← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13614

تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة

ناصر الدين البيضاوي

Полный текст (1 692 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

[المشاقة وهي المخالفة: مأخوذ من الشق, فإن كل واحد من المتخالفين في شق غير شق صاحبه] , والنفاق: أن تظهر لصاحبك خلاف ما تضمره وتسره. ... ٥٠٧ - ١٧٧٨ - وعنه: أن رسول الله ﷺ كان يقول: " اللهم إني أعوذ بك من الجوع, فإنه بئس الضجيع, وأعوذ بك من الخيانة, فإنها بئست البطانة ". " وعنه: أنه ﵇ كان يقول: اللهم إني أعوذ بك من الجوع فإنه بئس الضجيع, وأعوذ بك من الخيانة فإنها بئست البطانة ". " الجوع ": الألم الذي يناله الحيوان من خلو المعدة, و" الضجيع ": المضاجع, استعاذ منه لأنه يمنع استراحة البدن, ويحلل المواد المحمودة بلا بدل, ويشوش الدماغ, ويثير الأفكار الفاسدة, والخيالات الباطلة, ويضعف البدن عن القيام بوظائف الطاعات. و" الخيانة ": نقيض الأمانة, و" البطانة ": ضد الظهرة, وأصلها في الثوب فاتسع قيما يستبطن الرجل من أمره فيجعله بطانة حاله. ***

стр. 632

٥٠٨ - ١٧٨٢ - وعن أبي اليسر: أن رسول الله ﷺ كان يدعو: " اللهم إني أعوذ بك من الهدم, وأعوذ بك من التردي, ومن الغرق, والحرق والهرم, وأعوذ بك من أن يتخبطني الشيطان عند الموت, وأعوذ بك أن أموت في سبيلك مدبرا, وأعوذ بك أن أموت لديغا " وزيد في بعض الروايات: " والغم ". " عن أبي اليسر - بفتح الياء والسين, وهو كعب بن عمرو -: أن رسول الله ﷺ كان يدعو: اللهم إني أعوذ بك من الهدم, وأعوذ بك من التردي ". الحديث. " الهدم " بالسكون: سقوط البناء, ووقوعها على الشيء, وروي بالفتح, وهو اسم ما انهدم منه. و" التردي ": السقوط من عال, كالتدهور من شاهق جبل, والسقوط في البئر و" الغرق ": بالتحريك: مصدر: غرق في الماء. و" الحرق " أيضا بالتحريك: النار. وإنما استعاذ من الهلاك بهذه الأسباب مع ما فيه من نيل الشهادة لأنها مجهدة مقلقة, لا يكاد الإنسان يصطبر عليها, ويثبت عندها, فلعل الشيطان ينتهز عنه فرصة, فيحمله على ما يخل بدينه, ولأنه يعد فجأة, وهي أخذة الأسف على ما مر تقريره في (كتاب الجنائز). و" تخبط الشيطان): مجاز عن إضلاله وتسويله أو عن الجنون,

стр. 633

قال تعالى: " كـ ﴿الذي يتخبطه الشيطان من المس﴾ [البقرة: ٢٧٥] , وأصل الخبط: الوطء والضرب, يقال: خبط البعير الأرض بيده: إذا ضربها بأخفافها, وخبطت الورق من الشجر: إذا ضربته ليسقط. ... ٥٠٩ - ١٧٨٣ - عن معاذ, عن النبي ﷺ أنه قال: " استعيذوا بالله من طمع يهدي إلى طبع ". " عن معاذ بن جبل عن النبي ﷺ أنه قال: استعيذ [و] بالله من طمع يهدي إلى طبع ". (الهداية): الإرشاد إلى الشيء والدلالة إليه, ثم اتسع فيه, فاستعمل بمعنى الإدناء من الشيء والإيصال إليه. و (الطبع) بالتحريك: العيب, وأصله: الدنس الذي يعرض للسيف, والمعنى: أعوذ بالله من طمع يسوقني إلى شين في الدين وإزراء بالمروءة. ... ٥١٠ - ١٧٨٤ - وعن عائشة ﵂ قالت: أخذ النبي ﷺ بيدي, فنظر إلى القمر, فقال: " يا عائشة, استعيذي بالله ﴿ومن شر

стр. 634

غاسق إذا وقب﴾ وهذا غاسق إذا وقب ". " عن عائشة قالت: أخذ النبي ﷺ بيدي فنظر في القمر فقال: يا عائشة! استعيذي بالله من شر غاسق إذا وقب, هذا غاسق إذا وقب ". (الغاسق): الليل إذا غاب الشفق, واعتكر ظلامه, من غسق يغسق: إذا أظلم, وأطلق هاهنا على القمر, لأنه يظلم إذا كسف, ووقوبه: دخوله في الكسوف واسوداده, وإنما استعاذ من كسوفه, لأنه آية من آيات الله تدل على حدوث بلية ونزول نازلة. ... ٩ - باب جامع الدعاء من الصحاح: ٥١١ - ١٧٩١ - وعن علي ﵁ قال: قال لي رسول الله ﷺ :" قل: اللهم اهدني وسددني, واذكر بالهدى: هدايتك الطريق, وبالسداد: سداد السهم ". (باب جامع الدعاء) (من الصحاح): " عن علي ﵁ قال: قال لي رسول الله ﷺ : قل: اللهم اهدني

стр. 635

وسددني, واذكر بالهدى: هدايتك الطريق, والسداد: سداد السهم ". أمره بأن يسأل من الله تعالى الهداية والسداد, وأن يكون في ذكره وخاطرا بباله: أن المطلوب هداية كهداية من ركب متن الطريق, وأخذ في المنهج المستقيم, وسداد السهم نحو الغرض, والمعنى: أن يكون في سؤاله طالبا غاية الدى, ونهاية السداد. ... ٥١٢ – ١٧٩٤ – عن ابن عباس ﵄ قال: كان النبي ﷺ يدعو يقول: " رب أعني, ولا تعن علي, وانصرني, ولا تنصر علي, وامكر لي, ولا تمكر علي, واهدني, ويسر الهدى لي, وانصرني على من بغلى علي, رب اجعلني لك شاكرا, لك ذاكرا, لك راهبا, لك مطواعا, لك مخبتا, غليك أواها منيبا, رب تقبل توبتي, واغسل حوبتي, وأجب دعوتي, وثبت حجتي, وسدد لساني, واهد قلبي, واسلل سخيمة صدري ". (من الحسان): " في حديث ابن عباس: رب اجعلني لك شاكرا, لك ذاكرا, لك راهبا " الحديث. قدم الصلات على متعلقاتها تقديما للأهم, وإرادة الاختصاص, و (المخبت): الخاشع المتواضع, من الخبت, وهو المطمئن من الأرض,

