Полный текст (1 692 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.
стр. 561
المظلومين, ويهتم بتيسير ما يعسر على الخلق من الأمور الدينية والدنيوية, حتى يكون له حظ من هذا الاسم.
(العليم)
البالغ في العلم, وعلمه تعالى شامل لجميع المعلومات, محيط بها سابق على وجودها, وهو من صفات الذات.
وحظ العبد منه: أن يكون مشغوفا بتحصيل العلوم الدينية, سيما المعارف الإلهية التي هي باحثة عن ذاته وصفاته, فإنها أشرف العلوم, وأقرب الوسائل إلى الله تعالى, مراقبا لأحواله, محتاطا في مصادره وموارده, لعلمه بأنه تعالى عالم بضمائره, مطلع على سرائره.
(القابض الباسط)
مضيق الرزق على من أراد, وموسعه لمن شاء.
وقيل: هو الذي يقبض الأرواح عن الأشباح عند الممات, وينشر الأرواح في الأجساد عند الحياة.
فهما على الوجهين من صفات الأفعال.
وحظ العارف منه: أن يراقب الحالين, فيرى القبض عدلا من الله فيصبر عليه, والبسط فضلا منه فيشكر, وأن يكون ذا قبض وبسط, ضنة على الأسرار الإلهية على غير أهلها, وإفاضة لها
стр. 562
على من هو أهلها.
(الخافض الرافع)
هو الذي يخفض القسط ويرفعه, أو يخفض الكفار بالخزي والصغار ويرفع المؤمنين بالنصر والإعزاز, أو يخفض أعداءه بالإبعاد ويرفع أولياءه بالتقرب والإسعاد.
وحظ العبد منهما: أن يخفض الباطل, ويرفع الحق, ويعادي أعداء الله فيخفضهم, ويوالي أولياءه فيرفعهم.
(المعز المذل)
يعز من يشاء, ويذل من يشاء.
والأعزاز الحقيقي: تخليص المرء عن ذل الحاجة واتباع الشهوات, وجعله غالبا على أمره, قاهرا لنفسه, مالكا لإربه.
والإذلال الحقيقي: ما يقابل ذلك.
وحظ العبد من ذلك: أن يعز الحق وأهله, ويذل الباطل وحزبه, وأن يسأل الله تعالى التوفيق لما يستمد به إعزازه, ويجتهد فيه, ويستعيذ به من موجبات الإذلال, ويتوقى عن مظانه.
(السميع البصير)
هما من أوصاف الذات, والسمع: إدراك المسموعات حال
стр. 563
حدوثها, والبصر: إدراك المبصرات حال وجودها.
وقيل: إنهما في حقه تعالى صنفان تنكشف بهما المسموعات والمبصرات انكشافا تاما, ولا يلزم من افتقار هذين النوعين من الإدرك فينا إلى آلة افتقارهما إليها بالنسبة إلى الله تعالى, لأن صفات الله تعالى مخالفة لصفات المخلوقين بالذات, وإن كانت تشاركها فإنما تشاركها بالعوارض, وفي بعض اللوازم, ألا ترى أن صفاتنا أعراض عارضة معرضة للآفة والنقصان, وصفاته تعالى مقدسة عن ذلك.
وحظ العبد منهما: أن يتحقق أنه بمسمع من الله, ومرأى منه, فلا يستهين باطلاع الله تعالى عليه, ونظره إليه, ويراقب مجامع أحواله من مقاله وأفعاله.
(الحكم)
الحاكم الذي لا مرد لقضائه ولا معقب لحكمه, ومرجع الحكم إما إلى القول الفاصل بين الحق والباطل, والبر والفاجر, والمبين لكل نفس جزاء ما عملت من خير أو شر, وإما إلى المميز بين الشقي والسعيد بالعقاب والإثابة.
وقيل: أصله المنع, ومنه سميت حكمة اللجام: حكمة, فإنها تمنع الدابة عن الجماح, والعلوم حكما, لأنها تمنع صاحبها عن سمر الجهال.
وحظ العبد منه: أن يستسلم لحكمه, وينقاد لأمره, فإن لم يرض بقضائه اختيارا أمضي فيه إجبارا, ومن رضي به طوعا عاش راضيا مرضيا.
стр. 564
(العدل)
العادل البالغ في العدل, وهو الذي لا يفعل إلا ما له فعله, مصدر نعت به للمبالغة.
ووظيفة العارف: أن لا يعترض على الله تعالى في تدبيره وحكمه, بل يرى الكل منه حقا وعدلا, ويستعمل كل ما منح به من الأمور الداخلة فيه والخارجة عنه فيما ينبغي أن يستعمل فيه شرعا وعقلا, حتى يندرج تحت مسمى هذا الاسم.
(اللطيف)
قيل: معناه: اللطيف, كالجميل فإنه بمعنى المجمل, فيكون من أسماء الأفعال.
وقيل: معناه: العليم بخفيات الأمور ودقائقها, وما لطف منها.
وحظ العبد منه: أن يلطف بعباده, ويرفق بهم في الدعاء إلى الله تعالى, والإرشاد إلى طريقه الحق, ويتيقن أنه تعالى عالم بمكنونات الضمائر علمه بجليات الظواهر, فلا يضمر ما لا يحسن إظهاره.
(الخبير)
العليم ببواطن الأشياء من الخبرة, وهي العلم بالخفايا الباطنة.
وقيل: هو المتمكن من الإخبار عما علمه.
стр. 565
وحظ العبد منه: أن لا يتغافل عن بواطن أحواله, ويشتغل بإصلاحها, وتلافي ما يحدث فيها من المقابح.
(الحليم)
هو الذي لا يستفزه غضب, ولا يحمله غيظ على استعجال العقوبة, والمسارعة إلى الانتقام, وحاصله راجع إلى التنزيه عن العجلة.
وحظ العبد منه: أن يتخلق به, ويحمل نفسه على كظم الغيظ, وإطفاؤه نائره الغضب بالحلم.
(العظيم)
أصله من عظم الشيء: إذا كبر عظمه, ثم استعير لكل جسم كبير المقدار كبرا يملأ العين, كالجمل والفيل, أو كبرا يمنع إحاطة البصر بجميع أقطاره كالأرض والسماء, ثم لكل شيء كبير القدر بالرتبة على هذا القياس, والعظيم المطلق البالغ إلى أقصى مراتب العظمة هو الذي لا يتصوره عقل, ولا يحيط بكنهه بصير ة, وهو الله تعالى, فيرجع حاصل الاسم إلى التنزيه, والتعالي عن إحاطة العقول بكنه ذاته.
