← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13614

تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة

ناصر الدين البيضاوي

Полный текст (1 692 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

وفي رواية: " أمرني أن أقرأ عليك: ﴿لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب﴾. " وعن أنس: قال النبي ﷺ لأبي بن كعب: إن الله أمرني أن أقرأ عليك القرآن " المرا د: قراءة تعليم , فإن المعلم إذا قرأ والمتعلم يسعه كان ذلك أشد اعتمادا عليه من أن يقرأ المتعلم , وكان فيه تعليم حسن الترتيب والتأدبة , وكيفية الترتيل , وسائر هيئات القراءة. ... من الحسان: ٤٤٤ - ١٥٧٥ - عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال ك جلست في عصابة من ضعفاء المهاجرين , وإن بعضهم ليستتر ببعض من العري , وقاريء يقرأ علينا ة إذ جاء رسول الله ﷺ , فقام علينا , فلما قام رسول الله ﷺ سكت القاريء , فسلم , ثم قال: " ما كنتم تصنعون؟ " قلنا: كنا نستمع إلى كتاب الله , فقال: " الحمد لله الذي جعل من أمتي من أمرت أن أصبر نفسي معهم ", قال: فجلس وسطنا ليعدل بنفسه فينا , ثم قال بيده هكذا , فتحلقوا , وبرزت وجوههم له , فقال: " أبشروا يا معشر صعاليك المهاجرين! بالنور التام يوم القيامة , تدخلون الجنة قبل أغنياء الناس بنصف يوم , وذلك خمس مئة سنة ".

стр. 527

(من الحسان): " في حديث أبي سعيد الخدري: فجلس وسطنا ليعدل بنفسه فينا ". أي: ليسوي بنفسه , ويجعلها عديلا لنا بجلوسه فينا , تواضعا ورغبة فيما نحن فيه. ... ٤٤٥ - ١٥٧٦ - وقال: " زينوا القرآن بأصواتكم ". " وعن البراء بن عازب قال: قال رسول الله ﷺ : زينوا القرآن بأصواتكم ". قيل: إنه من المقلوب , ويدل عليه: أنه روي أيضا عن البراء عكس ذلك. ونظيره في كلام العرب قولهم: عرضت الناقة على الحوض , والمعروض: هو الحوض على الناقة , وقولهم: إذا طلعت الشعرى , واستوى العود على الحرباء , فإن الحرباء تستوي على العود. ويجوز أن يجرى على ظاهره فيقال: المراد تزيينه بالترتيل والجهر به وتحسين الصوت , فإنه إذا سمع من صيت حسن الصوت , يقرؤه بصوت طيب ولحن حزين , يكون أوقع في القلب , وأشد تأثيرا في النفس , وأرق لسامعيه , فلذلك أمربه وسماه تزيينا , لأنه

стр. 528

تزيين اللفظ والمعنى. ... ٤٤٦ - ١٥٧٧ - وقال: " ما من امريء يقرأ القرآن , ثم ينساه إلا لقي الله يوم القيامة أجذم ". " قال النبي ﷺ : ما من امريء يقرأ القرآن , ثم ينساه إلا لقي الله يوم القيامة أجذم ". أي: مقطوع اليد , هكذا قال أبو عبيد , واعترض عليه القتيبي , وقال: تخصيص العقوبة باليد لا يناسب هذه الخطيئة , وفسر الأجذم بالمجذوم التي بها تهافتت أطرافه , وتساقطت أسنانه بالجذام , وقول أبي عبيد أظهر لغة , وأشهر استعالا. ولعل معنى قوله (لقي الله أجذم): أنه يكون منقطع الحجة لا يجد سببا يتمسك به , وتتشبث به يده , فإن القرآن سبب أحد طرفيه بيد الله , والآخر بأيدي العباد ,فمن تركه انقطع عنه يده , فصارت كالمقطوعة , وقد يكنى بعدم اليد عن عدم الحجة , فيقال: ما لي بهذا الأمر يدان , بمعنى ك ما لي به تمسك.

стр. 529

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 530

(٩) كتاب الدعوات

стр. 531

(٩) كتاب الدعوات ١ - باب من الصحاح: ٤٤٧ - ١٥٩٠ - وقال: " اللهم إني أتخذ عندك عهدا لن تخلفينه [تخلفنيه] , فإنما أن بشر, فأي المؤمنين آذيته شتمته لعنته جلدته فاجعلها له صلاة, وزكاة, وقربة تقربه بها إليك يوم القيامة ". (باب الدعوات) (من الصحاح) " عن أبي هريرة: أنه ﵇ قال: "اللهم إني أتخذ عندك عهدا لن تخلفنيه" الحديث "أتخذ عندك" أي: أسأل منك, وألتمس من عندك "عهدا" أي: وعدا, والعهد في الأصل: الميثاق والعقد, ولما كان كل واحد من العقد والوعد متضمنا معنى الآخر عبر عن الوعد بالعهد, تأكيدا وإشعارا

стр. 532

بأنه من المواعيد التي لا يتطرق إليها الخلف, ولا ينبغي أن يتطرق إليها كالمواثيق, ولذلك استعمل فيه الخلف, وقال: " لن تخلفنيه " للمبالغة وزيادة التأكيد. وقوله: " فإنما أنا بشر ": تمهيد لمعذرته فيما يبدر عنه, لأن من لوازم البشرية الغضب المؤدي إلى ذلك. وقوله: " فأي المؤمنين " إلى آخره: بيان وتفصيل لما كان يلتمسه, قابل أنواع الفظاظة والإيذاء بما يقابلها من أنواع التعطف والإلطاف, وعد الأقسام الأول متناسقة من غير عاطف, وذكر ما يقابلها بالواو, لما كان المطلوب معارضة كل واحدة من تلك بهذه الأمور. وقوله: "صلاة" أي: رحمة وإكراما وتعطفا, و"زكاة" أي: طهارة من الذنوب والمعايب. ... من الحسان: ٤٤٨ - ١٥٩٦ - قال رسول الله ﷺ : "الدعاء هو العبادة ثم قرأ ﴿وقال ربكم ادعوني استجب لكم﴾ ". ٤٤٩ ١٥٩٧ - وروي: "الدعاء مخ العبادة". (من الحسان): "عن نعمان بن بشير قال: قال رسول الله ﷺ : الدعاء هو العبادة,