стр. 636

أو المطمئن إلى ذكر ربه, الواثق به, من قوله تعالى: ﴿وأخبتوا إلى ربهم﴾ [هود: ٢٣] أي: اطمأنوا إلى ذكره, وسكنت نفوسهم إلى أمره, وأقيمت اللام مقام (إلى) لتفيد معنى الاختصاص. و (الأواه) فعال بني للمبالغة من أوه, يقال: أوه تأويها وتأوه تأوها: إذا قال: أوه, وهو صوت الحزين المتفجع. والمعنى: اجعلني لك أواها متفجعا على التفريط," منيبا " راجعا إليك, تائبا عما أقترفه من الذنوب. (الحوبة): الإثم, وكذا الحوب والحوب, وغسله: كناية عن إزالته بالكلية بحيث لا يبقى منه أثر, و (سداد اللسان): أن لا يتحرك إلا بالحق, ولا ينطق إلا بالصدق, و (سخيمة الصدر): الضغينة, من السخمة: وهو السواد, ومنه: سخام القدر, وإضافتها إلى الصدر, لأن مبدأها القوة الغضبية التي هي إحدى شعبتي القوة الحيوانية المنبعثة من القلب الذي هو في الصدر, (سلها): إخراجها, وتنقية الصدر منها, من سل السيف: إذا أخرجها من الغمد. ... ٥١٣ – ١٧٩٨ – عن عبد الله بن يزيد الخطمي, عن رسول الله ﷺ أنه كان يقول في دعائه: " اللهم ارزقني حبك, وحب من ينفعني حبه

стр. 637

عندك, اللهم ما رزقتني مما أحب فاجعله قوة لي فيما تحب, اللهم ما زويت عني مما أحب فاجعله فراغا لي فيما أحب ". " وفي حديث عبد الله بن يزيد الخطمي: اللهم ما زويت عني مما أحب, فاجعله فراغا لي فيما أحب ". أصل (الزي) الجمع والقبض, والمعنى: ما صرفته عني من محابي فنحه عن قلبي, واجعله سببا لفراغي لطاعتك, ولا تشغل به قلبي, فيشغل عن عبادتك. ... ٥١٤ – ١٧٩٩ – عن ابن عمر ﵄ قال: قلما كان رسول الله ﷺ يقوم من مجلس حتى يدعو بهؤلاء الدعوات لأصحابه: " اللهم اسم لنا من خشيتك ما تحول بيننا وبين معاصيك, ومن طاعتك ما تبلغنا به جنتك, ومن اليقين ما تهون به علينا مصيبات الدنيا, ومتعنا بأسماعنا وأبصارنا, وقوتنا ما أحييتنا, واجعله الوارث منا, واجعل ثأرنا علة من ظلمنا, وانصرنا على من عادانا, ولا تجعل مصيبتنا في ديننا, ولا تجعل الدنيا أكبر همنا, ولا مبلغ علمنا, ولا تسلط علينا من لا يرحمنا "غريب. " وفي حديث ابن عمر: اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول به يبيننا وبين معاصيك " الحديث.

стр. 638

" اقسم لنا " أي: اجعل لنا قسما ونصيبا. " تحول به ": تحجب وتمنع, من حال الشيء حيولة. " ومن اليقين ما تهون به علينا مصيبات الدنيا " أي: ارزقنا يقينا بك, وبأن لا مرد لقضائك وقدرك, وأن لا يصيبنا إلا ما كتبته علينا, وأن ما قدرته لا يخلو عن حكمة ومصلحة واستجلاب مثوبة, تهون به مصيبات الدنيا. و"اجعله ": الضمير فيه للمصدر, كما في قولك: زيد أظنه منطلق, أي: اجعل الجعل, و" الوارث " هو المفعول الأول, و"منا " في موضع المفعول الثاني, على معنى: واجعل الوارث من نسلنا, لا كلالة خارجة عنا, كما قال تعالى حكاية عن دعوة زكريا ﵇: ﴿فهب لي من لدنك وليا * يرثني ويرث من آل يعقوب﴾ [مريم: ٥ - ٦] ,. وقيل: الضمير للتمتع الذي دل عليه التمتيع, ومعناه: اجعل تمتعنا بها باقيا عنا, مأثورا فيمن بعدنا, أو محفوظا لنا إلى يوم الحاجة, وهو المفعول الأول, و (الوارث) مفعول ثان, و (منا) صلة له. وقيل: الضمير لما سبق من الإسماع والإبصار والقوة, وإفراده وتذكيره على تأويل المذكور, كما قول رؤبة: فيها خطوط من سواد وبلق ... كأنه في الجلد توليع البهق

стр. 639

والمعنيُّ بوارثها: لزومها له عند موته لزوم الوارث له. " واجعل ثأرنا على من ظلمنا " أي: اجعل إدراك ثأرنا على من ظلمنا فندرك منه ثأرنا, أو اجعل ثأرنا مقصودا على من ظلمنا ولا تجعلنا ممن تعدى في طلب ثأره, فأخذ به غير الجاني, كما كان معهودا في الجاهلية, وأصل الثأر: الحقد والغضب, من الثوران, يقال: ثأر ثائرة: إذا هاج غضبه. ... ٥١٥ – ١٧٩٧ – عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: كان النبي ﷺ إذا أنزل عليه الوحي سمع عند وجهه دوي كدوي النحل, فأنزل الله يوما, فمكثنا ساعة, فسري عنه, فاستقبل القبلة ورفع يديه وقال: " اللهم زدنا ولا تنقصنا, وأكرمنا ولا تهنا, وأعطنا ولا تحرمنا, وآثرنا ولا تؤثر علينا, وأرضنا وارض عنا, ثم قال: " أنزل علي عشر آيات, من أقامهن دخل الجنة, ثم قرأ: ﴿قد أفلح المؤمنون﴾ حتى ختم عشر آيات. وفي حديث عمر: إذا أنزل عليه الوحي سمع عند وجهه كدوي النحل, فأنزل الله يوما, فمكثنا ساعة فسري عنه ". أي: سمع من جانب وجهه وجهته صوت خفي كدو النحل, كأن الوحي كان يؤثر فيهم وينكشف لهم انكشافا غير تام, فصاروا كم سمع دوي صوت ولا يفهمه, أو سمعوه من الرسول – ﵊ -

стр. 640

من غطيطه, وشدة تنفسه عند نزول الوحي. وقوله:" فسري عنه " أي: كشف وزال ما اعتراه من برحاء الوحي. ***

стр. 641

(١٠) كتاب الحج

стр. 642

(١٠) كتاب الحج ١ - باب المناسك من الصحاح: ٥١٦ - ١٨٠١ - عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﷺ : " أيها الناس: قد فرض الله عليكم الحج فحجوا, فقال رجل: أكل عام يا رسول الله! فسكت حتى قالها ثلاثا, فقال [رسول الله ﷺ ]: لو قلت نعم لوجبت ولما استطعتم ". (كتاب المناسك) (من الصحاح): " عن أبي هريرة: قال رسول الله ﷺ : أيها الناس قد فرض الله عليكم الحج فحجوا " الحديث. " الحج " في اللغة: القصد.