وحظ العبد منه: أن يستحقر نفسه, ويذللها للإقبال على الله تعالى, بالانقياد لأوامره ونواهيه, والاجتهاد في اقتناص مراضيه.
(الغفور)
كثير المغفرة, وهي صيانة العبد عما استحقه من العذاب
стр. 566
بالتجاوز عن ذنوبه, من الغفر, وهو إلباس الشيء ما يصونه عن الدنس, ولعل الغفار أبلغ منه لزيادة بنائه.
وقيل: الفرق بينه وبين الغفار: أن المبالغة فيه من جهة الكيفية, وفي الغفار باعتبار الكمية.
وحظ العبد منه ظاهر.
(الشكور)
وهو الذي يعطي الثواب الجزيل على العمل القليل, فيرجع إلى الفعل.
وقيل: هو المثنى على العباد المطيعين, فيرجع إلى القول.
وقيل: معناه: المجازي عباده على شكرهم, فيكون الاسم من قيبل الازدواج.
وحظ العبد منه: أن يعرف نعم الله تعالى, ويقوم بمواجب شكره, ويواظب على وظائفه, وأن يكون شاكرا للناس معروفهم, فإن من لم يشكر الناس لم يشكر الله.
(العلي)
فعيل من العلو, ومعناه: البالغ في علو الرتبة إلى حيث لا رتبة إلا وهي منحطة عنه, وهو من أسماء الإضافة.
وحظ العبد منه: أن يذل نفسه في طاعة الله تعالى, ويبذل جهده في العلم والعمل, حتى يفوق جنس الإنس في الكمالات النفسانية,
стр. 567
والمراتب العلمية والعملية.
(الكبير)
نقيض الصغير, وهما في الأصل يستعملان للأجسام باعتبار مقاديرها, ثم لعالي الرتبة ودنيها, قال الله تعالى حكاية عن فرعون: ﴿إنه لكبيركم الذي علمكم السحر﴾ [طه: ٧١].
والله سبحانه كبير بالمعنى الثاني: إما باعتبار أنه أكمل الموجودات وأشرفها, من حيث إنه واجب الوجود بالذات من جميع الجهات, غني على الإطلاق, وما سواه حادث بالذات, نازل في حضيض الحاجة والافتقار, وإما باعتبار أنه كبير عن مشاهدة الحواس وإدراك العقول وعلى الوجهين فهو من أسماء التنزيه.
وحظ العبد منه: أن يجتهد في تكميل نفسه علما وعملا, بحيث يتعدى كماله إلى غيره, ويقتدي بآثاره, ويقتبس من أنواره.
قال عيسى ﵇: " من علم وعمل وعلم, فذاك يدعى عظيما في ملكوت السماء ".
(الحفيظ)
الحافظ جدا, يحفظ الموجودات من الزوال والاختلال ما يشاء, ويصون المتضادات المتعديات بعضها عن بعض, فيحفظها في المركبات
стр. 568
محمية عن إفناء بعضها بعضا, فلا يطفئ الماء النار, ولا يحلل النار الماء, ويحفظ على العباد أعمالهم, ويحصي عليهم أفعالهم وأقوالهم.
وحظ العبد منه: أن يحفظ سره عن اتباع الشبهات والبدع, وجوارحه عن انقياد الشهوات والغضب, ويختار قصد الأمور, ويحفظ نفسه عن الميل إلى طرفي الإفراط والتفريط, وحظ العارف خصوصا أن يحفظ باطنه عن ملاحظة الأغيار, وظاهره عن موافقة الفجار.
(المقيت)
خالق الأقوات البدنية والروحانية , وموصلها إلى الأشباح والأرواح, وفي الحديث: " كفى بالمرء إثما أن يضيع من يقيت " فهو من صفات الأفعال.
وقيل: المقتدر بلغة قريش.
قال الشاعر:
وذي ضغن كففت النفس عنه ... وكنت على إساءته مقيتا
وقيل: الشاهد والمطلع على الشيء, من أقات الشيء: إذا شهد عليه, فهو على الوجهين من صفات الذات.
وحظ العبد منه: أن يصير نافعا هاديا يطعم الجائع ويرشد الغافل.
(الحسيب)
الكافي في الأمور, قال الله تعالى: ﴿ومن يتوكل على الله فهو حسبه﴾ [الطلاق:٣] من أحسبني: إذا كفاني, فعيل بمعنى مفعل,
стр. 569
كالأليم, والحسيب المطلق هو الله تعالى, إذ يمكن أن تحصل الكفاية في جميع ما يحتاج إليه الشيء في وجوده وكماله وبقائه البدني والروحاني بأحد سواه.
وقيل: المحاسب: يحاسب الخلائق يوم القيامة, فعيل بمعنى فاعل, كالجليس والنديم.
فمرجعه بالمعنى الأول إلى الفعل, وبالمعنى الثاني إليه إن جعلت المحاسبة عبارة عن المكافأة, وإلى القول إن أريد بها السؤال والمعاتبة وتعداد ما عملوا من الحسنات والسيئات.
وقيل: الشريف, والحسب: الشرف.
وحظ العارف منه: أن يتسبب لكفاية حاجات المحتاجين وسد خلتهم, ويحاسب نفسه, قبل أن يحاسب, ويشرف نفسه بالمعرفة والطاعة.
(الجليل)
المنعوت بنعوت الجلال, وهي الصفات التنزيهيه كالقدوس والغني.
وحظ العبد منه: أن ينزه نفسه عن العقائد الزائغة, والخيالات الفارغة, والأخلاق الذميمة, والأفعال الرديئة.
стр. 570
(الكريم)
المتفضل الذي يعطي في غير مسألة ولا وسيلة.
وقيل: المتجاوز الذي لا يستقصي في العتاب.
وقيل: المقدس عن النقائص والعيوب, من قولهم: كرائم الأموال لنفائسها, ومنه سمي شجر العنب, كرما, لأنه طيب الثمرة, قريب المتناول, سهل القطاف, عاري عن الشوك, بخلاف النخل.
وحظ العبد منه: أن يتخلق به, فيعطي من غير موعدة, ويعفو عن مقدرة ويتجنب عن الأخلاق المردية والأفعال المؤذية.
(الرقيب)
الحفيظ الذي يراقب الأشياء ويلاحظها, فلا يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء.
وحظ العبد منه: أن يراقب أحوال نفسه, ويأخذ حذره من أن ينتهز الشيطان منه فرصة, فيهلكه على غفلة, فيلاحظ مكامنه ومنافذه, ويسد عليه طرقه ومجاربه.
