الله ﷺ يصوم من كل شهر ثلاثة أيام؟ قالت: نعم , فقيل: من أي أيام شهر؟ قالت: لم يكن يبالى من أي أيام الشهر يصوم.
وقوله: " وقلما كان يفطر يوم الجمعة " لا يخالف قوله ﵇ فيما روى أبو هريرة أنه قال: " لا يصوم أحدكم يوم الجمعة إلا أن يصوم قبله أو بعده " , إذ ليس فيه ما يدل على أنه كان يختص بصوم يوم الجمعة , فلعله كان يصومه باليوم الذي يليه , ويحتمل أن يكون المراد منه: أنه كان يمسك قبل الصلاة ولا يتغدى إلا بعد أداء الجمعة , كما روي عن سهل بن سعد الساعدي.
والسبب في النهي عن إفراد الجمعة بالصوم: لعله مخالفة اليهود والنصارى في إفراد السبت والأحد , أو أن لا يخص بالتعظيم والعبادة , ويعطل سائر الأيام , ويشهد له ما روى أبو هريرة أنه - عليه
стр. 494
السلام - قال: " لا تختصوا ليلة الجمعة بقيام من بين الليالي , ولا تختصوا يوم الجمعة بصيام من بين الأيام , إلا أن يكون في صوم يصومه أحدكم ".
...
٤١٦ - ١٤٧٧ - عن عبد الله بن بسر , عن أخته: أن رسول الله ﷺ قال: " لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض عليكم , فإن لم يجد أحدكم إلا لحاء عنبة , أو عود شجرة فليمضغه ".
" عن عبد الله بن بسر , عن أخته: أن رسول الله ﷺ قال: لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض عليكم ".
أخت عبد الله اسمها: بهية , وقيل: بهيمة , وتعرف بالصماء , والمراد بالنهي: إفراد السبت بالصوم , لا الصوم فيه مطلقا , لما سبق من حديث أبي هريرة في الجمعة , والداعي إليه: مخالفة اليهود , وفي معنى المستثنى ما وافق سنة مؤكدة , كما إذا كان السبت يوم عرفة أو عاشوراء , للأحاديث الصحاح التي وردت فيها.
وقوله ك " فيما افترض عليكم " يتناول: المكتوبة , والمنذورة , وقضاء الفائت الواجب , وصوم الكفارة , واتفق الجمهور على أن هذا النهي والنهي عن إفراد الجمعة نهي تنزيه وكراهة , لا تحريم.
***
стр. 495
فصل
من الصحاح:
٤١٧ - ١٤٨١ - عن عائشة ﵂ قالت: دخل علي النبي ﷺ ذات يوم , فقال: " هل عندكم شيء؟ ", فقلنا: لا قال: " فإني إذا صائم ", ثم أتانا يوما آخر , فقلنا: يا رسول الل! أهدي لنا حيس , فقال: " أرينيه , فلقد أصبحت صائما " , فأكل.
(فصل)
(من الصحاح):
" في حديث عائشة ﵂: ثم أتانا يوما آخر , فقلنا: يا رسول الله! أهدي لنا حيس , فقال: أرينيه , فلقد أصبحت صائما , فأكل ".
(الحيس): ثريد يتخذ من أخلاط , وقيل: من الزبد والتمر , والحديث دليل على أن الشروع في النفل لا يمنع من الخروج عنه , كما قال: " الصائم المتطوع أمير نفسه " وإليه ذهب أكثر العلماء , وقال أصحاب الرأي: يجب إتمامه , ويلزمه القضاء إن أفطر , وبه قال ملك , حيث لا عذر , واحتجوا بما روي عن الزهري , عن عروة , عن عائشة قالت: كنت أنا وحفصة صائمتين , فعرض لنا طعام اشتهيناه , فأكلنا منه , فقالت حفصة: يا رسول الله! إنا كنا صائمتين , فعرض لنا طعام اشتهيناه , فأكلنا منه , قال: " اقضيا يوما آخر مكانه ", والأصح:
следующие страницы →