стр. 533

ثم قرأ: ﴿وقال ربكم ادعوني استجب لكم﴾ [غافر: ٦٠]. ويروى:" الدعاء مخ العبادة". لما حكم بأن الدعاء هو العبادة الحقيقية التي تستأهل أن تسمى عبادة, من حيث إنه يدل على أن فاعله مقبل بوجهه إلى الله تعالى, معرض عما سواه, لا يرجو ولا يخاف إلا منه = استدل عليه بالآية, فإنها تدل على أنه أمر مأمور به, إذا أتى به المكلف قبل منه لا محالة, وترتب عليه المقصود ترتب الجزاء على الشرط, والمسبب على السبب, وما كان كذلك كان أتم العبادات وأكملها. ويقرب منه الرواية الأخرى, فإن مخ الشيء خالصه. ... ٤٥٠ - ١٥٩٩ - وقال: "لا يرد القضاء إلا الدعاء, ولا يزيد في العمر إلا البر". "وعن سلمان قال: قال رسول الله ﷺ : لا يرد القضاء إلا الدعاء ولا يزيد في العمر إلا البر". سبق في (باب الإيمان بالقدر): أن القضاء قسمان, جازم لا يقبل الرد والتعويق, ومعلق: وهو أن يقضي الله أمرا كان مفعولا ما لم يرده عائق, وذلك العائق لو وجد كان ذلك أيضا قدرا مقضيا, كما روي أنه ﵇ سئل, فقيل: يا رسول الله! أرأيت رقى نسترقيها, وتقاة نتقيها, ودواء نتداوى به, أيرد ذلك من قدر الله شيئا؟ قال:

стр. 534

"هي من قدر الله" وقد ذكرنا في شرح هذا الحديث مزيد تقرير لهذا الكلام. وقيل: المراد بالقضاء: ما يخاف نزوله, وتبدو طلائعه وأمارته من المكاره والفتن, ويكون القضاء الإلهي جاريا بأن يصان عنه العبد الموفق للخير والدعاء, فإذا أتى به العبد حرس من حلول ذلك البلاء عليه, فيكون دعاؤه كالراد لما كان يظن حلوله ويتوقع نزوله. وقيل: الدعاء لا يدفع القضاء النازل, لكن يسهله ويهونه من حيث أنه يتضمن الصبر عليه والتجمل فيه والرضا بالقضاء والرجوع إلى الله, وهو معنى الحديث التالي له. وهو ما روى ابن عمر: أنه ﵊ قال: "الدعاء ينفع مما نزل ومما لم ينزل". ... ٤٥١ - ١٦١٣ - وقال عمر بن الخطاب ﵁: "استأذنت النبي ﷺ في العمرة, فأذن لي وقال: "أشركنا - يا أخي - في دعائك, ولا تنسنا" فقال كلمة ما يسرني أن لي بها الدنيا. "وقال عمر ﵁: استأدنت النبي ﷺ في العمرة فأذن لي" الحديث.

стр. 535

في هذا الالتماس إظهار الخضوع والمسكنة في مقام العبودية, وتحضيض الأمة على التبرك والرغبة في دعاء الصالحين, وتفخيم شأن عمر, والإشادة بذكره, وإرشاده إلى ما يحمي دعاءه من الرد, ويوجب إجابته, وتعليم للأمة بأن لا يخصوا أنفسهم بالدعاء, ويشاركوا فيه أقاربهم وأحبابهم, سيما في مظان الإجابة. وروي: "أخي" - بالتصغير - وهو تصغير الاختصاص والتلطف كالتصغير في (بني). وقوله " فقال كلمة ": يحتمل أن يكون المراد بها ما سبق, وأن يكون غيره, ولم يصرح به, توقيا عن تفاخر أو نحوه, والباء في "بها" للبدلية, أي: لو كانت الدنيا لي بدل تلك الكلمة, لما سرني, لعلمي بأن تلك الكلمة خير لي من الدنيا. ... ٤٥٢ - ١٦١٤ - وقال رسول الله ﷺ : "ثلاثة لا ترد دعوتهم: الصائم حين يفطر, والإمام العادل, ودعوة المظلوم يرفعها الله فوق الغمام ويفتح لها أبواب السماء, ويقول الرب: وعزتي لأنصرنك ولو بعد حين". "عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : ثلاثة لا ترد دعوتهم: الصائم حين يفطر" الحديث.

стр. 536

(الصائم): بدل من "دعوتهم" على حذف المضاف, أي: دعوة الصائم ودعوة الإمام بدليل عطف " دعوة المظلوم " عليه. وقوله: " يرفعها الله ": في موضع الحال, ويحتمل أن تجعل تفضيل ثلاثة, ويكون القسم الثالث محذوفا, لدلالة قوله: " ودعوة المظلوم " عليه, وهو مبتدأ (يرفعها) , خبره: استأنف به الكلام, لفخامة شأن دعاء المظلوم, واختصاصه بمزيد قبول, ورفعها فوق الغمام, وفتح أبواب السماء لها: مجاز عن إثارة الآثار العلوية, وجمع الأسباب السماوية على انتصاره بالانتقام من الظالم, وإنزال البأس عليه. قوله: " ولو بعد حين ": يدل على أنه سبحانه يمهل الظالم ولا يهمله. ... ٢ - باب ذكر الله والتقرب إليه من الصحاح: ٤٥٣ - ١٦١٧ - وقال: " سبق المفردون ", قالوا: وما المفردون يا رسول الله؟ , قال: " الذاكرون الله كثيرا والذاكرات ". (باب ذكر الله تعالى والتقرب إليه)

стр. 537

(من الصحاح): " عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : سبق المفردون, قالوا: وما المفردون يا رسول الله؟ قال: الذاكرون الله كثيرا والذاكرات ". (المفرد): من فرد, إذا اعتزل وتخلى للعبادة ’ فكأنه فرد نفسه بالتبتل إلى الله تعالى, ولذلك فسر بقوله: " الذاكرون الله كثيرا والذاكرات " أي: سبقوا بنيل الزلفى, والعروج إلى الدرجات العلى, وإنما قالوا: " ما المفردون ". ولم يقولوا: من هم, لأنهم أرادوا فسر اللفظ وبيان ما هو المراد منه, لا تعيين المتصفين به, وتعريف أشخاصهم. ... ٤٥٤ – ١٦١٩ – وقال: " يقول الله تعالى: أنا عند ظن عبدي بي, وأنا معه إذا ذكرني, فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي, وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم ". " وعنه: أنه – ﵇ – قال: يقول الله تعالى: أنا عند ظن عبيدي بي, وأنا معه إذا ذكرني " الحديث. (الظن): هو الاعتقاد الراجح بأحد النقيضين, وهو كالواسطة بين العلم والشك, يشارك العلم في كونه اعتقادا راجحا, ويخالف به الشك, ويشاركه في أنه مع تجويز النقيض واحتماله, ويباين العلم في ذلك, فلذلك استعير لهما, فقال تعالى: ﴿الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم﴾ [البقرة: ٤٦] أي: يوقنون, فإن الظن غير كاف ولا معتبر في

