Полный текст (1 692 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.
стр. 491
سر الشهر وسرره وسراره: آخره , سمي بذلك لاستمرار القمر فيه , وحمل الحديث على أنه ﵇ علم أن المخاطب نذر صومه , أو اعتاد صيام سرر الشهور , فأمر بالقضاء بعد عيد الفطر , وخص النهي فيما روى أبو هريرة: أنه ﵇ قال:" لا تقدموا شهر رمضان بصيام يوم أو يومين " بمن يبتديء به من غير إيجاب ولا اعتياد , توفيقا بينهما , وقيل: المراد به: البيض , فإن سر الشيء: وسطه وجوفه , ومنه السرة.
...
٤١٣ - ١٤٥٥ - وقال ابن عباس ﵄: حين صام رسول الله ﷺ يوم عاشوراء وأمر بصيامه قالوا: يا رسول الله! إنه يوم تعظمه اليهود , فقال: " لئن بقيت إلى قابل لأصومن التاسع ".
" قال ابن عباس: حين صام رسول الله ﷺ يوم عاشوراء , وأمر بصيامه " الحديث.
(يوم عاشوراء) و (عشوراء) ممدودان: اليوم العاشر من المحرم , ويشهد له الحديث , وقيل: هو اليوم التاسع , لأنه مأخوذ من أعشار أوراد الإبل , تقول العرب: وردت الإبل عشرا إذا وردت اليوم التاسع.
وقوله: " لأصومن التاسع " أراد به: ضم صوم تاسوعاء إلى
стр. 492
عاشوراء , مخالفة لأهل الكتاب وتمييزا عنهم.
...
٤١٤ - ١٤٦٨ - وقال عبد الله بن عمرو بن العاص: قال لي رسول الله ﷺ : " يا عبد الله! ألم أخبر أنك تصوم النهار , وتقوم الليل؟ ", فقلت: بلى يا رسول الله , قال: ط فلا تفعل , صم وأفطر , وقم ونم , فإن لجسدك عليك حقا , وإن لعينك عليك حقا , وإن لزوجك عليك حقا , وإن لزورك عليك حقا , لا صام من صام الدهر , صوم ثلاثة أيام من كل شهر صوم الدهر كله , صم كل شهر ثلاثة , واقرأ القرآن في كل شهر " قلت: إني أطيق أكثر من ذلك , قال: " صم أفضل الصوم صوم داود , صيام يوم وإفطار يوم , واقرأ في كل سبع ليال مرة , ولا تزد على ذلك ".
" وفي حديث عبد الله بن عمرو: إن لزورك عليك حقا " أي: لزوارك , يقال: زائر وزور , كراكب وركب , وقيل: هو مصدر نعت به كعدل وصوم , يقال: رجل زور ورجال زور.
وفيه:" لا صام من صام الدهر " أي: من صام الدهر فكأنه لم يصم , لأنه إذا اعتاد ذلك لم يجد منه رياضة ولا كلفة يتعلق بها مزيد ثواب.
***
стр. 493
من الحسان:
٤١٥ - ١٤٧٢ - عن عبد الله قال: كان رسول الله ﷺ يصوم من غرة كل شهر ثلاثة أيام , وقلما كان يفطر يوم الجمعة.
(من الحسان):
" عن ابن مسعود قال: كان رسول الله ﷺ يصوم من غرة كل شهر ثلاثة أيام , وقلما كان يفطر يوم الجمعة ".
(غرر الشهر): أوائله , ولعل الغالب فيما اطلع عليه الراوي من أحواله ﵇: أنه كان يصومها , إذ صح: أن عائشة سئلت: أكان رسول الله ﷺ يصوم من كل شهر ثلاثة أيام؟ قالت: نعم , فقيل: من أي أيام شهر؟ قالت: لم يكن يبالى من أي أيام الشهر يصوم.
وقوله: " وقلما كان يفطر يوم الجمعة " لا يخالف قوله ﵇ فيما روى أبو هريرة أنه قال: " لا يصوم أحدكم يوم الجمعة إلا أن يصوم قبله أو بعده " , إذ ليس فيه ما يدل على أنه كان يختص بصوم يوم الجمعة , فلعله كان يصومه باليوم الذي يليه , ويحتمل أن يكون المراد منه: أنه كان يمسك قبل الصلاة ولا يتغدى إلا بعد أداء الجمعة , كما روي عن سهل بن سعد الساعدي.
والسبب في النهي عن إفراد الجمعة بالصوم: لعله مخالفة اليهود والنصارى في إفراد السبت والأحد , أو أن لا يخص بالتعظيم والعبادة , ويعطل سائر الأيام , ويشهد له ما روى أبو هريرة أنه - عليه
стр. 494
السلام - قال: " لا تختصوا ليلة الجمعة بقيام من بين الليالي , ولا تختصوا يوم الجمعة بصيام من بين الأيام , إلا أن يكون في صوم يصومه أحدكم ".
...
٤١٦ - ١٤٧٧ - عن عبد الله بن بسر , عن أخته: أن رسول الله ﷺ قال: " لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض عليكم , فإن لم يجد أحدكم إلا لحاء عنبة , أو عود شجرة فليمضغه ".
" عن عبد الله بن بسر , عن أخته: أن رسول الله ﷺ قال: لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض عليكم ".
أخت عبد الله اسمها: بهية , وقيل: بهيمة , وتعرف بالصماء , والمراد بالنهي: إفراد السبت بالصوم , لا الصوم فيه مطلقا , لما سبق من حديث أبي هريرة في الجمعة , والداعي إليه: مخالفة اليهود , وفي معنى المستثنى ما وافق سنة مؤكدة , كما إذا كان السبت يوم عرفة أو عاشوراء , للأحاديث الصحاح التي وردت فيها.
وقوله ك " فيما افترض عليكم " يتناول: المكتوبة , والمنذورة , وقضاء الفائت الواجب , وصوم الكفارة , واتفق الجمهور على أن هذا النهي والنهي عن إفراد الجمعة نهي تنزيه وكراهة , لا تحريم.
***
стр. 495
فصل
من الصحاح:
٤١٧ - ١٤٨١ - عن عائشة ﵂ قالت: دخل علي النبي ﷺ ذات يوم , فقال: " هل عندكم شيء؟ ", فقلنا: لا قال: " فإني إذا صائم ", ثم أتانا يوما آخر , فقلنا: يا رسول الل! أهدي لنا حيس , فقال: " أرينيه , فلقد أصبحت صائما " , فأكل.