стр. 643

وفي الشرع: قصد البيت على الوجه المخصوص في الزمان المخصوص. " فقال رجل " يعني: الأقرع بن حابس: " أكل عام " أي: أتأمرنا أن نحج كل عام, ونصبه بفعل دل عليه " حجوا", وهذا يدل على أن مجرد الأمر لا يفيد التكرار, ولا المرة, وإلا لما صح الاستفهام, وإنما سكت ﵇ حتى قالها ثلاثا زجرا له عن السؤال, فإنه تقديم بين يدي الرسول منهي عنه بقوله تعالى: ﴿لا تقدموا بين يدي الله ورسوله﴾ [الحجرات:١] , لأنه ﵇ مبعوث لبيان الشرائع, وتبليغ الأحكام, فلو وجب الحج كل سنة لبينه الرسول لا محالة ولم يقتصر على الأمر به مطلقا, سواء سئل عنه أو لم يسئل, فيكون السؤال استعجالا ضائعا. ثم إنه لما رأى أنه لا ينزجر به, ولا يقنع إلا بالجواب الصريح, أجاب عنه بقوله:" لو قلت نعم لوجبت " أي: لوجبت كل عام حجة. وأفاد به: أنه لا يجب كل عام, لما في "لو" من الدلالة على انتفاء الشيء لانتفاء غيره, وأنه إنما لم يتكرر لما فيه من الحرج والكلفة الشاقة, ونبه على أن العاقل ينبغي له أن لا يستقبل الكلف الخارجة عن وسعه, وأن لا يسأل عن شيء إن يبد له ساءه. واحتج بهذا الحديث من جوز أن يفوض الحكم إلى رأي

стр. 644

النبي ﷺ , فيقول الله له: احكم بما شئت فإنك لا تحكم إلا بالصواب, كموسى بن عمران, فإن قوله ﵇ (لو قلت نعم لوجبت) يدل على أنه كان إليه إيجاب ما شاء. وهو ضعيف, لأن قوله (ولو قلت) أعم من أن يكون قولا من تلقاء نفسه, أو من وحي نازل, أو رأي يراه إن جوزنا له الاجتهاد, والدال على الأعم لا يدل على الأخص, لكنه يدل على أن الأمر للوجوب, لأن قوله: (لو قلت نعم لوجبت) تقديره: لو قلت نعم حجوا كل سنة, لوجبت كل عام حجة, وذلك إنما يصح إذا كان الأمر مقتضيا للوجوب. ... ٥١٧ - ١٨١٢ - وقال ابن عباس ﵁: وقت رسول الله لأهل المدينة ذا الحليفة, ولأهل الشام الجحفة, ولأهل العراق قرن المنازل, ولأهل اليمن يلملم, فهن لهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن لمن كان يريد الحج والعمرة, فمن كان دونهن فمهله من أهله, وكذاك حتى أهل مكة يهلون منها. " قال ابن عباس: وقت النبي ﷺ لأهل المدينة ذا الحليفة, ولأهل الشام الجحفة, ولأهل نجد قرن المنازل, ولأهل اليمن يلملم " الحديث. الوقت في الأصل: حد الشيء, والتأقيت: التحديد والتعيين, غير

стр. 645

أن التركيب شاع في الزمان, وهاهنا جاء على أصله. والمعنى: حد رسول الله ﷺ وعين لأهل المدينة ذا الحليفة, وهو ماء من مياه بني جشم, و (حليفة) تصغير حلفة كقصبة, وهي نبت في الماء, وجمعها حلفاء, و (جحفة): موضع بين مكة والمدينة من الجانب الشامي, يحاذي ذا الحليفة, وكان اسمه مهيعة, فأجحف السيل بأهلها, يقال: أجحف: إذا ذهب به, وسيل جحاف - بالضم - إذا خرب الأرض وذهب بها. و" قرن " بسكون الراء: جبل مدور أملس كأنه بيضة, مطل على عرفات. و" يلملم ": جبل من جبال تهامة على ليلتين من مكة. و" المهل ": موضع الإهلال, يريد به الموضع الذي يحرم منه, فيرفع فيه الصوت بالتلبية بالإحرام. وقوله: " حتى أهل مكة يهلون منها " يدل على أن المكي ميقاته نفس مكة, سواء أحرم بحج أو عمرة. والمذهب: أن المعتمر يخرج إلى أدنى الحل, فيعتمر منه, لأنه ﵇ أمر عائشة لم أرادت أن تعتمر بعد التحلل من الحج بأن تخرج إلى الحل فتحرم. والحديث مخصوص بالحج. ***

стр. 646

من الحسان: ٥١٨ - ١٨١٧ - وعن علي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " من ملك زادا وراحلة تبلغه إلى بيت الله ولم يحج فلا عليه أن يموت يهوديا أو نصرانيا, وذلك أن الله ﵎ يقول: ﴿ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا﴾ ". (من الحسان): " عن علي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : من ملك زادا وراحلة تبلغه إلى بيت الله, ولم يحج فلا عليه أن يموت يهوديا أو نصرانيا ". إنما وحد الضمير الذي في " تبلغه " والمرجوع إليه شيئان, لأنهما في معنى الاستطاعة, والمعتبر هو المجموع, ويجوز أن يكون الضمير (الراحلة) , ويكون تقييدها غنية عن تقييد (الزاد). وقوله: " فلا عليه " أي: لا تفاوت عليه أن يموت يهوديا أو نصرانيا, والمعنى: أن وفاته على هذه الحالة ووفاته على اليهودية والنصرانية سواء في أنها تعتريه وهو في كفران نعم اله, وترك ما أمر به والانهماك في معصيته, وهو من باب المبالغة والتشديد, والإيذان بعظم شأن الحج. ونظيره قوله تعالى: ﴿ومن كفر فإن الله غني عن العالمين﴾ [آل عمران: ٩٧] , فإنه وضع فيه (ومن كفر) موضع: ومن لم يحج, تعظيما

стр. 647

للحج, وتغليظا على تاركه. ... ٥١٩ - ١٨١٨ - وقال: لا صرورة في الإسلام" " وعنه: أنه ﵇ قال: لا صرورة في الإسلام " (الصرورة): الذي لم يحج, من الصر, وهو المنع, كأنه أبى عن الحج, ومنع نفسه من الإتيان به, وظاهر هذا الكلام أيضا يدل على أن تارك الحج ليس بمسلم, والمراد منه: أنه لا ينبغي أن يكون في الإسلام أحد يستطيع الحج ولا يحج, فعبر عنه بهذه العبارة للتشديد والتغليظ. وقيل: الصرورة: من انقطع عن النكاح, وسلك طريق الرهابنة, وأصله: أن الرجل إذا ارتكب جريمة لجأ إلى الكعبة, وكان في أمان ما دام فيها, قل له: صرورة, ثم اتسع فيها فاستعملت لكل متعبد معتزل عن النساء. ... ٥٢٠ - ١٨٢٢ - وعنه قال: سأل رجل رسول الله ﷺ : ما الحاج؟ قال: " الشعث التفل ", وقال آخر: أي الحج أفضل؟ قال: " العج والثج, فقال آخر: ما السبيل؟ قال: " زاد وراحلة. " وعن ابن عمر قال: قال رجل رسول الله ﷺ : ما الحاج؟ قال:

стр. 648

الشعث التفل, فقال آخر: أي الحج أفضل؟ قال: العج والثج, فقال آخر: ما السبيل؟ قال: زاد وراحلة". " الشعث ": المتفرق الشعر, وكذلك: الأشعث, من الشعث, وهو التفرق. و" التفل": الذي لا يتطيب, فتوجد منه رائحة كريهة, من تفل الشيء من فيه: إذا رمى به مستكرها له. و" العج ": رفع الصوت, و" الثج ": التسبيل والإراقة, والمراد بهما: رفع الصوت بالتلبية, وإراقة دماء الهدي, ولعل السؤال كان عن صفة الحاج وسمته, وعن أفضل خصال الحج وأعماله, فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه. والمراد بـ (السبيل): المذكور في قوله تعالى: ﴿من استطاع إليه سبيلا﴾ [آل عمران: ٩٧]. ... ٥٢١ - ١٨٢٥ - عن ابن عباس ﵄: أن النبي ﷺ وقت لأهل المشرق العقيق. ٥٢٢ - ١٨٢٦ - وعن عائشة ﵂: أن رسول الله ﷺ وقت لأهل العراق. " وعن ابن عباس: أن النبي ﷺ وقت لأهل المشرق العقيق ".

стр. 649

" وعن عائشة: أنه ﵇ وقت لأهل العراق ذات عرق ". " ذات عرق ": موضع من شرقي مكة, بينهما مرحلتان, توازي قرن نجد, سمي بذلك لأن هناك عرقا وهو الجبل الصغير. و" العقيق " موضع يقال: إنه قبيل (ذات عرق) , ويقال: إنه في حد (ذات عرق) من الطرف الأقصى, ولا اختلاف بين الحديثين. وفي صحة الحديثين مقال, والأصح عند الجمهور: أن النبي ﷺ ما بين لأهل المشرق ميقاتا, وإنما حد لهم عمر ﵁ حين فتح العراق, وهي بلاد من المشرق, إذ المراد منه: ما يكون من شرقي مكة إلى آخر العمارات, سميت به لوقوعها على شاطئ دجلة والفرات, والعراق: شاطئ البحر والنهر. وكان الشافعي يستحب للمشرقي عراقيا كان أو غيره أن يحرم من العقيق جمعا بين الحديثين, وتفصيا عن الخلاف, فإن تحديد المواقيت وتعيينها للمنع عن مجاوزتها بلا إحرام, لا عن الإحرام قبل ورودها. ... ٢ - باب الإحرام والتلبية من الصحاح: ٥٢٣ - ١٨٢٨ - قالت عائشة ﵂: كنت أطيب

стр. 650

رسول الله ﷺ لإحرامه قبل أن يحرم, ولحله قبل أن يطوف بالبيت بطيب فيه مسك, كأني أنظر إلى وبيص الطيب في مفرق رسول الله ﷺ وهو محرم ". (باب الإحرام والتلبية) (من الصحاح): " قالت عائشة ﵂: كنت أطيب رسول الله ﷺ لإحرامه قبل أن يحرم, ولحله قبل أن يطوف بالبيت, بطيب فيه مسك, كأني أنظر إلى وبيص الطيب في مفارق رسول الله ﷺ وهو محرم ". (الحل): الإحلال, و (الوبيص): اللمعان, يقال: وبص البرق وغيره: إذا لمع, و (المفارق): جمع المفرق, وهو وسط الرأس وإنما ذكرت بلفظ الجمع تعميما لجوانب الرأس التي يفرق فيها, والمراد بوبيص الطيب فيها وهو محرم أن فتات الطيب كان يبقى عليها بعد الإحرام بحيث يلمع فيها. وفي هذا الحديث ثلاث فوائد: الأولى: أن التطيب للإحرام والإحلال سنة, لمداومة الرسول - صلوات الله عليه - عليه. والثانية: لأن لا كراهية ولا فدية في التطييب قبل الإحرام بطيب يبقى أثره بعد الإحرام, وهو مذهب أكثر علماء الصحابة, وبه قال الشافعي وأحمد وإسحاق, وكرهه مالك, وأوجب أبو حنيفة الفدية

стр. 651

بما يبقى من أثره بعد الإحرام, قياسا على ما لو استدام لبس المخيط, وهو ضعيف, لأن استدامة اللبس لبس, واستدامة الطيب ليس بتطيب, ولذلك لو حلف أن لا يلبس وعليه ثوب, فاستدام لم يحنث, ولو حلف لا يتطيب وعليه طيب, فاستدامه لم يحنث, ثم إنه لو سلم عن القدح فلا يعارض الحديث المتفق على صحته, وتأويل الحديث بأن المعنى بالطيب الدهن المطيب, أو الطيب الذي يبقى جرمه ولا تبقى رائحته, تعسف لا يخفى ضعفه. ... ٥٢٤ - ١٨٢٩ - وقال ابن عمر: سمعت رسول الله ﷺ يهل ملبدا يقول: " لبيك اللهم لبيك, لا شريك لك لبيك, إن الحمد والنعمة لك والملك, لا شريك لك " لا يزيد على هؤلاء الكلمات. " وفي حديث ابن عمر: سمعت رسول الله ﷺ : يهل ملبدا ". أي: مغسول الرأس بما فيه غروية بضم الشعر بعضه إلى بعض, يقال: لبد رأسه: إذا جعل فيه من نحو صمغ أو خطمي ليلبد شعره, فلا يتشعث ولا يقع فيه الهوام ". ... ٥٢٥ - ١٨٣٠ - وعن ابن عمر ﵄: أن رسول الله ﷺ كان إذا

стр. 652

أدخل رجله في الغرز واستوت به ناقته قائمة أهل من عند مسجد ذي الحليفة " وعنه: " أنه ﵇ كان إذا أدخل رجله في الغرز, واستوت به ناقته قائمة, أهل من عند مسجد ذو الحليفة. "الغرز" بسكون الراء: ركاب الرجل من جلد, فإن كان من خشب أو حديد فهو ركاب. " واستوت به " أي: قامت مستوية, وهو على ظهرها. قوله: " أهل من عند مسجد ذي الحليفة " يريد به أن مبدأ إهلاله كان منه. ... ٥٢٦ - ١٨٣٣ - وقالت عائشة ﵂: خرجنا مع رسول الله ﷺ عام حجة الوداع, فمنا من أهل بعمرة, ومنا من أهل بحجة وعمرة, ومنا من أهل بالحج, وأهل رسول الله ﷺ بالحج, فأما من أهل بالعمرة فحل, وأما من أهل بالحج أو جمع الحج والعمرة فلم يحلوا حتى كان يوم النحر. " وقالت عائشة ﵂: خرجنا مع رسول الله ﷺ عام حجة الوداع, فمنا من أهل بعمرة ... , ومنا من أهل بالحج, وأهل رسول الله ﷺ بالحج, فأما من أهل بعمرة فحل, وأما من أهل بالحج,