стр. 538

ذلك, وقال: ﴿يظنون بالله غير الحق﴾ [آل عمران:١٥٤] , وفسر بيشكون. والظن في الحديث: يصح إجراؤه على ظاهره, ويكون المعنى: أنا عند ظن عبدي بي, أي: أعامله على حسب ظنه بي, وأفعل به ما يتوقعه مني, والمراد: هو الحث على تغليب الرجاء على الخوف, وحسن الظن بالله كما قال – ﵇: " لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله تعالى ". ويجوز أن يفسر بالعلم, والمعنى: أنا عند يقينه بي وعلمه بأن مصيره إلي وحسابه علي, وأن ما قضيت له من خير وشر, فلا مرد له, لا معطي لما منعت, ولا مانع لما أعطيت, أي: إذا تمكن العبد في مقام التوحيد, ورسخ في الإيمان والوثوق بالله تعالى, قرب منه ورفع دونه الحجاب, بحيث إذا دعاه أجاب, وإذا سأله استحباب. كما روي في حديث أبي هريرة: أنه – ﵇ – قال عن الله تعالى: " علم عبدي أن له ربا يغفر الذنب ويأخذ به, غفرت له ". وقوله: " وأنا معه إذا ذكرني " أي: بالتوفيق والمعونة, أو أسمع ما يقوله, " فإن ذكرني في نفسه" أي: سرا وخفية, إخلاصا وتجنبا عن الرياء " ذكرته في نفسي " أي: أسر بثوابه على منوال عمله, وأتولى بنفسي إثابته لا أكله إلى أحد من خلقي.

стр. 539

قوله: " في ملأ خير جهنم " أي: في ملأ من الملائكة المقربين, وأرواح المرسلين, والمراد منه: مجازاة العبد بأحسن مما فعله, وأفضل مما جاء به. ... ٤٥٥ – ١٦٢٠ – وقال: " من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها وأزيد, ومن جاء بالسيئة فجزاء سيئة مثلها أو غفر, ومن تقرب شبرا مني تقربت منه ذراعا, ومن تقرب مني ذراعا تقربت منه باعا, ومن أتاني يمشي أتيته هرولة, ومن لقيني بقراب الأرض خطيئة لا يشرك بي شيئا لقيته بمثلها مغفرة ". قوله: " وأزيد " أي: أزيد من عشر أمثالها إلى سبع مئة. وقوله: " ومن تقرب مني شبرا " إلى آخره: تمثيل وتصوير لمجازاة العبد فيما يتقرب به إلى ربه, وتضاعف لطفه وإحسانه عليه, وفرط عفوه عنه, وسمي إثابة الحق تعالى له (تقربا) على سبيل المقابلة, و (الهرولة): الإسراع في المشي, وهو التوسط بين العدو والمشي. وقوله: " وإن لقيني بقراب الأرض " أي: بملئها, مأخوذ من القرب, أي: بما يقاربها في المقدار, والقراب: شبه جراب يضع فيه المسافر زاده, وقراب السيف: غمده. ***

стр. 540

٤٥٦ – ١٦٢١ – وقال: " إن الله تعالى قال: من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب, وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه, وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه, فإذا أجببته, كنت سمعه الذي يسمع به, وبصره الذي يبصر به, ويده التي يبطش بها, ورجله التي يمشي بها, وإن سألني لأعطينه, ولئن استعاذ بي لأعيذنه, وما ترددت في شيء أنا فاعله ترددي عن نفس المؤمن, يكره الموت, وأنا أكره مساءته, ولا بد له منه". " وعن أبي هريرة: أن النبي ﷺ قال: من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب " الحديث. أفضل ما يتقرب به العبد إلى الله تعالى هي الفرائض التي افترضها عليه,, وناهيك بفضلها المعاتبة على تركها, والمعاقبة بالإخلال بها, وإن العبد لا يزال يتقرب إلى الله بأنواع الطاعات, وأضاف الرياضيات, ويترقى من مقام إلى آخر أعلى منه, حتى يحبه الله سبحانه, فيجعله مستغرقا بملاحظة جناب قدسه, بحيث ما لاحظ شيئا إلا لاحظ ربه, فما التفت لفت حاس ومحسوس, وصانع ومصنوع, وفاعل ومفعول, إلا رأى الله, وهو آخر درجات السالكين, وأول درجات الواصلين, فيكون بهذا الاعتبار سمعه وبصره. وقيل: معناه: فأحفظ حواسه وجوارحه وأراقبها, حتى لا يستعملها

стр. 541

إلا فيما أحبه وأرتضيه, فينقلع عن الشهوات, ويستغرق في الطاعات. قوله: " وما ترددت في شيء أنا فاعله " أي: ما أخرت وما توقفت توقف المتردد في أمر أنا فاعله إلا في قبض نفس عبدي المؤمن, أتوقف فيه حتى يسهل عليه, ويميل قلبه إليه, شوقا إلى أن ينخرط في سلك المقربين, ويتبوأ في أعلى عليين. و (التردد): تعارض الرأيين, وترادف الخاطرين, وهو وإن كان محالا في حقه تعالى, إلا أنه أسند إليه باعتبار غايته ومنتهاه الذي هو التوقف والتأني في الأمر, وكذلك سائر ما يسند إلى الله تعالى من الغضب والمكر ونحو ذلك. ... ٤٥٧ – ١٦٢٣ – عن حنظلة الأسيدي قال: انطلقت أنا وأبو بكر حتى دخلنا على رسول الله ﷺ قلت: نافق حنظلة! قال رسول الله ﷺ : " ما ذاك؟ " قلت: نكون عندك تذكرنا بالنار والجنة كأنا رأي العين, فإذا خرجنا عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات نسينا كثيرا, فقال رسول الله:" والذي نفسي بيده لو تدومون على ما تكونون عندي وفي الذكر, لصافحتكم الملائكة على فرشكم وفي طرقكم, ولكن! يا حنظلة ساعة وساعة " ثلاث مرات. "وفي حديث حنظلة الأسيدي: عافسنا الأزواج والأولاد".

стр. 542

أي: لاعبنا, والمعافسة: الملاعبة. ... من الحسان: ٤٥٨ – ١٦٢٥ – وعن عبد الله بن بسر قال: جاء أعرابي إلى النبي ﷺ فقال: أي الناس خير؟ فقال: " طوبى لمن طال عمره وحسن عمله " قال: يا رسول الله, أي الأعمال أفضل؟ , قال: " أن تفارق الدنيا ولسانك رطب من ذكر الله". (من الحسان): "قال عبد الله بن بسر: جاء أعرابي إلى النبي ﷺ فقال: أي الناس خير؟ فقال: طوبى لمن طال عمره وحسن عمله". لما كان السؤال عما هو غيب لا يعلمه إلا الله تعالى, عدل عن الجواب إلى كلام مبتدأ يشعر بأمارات تدل على المسؤول عنه, وهو: طول العمر مع حسن العمل, فإنه يدل على سعادة الدارين والفوز بالحسنين. ... ٤٥٩ – ١٦٢٧ – وقال: "من اضطجع مضطجعا لم يذكر الله فيه, كان عليه ترة يوم القيامة, ومن قعد مقعدا لم يذكر الله فيه كان عليه ترة يوم القيامة".