(فصل)
(من الصحاح):
" في حديث عائشة ﵂: ثم أتانا يوما آخر , فقلنا: يا رسول الله! أهدي لنا حيس , فقال: أرينيه , فلقد أصبحت صائما , فأكل ".
(الحيس): ثريد يتخذ من أخلاط , وقيل: من الزبد والتمر , والحديث دليل على أن الشروع في النفل لا يمنع من الخروج عنه , كما قال: " الصائم المتطوع أمير نفسه " وإليه ذهب أكثر العلماء , وقال أصحاب الرأي: يجب إتمامه , ويلزمه القضاء إن أفطر , وبه قال ملك , حيث لا عذر , واحتجوا بما روي عن الزهري , عن عروة , عن عائشة قالت: كنت أنا وحفصة صائمتين , فعرض لنا طعام اشتهيناه , فأكلنا منه , فقالت حفصة: يا رسول الله! إنا كنا صائمتين , فعرض لنا طعام اشتهيناه , فأكلنا منه , قال: " اقضيا يوما آخر مكانه ", والأصح:
стр. 496
أنه مرسل , إذ صح عن ابن جريج أنه قال: قلت للزهري: أسمعته عن عروة؟ قال: لا , إنما أخبرينيه رجل بباب عبد الملك بن مروان , ثم إنه محمول على أنه ﵇ أمرهما بذلك استحبابا , إذ الأصل لما لم يجب , فالبدل بعدم الوجوب أولى.
...
٧ - باب
ليلة القدر
من الصحاح:
٤١٨ - ١٤٨٩ - وقال ابن عمر: إن رجالا من أصحاب النبي ﷺ أروا ليلة القدر في المنام في السبع الأواخر , فقال رسول الله ﷺ : " أرى رؤياكم قد تواطأت في السبع الأواخر , فمن كان منكم متحريها فليتحرها في السبع الأواخر ".
(باب ليلة القدر)
(من الصحاح):
" قال ابن عمر: إن رجالا من أصحاب النبي ﷺ أروا ليلة القدر في المنام في السبع الأواخر " الحديث.
стр. 497
"أُرُوا": فعل ما لم يسم فاعله , من: الرؤيا , أي: خيل لهم أن الليلة ليلة القدر , ومثل لهم بعض صفاتها وأحوالها.
وسميت الليلة (ليلة القدر): إما لأنها ليلة تقدير الأمور , فإنه تعالى بين فيها لملائكته ما يحدث إلى مثلها من العام القابل , كما قال تعالى: ﴿فيها يفرق كل أمر حكيم﴾ [الدخان: ٤] , وإما لخطرها وشرفها على سائر الليالي.
وقوله: " قد تواطأت " أي: توافقت , وأصل المواطأة: أن يطأ الرجل برجله موطيء صاحبه.
" فمن كان متحريها " أي: طالبا لها , من: تحرى الشيء: إذا قصد حراء - أي: جانبه - أو طلب الأحرى , أي: فمن كان يريد طلبها في أحرى الأوقات بالطلب فليطلب في السبع الأواخر , يعني: التي تلي آخر الشهر ومختتمه , أو السبع التي هي إثر العشرين , لأن السبع يطلق على السبع الأول , والسبع التي هي نيف العشر , والتي هي نيف العشرين , وحمله على الثاني أولى , لأنه يشتمل على الليالي الثلاثة التي ذهب أكثر أهل العلم إلى أن ليلة القدر إحداها , وهي ليلة: إحدى وعشرين , وثلاث وعشرين , وسبع وعشرين , ولم يثبت أنه ﵇ صرح بتعيين شيء منها , وما روي فيها فأمور استدلالية ذكرها الصحابة باجتهادهم.
قال الشافعي: وأقوى الروايات عندي فيها: ليلة إحدى وعشرين.
***
стр. 498
٤١٩ - ١٤٩٥ - وقالت: كان النبي ﷺ إذا دخل العشر شد مئزره , وأحيا ليله , وأيقظ أهله.
" وقالت عائشة: كان النبي ﷺ إذا دخل العشر شد مئزره , وأحيا ليله , وأيقظ أهله.
(المئزر): الإزار , ونظيره: ملحف ولحاف , وشده: كناية عن التشمير والاجتهاد , أراد به: الجد في الطاعة , أو عن الاعتزال عن النساء والتجنب من غشيانهن.
...
٨ - باب
الاعتكاف
من الصحاح:
٤٢٠ - ١٥٠١ - عن ابن عباس ﵄ قال: كان رسول الله ﷺ أجود الناس من الخير , وكان أجود ما يكون في رمضان , وكان جبريل يلقاه كل ليلة في رمضان , يعرض عليه النبي ﷺ القرآن , فإذا لقيه جبريل كان أجود بالخير من الريح المرسلة.
(باب الاعتكاف)
(من الصحاح):
" عن ابن عباس قال: كان رسول الله ﷺ أجود الناس بالخير ,
стр. 499
وكان أجود ما يكون في رمضان , كان جبريل يلقاه كل ليلة " الحديث.
إنه ﵇ كان أجود الناس من حيث إنه مطبوع على الجود , مجبول على الإعراض عن متاع الدنيا , مستغن بالباقيات الصالحات عن الزخارف الفانيات , ثم إنه يأخذ في القوة والازدياد بالرياضة والانهماك في العبادة , والانخراط في سلك الروحانيات والاتصال بهم , فلذلك كان أجود ما يكون في رمضان وحينما لقيه جبريل , حتى سبق الريح المرسلة التي أرسلها الله تعالى بالبشرى في السرعة والمبادرة إلى الانقطاع وإيصال الخير.
هذا , وإن شهر رمضان موسم الخيرات ومواقيت المبرات , والعمل فيه يقع بمكان من الله لا يقع في غيره , فإنه سبحانه يفعل بالعباد من التفضيل والاحسان وقبول الطاعة ما لا يفعل في غيره ,فالبحري أن يزاد فيه الخير , ويضاعف الإحسان والبر.
...
٤٢١ - ١٥٠٤ - وروي عن عمر ﵁: أنه سأل رسول الله ﷺ قال: كنت نذرت في الجاهلية أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام , قال: " فأوف بنذرك ".
" وعن عمر: أنه رسول الله ﷺ قال: كنت نذرت ف الجاهلية " الحديث.