стр. 653

أو جمع الحج والعمرة فلا يحلوا حتى كان يوم النحر". الحديث دليل على جواز الإفراد والقران, وأن الإفراد أفضل لاختيار النبي ﷺ إياه. ... ٥٢٧ - ١٨٣٤ - وقال ابن عمر ﵄: تمتع رسول الله ﷺ في حجة الوداع بالعمرة إلى الحج, بدأ فأهل بالعمرة, ثم أهل بالحج. " وما روى ابن عمر قال: تمتع رسول الله ﷺ في حجة الوداع بالعمرة إلى الحج, بدأ فأهل بالعمرة, ثم أهل بالحج ". لا يعادله, لأن عائشة كانت أعلم بحال الرسول [رسول] الله وأقرب منه منزلة, وحديثها تعاضده أحاديث أخر, منها: قصة حجة الوداع على ما رواها جابر بن عبد الله. ... ٥٢٨ ١٨٣١ - وقال أبو سعيد ﵁: خرجنا مع رسول الله ﷺ نصرخ بالحج صراخا. " وقول أبي سعيد: خرجنا مع رسول الله ﷺ نصرخ بالحج صراخا - أي: نصيح بالتلبية - ونهل بها ". وما رواه بكر بن عبد الله المزني عن عبد الله بن عمر أيضا: أنه - عليه

стр. 654

السلام - لبى بالحج وحده. ولعل الأمر اشتبه عليه, أو على من روى منه, لما رأى أنه ﵇ كان قد أمر الناس بالتمتع كما رواه جابر في قصة حجة الوداع, وابن عمر في تتمة هذا الحديث على ما أورده الشيخان في " جامعيهما " فظن أنه أيضا تمتع. ألا ترى أنه حكى فيه فعله على خلاف وضع التمتع, فقال: " فأتى الصفا, وطاف بالصفا والمروة سبعة أطواف, ثم لم يحلل من شيء حرم منه حتى قضى حجه, ونحر هديه يوم النحر, وأفاض وطاف بالبيت حل من كل شيء حرم منه " ... ٣ - باب قصة حجة الوداع من الصحاح:٥٢٩ - ١٨٤١ - قال جابر بن عبد الله ﵁: إن رسول الله ﷺ مكث بالمدينة تسع سنين لم يحج, ثم أذن في الناس بالحج في العاشرة فقدم المدينة بشر كثير, فخرجنا معه حتى إذا أتينا ذا الحليفة ولدت أسماء بنت عميس محمد بن أبي بكر, فأرسلت إلى رسول الله ﷺ : كيف أصنع؟ قال: " اغتسلي, واستثفري, بثوب وأحرمي, فصلى

стр. 655

- يعني رسول الله ﷺ ركعتين في المسجد, ثم ركب القصواء حتى إذا استوت به ناقته على البيداء, أهل بالتوحيد, " لبيك اللهم لبيك, لا شريك لك, إن الحمد والنعمة لك والملك, لا شريك لك, وقال جابر: لسنا ننوي إلا الحج, لسن نعرف العمرة, حتى إذا أتينا البيت معه استلم الركن وطاف شبعا: رمل ثلاثا, ومشى أربعا, ثم تقدم إلى مقام إبراهيم فقرأ: ﴿واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى﴾ , فصلى ركعتين جعل المقام بينه وبين البيت. ويروى: أنه قرأ في الركعتين: ﴿قل ياأيها الكافرون﴾ , ﴿قل هوالله أحد﴾ ثم رجع إلى الركن فاستلمه, ثم خرج من الباب إلى الصفا, فلما دنا من الصفا قرأ: ﴿إن الصفا والمروة من شعائر الله﴾ , أبدأ بما بدأ الله به, فبدأ بالصفا, فرقى عليه حتى رأى البيت, فاستقبل القبلة, فوحد الله وكبره, وقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له, له الملك وله الحمد, وهو على كل شيء قدير, لا إله إلا الله وحده أنجز وعده, ونصر عبده, وهزم الأحزاب وحده " ثم دعا بين ذلك, قال مثل هـ ثلاث مرات, ثم نزل فمشى إلى المروة, ففعل على المروة كما فعل على الصفا حتى انصبت قدماه في يطن الوادي سعى, حتى إذا أصعدت قدماه مشى, حتى أتى المروة, ففعل على المروة والناس تحته فقال: " لو أني استقبلت من أمري ما استدبرت

стр. 656

لم أسق الهدي, وجعلتها عمرة, فمن كان منكم ليس معه هدي فليحل وليجعلها عمرة " فقام سراقة بن جعشم فقال: يا رسول الله! ألعامنا هذا أم للأبد؟ فشبك رسول الله ﷺ أصابعه وقال: دخلت العمرة في الحج, مرتين, " لا بل لأبد الأبد " وقدم علي من اليمن ببدن النبي ﷺ , فقال: " ماذا قلت حين فرضت الحج " قال: قلت: اللهم إني أهل بما أهل به رسولك ﷺ , قال: " فإن معي الهدي " قال: " فأهد, وامكث حراما, فلا تحل " وقال: فكان جماعة الهدي الذي قدم به علي من اليمن والذي أتى به النبي ﷺ مائة, قال: فحل الناس كلهم وقصروا, إلا النبي ﷺ ومن كان معه هدي, فلما كان يوم التروية توجهوا إلى منى, فأهلوا بالحج, وركب النبي, فصلى بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر, ثم مكث قليلا حتى طلعت الشمس, وأمر بقبة من شعر فضربت له بنمرة, فسار, فنزل بها, حتى إذا زاغت الشمس أمر بالقصواء فرحلت له, فأتى بطن الوادي, فخطب الناس, وقال: " إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا, فس شهركم هذا, في بلدكم هذا, ألا كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع, ودماء الجاهلية موضوعة, وإن أول دم أضع من دمائنا دم ابن ربيعة بن الحارث - كان مسترضعا في بني سعد فقتلته هذيل - وربا الجاهلية موضوعة, وأول ربا أضع من ربانا ربا العباس بن عبد المطلب, فإنه موضوع