стр. 543

" وعن أبي هريرة: أنه – ﵇ – قال: من اضطجع مضطجعا لم يذكر الله فيه, كان عليه ترة يوم القيامة ". " ترة ": نقصا, من وتره يتره وترا وترة, وقيل: حسرة, لأنها من لوازم النقصان. ... ٤٦٠ ١٦٣٢ – عن ثوبان قال: لما نزلت: ﴿والذين يكنزون الذهب والفضة﴾ كنا مع النبي ﷺ في بعض أسفاره, فقال بعض أصحابه: لو علمنا أي المال خير فنتخذه؟ فقال: " أفضله لسان ذاكر, وقلب شاكر, وزوجة مؤمنة تعنيه [تعينه] على إيمانه ". " عن ثوبان قال: لما نزلت: ﴿والذين يكنزون الذهب والفضة﴾ [التوبة: ٣٤] كنا مع النبي ﷺ في بعض أسفاره, فقال بعض أصحابه " الحديث. ظاهر كلامهم وإن كان سؤالا عن تعيين المال, لكنهم ما أرادوه بعينه, بل أرادوا أعم منه, وهو ما يصح ويحسن أن يقتنى ويدخر, ليكون عونا وعدة عند نزول الحوادث, وتراكم الحوائج, فلذلك أجاب عنه بما أجاب, و (لو) بمعنى التمني, ولذلك نصب جوانبه.

стр. 544

٣ - باب أسماء الله تعالى من الصحاح: ٤٦١ - ١٦٣٣ - قال رسول الله ﷺ : " إن لله تسعة وتسعين اسما مائة إلا واحدا, من أحصاها دخل الجنة ". وفي رواية:" وهو وتر يحب الوتر ". (باب أسماء الله تعالى) (من الصحاح): " إن الله تعالى تسعة وتسعين اسما, مئة إلا واحدا, من أحصاها دخل الجنة ". أسماء الله تعالى: ما يصح أن يطلق عليه سبحانه بالنظر إلى ذاته, أو باعتبار صفة من صفاته السلبية كالقدوس والأول, أو الحقيقية كالعليم والقادر, أو الإضافية كالحميد والملك, أو باعتبار فعل من أفعاله كالخالق والرزاق, كما سيأتيك شرحه. قوله: " مئة إلا واحدة " بدل عن " تسعة وتسعين " بدل الكل, وفائدته: التأكيد, والمبالغة في التقدير, والمنع عن الزيادة بالقياس, وتأنيث (واحدة) على تأويل الكلمة. قوله: " من أحصاها " أي: عدها, والمعنى: من قرأها كلمة كلمة

стр. 545

على سبيل الترتيل كمن يعدها, وقيل: من علمها, نظيره قول ابن عباس: " أحصيت كل القرآن إلا حرفين " أي: من تأمل فيها, وتدبر معانيها, واطلع على حقائقها, وقيل: من أطاقها, أي: أطاق القيام بحقها, والعمل بمقتضاها بأن يتأمل معانها, ويستعمل نفسه فيما يناسبها, فالمعنى الأول عام, والثاني خاص, والثالث أخص, ولذلك قيل: الأول للعوام, والثاني للعلماء, والثالث للأولياء. ... من الحسان: ٤٦٢ – ١٦٣٤ – قال: " إن لله تسعة وتسعين اسما, من أحصاها دخل الجنة, هو الله الذي لا إله إلا هو, الرحمن, الرحيم, الملك, القدوس, السلام, المؤمن, المهيمن, العزيز, الجبار, المتكبر, الخالق, الباريء, المصور, الغفار, القهار, الوهاب, الرزاق, الفتاح, العليم, القابض, الباسط, الخافض, الرافع, المعز, المذل, السميع, البصير, الحكم, العدل, اللطيف, الخبير, الحليم, العظيم, الغفور, الشكور, العلي, الكبير, الحفيظ, المقيت, الحسيب, الجليل, الجميل, الكريم, الرقيب, المجيب, الواسع, الحكيم, الودود, المجيد, الباعث, الشهيد, الحق, الوكيل, القوي, المتين, الولي, الحميد, المحصي, المبديء, المعيد, المحيي, المميت, الحي, القيوم, الواجد, الماجد, الواحد, الأحد الصمد, القادر,

стр. 546

المقتدر, المقدم, المؤخر, الأول, الآخر, الظاهر, الباطن, الوالي, المتعالي, البر, التواب, المنتقم, العفو, الرؤوف, مالك الملك, ذو الجلال والإكرام, المقسط, الجامع, الغني, المغني, المانع, الضار, النافع, النور, الهادي, البديع, الباقي, الوارث, الرشيد, الصبور, " غريب. (من الحسان): عن أبي هريرة أنه قال: قال رسول الله ﷺ : " إن لله تسعة وتسعين اسما من أحصاها دخل الجنة ". قال مشايخنا – ﵏: التسمية: هو اللفظ الدال على المسمى, والاسم هو المعنى المسمى به, كما أن الوصف هو لفظ الواصف, والصفة مدلولة, وهو المعنى القائم بالموصوف, وقد يطلق ويراد به اللفظ, كما تطلق الصفة ويراد به الوصف, إطلاقا لاسم المدلول على الدال, وعليه اصطلحت النجاة. ويدل على أنه للمعنى دون اللفظ قوله تعالى: ﴿سبح اسم ربك﴾ [الأعلى: ١] أي: المسبح ذات الباري تعالى, دون ألفاظ الذاكرين, وكذلك قوله: ﴿تبارك اسم ربك﴾ [الرحمن: ٧٨] وقوله: ﴿ما تعبدون من دونه إلا أسماء﴾ [يوسف: ٤٠] فإن من المعلوم أن عبدة الأصنام ما عبدوا اللفظ, وإنما عبدوا المسمى بالتسميات. وقول الشاعر:

стр. 547

إلى الحول ثم اسم السلام عليكما ... ومن يبك حولا كاملا فقد اعتذر وقالت المعتزلة: الاسم: هو التسمية دون المسمى. وقال حجة الإسلام: الاسم: هو اللفظ الدال على المعنى بالوضع لغة: والمسمى: هو المعنى الموضوع له, والتسمية وضع اللفظ له, أو إطلاقه. فإن قيل: فعلى الأول يكون قوله: "إن لله تسعة وتسعين اسما" حكما بتعدد الإله سبحانه. قلت: الجواب من وجهين: الأول: أن المراد من الاسم هاهنا اللفظ, ولا خلاف في ورود الاسم بهذا المعنى, إنما النزاع في أنه هل يطلق ويراد به المسمى عينه, ولا يلزم من تعدد التسميات تعدد المسمى. الثاني: أن كل واحد من الألفاظ المطلقة على الله سبحانه يدل على ذاته باعتبار صفة حقيقية, أو غير حقيقية, وذلك يستدعي التعدد في الاعتبارات والصفات دون الذات, ولا استحالة في ذلك. " هو الله " قيل: أصله لاها بالسريانية فعرب, وقيل: عربي وضع لذاته المخصوصة كالعلم له, لأنه يوصف ولا يوصف به, ولأنه لا بد له من اسم تجري عليه صفاته, ولا يصلح له غيره, فتعين أن يكون هو اسمه, ولأنه لو كان وصفا لم يكن قوله: " لا إله إلا الله "

стр. 548

توحيدا مثل: لا إله إلا الرحمن, فإنه لا يمنع الشركة. والحق: أنه وصف في أصله, لأن ذاته من حيث هو بلا اعتبار أمر آخر حقيقي أو غيره غير معقول للبشر, فلا يكمن وضع اللفظ له ولا الإشارة إليه بإطلاق اللفظ عليه, لكنه لما غلب عليه بحيث لا يستعمل في غيره وصار كالعلم, أجري مجراه في إجراء الأوصاف عليه, وامتناع الوصف به, وعدم تطرق احتمال الشركة إليه. ومعناه: المستحق للعبادة, وأصله: آله – فحذفت الهمزة, وعوض عنها الألف واللام – ولذلك قيل: يا ألله بالقطع , واشتقاقه من أله إلاهة وألوهية وألوهة بمعنى عبد, أو من أله إذا تحير, لأن العقول تتحير في معرفته, ومن ألهت إلى كذا بمعنى سكنت إليه, لأن القلوب تطمئن بذكره, والأرواح تسكن إلى معرفته, أو من أله فزع, إذ الناس تفزع إليه. وقيل: أصله: ولاه, من وله, إذا تحير وتخبط عقله, فقلبت الواو همزة, لاستثقال الكسرة عليها استثقال الضمة في وجوه, كما قلبت في إعاء وإشاح, وهو ضعيف, إذ لو كان كذلك لجمع على أولهة دون آلهة. وقيل: لاه مصدر لاه يليه ليها ولاها, إذا احتجت أو ارتفع لأنه محجوب عن إدراك الأبصار, ومرتفع عن كل شيء, وعما لا يليق به. فإحصاء العوام له: إجراؤه على اللسان, والذكر به على الخشية والتعظيم, وإحصاء الخواص: أن يتأملوا معناه, ويعلموا أن هذا

стр. 549

الاسم لا يستحق ولا يستأهل لأن يطلق عليه إلا من كان موجودا واجب الوجود, فائض الجود, جامعا الصفات الإلهية منعوتا بنعوت الربوبية, فإن مفهومه: المستحق للعبادة, ولا يستحق لها, إلا من كان هذا شأنه. وإحصاء الأخصين له: أن تستغرق قلوبهم بالله, فلا يلتفتون إلى أحد سواه, ولا يرجون ولا يخافون فيما يأتون ويذرون إلا إياه, لما فهموا من هذا الاسم أنه الحق الثابت, وأن كل ما عداه باطل هالك, لأنه ممكن, وكل ممكن من حيث ذاته لا وجود له, بل إنما وجوده من الجهة التي تلي الواجب تعالى, وإليه أشار تعالى حيث قال: ﴿كل شيء هالك إلا وجهه﴾ [القصص: ٨٨]. (الرحمن الرحيم) اسمان بنيا للمبالغة من رحم: كالغضبان من غضب, والعليم من علم, والرحمة في اللغة: رقة قلب وانعطاف يقتضي التفضل والإحسان على من رق له. وأسماء الله تعالى وصفاته, إنما تؤخذ باعتبار الغايات التي هي أفعال دون المبادئ التي تكون انفعالات, فرحمة الله على العباد, إما إرادة الإنعام عليهم, ودفع الضر عنهم, فيكون الاسمان من صفات الذات, أو نفس الإنعام والدفع, فيعودان إلى صفات الأفعال. و (الرحمن) أبلغ من (الرحيم) , لزيادة بنائه, وذلك يؤخذ تارة

стр. 550

باعتبار الكمية, وأخرى باعتبار الكيفية, وعلى الأول قيل: يا رحمن الدنيا, لأنه يعم المؤمن والكافر, ورحيم الآخرة, لأنه يخص المؤمن, وعلى الثاني قيل: يا رحمن الدنيا والآخرة, ويا رحيم الدنيا, لأن النعم الأخروية بأسرها تامة عظيمة, والنعم الدنيوية تنقسم إلى جليل وحقير, وتام وغير تام, وكأن معنى الرحمن: المنعم الحقيقي, تام الرحمة, عميم الإحسان, ولذلك لا يطلق على غيره تعالى, فإن غيره إنما يفعل ما يفعل لغرض نفسه, فيستعيض بإنعامه جزيل ثواب, أو جميل ثناء, أو يزيل به رقة الجنسية, أو حب المال عن القلب إلى غير ذلك من الأغراض. ثم إنه كالواسطة فيه, فإن ذات النعمة ووجودها, والقدرة على إيصالها, والداعية الباعثة عليه, والتمكن من الانتفاع بها, إلى سائر ما يتوقف عليه الانتفاع ويتم به من خلقه تعالى = لا يقدر عليها أحد غيره. وحظ العارف من هذين الاسمين أن يتوجه بشراره إلى جناب قدسه, فيتوكل عليه, ويلتجئ فيما يعن له إليه, ويشغل سره بذكره, والاستمداد به عن غيره, لما فهم منهما أنه المنعم الحقيقي, المولي للنعم كلها, عاجلها وآجلها, ويرحم عباد الله, فيعاون المظلوم, ويصرف الظالم, ويدفع عنه ظلمه بالطريق الأحسن, والوجه الأجمل, وينبه الغافل, وينظر إلى العاصي بعين الرحمة دون الإزراء, ويجتهد في إزالة المعاصي وإزاحتها على أحسن ما يستطيعه من الطرق, ويسعى في سد خلة المحتاجين بقدر وسعه وطاقته.