ظاهرالحديث يدل على جواز إفراد الليل بالاعتكاف , وأن
стр. 500
الصوم ليس شرطا فيه , وأن الكافر إذا نذر قربة , ثم أسلم لزمه الوفاء بها , والأظهر: أنه لا يلزمه , لأنه لا يفضل ما التزمه على ما لزمه شرعا , والأمر بالوفاء محمول على الندب , وأن المسجد الحرام يتعين للاعتكاف بالتعيين في النذر.
***
стр. 501
(٨)
كتاب فضائل القرآن
стр. 502
(٨)
كتاب فضائل القرآن
١ - باب
من الصحاح:
٤٢٢ - ١٥١٠ - وقال: " أيكم يحب أن يغدوا كل يوم إلى بطحان أو العقيق , فيأتي بناقتين كوماوين في غير إثم ولا قطع رحم؟ " قالوا: يا رسول الله! كلنا يحب ذلك , قال: " فلأن يغدو أحدكم إلى المسجد فيعلم أو يقرأ آيتين من كتاب الله تعالى خير له من ناقتين , وثلاث خير له من ثلاث , وأربع خير له من أربع ومن أعدادهن من الإبل ".
(كتاب فضائل القرآن)
(من الصحاح):
" عن عقبة بن عامر قال: قال رسول الله ﷺ : أيكم يحب أن يغدو كل يوم إلى يطحان " الحديث.
" بطحان " بضم الباء وسكون الطاء: اسم واد بالمدينة , سمي بذلك لسمعته وانبساطه , من: البطح , وهو البسط
стр. 503
و" العقيق" يريد به: العقيق الأصفر , وهو واد على ثلاثة أميال , وقيل: على ميلين من المدينة , عليه أموال أهلها , وإنما خصهما بالذكر لأنهما أقرب المواضع التي تقام فيها أسواق الإبل إلى المدينة.
(والكوماء): الناقة العظيمة السنام المشرفة , والكوم: الموضع المشرف , ويقال لصبرة الطعام: الكومة , لارتفاعها , والتكويم: الرفع , وإنما ضرب المثل بها لأنها من خيار مال العرب وأحبها إليهم.
"في غير إثم" أي: في غير ما يوجب إثما كغصب وسرقة , سمي موجب الإثم: إثما مجازا , و " خير له من ناقتين ": خبر مبتدأ محذوف , أي: هما خير من ناقتين , و" من أعدادهن من الإبل ": متعلق بمحذوف , تقديره: وأكثر من أربع خير من أعدادهن من الإبل على هذا القياس.
...
٤٢٣ – ١٥١١ – وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : " أيحب أحدكم إذا رجع إلى أهله أن يجد فيه ثلاث خلفات عظام سمان؟ " قلنا: نعم , قال: " فثلاث آيات يقرأ بهم أحدكم في صلاته خير له من ثلاث خلفات عظام سمان ".
ويقرب منه الحديث الذي يليه , وفيه: " ثلاث خلفات " أي: نوق
стр. 504
حوامل , واحدها: خلفة , من خلفت الناقة بالكسر: إذا حملت.
...
٤٢٤ – ١٥١٢ – وقال: " الماهر بالقرآن مع السفرة الكرام البررة , والذي يقرأ القرآن ويتتعتع فيه وهو عليه شاق له أجران ".
" وعن عائشة , عن النبي ﷺ أنه قال: الماهر بالقرآن مع السفرة الكرام البررة " الحديث.
"الماهر": الحاذق , من المهارة , وهي الحذق , و" السفرة ": الكتبة , جمع: سافر , من السفر وأصله: الكشف , فإن الكاتب يتبين ما يكتبه ويوضحه , ومنه قيل: للكتاب: سفر بكسر السين , لأنه يكشف الحقائق , ويسفر عنها , والمراد بها: الملائكة , الذين هم حملة اللوح المحفوظ , كما قال تعالى: ﴿بأيدي سفرة * كرام بررة﴾ [عبس: ١٥ – ١٦] سموا بذلك لأنهم ينقلون الكتب الإلهية المنزلة إلى الأنبياء منه , فكأنهم يستنسخونها.
و"الماهربالقرآن" من حيث إنه حامل للقرآن حافظ له أمين عليه , ويؤديه إلى المؤمنين , ويكشف لهم ما يلتبس عليهم = مع السفرة ومعدود من عدادهم , فإنهم الحاملون لأصله الحافظون له , ينزلون به على أنبياء الله ورسله , ويؤدون إليهم ألفاظه , ويكشفون عليهم معاتبه.
стр. 505
" ويتتعتع فيه " أي: يقف في قراءته , والتعتعة في الكلام: التردد فيه من حصر أوعي , " له أجران " أي: أجر القراءة وأجر ما يتجشمه من الكلفة والمشقة.
...
٤٢٥ – ١٥١٧ – عن البراء ﵁ قال: كان رجل يقرأ سورة الكهف وإلى جانبه حصان مربوط بشطنين , فتغشته سحابة , فجعلت تدنو وتدنو , وجعل فرسه تنفر , فلما أصبح أتى النبي ﷺ , فذكر ذلك له فقال: " تلك السكينة تنزلت بالقرآن ".
" عن البراء قال: كان رجل يقرأ سورة الكهف , وإلى جانبه حصان " الحديث.
(الحصان): الكريم من فحول الخيل , سمي به لأنه يحصن ويضن به.
" مربوط بشطنين " أي: حبلين , والشطن: الحبل الطويل الشديد الفتل.
و" السكينة " في الأصل: السكون والطمأنينة , والمراد بها هاهنا: الملائكة وملك معين ينزل على القاريء , ويبين له ما يشكل عليه.
...
٤٢٦ – ١٥١٨ – عن أبي سعيد بن المعلى ﵁ قال: كنت
стр. 506
أصلي , فدعاني النبي ﷺ , فلم أجبه حتى صليت , ثم أتيت , فقال: " ما منعك أن تأتيني؟ " فقلت: كنت أصلي , فقال: " ألم يقل الله: ﴿استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم﴾ ",ثم قال: " ألا أعلمك أعظم سورة في القرآن قبل أن أخرج من المسجد؟ " فأخذ بيدي , فلما أردنا أن نخرج قلت: يا رسول الله! إنك قلت: " ألا أعلمك أعظم سورة في القرآن " قال: ﴿الحمد لله رب العالمين﴾ هي السبع المثاني , والقرآن العظيم الذي أوتيته ".
" وفي حديث أبي سعيد بن المعلى الزرقي الأنصاري: قلت: يا رسول الله! إنك قلت: ألا أعلمك أعظم سورة من القرآن " الحديث.