(المجيب)
هو الذي يجيب دعوة الداعي إذا دعاه, أو يسعف السائل إذا
стр. 571
ما التمسه واستدعاه، والعبد ينبغي أن يجيب ربه أولا فيما أمره ونهاه, ويتلقى عباده بلطف الجواب, وإسعاف السؤال.
(الواسع)
مشتق من السعة: وهي تستعمل حقيقة باعتبار المكان, وهو لا يمكن إطلاقه على الله تعالى بهذا المعنى, ومجازا في العلم والإنعام والمكنة والغنى, قال تعالى: ﴿وسعت كل شيء رحمة وعلما﴾ [غافر: ٧] وقال: ﴿لينفق ذو سعة من سعته﴾ [الطلاق:٧].
ولذلك فسر الواسع بالعالم المحيط علمه بجميع المعلومات, كليها وجزئيها, موجودها ومعدومها, وبالجواد الذي عمت نعمته, وشملت رحمته كل بر وفاجر, ومؤمن وكافر, وبالغنى الممكن مما يشاء.
وحظ العبد منه: أن يسعى في سعة معارفه وأخلاقه, ويكون جوادا بالطبع غني النفس, لا يضيق قلبه بفقد الغائب, ولا يهتم لتحصيل المآرب.
(الحكيم)
ذو الحكمة, وهي عبارة عن كمال العلم, وإحسان العمل والإتقان فيه, وقد يستعمل بمعنى العليم والمحكم.
стр. 572
وقيل: هو مبالغة الحاكم.
فعلى الأول مركب من صفتين, إحداهما: من صفات الذات والأخرى: من صفات الأفعال, وعلى الثاني يرجع إلى القول.
وحظ العبد من هذا الاسم: أن يجتهد في تكميل القوة النظرية بتحصيل المعارف الإلهية, واستكمال القوة العملية بتصفية النفس عن الرذائل والميل إلى الدنيا والرغبة في زخارفها, والاشتغال بما يوجب الزلفى من الله تعالى, حتى يندرج تحت (من) قوله عز وعلا: ﴿ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا﴾ [البقرة: ٢٦٩].
(الودود)
مبالغة الود, ومعناه: الذي يحب الخير لجميع الخلائق, ويحسن إليهم في الأحوال كلها, وقيل: المحب لأوليائه, وحاصله يرجع إلى إرادة مخصوصة.
وحظ العبد منه: أن يريد للخلق ما يريد لنفسه, ويحسن إليهم حسن قدرته ووسعه, ويحب الصالحين من عباده.
(المجيد)
مبالغة الماجد, من المجد: وهو سعة الكرم, من قولهم: مجدت
стр. 573
الماشية: إذا صادفت روضة أنفا, ومجدها الراعي, ومنه قولهم: في كل شجر نار, واستمجد المرخ والعفار.
وحظ العبد منه: أن يعامل الناس بالكرم وحسن الخلق, ليكون ماجدا فيما بينهم.
(الباعث)
هو الذي يبعثر ما في القبور, ويحيي الأموات يوم النشور.
وقيل: هو باعث الرسل إلى الأمم.
وحظ العبد منه: أن يؤمن أولا بمغيبه, ويكون مقبلا بشراره على استصلاح المعاد, والاستعداد ليوم التناد, منقادا بطبعه للرسل, سالكا بهديهم من السبل, ويحيي النفوس الجاهلة بالتعليم والتذكير, فيبدأ بنفسه, ثم بمن هو أقرب منه منزلة وأدنى رتبة.
(الشهيد)
من الشهود, وهو الحضور, ومعناه: العليم بظاهر الأشياء وما يمكن مشاهدتها, كما أن الخبير هو العليم بباطن الأشياء, وما لا يمكن الإحساس بها.
وقيل: مبالغة الشاهد, والمعنى: أنه تعالى يشهد على الخلق يوم القيامة.
وحظ العبد منه ظاهر.
стр. 574
(الحق)
الثابت, وبإزائه الباطل الذي هو المعدوم, والثابت مطلقا هو سبحانه, وسائر الموجودات من حيث إنها ممكنة لا وجود لها في حد ذاتها, ولا ثبوت لها من قبل أنفسها, وإياه عنى الشاعر بقوله:
ألا كل شيء ما خلا الله باطل
وهو بهذا المعنى من صفات الذات.
وقيل: معناه: المحق أي: المظهر للحق, أو الموجد للشيء حسب ما تقتضيه الحكمة, فيكون من صفات الأفعال.
وحظ العبد منه: أن يرى الله تعالى حقا, وما سواه باطلا في ذاته حقا بإيجاده واختراعه, وأن له حكمة ولطفا في كل ما يوجده, وإن خفي علينا كنهه.
(الوكيل)
القائم بأمور العباد, وبتحصيل ما يحتاجون إليه.
وقيل: الموكول إليه تدبير البرية.
وحظ العبد منه: أن يكل إليه, ويتوكل عليه, ويستكفي بالاستعانة به عن الاستمداد بغيره.
(القوي المتين)
القوي: يطلق على معان مترتبة, أقصاها القدرة التامة البالغة إلى
стр. 575
الكمال, والله تعالى قوي بهذا المعنى.
والمتانة: شدة الشيء واستحكامه, وهو في الأصل مصدر متن: إذا قوي ظهره, ومرجعها إلى الوصف بكمال القدرة وشدتها.
(الولي)
المحب: الناصر, وقيل: معناه: متولي أمر الخلائق.
وحظ العبد منه: أن يحب الله ويحب أوليائه, ويجتهد في نصره ونصر أوليائه وقهر أعدائه, ويسعى في ترويج حوائج الناس, ونظم مصالحهم, حتى يتشرب بهذا الاسم.
(الحميد)
المحمود المستحق للثناء, فإنه الموصوف بكل كمال, والمولي لكل نوال, ﴿وإن من شيء إلا يسبح بحمده﴾ بلسان الحال, فهو الحميد المطلق.
والعبد قد يستضيء بعكس هذا الاسم, إذا سعى قدر ما يقدر في تنقيح عقائده, وتهذب أخلاقه, وتحسين أعماله, ثم إنه بعد لم يخل من مذمة خلقية ومنقصة خلقية لا يستطيع التفصي عنها.
стр. 576
(المحصي)
العالم الذي يحصي المعلومات, ويحيط بها إحاطة العاد بما يعده.
وقيل: القادر الذي لا يشذ عنه شيء من المقدورات.
وقد سبق الكلام في شرح الإحصاء أول الباب.
والعبد وإن أمكنه إحصاء بعض المعلومات, والوصول إلى بعض ما يقدر عليه, لكنه يعجز عن إحصاء أكثرها.