стр. 657

كله, فاتقوا الله في النساء, فإنكم أخذتموهن بأمان الله, واستحللتم فروجهن بكلمة الله, ولكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحدا تكرهونه, فإن فعلن ذلك فاضربهن ضربا غير مبرح, ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف, وقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به: كتاب الله, وأنتم تسألون عني, فما أنتم قائلون؟ " قالوا: نشهد أنك قد بلغت وأدت ونصحت, فقال بإصبعه السبابة يرفعها إلى السماء, وينكتها إلى الناس: " اللهم أشهد, اللهم أشهد, اللهم أشهد " ثلاث مرات, ثم أذن بلال, قم أقام فصلى الظهر ثم أقام فصلى العصر, ولم يصل بينهما شيئا, ثم ركب حتى أتى الموقف, فجعل بطن ناقته القصواء إلى الصخرات, وجعل حبل المشاة بين يديه, واستقبل القبلة, فلم يزل واقفا حتى غربت الشمس, وأردف أسامة خلفه, ودفع حتى أتى المزدلفة, فصلى بها المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين, ولم يسبح بينهما شيئا, ثم اضطجع حتى طلع الفجر, فصلى الفجر حين تبين له الصبح بأذان وإقامة ثم ركب القصواء حتى أتى المشعر الحرام, فاستقبل القبلة, فحمد الله وكبره وهلله ووحده, فلم يزل واقفا حتى أسفر جدا, فدفع قبل أن تطلع الشمس, وأردف الفضل بن عباس ﵄ حتى أتى بطن الجمرة الكبرى, حتى أتى الجمرة التي عند الشجرة, فرماها بسبع

стр. 658

حصيات, يكبر مع كل حصاة منها مثل حصى الخذف, فرمى من بطن الوادي , ثم انصرف إلى المنحر, فنحر ثلاثا وستين إبلا بيده, ثم أعطى عليا فنحر ما غبر, وأشركه في هديه, ثم أمر من كل بدنة ببضعة, فجعلت في قدر فطبخت, فأكلا من لحمها, وشربا من مرقها, ثم ركب رسول الله ﷺ فأفاض إلى البيت, فصلى بمكة الظهر, فأتى بني عبد المطلب يسقون على زمزم, فقال:: انزعوا بني عبد المطلب, فلولا أن يغلبكم الناس على سقايتكم لنزعت معكم " فناولوه دلوا, فشرب منه. (قصة حجة الوداع) (من الصحاح): " قال جابر بن عبد الله: إن رسول الله ﷺ : مكث بالمدينة تسع سنين لم يحج " الحديث. فرض الحج سنة ست من الهجرة, وكان المسلمون والمشركون يجتمعون عليه في الموسم, وكانوا ينسؤون في كل عامين من شهر إلى شهر, حتى دخلت السنة التاسعة, فنزلت حرمة النسيء, واستقر الأمر على أن يكون الحج أبدا في ذي الحجة, وأن المشركين لا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا. وكان أبو بكر ﵁ أميرا على الحج في تلك السنة, فلما جاءت السنة العاشرة, وكان الحج مستقر الأمر مخصوصا بالمسلمين,

стр. 659

مخلصا من شوائب الكفر وما كانت من عاداتهم السيئة, مأمونا عن مصادمتهم ومصادفتهم فيه = عن له ﵇ أن يحج. قوله: " ثم ركب القصواء " (القصواء): ناقة كانت لرسول الله ﷺ سميت بذلك, لأنها كانت مقطوعة طرف الأذن, يقال: ناقة قصواء, وشاة قصواء: إذا كانت مقطوعة الأذن, من: قصوت البعير والشاة أقصو قصوا: إذا قطعت طرف أذنه, وهو شاذ, لأن قياس (فعلاء) أن يكون من: فعل, ولذلك لم يقل: جمل أقصى, بل مقصو ومقصي, ونظيره في الشذوذ: (حسناء) من: حسن, يقال: امرأة حسناء, ولا يقال: (رجل أحسن) في النعت, وقيل: سميت بذلك لسبقها وإبعادها في السير. وقوله:" لسنا نعرف العمرة " أي: ما قصدناها, ولم يكن في ذكرنا, أو لا نرى العمرة في أشهر الحج, استصحابا لما كان من معتقد أهل الجاهلية, فإنهم كانوا يرون العمرة محصورة في أشهر الحج, ويعتمرون بعد مضيها. وقوله: " رمل ثلاثا" أي: أسرع في المشي. وقوله: " حتى انصبت قدماه في الوادي " أي: انحدرت مجاز من قولهم: صب الماء فانصب. وقوله: " ومشى حتى إذا صعدت قدماه " أي: أبعدت قدماه وذهبت, و (الإصعاد): الذهاب في الأرض والإبعاد فيها سواء كان في صعدة أو وهدة, كما قال تعالى: ﴿إذ تصعدون ولا تلوون على

стр. 660

أحد﴾ [آل عمران:١٥٣] , وارتفعت قدماه من بطن الوادي إلى المكان العالي, ويدل عليه إطلاقه في مقابلة الانصباب في بطن الوادي. وقوله: " لو أني استقبلت ما استدبرت لم أسق الهدي وجعلتها عمرة, فمن كان منكم ليس معه هدي فليحل, وليجعلها عمرة " معناه: لو علمت من أمري, أي: ما أمر الله وأوحى أول الأمر, ما علمت آخره لم أسق الهدي, حتى لا يلزمني إتمام الحج والصبر على الإحرام إلى أوان الذبح. " وجعلتها " أي: الحجة عمرة كما أمرتكم به, موافقة لكم, ومساواة بكم, لما أراد أن يأمرهم بجعل الحج عمرة, والإحلال بأعمالها تأسيسا للتمتع, وتقريرا لجواز العمرة في أشهر الحج, وإماطة لم ألفوا من التحرج عنها = قد قدم العذر في استمراره على ما أهل به, وتركه موافقتهم في الإحلال, تطييبا لقلوبهم, وإظهارا لرغبة في موافقتهم, وإزاحة لما عراهم من الفظاظة وكراهة المخالفة. واختلف في جواز الحج إلى العمرة, الأكثرون منعوه, فمنهم من أنكر أن إحرامهم كان بالحج معينا, قال: كان إحرامهم مبهما موقوفا على انتظار القضاء, فأمرهم أن يجعلوه عمرة, ويحرموا بالحج بعد التحلل منها. ومنهم من قال: كان إحرامهم بالحج, فأمروا بالفسخ, ولكن كان ذلك من خاصية تلك السنة, لأن المقصود منه كان صرفهم عن سنن الجاهلية, وتمكين جواز العمرة في أشهر الحج في نفوسهم,

стр. 661

وقد حصل, ويشهد له ما روي عن بلال بن الحارث أنه قال: قلت: يا رسول الله! فسخ الحج لنا خاصة أو لمن بعدنا؟ قال: " لكم خاصة ". وقوم جوزوه إذا لم يسق الهدي, لظاهر هذا الحديث, وهو قول أحمد. قوله: " دخلت العمرة في الحج " أي: في وقته وأشهره, وهو المناسب للحال, وقيل: معناه: دخل عمل العمرة في عمل الحج إذا قرن بينهما. وقيل: معناه: أن العمرة نفسها داخلة في الحج, وفي الإتيان به مندوحة عن الإتيان بها, وأن فرضها ساقط بوجوب الحج وفرضه, وهو قول من لا يرى العمرة واجبة كأبي حنيفة ومالك والشافعي في القديم. قوله: " فقال: ماذا قلت حين فرضت الحج؟ " أي: حين ألزمته نفسك بالإحرام, سأل عن كيفية إحرامه. قوله:" قال: قلت: اللهم إني أهل بما أهل به رسولك "يدل على جواز تعليق الإحرام بإحرام غيره. قوله: " فلما كان يوم التروية توجهوا إلى منى فأهلوا بالحج " أي: اليوم الثامن من ذي الحجة, سمي بذلك, لأن إبراهيم ﵇ تروى فيه من ذبح ولده, وقيل: لأنهم يرتوون فيه من الماء لما بعده