" قال: الحمد لله " أي: السورة التي مستهلها: ﴿الحمد لله﴾ والام في " السبع ": للعهد , والمعهود قوله تعالى: ﴿ولقد آتيناك سبعا من المثاني﴾ [الحجر: ٨٧] وسميت: (السبع المثاني) لأنها سبع آيات باتفاق , غير أن منهم من عد التسمية دون ﴿أنعمت عليهم﴾ [الفاتحة:٧] , ومنهم من عكس , ومثناة في الصلاة أو الإنزال , فإنها نزلت بمكة حينما فرضت الصلاة , وبالمدينة لما حولت القبلة , و" القرآن العظيم ": معطوف عليه عطف إحدى صفتي الشيء على الأخرى ,
стр. 507
أي: هي الجامعة بين كونها سبعا من المثاني والقرآن العظيم.
...
٤٢٧ – ١٥١٩ – وقال: " لا تجعلوا بيوتكم مقابر , إن الشيطان ينفر من البيت الذي يقرأ فيه سورة البقرة ".
" وعن أبي هريرة: أنه – ﵇ – قال: لا تجعلوا بيوتكم مقابر " الحديث.
أي: لا تجعلوا بيوتكم كالمقابر خالية عن الذكر والطاعة , واجعلوا لها نصيبا من القراءة والصلاة.
" فإن الشيطان ينفر من البيت الذي يقرأ فيه البقرة " أي: ييئس من إغواء أهله وتسويلهم , لما يرى من جدهم في الدين ورسوخهم في الإسلام.
" قال ﵇: من قرأ البقرة وآل عمران جد فينا ".
ذلك لما في حفظها والمواظبة على تلاوتهما من الكلفة والمشقة , واشتمالهما على الحكم والشرائع والقصص والمواعظ والوقائع الغريبة والمعجزات العجيبة , وذكر خالصة أوليائه والمصطفين من عباده , وتفضيح الشيطان ولعنه , وكشف ما يتوسل به إلى تسويل آدم وذريته , ولذلك سماهما: (الزهراوين) في الحديث الذي يليه.
***
стр. 508
٤٢٨ – ١٥٢٠ – وقال: " اقرأوا القرآن , فإنه يأتي يوم القيامة شفيعا لأصحابه , اقرأوا الزهراوين: البقرة وسورة آل عمران , فإنهما تأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان أو غيايتان أو فرقان من طير صواف تحاجان عن أصحابهما , اقرأوا سورة البقرة , فإن أخذها بركة , وتركها حسرة , ولا يستطيعها البطلة ".
" وقال: اقرأوا الزهراوين: البقرة وسورة آل عمران , فإنهما تأتيان " الحديث.
الزهراء تأنيث: الأزهر , وهو المضيء , ويقال للنيرين: الأزهران , مثل حراسة السورة إياه , وخلاصه ببركتها من عذاب يوم القيامة بإطلال أحد هذه الأشياء الثلاثة , ولعلها تمثل له حتى يشاهدها كأنه ظله أظلته من غمامة أو سحابة أو غياية , وهي كل متظلل من عال إذا ظل , ولعله يريد به: ما يكون له صفاء وضوء , إذ الغياية: ضوء شعاع الشمس.
" أو فرقان من طير " أي: قطيع منه , " صواف " ك باسطات أجنحتها متصلا بعضها ببعض , جمع: صافة , ولفظة (أو) فيه: للتقسيم والتنويع لا لشك الراوي وتردده , إذ الروايات كلها متسقة على هذا المنهاج , ولعل الأول: لمن يقرأهما ولا يعرف معناهما , والثاني: لمن
стр. 509
وفق للجمع بين تلاوة اللفظ ودراية المعنى , والثالث: لمن ضم إليها تعليم المستعدين وإرشاد الطالبين , وبيان حقائقها , وكشف ما فيهما من الرموز واللطائف عليهم , وإحياء قلوبهم الجامدة , وهيج نفوسهم الخامدة حتى طاروا من حضيض الجهالة والبطالة إلى أوج العرفان واليقين , لا جرم , تمثل له يوم القيامة مساعيه طيورا صواف يحرسونه , ويحاجون عن بالدلالة على سعيه في الدين ورسوخه في اليقين , والإشعار بفضله وعلو شأنه.
والضمير في " تحاجان " للسورتين.
وفيه:" لا يستطعهما البطلة " أي: السحرة , عبر عن السحرة بالبطلة لأن ما يأتون به باطل , سماهم باسم فعلهم , وإنما لم يقدروا على حففظهما , ولم يستطيعوا قراءتهما لزيغهم عن الحق , واتباعهم للوساوس , وانهماكهم في الباطل.
...
٤٢٩ – ١٥٢٢ – وعن أبي بن كعب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " يا أبا المنذر! أتدري أي آية من كتاب الله معك أعظم؟ ", قلت: الله ورسوله أعلم , قال: " يا أبا المنذر , أتدري أي آية من كتاب الله معك أعظم؟ ", قلت: ﴿الله لا إله إلا هو الحي القيوم﴾ , قال: فضرب بيده في صدري وقال: " ليهنك العلم يا أبا المنذر! ".
стр. 510
ثم قال: " والذي نفس محمد بيده , إن لهذه الآية لسانا وشفتين تقدس الملك عند ساق العرش "
" وعن أبي بن كعب قال: قال رسول الله ﷺ : يا أبا المنذر! أتدري أي آية من كتاب الله معك أعظم؟ " الحديث.
(أي) في الاستفهام إذا أضيف إلى نكرة يكون سؤالا عن تعين ما أضيف إليه بما يميزه عن أخواته الملتبس هو بها , فيحسن السؤال به إذا كان السائل معتقدا استحضار المخاطب له ولأخواته , حتى يقدر على التمييز والتعيين , فلذلك وصف الآية بقوله: " معك " لئلا يتشوش ذهنه , ويتوهم أن المسؤول عنه لعله آية لم يلقنها الرسول بعد , ولم يعلمها إياه , ويويد بذلك تعليمه , ولاحتمال إرادة التعليم والإرشاد إلى تعليم المتصف بهذه الصفة لم يعين في الكرة الأولى , وقال:" الله ورسوله أعلم " مع ما فيه من تعظيم السائل ومراعاة الأدب.