(المبدئ المعيد المحيي المميت)
معاني هذه الأسماء بينة, واختصاصها بالله تعالى ظاهر.
(الحي)
ذو الحياة, وهو الفعال الدراك, وأختلف في معنى الحياة, فذهب أكثر أصحابنا والمعتزلة إلى أنه صفة حقيقية قائمة بذاته, لأجلها صح لذاته أن يعلم ويقدر.
وذهب آخرون إلى أن معناها أنه لا يمتنع منه أن يعلم ويقدر هذا في حقه, وأما في حقنا فعبارة عن اعتدال المزاج المخصوص بجنس الحيوان, وقيل: هو القوة التابعة له, المعدة لقبول الحس والحركة الإرادية.
стр. 577
(القيوم)
فيعول بني للمبالغة كالديور والديوم, ومعناه: القائم بنفسه المقيم لغيره, وهو على الإطلاق والعموم لا يصح إلا لله تعالى, فإن قوامه بذاته لا يتوقف بوجه ما على غيره, وقوام كل شيء به, إذ لا يتصور للأشياء وجود ودوام إلا بوجوده ووجوبه.
وللعبد فيه مدخل بقدر استغنائه عما سوى الله وإمداده للناس, كأن مفهومه مركب, فهو من نعوت الجلال, وصفات الأفعال.
(الواجد)
هو الذي يجد كل ما يطلبه ويريده, ولا يعوزه شيء من ذلك.
وقيل: الغني مأخوذ من الوجد, قال الله تعالى: ﴿أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم﴾ [الطلاق: ٦] ز
(الماجد)
بمعنى المجيد, إلا أن في المجيد مبالغة ليست في الماجد, وقد سبق الكلام فيه.
(الواحد الأحد)
أي: المتعالي عن التجزؤ والتثني, فإن الواحدة تطلق ويراد بها عدم التجزئة والانقسام, ويكثر إطلاق الواحد بهذا المعنى وقد يطلق
стр. 578
بإزاء التعدد والكثرة, ويكثر إطلاق الأحد بهذا المعنى, والله من حيث إنه منزه عن التركيب والمقادير لا يقبل التجزئة والانقسام واحد, ومن حيث إنه متعال أن يكون له ثل, فيتطرق إلى ذاته التعدد والاشتراك أحد.
(الصمد)
السيد سمي بذلك لأنه يصمد إليه في الحوائج, ويقصد إليه في الرغائب, ومن كان يقصده الناس فيما يعن لهم من مهام دينهم ودنياهم, فله حظ من هذا الوصف.
(القادر المقتدر)
معناها: ذو القدرة, إلا أن المقتدر أبلغ لما في البناء من معنى التكلف والاكتساب, فإن ذلك وإن امتنع في حقه تعالى حقيقة, لكنه يفيد المعنى مبالغة, ونظيره: سافرت وخادعت, لواحد, ومن حقها أن لا يوصف بهما مطلقا غير الله, فإنه القادر بالذات, والمقتدر على جميع الممكنات, وما عداه فإنما يقدر بإقداره على بعض الأشياء, وفي بعض الأحوال, فحقيق به أن لا يقال له: إنه قادر, إلا مقيدا أو على قصد التقييد.
(المقدم المؤخر)
هو الذي يقدم الأشياء بعضها على بعض, إما بالذات كتقديم البسائط على المركبات, أو بالوجود كتقديم الأسباب على مسبباتها, أو بالشرف والقرية كتقديم الأنبياء والصالحين من عباده على من عداهم, أو
стр. 579
بالمكان كتقديم الأجسام العلوية على السفلية, والصاعدات منها على الهابطات, أو بالزمان كتقديم الأطوار والقرون بعضها على بعض.
(الأول الآخر)
فإنه مبتدأ الوجود, ومنتهى السلوك, منه بدأ, وإليه يعود.
(الظاهر الباطن)
أي: الظاهر وجوده بآياته ودلالته المنبثة في أرضه وسمائه, إذ ما من ذرة في السماوات ولا في الأرض إلا وهي شاهدة باحتياجها إلى مدبر دبرها, ومقدر قدرها, والباطن بذاته, المحتجب عن نظر العقل بحجب كبريائه.
(الوالي)
هو الذي تولى الأمور, وملك الجمهور.
(المتعالي)
هو البالغ العلا, والمترفع عن النقائص.
(البر)
المحسن, وهو البر في الحقيقة, إذ ما من بر وإحسان إلا وهو موليه.
стр. 580
(التواب)
الذي يرجع بالإنعام على كل مذنب حل عقد إصراره, ورجع إلى التزام الطاعة, بقبول توبته, من التوب وهو الرجوع.
وقيل: هو الذي ييسر للمذنبين أسباب التوبة, ويوفقهم لها ويسوق إليهم ما ينبههم عن رقدة الغفلة, ويطلعهم على وخامة عواقب الزلة, فسمي المسبب للشيء باسم المباشر له, كما أسند إليه فعله في قولهم: بني الأمير المدينة.
وحظ العبد منه: أن يكون واثقا بقبول التوبة, غير آيس عن الرحمة بكثرة ما اقترفه من الذنوب, صفاحا عن المجرمين, قابلا لمعاذيرهم, حتى يفوز بنصيب من هذا الوصف, ويصير مختلفا بهذا الخلق.
(المنتقم)
هو المعاقب للعصاة على مكروهات الأفعال, والانتقام: افتعال من: نقم الشيء: إذا كرهه غاية الكراهة, وهو لا يحمد من العبد إلا إذا كان انتقامه من أعداء الله, وأحق الأعداء بالانتقام نفسه, فينتقم منها مهما قارفت معصية, أو تركت طاعة, بأن يكلفها خلاف ما حملته عليه.
(العفو)
هو الذي يمحو السيئات, ويتجاوز عن العاصي, وهو أبلغ من الغفور, لأن الغفران, لأن الغفران ينبئ عن الستر, والعفو ينبئ عن المحو, وأصل
стр. 581
العفو: القصد لتناول الشيء, سمي به المحو, لأنه قصد لإزالة الممحو.
وحظ العبد منه ظاهر.
(الرؤوف)
ذو الرأفة, وهي شدة الرحمة, فهو أبلغ من الرحيم بمرتبة, ومن الراحم بمرتبتين.
(مالك الملك)
هو الذي ينفذ مشيئته في ملكه, ويجري الأمور فيه على ما يشاء لا مرد لقضائه, ولا معقب لحكمه.
(ذو الجلال والإكرام)
هو الذي لا شرف ولا كمال إلا هو له, ولا كرامة ولا مكرمة إلا وهي منه.