стр. 662

قوله: "وأمر بقبة من شعر تضرب له بنمرة" (نمرة) - بفتح النون وكسر الميم -: جبل عن يمين الخارج من مأزمي عرفة إذا أراد الموقف. قوله: " قال: وإن دماءكم وأموالكم حرام عليكم " ليس لبعضكم أن يتعرض لبعض, فيهريق دمه, أو يسلب ماله حرمة التعرض لهما في هذا اليوم, وهو يوم عرفة, من هذا الشهر, وهو ذي الحجة, في هذا البلد, وهي بلد مكة, أكد التحريم بهذا التشبيه, لما تقرر عندهم ورسخ في قلوبهم أنها محرمة, وأن استباحة الدماء والأموال فيها هتك للحرمات وأعظم الخطيئات. قوله: " ألا كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع ": مجاز عن التجافي عنه والإبطال. قوله: " ودماء الجاهلية موضوعة " أي: محطوطة مهدرة, لا يؤاخذ بها. قوله: " وإن أول دم أضع من دمائنا دم ربيعة بن الحارث " يريد به: الحارث بن عبد المطلب عمه, صحب رسول الله ﷺ وروى عنه, وكان أسن من العباس, وتوفي في أيام عمر, بدأ بما هو أخص وأكثر تعلقا به, فوضع أولا دم ابن عمه الذي قتلته هذيل, وربا عمه عباس بن عبد المطلب, ليكون أدعى إلى القبول, وأمكن في القلوب, وأقطع للطمع في الترخص فيه. قوله: " فاتقوا الله في النساء, فإنكم أخذتموهن بأمان الله " أي:

стр. 663

بعهده, عهد إليكم بالرفق بهن والشفقة عليهن, " واستحللتم فروجهن بكلمة الله " أي: بأمره وحكمه. " ولكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحدا تكرهونه " أي: من حقوقكم عليهن: ألا يدخلن في مساكنكم ولا يجلسن مجالسكم أحدا بغير إذنكم ودون رضاكم, عبر عن عدم الإذن والرضا بدخوله بكراهته, فإن من رأى أحدا دخل منزله بغير إذنه كرهه وتأذى منه. " فإن فعلن فاضربوهن ضربا غير مبرح " أي: شديد, من: برح به الشوق تبريحا: إذا اشتد بحيث جهده, و (برحاء الوحي): شدته. قوله: " فقال بإصبعه السبابة " أي: أشار " يرفعها إلى السماء وينكتها إلى الناس " أي: يحركها إليهم مشيرا كالذي يضرب بها الأرض, والنكت: ضرب رأس الأنامل إلى الأرض. قوله:" فجعل بطن ناقته القصواء إلى الصخرات, وجعل حبل المشاة بين يديه ": (الصخرات): يريد بها الصخرات اللاصقة بسفح الجبل, وهو موقف الإمام, وكان رسول الله ﷺ يتحرى الوقوف به, و (حبل المشاة) - بالحاء المهملة -: جبل بعرفة, وإضافته إلى المشاة, لاجتماعهم عليه, وقيل: هو رمل مستطيل دون الحبل, والحبل: هو المستطيل من الرمل, وقيل: الضخم منه, وجمعه: حبال. قوله:" ودفع حتى أتى مزدلفة " أي: ارتحل ومضى و (مزدلفة): منزل بن عرفا تومنى, سمي بذلك, لاقتراب الناس إلى

стр. 664

منى بالإضافة من عرفات إليها, أو لازدلاف حواء إلى آدم بها, كما سمي جمع ' لاجتماعهما فيه. قوله:" حتى أتى بطن محسر " أي: وادي محسر, وهو واد معترض للطريق. قوله: " حصى الخذف " أي: الحصى الذي يرمى برأس الأصابع, و (الخذف) بالخاء والذال المعجمتين: الرمي برأس الأصابع. قوله: " ثم أعطى عليا ﵁ فنحر ما غبر" أي: بقي, من: الغبور, وهو من أسماء الأضداد. ومن فوائد هذا الحديث: أن ابتداء الطواف ينبغي أن يكون من الركن, أعني: الركن الذي فيه الحجر الأسود, فإنه وإن أطلق الركن هاهنا قيد بذلك في حديثه الآخر المودع في (باب الطواف) , وأن استلام الركن كل مرة سنة, وهو لمسه وتقبيله, من: السلام, كان المسلم يسلم بيده عليه, أي: يصافحه. وقيل: من (السلمة) بالكسر, وهي ضرب من الحجارة, والجمع: سلام. وأن صلاتي الظهر والعصر تجتمعان بعرفة تقديما, وصلاتي المغرب والعشاء تجتمعان بمزدلفة تأخيرا. وقد اختلف العلماء في أن الموجب لهذا الجمع هو السفر أو النسك, وإلى الأول ذهب عطاء ومجاهد, وبه قال الزهري وابن جريج

стр. 665

والثوري وأبو حنيفة والشافعي في أحد قوليه, وأحمد وإسحاق. ويدل عليه ما روي عن عمر بن الخطاب ﵁: أنه كان إذا قدم مكة صلى لهم ركعتين, ثم قال: يا أهل مكة! أتموا صلاتكم, فإنا قوم سفر " ولم ينكر عليه. وإلى الثاني مال الأوزاعي ومالك وسفيان بن عيينة. وأن الإمام يستحب له أن يقف في الموقف إلى أن تغرب الشمس, ثم يدفع إلى مزدلفة ويبيت بها, ثم يرتحل منها إلى منى قبل طلوع الشمس, وكان أهل الجاهلية يقفون بها حتى تطلع. وأن التلبية تبدل بالتكبير عند رمي الجمار, واختلف في أول زمان يقطع التلبية, فقال بعضهم: إنها تقطع مع أول حصاة ترمى إلى جمرة العقبة يوم النحر, وهو قول الثوري وأبو حنيفة والشافعي, ويدل عليه ما روى الشافعي بإسناده عن ابن عباس أنه قال: أخبرني الفضل بن عباس: أن رسول الله ﷺ أردفه من جمع إلى منى, فلم يزل يلبي حتى رمى الجمرة. وقال مالك: يلبي حتى تزول الشمس من عرفة, ثم يقطعها, وقد روي ذلك عن علي وعائشة ﵄. وقال الحسن: إذا صلى الصبح يقطعها, وقد روي عن ابن عمر: أنه كان يتركها إذا غدا من منى إلى عرفة. وقال أحمد وإسحاق: يقطعها بعد الفراغ من رمي الجمرة, لأن لفظة (حتى) تستدعي دخول ما بعدها فيما قبلها, وهو يخالف ما رواه