ثم لما لم يعين الرسول – ﵇ – وكرر السؤال , علم أنه يريد بذلك استنطاقه بما استنبطه , واستدل على فضله بما يدل عليه , فعين وقال: ﴿الله لا إله إلا هو﴾ [البقرة: ٢٥٥] أي: الآية التي مستهلها ومبدؤها , لأن شرف الآيات بشرف مدلولاتها ورفعه قدرها , واشتمالها على الفوائد العظيمة والعوائد الخطيرة , ثم بحسن النظم ومزيد البيان والفصاحة , ولا شك أن أعظم المدلولات ذات الله تعالى وصفاته , وأشرف العلوم وأعلاها قدرا وأبقاها ذخرا: هو العلم
стр. 511
الإلهي الباحث عن ذاته تعالى وصفاته السلبية والثبوتية , وما يدل عليها من صنائعها وأفعاله , وأن رجوع الخلق إليه وحسابهم عنده , لا مرد لحكمه , ولا مانع من عذابه.
وهذه الآية باعتبار معناها وما يستفاد من مفهومها وفحواها: تشتمل على جملة ذلك مفصلا أو مجملا , على طريقة التقرير والتحقيق لا على سبيل الدعوى ومحض التقليد.
ومن حيث [إن] اللفظ وقع في مجاز البلاغة وحسن النظم والترتيب موقعا تنمحق دونه بلاغة كل بليغ , وتتعتع في معارضته فصاحة كل فصيح , والاشتغال بتفصيل ذلك خروج عن المقصود , فمن شاء فليطالع تفسيرها من كتابنا المسمى بـ:" أنوار التنزيل ", ولذلك دعا برسوخه في لعلم وتيسيره له فقال: " ليهنك العلم " , أي: ليكن العلم هنيئا لك.
...
٤٣٠ – ١٥٢٤ – عن ابن عباس ﵁ قال: بينما جبريل عند النبي ﷺ إذ سمع نقيضا من فوقه , فرفع رأسه , فقال: هذا باب من السماء فتح لم يفتح قط إلا اليوم , فنزل منه ملك إلى الأرض لم يزل قط إلا اليوم , فسلم فقال: أبشر بنورين أوتيتهما لم يؤتهما نبي قبلك: فاتحة الكتاب وخواتيم سورة البقرة , لن تقرأ بحرف منهما إلا أعطيته.
стр. 512
" وعن ابن عباس قال: بينا جبريل عند النبي ﷺ إذ سمع نقيضا من فوقه , فرفع رأسه " الحديث.
" بينا جبريل عند النبي ﷺ ", أي: بين أوقات وحالات كان هو عنده , والعامل فيه: " سمع نقيضا " أي: صوتا , ويكثر استعماله في صوت الرحال والمحامل , والإنقاض: التصويت , والضمائر الثلاثة التي في (سمع) و (رفع) و (قال): راجعة إلى جبريل , لأنه أكثر اطلاعا على أحوال السماء , وأحق بالإخبار عنها , ولما اتفق له – ﵇ – في ذلك اليوم [من] معارفة واتصال بملك لم يكن له معه سابقة عرفان , ولا لمن قبله من الأنبياء ﵈ , وأوحي إليه بالبشرى العظيمة التي احتص بها , كان ذلك فتح باب سماوي لم يفتح قبله , لا عليه ولا على غيره.
وإنما سماهما:" نورين " لأن كلا منهما يكون لصاحبه في القيامة نورا يسعى أمامه , أو لأنه يرشده ويهديه بالتأمل فيه والتفكر في معانيه إلى الطريق القويم والمنهج المستقيم , وذلك لاشتمالهما على جملة ما تحويه الكتب السماوية من الحكم النظرية والأحكام العلمية والتصفية الروحانية , وبيان أحوال السعداء والأشقياء والترغيب على الطاعة والترهيب عن المعاصي بالوعد والوعيد إجمالا , مع السؤال بشرطه لما فيه صلاح الدارين والفوز بالحسنين , فلذلك بشر
стр. 513
بالإجابة وقال: " لن تقرأ بحرف منهما " أي: بكلام فيه سؤال , مثل: ﴿اهدنا﴾ ﴿غفرانك ربنا﴾ و ﴿ربنا ولا تحملنا﴾ ," إلا أعطيته " , فإن الحرف يطلق ويراد به الكلام , كما يطلق ويراد به اللغة , وقوله " إلا أعطيته " يخصه ويقيده بما فيه دعاء , ولعل ابن عباس سمع ذلك عن النبي ﷺ وترك الإسناد لوضوحه.
ولا يبعد أن يقال: قد اتفق له وقت , فانكشفت له الحال , وتمثل له جبريل والملك النازل , كما تمثلا للرسول صلوات الله عليه , فشاهدهما وسمع مقالتهما مع الرسول ﷺ , والله أعلم بحقائق ذلك.
...
٤٣١ – ١٥٢٥ – عن عبد الله ﵁ قال: لما أسرى برسول الله ﷺ انتهي به إلى سدرة المنتهى , فأعطي ثلاثا الصلوات الخمس , وخواتيم سورة البقرة , وغفر لمن لا يشرك بالله من أمته شيئا المقحمات.
" وفي حديث عبد الله بن مسعود: لما أسري برسول الله ﷺ انتهي به إلى سدرة المنتهى ".
أي: إلى حيث تنتهي إليه أعمال العباد , أو نفوس السائحين في
стр. 514
الملأ الأعلى , فيجتمعون فيه اجتماع الناس في أنديتهم , أو إليه ينتهي علم الخلائق من الملائكة والرسل وأرباب النظر والاعتبار , كما جاء في الحديث: " وما وراءه غيب لا يطلع عليه غيره تعالى ".
وفيه: " وغفر لمن لا يشرك بالله – من أمته – شيئا المقحمات ",
أي: الذنوب العظام التي تقحم صاحبها , أي: تلقيه في النار , والقحوم: الوقوع في الشيء , و (شيئا): نصب على المصدر , أي: شيئا من الشرك.
...
٤٣٢ – ١٥٢٨ – وقال: " أيعجز أحدكم أن يقرأ في ليلة ثلث القرآن؟ " قالوا: وكيف يقرأ ثلث القرآن؟ , قال: ﴿قل هو الله أحد] تعدل ثلث القرآن ".
" وفي حديث أبي الدرداء: أنه – ﵊ – قال: ﴿قل هو الله أحد﴾ تعدل ثلث القرآن ".