стр. 551

(الملك) معناه: ذو الملك, والمراد به: القدرة على الإيجاد والاختراع, من قولهم: فلان يملك الانتفاع بكذا: إذا تمكن منه, فيكون الاسم على ذلك من أسماء الصفات كالقادر. وقيل: التصرف في الأشياء بالخلق والإبداع والإماتة والإحياء فيكون من أسماء الأفعال كالخالق. وظيفة العارف من هذا الاسم أن يعلم أنه المستغني في ذاته وصفاته عن كل شيء, وأن ما عداه مفتقر إليه في وجوده وبقائه, مسخر لحكمه وقضائه, فيستغني عن الناس رأسا, ولا يرجو ولا يخاف إلا إياه, ولا يتذلل لأحد سواه, ويتخلق به بالاستغناء عن الغير, والاستبداد بالتصرف في مملكته الخاصة التي هي قلبه وقالبه, والتسلط على جنوده ورعاياه من القوى والجوارح, واستعمالها فيما فيه خير الدارين وصلاح المنزلين. (القدوس) فعول من القدس, وهو الطهارة والنزاهة, ومعناه: منزه عم سمات النقص وموجبات الحدوث, بل المبرأ عما يدركه حس, أو يتصوره خيال, أو يسبق إليه وهم, أو يحيط به عقل, وهي من أسماء التنزيه. وحظ العارف منه: أن يتحقق أنه لا يحق الوصول إلا بعد

стр. 552

العروج من عالم الشهادة إلى عالم الغيب, وتنزيه السر عن المتخيلات والمحسوسات, والتطواف حول الأمور الكلية والأمور الأولية المتعالية عن تعلقات الحس والخيال, وتطهر القصد عن أن يحوم حول الحظوظ الحيوانية, واللذائذ الجسمانية, وفيقبل بشراره على اللع تعالى شوقا إلى لقائه, مقصور الهم على معارفته ومطالعة جماله حتى يصل إلى جناب العز, وينزل بحبوحة القدس. (السلام) مصدر نعت به, والمعنى: ذو السلامة من كل آفة ونقص, أي: الذي سلم ذاته عن الحدوث والعيب وصفاته عن النقص, وأفعاله عن الشر المحض, فإن ما نراه من الشرور فهي مقضية لا لأنها كذلك, بل لما تتضمنه من الخير الغالب المؤدي تركه إلى شر عظيم, فالمقضي والمفعول بالذات هو الخير, والشر داخل تحت القضاء, وعلى هذا يكون من أسماء التنزيه. وقيل: معناه: مالك تسليم العباد من المخاوف والمهالك, فيرجع إلى القدرة, فيكون من صفات الذات. وقيل: ذو السلام على المؤمنين في الجنان, كما قال تعالى: ﴿سلام قول من رب رحيم﴾ [يس: ٥٨] , فيكون مرجعه إلى الكلام القديم.

стр. 553

ووظيفة العارف: أن يتخلق به بحيث يسلم قلبه عن الحقد والحسد, وإرادة الشر, وقصد الخيانة, وجوارحه عن ارتكاب المحظورات واقتراف الآثام, ويكون سلما لأهل الإسلام, ساعيا في ذب المضار, ودفع المعاطب عنهم, ومسلما على كل من يراه, عرفه أو لم يعرفه. (المؤمن) المصدق: صدق رسله بقوله الصدق, فيكون مرجعه إلى الكلام, أو بخلق المعجزة وإظهارها عليهم, فيكون من أسماء الأفعال. وقيل: معناه: أنه الذي أمن البرية بخلق أسباب الأمان, وسد أبواب المخاوف, وإفادة آلات تدفع بها المضار, فيكون أيضا من أسماء الأفعال. وقيل: معناه: أنه الذي يؤمن عباده الأبرار يوم العرض من الفزع الأكبر, إما بقول مثل: ﴿ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون﴾ [فصلت: ٣٠] , أو بخلق الأمن والطمأنينة فيهم, فيرجع إلى الكلام أو الخلق. ووظيفة العارف منه: أن يصدق الحق ويسعى في تقريره, فيكف نفسه عن الإضرار والحيف, ويكون بحيث يأمن الناس بوائقه. ويعتضدون به في دفع المخاوف, ورفع المفاسد في أمور الدين والدنيا.

стр. 554

(المهيمن) الرقيب البالغ في المراقبة والحفظ, من قولهم: هيمن الطير: إذا نشر جناحيه على فرجه صيانة له, هذا قاله الخليل, وسيأتي معنى الرقيب. فإن قيل: كيف تجعله مرادفا للرقيب, والمستفاد من أحد المترادفين عين المستفاد من الآخر, فلا يكون في إحصاء الثاني فائدة, لأن فضيلة هذه الأسماء لما تحتها من المعاني, فإذا دل عليه بلفظ آخر لم يكن للدلالة عليه مزيد فضل؟ قلت: لا أجعله مرادفا, إذ في المهيمن من المبالغة باعتبار الاشتقاق والزنة ما ليس في الرقيب, فهما كالغافر والغفور, والرحمن والرحيم. وقيل: معناه: الشاهد, أي: العالم الذي لا يعزب عنه مثقال ذرة فيرجع إلى العلم, أو الذي يشهد على كل نفس بما كسبت, فيرجع إلى القول. وقيل: أصله: مؤيمن, فقلبت الهمزة هاء كما قلبت في: هرقت وهرحت وهياك, ومعناه: الأمين الصادق وعده. وقيل: هو القائم على خلقه بأعمالهم وأرزاقهم وآجالهم, فيرجع إلى القدرة. وحظ العارف منه: أن يراقب قلبه, ويقوم أحواله, ويحفظ القوى

стр. 555

والجوارح عن الاشتغال بما يشغل قلبه عن جناب القدس, ويحول بينه وبين الحق. (العزيز) الغالب من قولهم: عز: إذا غلب, ومرجعه إلى القدرة. وقيل: عديم المثل, فيكون من أسماء التنزيه. وقيل: هو الذي تتعذر الإحاطة بوصفه, ويعسر الوصول إليه مع أن الحاجة تشتد إليه. وحظ العارف منه: أن يعز نفسه فلا يستهينها بالمطامع الدنية, ولا يدنسها بالسؤال عن الناس, والافتقار إليهم, ويجعلها بحيث يشتد إليها احتياج العباد في الإرفاق والإرشاد. (الجبار) بناء مبالغة من الجبر, وهو في الأصل: إصلاح الشيء بضرب من القهر, ثم يطلق تارة في الإصلاح المجرد, نحو قول علي ﵁: " يا جابر كل كسير, ومسهل كل عسير ". وتارة في القهر المجرد, نحو قوله ﷺ : " لا جبر ولا تفويض ". ثم يتجوز منه لمجرد العلو, لأن القهر مسبب عنه, فيقال: نخلة