(المقسط)
هو الذي ينتصف للمظلومين, ويدرأ بأس الظلمة عن المستضعفين, يقال: قسط: إذا جار, وأقسط: إذا عدل وأزال الجور.
(الجامع)
هو المؤلف بين أشتات الحقائق المختلفة والمتضادة, متزاوجة زممتزجة في الأنفس والآفاق, فمن جمع بين العلم والعمل, ولفق
стр. 582
الكمالات النفسانية بالآداب الجسمانية, فله حظ من ذلك.
(الغني)
هو الذي يستغني عن كل شيء لا يحتاج إليه في ذاته, ولا في شيء من صفاته, لأنه الواجب من جميع جهاته.
(المغني)
هو الذي وفر على كل شيء ما يحتاج إليه, حسبما اقتضته حكمته, وسبقت به كلمته, فأغناه من فضله.
والعبد إذا قطع الطمع عما في أيدي الناس, وأعرض عن السؤال عنهم, والتوقع منهم رأسا بحيث لم يبق له حاجة إلا إلى الله, وسعى في سد خلة المحتاجين, فاز بحظ وافر من هذين الاسمين, مع أنهما على الإطلاق لا يصدقان إلا على الله تعالى.
(المانع)
هو الذي يدفع أسباب الهلاك والنقصان في الأبدان والأديان, ولما كان المنع من مقدمات الحفظ – أعني منع ما يفضي إلى الفساد ويؤدي إلى الهلاك – فكونه مانعا من مقدمات كونه حفيظا.
(الضار النافع)
هو الذي يصدر عنه النفع والضر, فلا خير ولا شر, ولا نفع ولا ضر, إلا وهو صادر عنه, منسوب إليه, إما بوسط أو غير وسط.
стр. 583
(النور)
هو الظاهر بنفسه, المظهر لغيره, ولا شك في أن الوجود إذا قوبل بالعدم كان الظهور للوجود, والخفاء للعدم, ولما كان الباري تعالى موجودا بذاته, مبرأ عن ظلمه العدم وغمكان طروه, وكان وجود سائر الأشياء فائضا عن وجوده, صح إطلاق لفظ النور عليه.
(الهادي)
هو الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى, والذي هدى خاصة عباده إلى معرفة ذاته, فاطلعوا بها على معرفة مصنوعاته, وهدى عامة خلقه إلى مخلوقاته, حتى استشهدوا بها على معرفة ذاته وصفاته.
والمحظوظ من هذا الاسم من الناس: من أرشد الخلق إلى الحق القوم, وهداهم إلى الطريق المستقيم, وهم الأنبياء, ثم العلماء الوارثون لهم.
(البديع)
المبدع: وهو الذي أتى بما لم يسبق إليه, وقيل: هو الذي لم يعهد مثله, والله سبحانه هو البديع مطلقا بالمعنيين, أما الأول فظاهر وأما الثاني, فلأنه لا مثل له في ذاته, ولا نظير له في صفاته وأفعاله, ومرجعه بالمعنى الأول إلى صفات الأفعال, وبالمعنى الثاني إلى صفات التنزيه.
стр. 584
(الباقي)
الدائم الوجود الذي لا يقبل الفناء, واختلف العلماء في أن البقاء: هل هو صفة حقيقية زائدة على الذات, أو اعتبار عارض له؟ والحق هو الثاني, وتحقيق القول فيه مذكور في كتبنا الكلامية.
(الوارث)
الباقي بعد فناء العباد, فترجع إليه الأملاك بعد فناء الملاك.
(الرشيد)
الذي ينساق تدبيره إلى غاياتها على سنن السداد من غير استشارة وإرشاد, وقيل: هو المرشد, فعيل بمعنى مفعل, كالأليم والوجيع, والرشيد من العباد من هدى إلى التدابير الصائبة فيما يعن له من مقاصد الدين والدنيا.
(الصبور)
هو الذي لا يستعجل في مؤاخذة العصاة ومعاقبة المذنبين, وقيل: هو الذي لا تحمله العجلة على المسارعة إلى الفعل قبل أوانه, وهو أعم من الأول, والفرق بينه وبين الحليم: أن الصبور يشعر بأنه يعاقب بالآخرة, بخلاف الحليم.
وأصل الصبر: حبس النفس عن المراد, فاستعير لمطلق التأني في الفعل.
والعبد إذا حبس نفسه عما تدعوا إليه القوى, وصبر على مضض
стр. 585
الطاعات, وترك الشهوات, فاز بالحظ الأوفى من هذا الاسم.
...
٤ - باب
ثواب التسبيح والتحميد والتهليل
من الصحاح:
٤٦٣ - ١٦٣٩ - قال رسول الله ﷺ : " أفضل الكلام أربع: سبحان الله, والحمد لله, ولا إله إلا الله, والله أكبر ".
وفي رواية: " أحب الكلام إلى الله أربع: سبحان الله, والحمد لله, ولا إله إلا الله , والله أكبر, لا يضرك بأيهن بدأت ".
(باب ثواب التسبيح)
(من الصحاح):
" عن سمرة بن جندب ﵁ قال: قال رسول الله [صلى الله] عليه وسلم: أفضل الكلام أربع: سبحان الله, والحمد لله, ولا إله إلا الله, والله أكبر ".
الظاهر أن المراد من " الكلام ": كلام البشر, فإن الثلاث الأول وإن وجدت في القرآن, لكن الرابعة لم توجد فيه, ولا يفضل ما ليس فيه على ما هو فيه.
стр. 586
ولأنه روي أنه ﵇ قال: " أفضل الذكر بعد كتاب الله, سبحان الله, والحمد لله, ولا إله إلا الله, والله أكبر ".
وقيل: ما يعم القبيلتين, والرابعة وإن لم توجد في القرآن على هذه الصيغة, إلا أن فيه ما يفيد فائدتها.
والموجب لفضلها اشتمالها على جملة أنواع الذكر من التنزيه والتحميد والتوحيد والتمجيد, ودلالتها على جميع الطالب الإلهية إجمالا.
وهذا النظم وإن لم يتوقف عليه المقصود, لاستقلال كل واحدة من الجمل الأربع, ولذلك جاء في بعض رواياته: " لا يضرك بأيهن بدأت = لكنه حقيق بأن يراعى, لأن الناظر المتدرج في المعارف يعرفه سبحانه أولا بنعوت الجلال الذي هي تنزيه ذاته عما يوجب حاجة أو نقصا, ثم بصفات الإكرام وهي الصفات الثبوتية التي بها يستحق الحمد, ثم يعلم أن من هذا شأنه لا يماثله غيره, ولا يستحق الألوهية سواه, فينكشف له من ذلك: ﴿كل شيء هالك إلا وجهه له الحمد الحكم وإليه ترجعون﴾ [القصص: ٨٨].