أي: تساويه , لأن معاني القرآن آيلة إلى تعليم ثلاثة علوم: علم التوحيد , وعلم الشرائع , وعلم تهذيب الأخلاق وتزكية النفس , و (سورة الأخلاص) تشمل على القسم الأشرف منها , الذي هو
стр. 515
كالأصل والأساس للقسمين الآخرين , وهو علم التوحيد على أبين وجه وآكده.
...
من الحسان:
٤٣٣ – ١٥٣٣ – عن عبد الرحمن بن عوف ﵁ , عن النبي ﷺ قال: " ثلاث تحت العرش يوم القيامة: القرآن يحاج العباد له ظهر وبطن , والأمانة , والرحم تنادي: ألا من وصلني وصله الله , ومن قطعني قطعه الله ".
(من الحسان):
" عن عبد الرحمن بن عوف , عن النبي ﷺ أنه قال: ثلاث تحت العرش يوم القيامة " الحديث.
كونها " تحت العرش ": عبارة عن اختصاصها بمكان من الله تعالى وقربة واعتبار , لا يضيع أجر من حافظ عليها , ولا يهمل مجازاة من ضيعها وأعرض عنها وكما هو حال المقربين عند السلطان الواقفين تحت عرشه الملازمين لحضرته , فإن التواصل بهم , والإعراض عنهم , وشكرهم , وشكايتهم يكون لها تأثير عظيم لديه.
واختصاص هذه الثلاثة بهذه المنزلة من حيث إن من حافظ عليها حق رعايتها فقد أكمل الدين وأحرز الحق وأقام العدل , ومن أضاعها
стр. 516
ولم يبال بها فعلى خلاف ذلك , لأن كل ما يحاوله الإنسان إما أن يكون أمرا بينه وبين الله تعالى لا يتعلق بغيره , وإما أن يكون أمرا دائرا بينه وبين سائر الناس عامة , أو بينه وبين خاصته من أقاربه وأهل منزله , والقرآن وصلة بينه وبين ربه , فمن راعى أحكامه , واتبع ظواهره وبواطنه فقد أدى حقوق الربوبية , وأتى بما هو وظائف العبودية.
و" الأمانة": تعم الناس كلهم , فإن دماءهم وأعراضهم وأموالهم وسائر حقوقهم أمانات فيما بينهم , فمن قام بحقها فقد أقام العدل , وجانب المظالم رأسا , ومن وصل الرحم , وراقب الأقارب , ودفع عنهم المخاوف , وأحسن إليهم بما أنعم الله عليه , وأعانهم فيما يهم لهم من أمري الدين والدنيا ما أمكنه واستطاع = فقد أدى حقه وخرج عن عهدته , ولما كان القرآن منها أعظم قدرا وأرفع منارا , وكان العمل به والقيام بحقه والامتثال لحكمه يشتمل على القيام بالأمرين الآخرين , والمحافظة عليهما قدم ذكره , وأخبر عنه بأنه " يحاج العباد " أي: يخاصمهم فيما ضيعوه وأعرضوا عن حدوده وأحكامه , ولم يلتفتوا إلى مواعظه وأمثاله , سواء ما ظهر منها معناها واستغنى عن التأويل , أو خفي واحتاج إلى مزيد كلفة في إبراز ما هو المقصود منه , وأخر الرحم لأنه أخصها , وأفرد بالذكر – وإن اشتمل على محافظته
стр. 517
محافظة الأمرين المذكورين قبل – لأنه أحق حقوق العباد بأن يحفظ ولأنه أراد أن يبين أن صلة الرحم وقطيعتها بهذه المثابة العظيمة من الوعد والوعيد.
...
٤٣٤ – ١٥٣٤ – وقال رسول الله ﷺ : " يقال لصاحب القرآن: اقرأ , وارتق , ورتل كما كنت ترتل في الدنيا , فإن منزلك عند آخر آية تقرؤها ".
" عن ابن عمر: أنه – ﵊ – قال: يقال لصاحب القرآن: اقرأ وارتق ورتل كما كنت ترتل في الدنيا , فإن منزلك عند آخر آية تقرؤها ".
" صاحب القرآن ": حافظه والمواظب على قراءته , وقيل: العالم بمعانيه والمعتني بالتدبر فيه , والمراد من الحديث: المعنى الأول , لقوله: " اقرأ وارتق " أي: اقرأ ما كنت تحسنه من القرآن , وارتق بقدره في درجات الحنان.
قيل: درج الجنة بعدد أي القرآن , والقراء يتصاعدون بقدرها , فمن قرأ مئة آية مثلا كان منزله عند آخر آية يقرؤها , وهي المئة من الدرجات , ومن حفظ جميع القرآن كان منزله الدرجة الأقصى من درجات الجنان , وهذا للقاريء الذي يقرؤه حق قراءته , وهو أن يتدبر
стр. 518
معناه , ويأتي بما هو مقتضاه , لا الذي يقرأ , والقرآن يلعنه.
...
٤٣٥ – ١٥٣٨ – عن الحارث , عن علي ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " ألا إنها ستكون فتنة ", فقلت: ما المخرج منها يا رسول الله؟ , قال: " كتاب الله , فيه نبأ ما قبلكم , وخبر ما بعدكم , وحكم ما بينكم , هو الفصل ليس بالهزل , من تركه من جبار قصمه الله , ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله , وهو حبل الله المتين , وهو الذكر الحكيم , وهو الصراط المستقيم , هو الذي لا تزيغ به الأهواء , ولا تلتبس به الألسنة , ولا تشبع منه العلماء , ولا يخلق عن كثرة الرد , ولا تنقضي عجائبه , هو الذي لم تنته الجن إذ سمعته حتى قالوا: ﴿إنا سمعنا قراءنا عجبا * يهدي إلى الرشد فأمنا به﴾ , من قال به صدق , ومن عمل به أجر , ومن حكم به عدل , ومن دعا إليه هدي إلى صراط مستقيم ", إسناده مجهول.
" عن علي ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ألا إنها ستكون قتنة , فقلت: ما المخرج منها؟ "الحديث.
" المخرج " " مفعل بمعنى الموضع , " فما المخرج منها؟ " أي: فما الطريق الذي يخرج به منها وينقضي عنها؟
وقوله: " كتاب الله " على حذف المضاف , أي: التمسك بالكتاب , ليطابق السؤال , " هو الفصل " أي: الفاصل بين الحق والباطل , وصف
стр. 519
بالمصدر للتأكيد والمبالغة , " ليس بالهزل " أي: جد كله , ليس فيه ما يخلو عن إتقان وتحقيق , أو يعرى عن أمر خطير وفائدة عظيمة , فيتساهل فيه.