стр. 556

جبارة, للباسقة التي لا تنالها الأيدي, ولذلك قيل: الجبار هو المصلح لأمور العباد, والمتكفل لمصالحهم, والمقدر لصلاحهم, فهو إذن من أسماء الأفعال. وقيل: معناه: حامل العباد على ما يشاء, لا انفكاك لهم عما شاء من الأخلاق والأعمال والأرزاق والآجال, فمرجعه أيضا إلى الفعل. وقيل: معناه: المتعالى عن أن يناله كيد الكائدين, ويؤثر فيه قصد القاصدين, فيكون مرجعه إلى التقديس والتنزيه. وحظ العارف من هذا الاسم: أن يقبل على النفس فيجبر نقائصها باستكمال الفضائل, ويحملها على ملازمة التقوى, والمواظبة على الطاعة, ويكسر فيها الهوى والشهوات بأنواع الرياضات, ويرتفع عما سوى الحق غير ملتفت إلى الخلق, فيتحلى بالسكينة والوقار بحيث لا يزلزله تعاور الحوادق, ولا يؤثر فيه تعاقب النوازل, بل يقوى على التأثير في الأنفس والآفاق بالإرشاد والإصلاح. (المتكبر) هو الذي يرى غيره حقيرا بالإضافة إلى ذاته, فينظر إلى غيره نظر المالك إلى عبده, وهو على الإطلاق لا يتصور إلا لله تعالى, فإنه

стр. 557

المتفرد بالعظمة والكبرياء بالنسبة إلى كل شيء من كل وجه, ولذلك لا يطلق على غيره إلا في معرض الذم. وحظ العارف منه: أن يتكبر عن الركون إلى الشهوات, والسكون إلى الدنيا وزخارفها, فإن البهائم تساهمه فيها, بل عن كل ما يشغل سره عن الحق, ويستحقر كل شيء سوى الوصول إلى جناب القدس, من مستلذات الدنيا والآخرة. (الخالق البارئ المصور) قيل: إنها ألفاظ مترادفة, وهو وهم, فإن الخالق من الخلق, وأصله: التقدير المستقيم, يستعمل بمعنى الإبداع, وهو إيجاد الشيء من غير أصل, كقوله تعالى: ﴿خلق السموات والأرض﴾ [الشورى: ٢٩] , وبمعنى التكوين ﴿خلق الإنسان من نطفة﴾ [النحل: ٤] , وقوله: ﴿وخلق الجان من مارج من نار﴾ [الرحمن: ١٥].# والبارئ: مأخوذ من البرء, وأصله: خلوص الشيء عن غيره, إما على سبيل التفصي منه, وعليه قولهم: برئ فلان من مرضه, والمديون من دينه, واستبرأت الجارية رحمها, وإما على سبيل الإنشاء منه, ومنه: برأ الله النسمة وهو البارئ لها. وقيل: الباريء: هو الذي خلق الخلق بريئا من التفاوت والتنافر المخلين بالنظام الكامل, فهو أيضا مأخوذ من معنى التفصي.

стр. 558

والمصور: مبدع صور المخترعات ومزينها, فالله تعالى سبحانه خالق كل شيء بمعنى أنه مقدره وموجده من أصل, أو من غير أصل, وبارئه حسبما اقتضته حكمته, وسبقت به كلمته من غير تفاوت واختلال, ومصوره بصورة يترتب عليها خواصه, ويتم بها كماله. وثلاثتها من أسماء الأفعال. وحظ العارف منه: أن لا يرى شيئا, ولا يتصور أمرا, إلا ويتأمل فيه من باهر القدرة وعجائب الصنع, فيترقى من المخلوق إلى الخالق, وينتقل من ملاحظة المصنوع إلى ملاحظة الصانع, حتى يصير بحيث كلما نظر إلى شيء وجد الله عنده. (الغفار) في الأصل: بمعنى الستار, من الغفر: وهو ستر الشيء بما يصونه, ومنه المغفر, ومعناه: أنه يستر القبائح والذنوب بإسبال الستر عليها في الدنيا, وترك المؤاخة والعقاب عليها في الآخرة, ويصون العبد من أوزارها, وهو من أسماء الأفعال. وحظ العارف منه: أن يستر من أخيه ما يحب أن يستر منه, ولا يفشي منه إلا أحسن ما فيه, ويتجاوز عما ينذر عنه, ويكافئ المسيء إليه بالصفح والإنعام عليه. (القهار) هو الذي لا موجود إلا وهو مقهور قدرته, ومسخر لقضائه, عاجز

стр. 559

في قبضته, ومرجعه إلى القدرة. وقيل: هو الذي أذل الجبابرة وقصم ظهورهم بالإهلاك ونحوه, فهو إذن من أسماء الأفعال. وحظ العارف منه: أن يسعى في تطويع النفس الأمارة للنفس المطمئنة قهرا, وكسر شهواتها, فإنها أعدى عدوه. (الوهاب) كثير النعم, دائم العطاء, والهبة الحقيقية: هي العطية الخالصة عن الأعواض والأغراض, فإن المعطي مستعيض وليس بواهب, وهو من أسماء الأفعال. وحظ العارف منه: أن لا يستمنح ولا يتوقع إلا من الله, بل أن يبذل جميع ما يملكخ حتى الروح خالصا لوجه الله, لا يريد به جزاء ولا شكورا. (الرزاق) خالق الأرزاق والأسباب التي يتمتع بها, والرزق هو المنتفع به, فكل ما ينتفع به منتفع, فهو رزقه, سواء كان مباحا أو محظورا. وقالت المعتزلة: الرزق هو الملك, وفساده ظاهر طردا وعكسا. وللفرار من هذا الإشكال زاد بعضهم وقال: رزق كل مرزوق ما ينتفع به من ملكه.

стр. 560

وأما الثاني: فلأن ما يدر على البهائم رزقها, لقوله تعالى: ﴿وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها﴾ [هود: ٦] , ولا يكون ملكا لها. وحظ العارف منه: أن يحقق معناه: ليتحقق أنه لا يستحقه إلا الله تعالى, فلا ينتظر الرزق ولا يتوقعه إلا منه, فيكل أمره إليه, ولا يتوكل فيه إلا عليه, ويجتهد في أن يكون وصلة بين الله وبين الناس في وصول الأرزاق الروحانية والجسمانية إليهم, بالإرشاد والتعليم, وصرف المال, ودعاء الخير, وغير ذلك, لينال حظا من هذه الصفة. (الفتاح) الحاكم بين الخلائق, من الفتح بمعنى الحكم, قال الله تعالى: ﴿ربنا افتح بننا وبين قومنا بالحق﴾ [الأعراف:٨٩] أي: احكم, ومرجعه إما إلى القول القديم, أو الأفعال المنصفة للمظلومين من الظلمة. وقيل: هو الذي يفتح خزائن الرحمة على أصناف البرية, قال الله تعالى: ﴿ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها﴾ [فاطر: ٢]. وقيل: معناه: مبدع الفتح والنصرة. وحظ العارف منه: أن يسعى في الفصل بين الناس, وانتصار