...
٤٦٤ - ١٦٤٦ - وعن جويرية: أن النبي ﷺ خرج من عندها
стр. 587
بكرة حين صلى الصبح وهي في مسجدها, ثم رجع بعد أن أضحى وهي جالسة فقال: " ما زلت على الحال التي فارقتك عليها؟ " قالت: نعم, قال النبي ﷺ : " لقد قلت بعدك أربع كلمات ثلاث مرات, لو وزنت بما قلت منذ اليوم لوزنتهن: سبحان الله وبحمده عدد خلقه, ورضا نفسه, وزنة عرشه, ومداد كلماته ".
" وفي حديث جويرية بنت الحارث: قال النبي ﷺ : لقد قلت بعدك أربع كلمات " الحديث.
أي: لو قوبلت تلك الكلمات بما قلت لترجحت وزادت عليه في الأجر والثواب.
يقال: وازنه فوزنه,:إذا غلب عليه وزاد في الوزن, كما يقال: حاججته فحججته, قامرته فقمرته.
وقوله: " سبحان الله وبحمده " بيان قوله: " أربع كلمات " ولعله عد " سبحان الله وبحمده عدد خلقه " كلمة واحدة, لأنها جملة واحدة والبواقي ثلاثا, لأن كل واحدة منها من حيث إن العامل فيها على تقدير التكرير نظيرها, و" عدد خلقه " نصب على المصدر, وكذلك البواقي, فالمعنى: أسبحه تسبيحا يساوي عدد خلقه عند التعداد, وزنة عرشه في المقدار, ويوجب رضا نفسه, أو يكون ما يرتضيه لنفسه, ويمد مداد كلماته, وهو مصدر: مددت الشيء أمده مدا ومدادا.
стр. 588
وقيل: يمد به, أي: يكثر ويزاد, والمراد: وقدر كلماته ومثلها في الكثرة.
...
٤٦٥ - ١٦٤٨ - وقال:" لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم كنز من كنوز الجنة ".
" وعن أبي موسى عن النبي ﷺ أنه قال: لا حول ولا قوة إلا بالله كنز من كنوز الجنة ".
(الحول): الحركة, يقال: حال الشخص: إذا تحرك, و (القوة): الاستطاعة, أي: لا حركة ولا استطاعة إلا بمشيئة الله تعالى وأقداره.
والمراد: أن هذا الذكر يدخر لقائله من الأجر والثواب ما يقع له في الجنة موقع الكنز في الدنيا لكانز في الاستظهار والاستعانة به على طلب الحوائج وتحصيل المطالب.
...
من الحسان:
٤٦٦ - ١٦٥٢ - وقال: " الحمد لله رأس الشكر, ما شكرالله عبد لا يحمده ".
стр. 589
(من الحسان):
" عن ابن عمر: أنه ﵊ قال: الحمد رأس الشكر, ما شكر الله عبد لا يحمده ".
" الحمد ": هو الثناء والنداء على الجميل الاختياري من نعمة أو غيرها, و" الشكر ": مقابلة النعمة قولا وعملا واعتقادا, كما الشاعر:
أفادتكم النعماء مني ثلاثة
يدي ولساني والضمير المحجبا
والحمد من حيث إنه باللسان خاصة إحدى شعب الشكر, وهو لما كان أشبع للنعمة وأدل على مكانها, لخفاء الاعتقاد, وما في أعمال الجوارح من الاحتمال, جعل رأس الشكر, وأصله والعمدة فيه, حتى انعكس عليه, فلم يعتد بغيره من الشعب عند فقده, وكان التارك له كالمعرض عن الشكر رأسا.
...
٤٦٧ ١٦٥٤ - قال رسول الله ﷺ : " وقال موسى: يا رب, علمني شيئا أذكرك به, قال قل: لا إله إلا الله, لو أن السماوات السبع وعامرهن غيري, والأرضين السبع وضعن في كفة, ولا إله إلا الله في كفة لمالت بهن لا إله إلا الله ".
" وعن أبي سعيد الخدري عن النبي ﷺ قال: وقال موسى
стр. 590
يا رب علمني شيئا أذكرك به " الحديث.
(عامر الشيء): حافظه ومدبره وممسكه عن الخلل والانحلال, ومن ذلك سمي الساكن والمقيم في البلد: عامره.
يقال: عمرت المكان: إذا أقمت فيه, وسمي زوار البيت عمارا.
وفي الحديث على المعنى الأعم الذي هو الأصل والحقيقة, ليصح استثناؤه سبحانه عنه, فإنه العامر لها أولا وبالحقيقة, كما قال الله تعالى: ﴿إن الله يمسك السموات والأرض أن تزولا﴾ [فاطر: ٤١].
والمراد: أن مفهوم هذه الكلمة لو وزنت بالسماوات والملائكة القاطنين فيها والموكلين عليها, والأرضين السبع, لترجحت.
كيف لا وجميع ما سواه في حد نفسه وبالنظر إلى وجوده تعالى كالمعدوم الفاني, كما قال تعالى: ﴿كل شيء هالك إلا وجهه﴾ [القصص: ٨٨] , والمعدوم لا يوازن الثابت الموجود؟!!.
...
٤٦٨ - ١٦٥٨ - وقال: " التسبيح نصف الميزان والحمد لله يملؤه, ولا إله إلا الله ليس لها حجاب دون الله حتى تخلص إليه " غريب.
" عن ابن عمر: أنه ﵇ قال: التسبيح نصف الميزان, والحمد لله يملؤه ".
стр. 591
أي: التسبيح يفعم نصف الميزان, أو يأخذ نصف كفة الحسنات, والحمد يملؤه بأن يأخذ النصف الآخر ويفعمه, وذلك لأن الأذكار التي هي أم العبادات البدنية والغرض الأصلي من شرعها تنحصر في نوعين: التنزيه والتحميد, والتسبيح يستوعب القسم الأول, والتحميد يتضمن القسم الثاني.
وقيل: المراد تفضيل التحميد على التسبيح, وأن ثوابه ضعف ثواب التسبيح, فإنه وحده يملأ الميزان, وذلك لأن الحمد المطلق إنما يستحقه من كان مبرأ عن النقائص, منعوتا بنعوت الجلال, وصفات الكمال, فيكون التحميد شاملا للأمرين, ودالا على القسمين.
...