" من جبار " بيان لـ (من) بينه بذلك , ليدل على أن الحامل له على الترك والإعراض عنه هو التجبر والحماقة , والجبار لا يطلق صفة للعبد إلا في معرض الذم , لأنه لا يليق به.
والقصم: الكسر , و" قصمه الله ": يحتمل الخبر والدعاء , وكذلك قوله: " أضله الله " فإن طلب الشيء في غير محله ضلال.
" وهو حبل الله المتين " أي: الوصلة التي يوثق عليها , فيتمسك بها من أراد الترقي والعروج إلى معارج القدس وجوار الحق , " والذكر " أي: المذكور , " الحكيم " أي: المحكم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه , أو المشتمل على الحقائق والحكم , بمعنى: ذو الحكمة.
" لا تزيغ به الأهواء " أي: لا تميل عن الحق باتباعه ما دامت تتبعه , " ولا تلتبس به الألسنة " أي: لا يختلط به غيره بحيث يشتبه الأمر ويلتبس الحق بالبطل , وإنه تعالى تكفل حفظه , وقال: ﴿إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون﴾ [الحجر: ٩] " ولا يشبع منه العلماء " أي: لا يحيط علمهم بكنهه , فيقفوا عن طلبه وقوف من شبع من
стр. 520
مطعوم , فإن الناظر فيه لا ينتهي إلى حد إلا وهو يعد طالب لحقائقه باحث عن دقائقه.
" ولا يخلق على كثرة الرد " أي: لا يزول رونقه ولذة قراءته واستماعه عن كثرة ترداده على ألسنة التالين , وتكراره على آذان المستمعين , على خلاف ما هو عليه كلام المخلوقين , يقال: خلق الثوب – بالضم – وأخلق: إذا بلي , وباقي الحديث واضح.
...
٤٣٦ – ١٥٤٠ – وقال: " لو كان القرآن في إهاب ما مسته النار ".
" عن عقبة بن عامر , عن النبي ﷺ أنه قال: لو كان القرآن في إهاب ما مسته النار ".
أي: لو صور القرآن , وجعل في إهاب , وألقي في النار , ما مسته ولا أحرقته بركة القرآن , فكيف بالمؤمن الحامل له المواظب على تلاوته؟!
واللام في "النار" قيل: للجنس , والأولى أن تجعل للعهد , والمراد بها: نار جهنم , أو النار التي تطلع على الأفئدة , أو النار التي وقودها الناس والحجارة.
***
стр. 521
٤٣٧ – ١٥٤٣ – وقال: " تعلموا القرآن واقرؤوه , فإن مثل القرآن لمن تعلم فقرأ وقام به كمثل جراب محشو مسكا تفوح ريحه بكل مكان , ومثل من تعلمه فرقد وهو في جوفه كمثل جراب أوكيء على مسك ".
" وفي حديث أبي هريرة: مثل من تعلمه فرقد وهو في جوفه , كمثل جراب أوكيء على مسك "
تمثيل لمن تعلم القرآن فرقد عليه , بجراب مسك أوكيء عليه , أي: شد بالوكاء , من حيث إنه ضيعه على نفسه , وأبطل فائدته في حقه بترك قراءته والتدبر في معانيه , وبخل به على غيره , ومنع عنه بالكف عن الاستماع والتعليم.
...
٤٣٨ – ١٥٥٥ – عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : ﴿إذا زلزلت﴾ تعدل نصف القرآن , و ﴿قل هو الله أحد﴾ تعدل ثلث القرآن , و ﴿قل يا أيها الكافرون﴾ تعدل ربع القرآن ".
" وعن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : ﴿إذا زلزلت﴾ تعدل نصف القرآن , و ﴿قل هو الله أحد﴾ تعدل ثلث القرآن , و ﴿قل ياأيها الكافرون﴾ تعدل ربع القرآن ".
يحتمل أن يقال: المقصود الأعظم بالذات من القرآن: بيان
стр. 522
المبدأ والمعاد , و ﴿إذا زلزلت﴾ مقصورة على ذكر المعاد , مستقلة ببيان أحواله , فتعادل نصفه.
وجاء في حديث آخر: أنها ربع القرآن , وتقريره أن يقال: القرآن يشتمل على تقرير: التوحيد , والنبوات , بيان أحكام المعاش , وأحوال المعاد , وهذه السورة مشتملة على القسم الأخير من الأربعة. و ﴿قل يا أيها الكافرون﴾ محتوية على القسم الأول منها , فتكون كل واحد منها كأنه ربع القرآن.
...
٤٣٩ – ١٥٦١ – وقال عقبة بن عامر ﵁: " بينا أنا أسير مع رسول الله ﷺ بين الجحفة والأبواء إذ غشينا ريح وظلمة شديدة , فجعل رسول الله ﷺ يتعوذ بـ: ﴿قل أعوذ برب الفلق﴾ , ﴿قل أعوذ برب الناس﴾ , ويقول: " يا عقبة! تعوذ بهما , فما تعوذ معوذ بمثلهما ".
" وفي حديث عقبة ين عامر: بينا أنا أسير مع رسول الله ﷺ بين الجحفة والأبواء ".
" الجحفة ": ميقات أهل الشام , و"الأبواء " – بفتح الهمزة -: قرية من أعمال الفرع من المدينة , بينها وبين الجحفة خمسة فراسخ
стр. 523
وثلاثة أميال , سميت بذلك لأن السيول تبوؤها.
...
فصل
من الصحاح:
٤٤٠ - ١٥٦٤ - قال رسول الله ﷺ :" تعاهدوا القرآن , فوالذي نفسي بيده لهو أشد تفصيا من الإبل في عقلها ".
(فصل)
(من الصحاح):
" قال رسول الله ﷺ ك تعاهدوا القرآن , فوالذي نفسي بيده , لهو أشد تفصيا من الإبل في عقلها ".
تعاهد الشيء ةتعهده: محافظته وتجديد العهد به , والمراد منه: الأمر بالمواظبة على التلاوة والمداومة على تكراره ودرسه , كيلا ينسى.
" فإنه أشد تفصيا " أي: أسرع تخلصا وذهابا وانفلاتا من الإبل المعقلة إذا أطلقها صاحبها , أو لم يحكم قيدها , ولم يعاهد عليها , , (عقل) تخفيف عقل جمع عقال , ككتب وكتب في جمع كتاب.