стр. 561

المظلومين, ويهتم بتيسير ما يعسر على الخلق من الأمور الدينية والدنيوية, حتى يكون له حظ من هذا الاسم. (العليم) البالغ في العلم, وعلمه تعالى شامل لجميع المعلومات, محيط بها سابق على وجودها, وهو من صفات الذات. وحظ العبد منه: أن يكون مشغوفا بتحصيل العلوم الدينية, سيما المعارف الإلهية التي هي باحثة عن ذاته وصفاته, فإنها أشرف العلوم, وأقرب الوسائل إلى الله تعالى, مراقبا لأحواله, محتاطا في مصادره وموارده, لعلمه بأنه تعالى عالم بضمائره, مطلع على سرائره. (القابض الباسط) مضيق الرزق على من أراد, وموسعه لمن شاء. وقيل: هو الذي يقبض الأرواح عن الأشباح عند الممات, وينشر الأرواح في الأجساد عند الحياة. فهما على الوجهين من صفات الأفعال. وحظ العارف منه: أن يراقب الحالين, فيرى القبض عدلا من الله فيصبر عليه, والبسط فضلا منه فيشكر, وأن يكون ذا قبض وبسط, ضنة على الأسرار الإلهية على غير أهلها, وإفاضة لها

стр. 562

على من هو أهلها. (الخافض الرافع) هو الذي يخفض القسط ويرفعه, أو يخفض الكفار بالخزي والصغار ويرفع المؤمنين بالنصر والإعزاز, أو يخفض أعداءه بالإبعاد ويرفع أولياءه بالتقرب والإسعاد. وحظ العبد منهما: أن يخفض الباطل, ويرفع الحق, ويعادي أعداء الله فيخفضهم, ويوالي أولياءه فيرفعهم. (المعز المذل) يعز من يشاء, ويذل من يشاء. والأعزاز الحقيقي: تخليص المرء عن ذل الحاجة واتباع الشهوات, وجعله غالبا على أمره, قاهرا لنفسه, مالكا لإربه. والإذلال الحقيقي: ما يقابل ذلك. وحظ العبد من ذلك: أن يعز الحق وأهله, ويذل الباطل وحزبه, وأن يسأل الله تعالى التوفيق لما يستمد به إعزازه, ويجتهد فيه, ويستعيذ به من موجبات الإذلال, ويتوقى عن مظانه. (السميع البصير) هما من أوصاف الذات, والسمع: إدراك المسموعات حال

стр. 563

حدوثها, والبصر: إدراك المبصرات حال وجودها. وقيل: إنهما في حقه تعالى صنفان تنكشف بهما المسموعات والمبصرات انكشافا تاما, ولا يلزم من افتقار هذين النوعين من الإدرك فينا إلى آلة افتقارهما إليها بالنسبة إلى الله تعالى, لأن صفات الله تعالى مخالفة لصفات المخلوقين بالذات, وإن كانت تشاركها فإنما تشاركها بالعوارض, وفي بعض اللوازم, ألا ترى أن صفاتنا أعراض عارضة معرضة للآفة والنقصان, وصفاته تعالى مقدسة عن ذلك. وحظ العبد منهما: أن يتحقق أنه بمسمع من الله, ومرأى منه, فلا يستهين باطلاع الله تعالى عليه, ونظره إليه, ويراقب مجامع أحواله من مقاله وأفعاله. (الحكم) الحاكم الذي لا مرد لقضائه ولا معقب لحكمه, ومرجع الحكم إما إلى القول الفاصل بين الحق والباطل, والبر والفاجر, والمبين لكل نفس جزاء ما عملت من خير أو شر, وإما إلى المميز بين الشقي والسعيد بالعقاب والإثابة. وقيل: أصله المنع, ومنه سميت حكمة اللجام: حكمة, فإنها تمنع الدابة عن الجماح, والعلوم حكما, لأنها تمنع صاحبها عن سمر الجهال. وحظ العبد منه: أن يستسلم لحكمه, وينقاد لأمره, فإن لم يرض بقضائه اختيارا أمضي فيه إجبارا, ومن رضي به طوعا عاش راضيا مرضيا.

стр. 564

(العدل) العادل البالغ في العدل, وهو الذي لا يفعل إلا ما له فعله, مصدر نعت به للمبالغة. ووظيفة العارف: أن لا يعترض على الله تعالى في تدبيره وحكمه, بل يرى الكل منه حقا وعدلا, ويستعمل كل ما منح به من الأمور الداخلة فيه والخارجة عنه فيما ينبغي أن يستعمل فيه شرعا وعقلا, حتى يندرج تحت مسمى هذا الاسم. (اللطيف) قيل: معناه: اللطيف, كالجميل فإنه بمعنى المجمل, فيكون من أسماء الأفعال. وقيل: معناه: العليم بخفيات الأمور ودقائقها, وما لطف منها. وحظ العبد منه: أن يلطف بعباده, ويرفق بهم في الدعاء إلى الله تعالى, والإرشاد إلى طريقه الحق, ويتيقن أنه تعالى عالم بمكنونات الضمائر علمه بجليات الظواهر, فلا يضمر ما لا يحسن إظهاره. (الخبير) العليم ببواطن الأشياء من الخبرة, وهي العلم بالخفايا الباطنة. وقيل: هو المتمكن من الإخبار عما علمه.

стр. 565

وحظ العبد منه: أن لا يتغافل عن بواطن أحواله, ويشتغل بإصلاحها, وتلافي ما يحدث فيها من المقابح. (الحليم) هو الذي لا يستفزه غضب, ولا يحمله غيظ على استعجال العقوبة, والمسارعة إلى الانتقام, وحاصله راجع إلى التنزيه عن العجلة. وحظ العبد منه: أن يتخلق به, ويحمل نفسه على كظم الغيظ, وإطفاؤه نائره الغضب بالحلم. (العظيم) أصله من عظم الشيء: إذا كبر عظمه, ثم استعير لكل جسم كبير المقدار كبرا يملأ العين, كالجمل والفيل, أو كبرا يمنع إحاطة البصر بجميع أقطاره كالأرض والسماء, ثم لكل شيء كبير القدر بالرتبة على هذا القياس, والعظيم المطلق البالغ إلى أقصى مراتب العظمة هو الذي لا يتصوره عقل, ولا يحيط بكنهه بصير ة, وهو الله تعالى, فيرجع حاصل الاسم إلى التنزيه, والتعالي عن إحاطة العقول بكنه ذاته. وحظ العبد منه: أن يستحقر نفسه, ويذللها للإقبال على الله تعالى, بالانقياد لأوامره ونواهيه, والاجتهاد في اقتناص مراضيه. (الغفور) كثير المغفرة, وهي صيانة العبد عما استحقه من العذاب
следующие страницы →