٥ - باب
الاستغفار والتوبة
من الصحاح:
٤٦٩ - ١٦٦٣ - وقال " إنه ليغان على قلبي, وإني أستغفر الله في اليوم مائة مرة "
стр. 592
(باب الاستغفار والتوبة)
(من الصحاح):
" عن الأغر بن يسار المزني: أنه ﵊ قال: إنه ليغان على قلبي, وإني لأستغفر في اليوم مئة مرة ".
أي: يطبق على قلبي إطباق الغين وهو الغيم, يقال: غينت السماء تغان, والجار والمجرور في محل الرفع لإسناد الفعل إليه, والمعنى: إنه ليغشى على قلبي ما لا يخلو البشر عنه من سهو أو التفات إلى حظوظ النفس من مأكول ومنكوح ونحو ذلك, فإنه يكون كحجاب وغيم يطبق على قلبه, فيحول بينه وبين الملأ الأعلى حيلولة تصده عن تلقي الوحي, ومشاهدة جناب القدس, حسبما كان له في سائر أوقاته التي أشار إليها بقوله: " لي مع الله وقت " فيستغفر الله تصفية وتجلية للقلب, وإزاحة للغاشية, وكشفا للحجاب العارض.
وهو وإن لم يكن ذنبا, لكنه – من حيث إنه بالنسبة إلى سائر أحواله نقص وهبوط إلى حضيض البشرية, والتفات إلى عالم الزور – يشبه الذنب, فيناسب الاستغفار.
***
стр. 593
٤٧٠ - ١٦٦٥ – وقال فيما يوري عن الله تعالى أنه قال: " يا عبادي! إني حرمت الظلم على نفسي, وجعلته بينكم محرما, فلا تظالموا, يا عبادي! كلكم ضال إلا من هديته, فاستهدوني أهدكم, يا عبادي! كلكم جائع إلا من أطعمته, فاستطعموني أطعمكم, يا عبادي! كلكم عار إلا من كسوته, فاستكسوني أكسكم, يا عبادي! إنكم تخطؤن بالليل والنهار, وأنا أغفر الذنوب جميعا, فاستغفروني أغفر لكم, يا عبادي! إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني, ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني, يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئا, يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئا, يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد, فسألوني فأعطيت كل إنسان مسألته, ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر, يا عبادي! إنما هي أعمالكم أحصيها لكم, ثم أوفيكم إياها, فمن وجد خيرا فليحمد الله, ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه, رواه أبو ذر, وكان أبو إدريس الخولاني إذا حدث بهذا الحديث جثا على ركبتيه.
" وفي الحديث الذي يروى عن الله ﵎: يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم, وإنسكم وجنكم, كانوا على أتقى قلب رجل واحد
стр. 594
منكم, ما زاد ذلك في ملكي شيئا.
الخطاب مع الثقلين خاصة, لاختصاص التكليف, وتعاقب التقوى والفجور بهم, ولذلك فصل المخاطبين بالإنس والجن, ويحتمل أن يكون عاما شاملا لذوي العلم كلهم من الملائكة والثقلين, ويكون ذكر الملائكة مطويا مدرجا في قوله: " وجنكم " لشمول الإحسان لهم, وتوجه هذا الخطاب نحوهم لا يتوقف على صدور الفجور منهم, ولا على إمكانه, لأنه كلام صادر على سبيل الفرض والتقدير.
وقوله: " كانوا على أتقى قلب رجل " تقديره: على تقوى أتقى, أو: على أتقى أحوال رجل.
وفيه: " لو أن أولكم وآخركم, وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد فسألوني فأعطيت كل إنسان مسألته ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر ".
(الصعيد): وجه الأرض, والمراد بقوله: " في صعيد واحد ": في مقام واحد, قيد السؤال بالاجتماع, لأن تزاحم السؤال وازدحامهم مما يدهش المسؤول عنه ويبهته, ويعسر عليه إنجاح مآربهم, والإسعاف إلى مطالبهم.
و" المخيط " بكسر الميم وسكون الخاء: الإبرة, وغمسها في البحر وإن لم يخل عن نقص ما, لكنه لما [لم] يظهر ما ينقصه للحس, ولم يعتد به العقل, وكان أقرب المحسوسات نظيرا ومثالا, شبه به صرف
стр. 595
ملتمسات السائلين مما عنده, فإنه لا يغيضه مثل ذلك, ولا أقل منه.
وفيه: " إنما هي أعمالكم أحصيها لكم, ثم أوفيكم إياها ".
أي: هي جزاء أعمالكم, فأحفظها عليكم, ثم أؤديها إليكم تاما وافيا, إن خيرا فخير وغن شرا فشر.
...
٤٧٠ /م – ١٦٦٦ – وقال: " كان في بني إسرائيل رجل قتل تسعة وتسعين إنسانا, ثم خرج يسأل, فأتى راهبا فسأله, فقال له: ألي توبة؟ قال: لا فقتله, وجعل يسأل, فقال له رجل: ائت قرية كذا وكذا فإن فيها قوما صالحين, فأدركه الموت في الطريق, فنأى بصدره نحوها, فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب, فأوحى الله إلى هذه: أن تقربي, وإلى هذه: أن تباعدي, وقال: قيسوا ما بينهما, فوجد إلى هذه أقرب بشبر, فغفر له ".
وفي الحديث الثاني:" فأدركه الموت فناء بصدره نحوها ".
أي: منعه الموت عن الوصول إلى القرية التي كان يقصدها, وحال بينه وبينها, وأصل النوء: النهوض بكد ومشقة, وكأن الموت نهض بصدره وصده عن الحركة نحو المتوجهة إليه.
...
٤٧١ – ١٦٧١ – وقال: " لله أشد فرحا بتوبة عبده حين يتوب إليه من أحدكم كان معه راحلته بأرض فلاة, فانفلتت منه, وعلها طعامه وشرابه, فأيس منها, فأتى شجرة, فاضطجع في ظلها قد أيس من راحلته فبينما هو كذلك إذ هو بها قائمة عنده, فأخذ بخطامها, ثم قال
стр. 596
من شدة الفرح: " اللهم أنت عبدي, وأنا ربك, فأخطأ من شدة الفرح ".
" وقال – ﵊: لله أشد فرحا بتوبة عبده حين يتوب إليه من أحدكم كان [معه] راحلته بأرض فلاة, فانفلتت منه, وعليه طعامه وشرابه " الحديث
أي: تقع التوبة من الله تعالى في القبول والرضا به موقعا يقع في مثله ما يوجب فرط الفرح ممن يتصور في حقه ذلك.
(الفلاة): المفازة.
" فانفلتت " أي: ذهبت.
...