стр. 524
٤٤١ - ١٥٦٨ - وسئل أنس ﵁: كيف كانت قراءة النبي ﷺ , فقال: كانت مدا , ثم قرأ: ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾ , يمد بـ ﴿بسم الله﴾ , ويمد بـ ﴿الرحمن﴾ ويمد بـ ﴿الرحيم﴾.
" وسئل أنس: كيف كانت قراءة النبي ﷺ فقال: كانت مدا ".
أي: كانت قراءته ذات مد , أي: كان يمد ما كان في كلامه من حروف المد واللين.
...
٤٤٢ - ١٥٦٩ - وقال رسول الله ﷺ :" ما أذن الله لشيء ما أذن لنبي يتغنى بالقرآن ".
" وعن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: ما أذن الله لشيء ما أذن لنبي يتغنى بالقرآن ".
أي: ما استمع شيئا كاستماعه لقراءة نبي يتغنى بالقرآن , يعني: أنه لا يقع عند الله تعالى مواقع القبول كلام حسن وقوعه , والاستماع كناية عن القبول , والأذن في الأصل إصغاء الأذن إلى المتكلم ليسمع ما يقوله قال الشاعر:
صم إذا سمعوا خيرا ذكرت به
وإن ذكرت بسوء عندهم أذنوا
стр. 525
والمراد من التغني: الجهر به , ورفع الصوت , ويعضده أنه جاء في بعض الروايات: " يتغنى بالقرآن " أي: يجهر به ووقيل: الترتيل , وتحسين الصوت , ويؤيده قوله ﵇ ط ليس منا من لم يتغن بالقرآن " , ولذلك جوز الشافعي ﵁ القراءة بالألحان بشرط أن لا يغير اللفظ ولا يخل بنظم الكلام.
وقوله: " ليس منا ": يريد به الحث على التغني والتاكيد , لا الوعيد بتركه ز
وقال أبو عبيد: " من لم يتغن ": معناه: من لم يستغن , ليناسب قوله " ليس منا " فإن ظاهره وعيد , وقد جاء في كلامهم: تغنى بمعنى: استغنى.
قال الأعشى ك
وكنت امرا زمنا بالعراق ... عفيف المناخ طويل التغن
...
٤٤٣ - ١٥٧٣ - وعن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ لأبي بن كعب: " إن الله أمرني أن أقرأ عليك القرآن " قال: آلله سماني لك؟! قال: نعم , قال: وقد ذكرت عند رب العالمين؟! قال: نعم " فذرفت عيناه.
стр. 526
وفي رواية: " أمرني أن أقرأ عليك: ﴿لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب﴾.
" وعن أنس: قال النبي ﷺ لأبي بن كعب: إن الله أمرني أن أقرأ عليك القرآن "
المرا د: قراءة تعليم , فإن المعلم إذا قرأ والمتعلم يسعه كان ذلك أشد اعتمادا عليه من أن يقرأ المتعلم , وكان فيه تعليم حسن الترتيب والتأدبة , وكيفية الترتيل , وسائر هيئات القراءة.
...
من الحسان:
٤٤٤ - ١٥٧٥ - عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال ك جلست في عصابة من ضعفاء المهاجرين , وإن بعضهم ليستتر ببعض من العري , وقاريء يقرأ علينا ة إذ جاء رسول الله ﷺ , فقام علينا , فلما قام رسول الله ﷺ سكت القاريء , فسلم , ثم قال: " ما كنتم تصنعون؟ " قلنا: كنا نستمع إلى كتاب الله , فقال: " الحمد لله الذي جعل من أمتي من أمرت أن أصبر نفسي معهم ", قال: فجلس وسطنا ليعدل بنفسه فينا , ثم قال بيده هكذا , فتحلقوا , وبرزت وجوههم له , فقال: " أبشروا يا معشر صعاليك المهاجرين! بالنور التام يوم القيامة , تدخلون الجنة قبل أغنياء الناس بنصف يوم , وذلك خمس مئة سنة ".
стр. 527
(من الحسان):
" في حديث أبي سعيد الخدري: فجلس وسطنا ليعدل بنفسه فينا ".
أي: ليسوي بنفسه , ويجعلها عديلا لنا بجلوسه فينا , تواضعا ورغبة فيما نحن فيه.
...
٤٤٥ - ١٥٧٦ - وقال: " زينوا القرآن بأصواتكم ".
" وعن البراء بن عازب قال: قال رسول الله ﷺ : زينوا القرآن بأصواتكم ".
قيل: إنه من المقلوب , ويدل عليه: أنه روي أيضا عن البراء عكس ذلك.
ونظيره في كلام العرب قولهم: عرضت الناقة على الحوض , والمعروض: هو الحوض على الناقة , وقولهم: إذا طلعت الشعرى , واستوى العود على الحرباء , فإن الحرباء تستوي على العود.
ويجوز أن يجرى على ظاهره فيقال: المراد تزيينه بالترتيل والجهر به وتحسين الصوت , فإنه إذا سمع من صيت حسن الصوت , يقرؤه بصوت طيب ولحن حزين , يكون أوقع في القلب , وأشد تأثيرا في النفس , وأرق لسامعيه , فلذلك أمربه وسماه تزيينا , لأنه
стр. 528
تزيين اللفظ والمعنى.
...
٤٤٦ - ١٥٧٧ - وقال: " ما من امريء يقرأ القرآن , ثم ينساه إلا لقي الله يوم القيامة أجذم ".
" قال النبي ﷺ : ما من امريء يقرأ القرآن , ثم ينساه إلا لقي الله يوم القيامة أجذم ".
أي: مقطوع اليد , هكذا قال أبو عبيد , واعترض عليه القتيبي , وقال: تخصيص العقوبة باليد لا يناسب هذه الخطيئة , وفسر الأجذم بالمجذوم التي بها تهافتت أطرافه , وتساقطت أسنانه بالجذام , وقول أبي عبيد أظهر لغة , وأشهر استعالا.
ولعل معنى قوله (لقي الله أجذم): أنه يكون منقطع الحجة لا يجد سببا يتمسك به , وتتشبث به يده , فإن القرآن سبب أحد طرفيه بيد الله , والآخر بأيدي العباد ,فمن تركه انقطع عنه يده , فصارت كالمقطوعة , وقد يكنى بعدم اليد عن عدم الحجة , فيقال: ما لي بهذا الأمر يدان , بمعنى ك ما لي به تمسك.
стр. 529
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
стр. 530
(٩)
كتاب الدعوات
следующие страницы →