стр. 666

جابر في هذه القصة, مع أن (حتى) لا تستدعي الاستمرار على التلبية إلى الفراغ من الرمي. وأن مباشرة ذبح الأضاحي خير من التوكيل فيه. وقد قيل: إنه ﵊ إنما ذبح بيده ثلاثا وستين بدنة, ليكون لكل سنة من عمره واحدة, والله أعلم بحقائق الأمور من ذلك. ... ٤ - باب دخول مكة والطواف من الصحاح: ٥٣٠ - ١٨٤٥ - قال نافع: إن ابن عمر ﵄ كان لا يقدم مكة إلا بات بذي طوى حتى يصبح, ويغتسل, ويدخل مكة نهارا, وإذا نفر مر بذي طوى, وبات بها حتى يصبح, ويذكر أن النبي ﷺ كان يفعل ذلك ". (باب دخول مكة والطواف) (من الصحاح): " قال نافع: إن ابن عمر كان لا يقدم مكة إلا بات بذي طوى,

стр. 667

حتى يصبح ويغتسل ويدخل مكة نهارا, وإذا نفر مر بذي طوى وبات بها حتى يصبح, ويذكر أن النبي ﷺ كان يفعل ذلك ". "ذو طوى " - بفتح الطاء وضمها -: موضع بمكة داخل الحرم. والحديث دليل على أن المبيت به ذهابا وإيابا, والغسل لدخول مكة, ودخولها نهارا, من السنن. ... ٥٣١ - ١٨٤٧ - عن عروة بن الزبير: قد حج النبي ﷺ فأخبرتني عائشة ﵂ أن أول شيء بدأ به حين قدم أنه توضأ, ثم طاف بالبيت, ثم لم تكن عمرة, ثم حج أبو بكر ﵁ فكان أول شيء بدأ به الطواف بالبيت, ثم لم تكن عمرة, ثم عمر, ثم عثمان مثل ذلك. " وقال عروة بن الزبير: قد حج النبي ﷺ , فأخبرتني عائشة أنه أول شيء بدأ به حين قدم أنه توضأ, ثم طاف بالبيت, ثم لم تكن عمرة, ثم حج ". هكذا رواه البخاري, وروى غيره: " ثم لم يكن غيره " بدل: " ثم لم تكن عمرة ". على الأول معناه: أنه ﵇ أفرد بالحج في تلك السنة, ولم يكن منه عمرة, وعلى الثاني: الأولى أن يحمل على هذا, توفيقا

стр. 668

بين الروايتين, ويحتمل أن يفسر بأنه لم تكن هناك له تحلل من الإحرام, بل أقام على إحرامه حتى نحر هداياه. وفيه دليل على استحباب طواف القدوم. ... ٥٣٢ - ١٨٥٣ - وقال ابن عباس ﵄: طاف النبي ﷺ في حجة الوداع على بعير يستلم الركن بمحجن ". " وعن ابن عباس قال: طاف النبي ﷺ في حجة الوداع على بعير, يسلم الركن بمحجن " (المحجن): خشب في رأسه اعوجاج كالكلاب يحرك به البعير, من قولك (حجنت الشيء): إذا جذبته وضممته إلى نفسك, وهو دليل على جواز الطواف راكبا, والمشي فيه أفضل, وإنما ركب رسول الله ﷺ في حجة الوداع, لأن الناس غشوه وازدحموا عليه, فركب ليشرف لهم, ويراه القريب والبعيد. وأن الطائف إذا عسر عليه أن يستلم بيده فله أن يستلم بسوط ونحوه. ... ٥٣٣ - ١٨٥٦ - وقالت عائشة ﵂: خرجنا مع النبي ﷺ لا نذكر إلا الحج, فلما كنا بسرف طمثت, فدخل النبي صلى الله عليه وسلم

стр. 669

وأنا أبكي, فقال: " لعلك نفست "؟ قلت: نعم, قال: " فإن ذلك شيء كتبه الله على بنات آدم, فافعلي ما يفعل الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت حتى تطهري " " عن عائشة ﵂ قالت: خرجنا مع النبي ﷺ لا نذكر إلا الحج, فلما كنا بسرف طمثت, فدخل النبي ﷺ وأنا أبكي, فقال: لعلك نفست؟ قلت: نعم, قال: فإن ذلك شيء كتبه الله على بنات آدم, فافعلي ما يفعل الحاج غير ألا تطوفي بالبيت حتى تطهري ". " سرف " - بفتح السين وكسر الراء -: موضع على ستة أميال من مكة, ويروى مصروفا وممنوعا على تأويل المكان والبقعة, و (نفست المرأة) - بفتح النون -: طمثت أي: حاضت, و (نفست) -بالضم -: ولدت, وقد جاء فيه الفتح. والحديث دليل على أن الحيض لا يفسد الحج, وأن للحائض أن تأتي بالمناسك كلها غير الطواف, فإنها تؤخره إلى أن تطهر. ... من الحسان: ٥٣٤ - ١٨٦١ - وعن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : " نزل الحجر الأسود من الجنة وهو أشد بياضا من اللبن, فسودته خطايا بني آدم " صحيح.

стр. 670

(من الحسان): " عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ :" نزل الحجر الأسود من الجنة وهو أشد بياضا من اللبن, فسودته خطايا بني آدم ". لعل هذا الحديث جار مجرى التمثيل والمبالغة في تعظيم شأن الحجر الأسود, وتفظيع أمر الخطايا والذنوب. والمعنى: أن الحجر لما له من الشرف والكرامة, وما فيه من اليمن والبركة يشارك جواهر الجنة, فكأنه نزل منها, وأن خطايا بني آدم تكاد تؤثر في الجماد, فتجعل المبيض منها مسودا, فكيف بقلوبهم؟! أو لأنه من حيث إنه مكفر للخطايا محاء للذنوب, لما روي عن ابن عمر: أنه كان يزاحم على الركنين, وقال: سمعت أن النبي ﷺ يقول: " إن مسحهما كفارة للخطايا " = كأنه من الجنة, ومن كثرة تحمله أوزار بني آدم صار كأنه ذا بياض شديد, فسودته الخطايا. هذا, وإن احتمال إرادة الظاهر غير مدفوع عقلا ولا سمعا, والله أعلم بالحقائق والمطلع على ما في الضمائر. ... ٥٣٥ - ١٨٦٢ - وعنه قال: قال رسول الله ﷺ ف الحجر: " والله ليبعثه الله يوم القيامة له عينان بصر بهما, ولسان ينطق به, يشهد على من استلمه بحق, وعلى من استلمه بغير حق ". " وعنه: أنه _ ﵇ قال في الحجر: والله ليبعثه الله يوم
следующие страницы →