٤٧٢ – ١٦٧٢ – وقال: " إن عبدا أذنب ذنبا, فقال: رب, أذنبت ذنبا, فاغفره, فقال ربه: أعلم عبدي أن له ربا يغفر الذنب ويأخذ به؟ غفرت لعبدي, ثم مكث ما شاء الله, ثم أذنب ذنبا, فقال: رب أذنبت ذنبا آخر, فاغفره لي, فقال: أعلم عبدي أن له ربا يغفر الذنب, ويأخذ به؟ قد غفرت لعبدي, ثم مكث ما شاء الله, ثم أذنب ذنبا, فقال: رب أذنبت ذنبا آخر, فاغفره لي, فقال: أعلم عبدي أن له ربا يغفر الذنب, ويأخذ به؟ غفرت لعبدي فليعمل ما شاء ".
" وفي حديث أبي هريرة: ثم أذنب ذنبا فقال: رب أذنبت ذنبا آخر فاغفر لي " الحديث.
الهمزة في " أعلم " للتقرير, والمعنى: أنه لما علم بي, وتيقن أني غافر للذنب, وقابل للتوب, شديد العقاب, ذو الطول, وندم على
стр. 597
ما فعل, فاستغفر عنه وتاب, قبلت توبته, وغفرت له ذنوبه.
وقوله: " فليعمل ما شاء " ليس المراد منه الحث على ما شاء من المعاصي والإذن فيه, فإنه كما يطلق للإباحة والتخيير يطلق للتهديد, كقوله تعالى: ﴿اعملوا ما شئتم﴾ [فصلت: ٤٠] والتلطف وإظهار العناية والشفقة, كما تقول لمن تراقبه وتتقرب إليه وهو يتباعد عنك ويقصر في حقك: افعل ما شئت, فلست أعرض عنك ولا أرك ودادك.
وهو في الحديث بهذا المعنى: أي: إن فعلت أضعاف ما كنت تفعل واستغفرت عنها غفرت لك, فإني أغفر الذنوب جميعا ما دمت تائبا عنها مستغفرا إياها.
...
من الحسان:
٤٧٣ – ١٦٧٥ – قال: " قال الله تعالى: يا ابن آدم, إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان فيك, ولا أبالي, يا ابن آدم, لو بلغت ذنوبك عنان السماء, ثم استغفرتني غفرت لك, ولا أبالي, يا ابن آدم, إنك لو أتيتني بقراب الأرض خطايا, ثم لقيتني لا تشرك بي شيئا لأتيتك بقرابها مغفرة ". غريب.
(من الحسان):
" في الحديث الذي يرويه عن الله : يا ابن آدم لو بلغت ذنوبك
стр. 598
عنان السماء ثم استغفرني غفرت لك ".
(العنان): السحاب, الواحدة: عنانة, من عن: إذا اعترض وأضافه إلى السماء لأنه معترض دونها.
وقد يقال: عنان السماء بمعنى: أعنان السماء, وهي صفائحها وما اعترض من أقطارها, ولعله المراد من الحديث, إذ روي: " أعنان السماء ".
والمعنى: أنه لو كثرت ذنوبك كثرة تملأ ما بين السماء والأرض بحيث تبلغ أقطارها وتعم نواحيها, ثم استغفرني, غفرت لك جميعها غير مبال بكثرتها, فإن استدعاء الاستغفار للمغفرة يستوي فيه القليل والكثير, والجليل والحقير.
...
٤٧٤ – ١٦٨٠ – وقال: " إن المؤمن إذا أذنب كانت نكتة سوداء في قلبه, فإن تاب, واستغفر صقل قلبه, وإن زاد زادت حتى تعلو قلبه, فذلكم الران الذي ذكر الله تعالى: " كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون﴾ صحيح.
" عن أبي هريرة: أنه – ﵇ – قال: إن المؤمن إذا أذنب كانت نكتة سوداء في قلبه " الحديث.
стр. 599
المعنى الأول في التكليف بالأعمال الظاهرة والأمر بمحاسنها والنهي عن مقابحها ما تستكسب النفس منها من الملكات الفاضلة والهيئات الذميمة, فمن أذنب ذنبا أثر ذلك في نفسه, وأورث لها كدورة ما, فإن تحقق قبحه وتاب عنه زال الأثر, وصارت النفس مصقولة صافية, وإن انهمك فيه وأصر عليه زاد الأثر, ونشأ في النفس, واستعلى عليها, وصار من أهل الطبع.
وقوله: " فذلكم الران " أي: فذلك الأثر المستعلي ما أخبر الله وعبر عنه بقوله: ﴿ران على قلبوهم﴾ [المطففين: ١٤] أي: غلب واستولى على قلوبهم ما كانوا يكسبون من الذنوب, أدخل حرف التعريف على الفعل لما قصد به حكاية اللفظ, وأجراه مجرى الاسم من حيث إنه يصح الإخبار عنه بهذا الاعتبار, وشبه تأثر النفس باقتراف الذنوب بالنكتة السوداء من حيث إنهما يضادان الجلاء والصفاء, وأنث الضمير الذي في " كانت " الراجع إلى ما دل عليه " أذنب " لتأنيثهما.
...
٤٧٥ – ١٦٨١ – وقال: " إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر ".
" وعن ابن عمر ﵄: أنه ﵊ قال: إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر ".
стр. 600
(الغرغرة): تردد الشيء في الحلق, وتستعمل في تردد الروح فيه, وهو المراد, والمعنى: أن توبة المذنب مقبولة ما لم يحضره الموت, فإذا احتضر لم تنفعه, كما قال تعالى: ﴿وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن﴾ [النساء: ١٨] , وذلك لأن من شرط التوبة العزم على ترك الذنب المتوب عنه, وعدم المعاودة عليه, وذلك إنما يتحقق مع تمكن التائب منه, وبقاء أوان الاختبار.
...
٤٧٦ – ١٦٨٣ – وقال: " إن الله تعالى جعل بالمغرب بابا عرضه مسيرة سبعين عاما للتوبة, لا يغلق ما لم تطلع الشمس من قبله, وذلك قوله تعالى: ﴿يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل﴾ ".
" وعن أبي هريرة: أنه ﵊ قال: إن الله جعل بالمغرب بابا عرضه مسيرة سبعين عاما " الحديث.
المعنى: إن باب التوبة مفتوح على الناس, وهم في فسحة وسعة عنها ما لم تطلع الشمس من مغربها, فإذا طلعت انسد عليهم فلم يقبل منهم إيمان ولا توبة, لأنهم إذا عاينوا ذلك اضطروا إلى الإيمان
следующие страницы →